هل سيتحول (ChatGPT) إلى مرجع للتقليد؟

آية الله السيد منير الخباز
زيارات:499
مشاركة
A+ A A-

بسم الله الرحمن الرحيم: "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ" صدق الله العلي العظيم.

هل يمكن لنا أن نستقي معتقداتنا من الذكاء الاصطناعي؟ أنستقي البراهين والأدلة على معتقداتنا في أصول الدين من الذكاء الاصطناعي؟ أم لا بد من الاعتماد على العقل البشري؟ وهل يمكن أن يكون نظام "شات جي بي تي" (ChatGPT) مرجعاً للتقليد؟ أي هل يمكن بعد مرور سنين أن يصبح مرجع تقليد الشيعة هو "شات جي بي تي" أو الذكاء الاصطناعي؟ أم لا بد في مرجع التقليد من أن يكون بشراً عاقلاً فقيهاً؟ وهل يمكن الاعتماد على الروبوت في أداء الفعاليات العبادية والمعاملاتية التي تناط بالإنسان؟ هل يمكن أن نعتمد على الروبوت في أداء الصلاة والطواف نيابة عن الإنسان العاجز عن الصلاة والطواف؟ أو يمكن أن نعتمد على الروبوت في إجراء العقود كعقد النكاح أو إيقاع الطلاق عوضاً عن الاعتماد على الإنسان؟ لكون الروبوت قادراً على أن يؤدي الوظيفة بتمام حذافيرها كما يؤديها الإنسان.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

إن هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيق في الأجوبة عنها من خلال طرح مجموعة مهمة من الأسئلة والاستفهامات حول قيمة الذكاء الاصطناعي في الحقل الديني.

ونلفت الانتباه إلى وجود رمز استجابة سريعة (Code) للترجمة إلى اللغة الإنجليزية يظهر على الشاشة، حيث يمكن عبر الهواتف استخدام هذا الرمز لمتابعة المحاضرة مترجمة باللغة الإنجليزية.

ولدينا في هذا المقام عدة أسئلة:

السؤال الأول: ما هو مستوى الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن البرامج اللغوية الضخمة، مثل نظام "شات جي بي تي"، الذي يستخدم شبكة من البيانات العملاقة المدربة على معالجة البيانات وترجمتها تماماً كالخلايا العصبية في دماغ الإنسان. هل تعلمون أن برنامج الذكاء الاصطناعي "شات جي بي تي" يمكنه أن يختصر عشرات السنين من البحث؟ فبإمكانه المرور على عشرات الآلاف من الكتب والمعلومات، ويقوم باستخلاص معلومة من عشرات الكتب والعبارات خلال ثوانٍ معدودة. أي أنه يختصر بحوث عشرات السنين على العقل البشري، مضافاً إلى قدرته على التحكم في الصور والأصوات تركيباً وتفكيكاً، ومضافاً إلى قدرته على تشغيل الروبوت الذي يؤدي الوظائف البشرية؛ كأن يقوم الروبوت مقام طبيب الأشعة في تشخيص المرض، وفي وصف الدواء، ويقوم هذا الروبوت بكثير من الفعاليات التي كانت حكراً على الإنسان. هذا هو مستوى الذكاء الاصطناعي اليوم.

السؤال الثاني: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً؟

من هنا يأتي السؤال الثاني: هل الذكاء الاصطناعي يمتلك وعياً؟ لأن الوعي هو منشأ القيمة العلمية ومورد الحجية والمسؤولية أمام الله؛ فموضوع المسؤولية هو الوعي. فهل يمتلك الذكاء الاصطناعي الوعي؟

ربما يقال إن البرامج اللغوية هي مجرد ببغاوات عشوائية، فالببغاء تكرر الكلام من دون أن تفهمها. والبرامج اللغوية كبرامج غوغل وبرامج "شات جي بي تي" تجمع بين العبارات وتعالج البيانات من دون أن تفهمها، فهي إذن لا تمتلك وعياً.

وقد يعزز ذلك القول بأن الوعي البشري مرتبط بالخلايا الكربونية، وهذه الخلايا الكربونية لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي، وإن كان الذكاء الاصطناعي يمتلك رقائق السيليكون التي يضم بعضها إلى بعض ليكون قادراً على البرمجة ومعالجة البيانات تماماً كدور الخلايا العصبية لدى دماغ الإنسان.

وقد ذهب "برنارد بارس"، أحد أرباب علم الأعصاب المعرفي، إلى القول بأن الذكاء الاصطناعي فاقد للوعي، ولا قيمة له في مجال المسؤولية. ولماذا هو فاقد للوعي؟ قال: لأن الوعي مرتبط بفضاء العمل العصبي الشامل (وهذا مصطلح في علم الأعصاب). والتفتوا إليّ؛ هناك غرفة مركزية في الدماغ تسيطر على مجموعة من الوحدات: الوحدة البصرية، والوحدة السمعية، والوحدة الحسية الداخلية، والذاكرة، وبعض العلماء يضيف إليها عنصر الخبرة، وهذه مجتمعة تشكل وحدات الدماغ. فإذا وفدت المعلومة إلى هذا الفضاء المشترك، تصبح المعلومة قابلة للمشاركة بين هذه الوحدات كلها، وبالتالي تكون متاحة للأنظمة الفرعية في الجسم الإنساني وتنعكس على سلوك الإنسان وقدرته على البيان الواعي. ومن الواضح أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك هذه الغرفة المركزية التي تسيطر على مجموعة من الوحدات المترابطة، إذن هو فاقد للوعي.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

مناقشة مسألة وعي الذكاء الاصطناعي

ما هو تعليقنا على ذلك؟ الذكاء الاصطناعي يمتلك درجة من الوعي، وهذا أمر لا يمكن إنكاره؛ إذ يمتلك القدرة على كتابة البحوث والمقالات، ويمتلك القدرة على برمجة البيانات، ويمتلك القدرة على إنتاج الشعر؛ فالآن الذكاء الاصطناعي ينتج شعراً وينشده. فإذا طلبت منه قصيدة باللغة العربية ينشدها ويؤلفها، فهو يمتلك قدرة على البرمجة والتحليل وتقديم النصائح والإرشادات، وبذلك فهو يمتلك درجة من الوعي، ولعله في المستقبل القريب يمتلك القدرة على ابتكار الأفكار وتحليلها وتفكيكها، وهذا أمر محتمل.

ولكن مع ذلك كله، هو لا يمتلك الوعي الإنساني؛ فهو يمتلك درجة من الوعي، لكنه لا يمتلك الوعي البشري الإنساني. وكيف لا يمتلك الوعي الإنساني؟

إن الوعي الإنساني عبارة عن خطوات أربع متكاملة:

 1. التجربة الحسية.

 2. التجربة الوجدانية.

 3. التجربة المعرفية.

 4. التجربة الفاعلية.

ودعوني أضرب لكم مثالاً: أنت إذا رأيت دماً على جسدك، تبدأ أولاً بتجربة نسميها التجربة الحسية؛ حيث رأيت الدم على جسدك، فالتقطت الحاسة البصرية الصورة ونقلتها إلى الدماغ. ثم تأتي الخطوة الثانية وهي التجربة الوجدانية؛ حيث ينشأ في وجدانك حالة من القلق أو حالة من الحزن متسائلاً: لماذا هذا الدم على جسدي؟ ومن التجربة الوجدانية تنتقل إلى الخطوة الثالثة وهي التجربة الإدراكية المعرفية؛ حيث يقوم الذهن بالتحليل، فينتقل من صورة الدم إلى صورة أن هناك اعتداءً أو هناك جرحاً أو هناك إصابة، وهو انتقال من الأثر إلى المؤثر. ثم تأتي الخطوة الرابعة وهي التجربة الفاعلية؛ بمعنى اتخاذ القرار؛ فبما أنك عرفت بوجود اعتداء، تأتي الآن الخطوة الرابعة وهي اتخاذ قرار بمعالجة هذا الاعتداء.

إن الوعي عبارة عن هذه التجارب الأربع مجتمعة، ومن الواضح أن هذه التجارب الأربع لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يعي أنه يعي؛ أي أنا الآن واعٍ، وواعٍ بأنني واعٍ، وهذا وعي الوعي لا يمتلكه الذكاء الاصطناعي. كما أن الإنسان قادر على أن يجهز نفسه لسلوك موضوعي هادف، والذكاء الاصطناعي لا يقتدر على ذلك. إذن، الوعي الإنساني لا يمتلكه الذكاء الاصطناعي، وإن كان يمتلك درجة من الوعي.

وربما يتصور كثير من الناس أن الذكاء الاصطناعي معصوم، ولكن كلا، فنحن قد جربنا الذكاء الاصطناعي لشهور ووجدنا أنه يخطئ، بل قد يصدر نتائج بناءً على بيانات ناقصة ويدعي أنها بيانات حاسمة أو نتائج قاطعة، بل قد يخترع مصدراً لا وجود له؛ فعندما تراجع مصادر البحث تكتشف أنه يخترع أحياناً مصادر لا وجود لها أصلاً في المكتبة. إذن، الذكاء الاصطناعي ليس معصوماً، كما أن الإنسان ليس معصوماً في وصوله إلى نتائج تفكيره.

ولكن مع ذلك، فإن العلم الذي هو موضوع المسؤولية هو علم الإنسان وليس علم الذكاء الاصطناعي. لاحظوا القرآن الكريم ماذا يقول: "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، فالإنسان هو المخلوق القادر على التعلم وكسب العلم وتطبيقه ونشره. ويقول القرآن الكريم أيضاً: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"، وآدم هو الإنسان المفكر، فهو أول من تعلم.

وعندما نقارن بين آيتين من القرآن الكريم، ماذا نستنتج؟

الآية الأولى قوله تعالى: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"، ولنلاحظ هنا كلمة الفؤاد. ويقول في آية أخرى: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ".

عندما نقارن بين مضمون الآيتين، نستنتج ما يلي: أن العلم الذي هو موضوع المسؤولية هو العلم الناتج عن تصرف الفؤاد في المعلومات. فهناك فؤاد، وهذا الفؤاد هو بمثابة الرئيس المتحكم في المعلومات، والعلم الناشئ عن تحكم الفؤاد وسيطرته على المعلومات هو العلم الإنساني، وهذا العلم هو موضوع المسؤولية، وهو علم لا يتوفر في الذكاء الاصطناعي.

وبذلك نكون قد انتهينا من السؤال الثاني حول مدى امتلاك الذكاء الاصطناعي للوعي.

السؤال الثالث: هل المجتمع البشري يبني التكنولوجيا أم العكس؟

وننتقل الآن إلى السؤال الثالث: هل المجتمع الإنساني يبني التكنولوجيا أم التكنولوجيا هي التي تبني المجتمع الإنساني؟ نحن نبني التكنولوجيا أم التكنولوجيا تبنينا؟ نحن نشكل التكنولوجيا أم التكنولوجيا تشكل مجتمعنا؟ أيهما الأصح؟

وهنا يجيب المفكر الكبير "أليكس بانتلاند" (Alex Pentland)، وهو صاحب كتاب "الحكم المشترك" أو "الفيزياء الاجتماعية"، ويُعد أحد أبرز سبعة علماء بيانات على مستوى العالم بأكمله. في كتابه "الحكم المشترك"، يجيب عن هذا السؤال عبر خطوط ثلاثة:

الخط الأول: إن الإنسان على مدى التاريخ، ومنذ آلاف السنين، إنما تقدم ونهض وبنى حضارته بناءً على مبدأ "الحكمة المشتركة". وما هي الحكمة المشتركة؟ هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بالتعارف؛ إذ يقول تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". وتعارفوا هنا تعني تلاقح التجارب؛ فالبشر لا يمكنهم العيش من دون تجارب مشتركة وتلاقح للأفكار. والتعارف في الآية الكريمة لا يعني مجرد معرفة الأسماء والأنساب، بل يعني تلاقح التجارب والأفكار الدخيلة في بناء الحضارة والمجتمع. فمبدأ تلاقح التجارب المعبر عنه بالتعارف هو الحكمة المشتركة، وعليها نهض المجتمع البشري.

الخط الثاني: إن التقدم التكنولوجي ساهم بلا شك في نقل التجارب البشرية وتوسعة مداها، حتى وصلت إلى تشكيل جمعيات علمية كبرى كالجمعية الملكية البريطانية، وساهم في استفادة إنسان الصين من إنسان أوروبا، وإنسان الشرق من إنسان الغرب، والعكس بالعكس. هذا أمر لا إشكال فيه، فقد ساهمت التكنولوجيا في ذلك نظير مساهمة برامج الملاحة، وأنظمة حجز الرحلات، وطرق البحث عن المعلومات في شبكة الإنترنت؛ فكل ذلك سهل انتقال المعرفة والتجارب الاجتماعية من إنسان إلى آخر.

الخط الثالث: إن برنامج "شات جي بي تي" إنما تكون له فاعلية ثقافية بناءً على ميزان من صممه؛ فمن صممه صممه وفق معايير محددة وهو يسير عليها، فهو في النهاية مجرد أداة.

ولأجل ذلك، نحن نقف بين طريقين:

 الطريق الأول: أن نستخدم الأدوات الرقمية لتقوية الروابط البشرية ولنشر الحكمة المشتركة، وهذا سيسهم في نهوض البشرية وتقدمها إلى أعلى المستويات وأجملها، متى ما كانت الأدوات الرقمية طوع بناننا في نقل الحكمة المشتركة.

 الطريق الثاني: وهو الخطر، ويتمثل في جعل المركزية والسيادة للذكاء الاصطناعي أو للروبوت. فماذا سيحصل حينها؟ إن ذلك سيسهم في هدم النسيج الاجتماعي، وعزل الأفراد عن بعضهم البعض، والقضاء على الروابط المجتمعية. ونحن نرى في زماننا هذا أن كثيراً من الشركات قد سرحت أيديها العاملة، واستغنت بالذكاء الاصطناعي عن الموظفين، والعديد من البنوك فعلت الأمر ذاته. فلم تعد هناك حاجة للإنسان، أو لطاقم التمريض بوجود روبوتات تمريضية، أو لطبيب الأشعة بوجود ذكاء اصطناعي يشخص المرض من خلال قراءة الصور الإشعاعية. لقد بدأنا نستغني عن الإنسان، والخطر ليس في تقدم الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في عزل الإنسان عن التفكير واتكاله واعتماده المطلق على هذه التقنيات، وهنا تكمن المخاوف المستقبلية.

ولذلك يقول "بانتلاند" في الخط الثالث: إن طريق الخلاص من هذه المخاوف يكمن في الانتقال من المركزية إلى اللامركزية. فإذا جعلنا المركزية للذكاء الاصطناعي، فهذا يعني تسليم السيادة للشركات العملاقة العابرة للقارات ولثلة من البشر يتحكمون في مصير البشرية بأسرها عبر أنظمة مصممة في كل المجالات التقنية، وهنا تكمن الكارثة.

بخلاف ما إذا جعلنا المسألة لامركزية؛ بأن تظل المجتمعات البشرية هي التي تتناقل فيما بينها الحكمة المشتركة والتجارب، وتبدع وتفكر وتنتج، بينما يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على كونه مجرد مسارات تنظيمية وقواعد بيانات تشرف على العملية التداولية للأفكار والتجارب.

السؤال الرابع: هل نستقي عقائدنا من الذكاء الاصطناعي؟

ونأتي الآن إلى السؤال الرابع: هل يمكن أن نستقي معتقداتنا في أصول الدين الخمسة (التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد) ولوازمها من الذكاء الاصطناعي؟ بحيث يقرر لنا ما هي أصول ديننا وقوامه؟ أم نعتمد على العقل البشري في تحديد معتقداتنا؟

إن العقل هو الحجة التي نحتج بها طوال هذه السنين، ولا يمكن التعويض عنه بالذكاء الاصطناعي ليقرر لنا أصول الدين. والمعتقدات تنقسم إلى قسمين:

 القسم الأول: ما يطلب فيه اليقين ابتداءً؛ حيث يجب عليك تحصيل اليقين أو الاطمئنان الناشئ عن مناشئ عقلائية في هذه المعتقدات، وهي أصول الدين الخمسة التي يجب أن تطلبها على نحو اليقين.

 القسم الثاني: معتقدات لا يجب طلب اليقين فيها ابتداءً، ولكن إذا قام دليل معتبر عليها جاز التدين بها، ومثال ذلك تفاصيل "الرجعة"؛ فنحن نقرأ في الزيارات: "مقر برجعتكم، مرتقب لدولتكم"، فما هي تفاصيل هذه الرجعة؟ من الذي يرجع؟ الحسين عليه السلام؟ أم الإمام علي؟ أم كل الأئمة؟ أم كل الأنبياء؟ إن هذه التفاصيل ليست من الأصول، ولذا لا يجب طلب اليقين بها ابتداءً، فإن قام عند أحد دليل معتبر عليها جاز له التدين بها، وإلا فلا شيء عليه.

فالقسم الأول من المعتقدات التي يجب فيها تحصيل اليقين أو الاطمئنان العقلائي، هل يمكن الاعتماد فيها على الذكاء الاصطناعي؟ لا يمكن ذلك، والسبب في ذلك أن الاعتقاد أمر وجداني، والوجدان صفة من صفات الإنسان.

السؤال الخامس: هل يغني الذكاء الاصطناعي عن الفقيه؟

ونصل الآن إلى السؤال الخامس، وهو موضع ابتلاء عملي؛ حيث يتساءل كثير من الناس: لماذا نرجع إلى الفقيه وننتظر إجابته؟ لدينا اليوم الذكاء الاصطناعي في بيوتنا وفي متناول أيدينا، نطرح عليه المسألة الفقهية فيقوم بمعالجة البيانات ويعطينا الجواب في ثانية واحدة. فلماذا ننتظر فتاوى الفقهاء في قم المقدسة أو النجف الأشرف، وننتظر وقتاً طويلاً حتى يصل السؤال ويُبحث ويُستنبط ثم يعود الجواب؟ بينما يمكنني معرفة الحكم الشرعي في ثانية واحدة عبر التقنية. لماذا لا يكون الذكاء الاصطناعي هو المرجع، كأن يصبح المرجع هو نظام "شات جي بي تي"؟ ما هي الخصوصية للبشر ما دام الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بهذه المهمة؟

انتبهوا لي جيداً: إن عملية الاستنباط الفقهي ليست معادلات رياضية أو خوارزميات يمكن برمجتها، بل هي عملية معقدة جداً تحتاج إلى ثلاثة أركان أساسية:

الركن الأول: الذوق العرفي

والذوق صفة إنسانية لا تتوفر لغير البشر. والفقيه يستنبط الحكم من الكتاب الكريم والسنة النبوية وسيرة المعصومين، واستنباط الأحكام من هذه الأدلة يحتاج إلى ذوق عربي لكونها بلغة عربية، وتحصيل هذا الذوق يتطلب تجربة تواصلية حية مع المجتمع العربي للوقوف على كيفية فهم الألفاظ والمقارنة بينها. ومن خلال هذه التجربة يحصل الفقيه على الذوق العرفي العام لفهم النصوص. فالأمر ليس معادلة رقمية، بل هو مسألة ذوق واطلاع على تاريخ النص والقرائن الحافة به، مقالية كانت أم زمانية أم ارتكازية عقلائية. والإحاطة بمجموع هذه القرائن هي ما يعين الفقيه على فهم النص، وليست مسألة عابرة.

الركن الثاني: الخبرة

هل يمكن للمكتبة الطبية أن تقوم مقام الطبيب البشري؟ وهل يغني الروبوت عنه؟ كلا، لأن الطبيب يمتلك الخبرة الميدانية؛ فالطبيب الذي مارس المهنة وعالج المرضى طوال عشرين أو ثلاثين سنة اكتسب خبرة تراكمية صاعدة، وهي التي تجعل منه طبيباً حاذقاً قادراً على التشخيص الدقيق ووصف العلاج. والأمر عينه ينطبق على الفقيه؛ فالفقيه يمثل خبرة تراكمية، ولهذا نقول إنه لا يجوز تقليد كل مجتهد؛ لأن الاجتهاد شيء والخبرة العميقة بالفقه شيء آخر، ومرجعية التقليد تتطلب خوضاً في أبواب الفقه لعشرات السنين وخبرة واسعة بالروايات والآيات وأجواء علم الكلام، وهذه الخبرة لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي.

الركن الثالث: الورع في مقام الإفتاء

 فالاستنباط ليس كحل مسألة حسابية جامدة، بل إن الفقيه عندما يستنبط الفتوى يستشعره الخوف من الله، فيلاحظ مآلات الفتوى وما قد ترتبه من مفسدة على المجتمع الإيماني، أو مدى تصادمها مع قواعد شرعية أخرى، أو ما قد تسببه من حرج وضرر للمؤمنين. وهذه الملاحظات الوجدانية والورع لا تتوفر لدى الأنظمة التقنية.

وبناءً على هذه الأركان الثلاثة التي لا تتوفر للذكاء الاصطناعي، قام المرتكز المتشرعي على أن مصدر الفتوى الحجة هو الإنسان العاقل الفقيه العادل الإمامي، كما ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه".

السؤال السادس: تشخيص الموضوعات الخارجية

ونأتي الآن إلى السؤال السادس: هل يمكن الاستناد إلى الذكاء الاصطناعي في تشخيص الموضوعات الخارجية؟ ولكي نوضح ذلك، لا بد من التمييز بين الحكم والموضوع؛ فالحكم مصدره الفقيه، أما تشخيص الموضوع الخارجي فمسؤولية المكلف.

فمثلاً، استقبال القبلة حكم شرعي، ولكن تحديد اتجاه القبلة في الخارج مسؤولية المكلف وليست مسؤولية الفقيه؛ فالفقيه يأمرك بالصلاة باتجاه القبلة، وتحديدها فعلياً يرجع إليك. وكذلك تحديد مواقيت الصلاة، ورؤية الهلال، والبصمة الوراثية، وفحص الحمض النووي (DNA)، وتحديد الحدود الجغرافية للمشاعر المقدسة كحدود مكة والمدينة ومنى وعرفات؛ فهذه كلها تشخيصات للموضوعات وليست تحديداً للأحكام، والمرجع فيها هو المكلف.

وكيف يشخص المكلف هذه الموضوعات؟ الحجة في ذلك هي حصول الاطمئنان الناشئ عن مناشئ عقلائية معتبرة. فإذا حصل لك اطمئنان باتجاه القبلة أو بدخول الوقت بناءً على معطيات يعتد بها العقلاء، فإن هذا الاطمئنان يكون حجة عليك.

وبناءً على هذا، كما تعتمد على الأجهزة الطبية في تحصيل الاطمئنان، وكما تعتمد على الحسابات الفلكية، فإنه يمكن الاعتماد على تشخيص الذكاء الاصطناعي للموضوعات الخارجية (كالقبلة أو الوقت أو البصمة الوراثية) إذا أورثك ذلك اطمئناناً عقلائياً.

السؤال السابع: هل يتسنم الذكاء الاصطناعي منصب القضاء والعبادات النيابية؟

ونصل إلى السؤال السابع: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتسنم منصب القضاء؟ بحيث يكون القاضي هو الذكاء الاصطناعي الذي يطبق القانون ويفصل في الخصومات والمنازعات دون حاجة للمحاكم التقليدية؟

وهل يمكن الاعتماد على الروبوت في الأعمال العبادية النيابية، كأن نستأجر روبوتاً ليصلي أو يحج نيابة عن المتوفى لكونه يؤدي الأعمال بدقة؟

الجواب: لا يمكن ذلك؛ لأنه يشترط في صحة هذه الأعمال العبادية والمعاملاتية نية "قصد القربة"، وقصد القربة أمر وجداني لا يتأتى إلا من الإنسان، والوجدان ليس من صفات الآلات والبرامج اللغوية. ولذلك، فإن الذكاء الاصطناعي غير مؤهل للقضاء، ولا للولاية، ولا للسفارة الإلهية. ولهذا السبب، فإن الأنبياء والأوصياء والأئمة هم من البشر، ولم يرسل الله أنبياء من الجن أو الملائكة بالرغم من وجودهم وطهارتهم، فالنبوة والإمامة والوصاية والسفارة من شؤون الإنسان الحصرية. وحتى السفراء الذين يعينهم المعصومون هم من البشر؛ فالإمام المعصوم يختار سفيراً إنساناً عادلاً تقياً ثقة.

نص محاضرة آية الله السيد منير الخبّاز، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

مواضيع مختارة