نظرية عدالة الصحابة، إنما وُضِعَت لإضفاء الشرعية على اختيار الصحابة للخليفة الأول في السقيفة، وتدارك التهافت المنطقي الهائل في قيامهم بذلك؛ فالإسلام -بما لا يختلف عليه اثنان- قد بُني على مصدرين أساسيين للتشريع، وهما: الله جل وعلا، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). فإذا ما استُحدث مصدر ثالث، فمن البديهي أن يكون منصوصاً عليه من قِبل الله أو رسوله. وهنا يكمن التهافت المنطقي الذي أُشير إليه؛ إذ إن الصحابة هم من جعلوا من أنفسهم مصدراً ثالثاً للتشريع، ليكون اختيارهم شرعياً بوصفهم يمثلون هذا المصدر. وبهذا نكون أمام جملة من الاعتراضات التي تطيح بالنظرية، ومنها:
أولاً: القول بأن صلاحية الصحابة مستمدة من شأنيتهم، وإيمانهم، والتفافهم حول النبي (صلى الله عليه وآله)، والجهاد في سبيل الله؛ وكل هذا مؤيد ومؤكد في كتاب الله حيث وردت آيات كثيرة بهذا المعنى. وإزاء هذا القول، فإن القرآن الذي وردت فيه الآيات المادحة للصحابة (على فرض الأخذ بهذا القول)، قد وردت فيه أيضاً آيات كثيرة تحصر الحاكمية في الله والنبي (صلى الله عليه وآله)، وتؤكد أن ليس للمسلمين الحق في إصدار القرارات بمعزل عنهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [1].. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [2].
ثانياً: الإفراط المبالغ فيه برسم صورة مثالية لا تشوبها شائبة طوال فترة الخلفاء الأربعة، على أساس أن هؤلاء الصحابة كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحوله وفي مدرسته. والحال أن هذه الصورة المثالية لم تتوافر مع الأقوام التي كانت مع عموم الأنبياء والرسل (صلوات الله عليهم). فإذا قلنا إن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء وأفضلهم، فهذا يعني أن باقي الأنبياء قد قصروا في جعل أقوامهم وتابعيهم على الحالة المثالية، وهذا غير ممكن؛ لأن الأمر منوط بالناس واختبارهم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [3]. ومن الجدير بالذكر في هذه النقطة، أننا لو أخذنا بالرواية التي تقول إن الخليفة الأول مات مسموماً، فيصبح الخلفاء الأربعة قد ماتوا قتلاً؛ فكيف يستقيم هذا مع الصورة المثالية للصحابة والمسلمين، بل العالم الإسلامي برمته في تلك الفترة؟! ناهيك عن الحروب والتنازعات التي جرت بين الصحابة والتي يُراد استعراض أحداثها بشكل لا يمس تلك المثالية، فحسب كلام الداعية السلفي محمد العريفي: إن أصحاب علي (عليه السلام) وأصحاب معاوية في صفين، كانوا يتقاتلون في النهار، وفي الليل يتجالسون ويتسامرون!
ثالثاً: بعض الصحابة لا يمكن أن يكون دخولهم للإسلام إيماناً، بل استسلاماً أو حساباً للربح والخسارة، كالصحابة الذين دخلوا الإسلام بعد معركة الخندق؛ وذلك لأن هذه المعركة قد أنهت الصراع بين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وقريش، وصار انتصار الإسلام مسألة وقت لا أكثر، بعد أن استنفدت قريش كل الوسائل الممكنة للقضاء على الدعوة في هذه المعركة. فضلاً عن أن كل سادة قريش قد آمنوا بصدق النبي (صلى الله عليه وآله) في بدء الدعوة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [4]. وعلى وجه الخصوص من أولئك الصحابة خالد بن الوليد، وهو ابن الوليد بن المغيرة الذي قال في وصف القرآن لما سمع من النبي (صلى الله عليه وآله) شيئاً: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، وما يقول هذا بشر".
فيكون الوليد بن المغيرة قد أقر بمصداقية النبي (صلى الله عليه وآله) وأن ما عنده ليس من كلام البشر بل هو المعجز. ثم لا يقف إقراره عند وصف القرآن بأنه ليس من بشر، بل يردفه بإقرار آخر يكشف أنهم إنما يكذبونه لمصالحهم الدنيوية؛ حيث يقول الوليد بن المغيرة -وقد حضر الموسم- لسادة قريش: ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب وقد سمعوا بأمر صاحبكم. فأجمعوا فيه رأياً، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً... (إلى أن قال متجاوزاً اتهامه بالكهانة والجنون والشعر والسحر): ما نقول من شيء من هذا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك.
ولا بد أن خالداً قد اطلع على إقرار أبيه هذا، ثم لا يؤمن بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، بل يُعمل سيفه في قتل المسلمين يوم أحد شر قتلة، ثم يُعلن إيمانه بعد معركة الخندق!
=========
الهوامش: [1] سورة النساء: الآية 59. [2] سورة الشورى: الآية 10. [3] سورة العنكبوت: الآية 2. [4] سورة النمل: الآية 14.