مُرافق سرّي: ماذا تعرف عن «القرين»؟!

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:2792
مشاركة
A+ A A-

كان الشيخ مؤيد في حلقة الدرس التي عقدها في مسجد الحي عندما كان يتلو آيات من القران الكريم توقف عند قوله تعالى: "وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ".

رفع أحد الطلاب يده متسائلاً: "من هو القرين المذكور هنا يا شيخنا؟ أهو الشيطان أم الملك؟" ابتسم الشيخ وقال: "سؤال عميق يفتح لنا بابًا واسعًا لفهم العالم الخفي الذي يحيط بالإنسان في كل لحظة من حياته..."

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

القرين في المفهوم القرآني

تُعد كلمة "القرين" من المفردات ذات الدلالات المتعددة في القرآن الكريم، فقد استخدمها النص القرآني للإشارة إلى كائنين روحانيين يرافقان الإنسان في رحلة حياته: الشيطان الذي يغوي الإنسان من جهة، والملك المُكلف بتسجيل أعماله من جهة أخرى.

تجلت الإشارة القرآنية للقرين الشيطاني بوضوح في سورة الزخرف، حيث يقول الله تعالى: "وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَنِ نُقَيِّض لَهُ شَيطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ"، ثم يصور مشهد الندم والحسرة عند لقاء هذا الإنسان بقرينه يوم القيامة: "حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعدَ المَشرِقَينِ فَبِئسَ القَرِينُ".

كما نجد إشارة أخرى إلى هذا القرين الشيطاني في سورة ق، حيث يتبرأ الشيطان من إغواء الإنسان: "قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطغَيتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ".

أما القرين المَلَكي، فقد أشار إليه القرآن في قوله تعالى: "وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ"، وهو الملك الذي يحفظ على الإنسان عمله ويسجله بدقة متناهية.

الوسواس الخنّاس

يبدو من خلال التأمل في النصوص القرآنية أن الوسواس يمثل صنفًا مختلفًا عن القرين الشيطاني، إذ تتمحور وظيفته حول الوسوسة في صدور الناس بشكل محدد. وفي هذا السياق، تأتي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) توضح هذه الثنائية، حيث قال: "ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان، أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: (وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنهُ)".

ومن الناحية اللغوية، يشير أصل كلمة "الوسواس" إلى الصوت الخفي أو حديث النفس، ويشمل مفهومه كل ما يخطر على قلب الإنسان من خواطر وأفكار عابرة.

الكرام الكاتبون: رصد دقيق لتفاصيل الحياة

أما الملائكة المعروفون بـ"الكرام الكاتبين"، فهم ملائكة الأعمال الموكلون بإحصاء أفعال البشر. ويرافق كل إنسان ملكان: أحدهما مختص بتسجيل الحسنات والأعمال الصالحة، والآخر مسؤول عن تدوين السيئات والأفعال السلبية.

وقد عُرفا في التراث الإسلامي باسمي "رقيب وعتيد"، حيث يتولى "رقيب" مهمة كتابة الحسنات، بينما يختص "عتيد" بتسجيل السيئات. ومن اللطائف المنقولة في هذا الباب أن "عتيد" لا يُسجّل شيئًا إلا بعد شهادة "رقيب"، ما يشير إلى أن كاتب الحسنات يتمتع بمرتبة أعلى من نظيره المسؤول عن تسجيل السيئات.

وهكذا، تقدم لنا الرؤية القرآنية صورة متكاملة عن المحيط غير المرئي الذي يرافق الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، سواء في شكل قرين شيطاني يحاول إغواءه، أو قرين ملكي يسجل أعماله، أو وسواس يهمس في صدره بالشر، أو ملك يلهمه الخير ويرشده إلى طريق الصلاح.

مواضيع مختارة