اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
إشارات: يطرح القرآن الكريم وجهين من الهداية:
أ) الهداية التكوينية: نظير هداية النحل وغريزته في امتصاص رحيق الأزهار، وفي صنع القرص الشمعي، أو هداية الطيور في هجرتها في رحلتي الصيف والشتاء، ويبيّن القرآن الكريم هذا النوع من الهداية في قوله تعالى: «رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» [سورة طه: الآية ٥٠]¹.
ب) الهداية التشريعية: والمتمثّلة في إرسال الرسل والأنبياء والكتب السماوية لهداية البشر.
ذُكرت كلمة «الصِّرَاطَ» [“الصّراط” جسر في يوم القيامة على جهنّم، يعبر جميع الناس عليه]² في القرآن الكريم ما يزيد عن أربعين مرّة. إنّ اختيار النهج الفكري دلالة على شخصية الإنسان ووعيه.
هناك عدّة طرق غير إلهية أمام الإنسان عليه اختيار أحدها:
- طريق طلباته ورغباته.
- طريق توقّعات الناس وأهوائهم.
- طريق وساوس الشيطان.
- طريق الطواغيت.
- طريق الأجداد والماضين.
- طريق الله وأوليائه.
أمّا الإنسان المؤمن فيختار طريق الله وأوليائه، لما يتميّز به على الطرق الأخرى، ومن جملة هذه المزايا:
أ) الطريق الإلهي طريق راسخ وثابت، على العكس من طرق الطواغيت وأهواء الناس والأهواء الشخصية التي تتغيّر في كلّ يوم.
ب) الصّراط المستقيم واحد، وهناك الطرق الأخرى المتعدّدة والمتفرّقة.
ج) السير في هذا الطريق ينتهي بالإنسان إلى هدفه المنشود.
د) لا خسران أو فشل في هذا الطريق. الصّراط المستقيم، هو طريق الله «إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة هود: الآية ٥٦]³.
- الصّراط المستقيم طريق الأنبياء، «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس-٣] عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة يس: الآيتان ٣ ـ ٤]⁴.
- الصّراط المستقيم، طريق العبودية لله، «وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ» [سورة يس: الآية ٦١]⁵.
- الصّراط المستقيم، طريق التوكّل على الله، «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة آل عمران: الآية ١٠١]⁶.
- الصّراط المستقيم، طريق التوحيد والاستعانة بالله وحده. [نظراً إلى أنّ الألف واللام في “الصّراط” تشير إلى طريق التوحيد نفسه في الآية السابقة]⁷
- الصّراط المستقيم، هو كتاب الله. [طبقاً لرواية في تفسير مجمع البيان ج ١، ص ٥٨]⁸
- الصّراط المستقيم، طريق الفطرة السليمة. [طبقاً لرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الصافي، ج ١، ص ٨٦]⁹
- ينبغي للإنسان أن يستعين بالله في اختياره الصّراط المستقيم وفي الثبات عليه، مثل المصباح الكهربائي فإنّ إنارته تتطلّب تزويده في كلّ لحظة بطاقة كهربائية من المولّد، «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».
- كلّ مسلم يدعو الله في كلّ صلاة أن يهديه إلى الصّراط المستقيم، حتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السلام يدعون الله أن يثبّت خطاهم على الصّراط المستقيم.
- يجب على الإنسان أن يدعو الله ليهديه إلى الصّراط المستقيم في أيّ أمرٍ كان، اختيار العمل، أو الصديق، أو الفرع الدراسي أو الزوجة… إذ، ربّما كانت معتقدات الإنسان سليمة لا غبار عليها، لكنّه عند التطبيق يتعرّض لمزالق أو منحدرات، أو بالعكس، إذن، فطلب الصّراط المستقيم من الله في كلّ لحظة أمرٌ ضروري.
- للصّراط مدارج ومراحل، لذلك حتى أولئك الذين يسيرون في طريق الحقّ، مثل أولياء الله، ينبغي لهم أن يدعوا الله أن يثبّتهم على طريق الحقّ، وأن يزيدهم من نور الهداية، «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى» [القائل هذه العبارة]¹⁰.
- الصّراط المستقيم هو الطريق الوسطى التي أوصى بها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: “اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادّة”. [بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣]¹¹
- الصّراط المستقيم هو الاعتدال والوسطية والاحتراز من أيّ إفراط أو تفريط، إن في العقيدة أو في العمل. فهذا يخرج عن الجادة بتطرّفه عقائدياً، وذاك في العمل والأخلاق، وهذا ينسب جميع الأعمال إلى الله، لدرجة أنّه يسلب الإنسان كلّ دور واختيار في تقرير مصيره، وآخر يرى نفسه الفعّال لما يشاء، دون أيّ رقابة أو حساب من الله، واحد يعتقد بأنّ رسل السماء كالناس العاديّين وأحياناً سحرة أو مجانين، والثاني يرفعهم إلى منزلة الله. هذا يرى أنّ زيارة الأئمّة المعصومين والشهداء بدعة، والآخر يُفرط في تقديس واحترام كلّ حجر وشجر، ويتّخذها قبلة يتوسّل بها، هذا يرى أنّ الاقتصاد هو القاعدة والأساس، والثاني يزهد في شؤون الدنيا ويطوي عنها كشحاً، بعضهم يبدي غيرة مفرطة في حياته، والآخر يطلق العنان لزوجته لتسرح وتمرح في الأسواق والشوارع سافرة دونما رقيب أو حجاب يسترها، هذا يفرط في البخل، والثاني يبسط يده كلّ البسط فيسرف ويبذّر بلا حساب، هذا يعتزل الخلائق، وذاك يفرّط في الحقّ من أجل الخلق… إلخ.
هذه السلوكيات والأعمال انحرافٌ عن صراط الهداية المستقيم. لقد جعل الله دينه القويم هو الصّراط المستقيم، حيث ورد عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام في الروايات: “نحن الصّراط المستقيم”، بمعنى، أنّهم التجسيد العملي والموضوعي للصّراط المستقيم، والأسوة الكاملة للسّير في طريق رُسُل السّماء، لقد أوصى أولئك العظماء شيعتهم بالاعتدال والوسطية في جميع شؤون الحياة، في العمل، والترفيه، والدرس، والمأكل والإنفاق والانتقاد والغضب والصلح وحبّ الأبناء… إلخ. والمثير للعجب أنّ إبليس يكمن لنا في هذا الصّراط المستقيم¹².
لقد وردت في القرآن والروايات أمثلة عديدة تحثّ على توخّي جانب الاعتدال، وتنهى عن الإفراط والتفريط، لنتأمّل هذه الأمثلة:
- «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» [سورة الأعراف: الآية ٣١]¹⁶.
- «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ» [سورة الإسراء: الآية ٢٩]¹⁷.
- «وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» [سورة الفرقان: الآية ٦٧]¹⁸.
- «وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا» [سورة الإسراء: الآية ١١٠]¹⁹.
- كن برّاً بوالديك؛ «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» [سورة البقرة: الآية ٨٣]²⁰، ولكن إذا أرادا حرفك عن سبيل الله، فلا تطعهما، «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا» [سورة لقمان: الآية ١٥]²¹.
- النبيّ يحمل رسالة عامة؛ «وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا» [سورة مريم: الآية ٥١]²², وفي ذات الوقت، يدعو عشيرته الأقربين، «وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ» [سورة مريم: الآية ٥٥]²³.
- لقد أمر الإسلام بالصلاة وهي المرقى الذي يصل العبد بالخالق؛ «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ»، وأوصى أيضاً بأداء الزكاة، وهي جسر بين العبد والناس، «وَآتُوا الزَّكَاةَ» [سورة البقرة: الآية ٤٣]²⁴.
- لا نتأثّر بالمحبّة فنزيغ عن شهادة الحقّ؛ «شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ» [سورة النساء: الآية ١٣٥]²⁵ ولا ننقاد للعداوات فننحرف عن جادة العدل والصواب، «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ» [سورة المائدة: الآية ٨]²⁶.
- للمؤمن وجهان؛ «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» و«رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» [سورة الفتح: الآية ٢٩]²⁷.
- فهو يحتاج للإيمان القلبي؛ «آمَنُوا» ليعضده بالعمل الصالح «عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» [سورة البقرة: الآية ٢٥]²⁸.
- يحتاج إلى الدموع والدعاء وطلب النصرة من الله؛ «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا» [سورة البقرة: الآية ٢٥٠]²⁹، ويحتاج إلى المصابرة والثبات في الشدائد، «عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» [سورة الأنفال: الآية ٦٥]³⁰. كان الإمام الحسين (عليه السلام) يذرف الدموع ويبتهل إلى الله في جوف الليل، وفي الوقت نفسه، كان يحدّ سيفه لمحاربة الأعداء.
- في يوم عرفة غداة عيد الأضحى يبتهل الحاج إلى الله تعالى، وفي صبيحة العيد يشهد ذبح الأضحية.
- يبيح الإسلام الملكيّة الخاصّة، “الناس مسلّطون على أموالهم”، لكنّه يمنع الإضرار بالآخرين، ويحدّ منه. “لا ضَرر ولا ضِرار”. [بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٧٢]³¹ [الكافي، ج ٥، ص ٢٨]³²
ليس الإسلام ديناً أحادياً ليهتمّ بجانب ويترك جوانب أخرى، بل ديدنه الاعتدال في كل أمر، والحثّ على الوسطية والصّراط المستقيم.
التعاليم:
١- كلّ الوجود يتحرّك في طريق مشيئة الله وإرادته. اللهمّ! اهدنا إلى ما تحبّ وترضى، «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».
٢- طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم، أهمّ مطلب للموحّدين، «إِيَّاكَ نَعْبُدُ… إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».
٣- من أجل السّير في الصّراط المستقيم، يجب أن ندعو بدعوة «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».
٤ـ نبدأ بالحمد، ثمّ بالاستعانة فالدعاء، «الْحَمْدُ لِلَّهِ… إهْدِنَا».
٥ ـ أفضل أنواع الاستعانة بالله، طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم، «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ… اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».
-----
الهوامش:
¹ سورة طه: الآية ٥٠.
² “الصّراط” جسر في يوم القيامة على جهنّم، يعبر جميع الناس عليه.
³ سورة هود: الآية ٥٦.
⁴ سورة يس: الآيتان ٣ ـ ٤.
⁵ سورة يس: الآية ٦١.
⁶ سورة آل عمران: الآية ١٠١.
⁷ نظراً إلى أنّ الألف واللام في “الصّراط” تشير إلى طريق التوحيد نفسه في الآية السابقة.
⁸ طبقاً لرواية في تفسير مجمع البيان ج ١، ص ٥٨.
⁹ طبقاً لرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الصافي، ج ١، ص ٨٦.
¹⁰ القائل هذه العبارة “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ…” طوى مراحل من الهداية، لذلك، فإنّ طلبه هذا هو لمراحل هداية أرقى.
¹¹ بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣.
¹² “قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” سورة الأنعام، الآية ١٦١. تفسير نور الثقلين، ج ١ ص ٢٠. انظر: كتاب أصول الكافي، باب الاقتصاد في العبادات. لقد أقسم الشيطان لله بقوله: “لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ” سورة الأعراف: الآية ١٦.
¹³-³² [المراجع كما وردت في النص الأصلي]