القهقهة من الشيطان: كيف كان ضحك النبي (ص)؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:1091
مشاركة
A+ A A-

من اللطائف التي تستوقف المتأملين في سيرة النبي الكريم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) طريقة ضحكهم وكيفية تعبيرهم عن السرور والبهجة. فهل كانوا يكتفون بالتبسم الهادئ، أم كانوا يقهقهون كما يفعل عامة الناس؟

يبدو من استقراء النصوص والروايات أن النبي الكريم (ص) وأهل بيته (ع) وإن كانوا دائمي البُشْر والتبسم، إلا أنهم لم يكونوا يقهقهون في ضحكهم. فالضحك له مراتب متعددة، وأعلاها القهقهة التي تتضمن رفع الصوت وتكراره. أما التبسم بمختلف درجاته فهو أيضاً يندرج ضمن الضحك، كما أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا…﴾.

ويؤكد هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين علي (ع) حين قال: “خيرُ الضحكِ التبسُّم”، فقد عدّ التبسم ضمن مراتب الضحك، بل اعتبره أفضلها وأكملها.

لماذا التبسم لا القهقهة؟

تتضافر عدة أدلة تؤكد أن النبي (ص) وأهل بيته (ع) كانوا يلتزمون التبسم دون القهقهة، ويمكن تصنيف هذه الأدلة إلى مجموعتين:

الطائفة الأولى: روايات ذم القهقهة

وردت روايات معتبرة تذم القهقهة وتبين أن ضحك المؤمن هو التبسم، منها:

- ما رواه الحلبي عن الإمام الصادق (ع) قوله: “الْقَهْقَهَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ”. وهذه الرواية واضحة في أن القهقهة مما يوحي به الشيطان، فكيف يُتصور صدورها ممن عصمهم الله تعالى من كل ما يوسوس به الشيطان؟

- في معتبرة جراح المدائني عن الإمام الصادق (ع): “إذا أصبحتَ صائماً فليصمْ سمعُك وبصرُك من الحرام… وإيّاك والمباشرةَ والقُبَل والقهقهةَ بالضحك فإنَّ اللهَ مقَت ذلك”. فالرواية تصرح بأن القهقهة ممقوتة عند الله تعالى.

- وفي معتبرة خالد بن طهمان، عن الإمام الباقر (ع): “إذا قهقهتَ فقل حين تفرغ: اللهمَّ لا تمقتني”. وهذا يشير بوضوح إلى أن القهقهة مما قد يستجلب المقت الإلهي.

الطائفة الثانية: روايات تصف ضحك النبي وأهل البيت (ع)

أما الطائفة الثانية من الروايات فتنص صراحة على أن ضحك النبي (ص) وأهل بيته كان تبسماً:

- روى الحسن بن محمد الطوسي بسنده عن الإمام الصادق (ع) عن آبائه، عن الإمام علي (ع) قوله: “كان ضحكُ النبيِّ (ص) التبسُّم”. ويضيف أن النبي (ص) مر ذات يوم بجماعة من الأنصار وهم يضحكون ملء أفواههم، فزجرهم وذكّرهم بالموت.

- وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: “ما رأيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضاحكاً حتى أرى منه لهواتِه، إنما كان يتبسم”.

- وعن الإمام الرضا (ع)، روى الشيخ الصدوق بسند معتبر عن إبراهيم بن العباس قوله: “ما رأيتُ أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلمةٍ قط… ولا رأيتُه يقهقهُ في ضحكِه قط، بل كان ضحكُه التبسُّم”.

وتؤكد الروايات أن الاقتصار على التبسم في مقام الضحك من سمات المؤمن الكامل:

- في رواية عن رسول الله (ص): “لا يُكمِل المؤمنُ ايمانَه حتى يحتوي على مائة وثلاث خصال…” وذكر منها: “ضحكُه تبسُّماً”.

- وعن الإمام الصادق (ع): “ضَحِكُ الْمُؤْمِنِ تَبَسُّمٌ”.

- وفي خطبة أمير المؤمنين (ع) في صفات المتقين: “إنْ صمتَ لم يغمُّه صمتُه، وإنْ ضحِك لم يعلُ صوتُه”.

نستخلص من مجموع هذه الروايات أن النبي الكريم (ص) وأهل بيته (ع) كانوا يلتزمون بالتبسم في مقام الضحك، ولم تثبت عنهم القهقهة، وذلك لعدة اعتبارات:

1. كونهم في أعلى مراتب التقوى والإيمان، وقد عُدّ التبسم من صفات المؤمن الكامل.

2. مخالفة القهقهة للوقار الذي كان أهل البيت (ع) في أعلى درجاته.

3. وصف القهقهة في الروايات بأنها “من الشيطان” و”ممقوتة عند الله”، فلا يُتصور صدورها ممن كانوا يعظون الناس بتجنبها.

4. الشهادات المباشرة من الرواة الذين عاصروهم وأكدوا أنهم لم يروهم يقهقهون.

وبهذا يتضح أن ما ورد في بعض الروايات من أن النبي (ص) وأهل بيته (ع) قد “ضحكوا” في مواقف معينة، ينبغي حمله على الضحك بنحو التبسم، فالتبسم نوع من الضحك كما هو مقتضى الآية الكريمة والفهم العرفي واللغوي.

مواضيع مختارة