من نطفة إلى إنسان.. كيف وصف القرآن مراحل الجنين؟

آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
زيارات:632
مشاركة
A+ A A-

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)

‏مراحل تكامل الجنين في الرحم:

‏إنّ ذكر الآيات السابقة أوصاف المؤمنين الحقيقيين، و ما يمنحهم اللّه من جزاء عظيم يبعث في القلوب الشوق للالتحاق بصفوفهم، لكن بأي طريق؟

‏تبيّن الآيات موضع البحث- و قسم من الآيات التالية لها- السبيل لكسب الإيمان و المعرفة، حيث يمسك القرآن بيد الإنسان ليأخذه إلی «عالم النفس» و ليكشف له أسرار باطنه و هو «السير الأنفسي»، و تثير الآيات التالية لها انتباه الإنسان إلی عالم الظاهر و المخلوقات المدهشة في عالم الوجود و سبر عالم الآفاق، و هو «السير الآفاقي». تقول الآيات أوّلا: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‌ [« السلالة» علی وزن« عصارة» تعني الشي‌ء الذي يستخلص من شي‌ء آخر، و هي في الحقيقة خلاصة و نتيجة منه( مجمع البيان حول الآية موضع البحث).]١.

‏أجل، إنّ هذه الخطوة الأولی التي خلق اللّه فيها الإنسان بكلّ عظمته و استعداده و جدارته و الذي يعتبر أفضل مخلوقاته من تراب مهين لا قدر و لا قيمة له، و هكذا تجلّت قدرته سبحانه و تعالی في هذا الخلق البديع.

‏و تضيف الآية التالية ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‌.

‏و في الواقع فانّ الآية الأولی تشير إلی بداية وجود جمع البشر من آدم و أبنائه و أنّهم خلقوا جميعا من التراب، إلّا أنّ الآية التالية تشير إلی تداوم و استمرارية نسل الإنسان بواسطة تركيب نطفة الذكر ببويضة الأنثی في الرحم.

‏و هذا البحث يشبه ما جاء في الآيتين السابعة و الثامنة من سورة السجدة وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‌.

‏و التعبير عن الرحم ب «قرار مكين»، أي القرار الآمن، إشارة إلی أهميّة الرحم في الجسم، حيث يقع في مكان أمين محفوظ من جميع الجهات، يحفظه العمود الفقري من جهة، و عظم الحوض القوي من جهة أخری، و أغشية البطن العديدة من جهة ثالثة، و دفاع اليدين يشكّل حرزا رابعا له. و كلّ ذلك شواهد علی موضع الرحم الآمن.

‏ثمّ تشير الآية الثّالثة إلی المراحل المدهشة و المثيرة لتدرّج النطفة في مراحلها المختلفة، و اتّخاذها شكلا معيّنا في كلّ منها في ذلك القرار المكين، حيث تقول: إنّنا جعلنا من تلك النطفة علی شكل قطعة دم متخثّر (علقة) ثمّ بدّلناها علی شكل قطعة لحم ممضوغ (مضغة)، ثمّ جعلنا من هذه المضغة عظاما، و أخيرا ألبسنا هذه العظام لحما: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً. هذه المراحل الأربعة المختلفة مضافا إلی مرحلة النطفة تشكّل خمس مراحل، كلّ منها عالم عجيب بذاته ملي بالعجائب بحثت بدقّة في علی الجنين، و ألّفت بصددها كتب و بحوث عميقة في عصرنا، إلّا أنّ القرآن تكلّم عن هذه المراحل المختلفة لجنين الإنسان، و بيّن عجائبه يوم لم يولد هذا العلم و لا يكن له أثر.

‏و في الختام أشارت الآية إلی آخر مرحلة و التي تعتبر- في الحقيقة- أهمّ مرحلة في خلق البشر، بعبارة عميقة و ذات معنی كبير ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏مرحبا بهذه القدرة الفريدة، التي خلقت في ظلمات الرحم هذه الصورة البديعة، و صاغت من قطرة ماء كلّ هذه الأمور المدهشة.

‏طوبی لهذا العلم و الحكمة و التدبير، الذي خلق في هذا الموجود البسيط كلّ هذه القابليات و الجدارة. تعالی اللّه فقد تجلّت قدرته فيما خلق.

‏و جدير بالذكر أنّ كلمة «الخالق» مشتقّة من «الخلق» و تعني بالأصل التقدير [مختار الصحاح.]٢، حيث تطلق هذه الكلمة عند ما يراد تقطيع قطعة من الجلد فينبغي علی الشخص أن يقيس أبعاد القطعة المطلوبة ثمّ يقطعها، فيستخدم لفظ «الخلق» بمعنی التقدير، لأهميّة تقدير أبعاد الشي‌ء، قبل قطعه.

‏أمّا عبارة أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌ فتثير هذا التساؤل: هل يوجد خالق غير اللّه؟! وضع بعض المفسّرين تبريرات لهذه الآية في وقت لا حاجة فيه لهذه التبريرات، لأنّ كلمة «الخلق» بمعنی التقدير و الصنع، و يصحّ ذلك بالنسبة لغير اللّه، إلّا أنّ هناك اختلافا جوهريا بين الخلقين ...

‏يخلق اللّه المواد و صورها، بينما يصنع الإنسان أشياءه ممّا خلق اللّه، فهو يغيّر صورها. كمن يبني دارا حيث يستخدم موادا أوّلية كالجصّ و الآجر، أو يصنع من الحديد سيارة أو ماكنة.

‏و من جهة أخری لا حدود لخلق اللّه‌ اللَّـهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ سورة الرعد الآية (١٦) في وقت نجد ما صنعه الإنسان محدودا جدّا، و في كثير من الأحيان يجد الإنسان فيما خلقه هو نقصا يجب سدّه فيما بعد، إلّا أنّ اللّه يبدع الخلق دون أي نقص أو عيب.

‏ثمّ إنّ قدرة الإنسان علی صنع الأشياء جاءت بإذن من اللّه، حيث كلّ شي‌ء في العالم يتحرّك بإذن اللّه، حتّی الورق علی الشجر، كما نقرأ في سورة المائدة الآية (١١٠) عن المسيح عليه السّلام‌ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي‌.

‏و تنتقل الآية التالية من تناول مسألة التوحيد و معرفة المبدأ- بشكل دقيق و جميل- إلی مسألة المعاد حيث تقول: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ‌.

‏و من أجل أن لا يعتقد المرء بأنّ الموت نهاية كلّ شي‌ء، تقول الآية: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‌ أي إنّ خلقكم بهذه الصورة المدهشة لم يكن عبثا أو لتعيشوا أيّاما معدودات، فتضيف الآية أنّكم ستبعثون يوم القيامة في مستوی أعلی و في عالم أوسع.

١- اتّباع المبدأ و المعاد بدليل واحد

‏استخدمت الآيات المذكورة أعلاه لإثبات وجود اللّه و قدرته و عظمته نفس الدليل الذي استخدمته سورة الحجّ لإثبات المعاد، و هو مسألة المراحل المختلفة لخلق الإنسان في علام الجنين. كما انتقلت آخر هذه الآيات إلی بحث مسألة المعاد [تناولنا في بداية سورة الحجّ خلال البحث الآيتين الخامسة و السابعة أدلّة المعاد و منها استعراض مراحل الجنين في الرحم.]٣.

‏أجل، يمكن أن تعرف عظمة اللّه في خلق الإنسان في ظلمات الرحم، و اتّخاذه في كلّ مرحلة صورة جديدة مدهشة، و كأنّ عشرات الأشخاص من رسّامين و صنّاع مبدعين التفّوا حول هذه القطرة من الماء، و عملوا ليل نهار ليخرجوها بهذه الصورة البديعة، و لتمرّ من صورة إلی أخری أبدع، حتّی تمرّ في مختلف مراحل الحياة.

‏و إذا تمكّنا من تصوير مراحل نمو الجنين بشكل كامل في فيلم سينمائي، و عرضناها لفهمنا مدی العجائب التي تكمن في هذا العمل. و بتقدّم علم الجنين في عصرنا و دراسات العلماء و تجاربهم المختبرية علی هذا الأمر، اتّضحت الكثير من الغوامض التي عند ما يطّلع عليها المرء يصرخ دون إرادته‌ فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌ هذا من جهة.

‏و من جهة ثانية نلاحظ الخلق المتعاقب و اتّخاذه صورة جديدة في كلّ مرحلة، و بالتالي ظهور إنسان للوجود كامل الخلق من تلك القطرة الصغيرة من الماء ... كلّ ذلك يدلّ علی قدرة اللّه علی بعث الإنسان ثانية إلی الحياة. و بهذا يمكن البرهنة بدليل واحد علی مسألتين‌ [شرحنا مراحل الجنين و عظمة الخلق فيها في تفسير الآية السادسة من سورة آل عمران هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ( فِي الْأَرْحامِ) كَيْفَ يَشاءُ.]٤.

‏٢- آخر مرحلة في تكامل جنين الإنسان في الرحم‌

‏ممّا يلفت النظر استخدام الآيات السابقة لمراحل الجنين الخمسة تعبير «الخلق»، في حين استخدمت كلمة «الإنشاء» لآخر مرحلة، و كما ذكر اللغويون فإنّ كلمة «الإنشاء» تعني (خلق الشي‌ء مع تربيته) و هذا التعبير يدلّ علی اختلاف‌ هذه المرحلة عن المراحل السابقة (مرحلة النطفة و العلقة و المضغة و اللحم و العظم) اختلافا بيّنا. مرحلة ذكرها القرآن في عبارة مؤجزة ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و يعقّب ذلك مباشرة بالقول: فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏ما هذه المرحلة التي تمتاز بهذه الأهميّة؟

‏إنّها مرحلة يدخل فيها الجنين مرحلة الحياة الإنسانيّة، يكون له إحساس و حركة، و بتعبير الأحاديث الإسلامية «نفخ الروح».

‏هنا يترك الإنسان حياته النباتية بقفزة واحدة ليدخل عالم الحيوان، و منه إلی عالم الإنسانية، و تتباعد الشقّة مع المرحلة السابقة بدرجة استخدمت الآية لها عبارة (ثمّ أنشأنا) لأنّ عبارة (ثمّ خلقنا) لم تعدّ كافية. حيث يتّخذ الإنسان في هذه المرحلة شكلا خاصا يرفعه عن المخلوقات الأخری، ليكون جديرا بخلافة اللّه في الأرض، و ليحمل الأمانة التي تخلّت عنها الجبال و السموات، لعدم استطاعتها حملها.

‏و هنا انطوی «العالم الكبير» في «الجرم الصغير» بكلّ عجائبه، فيكون جديرا حقّا بعبارة فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏٣- كساء اللحم فوق العظام‌

‏ذكر مفسّر (في ضلال القرآن) عند تفسير هذه الآية جملة مدهشة هي أنّ الجنين بعد قطعه مرحلة «العلقة» و «المضغة» تتبدّل خلاياه إلی خلايا عظميّة، ثمّ تكتسي بالتدريج بالعضلات و اللحم. لهذا فإنّ عبارة فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً معجزة علمية تكشف سرّا لم يكن يعلم به أي شخص حتّی ذلك الزمن. لأنّ القرآن لم يقل: أبدلنا المضغة عظما و لحما، بل قال: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً أي تبدّلت المضغة إلی عظام أوّلا، ثمّ اكتست باللحم.

‏٤- اللباس صيانة للعظام!

‏إنّ استخدام اللباس للتعبير عن العضلات و اللحم يكشف لنا حقيقة قباحة شكل الإنسان إن فقد هذا اللباس الذي يكسوا العظام (فيصبح هيكلا عظميا مرعبا كما شاهدناه جميعا أو شاهدنا صورته) إضافة إلی ذلك فإنّ اللباس يحمي الجسم، و هكذا اللحم و العضلات تحمي العظام، و بفقدانها تتلقّی العظام ضربات تؤدّي إلی كسرها، و يؤدّي اللحم وظيفة اللباس بالنسبة للعظام في المحافظة عليها من الحرّ و البرد. و هذا كلّه يبيّن لنا قوّة التعبير القرآني و دقّته.

‏١ « السلالة» علی وزن« عصارة» تعني الشي‌ء الذي يستخلص من شي‌ء آخر، و هي في الحقيقة خلاصة و نتيجة منه( مجمع البيان حول الآية موضع البحث).

‏٢ مختار الصحاح.

‏٣ تناولنا في بداية سورة الحجّ خلال البحث الآيتين الخامسة و السابعة أدلّة المعاد و منها استعراض مراحل الجنين في الرحم.

‏٤ شرحنا مراحل الجنين و عظمة الخلق فيها في تفسير الآية السادسة من سورة آل عمران هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ( فِي الْأَرْحامِ) كَيْفَ يَشاءُ.

 

مواضيع مختارة