المعجزة التي جرت على يد الأنبياء (عليهم السلام) لتأييد دعواهم في النبوة وأنهم مرسلون من قبل الله، لدى المنكرين للأديان اعتراض واسع على حقيقتها، وهذا الاعتراض على إنكار القدرة على إحداثها وإمكانيتها، ومن حيث تأثيرها الاجتماعي السلبي من وجهة نظرهم.
وبالنسبة للمدَّعى الأول فهو قائم على الأساس الفيزيائي والطبيعي الذي لا مجال فيه لأشياء مثل عدم الإحراق للنار وإحياء الموتى. وحيال هذه النقطة فإن القانون العلمي الحاكم على الطبيعة -فإن العلة والمعلول اللذين يشكلانه- لا يكون فيه المعلول مندكّاً في العلة كما في القضية المنطقية. بمعنى أننا إزاء قضية منطقية مثل "الجزء أصغر من الكل" لا يمكن لنا أن نتصور أي احتمالية ممكنة لأن يكون الجزء أكبر من الكل، أما في الطبيعة التي تقتضي مثلاً أن تؤدي عملية الانجماد إلى انخفاض في الحرارة بشكل دائم؛ فانجماد الماء السائل وتحوله إلى حالة صلبة يقوم أساساً على التقريب بين جزيئات الماء، وهذا التقريب يؤدي إلى تقوية الأواصر فيصير الماء صلباً.
ولما كانت عملية التقريب بين الجزيئات ناتجة عن انخفاض الحرارة استلزم أن يكون الثلج بارداً، وعليه فإذا ما وجدنا آلية أخرى غير البرودة المنخفضة تؤدي بنا إلى نفس النتيجة في التقريب بين جزيئات الماء صار من الممكن تصور الحصول على ثلج ساخن. وهذا ما نجده في حالات لا تحصى في الواقع الإنساني، فكل الاختراعات الحديثة التي لم يكن تصورها من قبل ناتجة من عملية تغيير في الشروط الحاكمة للطبيعة. أليس الاستنساخ البشري الذي توصل إليه العلم الحديث هو تطبيق لمعجزة السيد المسيح (عليه السلام) في الولادة من غير أب؟!
وأما التأثير الاجتماعي السلبي فيعنون به عموم التعويل على الميتافيزيقا، حيث ينشأ هذا التعويل -حسب رأيهم- من عجز الإنسان عن تحقيق الصورة الفضلى للحياة فيلجأ إلى تخيل تلك الصورة بما فيها من خوارق وأبطال، كما تنشأ الأساطير. أي أن قصص الأنبياء وما فيها من حالات لخوارق الطبيعة هي حالة خيالية مثّلت رغبة الإنسان في الارتقاء إلى ذلك المثال المتعالي، وبالتالي فإن الأفضل -حسب زعمهم- هو في عدم اتباع الخيال الديني والعمل على أرض الواقع من أجل تحقيق الصورة الفضلى.
إزاء هذا التفسير الخاطئ لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة، وهي أن التفسير يمكن أن ينطبق على الأديان الوثنية التي هي من صنع الإنسان نفسه، والتي تكون انعكاساً لتطلعات الإنسان ورغباته، فيشكل تفاصيل ذلك الدين وحيثياته حسب رغبته، حيث نرى آلهة الرومان مثلاً بشخوصهم وقصصهم انعكاساً لوعي الإنسان؛ فهم يعيشون بحالة من الحب والكره والصراع، وفيهم من يمثل الرومانسية كإلهة الحب ومن يمثل القوة الخارقة كإله الحرب. أما في الدين الحق الصادر من جهة تجتمع فيه كل خصائص الإله الحق وهو الله سبحانه، نجد أن الأنبياء الذين يرسلهم الله هم على شاكلة أخرى؛ فهم أناس يسعون إلى تعديل وعي الإنسان وتصحيح مفاهيمه ورؤاه.
وإن المتأمل للسيرة التي يتبعها النبي في دعوته يجد أنه لا يعمد إلى المعجز إلا في نهاية المطاف.. هو يتبع الدعوة الصالحة والحوار المنطقي الذي لا يستطيعون رده، والأهم من ذلك هو أن الأنبياء دائماً ما يجعلون أنفسهم مثالاً متكاملاً للناس تتمثل فيه الصورة الفضلى، ويسعون جاهدين إلى تحقيق تلك الصورة ودفع الناس إلى تحقيقها على أرض الواقع وليس في الخيال.. أي تماماً كما يعلن عنه المعترضون على الدين.
وأما المعجزة فهي الوسيلة التي يلجؤون إليها إلا بعد استنفاد كل الوسائل الممكنة لدعوة الناس.. ليس هناك نبي من الأنبياء قد دعا الناس إلى الجلوس والاستكانة وإطلاق العنان للخيال في تحقيق الآمال، وليس هناك نبي من الأنبياء قد دعا الناس إلى الكفاح والعمل ليقدموا ناتج تعبهم وكفاحهم إلى الحاكم المرفه المتنعم بالثروات.
ويكفي في نهاية المطاف الإشارة إلى أن الأنبياء في دعواهم يصرون على الإشارة إلى نقطة مهمة في الفارق بين الأديان المنحرفة والدين الحق الذي يبعث به الأنبياء، وهو أن تلك الأديان تجد دعواها بجملتها قائمة على ما هو خارق، بينما دعوة الأنبياء تقوم بشكل أساس على التدبر بما هو طبيعي وضمن قوانين الطبيعة للدلالة على قدرة الله: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).