لا يمكن للتطرف أن يكون ديناً أو دولة

الشيخ صلاح الخاقاني
زيارات:464
مشاركة
A+ A A-

تعتمد السلفية في مضمونها الأيديولوجي على حصانة التراث المتمثل بالرسول الأعظم (ص) وصحابته، والطبقة اللاحقة لهم ممَّن يُعبَّر عنهم بالتابعين، وما أنتجوه وأنتجه الإسلام من حضارة خلال القرنين: الأول والثاني الهجريين. وهي ترفض كل ما يتسم بالتجديد والحداثة على اعتبار أنه خروج على الدين ومروق منه، وتفرض على الواقع المعاصر أن يحشر كل أبعاده وإرهاصاته في قالب ذلك التراث، متغافلة عن أن المكوّن الأهم في تليدها المقدس -وهو القرآن الكريم- إنما عبّر في تكوينه الذاتي عن ضرورة الاستجابة لمتطلبات الواقع المُخاطَب؛ حيث كان نصاً بلاغياً اعتمدته الرسالة الإسلامية في البرهنة على صدقها الغيبي والإسفار عن مفردات مشروعها الإصلاحي، حين خاطبت أبناء الجزيرة العربية بما امتازوا به من فصاحة وشعر وأدب، ولم تتخذ المعجز الكوني الذي طالما ركنت إليه الرسالات السابقة. كما أن اتِّباع القرآن الكريم وسائل تدريجية -كالناسخ والمنسوخ في أمثلة لا تحصى- يدلل على أن الإسلام بكتابه ونبيه (ص)، وإن تنزّل من علو مطلق، إلا أنه امتنع عن الانغلاق والاستبداد، بالإضافة إلى ما نجده جلياً من روح الإبداع والمواكبة التي تخللت القرنين الأول والثاني، ابتداءً من الخلافة الراشدة ووصولاً لأئمة المذاهب في معطيات أبناء هذين القرنين على الصعيدين الفكري والفقهي.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد
وإذا أجابت السلفية بأن هذا كله يصب في دائرة التراث وعلينا أن نتعامل معه ككلٍّ مركّب؛ فقد أخفقت في البرهنة على ضرورة هذا التحديد الزمني. وهي لمّا ألغت العصمة، فقد جعلت حل المشكِل المتغير رهناً بآليات الفهم الإنساني وكفاءته الإبداعية، وهنا فمن المستحيل أن نجعل لهذين القرنين ما ليس لغيرهما من القرون من احتمالية توافر طاقات في الفهم والإبداع، علاوة على ما للمسار الزمني من قابليات متماثلة في إفراز المشكلات الحياتية من عصر النبوة إلى نهاية ذينك القرنين وإلى زمننا الحاضر.
لهذا فقد جاء موقفها المتزمت مع الآخر، والقائم على الصدام والإلغاء، نتيجةً طبيعية لذلك الجدب المنطقي من جهة، ولعصمة مقرراتها الفكرية حسب منظورها من جهة أخرى؛ لتخرج لنا في النهاية بما يشهده العالم اليوم من صفحات الإرهاب والعنف، متخذة من الجهاد الذي قال به الإسلام مادةً أساسية تصنع منها -بكيفياتها الفقهية- ذريعة لشرعيتها. وبمعزل عما يمكن أن يصلح من الطرح السلفي لحوار فقهي، وعن الخلفية السياسية وأبعاد اللعبة الدولية التي شكلت جزءاً مهماً منه -حيث سارعت الخلفية السياسية إلى وضع هذه الفئة ونتاجها الإرهابي فيما يتطلبه مخططها السياسي العام- فإن السلفية بمحتواها الأيديولوجي ونشاطها الجهادي (الإرهابي) تزعم أنها إنما تعمل لإحياء الدولة الإسلامية التي شيد أركانها السلف الصالح.
ولا بد هنا لهذا الإحياء من "خلف" يماثل أولئك الصالحين ليكون القيادة التي تقوم عليها الدولة المقصودة، ثم قاعدة تتقوّم بها تلك الدولة. فإن زعمت السلفية أنها أوجدت بدعاتها وزعمائها القيادةَ المفروضة، فماذا عن القاعدة؟!
وهي بدليل كفاحها المسلح -وقد أوشك أن يكون حديث الساعة- لن تكتفي بجزء من هذا الكوكب لتقيم عليه دولتها بالقيادة المزعومة والقاعدة التي يشكلها أتباعها اليوم والمنضوون تحت لوائها. إذن فهو "الآخر"؛ وفيما يتعلق بعملية جذبه للانخراط في دولتها، فهي بعد أن ألقت بالدعوة الحسنة والحوار الفكري المفتوح جانباً من جهة، وحددت الآخر لا على أساس النشاط المضاد بل على أساس الهوية المذهبية المغايرة من جهة أخرى؛ فإنها إما أن تواصل كفاحها الإرهابي إلى إفناء هذا الآخر، أو رضوخه واستسلامه والدخول عنوة في دولتها. وبالنسبة للأول (الإفناء)، فإن حسابات التفوق العددي والعسكري تجعل منه أمراً مستحيلاً وغير متصوَر، وتبعا لذلك يتبقى الثاني (الرضوخ). ولو سلمنا جدلاً به وقامت تلك الدولة على التبعية القسرية من الآخر، فإنه الاستبداد حينئذ، لا سيما بعد الذي يبديه السلفيون في واقع اليوم من إفراط في الانكماش عن مظاهر التجديد حتى ليصل بهم الحال إلى رفض بعض المنجز التكنولوجي. ولا أظن أن أئمة الحزب السلفي قد نسوا قضية الشورى التي قامت على أساسها الخلافة الراشدة وهم يعدونها واحداً من أهم دلائل عظمة تراثهم بما تعبر عنه من روح الديمقراطية والحرية.
وإن رجعنا إلى ذريعة "الكل المركب" المفروضة على العقل والوجدان، فإنها غير قادرة على دفع الآخر إلى حظيرة الإيمان، ولا بد أنه سيلقي باستسلامه جانباً ويثور شأنه شأن كل الشعوب المضطهدة في سبيل حريتها، وتستأنف السلفية حينئذ فتاوى التكفير وإقامة الحد كحلقة مفرغة. ولا بد من الإشارة إلى أن احتمالات ما بعد إقامة الدولة، تبعاً (للثاني) وإن سلمنا به جدلاً.

مواضيع مختارة