مما لا شك فيه أن حياة البداوة في الصحراء القاحلة حياة قاسية، فرضت على أبنائها صبغة أخلاقية وسلوكية تتسم بالغلظة. ولما جاءها الإسلام، كان دخول القبائل القاطنة في صحراء الجزيرة العربية فيه على وجه السرعة، حين صارت الانتصارات تترى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نهايات الدعوة.
ولهذا؛ كانت أحكام الإسلام التي فُرضت على الداخلين فيه من أعراب تلك القبائل عصية على التطبيق إلى حد كبير، فمن تلك الأحكام -على سبيل المثال- الوضوء والاغتسال والتطهر، وهو ما يتطلب كميات من الماء لا يجد البدوي إمكانية لتوفيرها؛ نظراً لشح الماء في الصحراء، حتى إن نسبة كبيرة من النزاعات المميتة بين أبناء الصحراء، منذ الجاهلية وحتى عهود قريبة، طالما اندلعت بسبب المشاحنات على امتلاك الماء. ونظراً لقلة الطعام والكلأ، اعتمد البدوي على الغزو للحصول على القوت، وهذا ما أدى به إلى الاستهانة بالمرأة واعتبارها عبئاً لكونها عنصراً مستهلكاً، حتى آل به الحال إلى وأدها. فأنى للبدوي، في ظل ظروفه البيئية تلك، أن يمتثل لروح الدين الإسلامي تجاه المرأة، وصولاً إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها: (رفقاً بالقوارير)؟! وهذا ما حدا بتلك القبائل إلى الارتداد عن الإسلام؛ حتى إن الطرف السني المؤيد لتلك الفتوحات يعزو سبب الردة إلى أن تلك القبائل كانت حديثة العهد بالإسلام، فلم تتفاعل مع أحكامه ولم تتشرب روحه، فأعراب قبائل الجزيرة لم يتمكنوا من هضم الإسلام وتنفيذ أحكامه لظروف بيئية قاهرة.
وإزاء هذا؛ نجد أن الخليفة الأول قد عالج مشكلة الردة بحملة قمعية قادها خالد بن الوليد، وهي وإن تلبست بلبوس القضاء على الارتداد عن الإسلام والأنبياء الدجالين الذين ظهروا فيها، إلا أنها -في ظل الظروف المحيطة بساكني الصحراء- تعد قمعاً. وهنا أتساءل: هل إن تلك القبائل التي لم يكن متاحاً لها التفاعل مع روح الإسلام وأحكامه، قد انشرحت نفوسها للإسلام بعد حملات الإبادة التي عرضهم لها خالد بن الوليد؟!
لا شك في أنهم أضافوا إلى عجزهم شعور الموتور المقهور؛ فازدادوا نفوراً من الإسلام.
ثم يأتي الخليفة الثاني فيصنع من أبناء تلك القبائل مادة لجيوش الفتح! وهنا نكون أمام مفارقة عجيبة؛ فكيف لأبناء تلك القبائل التي لم تقدر على استيعاب الإسلام وتطبيق أحكامه، ثم زادهم خالد نفوراً منه بحملاته القمعية، أن يتحولوا فجأة -وفي ليلة وضحاها- إلى رهبان للإسلام، وصار أحدهم لا يقل عن صحابي جليل كمصعب بن عمير وعياً واستجابةً؟!
فاندفعوا حشوداً تحمل مشعل الإسلام المضيء إلى كل بقاع الدنيا، لا تكاد شعوب الأرض تلمس ما يتحلون به من صفات إسلامية متكاملة حتى تذوب تأثراً بالإسلام.
وما برحت الأطاريح المؤيدة للفتوحات -من قِبل المؤمنين بها- ترسم صوراً مثالية لما كان عليه الفتح الإسلامي بجيوشه المؤمنة وقيادته الحقة.
فكيف تأتت تلك الطوباوية النموذجية للفتح والقائمين عليه من جند، وهم على ما ذكرنا من حال ينأى بهم عن الإسلام وروحه؟!