هندسة الرزق: هل تخاف من الفقر في المستقبل؟!

الشيخ فوزي آل سيف
زيارات:1376
مشاركة
A+ A A-

ينطلق هذا البحث من نص محوري لأمير المؤمنين (عليه السلام) يشخص فيه آفتين من أخطر الآفات الفاتكة بالبناء النفسي والروحي للإنسان، حيث ورد عنه (عليه السلام): أهلك الناس اثنان: طلب الفخر، وخوف الفقر.

وقد أورد الشيخ الصدوق هذا الحديث في كتابه (الخصال، الجزء الأول، صفحة 39، باب الاثنين).

من الناحية اللغوية، فإن كلمة (الناس) هنا مفعول به مقدم، و(اثنان) فاعل مؤخر، و(طلب الفخر وخوف الفقر) تفسير وتفصيل لهذا الفاعل. وهذا التقديم والتأخير يفيد الاهتمام والحصر، لبيان شدة تأثير هاتين الخصلتين في إيقاع الهلاك والشقاء.

سراب التفاخر: كيف يستنزف الكِبر أعمار الطامحين للوجاهة؟

تتجلى الخصلة الأولى المهلكة في (طلب الفخر). والهلاك هنا لا يقتصر على البعد الأخروي، بل يشمل الاستنزاف النفسي والجسدي المستمر في دار الدنيا؛ إذ يشقى الإنسان طوال عمره ليتباهى أمام الآخرين، فيعيش مثقلاً بالديون والأزمات ليظهر بمظهر يفوق حقيقته الموضوعية، من خلال استهلاك ما لا يطيق ثمنه لمجرد إشباع غريزة التفاخر.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

وإلى جانب هذا الإرهاق الدنيوي، يقود طلب الفخر إلى محاذير أخلاقية وعقدية خطيرة، أبرزها تولد (الكِبر). فالمفتخر يبعث برسالة مبطنة تدعي الأفضلية المطلقة، مما يدفعه للمطالبة باحترام وطاعة استثنائيين بناء على هذا الوهم. أما العاقبة الأخروية، فقد تواترت الروايات في أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صور الذر (وهو صغار النمل أو الغبار الدقيق المتطاير)، يطؤهم الناس بأقدامهم تحقيرا لشأنهم، كما ورد في (الكافي، للشيخ الكليني، الجزء الثاني، صفحة 311)، وهذا هو الهلاك الماحق لمن سلك طريق الفخر.

وهم المستقبل: حذر من العوز أم رهاب نفسي؟!

أما الخصلة الثانية فهي (خوف الفقر). ويقتضي التحقيق هنا التمييز الدقيق بين أصل الفقر وبين خوفه. فالفقر كحالة مادية موضوعية ليس مهلكا بالضرورة، بل إن المؤمن مكلف بالسعي في مناكب الأرض لكسب رزقه وتحسين واقعه وفق السنن الكونية.

المهلك الحقيقي هو (خوف الفقر) وتحوله إلى رهاب مسيطر. فترى المكلف مقتدرا ماليا، لكنه يعيش رعبا مستقبليا وتوجسا من العوز. هذا الخوف المستمر هو المهلك لكونه يضرب في صميم العقيدة.

هندسة الرزق.. توكل أم تخطيط؟

إن خوف الفقر يناقض أصل التوكل واليقين بالرزاقية الإلهية. فكيف يتصور المكلف أن رزقه خارج عن التدبير الإلهي، والنص القرآني صريح في قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)؟ إن الخالق الذي تكفل بتدبير شؤون الإنسان وهو جنين فاقد للحول والقوة، لا يعجزه رزقه في مقبل أيامه.

إن الطاقات والقدرات التي يمتلكها المكلف للعمل هي محض عطاء إلهي، فضلا عن الرزق غير المحتسب الذي يفوق غالبا نطاق التخطيط البشري. والمطلوب شرعا وعقلا هو التخطيط المقرون باليقين، مصداقا للمضامين الواردة في أدعية الصحيفة السجادية من الإقرار بالضعف المطلق أمام القدرة الإلهية. أما الاغترار بالجهد الشخصي على طريقة قارون (قال إنما أوتيته على علم عندي)، فهو طريق مباشر لسلب النعمة.

كيف تسرق الوساوس أموال الحقوق الشرعية؟

يعد خوف الفقر من أبرز مكايد إبليس لجر الإنسان نحو الشح والبخل، مصداقا لقوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء). وفي المقابل، نجد الوعد الإلهي بالخلف والسعة: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله). والمؤمن المتفقه لا يغتر بخداع الشيطان، بل يثق بوعد الله الواسع.

ومن أخطر التجليات الفقهية لهذا الرهاب، امتناع البعض عن أداء الحقوق الشرعية الواجبة كـ(الخمس) و(الزكاة). فالشيطان يوهم المكلف بأن إخراج هذه النسبة سيعيق تأمين مستقبله، متجاهلا أن أداء الحقوق هو عين النماء، وأن خزائن الله لا تنفد. وقد ورد في الروايات المعتبرة ما يؤصل لهذا المعنى، كقول الإمام الصادق (عليه السلام) المروي في (الكافي، الجزء الثاني، صفحة 62): من أيقن بالخلف جاد بالعطية. فاليقين بالخلف الإلهي وعدم نفاذ خزائن الخالق هو العاصم من بخل النفس.

معادلة الدنيا والآخرة

يؤدي الانشغال المفرط بهاجس الفقر إلى طغيان هم الدنيا على حساب الآخرة. ففي حين يستنزف الإنسان جُل وقته في الكسب المادي، يغفل عن أداء فرائضه وتكاليفه العبادية. هذا الخلل يتعارض مع الغاية الأساسية للخلق (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).

يقدم القرآن الكريم المعادلة للتوازن: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا). فالمطلوب هو جعل الآخرة محورا للمقاصد، مع إعطاء الدنيا نصيبها من الجهد بما يحقق الكفاية والعفة. بل إن الفقه الإسلامي يقرر إمكانية تحويل الأفعال المباحة كالاكتساب والزواج إلى طاعات يثاب عليها المكلف، إذا ما اقترنت بنية القربة والتعفف.

ويتضح من هذا العرض أن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يمثل قاعدة في علم النفس الإسلامي والأخلاق. فـ(طلب الفخر) يفسد علاقة الإنسان بالمجتمع ويورث الكبر الماحق، و(خوف الفقر) يفسد علاقة الإنسان بخالقه ويضرب جذور التوحيد الأفعالي والتوكل. وعلاج هاتين الآفتين يكمن في ترسيخ المعرفة بعظمة الخالق، واليقين التام بأن الرزق والمنزلة بيده وحده، مما يحرر المكلف من قيود التصنع ورهاب المستقبل، ويوجهه نحو عمارة الدارين باتزان وبصيرة.

من محاضرة لسماحة الشيخ فوزي آل سيف، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

مواضيع مختارة