خاص لـ "موقع الأئمة الاثني عشر": حين تبدأ أيام محرم، تضج الشوارع بالحركة، وترتفع الرايات السوداء على امتداد البصر، وتصدح الحناجر بالرثاء في كل زاوية. هذا هو المشهد الظاهر الذي تلتقطه العيون والعدسات، حيث المواكب الممتدة وسرادق العزاء المشرعة للزائرين والمارة.
لكن خلف كل هذا الاهتمام بالتفاصيل، وخلف أبواب البيوت، ثمة مشهد آخر لا يقل قداسة ولا أثرا.. مشهد يكتب بصمت، وتصنعه أمهات عراقيات نسجن من صبرهن خياما تضاهي في عظمتها وعطائها خيمة أم البنين.
لم تكن السيدة أم البنين عليها السلام حاضرة بجسدها في كربلاء، منعتها المقادير من أن تكون في قلب المعركة، لكنها كانت حاضرة بروحها، بوعيها، وبأبنائها الذين أعدتهم منذ الصغر لتلك اللحظة الفارقة.
هذا النموذج العظيم بدأ منذ لحظة سقوط الأجساد الطاهرة على رمال كربلاء يتجسد في تفاصيل حياة المرأة البسيطة، الأم التي تكبلها ظروف الحياة، أو يمنعها المرض، أو تقيدها مسؤوليات التربية وتدبير شؤون البيت من الخروج والمشاركة المباشرة في المواكب والزيارات.
هذه المرأة لا تستسلم لغيابها الجسدي عن مجالس العزاء العامة، بل تحيل بيتها الصغير إلى مجلس عزاء لا ينقطع.
في زاوية المطبخ، وبينما تعد الطعام لأسرتها، تتردد على شفتيها مراثي الحزن. دمعتها التي تسقط خفية وهي تستذكر مصاب الحسين عليه السلام، هي ذاتها الدمعة التي تروي بها شجرة العقيدة في بيتها.
إنها تعيش كربلاء في تفاصيلها اليومية، تواسي السيدة زينب عليها السلام بصبرها على شظف العيش، وبمكابدتها لتربية أبنائها، أو بوقوفها سندا لأسرتها في معترك الحياة القاسية.
إن المنبر الحسيني الحقيقي لا يقتصر على الأعواد التي يرتقيها الخطباء، بل يبدأ من حضن الأم. تلك المرأة التي تخيط قميصا أسود لطفلها الصغير، وتمسح بيديها على رأسه وهي تروي له قصة العباس ووفائه، هي التي تضع اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان الحر.
إنها تغرس في وجدانه أن الحسين ليس مجرد قصة للبكاء، بل هو منهج للحياة، وأن ارتداء السواد هو التزام مبكر بالشرف والأمانة والصدق.
كأس الماء الذي تقدمه الأم لأطفالها وتذكرهم بعطش كربلاء، والشاي الذي تعده لزوجها العائد من مجلس العزاء، وحرصها على اقتطاع جزء بسيط من مصروف البيت المنهك لتساهم في إطعام الزائرين، كل هذه التفاصيل ليست مجرد عادات فلكلورية توارثتها الأجيال. هي ممارسة عملية واعية لاستدامة القضية، وصياغة صامتة تضمن انتقال حرارة هذا العشق من جيل إلى آخر دون أي انقطاع.
وسط زحمة المواكب الكبرى والخدمات، تتجه الأنظار دائما إلى الشارع، وننسى أحيانا أن نوجه بوصلة العرفان إلى هذه القلاع الصامتة. الأمهات اللواتي لا تلتقط صورهن الكاميرات، ولا تذكر أسماؤهن في قوائم الداعمين والمؤسسين، هن في الحقيقة النواة الصلبة التي تحفظ تماسك المجتمع وقوته الإيمانية. صبرهن على تربية الجيل، ومكابدتهن للحفاظ على تماسك الأسرة في وجه العواصف الثقافية والاقتصادية، هو تجسيد حي لرسالة الطف.
إن كل موكب يخرج إلى الشارع، وكل شاب يقف ليخدم الناس، وكل دمعة تسقط في مجالس الرثاء المكتظة، مدينة في وجودها لتلك الخيمة التي نصبت في زاوية بيت بسيط، حيث تجلس أم حنون، ترتب أوراق الحياة، وترفع يديها بالدعاء، لتبقى راية الحسين خفاقة في سماء هذه البلاد.
ملاحظة: نجيز نسخ المقال مع ذكر المصدر https://the12imams.net/