عاشوراء والأربعين

جواب كل سؤال في قضية «عاشوراء»!
إنّ الإمام الحسين سيّد الشهداء عليه السلام بثورته الخالدة ونهضته النابعة من صميم الإسلام المحمّدي الأصيل فضح المنافقين على مرّ العصور والأحقاب ، وعلى اختلاف مشاربهم وأصناف حيلهم وخدعهم بمن فيهم خلفاء الجور وطغاة بني اُميّة الذين بالغوا واجتهدوا لإعادة العرب إلى أيّام الجاهليّة الاُولى.

كما أبان بتضحياته وسبي عياله مواقف علماء السوء الذين خدموا السلطات الجائرة ، كما أوضح زيف أشباه الزهّاد والذين تستّروا ببعض الطقوس الظاهريّة وتركوا أهمّ الفرائض الدينيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما فضح خطّ النفاق على طول التاريخ للذين يتّخذون الثورة وسيلةً لبلوغ

مآربهم الدنيويّة من الفساد والإفساد والأطماع والملاذّ واتّباع الأهواء.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام بثورته الخالدة ، أوغل في عمق الزمان حتّى هيمن عليه ، فكان كلّ يوم عاشوراء، وتوغّل في آفاق المكان حتّى أحاط بالكائنات ، فكان كلّ أرض كربلاء، وما ذلك إلّا لأنّ الحسين أبو عبد الله نهض لله سبحانه ، وقام بإحياء دينه بدمه ومهجته وبسبي عياله ، فرعاه الله وأمدّه في اُفقي الزمان والمكان ، وجعله مصباح هدىً لمن استنار بنوره ، واستضاء بضوئه ، واهتدى بهداه ، وسفينة نجاة من الضلال والذنوب والذمائم لمن ركب فيها، ولا تزال سفينته السريعة والوسيعة تخبّ بحار التاريخ لينجو بها كلّ غريق ، ويجيب نداؤه المدوّي في ضمير الإنسانيّة «هل من ناصرٍ ينصرنا» كلّ من يريد أن يعيش بحرّيّة وسلام ، فإنّ فرصة الالتحاق به متاحة لكلّ من أراد النجاة والحياة الطيّبة والعيش السعيد.

ففي كلّ يوم وفي كلّ عام في أيّام محرّم الحرام يلتحق بالحسين عليه السلام أعداد هائلة من البشريّة ولسان حالهم يقول : لبّيك يا داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك واستنصارك ، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري وكلّ وجودي وما أملك في الحياة .

فالحسين رمز وعنوان وميزان في العقيدة والسلوك والعمل ، قام لله لا أشرآ ولا بطرآ ولا مفسدآ ولا ظالمآ، ودعى إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة على سيرة جدّه وأبيه ، ونصر دينه بدمه وأهل بيته وأصحابه ، مصلحآ مجاهدآ آمرآ بالمعروف وناهيآ عن المنكر، ليقيم الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

ليست قضيّة الحسين أنّه قتل وقتل أصحابه وأهل بيته ، وسبي عياله وأطفاله

وحسب ، بل إنّما القضيّة أعمق من ذلك ، فإنّ الحسين عليه السلام إنّما قام لله من أجل العدالة والحرّيّة وإعلاء كلمة الإسلام ، وإحياء كتابه وسنّة نبيّه ، في ظروف حلكة وقاسية ، أحاطها الركود الاجتماعي ، واللامبالاة الجماعيّة ، والفساد الأخلاقي والمالي والثقافي والديني من ظهور البدع والأباطيل والضلال وإماتة حدود الكتاب والسنّة .

فالثورة الحسينيّة التراث الإلهي والنوري الذي يرجع إليه الثائرون والأحرار على طول التاريخ بما تحمل من عقيدة وإيديولوجيّة صحيحة وواضحة ، وسلوك عملي يمارس في النضال والجهاد يترجم تلك العقيدة السليمة ، والخطّة الدقيقة المرسومة بحكمة وحِنكة ، والاعتماد على النضال المقدّس والعنف المشروع .

فالصراع في عاشوراء الحسين صراع بين الحقّ والباطل ، بين القيم الإنسانيّة العليا وبين قيم الجاهليّة الاُولى .

فالحقّ آنذاك قد طمس نوره ، وتغيّرت معالمه ، فلا بدّ من ثورة مباركة قدسيّة تزهق الباطل وعوالمه ، وتبعث الروح الإسلاميّة والإنسانيّة من جديد، ولتبقى شعلة وهّاجة وشمس مضيئة للأجيال والثوّار على امتداد التاريخ .

وكلّ واحد في كلّ زمان ومكان تخطر على باله أسئلة مصيريّة وخطيرة ، فمن أنا؟ ومن الذي أوجدني ووهبني ما أنا فيه من النّعم ؟ من الذي مهّد لنا الأرض ، وسخّر لنا ما في السماوات والأرض ؟ وماذا بعد هذه الدنيا؟ وإلى أين تسير بنا الأقدار؟ فإلى أين نذهب ؟ وماذا يراد منّا؟ ومثل هذه الأسئلة تثير في الوجدان الإنساني أن يبحث عن حقيقته وعن مسيره في الحياة ، وأن يعيش في

متنها، لا في الهوامش .

وتجد جواب الأسئلة كلّها في قضيّة عاشوراء، فإنّها مدرسة حيّة خالدة ، ينبع منها عيون العلوم والمعارف ، ويتلألأ منها الحضارات والمدنيّات التي تسودها العدالة ونور الحقّ وضياء الحقائق والمعرفة.

2023/07/21
شعار يا لثارات الحسين.. هل المقصود به «الثأر الدمويّ»؟!
إن الروايات في المقام على صنفين: الصنف الأول: ما ورد من أهمية هذا الشعار وعظمته عند خروج القائم «عجل الله فرجه»، ومن هذه الروايات:

١- ما ورد في «أمالي الصدوق، ص129»: ”حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا  فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ - فَقَالَ لِي يَا ابْنَ شَبِيبٍ أَصَائِمٌ أَنْتَ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي دَعَا فِيهِ زَكَرِيَّا  رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقَالَ‏ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَنَادَتْ زَكَرِيَّا وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ فَمَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ كَمَا اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَّا  ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا مَضَى يُحَرِّمُونَ فِيهِ الظُّلْمَ والْقِتَالَ لِحُرْمَتِهِ فَمَا عَرَفَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ حُرْمَةَ شَهْرِهَا ولَا حُرْمَةَ نَبِيِّهَا  لَقَدْ قَتَلُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ ذُرِّيَّتَهُ وسَبَوْا نِسَاءَهُ وانْتَهَبُوا ثَقَلَهُ فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ أَبَداً يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ وقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ ولَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ والْأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ ولَقَدْ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ لِنَصْرِهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ فَهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ شُعْثٌ غُبْرٌ إِلَى أَنْ يَقُومَ الْقَائِمُ فَيَكُونُونَ مِنْ أَنْصَارِهِ وشِعَارُهُمْ يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ يَا ابْنَ شَبِيبٍ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ  أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ جَدِّي ص مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً وتُرَاباً أَحْمَرَ يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ بَكَيْتَ عَلَى الْحُسَيْنِ  حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيراً يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ولَا ذَنْبَ عَلَيْكَ فَزُرِ الْحُسَيْنَ  يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَسْكُنَ الْغُرَفَ الْمَبْنِيَّةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ النَّبِيِّ وآلِهِ  فَالْعَنْ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ لَكَ مِنَ الثَّوَابِ مِثْلَ مَا لِمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ الْحُسَيْنِ  فَقُلْ مَتَى مَا ذَكَرْتَهُ‏ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ فَاحْزَنْ لِحُزْنِنَا وافْرَحْ لِفَرَحِنَا وعَلَيْكَ بِوَلَايَتِنَا فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَوَلَّى حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“.

وهي صحيحة السند؛ لترضي الصدوق على ماجيلويه مرارًا.

٢- ما ورد في «بحار الأنوار، ط - بيروت، ج‏52، ص307»: وبِالْإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إِلَى الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ‏ لَهُ كَنْزٌ بِالطَّالَقَانِ مَا هُوَ بِذَهَبٍ ولَا فِضَّةٍ ورَايَةٌ لَمْ تُنْشَرْ مُنْذُ طُوِيَتْ ورِجَالٌ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ الْحَدِيدِ لَا يَشُوبُهَا شَكٌّ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ لَوْ حَمَلُوا عَلَى الْجِبَالِ لَأَزَالُوهَا لَا يَقْصِدُونَ بِرَايَاتِهِمْ بَلْدَةً إِلَّا خَرَّبُوهَا كَأَنَّ عَلَى خُيُولِهِمُ الْعِقْبَانَ يَتَمَسَّحُونَ بِسَرْجِ الْإِمَامِ  يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ ويَحُفُّونَ بِهِ يَقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ فِي الْحُرُوبِ ويَكْفُونَهُ مَا يُرِيدُ فِيهِمْ رِجَالٌ لَا يَنَامُونَ اللَّيْلَ لَهُمْ دَوِيٌّ فِي صَلَاتِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ يَبِيتُونَ قِيَاماً عَلَى أَطْرَافِهِمْ ويُصْبِحُونَ عَلَى خُيُولِهِمْ رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ لُيُوثٌ بِالنَّهَارِ هُمْ أَطْوَعُ لَهُ مِنَ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا كَالْمَصَابِيحِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمُ الْقَنَادِيلُ وهُمْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مُشْفِقُونَ يَدْعُونَ بِالشَّهَادَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُقْتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ شِعَارُهُمْ يَا لَثَارَاتِ‏ الْحُسَيْنِ‏ إِذَا سَارُوا يَسِيرُ الرُّعْبُ أَمَامَهُمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَمْشُونَ إِلَى الْمَوْلَى إِرْسَالًا بِهِمْ يَنْصُرُ اللَّهُ إِمَامَ الْحَقِّ.

٣- ما ورد في «مصباح الزائر، للسيد ابن طاووس، ص254»: والْغَائِبِ عَنِ الْعُيُونِ والْحَاضِرِ فِي الْأَفْكَارِ بَقِيَّةِ الْأَخْيَارِ الْوَارِثِ ذَا الْفَقَارِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ذِي الْأَسْتَارِ ويُنَادِي بِشِعَارِ يَا ثَارَاتِ‏ الْحُسَيْنِ‏ أَنَا الطَّالِبُ بِالْأَوْتَارِ أَنَا قَاصِمُ كُلِّ جَبَّارٍ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ ابْنُ الْحَسَنِ عَلَيْهِ وآلِهِ أَفْضَلُ السَّلَامِ اللَّهُمَّ عَجِّلْ فَرَجَهُ وسَهِّلْ مَخْرَجَهُ وأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ واجْعَلْنَا مِنْ أَنْصَارِهِ وأَعْوَانِهِ الذَّابِّينَ عَنْهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ والْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وتَقَبَّلْ مِنَّا الْأَعْمَالَ وبَلِّغْنَا بِرَحْمَتِكَ جَمِيعَ الْآمَالِ وأَفْسَحَ الْآجَالِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الرِّضَا والْعَفْوَ عَمَّا مَضَى والتَّوْفِيقَ لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى ثُمَّ تُقَبِّلُ التُّرْبَةَ وتَنْصَرِفُ مَغْبُوطاً إِنْ شَاءَ اللَّه‏.

وقد جاء هذا المقطع في ضمن زيارة جامعة ذكرها العلامة المجلسي في البحار من غير إسنادها للمعصوم قائلًا: ”الزِّيَارَةُ التَّاسِعَةُ ذَكَرَهَا السَّيِّدُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ قَالَ: تَقِفُ عَلَى ضَرِيحِ الْإِمَامِ الْمَزُورِ صَلَوَاتُ عَلَيْهِ“... إلخ.

الصنف الثاني: ما ورد التصريح فيه بقتل الإمام «عج» لقتلة الحسين (ع) وذريتهم الراضين بأفعالهم، ومن هذه الروايات:

١- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَدَانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا  يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ  أَنَّهُ قَالَ إِذَا خَرَجَ الْقَائِمُ قَتَلَ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ  بِفِعَالِ آبَائِهَا فَقَالَ هُوَ كَذَلِكَ فَقُلْتُ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ مَا مَعْنَاهُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ لَكِنَّ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ يَرْضَوْنَ أَفْعَالَ آبَائِهِمْ ويَفْتَخِرُونَ بِهَا ومَنْ رَضِيَ شَيْئاً كَانَ كَمَنْ أَتَاهُ ولَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي الْمَشْرِقِ فَرَضِيَ بِقَتْلِهِ رَجُلٌ فِي الْمَغْرِبِ لَكَانَ الرَّاضِي عِنْدَ اللَّهِ شَرِيكَ الْقَاتِلِ وإِنَّمَا يَقْتُلُهُمُ الْقَائِمُ إِذَا خَرَجَ لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ آبَائِهِمْ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ بِأَيِّ شَيْ‏ءٍ يَبْدَأُ الْقَائِمُ فِيهِمْ إِذَا قَامَ قَالَ يَبْدَأُ بِبَنِي شَيْبَةَ ويَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ لِأَنَّهُمْ سُرَّاقُ بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وهي صحيحة السند.

٢- ثواب الأعمال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْقَائِمُ واللَّهِ يَقْتُلُ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ بِفِعَالِ آبَائِهَا.

٣- عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قَالَ أَوْلَادُ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ .

 

٤- وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  فِي قَوْلِهِ تَعَالَى - ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً قَالَ ذَلِكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ يَخْرُجُ فَيَقْتُلُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ  فَلَوْ قَتَلَ أَهْلَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفاً وقَوْلُهُ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ لِيَصْنَعَ شَيْئاً يَكُونُ سَرَفاً ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  يَقْتُلُ واللَّهِ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ  بِفَعَالِ آبَائِهَا.

٥- ثواب الأعمال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْقَائِمُ واللَّهِ يَقْتُلُ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ بِفِعَالِ آبَائِهَا.

٦- تفسير العياشي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: قُلْتُ فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قَالَ لَا يَعْتَدِي اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى نَسْلِ وُلْدِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ .

وبعد ملاحظة هذه الروايات الشريفة، يتبين أنَّ ثأر سيد الشهداء الحسين ليس ثأرًا دمويًا؛ إذ ليس الهدف منه هو القتل في نفسه، وليس ثأرًا انتقاميًا كما يفعل المجتمع العشائري، وإنما هو ثأر إلهي، حيث يقوم المهدي «عج» بقتل القتلة ومن كان راضيًا بأفعالهم منتهجًا سننهم كما ذكرت بعض الروايات السابقة، وتصفية السراق كما في بعضها الآخر؛ والهدف من كل ذلك تطهير الأرض من أهل الجور تمهيدًا لإقامة الحق ودحض الباطل وتحقيق أهداف نهضة الحسين ، ولذلك عبرت الزيارة الشريفة عن ثأر الحسين  بأنه «ثأر الله»، فقالت: ”السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره والوتر الموتور“.

2023/07/19
كيف نستثمر موسم عاشوراء في تربية أطفالنا؟
عندما يطل شهر محرم الحرام وشهر صفر بأحزانه و دموعه، ويبعث في القلوب تلك الشرارة العاطفية التي توقد شعلة العقل والفكر بأهداف نهضة الامام الحسين عليه السلام، والتي هي نهضة الاسلام و امتداد النبوة المحمدية.

فـ(الحسين مني و أنا من حسين) ليست مقولة عاطفية تعبر عن محبة الجد لسبطه بل هي إشراقة الحسين في ضمير الأجيال، فالحسين يحيي الصلاة والحجاب والصدق وبر الوالدين، بأسلوب يفوق أسلوب الأهل لسنوات من التربية والتنشئة الدينية، وفي موسم الأربعين الحسيني تستطيع الأسر المؤمنة أن تحصد من القيم والفضائل والأخلاق والالتزام الديني لدى أبنائها بأضعاف ما تحصده في غيره من أيام السنة، فيغدو هذا الفصل محطة عبادية إيمانية تربوية لا نظير لها، وليس فقط محطة ثورية مخضبة بالدماء الزكية.

تتميز أيام شهر محرم وشهر صفر أنها تبث العِبرة من خلال العَبرة، لتنشئ جيلا حسينيا من أبنائنا وبناتنا، الذين سرعان ما يتحمسون للمشاركة في مراسم العزاء، سواء من خلال لبس السواد وحضورهم المجالس أو المشاركة في المسيرات أو اللطميات وأداء الزيارة أو إعداد الطعام، وكل ما ذكرناه من مراسم يتفاعل معها الكبير والصغير باندفاع وحماس كبيرين، في مشهد رائع من الاندفاع الذاتي الذي يشكل بحد ذاته عاملا أساسيا في التأثير التربوي، فكم نصرف من الجهد في إيجاد الدافع والحافز لدى أبنائنا في الممارسات العبادية أو الالتزامات الاخلاقية؟ ولكن في هذا الموسم المبارك سترى ولدك يستيقظ باكرا ليؤدي المراسم وليتواجد مع زملائه في مجموعات تؤدي الصلاة وتقرأ الأدعية والزيارات وتقيم المجالس وتقوم بترتيب وتنظيف الأماكن لتهيئتها لإقامة الشعائر الحسينية وتنتظم في صفوف مرتبة ما كنت لتراها لولا هذا العشق الحسيني الذي يفعل فعله في النفوس والعقول !!!

نستثمر هذا الموسم الكربلائي الحافل بالعطاء، بما يعود بالمنفعة التربوية والاخلاقية والسلوكية على أبنائنا، فربط الصلاة بالأمام الحسين من أكثر الوسائل نفعا في تحفيز الأبناء على الالتزام بالصلاة و إقامتها بكمالها في وقتها والمشاركة في صلاة الجماعة، فالثورة الحسينية قامت للحفاظ على هذه الصلاة والإمام (ع) صلى صلاة الظهر بأصحابه قبل شهادته المباركة رغم الرماح و السهام التي كانت تتساقط على مخيم الإمام الحسين (ع).

وكذلك يحاول بعض الأطفال إبراز مواهبهم فتراهم تارة يقلدون قارئ عزاء وتارة يرفعون أصواتهم بالندبيات وأحيانا يرتقون ما يشبه (المنبر) لقراءة السيرة الحسينية، من المناسب جدا تحفيزهم و مواكبتهم في هذه الممارسات وأخذها على محمل الجد، فلعل الله تعالى قدّر له أن يكون خادما حسينيا فهل تبخلون على الإمام (ع) بخدمته عبر أبنائكم؟ طبعا القارئ الحسيني يحتاج إلى إعداد و تأهيل من هذه المرحلة.

وأيضا أن موسم عاشوراء الحسين عليه السلام هو موسم مفعم بالروحيات الإيجابية العالية فالجدير بعاشق الحسين (ع) أن يعيد حساباته بعلاقاته بأهله وذويه وأرحامه وجيرانه، ومن الرائع أن يشاهد أبناءنا هذا الاقبال الروحي و العاطفي ذو الطابع الاجتماعي، وأن نحيي بهم هذا الحس الاجتماعي في صلة الارحام والاحسان للجيران

المصدر: واحة المرأة
2023/07/19
متى يستحب رفع راية شهر المحرم الحرام؟
الوجوبُ والحُرمة، والاستحبابُ والكراهة، منَ العناوينِ الخاصّةِ بالأحكام الشرعيّة، والطريقُ لمعرفتِها هوَ النصوصُ الشرعيّةُ منَ القرآنِ والسنّة، أمّا تحديدُ موضوعاتِ الأحكامِ فهيَ مِن مُختصّاتِ المُكلّفِ إلّا ما خرجَ مِنها بدليلٍ خاصٍّ.

وعليهِ فإنَّ العباداتِ تارةً تكونُ مُقيّدةً وتارةً تكونُ موسّعةً، فالصّلاةُ والحجُّ والصيامُ منَ العباداتِ المُقيّدة، حيثُ بيّنَ الشارعُ موضوعاتِها مُضافاً لبيانِ أحكامِها، أمّا الذكرُ والتسبيحُ وتلاوةُ القرآنِ والإحسانُ إلى الناسِ وبرُّ الوالدين وغيرُ ذلكَ منَ المُستحبّاتِ والواجباتِ لم يتدخَّل الشارعُ في بيانِ كيفيّةٍ خاصّةٍ بها وإنّما أوكلَ ذلكَ للمُكلّف، فيجوزُ للإنسانِ التسبيحُ وتلاوةُ القرآنِ في أيّ زمانٍ ومكان، وكذلكَ لم يرسِم الشارعُ تقاليدَ مُحدّدة ًلعنوانِ الإحسانِ أو برِّ الوالدين وإنّما جعلَ ذلكَ خاضعاً لعُرفِ العُقلاءِ والمُتشرّعةِ فكلُّ ما يرونَهُ إحساناً أو برّاً للوالدين لا يجوزُ للمُكلِّف مُخالفتُه، والشعائرُ الحُسينيّةُ مِن هذا القبيلِ حيثُ لم يُبيّن الشارعُ كيفيّةً مُعيّنةً لإحياءِ ذكرى الإمامِ الحُسين (عليهِ السلام) وإنّما أوكلَ ذلكَ للمُكلّفينَ، وعليهِ فإنَّ كلَ أمرٍ يتوافقُ عليهِ العقلاءُ وعُرفُ المُتشرّعةِ على أنّه مِن مصاديقِ المواساةِ يكونُ مِنها، وذلكَ لأنَّ النصوصَ لم تحصُر إقامةَ الشعائرِ في كيفيّةٍ مُحدّدةٍ وإنّما أكّدَت على استحبابِ هذهِ الشعيرةِ في عنوانِها العامّ، وبالتالي كلُّ فعلٍ يتوافقُ عليهِ العقلاءُ وعُرفُ المُتشرّعةِ على أنّه منَ المواساةِ يكونُ مُستحبّاً بوصفِه مِصداقاً لها وليسَ مُستحبّاً بوصفِه منصوصاً عليهِ منَ الشارعِ بشكلٍ خاصٍّ ومباشرٍ، فمثلاً مواكبُ العزاءِ تكونُ مُستحبّةً طالما اعتبرَها عرفُ المُتشرعةِ عنواناً للمواساةِ، وإذا تخلّى عَنها العُرفُ واستبدلَها بشيءٍ آخرَ يسقطُ عَنها الاستحبابُ ويتحوّلُ الاستحبابُ إلى ذلكَ الشيءِ الآخر، وعلى هذا النحوِ يكونُ رفعُ الرايةِ ليلةَ العاشرِ منَ المُحرّمِ منَ الشعائرِ المُستحبّةِ طالما توافقَ عليها عرفُ المُتشرّعةِ واعتبرَها بدايةَ الانطلاقِ للشعائرِ الحُسينيّة.

وفي الخُلاصةِ أيُّ شعيرةٍ مِن شعائرِ الإمامِ الحُسين تكونُ مُستحبّةً إذا اعتبرَها العُرفُ مِصداقاً للنصوصِ التي أكّدَت وندبَت على إحياءِ ذكرى الإمامِ الحُسين (عليهِ السلام)، ولا يتوقّفُ الأمرُ على وجودِ رواياتٍ ونصوصٍ خاصّةٍ بالموردِ طالما كانَت الشعائرُ منَ العباداتِ الموسَّعةِ التي لم يُحدِّد الشارعُ موضوعاتِها.

2023/07/19
موسم حزن جديد: لماذا نقيم المجالس الحسينية؟
رغم أننا ندعو إلى تحسين و تطوير المجالس الحسينية و مراسم العزاء الحسيني و الشعائر الحسينية بكل أنواعها وفقاً لمتطلبات العصر و حاجاته و تطوراته، إلا أننا نُذكِّر بأن لإحياء و إقامة الشعائر الحسينية أهدافاً عديدة، منها:

1.التثقيف و التوعية: حيث اننا نقوم من خلال إقامة مجالس العزاء و الحزن بتجديد البيعة مع الإمام الحسين ( عليه السَّلام ) و تأييد ثورته، و الدعوة إلى نهجه، و بيان أهدافه و حقانيته و سيرته المباركة و تضحياته العظيمة من أجل الإسلام و المسلمين، و نتعَلُّم معالم الدين و المذهب في مدرسة الحسين ( عليه السَّلام ).

2.تخليد الثورة الحسينية: نقوم بإحياء الشعائر الحسينية حتى لا تنسى الأمة الإسلامية تلك الثورة العظيمة، و حتى لا ينسى أو يتناسى التاريخ تلك الملحمة الكبرى و النهضة المباركة و تبقى حية نابضة ما بقيت الدنيا.

3.التفاعل الفردي و الإجتماعي: و نقوم بإحياء هذه الشعائر من أجل التفاعل الفردي و الاجتماعي مع هذه النهضة المباركة و حصول حالة التأثر و الحزن، من خلال استذكار حوداثها الأليمة و الظلم الذي جرى على أبطال هذه الملحمة الكبرى، و هذا التفاعل قد يحصل للإنسان من خلال مطالعة تاريخ هذه النهضة أو سماع بعض الأشرطة، فيكون مأجوراً و مثاباً.

4.الإعلام الرسالي الهادف: حيث نقوم من خلال إقامة العزاء الحسيني و تسيير المسيرات و المواكب و غيرها من صنوف الشعائر الحسينية بعمل إعلامي فريد، إذ نقوم بتحريك الرأي العام و توحيد الصفوف و رصِّها أمام الأعداء، و من الواضح ان العمل الإعلامي يحتاج إلى التظاهر و الخروج إلى الشارع و الإستنكار و رفع الصوت بل حتى الصراخ و العويل في وجه الطغاة، حيث لا يكفي الحزن القلبي وذرف الدموع في زاوية البيت.

إذن فلا بد لنا أن نأخذ بعين الإعتبار جميع الأهداف و المقاصد، و أن نُعطي كلا منها ما تستحقه من العناية و الاهتمام، و أن نعرف بأن الهدف من إقامة الشعائر الحسينية لا ينحصر في المشاركة في المجالس و البكاء و الحزن القلبي، كما هو واضح.

2023/07/16
كيف وصلت قافلة السبايا من الشام إلى كربلاء في الـ 20 من صفر؟
المشهور والمتعارف عليه عند الشيعة إن الإمام السجاد وزينب ومن معهم من السبايا وصلوا إلى كربلاء في يوم العشرين من صفر أي بعد مرور اربعين يوماً من استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

وقد صرح بذلك الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد حيث قال: (وفي اليوم العشرين منه -أي من صفر- كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام من الشام إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورضي عنه من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام فكان أول من زاره من الناس ويستحب زيارته عليه السلام فيه وهي زيارة الأربعين)، وقد شكك البعض في إمكانية ذلك لصعوبة الجمع بين طول المسافة وبين تحديد الوصول في العشرين من صفر، إلا أن ذلك ليس مستحيلاً فبحسب ما سجلته المصادر من تواريخ لحركة السبايا من كربلاء إلى الكوفة ومن ثم منها إلى الشام وبعدها إلى كربلاء تؤكد إمكانية ذلك، فمن الناحية التاريخية كان دخول السبايا إلى الشام في أول يوم من صفر كما رواه الكفعمي والبهائي والمحدث الكاشاني، وكان بقاؤهم في الشام خمسة أو سبعة أيام، وبالتالي فإن خمسة عشر يوما أو ثلاثة عشر يوما كافية للمسافة بين الشام وكربلاء، فبحسب المصادر التاريخية أن مدة إقامة السبايا في الكوفة كانت ثلاثة أيام، وخروج السبايا نحو الشام كان في (15) محرم، ووصولهم إليها كان في الأول من صفر، قال الشيخ عباس القمي: (قالَ الشيخ الكفعمي وشيخنا البهائيّ والمحدث الكاشاني: في أول صفر أُدخل رأس الحسين عليه السلام إلى دمشق، وهو عيد عند بني أُمية، وهو يوم تتجدد فيه الأحزان)، وحُكيَ أيضاً عن أبي ريحان في الآثار الباقية أنه قال: في اليومِ الأول من صفر أُدخل رأس الحسين عليه السلام مدينة دمشق فوضعه يزيد بين يديه ونقر ثناياه بقضيب في يديه.. الخ) وعليه يكون قد قطعوا المسافة بين الكوفة والشام في (15) يوماً، ولبثوا في الشام من (5ـ 8) أيام، وعليه يمكن العودة إلى كربلاء بحوالي (12ـ15) يوماً؛ ويكون مجموع المدة الزمنية (40) يوماً.

كما أن اللقاء الذي حصل بين جابر الانصاري والإمام زين العابدين (عليه السلام) يُثبت أن وصولهم كان يوم العشرين من صفر، وقد أكد الشيخ الجليل نجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي المتوفى سنة 645 هـ في كتابه (مثير الأحزان) اللقاء بين جابر الانصاري وركب الإمام زين العابدين (عليه السلام) حيث قال: (ولما مر عيال الحسين بكربلاء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري رحمة الله عليه وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والاكتياب والنوح على هذا المصاب المقرح لاكباد الاحباب) وقد كانت زيارة  جابر الانصاري للإمام الحسين (عليه السلام) في العشرين من صفر، وهذا ما ذكره أيضاً السيد علي بن طاووس الحلي المتوفى سنة 664 هـ في كتابه اللهوف، حيث قال: (ولما رجع نساء الحسين وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء ووصلوا إلى المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله وجماعة من بني هاشم قد وردوا لزيارة قبر الحسين فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم)، والمتيقن أن جابراً جاء إلى كربلاء في يوم الأربعين، كما فصّل ذلك في كتاب مصباح الزائر، وبشارة المصطفى.

2022/09/28
من تجمّع الأربعين المليوني: هنا يكمن الفرق بين التشيع الأصيل وغيره!
زيارة الاربعين دروس وعبر خلقت الجموع المليونية من الزائرين ومن هيأ لهم الخدمات اللازمة التي يحتاجها الزائر .. تجمعا عظيما لا نظير له.

[اشترك]

وقد اثبتت هذه التجمعات الشعبية القائمة على فطرة الايمان أن التشيع واحد وهو الأصيل، وهو التشيع الذي اسسته النصوص الدينية التي تضمنتها نصوص الكتاب العزيز والذي ميّز اهل البيت عليهم السلام عن سائر المسلمين بنزول الآيات القرآنية الكثيرة في فضلهم وعظيم شأنهم

حتى روي عن ابن عباس أن ثلث القرآن فيهم.

وأضاف اليها النبي صلى الله عليه وآله نصوصا أخرى كحديث الثقلين وحديث الأئمة اثنا عشر  وأمثالهما من نصوص نبوية شريفة أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان تبقى دليلا على ولاية اهل البيت عليهم السلام في الائمة الاثني عشر الذين خلفوا تراثا عظيما جمعه العلماء والرواة في الكتب المعروفة.

وقد مرت خلال هذه القرون منذ بدء الدعوة الإسلامية والى يومنا هذا أحداث وظروف طُرحت بسببها رؤى تختلف عن الصراط المستقيم الذي اوضحه النبي صلى الله عليه وآله فطُرح مشروع الزيدية والإسماعيلية وطُرح مشروع مودة اهل البيت عليهم السلام وحبهم من دون إمامة وولاية.

وفي عصورنا المتأخرة حاول البعض تقسيم التشيع الى علوي وصفوي وحاول البعض تقسيم الشيعة الى عارفين بحق أهل البيت ومقصرين في معرفتهم، كما حاول اعداء الشيعة تقسيم التشيع الى عربي وفارسي.

وكل هذه الرؤى يبدو أنها لاتلامس الواقع ولم يصح في النهاية الا الصحيح وهو أن التشيع الأصيل واحد يتجسد في الائمة الاثنا عشر وشيعتهم الذين توارثوه جيلا بعد جيل حتى وصل الينا بهذه الخصائص التي نراها اليوم في التمسك بأهل البيت عليهم السلام والعمل بما وصل الينا من توجيهاتهم وارشاداتهم.

فإن هذا التشيع وحده الذي يمتلك مقومات البقاء والديمومة والصمود وهو الذي يخلق مثل التجمعات المليونية بدون أن تتصدى جهة لإدارتها وخلقها.

 وهذا الإعجاز العظيم لا يمكن تفسيره الا بوجود رعاية إلهية تظلله فتدفع عنه الكوارث والمحن والفتن ... ولعل إلى ذلك يشير التوقيع الشريف المروي عن الامام المنتظر (واما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا جللها السحاب).

الحمد لله الذي وفقنا لدينه ونسأله العصمة والسداد انه ارحم الراحمين وهو حسبنا ونعم الوكيل.

2022/09/19
ما هي مسؤوليتنا تجاه الإمام الحسين (ع) في هذا العصر؟
ترك الإمام الحسين بثورته الخالدة تاريخاً مشرقاً في مسيرة الأمة الإسلامية، وتراثاً عظيماً في التضحية والإيثار والفداء من أجل الدين، وتقديم أهل بيته وأولاده وأصحابه قرابين في سبيل الله تعالى.

[اشترك]

 فلم يشهد التاريخ ثورة كثورة الإمام الحسين في أهدافها وتضحياتها ومنطلقاتها ورموزها، فهي بحق ثورة استثنائية في كل مشاهدها وصورها الدامية، ورسالتها المعبرة بكل قوة وشجاعة عن الحق والحرية والإصلاح.

والإمام الحسين قام بكل واجباته ومسؤولياته، وضحى بنفسه في سبيل الله، من أجل بقاء الدين، ومحاربة الفساد والظلم والانحراف؛ إذ نقرأ في زيارة الإمام الحسين (أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وأطعت الله حتى أتاك اليقين)

لكن السؤال المهم هو: ما هي مسؤولياتنا نحن تجاه الإمام الحسين في هذا العصر وفي كل عصر؟

للإجابة على هذا التساؤل يمكنني أن أشير إلى أبرز المسؤوليات والواجبات المهمة التي يجب علينا القيام بها تجاه الإمام الحسين وهي:

1ـ التمسك بالقيم والمبادئ:

ثار الإمام الحسين من أجل أن يبقى الدين سليماً من التحريف والتضليل الذي مارسه بنو أمية، حيث انتشر في عهد يزيد الفساد علناً، وحُرِف الدين عن أصوله وفروعه، فأراد الإمام أن يسجل بنهضته درساً عملياً للحفاظ على المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية، وهذا هو واجبنا أيضاً أن نتمسك بالمبادئ والقيم والمثل والأخلاق التي باتت في خطر في ظل انتشار القنوات الفضائية المنحلة، وما يقدمه الإنترنت من مواقع مخلة بالآداب والأخلاق، وانتشار الوسائل الجديدة والمتنوعة في نقل الصور الإباحية، والأفلام المروجة لثقافة العري والتحلل.

إن على كل واحد منا أن يسعى وبمقدار ما يستطيع من أجل تكريس المبادئ والقيم والأخلاق في البنية الاجتماعية، ويتم ذلك عبر التمسك بها، ونشرها في كل مكان، ومحاربة الرذيلة والفساد والميوعة التي يبثها الإعلام الفاسد إلى بيوتنا ومجتمعاتنا، فلنستذكر في ذكرى ثورة الإمام الحسين المبادئ والقيم التي من أجلها ضحى بنفسه، ولنعمل نحن أيضاً من أجل الدفاع عنها بمختلف الوسائل التي تناسب كل واحد منا.

2 ـ الاقتداء بسيرة الإمام الحسين:

سيرة الإمام الحسين سيرة مشرقة وعظيمة، فالإمام الحسين قمة في الأخلاق، ومَثَل أعلى في العبادة والارتباط بالله، ومضرب المثل في الشجاعة والتضحية من أجل الدين، وعلينا الاقتداء بسيرته العظيمة، أن نقتدي بأخلاقه، وأن نقتدي بعبادته، وأن نقتدي بتضحياته، وأن نقتدي بصبره وقوته وشجاعته.

والذي يحب الإمام الحسين حقاً عليه أن يسير على نهجه، وأن يستمر على منهجه فلا يكفي لمن يحبه أن يبكي عليه، أو يلطم صدره وخده حزناً عليه، أو يحضر مأتمه... وإن كان كل ذلك مطلوباً وفيه ثواب وأجر عظيم، ولكنه إذا تحول إلى مجرد طقوس ميكانيكية، وعادات اعتدنا عليها بلا هدف أو غاية فإنها تفقد أي تأثير على من يمارسها بهذه الصورة السلبية، تماماً كمن يصلي ولكن صلاته لاتنهاه عن الفحشاء والمنكر، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ أما إذا كانت صلاتك لاتنهاك عن ارتكاب المحرمات، فعليك أن تشك في قبول صلاتك !

وكذلك إذا كنت تعزي على الإمام الحسين، وتبكي عليه أيام عاشوراء، وتلطم صدرك وخدك بكل قوة، ولكن أفعالك أبعد ما تكون عن منهج الإمام الحسين أو سيرته، فعليك أن تشك في قبول أعمالك!

فإذا كنت من محبي الإمام الحسين حقاً، فاقتدِ بأفعاله وأقواله، وتخلق بأخلاقه، وسر على نهجه، وحافظ على أركان الدين ومعالمه، ولا تترك واجباً، ولا تعمل محرماً، في كل أيام السنة وليس فقط في أيام عاشوراء كما يفعل بعض الناس!

3 ـ التعريف بالثورة الحسينية:

إن من أهم مسؤولياتنا تجاه الإمام الحسين هو التعريف بثورته ونهضته المباركة، ويشمل التعريف منطلقات الثورة الحسينية وأهدافها ووسائلها وغاياتها، وما حدث فيها من معركة بين الحق والباطل يفوق حد التصور، والتعريف بشخوص هذه الثورة الحسينية لكل الناس.

ومن المهم للغاية أن يحتوي التعريف بالثورة الحسينية على قراءة تحليلية وليس مجرد قراءة سردية، لأن المنهج الأول هو الكفيل بإيصال أهداف ثورة الإمام الحسين بكل وضوح، ويساعد الأجيال المعاصرة على استيعاب الدروس والعبر لهذه الثورة المباركة.

ويجب علينا الاستفادة من الوسائل الحديثة كالقنوات الفضائية، والشبكة العنكبوتية والمجلات والصحف والأقراص المدمجة وغيرها للتعريف بثورة الإمام لكل شعوب الأرض وأممها.

ومن المفيد جداً أن يبادر التجار وأصحاب الأموال إلى وقف أوقاف خاصة للقيام بمثل هذه الأعمال الصالحة، كأن نوقف وقفاً لتأسيس قناة فضائية للحديث عن الإمام الحسين وثورته وسيرته، أو نوقف وقفاً لترجمة ما كتب عن الإمام الحسين بكل لغات العالم، وإذا كان في الماضي توقف الأوقاف لإقامة المآتم الحسينية، أو لإطعام المستمعين أو الزوار الطعام على حب الإمام الحسين، فإن الأوقاف في هذا الجانب كثيرة جداً، أما في هذا العصر فعلينا أن نساير التطور والتقدم العلمي والتقني للتعريف بالإمام الحسين وثورته وأهل بيته عبر الاستفادة من الوسائل الحديثة في التعريف بالنهضة الحسينية.

4ـ الارتباط بمنهج الإمام الحسين:

الإمام الحسين كباقي الأئمة الأطهار رسموا لنا منهجاً للتعرف على الإسلام المحمدي الأصيل، وعلينا أن نسير على ذلك، ونرتبط بمنهجهم الذي من سار عليه نجا، ومن تخلف عنه غرق وهوى.

وكي يرتبط أبناؤنا بالإمام الحسين علينا أن نعلمهم محبة الإمام، وأن نصطحبهم إلى مجالس العزاء والتعزية، ونشجعهم على قراءة زيارة وارث، ونشرح لهم معاني هذه الزيارة الراقية، كما أن من الضروري أن نوضح لهم تفاصيل ثورة الإمام الحسين وأهدافها النبيلة.

والارتباط بمنهج الإمام الحسين يعني اتباع خط الإمام وفكره ومنهجه العلمي والعملي، أما ادعاء محبة الإمام ومودته بدون السير على نهجه فلا يعدو كونه حباً أجوفاً بلا معنى أو قيمة حقيقية.

5 ـ قراءة سيرة الإمام الحسين:

وهذه المسؤولية من أضعف الإيمان، إذ يجب على كل واحد منا أن يقرأ ما يستطيع قراءته من كتب تتحدث عن السيرة العطرة لسبط رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي.

ومن المخجل حقاً أن نرى بعض شبابنا وشباتنا يعرف الكثير عن المشاهير في عالم الرياضة والفن والتمثيل، أو أسماء المشاركين في ستار أكاديمي أو سوبر ستار، لكنه لا يعرف عن ثورة الإمام الحسين إلا العنوان فقط ومع ذلك يدعي مثل هؤلاء لأنفسهم أنهم من محبي الإمام الحسين!!

إن من أولى مسؤولياتنا تجاه الإمام الحسين أن نعرف سيرته، ونقرأ ما نستطيع مما كتب عنه، فليسأل كل واحد منا نفسه: كم كتاب قرأت عن الإمام الحسين؟ وما هي المعلومات التي أعرفها عن سيرته العطرة؟ وماذا أعرف عن أخلاقه أو عبادته أو زهده أو جهاده أو شجاعته أو صبره؟!

وأترك لك أن تجيب بنفسك عن نفسك!

6- المشاركة في العمل الحسيني:

كل مؤمن يتحمل مسؤولية في المشاركة في العمل الحسيني، وذلك بمقدار ما يمكنه في سبيل ذلك الهدف النبيل في تعريف الأجيال الحاضرة والقادمة بسيرة الإمام المباركة، ونهضته العظيمة، فليعمل كل واحد منا بما يستطيع من أجل ذلك، ويمكن الإشارة إلى بعض ما يمكن القيام به:

1 ـ تأليف الكتب عن الإمام الحسين، أو ترجمة ما كتب عنه بمختلف اللغات العالمية.

2ـ تأسيس مواقع على الإنترنت للتعريف بالإمام الحسين، وبمختلف اللغات الحية.

3 ـ المساهمة عبر المحاضرات أو العزاء أو التمثيل، ونشرها من خلال القنوات الفضائية الملتزمة، ومواقع الإنترنت المتاحة، ومختلف وسائل الإعلام الحديثة.

4ـ التبرع المالي لطباعة الكتب التي تتحدث عن الإمام الحسين، أو أي شيء آخر يخدم التعريف بالإمام وسيرته ويحتاج إلى دعم مالي.

5 ـ الاستفادة من التقنيات الالكترونية الجديدة للتعريف بالإمام الحسين ونهضته الخالدة.

2022/09/17
انتهى موسم الحزن.. هل قدّمت المواكب العزائية شيئاً للمجتمع؟!
ألا تعتقدون أن كثيرا من المواكب العزائية لا تنتج شيئا، فما أن ينتهي موسم المحرم حتى يعود كل شيء إلى مكانه وتنسى الشعارات التي رفعت أيام المحرم بل إن بعض من يعزون لا يطبقون أهداف الحسين ولا ينسجمون معها؟

 [اشترك]

مجرد أن الشعارات التي رفعت أيام محرم تنسى، أو أن بعض المعزين لا يطبقون أهداف الحسين عليه السلام، لا يضر بموقع المواكب العزائية، ولا يدفع للاستغناء عنها، فإننا نجد أن القرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل الذي لو أنزل ﴿... هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ...﴾ ومع ذلك فإنه لا يؤثر في حياة كل المسلمين بمعنى أنك تجد العديد من المسلمين وهم غير متأثرين بثقافة القرآن وأخلاقه وتعاليمه، فهل يعني ذلك عدم فائدة القرآن؟ أو الاستغناء عنه؟

وأنت ترى أن الرسول الأعظم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وهو من هو في الفصاحة والبلاغة، وقوة التأثير لكن بعض من عاصره واستمع إليه مباشرة لم يتأثر بأقواله!! فهل يعني ذلك عدم الفائدة من حديث النبي؟

إن من المهم أن يكون لدى المجتمع مؤسسات دينية، ومظاهر إسلامية، وشعائرية حتى تحافظ على الصورة الإسلامية العامة، وتكون مقصدا لمن يريد الاهتداء إلى التعاليم الالهية، هذا ما يحتاجه كل جيل.

كما أنه ليس من الصحيح أن نطلب من الموكب العزائي أكثر من طاقته، فالموكب العزائي يقوم بدور الشحن العاطفي وتهيئة النفوس لتقبل التوجيه الفكري، ويصنع انتماء على مستوى العاطفة بين المعزي والمعزي به، أما أن نفترض أنه محلول كيماوي يدخله المعزي وهو مذنب أو غير واع، فيخرج من الطرف الآخر بعد ساعة وقد تغير كليا!! هذا مما لا يتوقع أصلا، والبحث عنه بحث عن السراب.

إن علينا أن نشجع المواكب العزائية بكافة أشكالها، ونحاول أن نقوي فيها المضمون العاطفي والولائي لأهل البيت عليهم السلام، وأيضا أن يتم توجيهها توجيها سليما من خلال إشراف الهادفين والواعين على تسييرها، واختيار الكلمات المناسبة فيها.

لقد رأينا أن بعض ما يقال من قصائد، و(رداديات) تصنع من الانتماء وتشجع الفرد على الالتزام بالقيم الدينية، أكثر مما تصنعه محاضرات متعددة، لا سيما في فئة الشباب.

وبناء عليه نحن نعتقد أن المواكب العزائية تصنع الكثير، الكثير، ووجود بعض المشاركين ممن لا يتأثرون بعد الموكب، أو ممن لم يكونوا على خط الانسجام مع الهدف الحسيني قبل الموكب لا يمنع من حصول الفوائد الكثيرة للمجتمع، ولا بد من تقوية هذه المواكب كماًّ ونوعاًّ.

2022/09/17
لماذا لم تعاقب أمة النبي بـ ’ الاستئصال’ بعد قتل الإمام الحسين (ع)؟
لا شك في أن لله تعالى حرمات متى ما انتهكت فإنه تعالى يغضب لانتهاكها، وشواهد ذلك كثيرة، دونك حادثة نحر فصيل ناقة صالح حيث قال تعالى (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها).

ومن أكثر الحوادث وضوحاً في هذا الجانب حادثة أصحاب الفيل، حيث قادهم أبرهة القادم من الحبشة مع جيش جرار مدجج بالفيلة، غرض هذا الجيش هو تهديم البيت العتيق بمكة الذي شيده إبراهيم الخليل وولده إسماعيل (عليهما الصلاة والسلام).

وما هي إلا لحظات وقد حجبت ضوء الشمس أسراب طير الأبابيل تحمل تلك الحجارة التي وصفها القرآن الكريم بأنها (من سجيل) فما كان من القوم إلا أن يهلكوا مستأصلين بهذا العذاب، بعد أن جعلهم (كعصفٍ مأكول).

وآيات العذاب من هذا القبيل مذكورة في القرآن الكريم بما لا يدع مجالاً للشك في أن عاقبة الاجتراء على حرمات الله وشعائره جزائها الهلاك والعذاب.

وهذا ما حصل عند اجتراء هذه الأمة العاصية على قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه واله) وريحانته وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

فآيات غضب الله عند إجتراح هذه الجريمة أكثر من أن تحصى، يكفيك منها ظهور الحمرة في السماء ونبع الدم عند رفع أي حجر من بيت المقدس عشية مصرع الإمام الحسين (روحي له الفداء).

كما أن سبب تأخير فرج آل محمد (صلوات الله عليهم) على يد قائمهم (عليه السلام) لمقتل الحسين (عليه الصلاة والسلام) له علاقة به.

فقد ورد عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: " يا ثابت إن الله تعالى قد كان وقت هذا الامر في سنة السبعين فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتا عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

قال أبوحمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام)، فقال: قد كان ذلك ".

وهنا يحتمل أن يكون المبدء يوم غيبته (عليه السلام) كما احتمله بعض الأكابر، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قرره أولاً بشرط أن لا يقتل الحسين (عليه السلام) بعد السبعين من غيبة المهدي (عليه السلام) فبعد أن قتل الحسين (عليه السلام) أخره إلى المائة والاربعين بشرط عدم الاذاعة لسرهم، فقال (عليه السلام) بعد أن أذعتم السر وكشفتم قناع الستر، وستر عنا علمه، أو لم يأذن لنا في الاخبار به.

تبقى ملاحظة أخيرة لا بد من بيانها وهي:

لماذا أهلك الله تعالى أصحاب الناقة وأصحاب الفيل بالاستئصال ولم يهلك مجرمي كربلاء بمثل هذا العذاب مع العلم بأن الحسين (عليه الصلاة والسلام) أكثر قداسة من البيت الحرام وأعظم شرافة وطهراً من الناقة؟

الجواب: للأسباب التالية:

1 ـ لم يكن جميع من حضر في كربلاء في جيش الكوفة القادم لقتال الحسين (عليه الصلاة والسلام) على قلب واحد بل كان بعضهم غير راضٍ بقتله بل كان بعض الضعاف المهزوزين يدعو له، وهذا ما لم يحصل عند قوم نوح أو لوط أو صالح (صلوات الله عليهم) أو جماعة أبرهة، حيث كانوا على قلب رجل واحد متفقين على اجتراء المعاصي عداوة لله تعالى ورسله وأنبيائه (صلوات الله عليهم)، فما كان من الله إلا أن يُنزل عليهم عذاب الاستئصال بأن يبيدهم عن بكرة أبيهم.

2 ـ أعقبت حادثة مصرع الحسين (عليه السلام) إقامة العزاء والنياحة من قبل الموالين للحسين وأهل بيت (عليهم السلام) سيما يوم مواراة جسده القدسي والكوكبة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه (صلوات الله عليهم) وهذا له أثر كبير في دفع غضب الله عن الحلول في ساحة خلقه.

2022/09/15
لقاء البكاء والحزن.. فضل أربعينية الإمام الحسين (ع)
يَمرُّ على استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) أربعون يوماً، وقَدْ قضى العقل والدين باحترام عظماء الرجال، أحياءً وأمواتاً، وتجديد الذكرى لوفاتهم وشهادتهم، وإظهار الحُزن عليهم، لا سِيَّما من بذل نفسه وجاهَد، حتى قُتِل لمقصدٍ سَامٍ، وغَايَةٍ نَبيلة، وقد جرت على ذلك الأمم في كلِّ عصرٍ وزمان.

[اشترك]

فحقيق على المسلمين - بل جميع الأمم - أن يقيموا الذكرى في كل عام للإمام الحسين (عليه السلام)، فإنه (عليه السلام) قد جَمَع أكرمَ الصفات، وأحسنَ الأخلاق، وأعظمَ الأفعال، وأجلَّ الفضائل والمناقب، عِلماً وفَضلاً، وزهادةً وعبادةً، وشجاعةً، وسخاءً وسماحةً، وإباءً للضَّيم، ومقاوَمة للظُّلم، وقد جمع إلى كَرمِ الحَسَب شَرَفَ النسَب، وقد جاهد الإمام الحسين (عليه السلام) لنيل أسمَى المقاصد، وأنْبل الغايات، وقام بما لم يَقُم بمثله أحد، فبذلَ (عليه السلام) نفسَه، ومالَه وآلَه، في سبيل إحياء الدين، وإظهار فضائح المنافقين، واختار المنيَّة على الدنيَّة، وميتة العِزِّ على حياة الذُل، ومصارع الكرام على اللِّئام.

وأظهر (عليه السلام) من عِزَّة النفس والشجاعة، والصبر والثبات، ما بَهَر به العقول، وحيَّر الألباب، واقتدى به (عليه السلام) في ذلك كل مَن جاء بعده، ومن يمتلك مثل هذه الصفات.

فالحقُّ أنْ تقام له (عليه السلام) الذكرى في كلِّ عام، وتبكي له العيون بَدَلَ الدُموعِ دَماً.

فقد بكى الإمام زين العابدين (عليه السلام) على مصيبة أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثين سنة.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يبكي لتذكُّر المصيبة، ويستنشد الشعر في رثائه ويبكي.

وكان الإمام الكاظم (عليه السلام) إذا دخل شهر محرم لا يُرَى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلُبُ عليه.

وقال الإمام الرضا (عليه السلام) :( إنَّ يَومَ الحسين أقرحَ به جُفونَنا، وأسال دموعنا، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء).

وقد حَثُّوا شيعتهم وأتباعهم على إقامة الذكرى لهذه الفاجعة الأليمة في كلِّ عام، وهُم (عليهم السلام) نِعْم القدوة، وخير مَنْ اتُّبِع، وأفضَلُ من اقتُفِيَ أثرُه، وأُخِذَت منه سُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فضل يوم الأربعين

رُويَ عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنّه قال :( عَلامَاتُ المؤمن خمسٌ: صلاةُ إِحدى وخمسين، وزيارةُ الأربعين، والتخَتُّم في اليمين، وتعفير الجَبين، والجهر بـ(بِسْم اللهِ الرحمن الرحيم)) بحار الأنوار 101 / 329.

وقال عَطا: كنت مع جابر بن عبد الله الأنصاري يوم العشرين من صفر، فلمَّا وصَلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصاً كان معه طاهراً، ثم قال لي: أمَعَكَ من الطيب يا عَطا؟

قلت: معي سُعد.

فجعل منه على رأسه وسائر جسده، ثم مشى حافياً حتى وقف عند رأس الحسين (عليه السلام)، وكَبَّر ثلاثاً، ثم خرَّ مغشياً عليه، فلما أفاق سَمِعتُه يقول: السلام عليكم يا آلَ الله (بحار الأنوار 101 / 329).

وكان يزيد قد أمر بِرَدِّ سبايا الحسين (عليه السلام) إلى المدينة، وأرسل معهم النعمان بن بشير الأنصاري في جماعة.

فلمَّا بلغوا العراق، قالوا للدليل: مُر بنا على طريق كربلاء، وكان جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم قد وردوا لزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام).

فبينا هُم كذلك إذ بِسَوادٍ قد طلع عليهم من ناحية الشام.

فقال جابر لعبده: اِنطلق إلى هذا السواد وآتِنَا بخبره، فإن كانوا من أصحاب عُمَر بن سعد فارجع إلينا، لعلَّنا نلجأ إلى ملجأ، وإن كان زين العابدين (عليه السلام) فأنت حُرٌّ لوجه الله تعالى.

فمضى العبد، فما أسرع أن رجع وهو يقول: يا جابر، قمْ واستقبل حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هذا زين العابدين قد جاء بِعَمَّاته وأخواته.

فقام جابر يَمشي حافي الأقدام، مكشوف الرأس، إلى أن دنا من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقال (عليه السلام) :( أنْتَ جَابِر؟).

فقال: نعم يا بن رسول الله.

فقال الإمام (عليه السلام) :( يَا جَابر هَا هُنا واللهِ قُتلت رجالُنا، وذُبحِت أطفالُنا، وسُبيَتْ نساؤنا، وحُرقَت خِيامُنا).

وفي كتاب الملهوف: إنهم توافوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن، وأقاموا المأتم، واجتمع عليهم أهل ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياماً (أعيان الشيعة 1 / 617).

* تبيان

 

2022/09/14
على الرمح.. طافوا برأس الحسين (ع) في هذه الأماكن!
بعد رفع رأس الإمام الحسين (ع) على الرمح هل ظلَّ مرفوعًا إلى أنْ دُفن مع الإمام الحسين (ع) يوم الأربعين، أرجو توضيح المسألة؟

[اشترك]

لقد طافوا بالرأس الشريف الكثيرَ من الحواضر الإسلامية، فقد طافوا به في أزقَّة الكوفة وأحيائها وأسواقِها، يقولُ الشيخ المفيد في الإرشاد: "ولمَّا أصبح عبيدُ الله بن زياد بعث برأس الحسين (عليه السلام) فدِيرَ به في سُكك الكوفة كلِّها وقبائلها"(1) ثم تمَّ صلبُه على باب قصر الإمارة (2) وطافوا به كذلك في أحياء دمشق، وكانوا يتعمَّدون العبور به في الطرق المكتظَّةِ بالنّاس، ثُمّ تمَّ صلبُه في دمشق ثلاثة أيام وهذا المقدار ثابتٌ لاستفاضة نقلِه عن الفريقين(3).

وكذلك طِيف بالرأس الشريف في عموم مدائن الشام وغيرها كما أفاد ذلك القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار، قال: "ثم أمر يزيد .. برأس الحسين (عليه السلام) فطِيف به في مدائن الشام وغيرها"(4).

ومن الحواضر الإسلامية التي مرَّوا عليها بالرأس الشريف -كما قيل- مدينة نصيبين(5) ذكر ذلك أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي (ت 511ه) في كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات قال: "في مدينة نصيبين مشهد النقطة يُقال إنَّه من دم الحسين (ع) وفي سوق النشابين مشهد الرأس فإنّه عُلّق هناك لما عبروا بالسبي إلى الشام"(6).

ومن تلك الحواضر أو المنازل التي قيل إنَّهم مرَّوا عليها بالرأس الشريف منزلًا يقال له قنسرين(7)، ذكر ذلك ابن شهراشوب في المناقب نقلًا عن النطنزي في الخصائص قال: لمَّا جاؤوا برأس الحسين ونزلوا منزلاً يُقال له قنسرين اطلع راهب من صومعته .."(8) وأشار لذلك أيضًا الخوارزمي في مقتل الحسين(ع)(9).

 

وثمة حواضرُ أخرى مرَّت عليها سبايا الحسين (ع) ومعها الرأسُ الشريف مثل مدينة الموصل، ونصيبين، وعسقلان(10)، وحماة(11)، وحِمْص ومدينة حلب كما أشار لذلك ابنُ شهراشوب في المناقب قال: "ومن مناقبه (ع) ما ظهر من المشاهد التي يُقال لها مشهد الرأس من كربلاء إلى عسقلان وما بينهما في الموصل ونصيبين وحماة وحمص ودمشق وغير ذلك" وأشار إلى حلب ابن العديم (ت: 660) في بغية الطلب(12).

هذا وكان الرأس الشريف في كلِّ حاضرة يدخلونها أو يمرُّون بها معلَّقًا على الرمح، وذلك لغرض إرهاب النّاس وتعريفهم بهيبة الدولة وسطوتها وأنَّها لن ترعى لأحدٍ حرمةً مهما كان موقعه الديني أو الاجتماعي إذا ترتَّب على وجوده وهنٌ لسلطانها وهيمنتها.

حمل رأس الحسين (ع) إلى مدينة الرسول (ص):

ومن المدن التي حُمل إليها رأس الحسين (ع) هي مدينة الرسول (ص) كما نصَّ على ذلك العديد من المؤرَّخين(13) يقول القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار: ولما أمر -يزيد- بأنْ يُطاف برأس الحسين (عليه السلام) في البلدان أُتي به إلى المدينة، وعاملُه عليها يومئذٍ عمرو بن سعيد الأشدق .."(14).

وفي أنساب الأشراف للبلاذري: إنَّ رأس الحسين (ع) نُصب في مدينة الرسول (ص) كما نُصب في دمشق ثلاثًا وكما نُصب في الكوفة قال: وحدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو بكر عيسى بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: رعِف عمرو بن سعيد على منبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) فقال بيار الأسلمي -وكان زاجرا-: إنَّه ليوم دم. قال: فجِيءَ برأس الحسين (ع) فنُصب فصرخ نساء آل أبي طالب فقال مروان:

عجّت نساء بني زبيد عجّة ** كعجيج نسوتنا غداة الأرنب .."(15).

وأما أنَّ الرأس الشريف هل ظلَّ مرفوعاً إلى حين دفنه؟

فجوابه إنَّ الرأس الشريف قد يُرفع عن الرمح فيُوضع في طستٍ كما وقع ذلك في مجلس يزيد، وكذلك في مجلس ابن زياد قبل ذاك، وقد يُوضع في طومار أو صندوقٍ وعلى صخرةٍ عندما ينزل به جنود النظام الأموي في واحدٍ من منازل الطريق.

 وهل تمَّ إرجاع الرأس الشريف إلى كربلاء يوم الأربعين فمختلفٌ فيه بين العلماء، والأرجح عندي أنّ إرجاعه قد تمّ بعد هذا التاريخ ولعلنا نُوضح منشأ هذا الترجيح في فرصةٍ أخرى. فإرجاع الرأس الشريف إلى كربلاء متسالَمٌ عليه بين علمائنا والاختلاف إنَّما هو في تاريخ الإرجاع.

الهوامش: 1- الإرشاد -الشيخ المفيد- ج2 / ص117، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص473، الدر النظيم -ابن حاتم المشغري العاملي- ص561. 2- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص351، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج18 / ص445، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك -ابن الجوزي- ج5 / ص341، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ترجمة الإمام الحسين ص80، البداية والنهاية -ابن كثير- ج8 / ص208. 3- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج69 / ص160، المحبر -محمد حبيب البغدادي (ت 245)- ص490، المنخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين -الطبري- ص25، بستان الواعظين ورياض السامعين -أبو الفرج ابن الجوزي- ج1 / ص264، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج3 / ص319، مقتل الحسين -الخوارزمي- ج2 / ص66، 81. 4- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص159. 5- نصيبين: بالفتح ثم الكسر .. وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادَّة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ، وبينها وبين الموصل ستة أيام" معجم البلدان -ياقوت الحموي- ج5 / ص288. وفي الموسوعة العربيَّة نصيبين: مدينة سورية قديمة، تقع إلى الشمال من مدينة القامشلي، ولا يفصل بينهما سوى الخط الحديدي، وهي اليوم نقطة عبور بين الحدود السورية والتركية، يمر منها نهر جغجغ أحد روافد الخابور. 6- الإشارات إلى معرفة الزيارت -أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي- ج1 / ص60. الأعلاق الخصيرة في أمراء الشام والجزيرة -ابن شداد الحلبي (ت 684)- ج1 / ص133. 7- قِنِّسرين: بكسر أوله، وفتح ثانيه وتشديده مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص معجم البلدان -الحموي- وفي الموسوعة العربيَّة قِنِّسْرين إحدى أهم المدن الآرامية في سورية الطبيعية، تقع جنوبي مدينة حلب بـنحو 25 كيلومتراً. 8- مناقب آل أب طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص217. 9- مقتل الحسين -الخوارزمي- ج2 / ص116. 10- عسقلان: عسقلان: بفتح أوله، وسكون ثانيه ثم قاف، وآخره نون .. وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين ويقال لها عروس الشام "معجم البلدان -الحموي-". 11- حماة: بالفتح مدينة كبيرة عظيمة كثيرة الخيرات بينها وبين دمشق خمسة أيام للقوافل، وبينها وبين حلب أربعة أيام. معجم البلدان الحموي 12- مناقب آل أب طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص235. بغية الطلب في تاريخ حلب -ابن العديم الحلبي- ج1 / ص470. 13- الطبقات الكبرى ترجمة الإمام الحسين -ابن سعد- ص 84-85، الأمالي الخميسيَّة للشجري -يحيى بن الحسن الجرجاني- ص248، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص57، مرآة الجنان -اليافعي- ج1 / ص109-110، مقتل الحسين -الخوارزمي- ج1 / ص75، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك -ابن الجوزي- ج5 / ص344، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج5 / ص20، تذكرة الخواص -سبط ابن الجوزية- ص301. 14-شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص159. 15- أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص218.  
2022/09/13
الزيارة الأربعينية تشعل النار في قلوب الأعداء
زيارة الأربعين تغيظ الكافرين قال أحد المؤمنين إنه كان ينوي زيارة الحسين (عليه السلام) في العشرين من صفر المُعبر عنها بزيارة الأربعين، مشياً على الأقدام زمن النظام البعثي المقبور.

[اشترك]

 وكان خائفا قلقا، لأن إلقاء القبض عليه من قبل أزلام النظام ، كان يعني حلول الموت بساحته، فتردد أياماً قبل الزيارة يخيِّر نفسه بين الحياة والموت، ثم انقدحت في ذهنه أن يستفتح بالقرآن لعل الله يهديه سبيلا سواء، ففتح كتاب الله فإذا هو بين يدي هذه الآية الكريمة: ( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة:120)، فأطبق الكتاب مسرورا مستبشرا بهذه البشارة الإلهية، ومضى مسرعاً يجدُّ السَّير إلى كربلاء، فماذا يريد الإنسان المؤمن أكثر من ألاَّ يرفع قدما ويضع أخرى، إلا ويكتب الله له بذلك عملا صالحا، وهو مستلزم بطبيعة الحال للأجر والثواب، وثم يعدُّه الله من المحسنين؟، لكن أكثر ما لفت نظره في الآية الشريفة قوله تعالى: (وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً).

الإغاظة ودلالاتها

الإغاظة: مبدأ من مبادئ الحرب النفسية، مارسه الإنسان مع أعداءه وخصومه فطريا منذ أقدم العصور، وهو من الأساليب الناجحة في إشعار العدو بالخيبة والهزيمة والفشل.

والغيظ في اللغة : يعني الغضب الشديد، وهو كما يقول الراغب الأصفهاني في المفردات: الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه، وهي تعني عند ابن منظور: الغضب الكامن للعاجز، وهي مبدأ قرآني مارسه الله تعالى مع أعدائه، وأمر المؤمنين أن يمارسوها معهم، قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (الفتح:29)، وقال: (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران:119).

والموطئ: هو الأرض التي توطئ بالأقدام، والآية الشريفة مطلقة لا تختص بنوع معين من الوطء، فكل خطوة يخطوها مؤمن سواء أكانت في طريق الجهاد في سبيل الله، أو في سبيل إحياء شعائر الله، أو لإقامة فريضة معينة، تعدُّ قرآنيا عملاً صالحاً يثاب عليه العبد، طالما كان ذلك العمل مما يغيظ الكفار والمنافقين، لوجود هذا الملاك - الإغاظة - في الجميع.

ومن المؤكد أن الجموع المليونية الزاحفة إلى كربلاء مشياً على الأقدام من داخل العراق وخارجه، تشعل النار في قلوب أعداء آل البيت (عليهم السلام) من كفار ومنافقين وتغيظهم وتشعرهم بالعجز، وأن أساليبهم الخبيثة التي مارسوها في سبيل إيقاف هذا المد الزاحف من القتل والتفجير والدعايات المغرضة، قد ذهبت أدراج الرياح (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا) (الأحزاب:25). وهذه الممارسة (الإغاظة) بذاتها تعد عملاً صالحاً فضلا عما يناله الزائرون من الأجر والثواب على نفس الزيارة، خصوصاً إذا كان فيها تعب ومشقة، كما هو الشأن في الزيارة مشياً على الأقدام ومن أماكن بعيدة، فإن أفضل الأعمال أحمزها - أي أشدها مشقة -.

ومن هنا على الزائر أن يستحضر ما يمكن استحضاره من معان ونيات في هذه الممارسة العبادية، وسيثاب إن شاء الله بعدد تلك النيات، وإن كان العمل واحداً من باب تداخل المستحبات، فيمكن أن يقصد في مشيه الزيارة قربة الى الله، وأن يقصد فيه إغاظة الكافرين والمنافقين، وأن يقصد به حبس نفسه على الله بالعبادة طيلة الأيام التي يمشي فيها، بترك المعصية، والمداومة على الذكر من التحميد والتهليل والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله).

النيل من العدو

نال من الشيء أو الشخص يعني أوقع به إصابة أو ضربة، وهي لا تختص بالأشياء المادية بل تتجاوزها الى الأمور المعنوية، فعندما يشتم شخص شخصا مثلا يقال نال منه، والآية الشريفة أعم من أن يكون النيل من العدو مادياً كأخذ أمواله، أو إيقاع ضربة عسكرية به، أو إيقاع ضربة نفسية به، بل لعل الضربة النفسية - أي تلك التي تؤلم النفس - أشد تأثيراً في العدو من سابقتيها.

ولا ضربة أشد ولا أقوى من حركة الجماهير إلى كربلاء، حيث تشعر أعداء الله ورسوله بالذل والهوان والهزيمة.

والخلاصة: لا تخلو شعيرة المشي إلى كربلاء في زيارة الأربعين، خصوصاً بهذه الأعداد المليونية، من إغاظة للكافرين تشحن صدورهم هما وألما، وهي ضربة شديدة توجهها الجماهير المؤمنة إلى صدور الكفار والمنافقين.

* عبد الهادي الطهمازي

2022/09/13
المشي إلى الحسين (ع) حافياً.. رسالة حزن عميقة
المشي حافياً في يوم عاشوراء أو غيره من الأيام في عزاء الإمام الحسين (عليه السَّلام) وسيلة معبّرة عن الحزن العميق على سيد الشهداء وأبي الأحرار (عليه السَّلام).

[اشترك]

ومن المؤكد أن الإنسان يُثاب على إظهاره الحزن في مثل يوم عاشوراء مواساة لأهل البيت (عليهم السلام)، لكن رغم ذلك ينبغي بصورة عامة وبالنسبة للشعائر الحسينية بصورة خاصة اختيار الوسيلة الأحسن والأفضل والأكثر تعبيراً وتأثيراً ومصلحة بحسب المكان والزمان دائماً، كما وينبغي أخذ ما تتطلبه الظروف الخاصة والمصالح والأهداف العامة بعين الاعتبار.

أما من حيث رجحان هذا الأمر فلقد ورد الحَثِّ عليه في الأحاديث التي رُويت عن الأئمة (عليهم السَّلام) بخصوص زيارة الامام الحسين (عليه السَّلام) ماشياً و حافياً مما يدل على رجحان المشي حافياً لدى الذهاب إلى حرم الامام الحسين (عليه السَّلام) سوى في حالة الزيارة أو العزاء و يدل عليه ما رُوِيَ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنَّهُ قَالَ: "مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السَّلام) [مُحْتَسِباً] لَا أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا رِيَاءً وَ لَا سُمْعَةً مُحِّصَتْ ذُنُوبُهُ كَمَا يُمَحَّصُ الثَّوْبُ فِي الْمَاءِ فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَنَسٌ، وَيُكْتَبُ لَهُ‏ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حِجَّةٌ، وَ كُلَّمَا رَفَعَ قَدَمَهُ عُمْرَةٌ"

وَعَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أيضاً أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الزَّائِرِ لِقَبْرِ الْحُسَيْنِ (عليه السَّلام) فَقَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ فِي الْفُرَاتِ ثُمَّ مَشَى‏ إِلَى‏ قَبْرِ الْحُسَيْنِ‏ (عليه السَّلام) كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ يَرْفَعُهَا وَ َضَعُهَا حَجَّةٌ مُتَقَبَّلَةٌ بِمَنَاسِكِهَا"

وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَيُونُسُ بْنُ ظَبْيَانَ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَلَمَةَ السَّرَّاجُ جُلُوساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع ـ إلى أن قال ـ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَزُورَهُ ـ أي الحسين (عليه السَّلام) ـ فَكَيْفَ أَقُولُ، وَكَيْفَ أَصْنَعُ؟

قَالَ: "إِذَا أَتَيْتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السَّلام) فَاغْتَسِلْ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، ثُمَّ الْبَسْ ثِيَابَكَ الطَّاهِرَةَ، ثُمَّ امْشِ‏ حَافِياً، فَإِنَّكَ فِي حَرَمٍ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِه‏"

2022/09/13
زيارة الأربعين: الانتصار الذي تنبّأت به زينب (ع)!
تكشف زيارة الأربعين للإمام الحسين بن علي عن دلالات وآثار عظيمة، كما تبرز جانباً مهماً من تجليات عظمة الإمام الحسين ومكانته وفضله.

[اشترك]

إن ظاهرة الزيارة المليونية في زيارة الاربعين للإمام الحسين يعبر عن انتصار القيم والمبادئ والأهداف التي استشهد من أجلها الإمام الحسين في معركة كربلاء.

وهذا الحشد الهائل من البشر الذي نراه ونشاهده في كل عام، ومن مختلف الأديان والمذاهب، والأعراق والجنسيات والقوميات يؤكد انتصار المظلوم على الظالم، والمقتول على القاتل، والحق على الباطل.

وتؤكد واقعة كربلاء أن الانتصار المادي الذي حدث في كربلاء للجيش الأموي كان مؤقتاً وزائلاً، بينما انتصار القيم والمبادئ مستمر وثابت، وهذا ما أكدته أحداث كربلاء وما حدث بعدها، وهذا هو الانتصار الحقيقي.

وقد تنبأت بهذا الأمر السيدة زينب الكبرى في حديثها ليزيد عندما قالت له: «فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين!»، وهذا ما تحقق بالفعل؛ فإن ذكر الإمام الحسين وأئمة أهل البيت يزداد انتشاراً واتساعاً يوماً بعد آخر؛ أما ظلمتهم فقد ذهبوا إلى مزبلة التاريخ وبئس المصير.

وزيارة الإمام الحسين من المستحبات المؤكدة في كل وقت وحين، ويتأكد استحبابها في بعض المناسبات كزيارة عاشوراء، والنصف من شعبان، وليلة الجمعة ويومها لورود الروايات المتواترة والصحيحة والمعتبرة في ذلك.

ومن الزيارات المستحبة - بإجماع الفقهاء- والتي تحظى باهتمام شعبي كبير زيارة الأربعين، وقد عقد الشيخ الحر العاملي في الوسائل باباً أسماه: «باب تأكد استحباب زيارة الحسين يوم الأربعين من مقتله، وهو يوم العشرين من صفر».

ومن علامات المؤمن زيارة الأربعين، فقد روى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قالا: روي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة الاحدى والخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»، وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلا أنه توجد الكثير من الروايات التي تعضدها في الجملة، كما تواترت الروايات التي تنص على استحباب زيارة الإمام الحسين بصورة مطلقة في كل وقت.

وقد روى الشيخ الطوسي بإسناده عن صفوان الجمال قال: قال لي مولاي الصادق في زيارة الأربعين تزور ارتفاع النهار وتقول: السلام على ولى الله وحبيبه... وذكر الزيارة إلى أن قال: وتصلي ركعتين، وتدعو بما أحببت وتنصرف.

أما عن فضل الزيارة وثوابها فنكتفي بما رواه مجمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، قال: قال أبو عبد الله: «مَن زارَ قَبرَ الحُسَينِ للَّهِ‏ وفِي‏ اللَّهِ‏، أعتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ وآمَنَهُ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، ولَم يَسأَلِ اللَّهَ تَعالى‏ حاجَةً مِن حَوائِجِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ إلّا أعطاهُ».

وعن عاصم بن حميد الحنّاط: سَأَلتُ جَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ عَن‏ زِيارَةِ قَبرِ الحُسَينِ؟

فَقالَ: «يا عاصِمُ! مَن زارَ قَبرَ الحُسَينِ وهُوَ مَغمومٌ أذهَبَ اللَّهُ غَمَّهُ، ومَن زارَهُ وهُوَ فَقيرٌ أذهَبَ فَقرَهُ، ومَن كانَت بِهِ عاهَةٌ فَدَعَا اللَّهَ أن يُذهِبَها عَنهُ أذهَبَها عَنهُ، وَاستُجيبَت دَعوَتُهُ، وفُرِّجَ هَمُّهُ وغَمُّهُ.

فَلا تَدَع أن تَأتِيَهُ، فَإِنَّكَ كُلَّما أتَيتَهُ كُتِبَ لَكَ بِكُلِّ خُطوَةٍ تَخطوها عَشرُ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنكَ عَشرُ سَيِّئاتٍ، وكُتِبَ لَكَ ثَوابُ شَهيدٍ في سَبيلِ اللَّهِ اهَريقَ دَمُهُ، فَإِيّاكَ أن تَفوتَكَ زِيارَتُهُ».

وعن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه [الصادق‏]: «مَن زارَ الحُسَينَ عارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَ ألفِ حَجَّةٍ مَقبولَةٍ، وألفِ عُمرَةٍ مَقبولَةٍ، وغَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأَخَّر».

وفي كتاب الوسائل عقد الحر العاملي باباً حول فضل زيارة الإمام الحسين ماشياً تحت عنوان: (باب استحباب المشي إلى زيارة الحسين) أورد فيه ستة أحاديث في فضل ذلك، ومنها: ما روي عن الإمام الصادق أنه قال: «: مَن أتى‏ قَبرَ الحُسَينِ ماشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ يَرفَعُها ويَضَعُها عِتقَ رَقَبَةٍ مِن وُلدِ إسماعيلَ».

وعن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله وهو يقول: «مَن أتى‏ قَبرَ الحُسَينِ ماشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ ألفَ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنهُ ألفَ سَيِّئَةٍ، ورَفَعَ لَهُ ألفَ دَرَجَةٍ».

وعن الإمام الصادق قال: «مَن خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ يُريدُ زِيارَةَ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، إن كانَ ماشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ حَسَنَةً، وحَطَّ بِها عَنهُ سَيِّئَةً، حَتّى‏ إذا صارَ بِالحائِرِ كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ المُفلِحينَ».

ونظراً للحشود الضخمة التي تزور الإمام الحسين في زيارة الأربعين مشياً على الأقدام يجب استثمار هذه الظاهرة المليونية في نشر المزيد من العلوم والمعارف الإسلامية بين الزوار، وزيادة مستوى الوعي والثقافة عند الناس، والتأكيد على أهمية التخلق بأخلاق الإمام الحسين، وأئمة أهل اليت.

ومن المهم والمفيد للغاية إظهار هذا الحشد الجماهيري الواسع إعلامياً بصورة مميزة وحضارية بما يعكس الصورة الناصعة لأتباع أهل البيت، وبما يبعث برسالة قوية إلى أعداء الإسلام والأمة عن تلاحم وعزة وقوة المؤمنين ووحدتهم.

ويؤكد اهتمام الوسائل الإعلامية المختلفة بهذا الحدث المهم في زيارة الأربعين على حقيقة ديمومة وثبوت انتصار القيم والمبادئ التي حملها الإمام الحسين كالعدل والكرامة والعزة والشموخ والإباء والعطاء والإيثار.

ويجب أن تكون زيارة الأربعين -وغيرها من المناسبات الهامة- فرصة لاستنهاض كل القيم والمبادئ والأهداف الحسينية، والتي من أجلها استشهد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الأخيار، وعدم اختزال القضية الحسينية بأمور جزئية أو طقوس شكلية؛ بل يجب الحفاظ على جوهر النهضة الحسينية، وإحياء القيم الكبرى والأهداف العظيمة التي من أجلها ضحى الإمام الحسين بالنفس والنفيس.

2022/09/11
ما الدليل على استحباب زيارة الأربعين؟
*آية الله السيد محمد رضا السيستاني
سند زيارة الأربعين(١) روى الشيخ (قدس سره) (٢) في التهذيب والمصباح قائلاً: أخبرنا جماعة من أصحابنا عن أبي محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري، قال حدثنا محمد بن علي بن معمر، قال حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن مسعدة والحسن بن علي بن فضال عن سعدان بن مسلم عن صفوان بن مهران الجمال قـال: قال لي مولاي الصادق (صلوات الله عليه) في زيارة الأربعين: تزور عند ارتفاع النهار وتقول: (السَّلامُ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ وحَبِيبِهِ السَّلامُ عَلَى خَلِيلِ اللَّهِ ونَجِيبِهِ السَّلامُ عَلَى صَفِـيِّ اللَّهِ وابْنِ صَفـــِيِّهِ السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ السَّلامُ عَلَى أَسِيرِ الْكُرُبَاتِ وقَتِيلِ الْعَبَرَاتِ ..).

[اشترك] 

وهذه الرواية هي عمدة ما يستدل به على استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في العشرين من صفر ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاده (صلوات الله عليه)، ولا ينبغي الشك في تمامية دلالتها على ذلك، فإنه ــ مضافاً إلى أن متن الزيارة يكشف بوضوح عن تعلّقها بزيارته (عليه السلام) ــ لا ريب في أن عنوان (زيارة الأربعين) إنما يختص بزيارته (عليه السلام) في مناسبة الأربعين في مرتكزات المؤمنين وما هم عليه خلفاً عن سلف.

ولكن وقع الإشكال في تمامية سند هذه الرواية، إلا أنه قد يبنى على تماميته من جهة أنه ليس فيه من يتوقف في وثاقته سوى رجلين:

١ ــ (سعدان بن مسلم) الذي لم يوثق في كتب الرجال، ولكنه من رجال كامل الزيارات(3) ومن مشايخ ابن أبي عمير(4)، فيمكن البناء على وثاقته وفق المسلكين المعروفين فيهما، والمختار تمامية المسلك الثاني دون الأول.

٢ ــ محمد بن علي بن معمر، فإنه لم يوثق في كتب الرجال أيضاً، ولكن الملاحظ أن ابن نديم ذكره في فهرسته(5) بعنوان (أبو الحسين .. بن معمر الكوفي) في عداد فقهاء الشيعة ومحدثيهم وعلمائهم، فيعرف أنه كان من المشاهير في عصره، وحيث لم يرد فيه طعن اقتضى ذلك قبول رواياته.

وأما (علي بن محمد بن مسعدة) فلا يضر عدم ثبوت وثاقته، لأن ابن معمر روى عنه وعن ابن فضال جميعاً، ويكفي وثاقة الثاني.

أقول: إن محمد بن علي بن معمر ممن روى عن حمدان بن المعافى(6) المتوفى سنة ٢٦٥، وعن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب(7) المتوفى سنة ٢٦٢، وهما من الطبقة السابعة، وروى عنه الكليني(8) وفرات بن إبراهيم(9) وهما من الطبقة التاسعة، فيتعين أن يكون هو ــ أي ابن معمر ــ من الطبقة الثامنة، ولكن يظهر من رواية التلعكبري ــ وهو من الطبقة العاشرة ــ أنه طال به العمر حتى

أدركه أصحاب تلك الطبقة أيضاً.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ الحسن بن علي بن فضال من الطبقة السادسة، ولا يتسنى لابن معمر أن يروي عنه مباشرة، والمظنون قوياً أن حرف العطف (و) في قوله (والحسن بن علي بن فضال) مصحف حرف الجرّ (عن) كما وقع مثله في عشرات الموارد في كتب الحديث.

وعلى هذا، فإن علي بن محمد بن مسعدة ــ الذي هو حفيد مسعدة بن صدقة كما يظهر من بعض الأسانيد ويعدّ من الطبقة السابعة لأنه يروي عنه ابن معمر الذي هو من الثامنة ووردت روايته عن عبد الرحمن بن أبي نجران الذي هو من السادسة مثل ابن فضال ــ يكون وسيطاً بين ابن معمر وابن فضال.

وبذلك يظهر أن الإشكال في السند المذكور لا ينحصر في وقوع سعدان وابن معمر فيه ليدفع بما تقدّم، بل من جهة اشتماله على ابن مسعدة أيضاً، مضافاً إلى أن ما ذكر من أن كون ابن معمر من المشاهير مع عدم ورود الطعن فيه يكفي في قبول روايته إنما يتم على مسلك بعض الأعلام (قدس سره)، وهو غير تام على المختار كما أوضحته في موضع آخر. اللهم إلا أن يقال إن عدّ ابن معمر من فقهاء الشيعة ومحدثيهم وعلمائهم يكفي في حدّ ذاته في الاعتماد على روايته، ولكنه محل تأمل.

هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنه بالرّغم مما ذكر فإنه يمكن تقريب الاعتماد على الرواية المذكورة، لأن ابن معمر وابن مسعدة لم يكونا من أصحاب الكتب وإنما من مشايخ اجازة كتب الآخرين، والملاحظ أن النجاشي(10) عدّ من كتب الحسن بن علي بن فضال (كتاب الزيارات)، والظاهر أن التلعكبري ــ الذي نصّ الشيخ(11) على أنه روى جميع الأصول والمصنفات) إنما استخرج رواية صفوان المذكورة من ذلك الكتاب، وحيث أن كتب بني فضال كانت مشهورة معروفة في ذلك العصر ــ كما عليه شواهد مذكورة في محلّها ــ فلا حاجة في الاعتماد على ما استخرج منها إلى ملاحظة السند إليها.

 فالمتجه البناء على تمامية سند الرواية المتقدّمة، وإمكان التعويل عليها في البناء على استحباب زيارة الأربعين بعنوانها.

*فائدةٌ مقتَضبةٌ لسماحة السيّد محمّد رضا السيستانيّ «دامت بركاته» فيما طُبع أخيرًا من بحوثه الرجاليَّة (١٤٤٣ هـ) من كتاب [قبسات من علم الرجال: ج٣، ص٦٥٥ – ٦٥٨]

الهوامش:
(١) فوائد رجالية (مخطوط). (٢) تهذيب الأحكام ج:٦ ص:١١٣، مصباح المتهجد ج:٢ ص:٧٨٨. (٣) كامل الزيارات ص:٥٣٥. (٤) الكافي ج:١ ص:١٧٨. (٥) فهرست ابن نديم ص:٢٧٨. (٦) الأمالي للطوسي ص:٦٣٠. (٧) تهذيب الأحكام ج:٣ ص:٦٦. (٨) الكافي ج:٨ ص:١٨. (٩) الأمالي للصدوق ص:٨. (١٠) رجال النجاشي ص:٣٦. (١١) رجال الطوسي ص:٤٤٩  
2022/09/10
أيهما أحق بالإنفاق.. زائر الحسين (ع) أم الفقراء؟!
إن الضابطة الشرعية لقبول الأعمال هي أن تكون لله تعالى، وعلى هذه الضابطة تتفاضل الأعمال المقبولة، فأي عمل أكثر خلوصا لله تعالى سيكون هو الأفضل.

[اشترك]

ثم إن هنالك ضابطة أخرى مترتبة على الضابطة الأولى وهي، مقدار المصلحة والمنفعة المترتبة على ذلك العمل، فأي عمل تترتب عليه منفعة أعظم سيكون ثوابه أكبر بعد تحقق الضابطة الأولى (نية القربة الى الله تعالى).

قال تعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء /96).

فالإيمان بالله تعالى أجره عظيم عند الله تعالى، غير أن الجهاد في سبيله تعالى بالنفس والمال له اجر أعظم بكثير من الإيمان الخالي عن الجهاد، والعلة في ذلك واضحة، إذ لولا دماء الشهداء، وجهادهم لما وصل الإسلام إلى ما وصل إليه الآن.

ولتقريب ذلك أكثر استعين بمثال.

إن إطعام الفقير من المستحبات المؤكدة في الشريعة، وله أجر وثواب عند الله تعالى، غير أن المجاهد الذي يطعم مهجته لالة الحرب دفاعا عن الدين والمقدسات والفقراء، له أجر وثواب أيضا.

ولكن يقينا أن أجر من أطعم لقمة، غير أجر من أطعم روحه ونفسه وجاد بهما دفاعا عن أمر مقدس.

أليس الجود بالنفس اقصى غاية الجود؟

قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ () الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (التوبة/20-21).

وعلى هذا أصبح الجواب واضحا، فان الطبخ للإمام الحسين عليه السلام، هو تثمينا لمواقفه المشرفة العظيمة، فالإمام الحسين عليه السلام الذي أطعم كل وجوده آلة الحرب، دفاعا عن الدين، دفاعا عن الحق عن المظلومين، عن الحرية الحقة، يستحق من كل إنسان يعي معنى الحرية الحقيقية أن يخلد له تلك المواقف المشرفة، فنحن حينما نطعم، نطعم إكراما وتثمينا لمواقف الإمام الحسين عليه السلام وصحبه وبنيه. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إن الطعام الذي يطبخ لسيد الشهداء يأكله الفقراء بمعية زوار أبي عبد الله عليه السلام.

فلا مجال للمقارنة وان أيهما أفضل الطبخ أم إطعام الفقراء.

وهل الطبخ الذي يكون في المواكب يقدم للأغنياء خاصة؟ أم هو لكل زوار أبي عبد الله والكثير منهم فقراء.

هذا إذا أردنا أن نتكلم بعيدا عن الروايات والأدلة التي ذكرت ثواب زيارة الإمام الحسين وثواب خدمة زواره صلوات الله وسلامه عليه.

فقد ثبت عندنا أن أول إمام نصب خيمة لاستقبال زوار الإمام الحسين (عليه السلام) على طريق كربلاء هو الإمام الصادق (عليه السلام) .

حيث روى ابن قولويه رحمه الله (عن موسى بن القاسم الحَضرميّ «قال : قدم أبو عبد الله عليه السلام في أوَّل ولاية أبي جعفر فنزل النّجف ، فقال: يا موسى اذهب إلى الطّريق الأعظم فقِف على الطّريق فانظر فإنّه سَيأتيك رجلٌ مِن ناحية القادسيّة ، فإذا دنا منك فقل له : ههنا رَجلٌ مِن وُلد رَسول الله يدعوك ، فسيجيء معك ، قال : فذهبت حتّى قمتُ على الطَّريق والحرُّ شديد ، فلم أزل قائماً حتّى كدتُ اُعصي وأنصرف وأدَعه ، إذ نظرتُ إلى شيءٍ يقبل شبه رَجل على بَعير ، فلم أزل أنظر إليه حتّى دنا منّي ، فقلت : يا هذا ههنا رجلٌ مِن ولد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يدعوك وقد وَصَفك لي ، قال : اذهب بنا إليه ، قال : فجئت به حتّى أناخ بَعيره ناحيةً قريباً مِن الخيمة ، فدعا به فدخل الأعرابيُّ إليه ودنوتُ أنا فصرت إلى باب الخيمة أسمع الكلام ولا أراهم ، فقال أبو عبدالله عليه السلام : مِن أين قَدِمتَ؟ قال : مِن أقصى اليمن ، قال : أنتَ مِن موضع كذا وكذا؟ قال : نعَم أنا مِن موضع كذا وكذا ، قال : فبما جئتَ ههنا؟ قال : جئت زائراً للحسين عليه السلام ، فقال أبو عبدالله عليه السلام : فجئتَ مِن غير حاجةٍ ليس الاّ للزّيارة؟ قال : جئتُ من غير حاجةٍ إلاّ أنْ اُصلّي عنده وأزوره فاُسلّم عليه وأرجع إلى أهلي ، فقال أبو عبدالله عليه السلام : وما ترون في زيارته؟ قال : نَرى في زيارته البركة في أنفسنا وأهالينا وأولادنا وأموالنا ومعايشنا وقضاء حوائجنا ، قال : فقال أبو عبد الله عليه السلام : أفلا أزيدك من فَضله فضلاً يا أخا اليمنيّ؟ قال : زدني يا ابن رسول الله ، قال : إنَّ زيارة الحسين عليه السلام تعدِلُ حَجّةَ مقبولة زاكية مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فتعجّب مِن ذلك ، قال : إي والله وحَجَّتين مَبرورَتين متقبّلَتين زاكيتَين مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فتعجّب ! فلم يزل أبو عبد الله عليه السلام يزيد حتّى قال : ثلاثين حجّة مبرورةً متقبِّلة زاكية مع رَسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم) كامل الزيارات-ابن قولويه القمي- (ص177/ ح 7)

أضف إلى ذلك أن الطبخ للإمام الحسين عليه السلام، إنما هو باختيار الناس فلا يوجد من أجبر الناس على ذلك، ومن المعلوم أن الناس مسلطون على أموالهم، فلهم الحق في صرف أموالهم في أي جهة من جهات البر، واي بر اعظم من وصل من امرنا الله بمودتهم عليهم السلام. قال تعالى: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى/24).

2022/09/08
ما هو دور المرأة في زيارة الأربعين؟
المرأة كانت ولازالت ترافق الرجل في شتى المجالات فهي شريكة الرجل في رحلة الحياة، لذلك نجد إنها متواجدة غالباً مع الرجل خلف ستائر الحروب وفي إدارة المجتمعات وغير ذلك في كل صغيرة وكبيرة.

[اشترك]

 لو نراجع نصوص التاريخ نستطيع ان نلاحظ دور المرأة وأهمية هذا الدور بوضوح، ولو نلاحظ بتمعن في واقعة الطف سنجد إن واقعة الطف حسينية الوجود وزينبية البقاء، ولولا دور الاعلام لم يكن هناك أثر لتلك الثورة العظيمة.

كذلك اليوم نشاهد ان المرأة تشترك في إحياء هذه الزيارة العظيمة والتجمع الانساني الكبير بمختلف المجالات، كما نستطيع ان نشير إلى أهم مشاركاتها وهي المشي مع الأطفال حيث إنها تقوم بتربية جيل صالح يحمل أسمى القيم وأنبل الصفات اذ يتعلم الطفل الصبر والايثار في هذا الطريق ويتقن دروس الانسانية بأفضل صورة.

مساعدة الرجال في استقبال الزائرين:

إن النساء يساعدن الرجال في استقبال الزائرين من حيث اعداد الطعام خلف السواتر وتنظيف الموكب والحسينية التابعة للنساء وتقديم بعض المساعدات للنسوة أمثالها فهذه الخدمة من أفضل الخدمات كما قالت بعض النسوة التي قمن بأداء هذا المهام إنهن لا يشعرن بالتعب الجسدي لما يشعرون بالراحة النفسية في هذا العمل وهذه الخدمة وينتظرون طوال العام ليقترب موعد الخدمة..

تشجيع الرجال في أداء المهام

تستطيع ان تكون صاحبة الخلق الحسن وتشجع الرجل في القيام بالخدمات الحسينية في شتى المجالات وتكون سنداً له في هذا الطريق وتصبر عن بعض الأذى والحرمان في هذه الفترة المزدحمة ولا توبخ الرجل حباً لسيد الشهداء عليه السلام.

مراكز طبية:

حيث هناك كثير من النساء يقدمن خدمات طبية ويساعدن المرضى في الشفاء والابتعاد عن بعض الأخطاء الصحية وبهذه الخدمة يسجلن أسمائهن في دفتر الخدمة الحسينية.

مراكز إرشادية:

هناك مراكز خاصة للنساء تقوم بإعطاء نصائح إرشادية لأجل حياة أفضل وتخطي الصعوبات وبعضهن تعلّم النساء بعض الواجبات الدينية.

حلقات التعارف والتآلف:

في هذا الطريق تتعرف المرأة على نساء أخريات وتتعلم منهن بعض الدروس والتجارب في الحياة وهكذا تتحرك نحو سيد الشهداء وهي تحمل حقائب معنوية والجمال الروحي وتودّع السلبيات لتتنعم بحياة جديدة مملوءة بدرر وعبر من واقعة الطف العظمى.

إن المرأة لها دور عظيم في تغيير المجتمع وتربية الأجيال، إنها الأرض الصالحة التي من أحضانها يخرج صنّاع المستقبل ومدراء المجتمع لذلك كما لها دور في جميع المجالات ونلمس حضورها في كل مكان لا يمكن ان نبعدها عن الساحة الحسينية المقدسة ونحكم عليها بالحبس في البيوت كما فعل الطالبان والوهابية الذين أبعدوا الناس عن الطريق الصحيح وبدلّوا المرأة إلى كائن هامشي لا حول ولا قوة لها!

لابد وأن تتعلّم وتتثقّف الأنثى كي تزرع الورود في كل مكان وتعلن للعالم إنّها خُلقت كي تكون مع آدم في هذه الرحلة والموعد الجنة بإذن الله وبحب الحسين عليه السلام.

*فهيمة رضا

 

2022/09/07
2022/09/06
زيارة الأربعين: فقراتُها المهمّة، ومفرداتها المُبهمة
​       المعروف بين أهل الإيمان أنّ هناك صيغتين لزيارة الإمام الحسين(صلوات الله عليه) يوم الأربعين: الأولى-قد وردت على لسان الصحابي جابر الأنصاري(رضوان الله عليه) ..، ولا غرض لنا بها هاهنا، وإنّما الكلام عن نصّ الزيارة الثانية بصيغتها المرويّة عن الإمام الصادق(عليه السلام)، وهي أقدم نصّ يؤسس لعنوان :"زيارة الأربعين" على نحو صريح، وما زال المؤمنون إلى يومنا هذا يتداولون قراءتها من مفاتيح الجنان عند زيارة الإمام في العشرين من صفر؛ ومن أجل ذلك كلّه: سنسلط ضوءاً على متنها بإبراز بعض فقراتها المهمّة، وتوضيح مفرداتها المبهمة:
  • ثلاث فقرات مهمّات:

في متن زيارة الأربعين مقاطع وجمل لا يسع استيعابها في مقال موجز، خذ مثلاً جملة:"وأعطيته مواريث الأنبياء"، فإنّها تختزل وتطوي، وتلفُّ وتُجمِل- ما تفرّق وفصّل في زيارة وارث.. لكن عملاً بقاعدة: مالا يدرك كلّه، لا يترك كلّه، فإنّنا نخصّ ثلاث فقرات مهمّة في هذه الزيارة الشريفة:

  1. أوّلها ما في صدر الرواية، وهو قول صفوان الجمّال: "قال لي مولاي الصادق (صلوات الله عليه): في زيارة الأربعين، تزور عند ارتفاع النهار.."!.

وهذه الفقرة بالغة الأهميّة؛ لأنّه تثبت أن مصطلح(زيارة الأربعين) مصطلح روائي يراد به زيارة الإمام الحسين في العشرين من صفر أي بعد مضي أربعين يوماً على استشهاده، ولذلك أدرج العلماء النصوص التي ورد فيها المصطلح آنفاً تحت عنوان: زيارة العشرين من صفر، أو زيارة الأربعين.( انظر-الطوسي: تهذيب الأحكام ٦ / ١١٣ ح ١٧ من باب ٥٢، ومصباح المتهجد،ص788).ومن ثمّ يندفع بهذه الفقرة أكثر من اعتراض على الزيارة نفسها، أو على غيرها، وفيما نموذجين من الاعتراضات المدفوعة بها: 

الاعتراض الأوّل- إنّ"ادراج الطّوسي لها[الزيارة] في أعمال العشرين من صفر لا شاهد روائيّ عليه أصلاً"!!،ونؤكّد مرّة أخرى أنّ أساس الاعتماد في المقام ليس هو مجرّد ادراج الطوسي أو غيره على الرغم من أهميّة مثل هذا الادراج كما لايخفى على أهل العلم، إلا أنّ المعتمد هي فقرة من ضمن الرواية، و جزء من داخل متن الحديث أعني قول صفوان عليه الرحمة والرضوان: قال لي مولاي الصادق: في زيارة الأربعين تزور عند ارتفاع النهار..!

الاعتراض الثاني- على حديث: علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين.. يقول صاحب الاعتراض مفسّراً عبارة"وزيارة الأربعين" في الحديث: "بعض الناس يتصور أن زيارة الأربعين هي زيارة الحسين في يوم الأربعين، لا، مش هيك [ليس هكذا، بل المقصود] زيارة أربعين مؤمن."، وبالرغم من عدم وجود أي أساس لهذا التفسير، فإنّ حديث صفوان في فقرته آنفاً يدفع هذا الاحتمال بشكل قاطع، ويفسّر المقصود على نحو واضح وساطع.

  1. "وبذل مهجتَه فيك؛ ليستنقذَ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة". حسب أهل اللغة: إنّ الفعل (بذل) يعني الإباحة عن طيب نفس، وهكذا كان (عليه السلام) فقد أباح نفسه لله تعالى راضياً قانعاً مسلّماً؛ فقد روي عنه (عليه السلام) قوله: إلهي، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى.. والمهجة هنا هي: الروح.. والجهالة غير الجهل، فالجهل عدم العلم، بينما الجهالة هي زوال القوّة العاقلة.
  2. تمثّل الفقرة آنفاً سماء الزيارة وقدحها المعلّى وقمتها، وذروتها و شُرفتها؛ لأنّها تحدّد وبإيجاز غير مخل: غايةَ النهضة وغرضها، وتختصر عرض الأهداف والفوائد، والثمار والنتائج لحركة سيد الشهداء وفاجعته، وهي إذ تكشف عن ذلك وتنيره، وتسفر عنه وتوضّحه بالرغم من أنّه مطلب معتاص، ومركب صعب؛ لذا اختلفت الآراء، وتعدّدت الرؤى، وتنوّعت المسالك حسب المشارب في بيان أهداف الحركة الحسينية، والمقال لا يطمع في تفصيل هذا المرام الصعب، والحمى المنيع، لكن من المفيد أن أنقل ما توصل إليه أحد المراجع الكبار المعاصرين، ونتيجة لدراسة مطوّلة في هذا السياق كتب يقول: 

"الذي ظهر لنا من فوائد نهضة الإمام الحسين وثمراتها هو إكمال مشروع أمير المؤمنين في إيضاح معالم الدين، وسلب شرعية السلطة التي كانت تتحكم فيه، وتركيز دعوة التشيع، ودفعها باتجاه التوسع والانتشار. وبعد حصول ذلك كله بجهود الأئمة الأولين (عليهم السلام) وخاصة شيعتهم وتضحياتهم، التي بلغت القمة في فاجعة الطف، لا يبقى مبرِّر للتضحية من الأئمة الباقين (عليهم السلام) أو من شيعتهم (فاجعة الطف، ص493).

وهذا ما حدث بالفعل، فقد قرّبت كربلاء البعيد، واختزلت الطريق وأظهرت المخفي وبيّنت الملتبس وعرّبت المستعجم وأوضحت المشتبه، وميّزت الصفوف، وفصلتْ وبمنتهى الجلاء والوضوح بين الحق والباطل، والحجّة والشبهة، والحسن والقبح.. وفرزت العامر عن الغامر، والمنصف من المعاند والجاحد.!

  1. ومن الفقرات المهمّة في الزيارة هي قوله: "ونصرتي لكم معدة، حتى يأذن الله لكم"، ومنشأ أهميتها أنّهاتربط الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، وتوثق الصلة بين ما كان وما ينبغي أن يكون، وترسخ العلاقة وتشدها بين قضية الحسين والمهدي، إنّها بإيجاز الفقرة الخاصة بالإعداد والتمهيد. ولن تعدم الفقرة الشبه من هذه الناحية مع سائر الزيارات الأخرى ففي عاشوراء مثلاً نقرأ نظير هذا الربط: وأن يرزقني طلب ثاري أو ثارك مع إمام منصور..

وقد تناولتْ الفقرة الإشارة إلى ثلاثة مفاهيم: النصرة، والإعداد، والظهور:

  • أمّا النصرة، فما ينبغي للزائر المؤمن معرفته أنّ نصرة أهل البيت وتأييدهم قوامها أولاً وقبل كلّ شيء تقع من الله تعالى وتأييده لهم، ثمّ نصرة المؤمنين ثانياً. {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] غاية الأمر أنّ نصرة الله تعالى ثابتة، وتأييده لهم دائم ولا يخضع للزوال والتغيّر {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] وأمّا نصرة المؤمنين فتخضع لقانون الاستبدال والتغير "واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري". 
  • وأمّا الإعداد قبل المواجهة، والاستعداد الذي يسبق الحرب الفكرية أو الثقافيّة أو العسكرية.. فتتفق كلمة العلماء على أنّ مفهوم الإعداد مفهوم عام ثابت، وهو مطلوب على كل حال، إلا أنّ آلياته وكيفياته ومصاديقه تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فرباط الخيل في الآية مثلاً: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] يتناسب والمرحلة آنذاك، ولا شك أنّه يختلف عنه الآن، حيث الفضائيات وعالم النت ووسائل التواصل، والمناخ السائد غالباً هي الحرب الإعلاميّة والفكريّة والعقائديّة.
  • وتشير جملة "حتى يأذن الله لكم" إلى الرجعة وعصر الظهور كما هو واضح، ويشهد له ما في الزيارة الجامعة الكبيرة: "وَنُصْرَتى لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِىَ اللهُ تَعالى دينَهُ بِكُمْ، وَيَرُدَّكُمْ في اَيّامِهِ، وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ، وَيُمَكِّنَكُمْ فى اَرْضِهِ " ومعنى ذلك أن النصرة مستمرة، والاعداد قائم ودائم طيلة فترة الغيبة الكبرى، وأنّ منتهى ذلك ونهايته وغايته وحدّه ومنتهاه هو أن يأذن الله تعالى لدينه بالسيادة التامّة، والظهور المطلق، والغلبة الكاملة على كلّ الاتجاهات والمذاهب والأديان ويسود الأرض ويعمّ المعمورة كلّها؛ حتى لا يقول قائل: إنّا لو ولينا لعدلنا، كما في الخبر.. ولم يتحقق مثل هذا الظهور ولن يتحقق إلا في عصر الظهور الشريف؛ لذا جاء في الحديث الصحيح في تفسير قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) قَالَ: يُظْهِرُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ..(انظر-الكافي،ج1،ص432).

***

  • وأمّا مفردات الزيارة المبهمات، وعبائرها المجملات فأبرزها:
  1. أسير الكربات: الكُربة بالضم هي الغم الذي يأخذ بالنفس، وجمعها كربات، وكرب كغرفة وغرف، و منه الدعاء: يا مفرّج عن المكروبين..
  2. وذائداً من الذادة: الذَّوْد السَّوق والطرد والدفع تقول ذُدْتُه عن كذا وذاده عن الشيءِ ذَوْداً وذِياداً ورجل ذائد أَي حامي الحقيقة دفاع من قوم.. وفي حديث النبي لعلي (ص): أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة..
  3. فأعذر في الدعاء: العُذْر اسم للحجة التي يُعْتَذر بها، والمصدر هو الإِعْذار، وأَعْذَرَ بمعنى اعْتَذَر اعتذاراً يُعْذَرُ به وصار ذا عُذْرٍ منه، وجاء بما صار به معذوراً، فيقال في المثل: قد أعذر من أنذر: أي أتى بما صار به معذورا، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف : 164] ..فمعنى "فأعذر في الدعاء" هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام دعا أعدائه إلى طريق الحقّ، وبذل لهم النصيحة وأقام عليهم الحجة وأتاهم بما يقتضي العذر.
  4. الثمن الأوكس: الوكس هو النقص، في الحديث: بيع الربا و شراؤه وكس. أي نقصٌ، وفي الخبر: المرأة لها مهر مثلها، لا وكس و لا شطط، أي لا نقصان و لا زيادة. و الثمن الأوكس: الأنقص.
  5. فالعنهم لعناً وبيلاً: والوبيل هنا هو الشديد، ويوصف به العذاب فيقال: عذاب وبيل، ويوصف به الأخذ أيضاً كما يقول الله تعالى عن فرعون: {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 16]، ويقال أيضاً: لعناً وبيلاً، أي لعناً شديداً مضاعفاً..
  6. ولم تلبسك المدلهمّات من ثيابها..: المدلهمّات: جمع مُدلهم، والمُدْلَهمُّ هو الأسود، وادْلَهَمَّ الليلُ والظلام كَثُفَ واسْودّ، ويقال: ليلة مُدْلَهِمَّة أي مظلمة وأسود مُدْلَهِمّ مُبالَغٌ به.
  7. مَعقِل المؤمنين: المعقل: هو الحِصن، تقول العرب: فلان معقل قومه، أي: حصنهم وملاذهم وملجأهم، كذا الحسين (عليه السلام) أمان لأهل الأرض، وسفينة نجاة، وحصن وملاذ وملجأ في حياته بإمامته الهادية وبعد استشهاده باستجابة الدعاء تحت قبته وبجمع المؤمنين اليوم سيما في الأربعين.

في الختام أشير إلى الإلتباس الواقع في فقرة: "أنّي بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي .."، فالشائع عند الكثير من المؤمنين هو قرائتها على أنّها مقطع واحد متصل و متواصل ودونما توقّف، بينما الصحيح هو التوقف ولو قليلاً في القراءة عند " بإيابكم"، ثمّ الإستئناف بعدها، وكتابياً ينبغي أن توضع فارزة بين الجملتين على النحو التالي: إني بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني..؛ لأنّ الجار والمجرور الأوّل (بإيابكم) متعلق بمؤمن، والجار والمجرور الثاني(بشرائع ) متعلّق بـ(موقن).

      وقد طلب أحدُ المؤمنين من السيد الخوئي (ره) بيان هذه الفقرة وتوضيح متعلّق(بشرايع)؛ فأجابه السيد ما لفظه: "إذا قرأتَ هكذا: (أنّي بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني وبخواتيم عملي) يوضح لك متعلّق الجملة، أي الجارّ والمجرور متعلق بـ(موقن)، وكذا "بخواتيم عملي" معطوف على ما قبله، ومتعلق بموقن.(صراط النجاة،ج1،ص467)، ويشهد على ما أفاده رحمه الله: ما جاء في زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام): إنّي بكم وبإيابكم من المؤمنين..

2022/09/06
موقف محرج وكرامة لزوار الإمام الحسين (ع)!
الشيخ أحمد علي الحلي هذه كرامتهم عند الله تعالى: بيتي في شارع الطوسي، ومن الطبيعي أن أكون بخدمة الزائرين أيّام الأربعين وبعدها، وبيتي وقتها يمتلأ حتى سطح الدار؛ للمجاورة كما ذكرت.

وفي إحدى السنوات السابقة وقبل الأربعين حلّ الليل واستنزفت فراش البيت، والشتاء قارص، فاستعنت بفراش بيت والدتي وبيت صهري من آل شكر، والحمد لله ربّ العالمين على الخدمة والتوفيق.

وفي وقت متأخر من الليل طُرقت الباب وإذا (١٧) زائرا، خجلت من ردّهم، وليس من أخلاقي، فقلت لمن في الدار من الزوار: وسعوا لأخوتكم الزوار، فوسعوا، وأتيت بالعشاء، مع ضيق المكان، وكان الهمّ عندي من أين أجلب الفراش لهم؟

فطُرقت الباب، وإذا بأحد الأخوة من البحرين (الحاج … الصفّار) ويجمعني معه العمل التراثي وحب الكتب، ومعه زائر قطريّ لا أعرفه، وبعد السلام والتحية، نظروا للزوار من فتحة الباب اليسيرة، فقالوا: أنحب نتبرك مع الزوار؟ فقلت: اتفضلوا، وتعشوا مع الزوار.

فأخرج القطريّ مبلغاً من المال، وقال: هذا  للزوار، فامتنعت من أخذه للكرامة والعفّة وطلباً للكمال، وثمّ هو في أول دخوله، وليس لي به معرفة سابقة، ولهذا وغيره امتنعت من أخذه منه، وألحّ عليّ وألح، فامتنعت، فاجتمعت الأصوات من الزوار قائلين: هو قال للزوار وليس لك، فأخذت المبلغ بعد الإصرار، وخرج الصفّار وصديقه.

فاتصلت بأختي العزيزة وأعطيتها كلّ المبلغ، وقلت لها: ولو زحمة اشترينا فراش للزوار، ولم أذكر لها العدد، يشهد الله تعالى.

فجاءت بعد ساعة ومعها (١٧) دوشك وبطانية ووسادة، فتعجبت من هذا الاتفاق، والكرم الحسيني، فما جلبته هو بعدد الزوار دون زيادة أو نقصان.

هذه كرامتهم عند الله تعالى فلم لا نخدم زوارهم، بأبي هم وأمي.

وهذا غيض من فيض مما رأيت من كرمهم.

2022/09/05
آداب في طريق الزيارة: هذا ما ينبغي على الزائر مراعاته
*الشيخ عباس القمي (ره): من الآداب في طريقه إلى الزّيارة وفي ذلك الحرم الطّاهر وهي عديدة:

الاوّل : أن يصوم ثلاثة أيّام متوالية قبل الخروج من بيته ويغتسل في اليوم الثّالث على ما أمر الصّادق صلوات الله وسلامه عليه صفوان، وستأتي الرّواية عند ذكر الزّيارة السّابعة وقال الشّيخ محمّد بن المشهدي في مقدّمات زيارة العيدين: اذا أردت زيارته (عليه السلام) فصُم ثلاثة أيّام واغتسل في اليوم الثّالث واجمع اليك أهلك وعيالك وقُل :

اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْتَوْدِعُكَ الْيَوْمَ نَفْسي وَاَهْلي وَمالي وَوَلَدي وَكُلَّ مَنْ كانَ مِنّي بِسَبيل، الشّاهِدَ مِنْهُمْ وَالْغائِبَ، اَللّـهُمَّ احْفَظْنا بِحِفْظِكَ بِحِفْظِ الاِْيمانِ وَاحْفَظْ عَلَيْنا، اَللّـهُمَّ اجْعَلْنا في حِرْزِكَ وَلا تَسْلُبْنا نِعْمَتَكَ وَلا تُغَيِّرْ ما بِنا مِنْ نِعْمَة وَعافِيَة، وَزِدْنا مِنْ فَضْلِكَ اِنّا اِلَيْكَ راغِبُونَ .

ثمّ اخرج من منزلك خاشعاً واكثر من قول لا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ وَاللهُ اَكْبَرُ وَالْحَمْدُ للهِ وَمِن تمجيد الله تعالى والصّلاة على النّبي وآله صلوات الله عليهم وامض وعليك السّكينة والوقار . وروي انّ الله يخلق من عرق زوّار قبر الحسين (عليه السلام)من كلّ عرقة سبعين ألف ملك يسبحون الله ويستغفرون له ولزوّار الحسين (عليه السلام) الى أن تقوم السّاعة .

الثّاني : عن الصّادق (عليه السلام) قال : اذا زرت أبا عبد الله (عليه السلام) فزره وأنت حزين مكروب شعث مغبر جائع عطشان فانّ الحسين عليهِ السلام قتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبراً جائعاً عطشاناً واسأله الحوائج وانصرف عنه ولا تتّخذه وطناً .

الثّالث : أن لا يُتّخذ الزّاد في سفر زيارته (عليه السلام) ممّا لذّ وطاب من الغذاء كاللّحم المشوي والحلاوة بل يغتذى بالخبز واللّبن، عن الصّادق صلوات الله وسلامه عليه قال : بلغني انّ قوماً اذا زاروا الحسين (عليه السلام)حملوا معهم السّفرة فيها الجداء والاخبصة واشباهه، ولو زاروا قبور آبائهم واحبّائهم ما حملوا معهم هذا، وقال المفضّل بن عمر في حديث معتبر آخر: تزورُون خير من أن لا تزورون ولا تزورون خير من أن تزورون ، قال : قلت قطعت ظهري ، قال : تالله ان احدكم ليذهب الى قبر أبيه كئيباً حزيناً وتأتونه بالسُّفر، كلاّ حتى تأتونه شعثاً غبراً.

أقول : ما أجدر للاثرياء والتّجار أن يراعوا هذا الامر في سفر زيارة الحسين صلوات الله وسلامه عليه فاذا دعاهم أخلاؤهم في المدن الواقعة على المسير الى المادب رفضوا الدّعوة فاذا عمدوا الى حقائبهم وسفرهم يملؤونها بما طاب من مطبوخ الزّاد كالدّجاج المشوي وغيره من الشّواء أبوا ذلك وصدّوا عنه قائلينْ انّنا راحلون الى كربلاء ولا يجدر بنا أن نتغذّى بمثل ذلك .

روى الكليني (رحمه الله) انّه لمّا قتل الحسين صلوات الله وسلامه عليه اقامت امرأة الكلبيّة عليه مأتماً وبكت وبكت النّساء والخدم حتّى جفّت دموعهم فأهدى اليها الجونىَ وهو القطا على ما فسّرَ لِيَقْتَتْنَ به فَيَقْوينَ على البكاء على الحسين، (عليه السلام)فلمّا رأته سألت عنه فقيل: هو هديّة أهداها فلان تستعنّ بها في مأتم الحسين (عليه السلام)، فقالت: لَسْنا في عُرْس فَما نَصْنَعُ بِها فأمرت باخراجه من الدّار.

الرّابع : ممّا ندب اليه في سفر زيارة الحسين (عليه السلام) هو التّواضع والتّذلّل والتّخاشع والمشي مشي العبد الذّليل فمن ركب من الزّائرين المراكب الحديثة التي تجري مسرعة بقوّة البخار وامثالها يجب عليه التّحفّظ والاحتراز عن الكبر والخيلاء والتّمالك عن التّبختُر على سائر الزّوار من عباد الله الّذين هم يقاسون الشّدائد والصّعاب في طريقهم الى كربلاء فلا ينظرون اليهم نظر التّحقير والازدراء .

روى العلماء في أصحاب الكهف انّهم كانوا من خاصّة دقيانوس ووزرائه فلمّا وسعتهم رحمة الله تعالى فاستقام فكرهم في معرفة الله عزّوجل وفي اصلاح شأنهم استقرّوا على الرّهبنة والانزواء عن الخلق والاواء الى كهف يعبدون الله تعالى فيه، فركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة فلمّا ساروا ثلاثة اميال قال لهم تميلخا وكان هو أحدهم : يا اِخْوَتاهُ جاءَتْ مَسْكَنَةُ الاْخِرَةِ وَذَهَبَ مُلْكُ الدُّنْيا اِنْزِلُوا عَنْ خُيُولِكُمْ وَامْشُوا عَلى اَرْجُلِكُمْ (انزلوا عن الخيول وسيروا في سبيل اللهِ على ارجلكم لعلّ الله تعالى ينزّل عليكم عطفه ورحمته ويجعل لكم من امركم مخرجاً) فنزل اولئك العظماء الاجلاء عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم حتى تقاطرت ارجلهم دماً، فعلى زائر هذا القبر الشّريف أن يراعي هذا الامر وليعلم ايضاً انّ تواضعه في هذا الطريق لوجه الله تعالى انّما هو رفعة له واعتلاء .

وقد روي في آداب زيارته (عليه السلام) عن الصّادق (عليه السلام) قال : من أتى قبر الحسين صلوات الله وسلامه عليه ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة الف حسنة، ومحا عنه ألف سيّئة، ورفع له الف درجة، فاذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك وامش حافياً وامش مشي العبد الذّليل .

 

الخامس : أن يجتهد ما وسعه الاجتهاد في اعانة الزّائر الرّاجل اذا شاهده وقد تعب واعيا عن المسير فيهتمّ بشأنه ويبلغه منزلاً يستريح فيه، وحذار من الاستخفاف به وعدم الاهتمام لشأنه .

روى الكليني بسند معتبر عن أبي هارون ، قال : كنت عند الصّادق (عليه السلام)يوماً فقال لمن حضره : ماذا بكم تستخفّون بنا ؟ فقام من بينهم رجل من أهل خراسان وقال : نعوذ بالله أن نستخفّ بكم أو بشيء من امركم ، فقال : نعم أنت ممّن استخفّ بي واهانني ، قال الرّجل : اعوذ بالله أن اكون كذلك ، قال (عليه السلام) : ويلك ألم تسمع فلاناً يناديك عندما كنّا بقرب جحفة ويقول اركبني ميلاً فوالله لقد تعبت انّك والله لم ترفع اليه رأسك واستخففت به، ومن اذلّ مؤمناً فقد اذلّنا واضاع حرمة الله تعالى .

أقول : راجع الادب التّاسع من آداب الزّيارات العامّة فقد أوردنا هناك كلاماً يناسب المقام، ورواية عن عليّ بن يقطين، وهذا الادب الَّذي ذكرناه هُنا لا يخصّ زيارة الحسين (عليه السلام)وانّما أوردناه هُنا في الاداب الخاصّة بزيارته (عليه السلام)لكثرة مصادفة موارده في هذه الزّيارة خاصّة .

السّادس : عن الثّقة الجليل محمّد بن مُسلم عن الامام محمّد الباقر (عليه السلام)قال : قلت له: اذا خرجنا الى أبيك أفلسنا في حجّ ، قال : بلى ، قلت : فيلزمنا ما يلزم الحاج ، قال : يلزمك حُسن الصحبة لمن يصحبك، ويلزمك قلّة الكلام الاّ بخير، ويلزمك كثرة ذكر الله، ويلزمك نظافة الثّياب، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحير، ويلزمك الخشوع وكثرة الصّلاة والصّلاة على محمّد وآل محمّد، ويلزمك التّحفّظ عمّا لا ينبغي لك، ويلزمك أن تغضى بصرك (من المحرّمات والمشتبهات)، ويلزمك أن تعود على أهل الحاجة من اخوانك اذا رأيت منقطعاً والمواساة (أن تناصفه نفقتك)، ويلزمك التّقيّة التي قوام دينك بها، والورع عمّا نهيت عنه، وترك الخصومة وكثرة الايمان والجدال الَّذي فيه الايمان، فاذا فعلت ذلك تمّ حجّك وعمرتك واستوجبت من الَّذي طلبت ما عنده بنفقتك واغترابك عن أهلك ورغبتك فيما رغبت أن تنصرف بالمغفرة والرحمة والرّضوان .

السّابع : في حديث أبي حمزة الثّمالي عن الصّادق صلوات الله عليه في زيارة الحسين (عليه السلام) انّه قال : اذا بلغت نينوى فحطّ رحلك هُناك ولا تدهن ولا تكتحل ولا تأكل اللحم ما أقمت فيه .

الثّامن : أن يغتسل بماء الفُرات ، فالروايات في فضله كثيرة، وفي رواية عن الصّادق صلوات الله وسلامه عليه قال : من اغتسل بماء الفُرات وزار قبر الحسين (عليه السلام) كان كيوم ولدته امّه صفراً من الذّنوب ولو اقترفها كبائر .

وروي انّه قيل له (عليه السلام) : ربّما أتينا قبر الحسين بن عليّ (عليهما السلام)فيصعب علينا الغُسل للزّيارة من البرد أو غيره ، فقال (عليه السلام): من اغتسل في الفرات وزار الحسين (عليه السلام) كُتب له من الفضل ما لا يحصى . وعن بشير الدّهان عن الصّادق (عليه السلام) قال : من أتى قبر الحسين بن عليّ (عليهما السلام) فتوضّأ واغتسل في الفرات لم يرفع قدماً ولم يضع قدماً الاّ كتب الله له حجّة وعُمرة، وفي بعض الرّوايات إئت الفرات واغتسل بحيال قبره، وكما يستفاد من بعض الرّوايات يحسن اذا بلغ الفرات أن يقول مائة مرّة اَللهُ اَكْبَرُ ومائة مرّة لا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ ويصلّي على محمّد وآله مائة مرّة .

التّاسع : أن يدخل الحائر المقدّس من الباب الشّرقي على ما أمر الصّادق صلوات الله وسلامه عليه يوسف الكناسي .

العاشر : عن ابن قولويه عن الصّادق (عليه السلام) انّه قال للمفضّل بن عمر : يا مفضّل اذا بلغت قبر الحُسين صلوات الله وسلامه عليه فقف على باب الرّوضة وقل هذه الكلمات، فانّ لك بكلّ كلمة منها نصيباً من رحمة الله تعالى :

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوح نَبِيِّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ اِبْراهيمَ خَليلِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَليمِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عيسى رُوحِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّد حَبيبِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عَلِيِّ وَصِيِّ رَسُولِ اللهِ، اَلسّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ الحَسَنِ الرَّضِّي، اَلسَّلامُ عَلَيكَ يا وارِثَ فاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الشَّهيدُ الصِّدّيقُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْوَصِيُّ الْبارُّ الْتَّقِيُّ، اَلسَّلامُ عَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَاَناخَتْ بِرَحْلِكَ، اَلسَّلامُ عَلى مَلائِكَةِ اللهِ الُْمحْدِقينَ بِكَ، اَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ اَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ وَاَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى اَتاكَ الْيَقينُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ثمّ تمضي الى القبر ولك بكلِّ خطوة تخطوها أجر المتشحّط بدمه في سبيل الله فاذا اقتربت من القبر فامسحه بيدك وقُل : اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ في اَرْضِهِ وَسَمائِهِ ثمّ تمضي الى صلاتِك ولك بكلّ ركعة ركعتها عنده كثواب من حجّ ألف حجّة واعتمر الف عمرة واعتق في سبيل الله الف رقبة وكأنّما وقف في سبيل الله الف مرّة مع نبيّ مرسل . الخبر

الحادي عشر : روى عن أبي سعيد المدائني قال : أتيت الصّادق (عليه السلام)فسألته ءأذهب الى زيارة قبر الحسين (عليه السلام)فأجاب بلى اذهب الى زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أطيب الطيّبين واطهر الطّاهرين وأحسن المحسنين، فاذا زرته فسبّح عند رأسه بتسبيح امير المؤمنين (عليه السلام) ألف مرّة، وسبّح عند رجليه بتسبيح الزّهراء (عليها السلام) ألف مرّة، ثمّ صلّ عنده ركعتين تقرأ فيهما سورة يس والرّحمن، فاذا فعلت ذلك كان لك أجر عظيم ، قلت : جعلت فداك علّمني تسبيح عليّ وفاطمة (عليهما السلام) ، قال : بلى يا أبا سعيد تسبيح علي صلوات الله عليه هو :

سُبْحانَ الَّذي لا تَنْفَدُ خَزائِنُهُ، سُبْحانَ الَّذي لا تَبيدُ مَعالِمُهُ، سُبْحانَ الَّذي لا يَفْنى ما عِنْدَهُ، سُبْحانَ الَّذي لا يُشْرِكُ اَحَداً في حُكْمِهِ، سُبْحانَ الَّذي لاَ اضْمِحْلالَ لِفَخْرِهِ، سُبْحانَ الَّذي لاَ انْقِطاعَ لِمُدَّتِهِ، سُبْحانَ الَّذي لا اِلـهَ غَيْرُهُ .

وتسبيح فاطمة (عليها السلام) هو :

سُبْحانَ ذِي الْجَلالِ الْباذِخِ الْعَظيمِ، سُبْحانَ ذِي الْعِزِّ الشّامِخِ الْمُنيفِ سُبْحانَ ذِي الْمُلْكِ الْفاخِرِ الْقَديمِ، سُبْحانَ ذِي الْبَهْجَةِ وَالْجَمالِ، سُبْحانَ مَنْ تَرَدّى بِالنُّورِ وَالْوِقارِ، سُبْحانَ مَنْ يَرى اَثَرَ الَّنمْلِ فِي الصَّفا وَوَقَعَ الطَّيْرِ فِي الْهَواءِ .

 

الثّاني عشر : أن يصلّي الفرائض والنّوافل عند قبر الحسين (عليه السلام) فانّ الصّلاة عنده مقبُولة، وقال السّيد ابن طاوُس (رحمه الله):اجتهد في أن تؤدّي صلاتك كلّها فريضة كانت أو نافلة في الحائر فقد روي انّ الفريضة عنده تعدل الحجّ، والنّافلة تعدل العمرة .

أقول : قد مضى في حديث مفضّل فضل كثير للصّلاة في الحائر الشّريف، وفي رواية معتبرة عن الصّادق (عليه السلام) قال : من صلّى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتبت له حجّة وعُمرة . والَّذي يبدو من الاخبار انّ صلاة الزّيارة أو غيرها من الصّلوات يحسن أداؤها خلف القبر كما يحسن أن تؤدّى ممّا يلي الرّأس الشّريف، وليتأخّر المُصلّي قليلاً اذا وقف ممّا يلي الرّأس حتى لا يكونُ محاذياً للقبر الشّريف، وورد في رواية أبي حمزة الثّمالي عن الصّادق (عليه السلام) انّه قال : صلّ عند رأسه ركعتين تقرأ في الاولى الحمد ويس وفي الثّانية الحمد والرّحمن وان شئت صلّيت خلف القبر وعند رأسه أفضل فاذا فرغت فصلّ ما أحببت الاّ انّ الركعتين ركعتي الزّيارة لابدّ منهما عند كلّ قبر . وروى ابن قولويه عن الباقر (عليه السلام)انّه قال لرجل : يا فلان ماذا يمنعك اذا عرضتك حاجة أن تمضي الى قبر الحسين صلوات الله عليه وتصلّي عنده أربع ركعات ثمّ تسأل حاجتك، انّ الفريضة عنده تعدل الحجّ، والنّافلة تعدل العُمرة .

الثّالث عشر : اعلم انّ أهمّ الاعمال في الرّوضة الطّاهرة للحسين (عليه السلام)هو الدّعاء فانّ اجابة الدّعاء تحت قبّته السّامية هي ممّا خوله الله الحسين (عليه السلام)عوضاً عن الشّهادة، فعلى الزّائر أن يغتنم ذلك ولا يتوانى في التّضرّع الى الله والانابة والتّوبة وعرض الحوائج عليه وقد وردت في خلال زياراته عليه السلام أدعية كثيرة ذات مضامين عالية لم يسمح لنا الاختصار بايرادها هنا والافضل أن يدعو بدعوات الصّحيفة الكاملة ما وسعه الدّعاء فانّها أفضل الادعية، ونحن سنذكر دعاء يدعى به في جميع الرّوضات المقدّسة في أواخر هذا الباب بعد ذكر الزّيارات الجامعة وسنذكر دعاءً هو أجمع الادعية التي تقرأ في روضات الائمة عليه السلام، واحترازاً عن خلوّ المقام نثبت هنا دعاء وجيزاً ورد في خلال بعض الزّيارات، وهو انّه تقول في ذلك الحرم الشّريف رافعاً يديك الى السّماء :

اَللّـهُمَّ قَدْ تَرى مَكاني، وَتَسْمَعُ كَلامي، وَتَرى مَقامي وَتَضَرُّعي وَمَلاذي بِقَبْرِ حُجَّتِكَ وَابْنِ نَبِيِّكَ، وَقَدْ عَلِمْتُ يا سَيِّدي حَوائِجي وَلا يَخْفى عَلَيْكَ حالي، وَقَدْ تَوَجَّهْتُ اِلَيْكَ بِابْنِ رَسُولِكَ وَحُجَّتِكَ وَاَمينِكَ وَقَدْ اَتَيْتُكَ مُتَقَرِّباً بِهِ اِلَيْكَ وَاِلى رَسُولِكَ فَاجْعَلْني بِهِ عِنْدَكَ وَجيهاً فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبينَ وَاَعْطِني بِزِيارَتي اَمَلي وَهَبْ لي مُناىَ وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ بِشَهْوَتي وَرَغْبَتي وَاقْضِ لي حَوائِجي وَلا تَرُدَّني خائِباً وَلا تَقْطَعْ رَجائي وَلا تُخَيِّبْ دُعائي وَعَرِّفْنِى الاِْجابَةِ في جَميعِ ما دَعَوْتُكَ مِنْ اَمْرِ الدّينِ وَالدُّنْيا وَالاْخِرَةِ وَاجْعَلْني مِنْ عِبادِكَ الَّذينَ صَرَفْتَ عَنْهُمُ الْبَلايا وَالاَْمْراضَ وَالْفِتَنَ وَالاَْعْراضَ مِنَ الدّينَ تُحْييهِمْ في عافِيَة وَتُميتُهُمْ في عافِيَة وَتُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ في عافِيَة وَتُجيرُهُمْ مِنَ النّارِ في عافِيَة وَوَفِّقْ لي بِمَنْ مِنْكَ صَلاحَ ما اُؤَمِلَّ في نَفْسي وَاَهْلي وَوُلْدي وَاِخْواني وَمالي وَجَميعِ ما اَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ .

الرابع عشر : من اعمال حرم الحسين (عليه السلام) الصّلاة عليه وروي انّك تقف خلف القبر عند كتفه الشّريف وتصلّي على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الحسين صلوات الله عليه، وقد أورد السّيد ابن طاوُس في مصباح الزّائر في خلال بعض الزّيارات هذه الصّلاة عليه :

اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَصَلِّ عَلى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهيدِ، قَتيلِ الْعَبَراتِ، وَاَسيرِ الْكُرُباتِ، صَلاةً نامِيَةً زاكِيَةً مُبارَكَةً يَصْعَدُ اَوَّلُها وَلا يَنْفَدُ آخِرُها اَفْضَلَ ما صَلَّيْتَ على اَحَد مِنْ اَوْلادِ الاَْنْبِياءِ وَالْمُرْسَلينَ يا رَبَّ الْعالِمينَ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلَى الاِْمامِ الشَّهيدِ الْمَقْتُولِ الْمَظْلُومِ الَْمخْذُولِ، وَالسَّيِّدِ الْقائِدِ، وَالْعابِدِ الزّاهِدِ، والْوَصِيِّ الْخَليفَةِ الاِْمامِ الصِّدّيقِ الطُّهْرِ الطّاهِرِ الطَّيِّبِ الْمُبارَكِ، وَالرَّضِيِّ الْمَرْضِيِّ وَالتَّقِيِّ الْهادِي الْمَهْدِيِّ الزّاهِدِ الذّائِدِ الُْمجاهِدِ الْعالِمِ، اِمامِ الْهُدى سِبْطِ الرَّسُولِ، وَقُرَّةِ عَيْنِ الْبَتُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدي وَمَوْلايَ كَما عَمِلَ بِطاعَتِكَ وَنَهى عَنْ مَعْصِيَتِكَ وَبالَغَ في رِضْوانِكَ، وَاَقْبَلَ عَلى ايمانِكَ غَيْرَ قابِل فيكَ عُذْراً سِرّاً وَعَلانِيَةً يَدْعُو الْعِبادِ اِلَيْكَ، وَ يَدُلُّهُمْ عَلَيْكَ، وَقامَ بَيْنَ يَدَيْكَ يَهْدِمُ الْجَوْرَ بِالصَّوابِ، وَيُحْيِي السُّنَّةَ بِالْكِتابِ، فَعاشَ في رِضْوانِكَ مَكْدُوداً، وَمَضى عَلى طاعَتِكَ وَفي اَوْلِيآئِكَ مَكْدُوحاً، وَقَضى اِلَيْكَ مَفْقُوداً لَمْ يَعْصِكَ في لَيْلِ وَلا نَهار بَلْ جاهَدَ فيكَ الْمُنافِقينَ وَالْكُفّارَ، اَللّـهُمَّ فَاَجْزِهِ خَيْرَ جَزاءِ الصّادِقينَ الاَْبْرارِ، وَضاعِفْ عَلَيْهِمُ الْعَذابَ وَلِقاتِليهِ الْعِقابَ، فَقَدْ قاتَلَ كَريماً وَقُتِلَ مَظْلُوماً وَمَضى مَرْحُوماً، يَقُولُ اَنَا ابْنُ رَسُولِ اللهِ مُحَمَّد، وَابْنُ مَنْ زَكّى وَعَبَدَ، فَقَتَلُوهُ بِالْعَمْدِ الْمُعْتَمَدِ قَتَلُوهُ عَلَى الاْيمانِ وَ اَطاعُوا في قَتْلِهِ الشَّيْطانَ وَلَمْ يُراقِبُوا فيهِ الرَّحْمنَ، اَللّـهُمَّ فَصَلِّ عَلى سَيِّدي وَمَوْلايَ صَلاةً تَرْفَعُ بِها ذِكْرَه وَتُظْهِرُ بِها اَمْرَهُ، وَتُعَجِّلُ بِها نَصْرَهُ، وَاخْصُصْهُ بِاَفْضَلِ قِسَمِ الْفَضائِلِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزِدْهُ شَرَفاً في اَعَلى عِلِّيِّينَ، وَبَلِّغْهُ اَعَلى شَرَفِ الْمُكَرَّمينَ وَاَرْفَعْهُ مِنْ شَرَفِ رَحْمَتِكَ في شَرَفِ الْمُقَرَّبينَ في الرَّفيعِ الاَْعَلى، وَبَلِّغْهُ الْوَسيلَةَ وَالْمَنْزِلَةَ الْجَليلَةَ وَالْفَضْلَ وَالْفَضيلَةَ وَالْكِرامَةَ الْجَزيلَةَ، اَللّـهُمَّ فَاَجْزِهِ عَنّا اَفْضَلَ ما جازَيْتَ اِماماً عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَصَلِّ عَلى سَيِّدي و مَوْلايَ كُلَّما ذُكِرَ، وَكُلَّما لَمْ يُذْكَرْ يا سَيِّدي و مَوْلايَ أدْخِلْني في حِزْبِكَ وَزُمْرَتِكَ، وَاِسْتَوْهِبْني مِنْ رَبِّكَ وَرَبّي فَاِنَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ جاهاً وَقَدْراً وَمَنْزِلَةً رَفيعَةً، اِنْ سَأَلْتَ اُعْطيتَ وَاِنْ شَفَعْتَ شُفِّعْتَ اللهَ اللهَ في عَبْدِكَ وَمَوْلاكَ لا تُخَلِّني عِنْدَ الشَّدائِدِ وَالاَْهْوالِ لِسُوءِ عَمَلي وَقَبيحِ فِعْلي وَعَظيمِ جُرْمي، فَاِنَّكَ اَمَلي وَرَجائي وَثِقَتي وَمُعْتَمَدي وَوَسيلَتي اِلَى اللهِ رَبّي وَرَبِّكَ لَمْ يَتَوَسَّلِ الْمُتَوَسِّلُونَ اِلَى اللهِ بِوَسيلَة هِىَ اَعْظَمُ حَقاً وَلا اَوْجَبُ حُرْمَةً وَلا اَجَّلُ قَدْراً عِنْدَهُ مِنْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ لا خَلَّفَنِىَ اللهُ عَنْكُمْ بِذُنُوبي وَجَمَعَني وَاِيّاكُمْ في جَنَّةِ عَدْن الَّتي اَعَدَّها لَكُمْ وَلاَِوْلِيائِكُمْ اِنَّهُ خَيْرُ الْغافِرينَ وَ اَرْحَمَ الرّاحِمينَ، اَللّـهُمَّ اَبْلِغْ سَيِّدي وَمَوْلايَ تَحِيَّةً كَثيرَةً وَسَلاماً، وَارْدُدْ عَلَيْنا مِنْهُ السَّلامِ اِنَّكَ جَوادٌ كَريمٌ، وَصَلِّ عَلَيْهِ كُلَّما ذُكِرَ السَّلامُ وَكُلَّما لَمْ يُذْكَرْ يا رَبَّ الْعالَمينَ.

أقول : قد أوردنا تلك الزّيارة في خلال اعمال يوم عاشوراء وسنذكر في أواخر الباب صلاة يصلّى بها على الحجج الطّاهرين (عليهم السلام)تتضمّن صلاة وجيزة على الحسين (عليه السلام) فلا تدع قراءتها .

الخامس عشر : من أعمال هذه الرّوضة المنوّرة دعاء المظلوم على الظّالم أي ينبغي لمن بغى عليه باغ أن يدعو بهذا الدّعاء في ذلك الحرم الشّريف، وهو ما أورده شيخ الطّايفة (رحمه الله) في مصباح المتهجّد في أعمال الجمعة ، قال : ويستحبّ أن يدعو بدعاء المظلوم عند قبر ابي عبدالله وهو : اَللّـهُمَّ اِنّي اَعْتَزُّ بِدينِكَ وَاكْرُمُ بِهِدايَتِكَ وَفُلانٌ يُذِلُّني بِشَرِّهِ وَيُهينُني بِاَذِيَّتِهِ، وَيُعيبُني بِوَلاءِ اَوْلِيائِكَ، وَيَبْهَتُني بِدَعْواهُ، وَقَدْ جِئْتُ اِلى مَوْضِعِ الدُّعاءِ وَضَمانِكَ الاِْجابَةَ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاَعْدني عَلَيْهِ السّاعَةَ السّاعَةَ، ثمّ تنكبّ على القبر وتقول : مَوْلايَ اِمامي مَظْلُومٌ اسْتَعْدي عَلى ظالِمِهِ النَّصْرَ النَّصْرَ حتّى ينقطع النّفس .

السّادس عشر : من اعمال ذلك الحرم الشّريف الدّعاء الَّذي رواه ابن فهد (رحمه الله)في عدّة الدّاعي عن الصّادق (عليه السلام)قال : من كان له الى الله تعالى حاجة فليقف عند رأس الحسين (عليه السلام) ويقول : يا اَبا عَبْدِاللهِ، اَشْهَدُ اَنَّكَ تَشْهَدُ مَقامي وَتَسْمَعُ كَلامي وَاَنَّكَ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّكَ تُرْزَقُ فَاسْأَلْ رَبَّكَ وَرَبِّي في قَضاءِ حَوائِجي، فأنّه يقضى حاجته ان شاء الله تعالى .

السّابع عشر : من جملة الاعمال في ذلك الحرم الشّريف الصّلاة عند الرّأس المقدّس ركعتان بسورة الرّحمن وسورة تبارك .

روى السّيد ابن طاوُس (رحمه الله) انّ من صلاها كتب الله له خمساً وعشرين حجّة مقبولة مبرورة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

الثّامن عشر : من الاعمال تحت تلك القبّة السّامية الاستخارة، وصفتها على ما أوردها العلاّمة المجلسي (رحمه الله)ومصدر الرّواية كتاب قُرب الاسناد للحميري ، قال بسند صحيح عند الصّادق (عليه السلام) قال : ما استخار الله عزّوجلّ عبد في أمر قط مائة مرّة يقف عند رأس الحُسين صلوات الله عليه ويقول : اَلْحَمْدُ للهِِ وَلا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ وَسُبْحانَ اللهِ فيحمد الله ويهلّله ويسبّحه ويمجّده ويثنى عليه بما هو أهله ويستخيره مائة مرّة الاّ رماه اللهُ تبارك وتعالى بأخير الامرين . وعلى رواية اخرى يستخير الله مائة مرّة قائلاً : اَسْتَخيرُ اللهَ بِرَحْمَتِهِ خِيَرَةً فِي عافِيَة .

التّاسع عشر : روى الشّيخ الاجل الكامل أبو القاسم جعفر بن قولويه القمّي (رحمه الله)عن الصّادق صلوات الله عليه انّه قال : اذا زرتم أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) فألزموا الصّمت الاّ عن الخير، وانّ ملائكة اللّيل والنّهار من الحفظة يحضرون عند الملائكة الّذين هم في الحاير، ويصافحونهم فلا يجيبهم ملائكة الحائر من شدّة البكاء وهم ابداً يبكون ويندبون لا يفترون الاّ عند الزّوال وعند طلوع الفجر فالحفظة ينتظرون حين يحين الظّهر أو يطلع الفجر فيكالمونهم ويسألونهم عن امور من السّماء وهم لا يمسكون عن الدّعاء والبكاء فيما بين هاتين الفترتين .

وروي ايضاً عنه (عليه السلام) انّ الله تعالى قد وكّل على قبر الحسين صلوات الله عليه أربعة آلاف من الملائكة شعث غبر على هيئة اصحاب العزاء يبكون عليه من طلوع الفجر الى الزّوال فاذا زالت الشّمس عرجوا وهبط مثلهم يبكون الى طلوع الفجر، والاحاديث في ذلك كثيرة ويبدو من هذه الاحاديث استحباب البكاء عليه في ذلك الحرم الطّاهر بل الجدير أن يعد البكاء عليه والرّثاء له من اعمال تلك البُقعة المباركة الّتي هي بيت الاحزان للشّيعة الموالين، ويستفاد من حديث صفوان عن الصّادق (عليه السلام) انّه لا يهنأ للمرء أكله وشربه لو اطّلع على تضرّع الملائكة الى الله تعالى في اللّعن على قتلة امير المؤمنين والحسين (عليهما السلام) ، ونياح الجنّ عليهما وبكاء الملائكة الّذين هم حول ضريح الحسين (عليه السلام) وشدّة حزنهم . وفي حديث عبد الله بن حماد البصري عن الصّادق صلوات الله وسلامه عليه انّه قال : بلغني انّ قوماً يأتون من نواحي الكوفة وناساً من غيرهم ونساء يندبنه فمن بين قاريء يقرأ وقاص يقصّ أي يذكر المصائب ونادب يندب وقائل يقول المراثي ، فقلت له : نعم جعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف ، فقال : الحمد لله الَّذي جعل في النّاس من يفد الينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدوّنا من يطعن عليهم من قرابتنا أو غيرهم يهدون بهم ويقبّحون ما يصنعون .

وقد ورد في أوائل هذا الحديث انّه يبكيه من زاره ويحزن له من لم يزره، ويحترق له من لم يشهده، ويرحمه من نظر الى قبر ابنه عند رجليه في ارض فلاة ولا حميم قربة، ولا قريب، ثمّ منع الحقّ وتوازر عليه أهل الرّدة حتّى قتلوه وضيّعوه وعرضوه للسّباع، ومنعوه شرب ماء الفرات الَّذي يشربه الكلاب وضيّعوا حقّ رسُول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّته به وبأهل بيته .

وروى ايضاً ابن قولويه عن حارث الاعور عن امير المؤمنين صلوات الله عليه انّه قال : بأبي واُمّي الحسين الشّهيد خلف الكوفة، والله كأنّي أرى وحُوش الصّحراء من كلّ نوع قد مدّت اعناقها على قبره تبكي عليه ليلها حتّى الصّباح فاذا كان كذلك فايّاكم والجفاء، والاخبار في ذلك كثيرة .

العشرون : قال السّيد ابن طاوُس (رحمه الله) يستحبّ للمرء اذا فرغ من زيارته (عليه السلام)وأراد الخروج من الرّوضة المقدّسة أن ينكبّ على الضّريح ويُقبّله ويقول : اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مَوْلايَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا صِفْوَةَ، اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خالِصَةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا قَتيلَ الظَّماءِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا غَريبَ الْغُرَباءِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ سَلامَ مُوَدِّع لا سَئِم وَلا قال، فَاِنْ اَمْضِ فَلا عَنْ مَلالَة، وَاِنْ اُقِمْ فَلا عَنْ سُوءِ ظَن بِما وَعَدَ اللهُ الصّابِرينَ، لا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكَ، وَرَزَقَنِيَ اللهُ الْعَوْدَ اِلى مَشْهَدِكَ وَالْمَقامَ بِفَنائِكَ وَالْقِيامَ فِي حَرَمِكَ وَاِيّاهُ اَسْألُ اَنْ يُسْعِدَني بِكُمْ وَيَجْعَلَني مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ .

2022/09/05
كيف بكت الملائكة على الحسين (ع)؟!
أورد الكليني في كتاب الكافي عن محمد بن حمران، قال: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: "لَمَّا كان مِن أمْرِ الحسين (عليه السلام) ما كان، ضَجَّتِ الملائكةُ إلى اللهِ بالبكاءِ، وقالت: يُفْعَلُ هذا بالحسينِ صَفِيِّكَ وابنِ نبيِّكَ؟". قال: "فَأَقَامَ اللهُ لَهُمْ ظِلَّ القائمِ (عليه السلام) وقال: بهذا أنتَقِمْ لِهذا"(1).

 [اشترك]

وقد نصَّت رواياتٌ كثيرة على أنَّ الملائكة بكتْ على الإمام الحسين (ع)، والسؤال هو أنَّ البكاء من خصائص الإنسان وأمَّا الملائكة فهي وجوداتٌ مجرَّدة أو هي وجوداتٌ روحانيَّة فكيف تبكي على الحسين (ع)؟

البكاءُ من كلِّ شيء بحسبه:

البكاءُ من كلِّ شيءٍ بحسبِه أي بحسب ما تقتضيه طبيعةُ خَلْقِه وتكوينِه، ولهذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾(2) وهو ما يُشعِر أو يدلُّ على أنَّ السماء قد تبكي وكذلك الأرض، غايته أنَّ بكاء السماء والأرض يكون بالنحو المُناسب لطبيعة تكوينِهما، وجهلُنا بالكيفيَّة لا يُصحِّحُ النفيَ والإنكار، فما أكثرُ الحقائق التي نجهلُها عن هذا الكون وعن هذا العالمِ المشهود فضلًا عن العوالِم الأُخرى، يقولُ الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾(3).

ويقولُ الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(4)، فكلُّ شيء يُسبِّح بحمد الله تعالى ولكنَّ الإنسان لقصوره ومحدوديَّة مداركه لا يُدرك كيفيَّة تسبيحِ الأشياء بحمد الله تعالى إلا أنَّ عليه أنْ يؤمِنَ ويُذعنَ بوقوع ذلك حقيقةً لأنَّ خالق الأشياء والأعلم بخصوصيَّات تكوينِها قد أخبرَ عن هذه الحقيقة، وهذا هو معنى الإيمان بالغَيب الذي هو أحدُ أركان الإيمان كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾(5).

بكاء الملائكة من شؤون الغَيب:

فبكاءُ الملائكة الذي أخبرتْ عنه الرواياتُ المستفيضة واقعٌ في هذا السياق، فهو مِن شؤون الغَيب بل إنَّ مُجمل وجودِهم (ع) بما لهم من خصوصيَّات وما يقومونَ به من أفعال هو من شؤون الغَيب، ولهذا يتعيَّن على المؤمن الإيمان بهذه الحقيقة وبما هي عليه من خصوصيَّات إذا ثبت عن الله تعالى أنَّه قد أخبرَ عنها مِن طريق مَن ارتضاهم من خلْقِه للاطِّلاع على شيءٍ من غَيبه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾(6) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾(7) وقال جلَّ وعلا: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا﴾(8)، فحيثُ ثبتَ عن الرسول (ص) المؤيَّد بالغَيب أو عن أهل بيتِه (ع) المتَّصلين بالغَيب مِن طريقِ رسول الله (ص) فحيثُ ثبَتَ عنهم أنَّ الملائكة قد ضجَّت بالبكاء على الحسين (ع) لذلك يتعيَّنُ على المؤمن الإذعانُ بوقوع ذلك على إجماله كما هو الشأنُ في سائر المغيَّبات التي نُؤمنُ بها على إجمالها رغم عدم العلم بكُنهِها وحقيقتِها كالإيمان بالبرزخ والبعث والحساب.

منشأُ الاستيحاش وجوابُه:

ثم إنَّ منشأ الاستيحاش من بكاء الملائكة هو دعوى أنَّ البكاء من خصوصيَّات الإنسان المركَّب من لحمٍ ودمٍ وعصَب وبما ينطوي عليه من مشاعرَ وأحاسيس، وحيثُ إنَّ الملائكة وجوداتٌ مجرَّدة لذلك فلا يُتعقَّل في حقِّهم البكاء!!

إلا أنَّ هذه الدعوى لا تصحُّ، فإنَّ البكاء من شؤون المشاعر النفسانيَّة كمشاعر الحزن أو الخوف أو الألم، ولذلك ثبتَ من القرآن أنَّ الإنسان ينتابه الشعورُ بالحُزن والفرح والخوف بعد موته رغم تجرُّده مِن بدنه بعد موته وهو ما يكشفُ عن أنَّ المشاعر النفسانيَّة لا صلة لها بالبدن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(9).

 فالملائكةُ وإنْ كانوا مجرَّدين عن المادَّة إلا أنَّه قد ثبتَ من القرآن أنَّ لهم مشاعرَ، فهم يخافون ويغضبون، والخوفُ والغضبُ من شؤون المشاعر النفسانيَّة، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾(10) وقال جلَّ وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(11) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾(12) فهم يخشون ربَّهم إلى حدِّ الإشفاق وهو أعلى درجات الخوف والخشية، وقال تعالى يصفُ ملائكة العذاب: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾(13) والغِلْظة من مظاهر الغضب والذي هو من شؤون المشاعر النفسانيَّة، فإذا صحَّ على الملائكة الخوفُ والخشيةُ والغضب فأيُّ محذورٍ في أنْ يصحَّ عليهم البكاءُ والذي هو تعبيرٌ عن الحزن، نعم تختلفُ مظاهرُ التعبير عن الحزن باختلاف طبيعة الخَلْق والتكوين، فبكاءُ كلِّ شيءٍ بحسب ما يُناسب طبيعة خلْقِه وتكوينِه.


الهوامش: 1- الكافي -للكليني- ج2 / ص509. 2- سورة الدخان / 29. 3- سورة الإسراء / 85. 4- سورة الإسراء / 44. 5- سورة البقرة / 3. 6- سورة الجن / 26-27. 7- سورة آل عمران / 179. 8- سورة هود / 49. 9- سورة عمران / 169-170. 10- سورة الرعد / 13. 11- سورة النحل / 50. 12- سورة الأنبياء / 28. 13- سورة التحريم / 6.
2022/08/31
كلمات للمشككين في زيارة الأربعين
إن تضعيف الزيارة والتشكيك في قيمتها مع كونها وجهًا بارزًا من وجوه كيان التشيع بعيد عن الصواب كما أن هذه الإشكالات لا أهمية لها بعد المفروغية عن محبوبية الزيارة في نفسها بالعناوين والملاكات المختلفة خصوصًا وقد اتسمت هذه الزيارة العظيمة بما أخرجها عن كونها زيارة مستحبة مثل سائر الزيارات في سائر الأيام إلى درجة المسيرة المعبرة عن عظمة الأئمة - صلوات الله عليهم - وترويج قيمهم وفضائلهم وإحياء أمرهم.

[اشترك]

فإن الفقيه كل الفقيه كما يصرح سيدنا الأستاذ السيستاني دامت بركاته من يتأمل في كل قضية وظاهرة بمختلف عناوينها وملابساتها وآثارها الفعلية والمستقبلية، إذ الفقاهة المقصودة في النصوص الشريفة نحو قوله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، وما ورد عن الإمام الصادق -  -: ”لوددت أن أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا“، ليست هي عبارة عن معرفة الحلال والحرام، وإنما هي الإحاطة بدقائق الفقه واكتشاف سائر النكات المختزنة في روايات أهل البيت والقدرة على ربط التعاليم الواردة في أحاديثهم مع الأهداف العليا للدين المتلقاة عنهم، وتوجيهها بإطارها، وقراءة كل حدث من خلال النصوص والمرتكزات وسائر الملابسات المكتنفة بها.

2022/08/29
ما حقيقة وعد الإمام السجاد (ع) بأداء الأمانة لـ ’ قاتل أبيه’؟!
عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعتُ سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يقول لشيعتِه: "عليكم بأداء الأمانة، فو الذي بعث محمداً بالحقِّ نبيَّاً، لو أنَّ قاتل أبيَ الحسينِ بن عليٍّ (عليهما السلام) ائتمنني على السيف الذي قتلَه به لأدَّيتُه إليه"(1).

[اشترك]

ما هو توجيهُكم لهذه الرواية ألا يعدُّ ذلك من التساهل من زين العابدين (ع) مع قتلة الحسين (ع)؟

الرواية بصدد المبالغة في التأكيد على لزوم الأداء للأمانة، وأنَّ هذا التكليف ثابتٌ حتى لو كان صاحبُ الأمانة فاسقاً أو كافراً، وكان الشيءُ الذي ائتمنك عليه قد وصلَك منه أذى.

فليس مفادُ الرواية أنَّه لو ائتمنني قاتلُ الحسين (ع) على سيفه لقبلتُ ذلك منه وأديتُه له بعد ذلك بل مفادها أنَّه لو قبلتُ الاستئمان له لكان عليَّ الأداء، فهي لا تدعو لقبول أمانةَ الفاسق وإنَّما تدعو للأداء في فرض القبول تماماً كما لو قيل: لو كان عليَّ دينٌ لفاسقٍ غشوم لوفيتُ له بدينه، فهذا الكلام لا يعني الدعوة إلى الاستدانة والتعامل مع الفاسق وإنَّما يعنى الدعوة إلى الوفاء بالدَّين حتى لو كان الدائن فاسقاً.

وبتعبير آخر: الرواية لا تدعو للتعامل مع الفسقة والظلمة والقتلة، ولا تدعو لقبول أماناتهم، وإنَّما هي بصدد بيان أنَّه لو فُرض القبول -لأيِّ سببٍ من الأسباب- بالاحتفاظ بشيءٍ من أموالِهم لكان ذلك مقتضياً لوجوب أدائها إليهم. فمفاد الرواية هو مفاد قولِ أمير المؤمنين -في حديث الأربعمائة الذي يرويه الصدوق في الخصال بسنده عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال: أدُّوا الفريضةَ والأمانةَ إلى من ائتمنكم، ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء (عليهم السلام)"(2).

 

فليس في الرواية إشعارٌ بصحَّة التساهل مع قتلة الإمام الحسين(ع) لأنَّها لا تدعو للتعامل معهم والقبول لأماناتهم بل مفادُها هو أنَّ أفظع الأمور المتصوَّرة وأشقَّها على النفس أنْ يكون السيفُ الذي قُتل به الحسين (ع) قد صار أمانةً في يدِك فإنَّه رغم مشقَّةَ أدائه لصاحبِه على النفس يتعيَّنُ عليك الأداء والإيفاء له بما ائتمنَكَ عليه. وفي ذلك مبالغةٌ في تأكيد الشريعة على وجوبِ الأداء للأمانة.

وهنا ينبغي التنبيه على أمرٍ: وهو أنَّ مفروض الرواية الشريفة هو أنَّ قاتل الحسين (ع) لو ائتمنك على السيف الذي كان قد قتَلَ به الحسين (ع) وقبلتَ منه ذلك فإنَّ عليك أداء الأمانةِ له، فليس في مفروض الرواية أنَّه لو ائتمنَك مَن يريد قتل الحسين (ع) على سيفة لوجب عليك اعطاءه السيف الذي تعلم أنَّه سيقتلُ به الحسين (ع) فإنَّ ذلك غير جائزٍ قطعاً لأنَّه يكونُ من الإعانة على الإثم.

فمفروض الرواية أنَّ قاتل الحسين (ع) بعد أنْ قتله لو ائتمنك على السيف الذي قتلَ به الحسين (ع) وقبلتً منه الاحتفاظ بالأمانة لوجب عليك تسليمه إياه متى ما طلبه منك. ويتأكَّدُ ذلك من مدلول كلمة قاتل الحسين (ع) فإنَّ مفاد اسم الفاعل هو تلبسُّه بجريمة القتل لا أنَّه سوف يتلبَّسُ بها فيما بعد، فإنَّ ذلك خلاف الظاهر، فحين يُقال فلانٌ قاتلُ زيد فإنَّ المستظهَر من ذلك هو أنَّه قد قتلَه وأنَّه قد تحقَّق منه فِعلُ القتل.

وكذلك يُستظهرُ من الرواية أنَّ مفروضَها هو أنَّ الائتمان وقع بعد تحقُّق القتل، يُستظهرُ ذلك من مدلول الفعل الماضي في فقرة: "الذي قتلَه به" فمفادُ هذه الفقرة هو أنَّ قاتل الحسين (ع) قد ائتمنك على سيفِه بعد أنْ قتلَ به الحسين (ع) لا أنَّه ائتمنك على سيفِه قبل أن يقتلَ به الحسين (ع) فإنَّ ذلك خلافُ الظاهر من الرواية كما أنَّه منافٍ لما هو المعلوم بالضرورة من حرمة الإعانة على قتل الحسين (ع) ولو بما هو أدنى من ذلك.

2022/08/27
اللهم العن العصابة التي ’ جاهدت’ الحسين.. هل يمكن وصف محاربة الإمام بالجهاد؟!
اقدم المصادر التي روت زيارة عاشوراء هو كتاب (كامل الزيارات) للمحدث الجليل أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه.

 وقد جاء فيه (اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد، واخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي حاربت الحسين)، وقد رواها من بعده الشيخ الطوسي في كتابه مصباح المجتهد بلفظة جاهدت بدل حاربت، وهي الرواية التي اشتهرت بسبب أن الشيخ عباس القمي أخذها عنه في كتابه مفاتيح الجنان، وعليه فإن لفظة حاربت هي الأنسب في المقام والاقدم في الرواية، ولا يمنع ذلك من قبول كلمة (جاهدت) إذا تم حملها على المعنى اللغوي وليس الشرعي، فالجهاد في اللغة يعني المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أَو فعل، وهذا ما حصل فإن القوم قد استفرغوا غاية مجهودهم في قتال الإمام الحسين (عليه السلام)، وكذلك يمكن حملها على أنّ الأعداء خرجوا بهذا العنوان، فيكون المعنى (اللّهمّ العن العصابة التي تدّعي مجاهدة الحسين (عليه السلام).

2022/08/20
هل قاتل الإمام زين العابدين (ع) مع أبيه في كربلاء؟
الإمام السجاد عليه السلام كان يوم كربلاء، مريضاً، أو موعوكا (1) إلا أنها لم تحدد نوعية المرض ولا سببه، لكن ابن شهرآشوب روى عن أحمد بن حنبل قوله: كان سبب مرض زين العابدين عليه السلام أنه كان ألبس درعا، ففضل عنه، فأخذ الفضلة بيده ومزقها (2).

[اشترك]

وهذا يشير إلى أن الإمام إنما عرض للمرض وهو على أهبة الاستعداد للحرب أو على أعتابها، حيث لا يلبس الدرع إلا حينذاك، عادة.

ولا ينافي ذلك قول ابن شهرآشوب: (ولم يقتل زين العابدين لأن أباه لم يأذن له في الحرب، كان مريضا) (3).

لأن مفروض الأدلة السابقة أن الإمام زين العابدين قد أصيب بالمرض بعد اشتراكه أول مرة في القتال وبعد أن ارتث وجرح، فلعل عدم الإذن له في أن يقاتل كان في المرة الثانية وهو في حال المرض والجراحة.

ولو فرض كونه مريضا منذ البداية فالأدلة التي سردناها تدل بوضوح على مشاركته في بعض القتال.

فمؤشرات الجهاد في سيرة الإمام السجاد عليه السلام هي:

أولا: حمله السلاح - وهو مريض - ودخوله المعركة، إلى أن يجرح، يحتوي على مدلول بطولي كبير، أكبر من مجرد حمل السلاح!

فلو كان حمل السلاح واجبا على الأصحاء، فهو في الإسلام موضوع عن المرضى بنص القرآن، لكن ليس حراما عليهم ذلك، إذا وجدوا همة تمكنهم من أداء دور فيه.

ثانيا: إن وجود علي بن الحسين عليه السلام، مع أبيه الإمام الحسين عليه السلام، في أرض كربلاء، حيث ساحة النضال المستميت، وميدان التضحية والفداء، وحيث كان الإمام الحسين عليه السلام يسمح لكل من حوله - وحتى أولاده وأهل بيته - بالانصراف، ويجعلهم في حل، لهو الدليل على قصد الإمام للمشاركة فيما قام به أبوه.

قال الإمام السجاد عليه السلام: لما جمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء، دنوت لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول: ... أما بعد، فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا..

ألا، وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (٤).

ففي ذلك الظرف، لا دور - إذن - للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالمعنى الفقهي، لأن الأخطار المحدقة كانت ملموسة، ومتيقنة ومتفاقمة للغاية، تفوق حد التحمل.

وقد أدرك ذلك كل من اطلع على أحداث ذلك العصر، قبل اتجاه الإمام الحسين عليه السلام إلى العراق، ممن احتفظ لنا التاريخ بتصريحاتهم، فكيف بمن رافق الإمام الحسين عليه السلام في مسيره الطويل من المدينة إلى مكة وإلى كربلاء، ومن أولاده وأهل بيته خاصة؟ الذين لا تخفى عليهم جزئيات الحركة وأبعادها وأصداؤها وما قارنها من زعزعة الجيش الكوفي للإمام، وسمعوا الإمام عليه السلام يصرح بالنتائج المهولة والأخطار التي تنتظر حركته ومن معه! حتى وقت تلك الخطبة مساء يوم التاسع، أو ليلة عاشوراء؟

فلقد عرف من بقي مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، بأن ما يقوم به الإمام ليس إلا فداءً وتضحية، لحاجة الإسلام إلى إثارة، والثورة إلى فتيل ووقود، واليقظة إلى جرس ورنين، والنهضة إلى عماد وسناد، والقيام إلى قائد ورائد، والحياة الحرة الكريمة إلى روح ودم.

والإمام الحسين عليه السلام قد تهيأ ليبذل مهجته في سبيل كل هذه الأسباب لتكوين كل تلك المسببات.

ولم يكن مثل هذه الحقيقة ليخفى على علي بن الحسين السجاد عليه السلام الذي كان يومذاك في عمر الرجال، وقد بلغ ثلاثا وعشرين سنة وكان ملازما لأبيه الشهيد منذ البداية، وحتى النهاية.

فكان حضوره مع أبيه عليه السلام وحده دليلا كافيا على روح النضال مع بطولة فذة، تمتع بها أولئك الشجعان الذين لم ينصرفوا عن الحسين عليه السلام.

ثم هو - كما تقول تلك الرواية - قد شهر السلاح، وقاتل بالسيف، حتى أثخن بالجراح، وأخرج من المعركة وقد ارتث.

وإذا كانت هذه الرواية - بالذات - زيدية، فمعنى ذلك تمامية الحجة على من ينسب الإمام زين العابدين عليه السلام إلى اعتزال القيام والسيف والنضال.

ثالثا: مضافا إلى أن حامل هذه الروح، قبل كربلاء، لا يمكن أن يركن إلى الهدوء بعد ما شاهده في كربلاء من تضحيات أبيه وإخوته وأهله وشيعته، وما جرى عليهم من مصائب وآلام، وما أريق من تلك الدماء الطاهرة.

أو يسكت، ولا يتصدى للثأر لأبيه، وهو ثار الله، مع أنه لم ينسهم لحظة من حياته.

فكيف يستسلم مثله، ويهدأ، أو يسالم ويترك دم أبيه وأهله يذهب هدرا؟ إذ لم يبق من يطالب بثأر تلك الدماء شخص غيره.

فإذا كان - كما يقول البعض: - (مصرع الحسين عليه السلام في كربلاء هو الحدث التاريخي الكبير الذي أدى إلى بلورة جماعة الشيعة، وظهورها كفرقة متميزة ذات مبادئ سياسية وصبغة دينية (أكثر وضوحا وتميزا مما كانت عليه في زمان أمير المؤمنين عليه السلام وقبله).

وكان لمأساة أثرها في نمو روح الشيعة وازدياد أنصارها، وظهرت جماعة الشيعة، بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام، كجماعة منظمة، تربطها روابط سياسية متينة) (٥).

فكيف لا تؤثر هذه المأساة في ابن الحسين، وصاحب ثأره، والوحيد الباقي من ذريته، والوريث لزعامته بين الشيعة، ولا تزيد نمو الروح السياسية عنده؟

وكيف تجمع هذه المنظمة أفراد الشيعة بروابط سياسية، ولكن تبعد علي بن الحسين عليه السلام عن السياسة؟!

وكيف تستبعد هذه المنظمة عن التنظيم، وارث صاحب الثورة وصاحب الحق المهدور؟

أليس في الحكم بذلك تعنت وجور؟

*مقتطق من كتاب جهاد الإمام السجاد (ع) - السيد محمد رضا الجلالي

 

الهوامش: (1) الإرشاد للمفيد (ص 231) شرح الأخبار (3: 250) وسير أعلام النبلاء (4: 486). (2) نقله ابن شهرآشوب عن كتاب (المقتل) في مناقب آل أبي طالب (3 / 284) وفي ط دار الأضواء (4 / 155) ونقله في العوالم (ص 32). (3) مناقب ابن شهرآشوب (دار الأضواء) (4 / 122). (٤) الإرشاد للمفيد (ص 231). (٥) جهاد الشيعة، لليثي (ص 27)  
2022/08/18
كيف مات يزيد بن معاوية؟!
ذكر السيد ابن طاووس في اللهوف في قتلى الطفوف (ص 152): قال أبو مخنف: وأما ما كان من أمر يزيد بن معاوية فإنّه ركب في بعض الأيام في خاصته في عشرة آلاف فارس يريد الصيد والقنص فسار حتى بعد من دمشق مسير يومين فلاحت له ظبية فقال لأصحابه: لا يتبعني منكم أحد.

[اشترك]

ثم إنه أنطلق جواده في طلبها وجعل يطاردها من وادٍ إلى واد، حتى انتهت إلى واد مهول مخوف فأسرع في طلبها فلما توسط الوادي لم ير لها خبراً ولم يعرف لها أثراً وكضه العطش فلم يجد هناك شيئاً من الماء وإذا برجل معه صحن ماء فقال يا هذا اسقني قليلاً من الماء فلمّا سقاه قال لو عرفت من أنا لازددت من كرامتي، فقال له: ومن تكون. قال أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال الرجل: أنت والله قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا عدو الله ثم نهض ليلزمه فنفر من تحته فرمى به عن مستتر فعلقت رجله بالركاب فجعل الفرس كلما رآه خلفه نفر فلم يزل كذلك إلى أن مزّقه وعجّل الله بروحه إلى النار.

*الأبحاث العقائدية
2022/08/18
يوم ثارَ يزيدٌ.. على الحسين!!
هل ثارَ الحسينُ عليه السلام على يزيد بن معاوية؟!

[اشترك]

وأراد التَوَثُّبَ عليه ونَزعَ الحكم منه؟! وكان مؤسِّساً لخارطة طريق الحركات المسلّحة؟!

أم ثارَ يزيدٌ على الإمام الحسين عليه السلام؟! فَسَلَبَهُ حقّاً أعطاه الله إياه؟!

سؤالٌ في مُنتهى الغرابة! مَنشؤوه الاختلاف في فَهمِ مصطلح (الثَّورة).

فهذا اللَّفظُ في كتب اللغة يعني: (الهَيَجَان والغَضَب والوَثبَة والإنبِعاث) (العين ج‌8 ص234، والصحاح ج‌2 ص606).

والذي يُلفِتُ نظر الباحث أنَّ المعصومين عليهم السلام قد نسبوا الثورة لا إلى الإمام الحسين عليه السلام، بل إلى أعدائه الذين (ثاروا عليه)!

فعن الإمام الصادق عليه السلام في زيارة سيِّد الشهداء: اللهمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا قَبْرُ ابْنِ حَبِيبِك‏.. بَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيك‏.. حَتَّى ثَارَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِكَ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا، وَبَاعَ الآخِرَةَ بِالثَّمَنِ الأَوْكَسِ الأَدْنَى (كامل الزيارات ص229).

بهذا المعنى، يكون أعداءُ الحسين عليه السلام هم أهلُ الثّورة، فهم من تَوثَّبَ عليه وسَلَبَهُ حقاً أعطاه الله له، وهم من هاجوا وغضبوا فانبعثوا لسلب الخلافة عن أهلها.

(يزيدُ) بهذا المعنى هو (إمامُ الثائرين في أيام الحسين) عليه السلام.. هُمُ الثائرون بالباطل والشرور على أهل الحق، المنكرون لنبوّة سيد الأنبياء محمد (ص)، ولوحي السماء على جدّ الحسين عليه السلام.

وأتباعُ يزيد وجُندُه هم الثُوَّارُ الذين استعملهم يزيد، وهم مصاديقُ مَن قال عنهم الصادق عليه السلام: لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ، وَيَجْبِي لَهُمُ الفَيْ‏ءَ، وَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ، وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ، لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا (الكافي ج5 ص106).

ما تمَكَّنَ بنو أميّة وتسلَّطوا على آل محمدٍ عليهم السلام إلا بمعونة الأوباش، الهَمَجِ الرُّعاع، فلو أنّ الأمة أطاعت أمرَ السماء في آل الرَّسول لعَجِزَ هؤلاء الأرجاس عن سلب الحق من أهله.

 كيف صار الحُسينُ ثائراً إذاً؟!

 إذاً كيفَ يُسمى الإمام الحسينُ اليوم ثائراً عند كثيرٍ من شيعته ومُحبّيه؟!

إنَّ مصطلح (الثورة) قَد لَبِسَ لبوساً حادثاً، فصارَ يعني التغيير الجذري في أوضاع البلد، سواءٌ كان بالسِّلاح فيُعَبَّر عنه بالثورة المسلحة، أو دون السلاح فيعبَّر عنه بالثورة البيضاء أو السلميّة التي لا يُسفَكُ فيها الدم، وهو يشمل ما يُقصدُ به إطاحة نظام الحكم تارةً أو تعديله أخرى، فضلاً عن استعماله في مجالاتٍ أخرى كالثورة الزراعية أو الصناعية أو المعلوماتية وغيرها.

ومِنَ النّاس اليوم من يرى أن الإمام الحسين عليه السلام ثائرٌ بالمعنى المعاصر، بمعنى أنّه كان يريد إجراء تغييرات أساسية في أوضاع البلاد بعدما سُلِبَ حقَّه، سواءٌ كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية.

وأنّ ما فَعَلَهُ عليه السلام هو نوعٌ من أنواعِ الثّورة المسلَّحة، فكان الإمام عليه السلام ثائراً بل رمزاً للثوّار.

 وقَد يُضمُّ للدلالة على ذلك ما ورد في زيارته عليه السلام: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ الله وَابْنَ ثَارِهِ.. أَشْهَدُ أَنَّكَ ثَائِرُ الله وَابْنُ ثَائِرِهِ (الكافي ج‏4 ص576)، وما روي عنه عليه السلام أنَّهُ قال: إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ.

 هل ثار الحسين فعلاً؟!

يُلاحظ على هذا الكلام أمورٌ:

أوّلاً: أنَّ ما فعله الإمام عليه السلام لا يمكن أن يكون من باب (الهَيَجَان والغَضَب والوَثبَة والإنبِعاث)، فهو الإمام المطمئنُّ الذي ظَلَّ وجهه الشريف نَيِّراً حتى آخر لحظاتٍ من حياته المباركة.

 

وهذا قاتله شمرُ اللّعين يقول: فَوَ الله مَا رَأَيْتُ قَطُّ قَتِيلًا مُضَمَّخاً بِدَمِهِ أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَنْوَرَ وَجْهاً، وَلَقَدْ شَغَلَنِي نُورُ وَجْهِهِ وَجَمَالُ هَيْئَتِهِ عَنِ الفِكْرَةِ فِي قَتْلِه (اللهوف ص128).

ثانياً: أنَّ معنى (ثار الله) و(ثائر الله) هو أنّه تعالى مَن يطلب بثأره أي بدمه، أو يأمر بالطلب بدمه، والشاهدُ على ذلك في كتب اللغة واضحٌ (كما في مجمع البحرين ج‏3 ص235).

وفي الروايات الشريفة صريحٌ كما في قولهم عليهم السلام: وَأَنَّكَ ثَارُ الله فِي أَرْضِهِ حَتَّى يَسْتَثِيرَ لَكَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِه‏ (كامل الزيارات ص196).

وفي قولهم عليهم السلام: وَأَنَّكَ ثَارُ الله فِي الأَرْضِ وَالدَّمُ الَّذِي لَا يُدْرِكُ ثَارَهُ [تِرَتَهُ‏] أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الله وَحْدَه‏ (كامل الزيارات ص216).

حتىّ أنَّ ما ورد عن أنّ الأمّة التي قتلت الحسين عليه السلام لا توفَّق لفطرٍ ولا أضحى: حَتَّى يَثُورَ ثَائِرُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) (الفقيه ج‏2 ص175).

قد فُسِّرَ فيها الثائر بالآخذ بالثأر، أي قاتلُ قاتليه، ففي الحديث: والقائم منّا إذا قام طلب بثأر الحسين‏ (تفسير العياشي ج2 ص290).

ثالثاً: أنّ ما فعله الإمام وإن كان فيه طلب الإصلاح، كما في الكلمة الشهيرة عنه عليه السلام: وَأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً، وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي صلى الله عليه وآله، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ (تسلية المجالس ج2 ص 160، وبحار الأنوار ج‏44 ص330).

إلا أنّ طَلَبَ الإصلاح لا يعني بالضرورة العمل المسلَّح، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر له مراتب متدرِّجة آخرها القوّة في مواردها.

وإذا تحقَّقَ الغَرَضُ من المرتبة الأدنى لا تصل النوبة للأعلى، وقد تحقَّقَ ما أراده الحسين عليه السلام بإنكاره على يزيد وامتناعه عن بيعته، ولو أدى ذلك إلى قتله عليه السلام، دون أن يسعى هو لحمل السلاح وقتال يزيد.

لماذا قاتل الحسين عليه السلام إذاً؟

هل أرادَ الإمامُ تغيير نظامَ الحكم بقوّة السلاح؟!

وهَل لنا أن نتأسّى به عليه السلام فنثور على الأنظمة الفاسدة كيفما اتّفق، لنعمل على إسقاطها بقوّة السلاح، وإن أدّى ذلك إلى سفك الدماء وهتك الأعراض؟

لَعلَّ مِثلَ هذه الكلمات صارت مسموعةً في أيامنا المعاصرة، بل صار بعضُ الناس يؤمنُ أنّ الحسين عليه السلام رَمزُ العمل المسلّح بين الأئمة المعصومين، وأنموذجٌ يُقتدى به للعمل على إسقاط الأنظمة الظالمة في زمن الغيبة.

لكنّ عمومَ الشيعة أدركوا منذ اليوم الأوّل خطأ هذا التفسير لما جرى في كربلاء، فبين أيديهم الكثير من الشواهد التي تمنعُ من قبول هذه الأفكار، ويتَّضحُ الأمرُ جلياً بالتأمُّل فيما يأتي من شواهد تؤكد أنّ الإمام عليه السلام ما خَرَجَ للقتال وتغيير الحكم، ومنها:

1. أنه بَذَلّ مهجته لاستنقاذ العباد من الضلالة وإرشادهم إلى باب الهدى والرّشاد، كما ورد في زيارته الشريفة (كتاب المزار ص108).

وليسَ هُناك من تلازُمٍ بين استنقاذ العباد وبين القتال لأجل تغيير نظام الحُكم، بل هما أمران متباينان، ويحصل غَرَضُ الإمام عليه السلام برفع الجهل والضلال والشك، وبالهداية إلى طريق الحقّ، ولو كلَّفَ ذلك سفكَ دمه الطاهر.

2. أنَّهُ زَحَفَ بأسرته

ولم يزحف عليه السلام بجيشٍ حيث قال: أَلَا وَإِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الأُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وَخِذْلَةِ النَّاصِرِ (اللهوف ص98).

والخارجُ لإسقاط نظام الحكم يخرج بجيشٍ لا بأُسرَةٍ يضنُّ بها عن القتل والإبادة، وَهَل يَطلُبُ الإمامُ وهو البصير الخبيرُ ما لا يُدرَك؟! أيُعقل أن يطلب مقارعةَ الحاكم الظالم بلا عدَّةٍ ولا عَدَدٍ؟ مع علمِهِ بخذلان الناصر؟!

3. أنّه كان عالماً بمقتله

وشواهده أكثر من أن تحصى، كقوله لمحمد ابن الحنفية: وَالله يَا أَخِي، لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَوَامِّ الأَرْضِ لَاسْتَخْرَجُونِي مِنْهُ حَتَّى يَقْتُلُونِّي (بحار الأنوار ج‏45 ص99).

وكقوله لبني هاشم: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ ألحق [لَحِقَ‏] بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ مَعِي، وَمَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغِ الفَتْحَ، وَالسَّلَام (بصائر الدرجات ج‏1 ص482).

4. أنّه لم يبدأ أعداءه بقتالٍ حيث كان أسهل وذلك حينما ذَكَرَ زهير بن القين أنّ قتال جيش الحرّ أهون ممن يأتي بعده، لكنّ الحسين عليه السلام أجاب زهيراً بقوله عليه السلام: مَا كُنْتُ لِأَبْدَأَهُمْ بِالقِتَالِ (الإرشاد ج2 ص84).

5. أنّه لم يلجأ إلى المدد الغيبي

لما لقيته أفواج الملائكة وبأيديهم حِرابٌ من الجنة، وقد أمدَّهُمُ الله تعالى به، ولمّا أتته أفواجٌ من مؤمني الجنّ لنصرته، فما استعانَ بأحدٍ منهم، وليس هذا حالُ من يطلب المُلك والسُّلطان.

6. أنه أذِنَ لأصحابه بالإنصراف

حتى في ليلة عاشوراء حين قال لهم: أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ، فَانْطَلِقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ، هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا (الإرشاد ج‏2 ص91).

7. أنّه أراد الإنصراف دون البيعة والقتال وقد تكرَّرَ الأمر منه مراراً، ومن ذلك ما قاله عليه السلام لأعدائه:

وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَكُنْتُمْ لِمَقْدَمِي كَارِهِينَ، انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى المَكَانِ الَّذِي جِئْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ، فَسَكَتُوا عَنْهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ (الإرشاد ج‏2 ص79).

8. أنّه سيصبر إن لم يُقبل قوله

فقد صرَّح الإمام أنه إن لم يُقبل قوله فليس ممّن يريد القتال، بل إنّه سيصبر، وقد قال عليه السلام:

فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الحَقِّ فَالله أَوْلَى بِالحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ الله بَيْنِي وَبَيْنَ القَوْمِ بِالحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ (تسلية المجالس ج2 ص 160).

هذه الشواهدُ وغَيرُها في غاية الوضوح، وقد ذكرناها وسواها بشكل مفصلٍ في محله، وهي تؤكِّدُ أنّ الحسين عليه السلام أراد بيان الحقّ، وهذا هو الإصلاح الذي يبتغيه، ولكن لم يكن مؤسِّساً لخارطة طريق الحركات المسلّحة، وإن استعمل السِّلاح عِندما خُيِّرَ بين السلَّة والذلّة، وفَرقٌ كبيرٌ بين الأمرين.

فمنهجه عليه السلام هو إحقاق الحقّ، ولما خُيِّرَ بين القتال أو اضمحلال الحقّ، اختار الأول، ولمّا خُيِّرَ بين القتال وبين الدَّنية اختار الأول فقال: لَا أُعْطِي الدَّنِيَّةَ مِنْ نَفْسِي أَبَداً (اللهوف ص27).

وما توانى عن تقديم القُربان تلوَ القربان في سبيل الله تعالى، في أعظَمِ فاجعةٍ أبكَت الكونَ بأسرِه، من أعظمٍ قَلبٍ في الكون الرَّحب، قلب المصطفى صلى الله عليه وآله، وبضعته الزهراء، إلى أصغر مخلوقات الله التي لا تُرى.

لقَد ثارَ يزيدُ على الحسين عليه السلام.. وليِّ الله تعالى وخليفته.. ورفع السِّلاح في وجهه.. فسالَت دماءُ الحسين عليه السلام، لكنَّه:

جَعَلَ يَتَلَقَّى الدَّمَ بِكَفِّهِ، فَلَمَّا امْتَلَأَتْ لَطَخَ بِهَا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَيَقُولُ: ألقَى الله عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَا مَظْلُومٌ مُتَلَطِّخٌ بِدَمِي (الأمالي للصدوق ص163).

سلامُ الله عليك يا أبا عبد الله.. أيها المظلوم الشهيد..

وإنا لله وإنا إليه راجعون

*علي شعيب العاملي
2022/08/17
الحسينيون لا يعرفون الهزيمة: 11 درساً من واقعة كربلاء
العبر والدروس من واقعة كربلاء لا يمكن حصرها، ولكن يمكننا أن نقول إنها علَّمتنا ما يلي من الدروس.

[اشترك]

- الدرس الأول:

أن نثأر لله وحده، لا لانتسابات الأرض، وانتماءاتها، وعصبياتها، وصيحاتها، وجاهلياتها.

- الدرس الثاني:

أن نعطي الدم من أجل أن يبقى الإسلام وحده، لا أن تبقى نظريات الإنسان، وحزبياته، وشعاراته، وزيفه.

- الدرس الثالث:

أن ننتصر للدين، وللمبدأ، وللعقيدة، لا للعصبيات، والقوميات، والعناوين التي صاغتها ضلالات الإنسان، وأهواءه.

- الدرس الرابع:

أن نحمل شعار القرآن.

- الدرس الخامس:

أن نرفض الباطل، والزيف، والفساد، والضلال، وأن نرفض كل ألوان الانحراف الأخلاقي، والثقافي، والاجتماعي، والسياسي.

- الدرس السادس:

أن نكون الصرخة التي تواجه الظلم والظالمين، وتواجه البغي والباغين، وتواجه الطغيان والطاغين، وتواجه الاستكبار والمستكبرين.

- الدرس السابع:

أن نكون المبدئيين الأقوياء الذين لا يساومون، ولا يتنازلون، ولا يسترخون، كقوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، (الفتح: 29)، ولا تعني المبدئية والصلابة أن لا نعيش المرونة والانفتاح والشفّافية في حواراتنا مع الآخرين، و الإنسان المؤمن في حالات التصدي وا لمواجهة والصراع يجب أن يكون شديداً وحدِّياً و صارماً في موقفه مع أعداء الإسلام، وأعداء الحق.

نعم، حينما يحاور الآخرين، ويدعو ويبلِّغ يجب أن يكون مَرِناً منفتحاً شفّافاً، وهنا نؤكد أنَّ المُرونة والشفّافية في حواراتنا مع الآخرين لا تعني الاسترخاء في طرح الأفكار والقناعات العقيدية والمذهبية، والثقافية والسياسية.

ولا تعني الاسترخاء في طرح الحُجَج والبراهين، ولا تعني المساومة والتنازل.

ولا تعني المجاملة الفكرية، أو المجاملة السياسية، أو المجاملة الاجتماعية.

ولا تعني السكوت عن مواجهة الأفكار التي تتنافى مع المبادئ والقيم التي نؤمن بها.

فالمرونة والحوار في منهجنا هي أسلوب متكامل في الحوار.

- الدرس الثامن:

أن نعيش الصمود والثبات في مواجهة كل التحديات، التحديات الفكرية، والثقافية، والنفسية، والاجتماعية، والسياسية، والإعلامية. الحسينيون الحقيقيون لا يعرفون الانهزام، والتراجع والتخاذل، والضعف والخور، فهم الثابتون الصامدون، الذين يملكون عُنفُوَان العقيدة، وصلابة الإيمان، وإباء المبدأ، وشموخ الموقف.

- الدرس التاسع:

أن نحمل شعار الجهاد والشهادة، وأن نكون المجاهدين الصادقين في سبيل الله، نجاهد بالكلمة، ونجاهد بالمال، ونجاهد بالروح.

فلسنا حسينيِن إذا لم نحرك المالَ في خط الدعوة، والخير، والجهاد.

ولسنا حسينيين إذا لم نحمل الأرواح على الأكُفِّ، وإذا لم نكن عُشَّاقاً للشهادة، وإذا لم نسترخص الدم من أجل المبدأ والعقيدة، فالسائرون في خط الحسين (عليه السلام) هم الذين يحملون شعار الحسين (عليه السلام): (لا أرَى المَوتَ إِلاَّ سَعَادَة والحَياةَ مَع الظالمينَ إِلاَّ بَرَمَا).

والسائرون على خط الحسين (عليه السلام) هم الذين يحملون شعار

علي الأكبر (عليه السلام): (لا نُبَالي أنْ نَمُوتَ مُحِقِّينَ)، والسائرون على خط الحسين (عليه السلام) هم الذين يحملون شعار العباس (عليه السلام): (وَاللهِ إِنْ قطعتُموا يَميني إِنِّي أُحَامي أبداً عن دِيني وَعَن إِمامٍ صَادقِ اليَقينِ)، والسائرون على خط الحسين (عليه السلام) هم الذين يحملون شعار القاسم (عليه السلام): (المَوتُ فيكَ يا عَم أحلَى مِنَ العَسَل).

- الدرس العاشر:

أن نكون المتدينين الحقيقين، وأن نكون الذين يملكون بصيرة الدين والعقيدة، وبصيرة الإيمان، والمبدأ، ونقاوة الانتماء، والالتزام، وأن لا نكون من أولئك الذين يحملون بَلادَة الدين والعقيدة، وغباء الإيمان والمبدأ وأن لا نكون النفعيِّين المَصلحيِّين المتاجرين بالدين، والمساومين على حساب المبدأ.

الإمام الحسين (عليه السلام) أوقف حَجَّه، وأعلن الثورة على يزيد، وذلك ليقول للمسلمين: أيّ قِيمَةٍ لطوافٍ حولَ بيت الله ما دام الناس يطوفون حول قصور الطغاة والظالمين.

وأيَ قيمة لتقبيل الحجر الأسود مادام الناس يقبِّلون الأيدي الملوثة بالجرائم.

وأيّ قيمة لركوعٍ وسجودٍ عند مقام إبراهيم مادام الناس يركعون ويسجدون عند أقدام السلاطين.

وأيّ قيمةٍ لسعيٍ وحركةٍ بين الصفا والمروة مادام الناس يعيشون الخنوع والركود، والجمود والاستسلام، والجور والضعف.

وأيّ قيمةٍ لتلبيةٍ إذا كان الناس مأسورين لنداءات الطواغيت والمستكبرين.

وأيّ قيمة لذكرٍ وتلاوةٍ وعبادةٍ إذا كان الناس يمجِّدون ويعظِّمون ويؤَلِّهون الجبابرة والفراعنة.

- الدرس الحادي عشر:

أن نكون إِمَّا الحسينيِّين الذي يعطون الدم من أجل المبدأ، أو نكون الزينبيِّين الذين يحملون صوت الحسين (عليه السلام).

فالحسين (عليه السلام) وشهداء كربلاء فجَّروا الثورة في يوم عاشوراء، وكان وقود هذه الثورة دماءهم الطاهرة.

*تبيان 
2022/08/16
لو أن الإمام الحسين (ع) لم يخرج ضد يزيد.. ما الذي سيحدث؟!
حقا هو سؤال جميل، فالعادة أن يتم السؤال عن أنه لماذا ثار الحسين عليه السلام ضد يزيد، وهذا السؤال يتناول القضية من طرفها الآخر، ما هي الآثار التي يمكن أن تحصل لو لم يخرج الإمام الحسين ولم يقم بثورته؟

[اشترك]

ويمكن تصور الآثار في عدة مستويات:

المستوى الأول:

في حدود الفكر الإسلامي ـ في حدوده الزمنية في تلك الفترة وللمستقبل ـ: فلو لم يقم الحسين عليه السلام بثورته تلك، لكان لدينا معضلة في كيفية التعامل مع الحاكم الجائر الذي يصل به الأمر إلى حدود التصريح بمخالفة العقائد الدينية كما صدر من يزيد بن معاوية. فكيف يتعامل المسلمون مع مثل هذا الحاكم؟ هل يخضعون له ويتبعونه؟ أو أنهم ينهضون ضده؟ لقد سعى الأمويون وأتباعهم إلى إشاعة الفكرة الأولى ودعموها بروايات نسبوها للرسول حاصلها أنه عليهم السمع والطاعة مهما بلغ الأمر، وأن خروجهم عليه فيه من المفاسد ما هو أكثر من ولايته، ولقد سُخر لهذه الفكرة من الأموال والرجال، لتكون الفكرة العامة السائدة بين المسلمين ما يفوق الوصف والعد، وكان كل حاكم يأتي يحلم بأمة الإسلام وهي خائرة العزيمة مقيدة الحركة، لا تستطيع غير الصبر الذليل، والخنوع الدائم سبيلا، ولولا خروج الحسين عليه السلام وتضحيته بالغالي والنفيس لما أمكن للمسلمين أن ينطلقوا من أسر ذلك الجبت الفكري.

بينما الفكرة الثانية تصطدم بسلوك الإمام الحسين عليه السلام فيما لو لم يخرج، فلو كان الخروج والثورة مشروعة لما تركها الإمام الحسين عليه السلام.

المستوى الثاني:

في حدود الوضع التاريخي الذي كان يعيشه الإمام الحسين عليه السلام، فإن تشخيص الإمام للوضع الإسلامي آنئذ هو ما قاله: " وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد "، إن وجود شخص مثل يزيد وهو (رجل فاجر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق) على رأس الحكم والقيادة، يشبه أن تعطي قيادة حافلة مليئة بالركاب في طريق جبلي إلى سائق ثمل، لا يعرف من السكر موضع قدميه! بل هو أعظم.

إن ما رآه المسلمون في السنوات العجاف الثلاث التي تسلط فيها يزيد على الأمة، وما ارتكب من مخاز ومآثم حيث قتل الحسين عليه السلام وصحبه في الأولى، وأباح المدينة في الثانية وهدم الكعبة في الثالثة، ولو مُد له في العمر لمد حبل الموبقات، ليشير بالصراحة إلى أنه لم يكن هناك مجال آخر أمام الحسين عليه السلام من الناحية الدينية حفاظا منه على مسيرة الأمة، إلا الخروج والثورة.

المستوى الثالث:

انسجام العمل الثوري الذي قام به الحسين مع الأصول الدينية التي يؤمن بها: فهو من جهة روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله) من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا بقول كان حقا على الله أن يدخله مدخله) وقد طبق هذا على الوضع الموجود آنئذ " ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيّر ".

ولو لم يفعل ما فعله لكان متناقضا ـ والعياذ بالله ـ، فكيف يقول من جهة أن يزيد هكذا ثم يسالمه ويبايعه ويترك الأمر له؟

إن مبايعة الحسين ليزيد وسكوته عنه، يعني إمضاء الخطأ الذي ارتكبه معاوية بتولية ابنه يزيد شؤون الخلافة، وهو الخطأ الذي وقف أمامه الحسين عليه السلام في أيام معاوية عندما قال له: لعلك تصف غائبا أو تنعت محجوبا، فخل بين يزيد وبين الكلاب المهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن ودع عنه ما تحاول من الخلافة!! فهل يمضي اليوم ما رفضه بالأمس؟ وهل يمضي ببيعته ليزيد أعماله المخالفة للدين؟ إنه حينئذ يفقد صفات الإمام.

قد يقول قائل: إن الحسين لو ترك يزيدا وشأنه، فلا هو يثور عليه، ولا يبايعه.. ألم يكن ذلك مخرجا مناسبا؟

وجوابه: أننا لا نفتش عن مخارج للحسين عليه السلام!! ولم يكن يزيد بالذي يترك الحسين عليه السلام، فإن هؤلاء الظالمين لا يحتملون أحدا يكون إلى جانبهم، وهو أضعف منهم شأنا فكيف إذا كان أعلى منهم منزلة، وأرفع شأنا عند الخلائق؟ وقد بين الإمام عليه السلام أن الأمر قد انتهى بقوله: " ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة " وفي ذلك إشارة إلى سياسة يزيد، وإلى رسالته لواليه على المدينة، فإن يزيد قد أرسل رسالة ليقرأها على الناس وأرسل إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد: فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة اخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام.

2022/08/16
السيدة زينب (ع) تُسقط إمبراطورية يزيد!
سيدة جليلة وعظيمة، مرت بأدوار تاريخية كبيرة وصعبة جدا، لا يمكن أن يتحمّلها إلا الشخص العظيم، وهي حفيدة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي (عليهما السلام)، وأخت الحسن والحسين (عليهما السلام)، ألا وهي السيدة الحوراء زينب (عليها السلام).

[اشترك]

لا شك أن الإنسان الذي يعيش في بيئة كهذه، يصبح عظيما بالإضافة إلى قابلياته الخاصة، وقد تربّتْ على صفات عالية، وكبيرة وعظيمة ترتقي إلى قمة الإنسانية، ومرت بالمواقف الصعبة واحدا تلو الآخر، وكل موقف كان ابتلاء يزيدها عظمةً إلى أن تجلى ذلك الموقف الكبير في كربلاء، وظهر المعدن الحقيقي للسيدة زينب (عليها السلام).

وقفت ذلك الموقف البطولي ولم تتزلزل عن موقعها، صامدة مستقيمة، في كل لحظة كانت تمسك بزمام الأمور، ولا تدع شيئا ينفلت حتى يصبح أبناء أهل البيت (عليهم السلام) في مأمن، فكانت هي الحامية في غياب الرجال، وقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) مريضا، وكان يحتاج إلى حماية حتى يبقى نسل المعصومين (عليهم السلام) مستمرا.

كانت السيدة الحوراء (عليها السلام) هي المدافعة عن أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء، وعندما نقرأ التاريخ ونرى مواقفها (عليها السلام) نرى قيمة هذه الشخصية، وهناك بعض الصفات التي يمكن أن نستلهمها من شخصية السيدة زينب (عليها السلام):

أولا: الإيمان واليقين والتسليم

في شخصيتها كان الإيمان واليقين والتسليم، وهذا هو المستوى الراقي لهذه الشخصية في مقام المستوى الكبير للأولياء، فهي البذرة الصالحة الكبيرة التي جسدت في كربلاء السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بقوتها وعظمتها وهيبتها، وجسدت في كربلاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ببلاغتها وخطابها وشجاعتها وصمودها.

والإيمان هو المؤشّر الأول والبداية الأولى كي يكون الإنسان شخصية جيدة، وبعد الإيمان تصل إلى اليقين الذي هو قمة الإيمان، فالإنسان الذي يكون على مراتب في شخصيته وفي نموه، يكون أعلى مستويات الإيمان هو اليقين، ومن اليقين ينبثق التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى والرضى بقضائه، حيث واجهت السيدة زينب (عليها السلام) في كربلاء تلك المواقف الجليلة المأساوية.

وقفت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وابنة أمير المؤمنين العقيلة زينب على جثمان أخيها الحسين (عليه السلام) الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها إلى السماء وهي تدعو بحرارة قائلة: (اللهمّ تقبَّل منا هذا القربان)، وهذا هو الإيمان واليقين والتسليم المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى، ففي هكذا موقف جليل ويسلم انسان نفسه لله سبحانه وتعالى، فهذا يعبّر عن عظمة هذه الشخصية وقوتها.

بعض الناس عندما يواجه مواقف صعبة في حياته ينهار ويستسلم، ولا يبقى على قوته وصموده، إلا الصالحين والأولياء، والأئمة والرسل، لذلك وقفت السيدة زينب بقوة وتماسك وهذا الإيمان والتماسك يقف خلفه اليقين وقوة التسليم.

التربية على عدم الاستسلام

عندما نستلهم العبر والدروس من أهل البيت (عليهم السلام)، نحاول أن نستفيد من هذه العبر والدروس في حياتنا، ونصنع من أنفسنا شخصيات قوية من خلال التأسّي بأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو المهم وهو الدرس العظيم الذي نحن بحاجة إليه، هناك كثير من الناس يستسلم وينهار وينحرف بسبب استسلامه، أو يذهب في طريق الظالمين ويكون من أعوانهم، وهذا خطأ كبير يضيع بسببه الإنسان وينتهي، وتذهب حياته هدرا في الاستسلام للظالم والطاغية، وفقا لمبدأ (حشر مع الناس عيد).

لذلك لابد أن نربي أولادنا على الإيمان واليقين، وأن لا يكون مرتابا ولا شاكّا في حياته، بل يكون عنده يقين بعقائده وإيمانه بالله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وبأئمته (عليهم السلام)، وبالمعاد والآخرة وأن هناك حساب، وهذا الايمان يجعله مسلما أمره لله سبحانه وتعالى، من خلال تلك القوة التي تجعله قادرا على مجابهة التحديات الصعبة والمشاكل التي قد تحصل في حياته.

ثانيا: البصيرة والعلم والفهم

من صفات السيدة زينب (عليها السلام) البصيرة والعلم والفهم، فالإنسان موقف، أما يتخذ موقفا صالحا أو سيئا، والذي يتخذ موقفا في حياته، وخصوصا إذا كان موقفا عظيما، فهو يمتلك بصيرة كبيرة، وهي القدرة على النظر إلى ما وراء الحُجب الدنيوية والمادية، ورؤية الواقع كما هو، وهذا ينشأ من العلم، وبالنتيجة فإن التعلّم الجيد والمركّز، والتعلّم الشخصي الصحيح، وتعلّم المبادئ الصحيحة، وأسس العلم المفيد، وخصوصا العلم الإلهي، يعطي للإنسان بصيرة.

وفي مقال سابق، تطرقنا في قضية أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلى الرؤية الاستراتيجية وكيف يصل الإنسان إلى المرحلة الأخيرة للفهم، البصيرة هي كاشفة عن فهم الإنسان، ولذلك فإن السيدة زينب (عليها السلام) كان عندها علم وبصيرة وفهم، فهي تعرف وتفهم ماذا تعمل، وماذا تؤدي في حياتها، وهذا نوع من الكشف العلمي للواقع.

الإنسان الفاهم المتعلم بصورة صحيحة للعلوم سوف يصل إلى البصيرة، وهي التي تكشف له ماذا يجري في الواقع فيفهمهُ، لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام): (إن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي)، بمعنى لم أعمل على تضليل أحد، ولم يضللني أحد، فهو في مقام الإدراك الكامل، فلا ينخدع بالأباطيل والضلالة التي تبثها قوى الطغيان والانحراف.

فصاحب البصيرة لن يكون ناقلا لهذا الضلال والانحراف، كما نلاحظ ما يحصل اليوم، في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يُلبَّس على الناس، فهناك من ينقل الانحراف والأكاذيب دون أن يعلم ومع ذلك هو يلبّس الضلالة على الآخرين، وبدون أن يدقق الأمر ويمحّصه، وهذا يدل على عدم وجود البصيرة والفهم.

قيمة الفهم والإدراك والوعي

الجدير بمن يتبع أهل البيت (عليهم السلام) أن يكون متصفا بهذه الصفة، وفي حال عكس ذلك فلابد أن يسعى للوصول إلى الحقيقة، لكي يصل إلى الواقع، وهذه نقطة محورية في حياتنا، لأن كل حياتنا قد تكون عبارة عن أكاذيب أخذناها من الآخرين بسبب عدم وعينا وفهمنا للأمور، ولكن السيدة زينب (عليها السلام) كانت في قمة الفهم والإدراك.

في هذه القضية التاريخية، (لمّا أدخلوا السبايا الكوفة وأخذ الناس يبكون وينوحون لأجلهم، التفتت إليهم سيدتنا زينب (ع) وأومأت إليهم بالسكوت، ثم خطبت عليهم خطبتها الشهيرة والتي قال عنها الراوي: فلم أر والله خفره أنطق منها كأنما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وبعد أن انتهت من خطابتها على الناس، توجه إليها الإمام زين العابدين (ع) قائلاً لها: (يا عمَّة… أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، فهمة غير مفهَّمة).

هناك ثلاث معان لكلمة (خفره)، المعنى الأول شديدة الحياء، المعنى الثاني أنها كانت متعبة، والمعنى الثالث أنها كانت حامية ومجيرة لأهلها، وكل هذه المعاني تنطبق عليها، فكانت متعبة فعلا، وشديدة الحياء، وكانت هي الحامية الوحيدة لهذا الجمع، فكانت (عليها السلام) في موقف بالغ الصعوبة، يُقتَل أخوتها، وأبناء أخوتها وابنائها، فكانت مجزرة كاملة وإبادة شاملة، وكل شيء جرى أمام عينيها، وتكون بتلك القوة وذلك المنطق، (كأنما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين)، كأن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي يخطب بالناس.

وقول الإمام زين العابدين (عليه السلام)، (يا عمَّة… أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، فهمة غير مفهَّمة)، شهادة عظيمة بحق السيدة زينب (عليها السلام) من الإمام زين العابدين وهو إمام معصوم (عليه السلام)، وكلامه وسيرته وسكوته حجة.

وفعلا كانت السيدة زينب (عليها السلام) قوية بكلماتها، وعندما تراها في تلك المواقف فسوف ترى العلم والفهم.

ثالثا: الشجاعة والصمود والاستقامة

وهذه الصفات تعبر عن شجاعتها، وكيف صمدت وكيف كانت مستقيمة إلى آخر لحظة، في حماية الرسالة الحسينية العلوية المحمدية، وإيصال ذلك الخطاب للناس حتى يعرفوا الحقيقة، وهذه شجاعة وصمود واستقامة، في مواجهة الطغاة والظالمين من أمثال (بن زياد)، ويزيد عليهم لعائن الله.

بوجود الطغاة من الصعب إيصال الحقائق للناس، والإعلام المضاد لأهل البيت (عليهم السلام)، ومع وجود كل هذه التحديات استطاعت (عليها السلام)، إيصال فكرة وأهداف النهضة الحسينية إلى المجتمع، بصورتها السليمة الصحيحة.

الكلمة تُسقِط إمبراطورية كاملة

خاطبت السيدة زينب (عليها السلام) ذلك الطاغية يزيد ذلك الخطاب الذي زلزل عرشه، وزلزل عرش الأمويين، ويمكن القول أن هذا الخطاب هو الذي أسقط عرشهم، بالإضافة إلى خطاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فخطاب السيدة زينب أسقط الدولة الأموية، كلمة اسقطت دولة وامبراطورية كاملة.

كلمة عظيمة تعبر عن شجاعة الشخص وصموده واستقامته في مواجهة المشكلات والتحديات، والاستقامة على الدرب والطريقة، تقول السيدة زينب (عليها السلام): (فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جاهدك. فو اللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا يرخص عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة اللّه على الظالمين).

إن شجاعة السيدة زينب (عليها السلام) في توضيح الأمر أمام هذا الطاغية جعلت عرشه يتزلزل، فالشجاعة تغلب الظلم دائما، والشجاع غالب، والجبان مغلوب، فالسيدة زينب (عليها السلام) لم يرهبْها ذلك الطاغية الجالس بين جيوشه وقواته، وأخذ يستهزئ بأهل البيت (عليه السلام).

لكن السيدة زينب (عليها السلام) خاطبته بكلمات عالية جدا في رزانتها ورصانتها، وفي تبيين الأمور، كما أعطت ببصيرتها رؤية للمستقبل، وقالت للطاغية (وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد)، وهذا ما حدث بالفعل، وهذه هي صفات الطغاة، فليس لديهم رأي بل وهم يصنعوه من أجل تثبيت حكمهم، لكن كلمتها زلزلت عرش الطاغية وهزت اركانه وبددت جمعه.

رابعا: الصبر والعطاء والتضحية:

قال بن زياد: (كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتكِ)، فأجابته (عليها السلام): (ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم)، هذا هو جمال التضحية، فالجمال لا يأتي من الأشياء الظاهرية التي نراها، بل يأتي من خلال جمال المعنى وقوة الشخصية التي تعبر عن ذلك المعنى، يقول القرآن الكريم: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا) المعارج 7، فالصبر جميل لأنه يعبر عن معنى إنساني كبير، لذلك نحن نحتاج أن نقرأ معنى الجمال، فنحن دائما ننظر إلى الجمال بأعيننا وحواسنا، ولا ننظر له ببصيرتنا ورؤيتنا الداخلية، فالجمال الحقيقي ينبثق من الداخل، الجمال بالصبر، لأنه يقود إلى كل المعاني العالية في الإنسان.

أين يكمن الجمال الحقيقي؟

الجزع في مقابل الصبر، والإنسان الجزوع يعبر عن الانهيار الكامل له، فالصبر يساعد على بناء اليقين وبناء الإيمان، والرحلة طويلة نحو التألق والارتقاء والسمو إلى المعاني الإلهية الكبيرة، لذلك فإن الصبر جميل، والتضحية جمال، والعطاء جمال، وهذا الجمال انبثق في كربلاء، وتبيّن ذلك الصبر الجميل في شخصية السيدة زينب (عليها السلام).

(هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل)، فكل إنسان بالنتيجة سوف يموت، لكن كيف يموت؟، هناك من يختار الموقف الذي يموت بسببه، وهذا الموقف الذي اختاره شهداء كربلاء عبّر عن جمالهم، وجمال معانيهم الكبيرة، لذلك يتفاعل الناس مع كربلاء وشهدائها ومع السيدة زينب (عليهم السلام)، لأن موقفهم هو تعبير عن الجمال الإلهي العظيم، الذي اجتمعت فيه كل تلك القيم والمبادئ العظيمة.

هذا هو الجمال الحقيقي الذي لابد أن ننشده، أما الجمال المادي الموجود حاليا، والذي تلهث وتركض الناس وراءه، فهو جمال مزيّف يحمل في كثير من الأحيان من وراءه قبحا.

إن السيدة زينب (ع) مثال للتضحية والصبر والتحمّل، وقد لعبت دوراً مهمّاً وأساسياً في إحياء الثورة العاشورائية، وجسّدت أروع ملاحم الإيثار والمواساة، وكانت (ع) كالطود الشامخ، كيف لا وهي العالمة غير معلّمة والفاهمة غير مفهمة، كما ورد على لسان الإمام السجاد(ع).

التحديات التي تواجهها المرأة في عصرنا الحالي

إن الاستجابة التحديات التي تواجهها المرأة هو أن تجعل من السيدة زينب أسوةً لها، وتكمن التحديات في أن تتعلم المرأة اليوم معنى التضحية والعطاء، لذلك فإن التأسّي وجعل السيدة زينب نموذجا للمرأة ونموذجا للإنسان بشكل عام، يقود المرأة نحو عالم آخر غير العالم الذي نعيش فيه اليوم، ونقصد به العالم المادي الضحل، فالنموذج الزينبي يقود المرأة إلى عالم أسمى وأرقى.

أولا التحدي الذاتي:

ويتمثل في الحصول على الإيمان وبناء النفس والشجاعة وقوة الشخصية ومعرفة النفس، والبساطة في الحياة وتحصين الذات، كل هذه الصفات نستلهمها من السيدة زينب (عليها السلام)، البساطة في الحياة تجعل الإنسان لا يكون لديه توقعات مادية كبيرة، ولابد أن يعيش في المعنى لأنه هو المهم، أما الأمور المادية فهي مجرد وسائل.

لذلك ترى الناس يذهبون وراء المهور الغالية، والتعقيدات الأخرى في الحياة، كالبيت الواسع، والسيارة الفارهة، كل هذه الأمور فيها تعقيد كبير، بحيث تُخرج الإنسان من المعنوية وتغرقه في الأمور المادية، لهذا لابد من العمل على تحصين الذات، من خلال بناء النفس، وهذا التحصين يساعد الإنسان على مواجهة كل تلك الأمور التي تنهال عليه من جميع الجوانب، كالقضايا النفسية والاجتماعية والثقافية.

ثانيا التحدي التربوي:

صناعة الشخصية وظيفة أساسية، فعندما يضيع الأبناء والبنات، السبب يكمن في وجود خلل في التربية، لذلك وعلينا أن نأخذ التربية كعامل بناء كما أوصانا أهل البيت (عليهم السلام)، فحين تقرأ وصايا أمير المؤمنين إلى ولده الحسن (عليهما السلام)، تجدها جميعا وصايا تربوية، إنها منهج تربوي، وصناعة تربوية.

التربية على الاحترام والمسؤولية

التربية هي استراتيجية تُصنَع، وتسير باستقامة في الحياة، من أجل إعطاء زخم دائم لأبنائنا لكي يعرفوا كيف يعيشون، وذلك من خلال التغذية بالقيم الصالحة، والأفكار والأخلاق الصالحة، كذلك التربية بالأسوة على نموذج زينب وأهل البيت (عليهم السلام)، والتربية بالحوار أيضا، والعمل على فتح حوارات داخل الأسرة.

يجب التربية باللاعنف، وليس بالتشدد والعنف والقوة والقسر فهذا خطأ كبير، لأن الإنسان عاقل ويحتاج إلى حوار وفهم ويجب أن يقتنع بالكلام الذي يسمعه، وإذا تم كل شيء بالقوة والعنف يصبح الإنسان بليد المشاعر وأفكاره معتمة وظلامية.

وكما يقول الإمام علي (عليه السلام): (حزم في لين)، فالتربية باللين هي تربية تغذي الإنسان بالأفكار والأخلاقيات الصالحة، كذلك التربية على الاحترام والمسؤولية، وأن لا نجعل أولادنا عشوائيين يتصرفون بلا مسؤولية، فالمسؤولية تربية، واحترام الآخرين تربية، وهذا يؤدي إلى احترام النفس وتقديرها لذاتها.

ثالثا التحدي الثقافي:

إننا نعيش اليوم في ظل غزو ثقافي كبير ينهال علينا، كالأعاصير الكبيرة، وهذا الغزو الثقافي يؤدي بنا الوقوع في فخ التضليل، ويدفعنا للتخلي عن أصالتنا، واستنساخ نماذج الآخرين في سلوكيات حياتنا، مما يجعلنا مقلّدين للآخرين في تقليد أنماط حياتهم، حتى أصبحت مجتمعاتنا اليوم تعيش التبعية للثقافات الأخرى.

بالإضافة إلى العيش في عالم الاستهلاك المطلق، الذي جعل ثقافتنا سطحية جدا، وقد قادنا عالم الاستهلاك إلى الضحالة، وإلى التسافل والتفاهة، وهو من أكبر التحديات الثقافية الكبيرة.

لقد أوصى القرآن الكريم ببذل الجهد والسعي، فيجدر بالمرأة أيضاً أن تكون ساعية دوماً ولا تهدر حتى لحظة واحدة من عمرها في غير النافع أو الضروري، أي لا تهدر حياتها بالتفاهة ولا بالأشياء التي ليس لها أولوية في حياتنا، فنحن نحاسَب على عمرنا، وكلما نختاره له ثمن، ولأنفسنا ثمن، فلابد أن نختار الراقي معنويا وليس الغالي ماديا.

لابد من اختيار الأشياء الضرورية والمهمة في حياتنا، وكلما اخترنا الأشياء الضرورية في حياتنا، يرتفع مستوى الفهم والوعي عندنا، وكلما نذهب إلى اختيار الماديات، فإن مستوى الوعي والإدراك ينخفض لدينا إلى أن يصبح الإنسان بلا وعي ولا إدراك.

2022/08/13