عاشوراء والأربعين

ثمرة ’فاجعة الطف’: التوجّه الديني في المجتمع الإسلامي

من الطبيعي أن يكون لفاجعة الطف بأبعادها السابقة وتداعياتها السريعة أثرها العميق في المسلمين، بحيث أدت إلى يقظة كثير منهم، ورجوعهم لدينهم، واهتمامهم بالتعرف عليه وتحمل ثقافته، لعدة عوامل أفرزتها واقعة الطف وتداعياتها السابقة.

[اشترك]

أولها: الشعور بتدهور المجتمع الإسلامي وابتعاده عن الدين وتقصيره في أمره، بنحو يستوجب تأنيب الضمير على ذلك.

خصوصاً بعد أن ركّز أهل البيت (صلوات الله عليهم) وشيعتهم على عظم الجريمة، واهتموا بإحيائها والتذكير بها، بإقامة المآتم، وزيارة قبر الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، ورثائه، وما يجري مجرى ذلك.

حيث يكون ردّ الفعل المناسب لذلك من كثير ممن لهم جذور دينية هو ترك السلطة ومن يتنازع عليها جانباً والرجوع للدين، والتعرف عليه، والتمسك به.

ثانيها: معاناة الناس من السلطة الجائرة، ومن تدهور الأوضاع نتيجة الصراعات والفوضى. فإن ردّ الفعل المناسب لذلك والميسور لعامة الناس- ممن لا حول له ولا قوة- هو الانكفاء على النفس، والبعد عن الفتن، واللجأ إلى الله عز وجل، وطلب رضاه بالرجوع لدينه، والتزام تعاليمه الشريفة.

ولاسيما بعد أن ظهر على السلطة الاستهتار بالدين والإستهانة به؛ فإن ذلك يؤكد الاندفاع نحو الدين، لكونه مظهراً إرادياً أو لا إرادياً للتحدي العملي للسلطة، والاحتجاج الصامت عليها، الذي فيه السلامة من خطر الاحتكاك بها، مع ما فيه من فضح السلطة، والتنبيه لسلبياتها.

ولعل لهذين الأمرين أعظم الأثر في الصحوة الدينية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية في أيامنا هذه بعد موجة التحلل من الدين، تبعاً للغرب والشرق الماديين، فهي ردّ فعل لظهور العدوان من الشرق والغرب، وتجاوزهما على حقوق الشعوب.

ثالثها: قوة التشيع وانتشاره بعد فاجعة الطف: حيث أن من أبرز مفاهيم التشيع وتعاليمه ضمّ العمل للعقيدة، فقد استفاض عن النبي (ص) والأئمة من أهل بيته (صلوات الله عليهم) أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان‌ (1). وأكدوا (صلوات الله عليهم) على العمل كثيراً.

وكان التدين والالتزام بالأحكام الشرعية من السمات البارزة في الشيعة، وقد سبق عن سفيان الثوري قوله: «وهل أدركت خيار الناس إلا الشيعة؟»، وسبق عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (صلوات الله عليه) ما يناسب ذلك‌ (2).

وذلك ينضم للعاملين السابقين في تنبيه عامة المسلمين لدينهم، وتحفيزهم على العمل بأحكامه، والتعرف عليها وعلى واقع دينهم في العقائد والفقه والسلوك والأخلاق.

الهوامش:

  1. نهج البلاغة ج: 4 ص: 50. الخصال ص: 178 ح: 239، ص: 179 ح: 241. عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ج: 2 ص: 204. سنن ابن ماجة باب في الإيمان. المعجم الأوسط ج: 6 ص: 226، ج: 8 ص: 262. تفسير القرطبي ج: 1 ص: 372. الدر المنثور ج: 6 ص: 100. تاريخ بغداد ج: 1 ص: 271 في ترجمة محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الله. تهذيب الكمال ج: 18 ص: 82 في ترجمة عبد السلام بن صالح. سير أعلام النبلاء ج: 15 ص: 400 في ترجمة علي بن حمشاذ. وغيرها من المصادر الكثيرة.
  2. تقدمت مصادرهما في ص: 382.

المصدر: مقتطف من كتاب فاجعة الطف للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، ص418-419.

2021/09/25
مجلس للحسين وللباكين عليه.. مرحباً بكم في عرش الله!

سر من أسرار أبي الأحرار

قال الله سبحانه في محكم كتابه الكریم (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ).

[اشترك]

قال رسول الله محمد المصطفی: (كُتب علی یمین عرش الله بلون أخضر ـ وهو لون المعرفة ـ الحسین مصباح الهدی وسفینة النجاة).

وعن الإمام الحسین بن علي علیهم السلام، قال: (دخلت علی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعنده أُبيّ بن كعب فقال لي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: مرحباً بك یا أبا عبدالله، یا زین السماوات والأرضین. فقال له أُبيّ: وكیف یكون یا رسول الله زین السماوات والأرض أحد غیرك؟ فقال: یا أُبيّ، والذي بعثني بالحقّ نبیّاً إنّ الحسین بن عليّ في السماء أكبر منه في الأرض، فإنّه لمكتوب عن یمین عرش الله: مصباح هدی وسفینة نجاة وإمام خیرٍ ویمن (غیر وهن)، وعزّ وفخر وبحر علم وذخر، وإنّ الله عزّوجلّ ركب في صلبه نطفة طیّبة مباركة زكیّة، ولقد لُقّن دعوات ما یدعو بهنّ مخلوق إلّا حشره الله عزّوجلّ معه، وكان شفیعه­­­­في آخرته، وفرّج الله عنه كربه، وقضی بها دینه ویسّر أمره وأوضح سبیله، وقوّاه علی عدوّه، ولم یهتك ستره. فقال له اُبيّ بن كعب: ما هذه الدعوات یا رسول الله؟ قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: «اللّهم إنّي أسألك بكلماتك، ومعاقد عرشك، وسكان سماواتك، وأنبیائك ورسلك أن تستجیب لي، فقد رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلّي علی محمّد وآل محمّد وأن تجعل لي من عسري یُسراً»، فإنّ الله عزّوجل یسهّل أمرك، ویشرح لك صدرك، ویلقّنك شهادة أن لا إله إلّا الله عند خروج نفسك». والحدیث المبارك طویل فیه أسماء الأئمة من ولد الإمام الحسین وأدعیتهم الشریفة، فراجع.

جاء في الخصائص الحسینیّة لآیة الله المحقّق الشیخ جعفر الستتري رضوان الله تعالی علیه: وقد كتب مدحه وثنائه عن یمین العرش: (إنّ الحسین مصباح الهدی وسفینة النجاة) فأعطاه الله من أعظم مخلوقاته، یغي عرشه العظیم. ولهذا الإعطاء الرّباني والكرامة الحسنیة والتي كانت من خصائصه كیفیات متفاوتة لما في العرش من خصوصیات.

فنقول:

أولاً إنّه قد أعطی الله الإمام الحسین علیه السلام من العرش ظلّه، لجعله له مجلساً یجلس فیه یوم القیامة، ومعه زوّاره والباكون علیه فیرسل إلیهم أزواجهم من الجنّة فیأتون ویختارون مجلسه وحدیثه.

وثانیاً: وقد أعطاه یمین العرش فجعله مقرّاً له في برزخه، فإنّه عن یمین العرش دائماً ینظر إلی مصرعه ومن حلّ فیه.

وثالثاً: وینظر إلی زوّاره والباكین علیه، ویستغفر لهم ویخاطبهم، ویسأل جدّه وأباه أن یستغفرا لهم (بالله علیك من كان النبيّ وآله الأطهار والإمام الحسین علیهم السلام، یستغفر له فهل یبقی له ذنب یعاقب علیه یوم القیامة؟!)

ورابعاً: وقد أعطاه فوق العرش محلّ حدیث لزائره، وأيّ حدیث فقد ورد في بعض أقسام زیاراته أنّه یكون من محدّثي الله فوق عرشه، فالعرش مجلس حدیث لزوّاره ظلّه لمن یحدّثه،  وفوقه لمن یحدّثه الله.

وخامساً: وقد أعطاه أظلّة العرش التي إقشعرّت لدمه وبكت علیه.

وسادساً: وقد أعطاه نظیر العرش من أصناف الملائكة المحدقین والطائفین.

وسابعاً: هناك كیفیّة أعلی من ذلك وأبلغ فكأنه قد أعطاه العرش كلّه له، لأنّه إذا كان مع أخیه الإمام الحسن المجتبی علیه السلام زینة للعرش الإلهي وقرطاً وشنفاً، فكلّ شيء بزینته، فلو تكلّم العرش لقال: أنا من حسین ـ فهو حسیني الوجود والهوی وكفی.

2021/09/23
ما حقيقة صلة القرابة بين ’شمر’ وأبي الفضل العباس (ع)؟!

هل هناك نسبة أو صلة رحم بين الشمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) والسيّدة أمّ البنين (سلام الله عليها)؟

[اشترك]

إنّ السيّدة أمّ البنين (عليها السلام) هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر الكلابيّة العامريّة، وأمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. [ينظر: عمدة الطالب ص356].

وشمر (لعنه الله) هو ـ كما يُقال على الظاهر ـ ابن ذي الجوشن بن الأعور بن عمرو بن معاوية ـ وهو ضِباب ـ بن كلاب بن ربيعة بن عامر الضبابيّ الكلابيّ. وقد اختلف في اسم أبيه فقيل: اسمه أوس، وقيل: شرحبيل، وقيل: جوشن بن ربيعة الكلابيّ، وهناك تشويش وغموض في نسبه (لعنه الله).

وبناءً على هذا، يظهر أنّ الالتقاء في النسب في (كلاب)، فإنّ أمّ البنين (عليها السلام) من ذرية عامر بن كلاب، بينما الشمر من ذرية معاوية بن كلاب. وعليه، فما ورد في كتب السير والمقاتل [ينظر: اللهوف ص54]، من تسمية شمر (لعنه الله) لأبي الفضل العبّاس وإخوته (عليهم السلام) بـ « بني أختي »، وما جاء من قول الإمام الحسين (عليه السلام) لهم: «أجيبوه وإن كان فاسقاً، فإنّه بعض أخوالكم »، فليس ذلك على أنّها أخته حقيقة، فقد تقدّم: أنّ الالتقاء في الجدّ الأعلى لا الأب المباشر حتّى يكون بني أمّ البنين (عليها السلام) أولاد أخته، ولهذا قال العلّامة الأوردباديّ في [حياة أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) ص206] بعد تحقيق أنيق: « فتعبير الشمر (عليه لعائن الله) عن بني أمّ البنين بـ(بني الأخت) ليس إلّا لِمَا جرت عليه عادة العرب من تسمية بنت القبيلة بالأخت، وبنيها ببنيها، وابنها بالأخ، وبنيه ببنيه ».

وينبغي التنبيه على أنّه نقل الشيخ عبّاس القميّ (قدّس سرّه) في [سفينة البحار ج4 ص492]: « عن كتاب (المثالب) لهشام بن محمّد السائب الكلبيّ: أنّ امرأة ذي الجوشن خرجت من جبانة السبيع إلى جبانة كندة، فعطشت في الطريق ولاقت راعياً يرعى الغنم، فطلبت منه الماء فأبى أن يعطيها إلّا بالإصابة منها، فمكّنته فواقعها الراعي، فحملت بشمر »، وهذا ما يفسّر معنى قول سيّد الشهداء (عليه السلام) لشمر يوم عاشوراء: « يا ابن راعية المعزى » [ينظر: الإرشاد ج2 ص96، أنساب الأشراف ج3 ص187، تاريخ الطبري ج4 ص322، وغيرها]، وقد جاء كلام زهير بن القين (رضوان الله عليه) لشمر: « يا ابن البوّال على عقبيه، ما إيّاك أخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم » [ينظر: تاريخ الطبري ج4 ص324، الكامل في التاريخ ج4 ص63، وغيرها]..

ولهذا نجد مثل العلّامة الأوردباديّ في [حياة العباس (عليه السلام) ص204] يقول: « وأمّا شمر فنسبه الصوريّ أنّه ابن ذي الجوشن.. » إشارة منه إلى أنّه ابن زنا، ويقول المحقّق النمازي في [المستدركات ج4 ص220]: « شمر بن ذي الجوشن: تولّد من الزنا ».

وهذه الحقيقة تسندها الأحاديث القطعيّة المرويّة عند الشيعة والسنّة من أنّ نصب الشخص وبغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام) ولأولاده (عليهم السلام) علامة كونه ابنَ زنا، كالمرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): « يا عليّ لا يبغضك إلّا ولد الزنا »، وقد كان الصبيّ ـ إذا شُكّ في نسبه ـ على عهد الصحابة يُعرَض عليه محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن قبلها أُلحق بمَن ينتمي إليه وإن أنكرها نفي، ورُوي: أنّ جابر بن عبد الله الأنصاريّ (رضوان الله عليه) كان يدور في سكك الأنصار بالمدينة وهو يقول: « يا معشر الأنصار، أدّبوا أولادكم على حبّ علي، فمَن أبى فانظروا في شأن أمّه ».

وتسندها أيضاً الأحاديث المستفيضة أنّه لا يقتل الأنبياء وأولاد الأنبياء (عليهم السلام) إلّا أولاد الزنا والبغايا وأنّ قاتل الحسين (عليه السلام) ابن زنا، وقد روى ابن قولويه في [كامل الزيارات ص161] جملة من الأحاديث وبأسانيد متعدّدة عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): « كان قاتل الحسين (عليه السلام) ولد زنا ».

فأين هذا ابن البوّال على عقبيه وابن راعية المعزى، من سليلة الأشراف والشجعان، فقد رُوي: « أن أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) قال لأخيه عقيل - وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم -: انظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً، فقال له: تزوّج أمّ البنين الكلابيّة، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها، فتزوّجَها » [عمدة الطالب ص357، سر السلسلة العلوية ص88].

ويتبيّن ممّا تقدّم: أنّ صلة القرابة بين السيّدة الطاهرة أمّ البنين (عليها السلام) وبين أشقى الأشقياء شمر بن ذي الجوشن (عليه لعائن الله) هي أنهما أبناء عمومة بحسب الظاهر، ويلتقي نسبهما في (كلاب) الجدّ الأعلى، وأما بحسب الواقع فهو ولد لغية نتاج سفاح وزنا (قبّحه الله وأخزاه).

2021/09/22
العقيدة عند سيد الشهداء: انزلوا عن منبر جدي!

موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في أمر الخلافة

إن الإمام الحسين السبط (صلوات الله عليه)، فقد جرى على سنن أهل بيته في التذكير بحقهم.

[اشترك]

1 ـ فقد أنكر على عمر وهو على المنبر فقال: "انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك"، فقال له عمر: إن أبي لم يكن له منبر (1).

بل في حديث عبد الله بن كعب: "إن الحسين بن علي (عليه السلام) قام إلى عمر وهو على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: انزل عن منبر جدي، فقال عمر: تأخر يا ابن أخي، قال: وأخذ حسين برداء عمر، فلم يزل يجذبه، ويقول: انزل عن منبر جدي، وتردد عليه حتى قطع خطبته، ونزل عن المنبر، وأقام الصلاة... وحسين (عليه السلام) يومئذِ دون المحتلم" (2).

2 ـ وقد تقدم منه (عليه السلام) في جواب السؤال الثاني قوله في وصيته لأخيه محمد ابن الحنفية: "وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب".

منبهاً بذلك إلى أن السيرة الرشيدة التي ينبغي أن تتبع هي سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) دون سيرة غيرهما ممن تسنم السلطة.

وربما يكون بذلك قد أضعف موقفه المادي، حيث يخسر تأييد من يوالي الأولين، ويفقد تعاطفهم معه، وهم في وقت نهضته (عليه السلام) كثيرون، ويتعرض لتهريج الأمويين، الذين يعدون ذلك نقطة ضعف على أهل البيت (عليهم السلام)، نظير ما تقدم من معاوية في كتابيه للإمام الحسن (صلوات الله عليه)، وما تقدم ويأتي منه فيما كتبه لأمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام).

ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) رأى أن التأكيد على مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، ومذهبهم في الحكم والسلطة، أهم من القوة المادية، وتكثير المؤيدين له والمتعاطفين معه.

3ـ وكذلك فعل (صلوات الله عليه) حينما كتب من مكة المكرمة إلى جماعة من رؤساء البصرة كتاباً واحداً يقول فيه: "أما بعد فإن الله اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به (صلى الله عليه وآله وسلم). وكنا أهله، وأولياءه، وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضين، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه..." (3).

وكلامه (عليه السلام) هذا ـ كما ترى ـ صريح في التأكيد على حقهم (عليهم السلام) في الخلافة، وفي أن رضاهم (عليهم السلام) بما حصل إنما كان كراهة للفرقة وطلباً للعافية، لا لأنهم تنازلوا عن حقهم لغيرهم، ورضوا بتوليه له، وأمضوا حكمه، لأنهم يرونه أهلاً له.


الهوامش:

(1) سير أعلام النبلاء 3: 285 في ترجمة الحسين الشهيد، واللفظ له. الإصابة 2: 77 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. معرفة الثقات 1: 301 في ترجمة حسين بن علي ابن أبي طالب. تهذيب التهذيب 2: 300 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تهذيب الكمال 6: 404 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تاريخ واسط 1: 203 في ترجمة أبي الحسين سعدبن وهب ابن سنان السلمي. تاريخ الخلفاء: 143 في ترجمة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : فصل في نبذ من أخباره وقضاياه. تاريخ بغداد 1: 141 في ترجمة الحسين بن علي. بغية الطلب في تاريخ حلب 6: 2584، 2585 في ترجمة الحسين بن علي بن عبد مناف أبي طالب. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 295 في ترجمة الحسين بن علي. علل الدارقطني 2: 125. تاريخ دمشق 14: 175، 176 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. كنز العمال ج13 ص654 حديث:37662. تاريخ المدينة المنورة 3: 799.

(2) تاريخ المدينة المنورة 3: 798.

(3) تاريخ الطبري 3: 280 في ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين (عليه السلام) للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل (رضي الله عنه)، واللفظ له. البداية والنهاية 8: 157 ـ 158 في قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الإمارة وكيفية مقتله.

المصدر: في رحاب العقيدة، المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم، ج2، ص129-131.

2021/09/21
هل تقع ’أربعينية الإمام الحسين’ في التاسع عشر من صفر؟!

هل تقع الأربعين في التاسع عشر من صفر؟!

بعد أن نشرتُ مقالاً حول زيارة الأربعين سألني أحد المؤمنين سؤالاً وجيهاً يتعلّق بتحديد يومها وتعيين وقتها في شهر صفر، فهل تصادف الأربعين يوم التاسع عشر أم العشرين من صفر؟

[اشترك]

 فبالرغم من أنّ المعروف من أنّها تقع في العشرين من شهر صفر، وأنّ ذلك هو علّة تسميتها بالأربعين، كما يقول الكفعمي(ت905هـ): إنّما سميت بزيارة الأربعين لأن وقتها يوم العشرين من صفر؛ وذلك لأربعين يوماً من مقتل الحسين..(عنه: بحار الأنوار ج : 98 ص : 334).. إلا أنّ إعمال العد، وإجراء الحسبة يفضي إلى أنّ عدد الأيام التي مرّتْ على الشهادة من عاشر محرّم إلى العشرين من صفر؛ هي واحد وأربعون يوماً!

 وأوّل من طرح هذا السؤال الاشكالي هو ابن طاووس (ت664هـ)، فكتب يقول: "كيف يكون يوم العشرين من صفر يوم الأربعين، إذا كان قتل الحسين صلوات الله عليه يوم عاشر من محرم، فيكون يوم العاشر من جملة الأربعين، فيصير أحدا وأربعين؟".(اقبال الأعمال،ج3،ص100)، ثمّ بعده بمدة مديدة جاء الشيخ البهائي(ت1030هـ) متبنياً الإشكال، ومسلّماً به قائلاً عن يوم: التاسع عشر من صفر فيه زيارة الاربعين لابي عبد الله الحسين (عليه السلام) وهى مروية عن الصادق ووقتها عند ارتفاع النهار وفى هذا اليوم وهو يوم الاربعين من شهادته عليه السلام..(انظر-توضيح المقاصد،ص7).

إلا أنّ السيد صاحب الإقبال قد عقّب السؤال وعالج الاشكال بإحدى معالجتين، فقال: لعله قد كان شهر محرم الذي قتل فيه) صلوات الله عليه) ناقصاً، وكان يوم عشرين من صفر تمام أربعين يوماً، فإنّه حيث ضبط يوم الأربعين بالعشرين من صفر، فأمّا أن يكون الشهر- كما قلنا- ناقصاً، أو يكون تاماً ويكون يوم قتله (صلوات الله عليه) غير محسوب من عدد الأربعين؛ لأنّ قتله كان في أواخر نهاره، فلم يحصل ذلك اليوم كله في العدد، وهذا تأويل كاف للعارفين، وهم اعرف بأسرار رب العالمين في تعيين أوقات الزيارة للطاهرين.(المصدر السابق).

وما ذكره رحمه الله في الجواب الأول لا دليل عليه، وإن كان محتملاً، ومن ثمّ فالعمدة في الجواب هو أنّ مبدأ الحساب هو اليوم التالي ليوم العاشر، والوجه في ذلك هوما أشار إليه آنفاً من أنّ الاستشهاد كان في آخر النهار فلا يحسب، وعليه يكون يوم العشرين من صفر هو تمام الأربعين، وهذا هو السبب في إدراج القدماء طراً زيارة الأربعين ضمن أعمال العشرين من صفر.

2021/09/21
عمر وابن الحنفية.. هل تخلف بعض بني هاشم عن نصرة الحسين (ع)؟!
هل عمر بن الامام علي وأخيه الثاني، ومحمد بن الحنفية، وزوج السيدة زينب عليها السلام، هل هؤلاء خانوا الامام الحسين عليه السلام أم كذب؟؟

لا يمكن الحكم بخيانتهم وخذلانهم للإمام الحسين (عليه السلام)، فيحتمل أن يكون الإمام قد أذن لهم في البقاء، كي لا يفنى نسل أمير المؤمنين (ع)، أو لعلّ الإمام لم يطلب منهم الخروج معه، لحصول الغرض بمن خرج معه من بني هاشم، وأذن للبقية منهم بالبقاء ليشكلوا ثقلاً في مقابل بني أمية، ولا تخلو الساحة منهم، ويكون لهم دورٌ في معادلات الأحداث لاحقاً.

فلا يجوز الكلام عنهم بسوء مادام لا وجود لبيّنة شرعية ثابتة تثبت إدانتهم أو إدانة الإمام المعصوم لهم.

وقد فصّلنا الكلام في عدم خروج محمد بن الحنفية، وذكرنا وجوهاً عديدة لبقاءه وعدم خروجه، فيمكن ملاحظة بعضها وتطبيقها على عدم خروج البقية منهم.

نقل بعض علماء الأنساب أنّ الإمام الحسين (ع) دعا أخاه عمر إلى الخروج معه، ولكنه رفض! ويقال: إنه لما بلغه قتل أخيه الحسين (ع) خرج في معصفرات له وجلس بفناء داره وقال: أنا الغلام الحازم ولو أخرج معهم لذهبت في المعركة وقتلت. (عمدة الطالب لابن عنبة ص362).

ولكن ما نقلوه كلام مرسَل يصعب البناء عليه.

ولا تصح رواية حضوره في كربلاء مع أخيه الحسين (ع).

أما عبد الله بن جعفر زوج السيدة زينب (ع)، فهو رجل متفانٍ في ولاية أهل البيت (ع)، ولم يتزحزح قيد أنملةٍ، وقدّمَ ثلاثاً أو اثنين من أبنائه شهداء بين يدي أبي عبد الله الحسين (ع).

وتنصّ الروايات أنّه كان يحاول جاهداً رفع حكم القتل الصادر بحق الإمام الحسين (ع).

ولذا لم يجلس مكتوف اليدين، بل فعّلَ وحرّكَ ما بوسعه من علاقات ومعارف، واستطاع بشكل جزئي وبسيط أن يترك تأثيراً، ولكن لما كانت القضية أكبر بكثير مما يتصوره، وخرجَ أبي عبد الله الحسين (ع) من مكة، أرسل مجموعة من ابناءه معه.

وأما عبيد الله بن علي بن أبي طالب، فلم نعثر على شيء يدلّ على دعوة الإمام الحسين (ع) له إلى النصرة.

قال العلامة الحلي في تبرير عدم خروج عبد الله بن جعفر وأمثاله من عبيد الله وبقية أبناء امير المؤمنين (ع) بعد أن ذكر أن محمد بن الحنفية كان مريضاً: ويحتمل في غيره (يعني في غير محمد بن الحنفية) عدم العلم بما وقع لمولانا الحسين عليه السلام من القتل وغيره، وبنوا على ما وصل من كتب الغدرة إليه وتوهموا نصرتهم له. (أجوبة المسائل المهنائية ص38 – 39).

وخلاصة كلامه: أنّ هؤلاء لم يكن عندهم علمٌ بأنّ الإمام الحسين (ع) سيقتل، وإنما ظنوا أنّ الكوفيين سينصرونه، ولذا لم يخرجوا معه.

وسواء صحّ هذا الوجه أم لم يصح، ففيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.

2021/09/21
جابر والأربعين.. ما حقيقة فقده للبصر؟

لم يكن جابرٌ كفيفًا يومَ الأربعين

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر» 

هل كان جابرُ بن عبد الله الأنصاري مكفوفَ البصر حين زيارتِه لقبر الحسين (ع)؟ وإذا كان مكفوفاً فكيف نُوفِّق بين ذلك وبين ما ورد أنَّه التقى بالإمام الباقر (ع) ورأى شمائلَه وبلَّغه سلامَ النبيِّ الكريم (ص)؟

[اشترك]

لم يكن جابرُ بن عبد الله الأنصاري كفيفًا حينَ زيارتِه لقبر الحسين (ع) ولا بعدها وإنَّما كُفَّ بصرُه في آخر عمرِه والذي امتدَّ إلى سنةِ أربعٍ وسبعين أو ثمان وسبعين للهجرة، فهو قد بقيَ بعد مقتلِ الحسين (ع) ثلاثة عشر سنة على أقلِّ تقدير أو سبعة عشر سنةٍ على أكثرِه. عن عمرٍ بلغ أربعاً وتسعين سنة وقيل سبعاً وتسعين سنة (1).

وأما إدراكه للإمام الباقر (ع) والتقائه به ورؤيته لشمائله وتبليغه لسلامِ الرسول (ص) أمرٌ ثابتٌ نصَّت عليه رواياتٌ مستفيضةٌ وصريحةٌ في أنَّه كان حينذاك بصيرًا:

فمن ذلك ما رواه الشيخُ الصدوق في الأمالى بسندٍ صحيح قال: حدَّثنا محمد بن الحسن (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدَّثنا يعقوب بن يزيد، قال: حدَّثنا محمد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: إنَّ رسولَ الله (صلَّى الله عليه وآله) قال ذاتَ يومٍ لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر، إنَّك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيتَه فأقرئه مني السلام.

فدخل جابر إلى عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) فوجد محمد بن عليٍّ (عليهما السلام) عنده غلامًا، فقال له، يا غلام، أقبِلْ. فأقبَلَ، ثم قال له: أدبِرْ. فأدبَر، فقال جابر: شمائلُ رسولِ الله وربِّ الكعبة، ثم أقبل على عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) فقال له، مَن هذا؟

قال: هذا ابني، وصاحبُ الأمر بعدي محمد الباقر. فقام جابرُ فوقع على قدميه يُقبِّلهما، ويقول: نفسي لنفسك الفداء يابنَ رسول الله، إقبَلْ سلامَ أبيك، إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقرأُ عليك السلام. قال: فدمعتْ عينا أبي جعفرٍ (عليه السلام)، ثم قال: يا جابر، على أبي رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) السلام ما دامتِ السماواتُ والأرض، وعليك -يا جابر- بما بلَّغتَ السلام"(2).

فهذه الروايةُ الصحيحة صريحةٌ في أنَّ جابرًا الأنصاري كان بصيرًا حين التقائه بالإمام الباقر (ع) فهو- بحسب الرواية- قد وجد عند الإمام السجَّاد (ع) غلامًا فأقبَلَ عليه وقال له أقبِلْ وأدبِرْ ليتحقَّق من شمائلِه ثم أقسَمَ بربِّ الكعبة إنَّ شمائلَه هي شمائلُ رسولِ الله (ص) وكيف يتسنَّى له التحقُّق من شمائلِ الباقر (ع) وما هي جدوى الأمر بالإقبال والإدبار لولا أنَّه كان بصيرًا.

وثمة روايةٌ أخرى قريبةُ المضمون من هذه الرواية أوردها الكلينيُّ في الكافي بسندٍ معتبرٍ عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله الصادق (ع) ورد فيها: ".. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْه قَالَ: يَا غُلَامُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ: لَه أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ: شَمَائِلُ رَسُولِ الله (ص) والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، يَا غُلَامُ مَا اسْمُكَ قَالَ: اسْمِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَأَقْبَلَ عَلَيْه يُقَبِّلُ رَأْسَه ويَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي، أَبُوكَ رَسُولُ الله (ص) يُقْرِئُكَ السَّلَامَ .."(3).

وهذه الرواية أصرحُ من التي سبقتها حيثُ اشتملتْ على قوله (ع): "فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْه قَالَ: يَا غُلَامُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ: لَه أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ" ثم أقسَم إنَّ شمائلَه شمائلُ رسولِ الله (ص).

وأورد الشيخُ الصدوق في كمال الدين روايةً أخرى مشتملةً على ما يقربُ من مضمون الروايتين السابقتين أوردَهها بسندِه عن جابر بن يزيد الجعفي (رحمه الله) ورد فيها: ".. قال جابر بن يزيد: فدخل جابرُ بن عبد الله الأنصاري على عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) فبينما هو يُحدِّثه إذ خرج محمد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام) من عند نسائه وعلى رأسه ذؤابة وهو غلام، فلمَّا بصُر به جابر ارتعدتْ فرائصُه، وقامت كلُّ شعرةٍ على بدنه، ونظر إليه مليَّاً، ثم قال له: يا غلام أقبِلْ فأقبَلْ، ثم قال له: أدبِرْ فأدبَرْ، فقال جابر: شمائلُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وربِّ الكعبة، ثم قام فدنا منه، فقال له: ما اسمُك يا غلام؟ فقال: محمد قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ عليِّ بن الحسين، قال: يا بُني فدتْك نفسي فأنتَ إذن الباقر؟ فقال: نعم .." (4)

وهذه الرواية أصرح من الروايتين السابقتين حيث أفاد فيها جابرُ الجعفي أنَّ جابرًا الأنصاري بصُر بالباقر (ع) حين دخوله فارتعدتْ فرائصُ جابر وقامتْ كلُّ شعرةٍ على بدنه ثم قال: "ونظر إليه مليًّا" ثم أمره بالأقبال والإدبار ليتحقَّق من شمائله. ثم أقسم بربِّ الكعبة انَّ شمائلَه شمائلُ رسول الله (ص). وممَّا يصلحُ للإستدلال به على أنَّ جابرًا الأنصاري لم يكن كفيفًا عند زيارته لقبر الحسين (ع) وأنَّه ظلَّ كذلك إلى وقتٍ متقدِّم من حياةِ الإمام الباقر (ع) ممَّا يصلح للإستدلال به على ذلك ما ورد في رواية اللوح المستفيضة والتي اشتملت على أسماء الأئمة الإثني عشر واحدًا بعد الآخر، ونذكرُ من طرقِها ما أوردَه الشيخُ الكلينيُّ في الكافي بسندٍ معتبرٍ عن أبي بصير عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (ع) قَالَ: قَالَ أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا فَقَالَ لَه جَابِرٌ: أَيَّ الأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَه فَخَلَا بِه فِي بَعْضِ الأَيَّامِ فَقَالَ لَه: يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَه فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (ع) بِنْتِ رَسُولِ اللَّه (ص) ومَا أَخْبَرَتْكَ بِه أُمِّي أَنَّه فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ فَقَالَ جَابِرٌ: أَشْهَدُ بِالله أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (ع) فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله (ص) فَهَنَّيْتُهَا بِوِلَادَةِ الْحُسَيْنِ ورَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحًا أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّه مِنْ زُمُرُّدٍ ورَأَيْتُ فِيه كِتَابًا أَبْيَضَ شِبْه لَوْنِ الشَّمْسِ فَقُلْتُ لَهَا بِأَبِي وأُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ الله (ص) مَا هَذَا اللَّوْحُ فَقَالَتْ: هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاه الله إِلَى رَسُولِه (ص) فِيه اسْمُ أَبِي واسْمُ بَعْلِي واسْمُ ابْنَيَّ واسْمُ الأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي وأَعْطَانِيه أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ: فَأَعْطَتْنِيه أُمُّكَ فَاطِمَةُ (ع) فَقَرَأْتُه واسْتَنْسَخْتُه فَقَالَ لَه أَبِي: فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَه عَلَيَّ قَالَ: نَعَمْ فَمَشَى مَعَه أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ فَقَالَ يَا جَابِرُ: انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ فَقَرَأَه أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفًا فَقَالَ جَابِرٌ: فَأَشْهَدُ بِالله أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُه فِي اللَّوْحِ مَكْتُوبًا".

ثم أورد نصَّ الكتاب المشتمل على أسماء الأئمة (ع)، وموضعُ الشاهد من الرواية هو قولُ الإمام الباقر (ع) لجابرٍ الأنصاري: "انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ، فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ فَقَرَأَه أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفًا" فهو صريحٌ بأنَّ جابرًا (رحمه الله) كان حينها بصيرًا يتمكَّنُ من النظر فيما كَتَب.

وأوردَ هذه الرواية الشيخُ الطوسيُّ في الأمالي من طريقٍ آخر ورد فيه فقال له -الباقر (ع)-: فهل لك أنْ تُعارضني به؟ قال: نعم. فمضى جابرٌ إلى منزلِه وأتى بصحيفةٍ من كاغد فقال له: انظرْ في صحيفتِك حتى أقرأَها عليك، وكان في صحيفتِه مكتوب .." (5).

فجابرٌ -بحسب الرواية-  كان ينظر في صحيفته - التي نسخها من اللوح الذي وجده عند فاطمة (ع)- والباقر (ع) يقرأُ عليه ليتثبَّت من مطابقةِ ما يقرأُ مع ما هو مكتوبٌ في صحيفةِ جابرٍ (رحمه الله).

وثمة طرقٌ ورواياتٌ أخرى يطولُ بعرضها المقام، والمقدارُ الذي أوردناه كافٍ للتثبُّت من أنَّ جابرًا الأنصاري لم يكن كفيفًا عند تشرُّفه  بزيارة قبر الحسين (ع) بعد مَقتلِه وأنَّ ما هو متداولٌ لدى بعض الأخوة الخطباء من أنَّه كان حينها كفيفًا نشأ عن الغفلة عن ملاحظة هذه الروايات المستفيضة.

وأمَّا ما أوردَه محمَّد بن أبي القاسم الطبري في بشارة المصطفى ممَّا يُوهم أنَّ جابرًا الأنصاري كان حينذاك مكفوفَ البصر فهو ممَّا لا يصلحُ لمعارضة هذه الروايات التي تفوقُ طرقها حدَّ الاستفاضة، على أنَّ ما أوردَه في كيفيَّة زيارة جابر (رحمه الله) ليس صريحًا بل ولا ظاهرًا في أنَّ جابرًا كان كفيفًا عند زيارته للقبر الشريف، فالعبارةُ التي قد يظهرُ منها بدْوًا أنَّ جابرًا كان حينها كفيفًا هي قوله لعطيَّة العوفي حين دنا من القبر الشريف: ألْمسْنِيه، فألمستُه، فخرَّ على القبر مغشيًا عليه ..." (6).

فهذه الفقرة من النصِّ ظاهرةٌ بدوًا في أنَّ جابرًا كان كفيفًا إلا أنَّه عند ملاحظة تمامِ النصِّ ينتفي هذا الظهور، فقد اشتمل النصُّ على أنَّ جابرًا بعد أنْ قرأ الزيارة وأبَّنَ الحسين (ع) قال: "وأشهدُ أنَّك مضيتَ على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا. ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلامُ عليكم أيُّتُها الأرواحُ التي حلَّت بفناءِ الحسينِ وأناخَتْ برحلِه ..."(7).


الهوامش:

1- سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج3 ص 194، 192، الإصابة -ابن حجر- ج1 ص 547، الأبواب (رجال الطوسي) -الشيخ الطوسي- ص 31، الأخبار الطوال -ابن قتيبة الدينوري- ص 316.

2- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص 435.

3- الكافي -الشيخ الكليني- ج1 ص470.

4- كمال الدين -الشيخ الصدوق- ص 353.

5- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص 291.

6- بشارة المصطفى -محمَّد بن أبي القاسم الطبري- ص 125.

7- بشارة المصطفى -محمَّد بن أبي القاسم الطبري- ص 125.

2021/09/20
زيارة الأربعين في مواجهة ’الكآبة’ و ’العُزلة’!
تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة "الأئمة الاثنا عشر"

كتب مرتضى معاش: زيارة الاربعين وتحديات تحقيق النهضة الشاملة

 

زيارة الأربعين مناسبة خاصة استثنائية ليس فقط بسبب القدسية العظيمة لهذه الزيارة بل هناك سبب آخر متمثل بالحشود الكبيرة التي تأتي من كل بقاع الأرض لزيارة المعشوق.

[اشترك]

وهذا الحماس الكبير الذي يملكونه جاء ضمن الانفتاح الكبير الذي حصل عليه الشيعة بعد ان كانوا محرومين منه قبل عام 2003، فقد كانوا يعيشون في ضنك وانغلاق تام وظلم واضطهاد ومازال الى الان الكثير يعانون هذه المعاناة، ولكن الشيعة في العالم والعراق بعد سقوط النظام البائد وحصول الانفتاح على العالم استطاعوا الوصول الى الامام الحسين (عليه السلام)، وهذا الدافع والحماس لم يخبو بل يتطور كل سنة.

وزيارة الأربعين بهذه الطاقة الكبيرة تفرض علينا ان ندرس هذه الظاهرة بشكل واسع من اجل تحقيق النهضة الشاملة وما نقصده هو النهضة الاجتماعية، السياسية، الاعلامية، الاقتصادية...الخ. وهذا تحدٍ كبير أمامنا كرجال دين وباحثين وحوزات دينية وجامعات ومراكز دراسات ومؤسسات ثقافية ونخب اكاديمية وثقافية وإعلامية وسياسية تفرضها علينا استحقاقات زيارة الأربعين.

وكذلك تحتاج الى وقفة عميقة مشتركة من خلال المؤتمرات والندوات ومراكز البحوث والدراسات للوصول الى الكيفية الصحيحة لاستثمارها في سبيل تحقيق التقدم الاجتماعي.

النهضة الاجتماعية

اليوم العالم يعيش تطورا تكنولوجيا كبيرا ووصل الى القمة بما يسمى بالذكاء الاصطناعي واعتماد المجتمعات على وسائل التواصل الاجتماعي مما جعلها تعيش حالة من الاختلال الثقافي والسلوكي وهذا ادى الى انعزال تام وأصاب الكثير حالة الاضطراب الفردي.

مما حدا ببعض الدول الاهتمام البالغ بإقامة المهرجانات والاحتفالات والتجمعات بهدف إخراج مجتمعاتهم من الحالة الفردية الى الحالة الجمعية من اجل تعزيز روح الجماعة، لان المجتمع الذي لا يوجد فيه تفاعل اجتماعي او تواصل يكون مجتمعا ميتا، فالانعزال يؤدي الى الكآبة والوحدة المقيتة.

ومن هنا علينا ان نعي ونعرف نعمة الزيارات وخصوصا زيارة الامام الحسين (عليه السلام)، فهذا التموج الجمعي الكبير التلقائي يدفع الناس لإظهار القيم الإنسانية النبيلة كالعطاء والتكافل والكرم التي تسهم في تعزيز الروح الجمعية وتكسر حواجز الانعزال والسلبية، فلابد ان ندرس هذه الحالة من اجل توطيد الثقافة المجتمعية والمشاركة الإنسانية التضامنية لترسيخ هذه القيم واستثمارها الشامل في الإصلاح الاجتماعي وتحقيق أمنيات الناس وتطلعاتهم.

وهذه المسؤولية تقع على عاتق النخب ولكن للأسف نلاحظ هناك بعض النخب تقوم بجلد ذاتها وجلد المجتمع عن طريق التعاطي مع هذه الظاهرة الجمعية الجميلة بطريقة سلبية وانتقادها، بينما الصحيح والمفروض هو استثمار هذه الظواهر كقيمة فكرية وتفاعلية في طريق الإصلاح والتغيير.

النهضة الاقتصادية

الانفتاح الشيعي على العالم له تحديات وواحدة منها هو التحدي الاقتصادي، وزيارات اهل بيت رسول الله (ص) بشكل عام والزيارات الحسينية بشكل خاص تعد من اهم الاسباب التي تحرك الاقتصاد العراقي.

ولكن هذا لا يكفي، لأنه يحتاج الى تنظير عملي لبناء الاقتصاد العراقي من قبل المفكرين والمتخصصين والمسؤولين وان يتناسب مع الحركة الاقتصادية الكبيرة ومحاربة الفساد والعمل على رفع العوائق الاستبدادية والبيروقراطية التي تعيق العملية الاقتصادية، فالكثير من المستثمرين في العالم يودون الاستثمار في الأماكن المقدسة للدوافع المعنوية ومعرفتهم الجيدة بفوائد السياحة الدينية، ولكن العوائق الداخلية والقوانين تشكل العائق الاكبر لهم.

فرغم الانفتاح الكبير الحاصل للعراق لكنه لم يتزامن معه بناء اقتصادي قوي ليسهم بتطور مدن العراق خصوصا المدن المقدسة كي تستوعب الزائرين.

ان الحكومة تواجه مشاكل كبيرة بسبب صراع الكتل السياسية التي تتداخل بها عوامل داخلية واقليمية. وواجبنا هو مشاركة مجتمعية لكافة المؤسسات والافراد في العمل على تغيير القوانين التي تمنع استثمار القطاع الخاص والتشجيع على تبني عقلية القطاع الخاص وتشغيل الأيدي العاملة في الصناعة والزراعة، وتحقيق التنمية في التعليم والصحة وبناء المدارس والجامعات.

والتأكيد في التعامل وفق نظرية الادارة الحديثة التي تحث على ثقافة الترشيد فهناك هدرٌ كبير في المال العام وازمة المياه تعد أحد أسباب الهدر ويجب ان نتعلم ونعلّم اولادنا على إدارة الموارد خصوصا الموارد المائية والكهربائية.

ويتحقق جزء من هذه الواجبات بسعينا نحن، كحوزات، جامعات، مؤسسات، واعلاميين، ورجال دين، حين نعمل على التثقيف الشامل وهذا يحتاج الى تغيير الافكار القديمة واستبدالها بأفكار جديدة تتناسب مع الانفتاح الحاصل.

النهضة في منظومة القيم

ان الامام الحسين (عليه السلام) عبرة وعبرة فأحداث عاشوراء تحرك العواطف وتهتز لها اقسى القلوب وتتزلزل لها الابدان فتترسخ في عمق الوجود الإنساني، فالبكاء في المجالس الحسينية هو علاج للمشاعر الانسانية حيث تتكسر جدران القسوة وتتفتت التراكمات لتفتح الطريق امام التغيير والاصلاح وبناء منظومة القيم النبيلة، فعندما يتعاطف ويتفاعل الشخص مع قضية ابي الفضل العباس (عليه السلام) يكون في محاولة لممارسة قيمة الوفاء وخصوصا الوفاء للقضية الحسينية ومبادئها السامية، فكل القيم الإنسانية العظيمة موجودة في عاشوراء، لذلك فان التكامل بين العبرة والعبرة في النهضة الحسينية هو من اجل بناء الانسان واصلاحه في امتداد مستمر الى يوم القيامة.

2021/09/19
’المرجع الحكيم’: الحوزات العلمية.. شرايين التشيّع

لقد أكد الأئمة عليهم السلام على التفقه في الدين، وعلى كتابة الكتب وتدوين العلم، ومذاكرته وتدارسه وتعليمه، وعلى إحياء أمرهم (عليهم السلام)، وأن به حياة قلوب شيعتهم. وبذلك قام للشيعة كيان علمي وثقافي متميز، حملته وحافظت عليه الحوزات العلمية في مختلف بقاع الأرض التي يتواجد فيها الشيعة.

[اشترك]

وقد رعى الأئمة (صلوات الله عليهم) هذه الحوزات مدة تزيد على قرنين ونصف، ووضعوا الضوابط العامة لها، وراقبوا مسيرتها، حتى تأقلمت مع نهجهم عليهم السلام وحملت بصماتهم، وتفاعلت مع مفاهيمهم، بحيث أمنوا عليها من الزيغ والانحراف.

ونتيجة لذلك تميزت هذه الحوزات بالإهتمام بالبحث عن الحكم الشرعي، وأخذه من مصادره الأصيلة وحججه المعذرة بين يدي الله تعالى، وبالحفاظ على حدوده وحرفيته، بعيداً عن التخرص والتسامح، وعن التأثر بالجهات الخارجية من سلطان أو عرف اجتماعي أو غير ذلك، جرياً على نهج أهل البيت (صلوات الله عليهم)، والتزاماً بتعاليمهم الموافقة للفطرة، وحكم العقل السليم.

تحديد الاجتهاد عند الشيعة

وذلك هو الاجتهاد الذي بقي مفتوحاً عند شيعة أهل البيت أعز الله دعوتهم، واستمروا عليه هذه المدة الطويلة، وليس الاجتهاد عندهم تطويع الحكم الشرعي لأوضاع المجتمع القائمة وتطبيعه وتحويره بما يتناسب مع الظروف المختلفة، والمؤثرات الطارئة.

وبذلك أمِن الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) على تعاليمهم‌ الشريفة وثقافتهم السامية من الضياع والتحريف والتحوير.

ولهذا أمكن وقوع الغيبة الكبرى بانقطاع خاتم الأئمة المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عن الاتصال المباشر بالشيعة، لاكتفاء الشيعة بما عندهم من تعاليم وثقافة دينية تقوم بها الحجة عليهم، وعلى الناس من مختلف الفئات والأديان والمذاهب‌ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ (1).

وكأنه إلى ذلك يشير حديث المفضل بن عمر قال: «قال لي أبو عبد الله (ع): اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم» (2).

ظهور المرجعيات الدينية بضوابطها الشرعية

وقد انبثقت من تلك الحوزات - نتيجة الحاجة الملحة، خصوصاً بعد الغيبة الكبرى- المرجعيات الدينية، بضوابطها الشرعية المعذرة بين يدي الله عز وجل.

وعمدة تلك الضوابط - بعد العلم بأحكام الدين- العدالة بمرتبة عالية تناسب ثقل الأمانة التي يعهد فيها للمرجع، وهي دين الله تعالى القويم، حيث يتعرض المرجع لضغوط نفسية وخارجية كثيرة في عملية الوصول للحكم الشرعي، وفي الفتوى وتثقيف عموم المؤمنين به.

فلابد من قوة العدالة، تبعاً لشدة الخوف من الله عز وجل، لتكون حاجزاً دون الإنحراف أمام تلك الضغوط ومانعاً من الإستجابة لها مهما اشتدت.

بعض الأحاديث في ضوابط التقليد

وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه بعد أن ذمّ اليهود بتقليدهم لعلمائهم قال: «وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فإنه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة، فلا تقبلوا منّا عنه [منهم عنا. وسائل‌] شيئاً، ولا كرامة ...» (3).

وكان نتيجة ذلك أمور:

إرتباط الشيعة بمرجعياتهم الدينية عملياً وعاطفياً

أولها: إرتباط الشيعة بمرجعياتهم الدينية عملًا، لحاجتهم لها، بسبب شمولية التشريع الإسلامي لجميع شؤون الإنسان ومفردات حياته.

ثانيها: إرتباطهم بمرجعياتهم المذكورة عاطفياً ولاءً واحتراماً، بسبب اعتقادهم بتدينها، بحيث تكون أهلًا لإئتمانهم لها على دينهم، فكأنها واجهة لأئمتهم (صلوات الله عليهم)، وممثلة لهم عليهم السلام.

ولاسيما مع شعور هذه المرجعيات بمسؤوليتها إزاء المؤمنين، في إصلاح‌ أمرهم، وتوحيد كلمتهم، وعلاج مشاكلهم، وتخفيف أزماتهم، ومواساتهم، ومدّ يد العون لهم، حيث أوجب ذلك الشعور المتبادل بأبوة المرجعية الدينية، وتوثق الروابط بينها وبين المؤمنين.

ثالثها: أن للثقافة الدينية والحكمة والتقوى والإخلاص والإهتمام بصلاح الدين والمؤمنين أعظم الأثر في تقريب وجهات النظر بين مراجع الدين في أداء وظيفتهم، وتخفيف حدّة الخلاف بينهم، بنحو يؤدي إلى موقف موحد أو شبه موحد في توحيد الشيعة ومعالجة مشاكلهم، بالرغم من فتح باب الإجتهاد، وتمتع الجميع بالحرية في اختيار المواقف المناسبة.

قيادة المرجعية للأمة

وبذلك استطاعت المرجعية الشيعية قيادة الأمة وتوحيدها في عصر الغيبة الطويل، حيث لا إمام ناطق تجب طاعته، ولا يتمتع المرجع - واحداً كان أو أكثر- بقوة مادية قاهرة ترغم على متابعته.

نعم لاريب في أن للتسديد الإلهي أعظم العون على ذلك، مشفوعاً برعاية إمام العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي يكون الإنتفاع به في غيبته كالإنتفاع بالشمس إذا جلّلها السحاب.

العمق التاريخي للمرجعية

ومن الملفت للنظر أن هذه المؤسسة بقيت ما يقرب من أربعة عشر قرناً مستمرة في فاعليتها وعطائها، محافظة على وظيفتها وأهدافها واستقامتها، رغم كل المعوقات والمثبطات الداخلية والخارجية التي تعرضت لها في تاريخها الطويل، وهي حالة فريدة من بين المؤسسات الأخرى الدينية وغيرها.

ويزيد في العجب أنها في مدة أحد عشر قرناً من مبدأ الغيبة الكبرى تفقد القوة الملزمة مادياً أو دينياً، بل تعتمد على القناعة الشخصية من المرجع والأتباع بأداء الواجب والقيام بالوظيفة الشرعية، مع ما هو المعلوم من تعرض وجهات النظر للإختلاف.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد المرجعيات ويمدها - ببركة إمام العصر (صلوات الله عليه) - بالتوفيق للثبات على السير في الطريق المستقيم، ويوفق المؤمنين للتجاوب معها والتلاحم، من أجل أداء الوظيفة، والخروج عن التكليف الشرعي، إنه المسدد للحسنات، والعاصم عن السيئات، والناصر للمؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


الهوامش:

(1) سورة الأنفال الآية: 42.

(21) الكافي ج: 1 ص: 52. كشف المحجة لثمرة المهجة ص: 35. وسائل الشيعة ج: 18 ص: 56. 

(3) الاحتجاج ج: 2 ص: 264، واللفظ له. وسائل الشيعة ج: 18 ص: 95.

المصدر: مقتطف من كتاب فاجعة الطف للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، ص548-552.

2021/09/19
من الشام إلى كربلاء.. ما حقيقة رجوع السبايا في ’الأربعين’؟!

المشهور بين علمائنا أنّ رجوع موكب سبايا أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء كان في يوم الأربعين. 

[اشترك]

وذهب بعضهم إلى استبعاده نظراً إلى عدم سعة الزمان لذلك. 

وأمّا إمكان ذلك بحسب الوضع الطبيعيّ فبهذا البيان: 

إنّ السبايا توجّهوا ظهر اليوم الحادي عشر من محرّمٍ إلى الكوفة ، ودخلوا الكوفة في اليوم الثاني عشر. 

وفي نقْل سبط ابن الجوزيّ أنّ ابن زيادٍ جهّز الرؤوس والسبايا في اليوم الثاني إلى الشام. تذكرة الخواصّ ص234. 

فيكون اليوم الثالث عشر أو الرابع عشر من محرّمٍ هو يوم انطلاق موكب السبايا إلى الشام. 

وهذا النقل قريب من الواقع، فابن زيادٍ جهّزهم وأرسلهم سريعاً إلى الشام خوفاً من اضطراب الوضع في الكوفة. 

والمشهور بين علمائنا أنّ السبايا دخلوا الشام في الأوّل منْ صفرٍ. 

قال الشيخ عباس القمّيّ: ( قال الشيخ الكفعميّ وشيخنا البهائيّ والمحدّث الكاشانيّ: في أول صفرٍ أدخل رأس الحسين عليه السلام إلى دمشق ، وهو عيد عند بني أميّة ، وهو يوم تتجدّد فيه الأحزان: 

كانتْ مآتم بالعراق تعدّها *** أمويّة بالشام منْ أعيادها 

وحكي أيضاً عن أبي ريحان في الآثار الباقية أنّه قال: في اليوم الأوّل من صفرٍ أدخل رأس الحسين عليه السلام مدينة دمشق فوضعه يزيد بين يديْه ونقر ثناياه بقضيبٍ في يديه ويقول: لست منْ خنْدف. .الخ ) نفس المهموم ص391 ، مصباح الكفْعميّ 510 ، توضيح المقاصد للبهائيّ ص4 ، تقويم المحسنين للكاشانيّ ص15 ، الآثار الباقية للبيرونيّ ص331. 

فيكون مجموع مسيرهم من الكوفة إلى الشام سبعة عشر أو ستة عشر يوماً. 

وهذه الفترة مدة طبيعية جداً لسير قافلةٍ من الكوفة إلى دمشق ، فالقوافل تقطع هذه المسافة بأقلّ منْ هذه المدة بكثيرٍ. 

وأمّا فترة بقائهم في دمشق: فلمْ يدمْ طويلاً، قال المفيد: " أقاموا أيّاماً " الإرشاد ج2 ص122 ، ولعلّها زهاء عشرة أيامٍ ، كما رواه المجلسيّ في البحار ج45 ص169 ؛ لأنّ الوضع اضطرب في الشام على يزيد ، بعد خطبة الإمام السجّاد والسيدة زينب ، وإقامة النّوْح والبكاء والمأتم على الإمام الحسين عليه السلام ، فجهّزهم يزيد سريعاً إلى المدينة ، ومن هنا نستبعد بقاءهم إلى شهرٍ أو أكثر في دمشق. 

 

فكان خروجهم في يوم الحادي عشر من صفرٍ أو قبل ذلك ، فتكون مدة مسيرهم من دمشق إلى كربلاء عشرة أيامٍ أو أكثر ، وهذا قريب من الواقع؛ لأنّ رجوعهم كان من الطريق السريع ، وليس من الطرق الوعْرة الطويلة. 

وبناءً على هذا: فمن المحتمل والقريب جداً على طبق هذه الروايات أنْ يكون رجوعهم إلى كربلاء في اليوم الأربعين. 

 

2021/09/19
زائرات الحسين وفراشات السلام.. إليكنّ هذه النصائح

كتبت مريم الخفاجي:

عزيزتي المؤمنة بوركتِ من قاصدةٍ نحو سفينةِ النّجاة في  زيارة الأربعين، وأنت أهلٌ أن تركبي السَّفينة بسُرعةِ وأمانِ، فلنقف جزاكِ الله خیراً وقفة بسيطة، لنتزود جميعاً من ألطاف الحُسين [عليه السلام]

[اشترك]

حتماً ياعزيزة الزّهراء وشريكتها بالعزاء، أنَّك تعلمين أن ماسنذكره إنما هو لأجل أن نتسلح بالعلم لتزداد قلوبنا قوة في الله،  و انكساراً لمصاب أهل بيت رسول الله [صلى الله عليه وآله]، فتنزف ألماً لشدّة هول الفجیعة، لذا ما أجمل أن نجعل من أولويات منهاجنا بالمواساة مايلي:

-تجدید العهد بالوَلاء و البقاء علی خُطی سیّد الشُّهداء، والإستمرار في إحياء شعائر الله فهي من تقوى القلوب.

-عدم الاكتفاء بالحُزن الذي يضجّ في صدورنا، وعلينا حثُّ السَّير في السّعي لإظهاره بشتى الطّرق المُمكنة والمقبولة شرعاً، فنحن في طريقٍ محفوفٍ بالأحزان، مشوب بذكريات الوجع والظلم على رسالة السّماء.

-فضلاً عن أداء الصّلاة الواجبة في وقتها و التي تعد من علامات المؤمن، فالإجتهاد في إقامة النوافل مع المستحبات المؤكدة والممارسات المقبولة التي تعبّر عن الحزن والرثاء كاللّطم، والنُّدبة، و حضور مجالس العزاء أو إقامتها هي من لوازم هذه الأيام الشريفة، فإنّ حجم الإنفعال يُبَيّن عَظَمَة الفجيعة.

-الزيادة في طلب التعجيل بالفرج للإمام صاحب الزمان [عجل الله تعالی فرجه الشریف] فإن فرجنا بفرجه.  

-تجسيد الإيثار الحسيني، ومحاولة إيصاله للأُمَم التي هي بحاجة لأن تستشعر نهضة وقيم الإمام الحسين [عليه السلام].

-العمل على تزكية النّفوس من خلال البُكاء و بيان الجزع على المقتول بأرض الطفّ، فهو مُحِطّ للذنوب، رافع للدرجات، بل هو من الوصايا المتكررة للأئمة المعصومين [عليهم السلام].

-السّعي لتحصيل الخشوع، و زيادة رقّة القلب من خلال التَّفَجُّع على أوجاع بيت الرّسالة.

-إشراك المؤمنين بالأعمال لاسيّما الشهداء الأبرار والصُّلحاء، فهم إمتداد تلك النهضة العظيمة.

-طوبى لكِ يا فراشة السّلام فنور الحسين [علیه السلام] بانتظارنا، أما أن نكون ممن يستحق عنوان "زائرة الحسين" فهي نظرة أُوليَت لنا من صاحبة العزاء الأولى مولاتنا الزهراء [عليها السلام]، فما أجمل أن نهدي إليها  أداء حقّ هذه النّظرة، بأن نقدّم لها قلوباً طاهرةً من ضوضاء الشُّبُهات، خالصة النيّة، جادّة في إعادة الرّوح نحو بوصلة الحياة الحقيقيّة، فنحن لازلنا في فرصة من صنف النَّجاة.

-ياشريكة زينب بالعزاء، هنيئاً لكِ فنحن في مهمة مُشَرِّفة أرادتها لنا سيدتنا زينب الحوراء [عليها السلام]  لنساعدها في نقل صوتها المحمديّ الحسينيّ إلى العقول فتنيرها، فهي مازالت تصرخ بوجه مَن زَيَّفَ الدّين لتظهر حقيقته جلية ونسأل الله أن نكون جديرات بذلك بأن نكون خير عون على طاعة الله.

 -وأعلمي أختي، أننا في سفرٍ في أيام الله، و جدير أن يكون العبد فيها سائراً نحو الكمال، یطلب رضا مولاه وما أنتِ فيه من عفّةٍ وحجاب ومواساة لأهل البيت [عليهم السلام] في مصابهم يدعو إلى الفخر والإعتزاز، حماكِ الله ممن يريد النيل من طهارتكِ التي باتت مضرباً للأمثال، فلنكن يداً واحدة وسدّاً منيعاً أمام من لاينظر بنور الله ويسعى لتدنيس هذه الصورة ولنُحارب أضدادها بسلاح  العفة الزينبية.

-عزيزتنا العفيفة، مشينا نحو كربلاء إحياء للحِجاب والعفاف، فعلى عاتقنا اليوم مسؤولية تهاجمها القوى الإستكبارية، فهم يحاولون محو أثر زينب المرأة العالمة، فعلينا أن نوصل للعالم صوت الحسين أرواحنا فداه الذي مابرح يوصي نساءه وبناته بأن لايرى منهن الأعداء ما يجلب الشّماتَة، فاعلمي حماكِ الله :

أن لباسنا المحتشم الفضفاض وعباءتنا الزینبیة، البعيدة عن الضِّيق والشَّفافِية هو إنتصار كربلائي.

أن مشيتنا البعیدة عن الرِّجال، والإبتعاد عن الأماكن التي تُعرِّضنا للإختلاط المذموم هو إنتصار كربلائي.

أن صمتنا الحَيِيّ الذي إعتدنا عليه في بيوتنا المحبة للحسين [علیه السلام] لهو خنجر في قلب العدوّ، وإنتصار كربلائي. 

إن وجوهنا التي مابرح الإمام الصادق [علیه السلام] يدعو لها بالرّحمة، مابرحت تحسب إنتصاراً كربلائياً.

أن نصائحنا التي يملؤها الرفق والتي أصبحنا نُعرف بسيماها، وإعانتنا على الخَير والصّلاح لبعضنا هو تجسيد لأمر الحسين بالمعروف ونهيه عن المنكر، وهي إنتصار كربلائي.

أختي الحسينية، تفقهنا بأمورنا و انتباهنا لكل جوانب أفعالنا شَرعاً، وسؤالنا  إذا ما ألمّت بنا مسألة، وحذرنا  من أن نجتهد إجتهاداً شخصیاً هو تبرئة  للذمّة، و إذا ما واجهنا أختا بحاجة لجواب سؤالها الشرعي فيمكننا ارشادها لما یلي: 

1. إن أغلب المواكب المباركة يوجد فيها نساء مؤمنات من أهل العلم والفضيلة بإمكانها الرجوع لهنّ. 

2. إذا لم تظفر الزائرة بمبلغة، فيمكنها الإستنجاد بأحد من محارمها لیسأل بدلاً عنها أحد طلبة العلم الأفاضل المنتشرين على الطريق.

3. وإذا تقطعت  بها السُّبل، فیمکنها الإستعانة بإحدى الأخوات من أصحاب العلم الموثوقات، تكون قد هيأت رقماً لها مُسبَقا قبل بدئها بالمَسير نحو أبي عبد الله [علیه السلام]  لتكون لها عوناً في حالاتِ الحَرج.

هذا ونسأل الله أن يكون سفرنا سفراً إلهيّاً مُبارکاً، ندخل به السّرور علی قلوب موالینا الأطهار [علیهم السلام]، ونفقَأ به أعين الشّامتين، ونرد به السّهام الموجِعة عن قلب صاحب الأمر المنتظر [أرواحنا له الفداء]، ونساعد في تعجيل ظهوره المقدس بوعينا، والتزامنا وحفظنا حدود الله.

 

2021/09/18
الطغاة يخشون ’زيارة الأربعين’: عامة الناس لا يمكن مقاومتهم!

تنويه: النص مقتطف من محاضرة لسماحة المرجع الراحل (قدس)

الشيء الذي لابد أن يهتم به الإنسان هو عامة الناس فلابد أن يهتم بهم، وكما قلتها عندما كنا في لندن حينما تجري بعض الأحاديث قلت انا أقول لكم لا رجال الدين ولا المثقفين ولا أهل المال ولا أهل الوظائف هؤلاء جميعهم القضاء عليهم سهل.

[اشترك]

رجال الدين يقتلون يشردون، أهل المال تصادر أموالهم وتذهب، أهل الوظائف يعزلون من وظائفهم وينتهون، أهل الوجاهة يمكن أن يجاملون، لكن العامة لا يمكن مقاومتهم، شعب صعب مقاومته ليس واحد واثنين وخمسة وعشرة.

هذا الشيء الذي يحصل الآن والمراسيم وهذا الاندفاع غير المحدود، وبشجاعة فوق المتعارفة، عندما يقول لي أحد من جماعتنا لنذهب الى المشي أمسك قلبي؛ مازلت خائف؛ لكون الوضع حرج، هؤلاء لم يفكروا هذا التفكير بل يسيرون بقناعاتهم، لماذا لم يفكروا لا أعلم. لكن المهم بوجود حالة تصميم، وهذا التصميم ينصر الدعوة بنصر غير طبيعي، فهؤلاء العامة لهم كل الأهلية، الإنسان لابد أن يتوجه لهم بكل جهاته، حتى في تكريمه النفسي لهم لا أن يكرمهم خارجاً، بل ليرى لهم من الشأن في نفسه، لا أن يصورهم أنهم شيء عادي، ولا يفكر أن عنده معرفة، بل ليعرف أن الحق لهؤلاء، ومن جانب آخر يلزمه أن يشجعهم بما يستطيع.

أنا الآن شخصياً لو كان يتيسر لي أن أشارك في هذه المواسم أذهب للمشاركة، لابد أن تشعر الناس أن هذه القضية ليست كونها مبنية على أنها تختارها الطبقة العامة المنعدمة، لا لتبين على أنها قضية يشارك بها الجميع، لكن ماذا أصنع مع الظروف ولو تحسنت وأصبح هنالك مجال قطعاً سأشترك، وليس بالضرورة أن أشترك بالكل لكون قدمي لا تساعدني، بل اشترك ولو ببعض الشيء، وهذا في بالي ليس من اليوم بل من السابق.

من الحديث الذي حدث مع صدام مع بعض جماعته في التعرض الى قضية (البيادة) -المشي سيراً على الاقدام- وكانت عبارة أحدهم (هو من يمشي بيادة، قابل فد يوم سيد محسن الحكيم مشى بيادة) تكلم أحدهم بهذا الكلام ولكن قطعوا الحديث لأنهم يريدون التذكير بالسيد محسن الحكيم، أنا في نفسي قلت ان شاء الله إذا الله سبحانه وتعالى مكنني أنا سوف أمشي، حتى يفهم أن سيد محسن الحكيم يمشي أو لم يمشي.

 هذا يعني أننا نريد أولاً احترامنا النفسي لهم حتى الله سبحانه وتعالى يرأف بنا ويعتبرنا نعترف بالحقيقة ليس لنا حالة تكبر على أحد، هؤلاء لهم مقامهم الرفيع؛ لأنهم هم الذين قادوا الدعوة وهم حفظوها، يلزم أن يكون هذا في نفوسنا، أضف الى ذلك ما نستطيع أن نشجعهم به مما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

بلغكم أو لم يبلغكم أن جاءني بعض الأشخاص المرتبطين بالمراكز العليا بعد عشرة محرم يوم أربعة عشر أو خمسة عشر من محرم، تكلم بكلمة وأنا لم أنتبه لها وبعد فترة فهمت كلامه بأن هؤلاء الشيعة من أي بشر؟، في وقت الشجاعة شجعان لديهم تصميم، أجروا الانتخابات مع المقاومات ومع القتل بذلك الاصرار، هذه المواكب الحسينية وما فعلوه في العشرة من المحرم مع وجود الخطر هم بقوا مصممين، من له هكذا قوة تصميم كيف لديه قوة صبر بحيث يُقتل ولم يعد فما هو المسيطر عليه وأي قوة غير طبيعية هذه، قال هذا حديث خاص، هؤلاء بشر يحيرون العقول، لديهم قوة ولم يكونوا خانعين، بل عندما يريدون فعل شيء يفعلوه، أجروا انتخابات هذه قضية ليست بالسهلة، وهذه مسيرة كربلاء موجودة، مسيرة الكاظمين موجودة، ونصبوا مجالس العزاء عشرة أيام.

هم لديهم إحصائية أحسن مني والإحصائية أن كربلاء هذه السنة أشد وأكثر تجمعاً من السنة الماضية، أكيداً مع الحذر ومع التفتيش ليس كما السابق، مع هذا كانت بهذا العدد الهائل، من لديه هكذا قوة تصميم وهكذا حيوية وهكذا إصرار كيف يصبرون مع التحديات الموجودة، هؤلاء استطاعوا أن يرفعوا شأن الطائفة، ونحن من دونهم ليس لدينا شيء ولم نستطيع فعل شيء.

هذه المواسم لابد أن يهتم بها الإنسان بقدر ما يستطيع، ويهتم بهم أيضاً بما يستطيع، يكرمهم بما يستطيع، يشجعهم بما يستطيع.

السلبيات موجودة عند الخاصة وعند العامة ليس فقط عند العامة، لكن الخاصة ربما تكون مسؤوليتهم أكثر، والعامة قد تكون سلبياتهم مغفورة قبل أن تكون سلبيات الخاصة مغفورة، لهذا الشيء الذي يقتضي للإنسان ان يأخذ القضية بعين الاعتبار، وهذا ليس في هذا البلد فقط بل في كل البلاد، لكن هنا صار مورد احتكاك وأصبح شيء ملفت للنظر وإلا كل البلاد الان الحمد لله رب العالمين قضايا الحسين والمراسم محفوظة، هذا الشيء المهم الذي يلزم للإنسان الحفاظ عليه، لان هؤلاء يثبتون حقائق ويثبتون وجود ويثبتون كيان، فلابد من معرفة اهميتهم بها، وأرجوا ان تكون توجهاتكم لهذه الفضية واهتمامكم بها ونسال الله سبحانه وتعالى أن يسدد ويحفظ ويتقبل ويصلح الشؤون ويدفع البلاء.

2021/09/16
زيارة الأربعين في فقراتها المهمّة ومفرداتها المبهمة!

المعروف بين أهل الإيمان أنّ هناك صيغتان لزيارة الإمام الحسين (صلوات الله عليه) في يوم الأربعين:

[اشترك]

الأولى: قد وردت على لسان الصحابي جابر الأنصاري (رضوان الله عليه) في سياق السرد التاريخي لحدث زيارة هذا الصحابي الجليل بصحبة عطيّة العوفي في القصّة المشهورة، وليس الكلام عنها هنا، وإنّما الكلام عن نصّ الزيارة الثانية بصيغتها الشرعيّة المعصومية التي جاءت عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وهي أقدم نصّ يؤسس لعنوان :"زيارة الأربعين" على نحو صريح، وما زال المؤمنون إلى يومنا هذا يتداولون قراءتها من مفاتيح الجنان عند زيارة الإمام في العشرين من صفر؛ ومن أجل ذلك كلّه: سنسلط الضوء على متنها بإبراز بعض فقراتها المهمّات، وتوضيح مفرداتها المبهمات:

  • ثلاث فقرات مهمّات:

في متن زيارة الأربعين مقاطع وجمل لا يسع استيعابها في مقال موجز، خذ مثلاً جملة: "وأعطيته مواريث الأنبياء"، فإنّها تختزل وتطوي، وتستبطن وتُجمِل وتجمع وتلف ما تفرّق وفصّل، وبيّن وشرح، ونشر وفُسّر في الزيارة المعروفة بزيارة وارث؛ لكن عملاً بقاعدة: مالا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فإنّنا نخصّ ثلاث فقرات مهمّة في هذه الزيارة الشريفة:

١.أوّلها ما في صدر الرواية، وهو قول صفوان الجمّال: "قال لي مولاي الصادق (صلوات الله عليه): "في زيارة الأربعين، تزور عند ارتفاع النهار.."!.

وهذه الفقرة بالغة الأهميّة؛ لأنّه تثبت أن مصطلح (زيارة الأربعين) مصطلح روائي يراد به زيارة الإمام الحسين في العشرين من صفر أي بعد مضي أربعين يوماً على استشهاده، ولذلك أدرج العلماء النصوص التي ورد فيها المصطلح آنفاً تحت عنوان: زيارة العشرين من صفر، أو زيارة الأربعين.( انظر-الطوسي: تهذيب الأحكام ٦ / ١١٣ ح ١٧ من باب ٥٢، ومصباح المتهجد،ص788).

ومن ثمّ يندفع بهذه الفقرة أكثر من اعتراض على الزيارة نفسها، أوعلى غيرها، وفيما نموذجين من الاعتراضات المدفوعة بها: 

الاعتراض الأوّل -إنّ"ادراج الطّوسي لها[الزيارة] في أعمال العشرين من صفر لا شاهد روائيّ عليه أصلاً"!،ونؤكّد مرّة أخرى أنّ أساس الاعتماد في المقام ليس هو مجرّد إدراج الطوسي أو غيره على الرغم من أهميّة مثل هذا الإدراج كما لايخفى على أهل العلم، إلا أنّ المعتمد هي فقرة من ضمن الرواية، و جزء من داخل متن الحديث أعني قول صفوان عليه الرحمة والرضوان:

قال لي مولاي الصادق: في زيارة الأربعين تزور عند ارتفاع النهار..!

الاعتراض الثاني: على حديث علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين.. يقول صاحب الاعتراض مفسّراً عبارة "وزيارة الأربعين" في الحديث: "بعض الناس يتصور أن زيارة الأربعين هي زيارة الحسين في يوم الأربعين، لا، مش هيك [ليس هكذا، بل المقصود] زيارة أربعين مؤمن."، وبالرغم من عدم وجود أي أساس لهذا التفسير، فإنّ حديث صفوان في فقرته آنفاً يدفع هذا الاحتمال بشكل قاطع، ويفسّر المقصود على نحو واضح وساطع.

٢."وبذل مهجته فيك؛ ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة"، وحسب أهل اللغة (كما في مجمع الطريحي) فإنّ الفعل (بذل) يعني الإباحة عن طيب نفس، وهكذا كان (عليه السلام) فقد أباح نفسه لله تعالى راضياً قانعاً مسلّماً؛ فورد عنه أنّه (عليه السلام) قال: إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى.. والمهجة هنا هي: الروح، والجهالة غير الجهل، فالجهل عدم العلم، بينما الجهالة هي زوال القوّة العاقلة.

هذا، وتمثّل الفقرة آنفاً سماء الزيارة وقدحها المعلّى وقمتها، وذروتها و شُرفتها؛ لأنّها تحدّد وبإيجاز غير مخل: غايةَ النهضة وغرضها، وتختصر عرض الأهداف والفوائد، والثمار والنتائج لحركة سيد الشهداء وفاجعته، وهي إذ تكشف عن ذلك وتنيره، وتسفر عنه وتوضّحه بالرغم من أنّه مطلب معتاص، ومركب صعب؛ لذا اختلفت الآراء، وتعدّدت الرؤى، وتنوّعت المسالك حسب المشارب في بيان أهداف الحركة الحسينية، والمقال لا يطمع في تفصيل هذا المرام الصعب، والحمى المنيع، لكنّ من المفيد أن أنقل ما توصل إليه أحد المراجع الكبار، ونتيجة لدراسة مطوّلة في هذا السياق كتب يقول:

الذي ظهر لنا من فوائد نهضة الإمام الحسين وثمراتها هو إكمال مشروع أمير المؤمنين في إيضاح معالم الدين، وسلب شرعية السلطة التي كانت تتحكم فيه، وتركيز دعوة التشيع، ودفعها باتجاه التوسع والانتشار، وبعد حصول ذلك كله بجهود الأئمة الأولين (عليهم السلام) وخاصة شيعتهم وتضحياتهم، التي بلغت القمة في فاجعة الطف، لا يبقى مبرِّر للتضحية من الأئمة الباقين (عليهم السلام) أو من شيعتهم (السيد محمد سعيد الحكيم رحمه الله-فاجعة الطف،ص493).

وهذا ما حدث بالفعل، فقد قرّبت كربلاء البعيد،  واختزلت الطريق وأظهرت المخفي وبيّنت الملتبس وعرّبت المستعجم وأوضحت المشتبه، وميّزت الصفوف، وفصلتْ وبمنتهى الجلاء والوضوح بين الحق و الباطل، والحجّة والشبهة، والحسن والقبح.. وفرزت العامر عن الغامر، والمنصف من المعاند والجاحد.!

٣. ومن الفقرات المهمّة في الزيارة هي قوله:"ونصرتي لكم معدة، حتى يأذن الله لكم"، ومنشأ أهميتها أنّها تربط الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، وتوثق الصلة بين ما كان وما ينبغي أن يكون، وترسخ العلاقة وتشدها بين قضية الحسين والمهدي، إنّها بإيجاز الفقرة الخاصة بالإعداد والتمهيد، ولن تعدم الفقرة الشبه من هذه الناحية مع سائر الزيارات الأخرى ففي عاشوراء مثلاً نقرأ نظير هذا الربط: وأن يرزقني طلب ثاري أو ثارك مع إمام منصور..

وقد تناولتْ الفقرة الإشارة إلى ثلاثة مفاهيم : النصرة، والإعداد، والظهور:

- أمّا النصرة، فما ينبغي للزائر المؤمن معرفته أنّ نصرة أهل البيت وتأييدهم قوامها أولاً وقبل كلّ شيء تقع من الله تعالى وتأييده لهم، ثمّ نصرة المؤمنين ثانياً. {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال : 62] غاية الأمر أنّ نصرة الله تعالى ثابتة، وتأييده لهم دائم ولا يخضع للزوال والتغيّر{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ}[التوبة : 40] وأمّا نصرة المؤمنين فتخضع لقانون الاستبدال والتغيير "واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري". 

- وأمّا الإعداد قبل المواجهة، والاستعداد الذي يسبق الحرب الفكرية أو الثقافيّة أو العسكرية... فتتفق كلمة العلماء على أنّ مفهوم الإعداد مفهوم عام ثابت، وهو مطلوب على كل حال، إلا أنّ آلياته وكيفياته ومصاديقه تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فرباط الخيل في الآية مثلاً: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال : 60] يتناسب والمرحلة آنذاك، ولا شك أنّه يختلف عنه الآن، حيث الفضائيات وعالم النت ووسائل التواصل، والمناخ السائد غالباً هي الحرب الإعلاميّة والفكريّة والعقائديّة.

- وتشير جملة"حتى يأذن الله لكم" إلى الرجعة وعصر الظهور كما هو واضح، ويشهد له ما في الزيارة الجامعة الكبيرة: "وَنُصْرَتى لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِىَ اللهُ تَعالى دينَهُ بِكُمْ، وَيَرُدَّكُمْ في اَيّامِهِ، وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ، وَيُمَكِّنَكُمْ فى اَرْضِهِ " ومعنى ذلك أن النصرة مستمرة، والإعداد قائم ودائم طيلة فترة الغيبة الكبرى، وأنّ منتهى ذلك ونهايته وغايته وحدّه ومنتهاه هو أن يأذن الله تعالى لدينه بالسيادة التامّة، والظهور المطلق، والغلبة الكاملة على كلّ الإتجاهات والمذاهب والأديان ويسود الأرض ويعمّ المعمورة كلّها؛ حتى لا يقول قائل: إنّا لو ولينا لعدلنا، كما في الخبر.. ولم يتحقق مثل هذا الظهور ولن يتحقق إلا في عصر الظهور الشريف؛ لذا جاء في الحديث الصحيح في تفسير قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) قَالَ: يُظْهِرُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ..(انظر-الكافي،ج1،ص432).

- وأمّا مفردات الزيارة المبهمات، وعبائرها المجملات فأبرزها:

١. أسير الكربات: الكُربة بالضم هي الغم الذي يأخذ بالنفس، وجمعها كربات، وكرب كغرفة وغرف، و منه الدعاء: يا مفرّج عن المكروبين..

٢. وذائدا من الذادة: الذَّوْد السَّوق والطرد والدفع تقول ذُدْتُه عن كذا وذاده عن الشيءِ ذَوْداً وذِياداً ورجل ذائد أَي حامي الحقيقة دفاع من قوم، وفي حديث النبي لعلي (ص): أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة.

٣. فأعذر في الدعاء: العُذْر اسم للحجة التي يُعْتَذر بها، والمصدر هو الإِعْذار، وأَعْذَرَ بمعنى اعْتَذَر اعتذاراً يُعْذَرُ به وصار ذا عُذْرٍ منه، وجاء بما صار به معذوراً، فيقال في المثل: قد أعذر من أنذر: أي أتى بما صار به معذورا،وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف : 164] ..فمعنى "فأعذر في الدعاء" هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام دعا أعدائه إلى طريق الحقّ، وبذل لهم النصيحة وأقام عليهم الحجة وأتاهم بما يقتضي العذر.

٤. الثمن الأوكس: الوكس هو النقص، في الحديث: بيع الربا و شراؤه وكس، أي نقصٌ، وفي الخبر: المرأة لها مهر مثلها، لا وكس و لا شطط، أي لا نقصان و لا زيادة. و الثمن الأوكس: الأنقص.

٥. فالعنهم لعناً وبيلاً: والوبيل هنا هو الشديد، ويوصف به العذاب فيقال: عذاب وبيل، ويوصف به الأخذ أيضاً كما يقول الله تعالى عن فرعون:{فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل : 16]، ويقال أيضاً: لعناً وبيلاً، أي لعناً شديداً مضاعفاً.

٦. ولم تلبسك المدلهمّات من ثيابها: المدلهمّات: جمع مُدلهم، والمُدْلَهمُّ هو الأسود، وادْلَهَمَّ الليلُ والظلام كَثُفَ واسْودّ، ويقال: ليلة مُدْلَهِمَّة أي مظلمة وأسود مُدْلَهِمّ مُبالَغٌ به.

٧. مَعقِل المؤمنين: المعقل هو الحِصن أو قريب منه، تقول العرب: فلان معقل قومه أي حصنهم وملاذهم وملجأهم، كذا الحسين أمان لأهل الأرض، وسفينة نجاة، وحصن وملاذ وملجأ في حياته بإمامته الهادية وبعد استشهاده باستجابة الدعاء تحت قبته و بجمع المؤمنين اليوم سيما في الأربعين.

٨. في الختام أشير إلى الإلتباس الواقع في فقرة: "أنّي بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي"، فالشائع عند الكثير من المؤمنين هو قراءتها على أنّها مقطع واحد متصل و متواصل ودونما توقّف، بينما الصحيح هو التوقف ولو قليلاً في القراءة عند "بإيابكم"، ثمّ الإستئناف بعدها، وكتابياً ينبغي أن توضع فارزة بين الجملتين على النحو التالي: إني بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني؛ لأنّ الجار والمجرور الأوّل (بإيابكم) متعلق بمؤمن، والجار والمجرور الثاني(بشرائع) متعلّق بـ(موقن).

وقد طلب أحدُ المؤمنين من السيد الخوئي بيان هذه الفقرة وتوضيح متعلّق(بشرايع)؛ فأجابه السيد ما لفظه: "إذا قرأتَ هكذا: (أنّي بكم مؤمن وبإيابكم، موقن بشرائع ديني وبخواتيم عملي) يوضح لك متعلّق الجملة، أي الجار والمجرور متعلق بموقن، وكذا "بخواتيم عملي" معطوف على ما قبله، ومتعلق بموقن.(صراط النجاة،ج1،ص467، الطبعة الأولى-1416هـ نشر: دفتر نشر برگزيده: إيران- قم)، ويشهد على ما أفاده رحمه الله: ما جاء في زيارة أبي الفضل العباس(عليه السلام): إنّي بكم وبإيابكم من المؤمنين. على أنّ ارادة المحتمل الثاني غير ممتنعة على تفصيل ليس هنا محلّه، والحمد لله ربّ العالمين.

2021/09/16
زيارة الأربعين: طاقة الـ ’نيرفانا’ الروحية

النيرفانا كلمة ذات جذور هندية سنسكريتية بمعنى الوصول إلى حالة (الغبطة المستديمة) أو النشوة، وذلك بعد فترات طويلة يستغرقها الإنسان في التفكر والاستغراق في معرفة عمق الأشياء وكنهها وصولاً لمبتغاه من أجل الوصول إلى قيمته، وقد يتشظى المعنى إلى صفاء الروح بعد أن تتطهر بفعل مؤثرات تمنحها الانسجام والتصالح.

[اشترك]

ولو أسقطنا مفهوم (النيرفانا) بهذه الأبعاد على مانشاهده من صور وتمثلات الزيارة المليونية الخاصة بأربعينية الإمام الحسين (ع)؛ لوجدنا أن المؤثرات الإيمانية التي تُسْقط على الملايين القاصدة لكربلاء تفعل فعلها النيرفاني في إيصال النشوة ببعدها الروحي إلى كل ما يتصل بمشاعر القاصدين، وكأنهم يعيشون طقس اغتسالٍ وتطهرٍ عبرهذه الخطى التي تمثل معراجاً روحياً.

إن الشحن بطاقة النيرفانا يتخذ عند البوذيين مثلاً يلزم سلوكيات تتعلق بالعزلة والاختلاء بالنفس، وتقول الحكايات أنهم يتوارون في كهوف جبال التبت؛ من أجل الحصول على أوقات أكثر للتعبد والتأمل والتفكر.

بينما الأمر في (نيرفانا) الزيارة الأربعينية تتخذ شكلاً لا علاقة له بطقوس العزلة والاختلاء في الكهوف أو أماكن التأمل الأخرى، بل على العكس، تأخذ الفكرة بعداً جماعياً يصل إلى أكثر من عشرين مليون إنساناً من جنسيات وأعراق مختلفة. وقد تكون هذه الزيارة تأكيداً لأهمية السلوك الجماعي الذي يحقق الكثير من الأهداف سواء للفرد أو المجتمع، زارعاً في النفوس المعاني الجميلة، والقيم النبيلة، حتى مع الزمن الطويل نسبياً الذي تستغرقه هذه الزيارة من دون حدوث مشاكل، بينما تسطع صور السلوكيات الأخلاقية، والتكافل الاجتماعي، الأمر الذي يعطي قوة إضافية للمجتمع المتوحد، وهذا ما يفسر ديمومة هذه الطاقة الإيجابية التي تترسخ سنة بعد سنة منذ قرون.

حالة من البناء الجماعي للإنسان تمتد عبر أكثر من أسبوعين سيراً على الأقدام تمنح تجديداً للمفاهيم، وشرحاً آخر لها يكاد يكون هو الشرح المؤكد، والذي لا تشوبه شائبة كأنه معراج روحي متحقق بأبعاده المتعلقة بفهم القضية ومؤثراتها التي تمنح هذه الطاقة الإيجابية، معززة بذهنية صافية مرتكزة على يقين لن يتزعزع، فضلاً عن سلوكيات اخلاقية تنسجم مع ذهنية الطاقة الروحية، الذهنية التي تؤكد أن هذه الملايين البشرية صارت عناصر مشحونة بكل احتياجات الروح السامية، فهي مجتمع مندمج روحياً وجسدياً بقيمة القضية وعمقها.

هذه الخطى المليونية تنتج علائق إنسانية هي في حقيقتها مزيج من العواطف والأفكار. والعلائق بين هاتين البنيتين تُنتج وتُكتشف طيلة الفترة الزمنية التي يتوقف الزمن إزاءها، مسترقاً السمعَ لنبض المسافة المنتعشة إيمانياً بتسابيح المؤمنين، واجتماعياً بتكافلهم ومساعدتهم لبعضهم البعض في كرنفال الأنسنة المتجدد.

لقد أثبتت الزيارة الأربعينية ومازالت تثبت ان الانطلاق لتجديد خصوصية كربلاء يمر عبر قناة التصور العقلاني، والنظرة الواقعية للشعائر التي تمثل " تقوى القلوب "؛ ذلك لأن الافرازات الاجتماعية لهذه الزيارة تقود إلى حالة وجدانية حضارية، فحين نعمد لتأصيل العلائق الإنسانية في هذه الزيارة لابد أن ننظر لهذه الإفرازات؛ لأن الصور التي نشاهدها خلال أيام المشي ليست خيالات تأملية، او مناهج تدريس تُدرّس لمرحلة عمرية محددة، إنما هي مشاهد تتجلى فيها الروح العاشقة المتذوقة لحلاوة اليقين.

هي تجربة تنطلق من واقع مدرك، وفكرة متيقظة، وجذوة عشق لن تنطفئ بتأكيدات نبوية " إن لقتل ولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تنطفئ أبداً "، إذن، نحن إزاء حاضر فاعل في الوجدان الذي يُظَنُّ خطأ أنه وجدان سيفضي إلى الغياب.

ولكي تترسخ هذه الطاقة بأبعادها المتعددة، وأهمها البعد الإنساني الجماعي؛ لابد من تعزيز الاحتفاء بمسببها الأصلي، على أن يكون الابتعاد عابراً لمسميات العرق والدين، وهذا هو الذي تثبته الزيارة الأربعينية، متخذة من اشكال التعبير عنها مرتكزاً لتأصيل عالميتها، فهذه الحشود المليونية صار لها حضورٌ في اعمال الأدب المتنوعة، وكذلك في اللوحات الفنية، وربما نشاهد مستقبلاً معزوفات عالمية تتخذ من هذه الزيارة ومن الملايين الذين يحيونها عنواناً لافتاً وفريداً يعزز(النيرفانا) وطاقاتها المتوهجة عبرالمبدعين وإنجازاتهم. وهذا ليس بالأمر الصعب، فمع كل موسم تتجدد فيه الزيارة الأربعينية؛ نجد أشياء مستحدثة؛ لذلك يمكن أن نرى في القادم من السنوات معارض للكتاب، أو ندوات تثقيفية وفكرية تُعرِّف بأبعاد هذه الزيارة مجتمعياً وثقافياً بل وحتى اقتصادياً.

*نقلاً عن النبأ

2021/09/15
’جوائز’ إحياء الشعائر والعزاء.. هل تحث على اقتراف المعاصي؟!

استفاضت النصوص، بل تواترت إجمالًا بعظيم أجر إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم). وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين (عليه السلام) في زيارته والبكاء عليه وقول الشعر فيه وغير ذلك، على اختلاف أنحاء الأجر من غفران الذنوب، وإثبات الحسنات، ورفع الدرجات، وضمان الجنة، والوعد بالشفاعة إلى غير ذلك.

[اشترك]

كل ذلك بوجه مكثف، وبنحو مذهل، كما يظهر بأدنى ملاحظة لتراث أهل البيت (صلوات الله عليهم).

وذلك إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أهمية إحياء أمرهم (صلوات الله عليهم) دينياً، بنحو يناسب الثمرات المهمة له في صالح الدين.

شبهة أن ذلك يشجع على المعصية

نعم ربما حامت الشبه أو الوساوس حول ذلك في محاولة استبعاده -رغم استفاضة النصوص به- لدعوى أن في ذلك فسح الطريق للقائمين بممارسات الإحياء لأن يقارفوا المعاصي، ويأمنوا عقابها ومغبتها نتيجة ممارساتهم المذكورة.

بل قد يبلغ حدّ التشجيع عليها، بلحاظ ما هو المعلوم من كون كثير من المعاصي مرغوب نفسياً رغبة ملحّة، نتيجة الشهوة العارمة، والغرائز المتوثبة، فالتنبيه على غفرانها بهذه الممارسات يؤول إلى التشجيع عليها.

دفع الشبهة المذكورة

لكن من الظاهر أن ذلك لا يختص بإحياء مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم) وجميع ما يتعلق بهم، بل ورد في غيرها أيضاً.

قال الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ‌ (1).

وفي صحيح الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) الوارد في شامة ظهرت في آدم (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) لما هبط إلى الأرض اسودّ منها جسمه، وأن جبرئيل (عليه السلام) هبط عليه وأمره بالصلوات الخمس، فكلما صلى‌ واحدة انحطت الشامة بسوادها للأسفل، حتى إذا صلى الخامسة خرج من الشامة، وابيضّ جسمه. فقال له جبرئيل (عليه السلام): «يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة. من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة» (2).

ومما ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قوله: «تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً... وإنها لتحُتّ الذنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الرَبَق ‌(3). وشبهها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحِمّة (٤) تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات. فما عسى أن يبقى عليه من الدَرَن‌ (5) ...» (6).

وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال رسول الله (ص): الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» (7).

وفي موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إن الله عز وجل ليغفر للحاج ولأهل بيت الحاج ولعشيرة الحاج ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر» (8)... إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة جداً الواردة في الصلاة والحج وغيرهما.

ومجرد الوعد أو القطع بغفران الذنوب لا يقتضي التأمين منها المستلزم للتشجيع عليها، بل هو- نظير الحثّ على التوبة والوعد بغفران الذنوب معها- من أسباب صلاح الإنسان، لأن شعوره بالتخلص من تبعة الذنوب والتخفف منها، وبشرف علاقته بالله عز وجل، وقبوله تعالى له، ودخوله في حظيرة طاعته، وكونه مورداً لفيضه وثوابه، واستشعاره لذة ذلك، وانشراح صدره به، كل ذلك يكون محفزاً له على المزيد، حتى قد ينتهي بصلاحه وتهذيب نفسه وبُعده عن التمرد والعصيان

وكلما كان الحثّ من الشارع الأقدس على العمل القربي أشد، والثواب عليه أكثر، كشف عن أهميته وشدّة قرب القائم به والمؤدي له عند الله تعالى، وكان أحرى بإصلاح الإنسان، وحمله على طاعة الله عز وجل، وإبعاده عن معصيته.

ولاسيما إذا كان العمل بنفسه مدرسة تربوية، تهذب الإنسان وتذكره بالله تعالى، كالصلاة بأفعالها وأذكارها، والحج بمناسكه ومشاعره، وإحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) وما يتعلق بهم مما يوجب الانشداد لهم وتأكد حبهم والتعلق بهم، والتعرف على تعاليمهم وسلوكهم، حيث يوجب القبول منهم والتفاعل بسيرتهم وتعاليمهم.

ولذا لم نعهد مؤمناً ملتزماً في نفسه قد تحلل وقارف المعاصي نتيجة توفيقه لمثل الصلاة والحج وإحياء مناسبات أهل البيت عليهم السلام اتكالًا على عظيم الثواب عليها وتكفيرها للذنوب.

بينما نعهد الكثير من غير الملتزمين قد صار توفيقهم لشيء من هذه الأمور محفزاً لهم على الالتزام الديني تدريجاً، وسبباً لصلاحهم وتهذيبهم.

لا محذور في التركيز على نصوص الأجر والثواب‌

 

ومما ذكرنا يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن النصوص الشريفة وإن تضمنت الثواب العظيم على إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين (ع) لمصالح هم عليهم السلام أعلم بها، إلا أنه لا يحسن الإعلان بذلك والتأكيد عليه أمام الجمهور، حذراً من اغترارهم بذلك وتسامحهم دينياً اتكالًا عليه.

حيث اتضح مما سبق أنه لا منشأ للحذر المذكور. على أن النصوص إنما وردت لإعلام المؤمنين بمضامينها، وحثهم على هذه الممارسات من طريق ذلك. فلا وجه لكتمان ذلك، والامتناع من إعلامهم به.

رجحان الوعظ والتذكير باهتمام أهل البيت عليهم السلام بالالتزام الديني‌

نعم من الراجح جداً وعظ القائمين بهذه الممارسات وحملهم على الالتزام الديني، وتنبيههم إلى حثّ أهل البيت (صلوات الله عليهم) لشيعتهم أن يعينوهم بالتقوى والورع، ويتنافسوا في الدرجات، وأن يكونوا زيناً لهم، ولا يكونوا شيناً عليهم، وإلى أن أعمالهم تعرض على النبي والأئمة من آله (صلوات الله عليهم أجميعن) فما كان فيها من حسن سرّهم، وما كان فيها من سي‌ء ساءهم‌ (9).

بل الله عز وجل محيط من ورائهم بكل شيء، فقد يكون تورط العبد بالموبقات سبباً لمقته له مقتاً يستتبع خذلانه تعالى إياه، وسلب نعمة الولاية لأهل البيت عليهم السلام منه... إلى غير ذلك من وجوه الترغيب والترهيب. وقد سبق أن مناسبات إحياء أمرهم عليهم السلام مواسم للتثقيف، خصوصاً الديني منه.

وذلك أولى من التشكيك فيما استفاض من نصوص أجر الأعمال الصالحة ونصوص الشفاعة ونحوها، أو إغفالها وحرمان جمهور المؤمنين من الاطلاع عليها، حذراً من اتكالهم عليها. لأن ما ذكرنا هو الأنسب بغرض أهل البيت (صلوات الله عليهم) من بيان تعاليمهم الشريفة وثقافتهم الرفيعة (10).


الهوامش:

  1. سورة هود الآية: 114.
  2. وسائل الشيعة ج: 3 ص: 9- 10 باب: 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 9.
  3. الرَبَق: جمع ربقة، وهي عروة الحبل. وقد شبه (عليه السلام) الذنوب بعرى الحبل التي يربق بها الأسرى، لبيان أن الصلاة تطلق المذنب منها.
  4. الحِمة: العين الحارة الماء، يستشفي بها الأعلّاء والمرضى.
  5. الدرن: الوسخ.
  6. نهج البلاغة ج: 2 ص: 178- 179.
  7. وسائل الشيعة ج: 8 ص: 74 باب: 38 من أبواب وجوب الحج والعمرة وشرائطه حديث: 43.
  8. وسائل الشيعة ج: 8 ص: 71 باب: 38 من أبواب وجوب الحج والعمرة وشرائطه حديث: 31.
  9. راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 101 من أبواب جهاد النفس.
  10. مقتطف من كتاب فاجعة الطف للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، ص، 587-592.                       
2021/09/14
لقاء الأربعين حياةٌ للدين.. من وصايا المرجع الحكيم

من محاضرة للمرجع الراحل سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)

نحن في الحقيقة نعرف أهمية الزيارة وأهمية قصد الأئمة (عليهم السلام)، والمهم الآن أن نفكر ماهي الفائدة من هذه الزيارة؟ وما هو هذا الشيء المهم الذي أُركز عليه.

[اشترك]

الأمر الأول: نفس الزيارة وثواب الزيارة وما ورد فيها من شد ومن تأكيد، شيء مهذل فالإنسان لا يحسب حسابه ولا يمكن أن يستوعبه الفكر لولا أن الزمن كشف لنا إن هذه القضية لها في بقاء المذهب وفي بقاء الإسلام وإلا لما كان يصدَّق هذا الحديث في اليوم الأول.

الأمر الثاني: تميزت هذه الزيارة بجمع المؤمنين من أقطار الأرض على اختلاف مشاربهم وقومياتهم ومراكزهم الاجتماعية، وعلى اختلاف حالاتهم، من جميع الجهات يتوحدون في وحدة واحدة وهي وحدة الإيمان ليس لهم شيء أخر ولم يكن هناك تمييز، بل إلغاء الفوارق حتى يعرف كل واحد ما يوجد عند الثاني وكل أحد يرى ما عند الثاني، وهذا الشيء من أهم الأشياء التي يؤكد عليها الأئمة (عليهم السلام).

عثرت على رواية معظمة، الإمام يخاطب رجل من أهل الكوفة يقول له " كم بينك وبين البصرة قلت: في الماء خمس إذا طابت الريح وعلى الظهر ثمان ونحو ذلك، فقال: ما أقرب هذا ؟ تزاوروا ويتعاهد بعضكم بعضا فإنه لابد يوم القيامة من أن يأتي كل إنسان بشاهد يشهد له على دينه. وقال: إن المسلم إذا رأى أخاه كان حياة لدينه إذا ذكر الله عز وجل".

في ذلك اليوم على ثمانية أيام والبصرة ليس فيها إمام ولا زيارة ولا شيء إنما تلاقي أخوان وتعارفهم، ثمانية أيام يمشي على الظهر فالإمام يؤكد أن في ذلك حياة لدينكم لأن الإنسان لو كان الهدف واحد فطبيعي يُذكره بموازينه، هذا من أهم الأشياء التي أكد عليها الأئمة (عليهم السلام).

فالمهم هو التلاقي بين الأخوان والتعارف والتحابب بينهم فمهما أمكن أن لا يرى أحد نفسه متميز على الأخر، نعم هناك مميزات جهات اختلاف ثقافية، اختلاف جنسية، اختلاف قومية، اختلاف لغة كل هذه الاختلافات موجودة، هذا كله يلغى في سبيل أشياء مشتركة عندنا هي التي يجب أن تجمعنا في هدف واحد.

وحدة الهدف توحد الأمة هذا الشيء الثاني الذي دائما نحن نؤكد عليه والشيء المطلوب لتحصيل ثمرتها، هذه المدرسة ينبغي للمؤمنين أن يستفيدون منها في طول حياتهم وتذكرهم بتعاليم القرآن في تعاطف المؤمنين وتآلفهم وحسن أخلاقهم (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) سورة النحل - الآية 125، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) سورة فصلت - الآية 34، ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء- آية 34، والى اخر ما ورد عندنا في ما يتعلق بحسن التعامل وصدق الحديث وأداء الأمانة ومراعاة الحقوق العامة والخاصة وعدم الاستهانة بالآخرين واحترام المؤمنين واحترام الناس كلهم، احترام كل من يجامل لتعبيرالإمام الصادق (عليه السلام): (ليس منا من لم يمادح من يمادحه ولم يخالط من يخالطه ولم يحابب من يحاببه) يعني ما يحقق حالة التآلف وحسن المعاشرة على اختلاف الفئات مسلم وغير المسلم أن تكون أخلاقك أخلاق جيدة هذا أيضاً الشيء المهم.

الأمر الثالث: أن يكون للإنسان التزام بدينه وتذكير بدينه هناك أحكام شرعية وهناك واجبات هناك محرمات لابد ان يعرف أن هذه الأمورلا تترك فقط أيام الزيارة بل يلزم أن تكون عنده حالة من التذكير ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الذاريات- الآية 55...

شهر، شهرين من أول محرم الى آخر صفر نحن مشغولين بذكر الحسين (عليه السلام)، والحسين هو الذي حافظ على الصلاة في أوقاتها في أحلك الظروف في أحلك الأوقات في أحلك الظروف حافظ على الصدق، وابتداءً تكلم بكل صدق فقال سأستشهد، لم يخدع أحداً ولم يكن في مقام خديعة، بل في مقام (وخُير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)، وكتب الى بني هاشم (من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام)، ومعنى ذلك أنه صدق في حديثه، الإهتمام بصدق الحديث وكشف الواقع على واقعه، ليس هناك تغرير وليس هناك خديعة وتحايل ولف ودوران، يوجد وضوح منهج أنا هذا منهجي من أراده فبها ومن لم يريده فلا يريده (فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)، هذا حديثه ولابد أن نستفيد منه طوال حياتنا لا فقط في أيام الزيارة.

وهذا الشيء يجب على المؤمنين أن يهتمون به وأن يعايشوا العالم كله، أصبحت رسالتهم موجهة للعالم كله، لأن العالم كله في أقصى الأرض في بوليفيا في تشيلي في المكسيك كلها جاءت تريد ان ترى أوضاع هذه الزيارة فالشيعة الآن أصبحوا مسؤولين أن يكونوا دعاة الى مذهبهم في أقطار الأرض، لا أن يفكر كل واحد منهم في تجارته وعمله بل لابد ان يفكر بأن له هدف وهو أن يكون مذكر بمذهبه مذكر بدينه مذكر بالله، قد شكى لي بعض رجال الدين المحترمين من بعض الأديان بأن التكنلوجيا الحديثة تعمل على أن تُنسي الناس ذكر الله، فقلت له علاجها أن يكون الانسان المبلغ صادق في دعواه؛ فاذا صدق المبلغ في دعواه يؤثر أثره، والقدر المتيقن أن هؤلاء هم المسؤولون في اقطار الأرض عن رفع كلمة الإسلام الصحيحة الصافية التي أخذت من القرآن ومن أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ومن أحاديث الأئمة (عليهم السلام) ومن سيرتهم، وحتى سيرة الأنبياء عيسى (عليه السلام) أيضاً سيرته نفس السيروموسى أيضا نفس السيرة، كون الأمم شذت عن واقعها وخرجت عن تعاليم أنبيائها ليس معناه أن الأنبياء تعاليمهم منحرفة، بل تعاليمهم هي تلك التعاليم، وكذلك تعاليم إسلامنا أيضاً تعاليم صحيحة، ولكن شذوذ الأمم ليس معناه شذوذ التعاليم، الآن على المؤمنين الذين يؤمنوا بالحقيقة أن يبرزوها عملياً للناس، وهذه الزيارة مذكرة، بل المواسم كلها مذكرة فموت أمير المؤمنين يذكرنا بمواقف أمير المؤمنين المبدئية مقتل الإمام الحسن ومقتل الإمام الحسين والإمام الكاظم كذلك، وهكذا كل المناسبات التي لدينا في طول السنة هي تذكرنا بهذه المبادئ، فإذا أحد لديه تذكار فما عذره؛ فيجب عليه ان يستفيد من هذه المدرسة استفادة عملية، ويبرز وجه الإسلام الصحيح من طريق سلوكه الصادق لا ان يكون مبني على الرياء بل على الحقيقة، وهذه هي حقيقتي ليس لي غيرها، هذا الشي الذي يلزم ان نهتم به في ما بيننا وتعبير الآية الكريمة ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "وَالْعَصْر ِإِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر ٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) سورة العصر- الآية 1-3، وإلا الانسان في خسران إذا لم يسير على الموازين التي رسمها الله سبحانه وتعالى لعباده، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من المؤمنين.

 ونحن أيضاً نقدم شكرنا واعتزازنا وامتناننا للمؤمنين المشاركين على اختلاف مشاركاتهم كل بموقعه على أن تكون القضية مبنية على حقيقتها وأن لا تخرج عن حقيقتها التي رسمت لها وهي دعوة سيد الشهداء كما يقول: (خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر)، فليس لنا حالة عنف تعالوا اصبحوا مثلي، أنا عليّ أن أبرز ما عندي والباقي كلٌ بتوفيقه من أراد الله أن يوفقه يوفقه وأن أراد هو ان يعرض والشيطان يغلبه، هو وشيطانه ( لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة المائدة - الآية 105، ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) سورة المدثر- الآية38، لابد أن نستفيد من هذه الزيارة وأمثالها من المواسم بما يذكرنا وينبهنا الى ابراز واقعنا وحقيقتنا.

(اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) سورة النحل - الآية 128، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة آل عمران- الآية 200، ونسأل الله حسن العاقبة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

2021/09/14
الحسين (ع) تخلى عن نفائس الدنيا ليكون في ’ضاحية الطف’

كتب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:

إن التضحية والمفاداة التي تسامی وتعالى بها إمام الشهداء وأبو الأئمة يوم الطف من أي ناحية نظرت إليها، ومن كل وجهة اتجهت لها متأملا فيها، أعطتك دروسا وعبرا، وأسرارا وحكما تخضع لها الألباب وتسجد في محراب عظمتها العقول.

[اشترك]

واقعة الطف، وشهادة سيد الشهداء وأصحابه في تلك العرصات کتاب مشحون بالآيات الباهرة والعظات البليغة فهي:

کالبدر من حيث التفت وجدته يغشي

البلاد مشارقاً ومغارباً

أو:

کالبحر يمنح للقريب جواهراً

غرراً ويبعث للبعبد سحائبا

هذه الدنيا وشهواتها ولذائذها وزينتها وزخارفها التي يتكالب إليها البشر وتتهاوى على مذبحها ضحايا الأنام، هذه الدنيا التي اتخذها كل واحد من الناس ربا وصار لها ولمن في يده شيء منها، فلعبت بهم ولعبوا بها، هذه الدنيا وشهواتها التي أشار جلت عظمته إلى جمهرتها بقوله تعالی:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)

كانت هذه النفائس الدنيوية قد توفر للحسين عليه السلام أكملها وأجملها، من المال والبنين والنساء والخيل المسومة، مضافا إلى ما كان له من العز والكرامة وكل مؤهلات الشرف والتقدير التي استحقها بحسبه ونسبه وبيئته ووسطه ومواهبه، وقد كان في ذلك العصر لا يوازيه ولا يدانيه أحد في دنيا المفاخر والمآثر، الكل يعترف ويعرف ماله من عظيم القدر ورفيع المنزلة، فسلم المجد والصعود إلى السماء بيمينه، ومفاتیح خزائن الدنيا في قبضة شماله، ومع ذلك كله فحين جد الجد وحقت الحقيقة بذل كل ذلك وضحى به في ضاحية يوم الطف.

وفي سبيل المبدأ كان أهون شيء عليه كل تلك النفائس، وما اكتفى حتى بذل نفسه وجسده ورأسه وأوصاله وأولاده وكل حبيب له وعزيز عليه في سبيل حبيبه الأعلى ومعشوقه الأول.

أفليس هو الجدير والحري بأن يقول:

وبماشئت في هواك اختبرني

فاختاري ما كان فيه رضاك

يحشر العاشقون تحت لوائي

وجميع الملاح تحت لواكا

واقتباس الأنوار من ظاهري

غير عجیب وباطني مأواك.

*نقلا عن مجلة لواء الوحدة الإسلامية – النجف العدد-4- السنة الأولى – ١٩٤٩/ص ۱.

 

2021/09/13
كـ ’مسلم بن عقيل’.. الشجاعة: سلطة الإنسان على نفسه!
ما هو المفهوم من الشجاعة، وإذا لم تكن الشجاعة بمعنى القوة الجسدية، فما هي المعايير التي نعرف بها معنى الشجاعة؟ وماهو ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية؟ وكيف تكون الشجاعة او عدمها بمفهوم النصرة والخذلان للإمام الحسين (عليه السلام)؟ وكيف تجسدت الشجاعة في مسلم بن عقيل؟ وكيف توثر الشجاعة في واقعة عاشوراء على تربية اجيالنا؟

الشجاعة هي قوة معنوية تجعل الإنسان قادرا على مواجهة التحديات والصعاب وانضباط الانفعال والتحكم بردود الفعل، فمهما كانت قوة الإنسان الجسدية تبقى قوته المعنوية هي الفيصل في الميدان، لذلك نرى بعض الأشخاص أقوياء جسميّا لكن يُهزمون نفسيا ويخسرون، ورأينا في كل الأزمان والأمكنة كيف أن المجتمعات تنهار نتيجة لعدم وجود شجاعة حقيقية لمواجهة التحديات التي تتعرض لها هذه المجتمعات في الأزمات. قال الامام علي (عليه السلام): «وجدت الحلم والاحتمال أنصر لي من شجعان الرجال».

لأن الأساس في القوة هو القوة المعنوية، فالشجاعة هي من الفضائل التي تنتج ملَكَة نفسية ومرتبة اخلاقية، فتحتاج إلى تربية وتنمية لتحقيق تراكم الفضائل ومن أهمها العقل والحلم والعطاء والصبر والعلم، قال الإمام علي (عليه السلام): (أشجع الناس من غلب الجهل بالحلم)، (لا أشجع من لبيب).

ومعرفة معنى القوة الحقيقية من خلال السلوك المعتدل، فالشجاعة فضيلة وسطية بين الجبن والتهور. فلا شجاعة في الطغيان والاعتداء بل الشجاعة في العفو والسماحة. فالشجاعة تعني سلطة الإنسان على نفسه، كما في الرواية عن الإمام علي (ع): (أقوى الناس أعظمهم سلطانا على نفسه)، (الشجاعة صبر ساعة). معنى ذلك كلما كان الإنسان صبورا وقويا في التمسك بنفسه وقوتها يكون شجاعا أكثر.

وفي الأزمات التي نعيشها اليوم حيث استبداد وعنف الحكام الظالمين نلاحظ أن الإنسان يتعرض للانهيار، والسبب في ذلك عدم وجود شجاعة وقوة معنوية عند هذا الإنسان في مواجهة هذه التحديات، بمعني أن اليأس والإحباط الذي نراهما عند كثير من الناس بمثابة الموت البطيء، حيث يستسلم للأمر الواقع بسبب الخوف وفقدان الإيمان والشك والقلق، وهذا الاستسلام هو سبب في كثير من الانهيارات الإنسانية والاجتماعية. وقد رأينا قضية الحيادية في عدم نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما أصبح الحياد هو نوع من الانهزام وعدم وجود الشجاعة في اتخاذ موقف، فمعنى الشجاعة هو عدم الوقوف في جانب الحياد بل اتخاذ موقف يعبر عن إيمان ويكشف عن مسؤوليته العقلية والشرعية.

بعض الأشخاص لا يتخذ موقفا في بادئ الأمر، بمعنى إذا اتخذ موقفا لا ينتظر أن تظهر النتيجة في نفس اللحظة، فربما تظهر النتيجة بعد مدة، لذا عليه أن يصبر إلى أن تبان نتيجة اتخاذه لهذا الموقف الشجاع أو العكس.

الشجاعة هي القدرة على اتخاذ الموقف، نلاحظ اليوم أن بعض الناس يعتبرون من لا يواجههم بأنه جبان وضعيف، فيمارسون العنف ضده، والعنف هو من أسوأ الرذائل التي يمكن للإنسان أن يفعلها، لأنه لم يضبط نفسه فيمارس العنف ضد الآخر ويعتدي عليه، لذلك نلاحظ أن الروايات تدعو الإنسان للتحلي بالصبر والحلم والحزم، وكما جاء في الرواية، فالحزم قوة كبيرة للإنسان الذي يضبط نفسه، فعن الإمام علي (عليه السلام): (آفة الشجاعة إضاعة الحزم)، وفعلا هذه هي القوة الحقيقية والملَكة النفسانية التي ينالها الإنسان من خلال ممارسة التصبّر والمصابرة في حياته. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله!، قال: أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق).

معايير الشجاعة

من المواقف التي يُعرف بها الإنسان هو الثبات على المبدأ، فهناك من الناس بسبب خوفهم على حياتهم ينهزمون ويتنكرون للمبادئ، أو أنه يريد يعيش حياته فحسب، فيقول ما علاقتي بالمبادئ، وبماذا تفيدني؟، وهذه مصيبة كبيرة.

ولاحظوا أن أولئك الذين يتخلون عن مبادئهم، إذا أصبحوا واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فإن حالة التنكّر للمبادئ تصبح ظاهرة عامة، وعندها ينتشر الفساد في المجتمع ويصبح مجتمعا فاسدا، لأنه قام بالتخلي عن المبادئ الأساسية التي لابد للإنسان أن يتمسك بها من أجل حماية نفسه ومجتمعه.

لذلك من أهم صفات الإنسان الشجاع، أنه مبدئي، لا يتهاون، ولا يتلاعب، ولا ينظر إلى مصالحه إلا إذا كانت نابعة من مبادئه، كذلك يجب ألا يبيع مبادئه بأشياء بسيطة.

واقعة عاشوراء معركة بين المبادئ والمصالح

لقد انهزم كثير من الناس من أجل مصالحهم، قليل من أصحاب الإمام الحسين بقوا معه (عليه السلام) من أجل المبادئ، فإيمانهم بالإمام الحسين هو مبدأ إيمانهم بالحق في مقابل الباطل، وإيمانهم بالتضحية هو إيمان بالإمام (عليه السلام)، ولابد من مواجهة الباطل لأنه دمار وتدمير للمجتمع وللإنسان نفسه، فالهروب من مواجهة الباطل خسارة وليست ربحا.

 

لابد للإنسان التمسك بالمبدأ رغم أن بعض الناس يقول لك: لماذا أنت مثالي جدا، ولماذا هذه المثالية، عش حياتك، ودع هذه المثالية جانبا لأنك سوف تخسر، لكنك تقول إن الربح الحقيقي يكمن في التمسك بالمبادئ، وأولئك الذين يذهبون وراء مصالح صغيرة من اجل أن يربحوا شيئا صغيرا هم أناس سطحيون وخاسرون في الدنيا والآخرة.

هؤلاء مثلهم مثل الإنسان الذي يذهب للشراء من صاحب دكان لا يهمه أن يكذب ولا يكون صادقا مع المشتري، بالتالي حين يكذب على المشتري رغم أن ربحه بسيط، فإن المشتري لا يأتي مرة أخرى ليشتري من صاحب الدكان لأنه كاذب، هذه خسارة وليست ربحا، كذلك فإن المشتري سوف يبلّغ الآخرين بأن صاحب الدكان شخص كاذب فلا تشتروا منه. وهكذا سوف لا يخسر شخصا واحدا، بل خسر عدة زبائن.

من قضايا الشجاعة التي نعرِّف بها، هي قضية نصرة المظلومين، فالإنسان الذي لا ينصر المظلوم يعدّ جبانا وليس شجاعا، لاسيما أننا نرى الناس في حاجة إلى من يساندهم، فمن الذي يكون معهم، ويقوم بحمايتهم وحماية حقوقهم؟، لكننا نرى الكثير من الناس متخلّين عن هذه القضية. فنصرة المظلوم من شيم الشجعان، والشجاع هو من ينصر المظلوم ويقف معه.

الشجاعة في الانتصار للدين

الانتصار الحقيقي للدين هو أمر جوهري، لأنه الأساس الذي يحمي المجتمعات، لأن الدين إيمان وتقوى، لاحظوا هذه الآية المباركة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين)، فالدين معناه كل الفضائل الأخلاقية والتقوى، وإذا لم ننتصر للدين لن ننتصر للتقوى والإيمان، فيكون المجتمع مخلخلا ومختلّا ومريضا. لذلك من شيم الشجعان أن يقف الإنسان مع الدين.

الشجاعة هي القوة الحكيمة، أي يكون استخدامها بحكمة، وفي موقعها، والشجاع هو الذي ينتصر للدين بحكمة، ويتم انتصار الدين بأشياء كثيرة، منها العلم والمعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم.

الإنفاق في سبيل الله

من المعايير الأخرى الإنفاق في سبيل الله، ففي الروايات تذكر الشجاعة مع السماحة والسخاء، لأن قمة الشجاعة أن الإنسان ينفق أمواله في سبيل الله، وفي سبيل الفقراء وبناء المجتمع، فالإنفاق من سمات الشجعان، لأن الإنسان بطبيعته يخشى على أمواله من أن تقلّ، فيكون جبانا في إنفاقها، ويكون بخيلا وحريصا، لكن هذه ليست من صفات الشجاع، فالإنسان الشجاع هو الذي ينفق أمواله على الخير والمحتاجين، والإنفاق في سبيل الإمام الحسين (عليه السلام)، فيضاعفها الله له أضعافا مضاعفة. فعن الإمام علي (عليه السلام): (أشجع الناس أسخاهم).

قصة وفاء

من أهم صفات الحسينيين في عاشوراء هو الوفاء فقضية كربلاء هي قصة وفاء، كما نلاحظ في وفاء مسلم بن عقيل، ووفاء أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ووفاء أولئك الشجعان الذين لم يفكروا بأنفسهم.

وهذا هو الفرق بين الناجحين والفاشلين، فالناجحون هم الملتزمون بعهودهم وكلامهم، الموفون بعهودهم، لذلك نراهم محترمين أقوياء وشجعان، أما الإنسان الذي يتخلى عن وفائه وعهده، فهذا إنسان فاشل، فحتى علماء النفس أو علماء الإدارة يقولون إن الإنسان الناجح يوفي بكلامه وعهوده دائما، وهذه من صفات الإنسان الشجاع مهما كانت الظروف.

ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية

البعض يعرف معنى القوة بمعاني عدة منها القوة الصلبة والقوة الذكية والقوة الناعمة وقوة الإرغام، لكن القوة في حقيقتها هي قوة الأخلاق، لذلك في الحديث عن الامام علي (عليه السلام): (لو تميزت الأشياء لكان الصدق مع الشجاعة، وكان الجبن مع الكذب). فالإنسان الشجاع صادق ولا يخاف من قول كلمة الحق، ولو وضعوا شيئا مع الجُبْن لكان الكذب، فالكذاب جبان، لذلك فإن القيم الأخلاقية في حياة الإنسان تصل به إلى مرتبة ملَكة الشجاعة، فهو قوي لأنه تغذى بهذه القيم الأخلاقية. وعن الامام الصادق (عليه السلام): (من كانت فيه خلة من ثلاثة انتظمت فيه ثلاثتها في تفخيمه وهيبته وجماله: من كان له ورع، أو سماحة، أو شجاعة).

الخوف من الله

إن أهم الطرق في بناء الشجاعة هو الخوف من الله سبحانه وتعالى، يقول الامام الصادق (عليه السلام): من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

لماذا تخاف من الظالم، ولماذا تخاف من الآخرين، لماذا تخاف من أن ينقطع رزقك، عليك أن تخاف من الله سبحانه وتعالى فقط، فإذا كان الإنسان خائفا من الله كان شجاعا قويا في الدنيا، وقال (عليه السلام): من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا.

الشجاع لا يهتم للدنيا، فهي ليست مهمة عنده، إنها شيء بسيط، وليس مهما أن يحرص على منافعه ولذاته في الدنيا، ولا يقلق ولا يخاف من ضياع مستقبله، لذلك فإن الأبطال الحقيقيين هم الشجعان الحقيقيون الذين يخافون من الله.

القوة المعنوية للإمام علي (عليه السلام)

أكثر الناس خوفا من الله تعالى الإمام علي (عليه السلام)، كان الإمام علي (عليه السلام) إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل. فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان على ضعفه، فلا أدري أحسن إذا حملت أم لا.

لذلك كان أشجع الناس، فقضية الإمام علي (عليه السلام) ليست قضية جسدية فقط، وإنما هي قضية معنوية كبيرة وعظيمة، فمن كان يقاتل الإمام علي كان يخاف من إيمان الإمام (عليه السلام) وقوته المعنوية الهائلة، فكان ينهار وينهزم قبل بدء القتال، لذا نستطيع أن نقول أن الأضداد قد اجتمعت في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو الشجاع الخائف، إنه الشجاع في ساحة المعركة والخائف من الله سبحانه، ومن يخاف الله فهو شجاع لأنه يخافه تعالى ولا يخاف من أي شيء آخر.

أما الإنسان الذي لا يخاف من الله سبحانه وتعالى، ويخاف من الناس، فهذا جبان وعبد، واليوم نعيش في مجتمعات متخلفة بائسة شقية، بسبب خوف الناس من الحكام الظالمين ومن الآخرين، فنلاحظ أن الإنسان يتعلم الخوف وهو صغير لذلك فهو لايحمل الشجاعة في قلبه.

تثقيف الناس بالخوف من الله؟

من الخطأ والخطر أن يتربى الإنسان على الخوف وهو صغير، لذلك نلاحظ وجود الأُسر التي لا تهتم بشجاعة الأبناء، بل تهتم بتخويفهم، فيعيشون مدجنين في أجواء الظلم والأنظمة المستبدة والحكومات الجائرة، ونلاحظ أنهم يخوّفون أطفالهم دائما، فيربون عندهم حالة الجبن، وهناك من يربي أبناءه على الكذب والنفاق وعلى الانزواء والحياد، لذلك لابد أن نربي أبناءنا ومجتمعنا على الخوف من الله سبحانه وتعالى، وليس الخوف من الظالمين. والخوف من الله منهج تربوي مهم في بناء الشجاعة عند الإنسان.

ومن معايير الشجاعة، هي ارتباط الشجاعة بالعقل والتعقل، فالإنسان الشجاع هو المتعقل الذي يستخدم عقله وحكمته في عملية إدارة الأمور والمواقف، وإدارة المواجهات، فالإنسان المتعجرف والذي يحاول أن يمارس القوة ضد الآخرين هذا ليس بشجاع. قال رسول الله (ص): وآفة الشجاعة البغي.

نصرة وخذلان للإمام الحسين (عليه السلام)

الشجاعة هي انتصار للإنسان مهما كانت المواقف وهي ربح، والخذلان هو هزيمة وجبن مهما كانت المواقف أيضا، لذلك فإن الانتصار للإمام الحسين هو انتصار للإنسان الشجاع في حياته، فعندما ننتصر للإمام الحسين ننتصر لمبادئ الحق، ونقف مع المظلومين، وننتصر للقيم الأخلاقية، وننتصر للإنفاق في سبيل الله، وبالعكس من ذلك، هو من يخذل الإمام الحسين (عليه السلام).

بعض الناس للأسف الشديد ليس لديه دافع لنصرة الحق، فيكون إنسانا روتينيا في حياته، ويعيش يومه ليأكل ويشرب وينام وهكذا، بالنتيجة ليس له موقف في الحياة، وهذا هو الإنسان الذي يتملكه الخذلان.

تجسد الشجاعة في مسلم بن عقيل

مسلم بن عقيل وأصحاب الإمام (عليه السلام) هم تجسيد حقيقي لمعنى الشجاعة، كيف يُعقل أن فئة قليلة تقف أمام ذلك الجيش الجرار، ففي هكذا موقف الناس يفرون هاربين، وكيف يُعقل أن مسلم بن عقيل يذهب إلى الكوفة، وهناك يرى الخذلان والهزيمة؟، لكنه يقف صامدا، هذا هو معنى الشجاعة لأنه هناك ايمان ويقين، والإنسان الشجاع لا يبيع مبادئه، وهذه المواقف هي التي تبني تاريخنا المشرف.

نحن كبشر إذا لا نملك شجاعة الإمام الحسين وأصحابه، فماذا يبقى لدينا في الحياة من قيم؟ في حياة كثير من المجتمعات قيم فاسدة، أو سلوكيات فاسدة، لكننا نحن نعيش ببركة الإمام الحسين وأصحابه وشجاعة مسلم بن عقيل، وهو نِعْمَ الرسول، فقد كان يمثل الشجاعة الحسينية والعلوية، وهو تربّى في حجر أمير المؤمنين، وتربى في مدرسة أهل البيت، وكان تجسيدا لتلك الشجاعة العظيمة، وقد قال رسول الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «اني أحب عقيلا حبين حبا له وحبا لحب أبي طالب له وإن ولده لمقتول في محبة ولدك تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون» ثم بكى رسول الله وقال «إلى الله تعالى أشكو ما تلقى عترتي من بعدي».

وقد رأينا موقف مسلم بن عقيل الكبير في الكوفة، وفي ذلك الموقف الذي حصل في بيت شريك بن الأعور، نلاحظ عندما جاء عبيد الله بن زياد، فهو كان يستطيع أن يقتله، وعندما ذهب عبيد الله بن زياد، سأل شريك بن الأعور مسلم بن عقيل: لماذا لم تقتله؟، فقال سمعت عن رسول الله أنه قال (الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم) فشجاعة مسلم ليست غدرا، لأن الغدر من شيم الشياطين والجبناء والانتهازيين، فهؤلاء هم الغدارون.

لقد تربى مسلم بن عقيل في مدرسة الإمام الحسين وأمير المؤمنين (عليهما السلام)، على القيم الأخلاقية، فأهل البيت لم يأتوا من أجل الوصول للسلطة بأي ثمن بحيث الغاية تبرر الوسيلة، وللأسف الشديد هناك كثير من الناس يستخدمون قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، وهؤلاء هم اللاهثون وراء السلطة والمال والربح مهما كانت الوسائل التي يستخدمونها، فهؤلاء يفعلون كل شيء، يقتلون ويعبثون ويكذبون ويسرقون من اجل السلطة.

الدين لا يقبل ذلك، الغاية لا تبرر الوسيلة، هناك مبادئ، فلا يطاع الله من حيث يُعصى كما في الرواية، وإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة، فإن الإمام علي كان أدهى الناس، يقول الإمام علي (عليه السلام): (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة..).

إن الغدر يدمر الإنسانية، وإذا أصبح كل البشر غدارون، تصبح الحياة فوضى حيث يختل التوازن الكوني الذي يقوم على الإنصاف والعدل وتكافؤ الفرص، واحترام الآخرين وحقوقهم، فإذا تم اغتيال كل هذا بالغدر انتهى كل شيء، فهدف أهل البيت هو بناء مجتمعات صالحة.

يجب ملاحظة أن المجتمع الصالح يُبنى بالمبادئ، وبالقيم الأخلاقية، لكن الحكومات والقوى الكبرى الموجودة في عالم اليوم، لا تهتم بالبشر، في حين تمتلئ الدول بالفقراء والحروب بسبب القوى الكبرى، لأنها تقول علنا (مصالحنا أولا)، ولا أهمية للبشر فليموتوا لا مشكلة في ذلك، لذا نلاحظ انتشار الأسلحة النووية في العالم التي من الممكن أن تدمر البشرية مئات المرات.

كما نلاحظ أن العالم اليوم محاصر بالحرائق والفيضانات والكوارث والاوبئة، وهذا كله بسبب سوء إدارة هذه القوى للعالم، ولأن مصالحها الخاصة وارباحها الشخصية أهم من كل شيء مهما أدى هذا كله الى تدمير البشرية.

إن هدف أهل البيت هو بناء المجتمع الصالح، لهذا فإن مسلم بن عقيل عرف أن هناك حدّا فاصلا بين الإيمان والكفر ولم يغدر، ولو أنه لا سامح الله غدر، لانتهى كل شيء، ومن باب القضية الافتراضية كان أهل البيت يستطيعون أن يجمعوا أناسا كثيرين من خلال الأموال وتقسيم المناصب والمغانم وينتصروا ويحصلوا على السلطة، لكن هذا ليس هدفهم لأنهم أصحاب رسالة، والسلطة والغدر ليست رسالة الأنبياء والائمة (عليهم السلام)، بل رسالتهم بناء المجتمعات الصالحة الصادقة والمؤمنة التقية.

كيف تؤثر الشجاعة في واقعه عاشوراء على تربية أجيالنا؟

نحن نحتاج إلى أناس شجعان، ومجتمعات شجاعة، لأننا نعيش التخلف بسبب الخوف، فلابد أن تكون عاشوراء مدرسة لتربية الشجاعة عند الناس، ليست الشجاعة الجسدية فقط، لكن نحن نركز على الشجاعة الجسدية وعلى السيف والسلاح، وهذا كله شيء وشكل ظاهري، القوة الحقيقية تكمن في الشجاعة المعنوية والتقوى والإيمان والسخاء والكرم والعطاء والفضائل الأخلاقية والصدق، هذه هي القيم التي تربي الإنسان على أن يكون ذا شخصية قوية.

عندما نقرأ كربلاء نلاحظ أنها كلها مواقف، لحظة بلحظة، وموقف بموقف، إذ تعبر هذه المواقف عن الإنسان العظيم والشجاع والفاضل والصالح، فالناس يتمسكون بعاشوراء لأنها مدرسة لتربية الفضائل وتنمية الأخلاق، لذلك لابد أن نشجع أبناءنا على استلهام الدروس من عاشوراء، حتى نصنع شخصيات قوية وناجحة في مجتمعاتنا، وبناء أجيال قوية، وبناء أمة قوية قائمة على فكر وثقافة أهل البيت وقيمهم.

ترسيخ مفهوم الشجاعة الحسينية

نعم بالإمكان ذلك إذا أصبحت الممارسة الحسينية واقعا مستمرا في حياتنا، فنحن في عاشوراء لابد من استثمار التلاحم العاطفي الكبير من أجل إيجاد تلاحم فكري وأخلاقي كبير بين الناس، وتبيين واقعة عاشوراء حتى يؤثر ذلك تأثيرا كبيرا في بناء الإصلاح في مجتمعاتنا وإدانة كل أنواع الانتهازية، خصوصا أولئك الذين يستغلون الدين.

فقد جسد الإمام الحسين (عليه السلام) الدين في يوم عاشوراء، هذا هو الدين الحقيقي، إنه دين الحرية والصدق والشجاعة والعطاء، وكل القيم الصادقة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستقامة، وليس دين الانتهازية، الإنسان الذي يظلم الآخرين هذا ليس إنسان متدينا، بل هو يستغل الدين.

لذلك عندما يعرف الناس معنى القيم التي ناضل من اجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، سوف نستطيع أن نبني مجتمعا صالحا، فنحن نحتاج إلى جهاد حسيني، ومعنوي كبير، نحصل عليه من خلال الثقافة والتثقيف وبناء التفكير الحسيني، وكيفية ممارسة الشجاعة التي تطرقنا لها سابقا، من خلال الصدق والحكمة والعقل، حتى نستطيع أن نحقق تلك القوة الكبيرة.

بعض الدول المتقدمة تقدمت ليس بالسلاح، بل بالفكر والإبداع والإنتاج، لذا يجب أن نشجع مجتمعنا على العمل والإنتاج والتفكير والإبداع، واستخدام القوة الحقيقية، وهي قوة العقل والحكمة وضبط النفس، وقوة التعاون فيما بيننا وبين الآخرين، لأن التعاون شجاعة، والتواضع شجاعة، أما الإنسان المتكبر فهو جبان، ويريد يفرض نفسه على الآخرين من خلال تكبره.

على عكس ذلك، نلاحظ أن الإنسان المتواضع متعاون شجاع ومستعد لأن يتنازل عن حقه، حتى لو كان هو صاحب حق، إنه يتنازل من أجل تحقيق التعاون الاجتماعي، لذلك فإن الاهم في حياتنا، أننا نحتاج إلى الشجاعة الحسينية في بناء المجتمعات الصالحة، وأننا لابد أن نسير على هذا النهج لكي نتقدم ونفلح ونرتقي.

2021/09/12
ذكريات في ’طريق الأربعين’.. المرجع الحكيم: ما يحدث في كربلاء أكثر مما كنّا نحلم به!

قرره وأعده: السيد علاء العوادي

نشكر ونعتز بالإخوة الذين شاركوا في هذه المسيرة المباركة، إن هذه المسيرة قد تفضل الله بها على المؤمنين ووحد كلمتهم وجمع شملهم وألغى الفوارق النسبية والاجتماعية والمالية والعرقية والجنسية بينهم.

[اشترك]

ولم يبق شيء يجمعهم إلا كلمة الإيمان وولاية أهل البيت (سلام الله عليهم)؛ وجواب كلمة الامام الحسين (عليه السلام) التي تشير لها الزيارة المباركة (لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك سمعي وقلبي وبصري سبحان ربنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولا)، ولإن يجتمع المحبون هنا لترى كل فئة الفئة الأخرى يتألفون يتآزرون يتعارفون ويتعرف بعضهم على ما عند البعض؛ ليأخذ أحدهم ما عند الثاني من الجانب الحسن، ويؤكدون جانب الولاء بالله وبالنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وتذكيرهم دائماً بإيمانهم وهذه المدرسة تمتد الى شهر يعيش الانسان في جوها؛ وهذا الجو كما ينعكس على من يشارك في المسيرة فأنه ينعكس على كل من يشاهدها بالفضائيات أو يسمع عنها فهو يشترك معهم وتكون مذكرة له وهذه من أعظم النعم، ولابد أن يعرفها الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى حينما يرسل ويذكر (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات:55]،  فمن أفضل النعم أن يهيئ الله الأسباب للذكر، وللتفكير، والتنبيه، والإرشاد، ورفع الغفلة عن الانسان، وهذه النعمة تحتاج الى شكر فلو لم يشكر الإنسان على هذه النعم فأن الله يسلبها.

 وثم يذكر السيد الفقيد الراحل (قدس سره) بعد خروجه من السجن سنة 1412 هجري في يوم عاشوراء:

كنا نريد الخروج الى زيارة الامام الحسين (عليه السلام) وكان الموقف في خطر وتأزم فقلت لرفيقي الشيخ صادق قاموسي والشيخ عبد الهادي الأسدي سأذهب وأرى إن منعونا فقد أدينا ما علينا من إحياء لهذا اليوم، وإن لم يمنعونا فقد حصلنا على ما نريد (...) ودخلنا كربلاء ولم يكن فيها أحد وكانت خالية من الزوار، وقد أنتج الإخلاص هذا المنطقة كلها وليس كربلاء مزدحمة ومكتظة في ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه النعمة لم نكن نتصورها في عالم الرؤيا ولكنها أصبحت حقيقة والحمد لله، الكل يشارك فيها ويؤدي خدمته المطلوبة من المشي والخدمة، ولابد من شكر هذه النعمة (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7] (فلا تملوا النعم فتحور نقما) ولابد من استثمار هذه المناسبة لذكر أخلاق الإسلام وأخلاق القرآن الذي يؤكد فيها على مكارم الأخلاق (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 34-35]، والتوكل على الله والتأكيد على الالتجاء الى الله وتأكيده على الرعاية له والخوف منه والرجاء إليه دائما تنبيه الى هذا فالقرآن من أوله الى آخره دائما يشير الى التذكير بهذه الامور والنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في قولهم وسيرتهم على ذلك وكذا أصحابه يتبعوهم على هذا النهج الى أن وصلت القضية لنا فيجب علينا أن نؤدي وضيفتنا، ولابد من أن نستفيد من هذه المدرسة فلا نجعل هذه المناسبات أمر مؤقت بعد ذلك كل شيء يرجع الى حاله ومكانه فلا يحصل منها على فائدة عملية، فلابد أن تكون هذه المناسبات واعز لتحفيز وزيادة الوضع الإيماني والأخلاقي والالتزام الديني وحسن التعامل وحسن الخلق، بحيث تؤكده في المؤمنين وتكون هذه المناسبات أداة تذكير لهم في كل سنة، فلابد ان لا تنسى هذه النعمة وأن لا يغفل عنها، لأنه إذا غفل عنها تسحب بصريح الآية الكريمة (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]، فلا بد للإنسان أن لا يغفل بل يجب أن يبقى شاكراً للنعم قولاً وعملاً، فقد أعطانا الله شيء ليذكرنا وينبهنا ويوجهنا فلابد أن شكر الله تعالى ليزيده فإذا كفرنا بذلك فأن الله يسلبه منا فلتكون هذه النعمة عبرة للمؤمنين وأن لا يكونوا من الغافلين.

ثم أشار سماحته رحمه الله الى أن يديم الله هذه النعم علينا وأن توحد شمل المؤمنين وأن لا تكون للنعرات والخلافات بين بعضنا البعض سبباً لسلب هذه النعم (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46]، وكل من له وجهة نظر فيلزم أن نحترم وجهة نظره من دون مهاجمة الآخرين مما يسبب الانشقاق بيننا (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]، (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21]، ولكن هذا على أيدينا أم على أيدي غيرنا هذا نحن وتوفيقنا وإن شاء الله العاقبة للمتقين (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128].

ونسأل الله حسن العاقبة وصلاح الأحول وحسن المآل.

ما هي أهم الدروس التي نستلهما من هذه المناسبة؟

إن أهم الدروس أن نلتزم بديننا في تعاملنا وفي سلوكنا في عادتنا في تقاليدنا فلابد أن نراها موافقة للدين أو مخالفة فإن كانت موافقة فالحمد لله رب العالمين وإن كانت مخالفة نصلحها وهذه ليس بقضية صعبة -إصلاح الحال لما يوافق الدين- والجو الآن قابل لإصلاح الحال، وأن الحسين (عليه السلام) كل ما عنده هو الإصلاح والتذكير بالله ودعائه في أواخر ساعاته التأكيد على الارتباط بالله والدعاء إليه والإلتجاء إليه، والمواعيد ثابتة ولم تذهب (واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا) (وينصبون لهذا الطفّ عَلَماً لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يُدرَس أثره ولا يعفو رسمه)، وهذا وعد صدق غايته أما على أيدينا أو على أيدي غيرنا، نحن وتوفيقنا، (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}[محمد: 38]، وإن شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أهل لتحمل المسؤولية وأداء الواجب والله أرحم الراحمين وأسألكم الدعاء.

2021/09/11
شهيد الطف وضحية الفضيلة!

لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما

[اشترك]

وهكذا يأبى التفكير الصحيح من الخضوع لمسالمة من أراد بالأمة سوء وتحكم فيها مستبداً دون أن تثيره النخوة، فلا يفتأ أن يصرخ في وجوه المستبدين فيبني كيان أمته بكل ما يستطيعه وإن وجوده في الأمة النادر بل لا يدركه الشعور والحسين أبو الشهداء، لأنه المثل الأعلى للمجاهدين حيث ضرب المثل العليا لجميع الشهداء.

وواقعة الطف متى ذكرت تذکر مقرونة بالتعظيم والتبجيل ذلك لأنها اشتملت على مفاخر وعبر ما لم تحويه أي مأساة جرت في الوجود فحلت في قلب كل إنسان خضع لصاحب الرسالة أو لم يخضع. وحتى أخذت أثرها في قلب كل رجل كان الناس لا يظنون به إلا سوء فأسمعه يرثيه بما يتم عن أثرها العميق في نفسه فيقول:

 وعلى الأرض من دماء الشهيدين

علي ونجله  شاهدان

فهما في أواخر الليل فجران

وفي أوليائه قمران

فما سبب هذا التأثير الذي يجده كل من قدس الفضيلة وما سبب خلود هذه التضحية إلا لأنها قاومت الباطل بكل ما استطاعت من رفع الظلم عن الأمة وإزالة حلم الاستبداد الجائر عنها. يقول علي لأبيه:

ألسنا على الحق

فيقول له أبوه:

 بلى والذي إليه يرجع أمر العباد.

وهكذا كانت نية أصحابه وأهل بيته إيمانا بالحق وتفانيا إزاء المبدأ القويم. خرج من مكة عالما بمصرعه متيقنا أن تضحيته هذه ستعود بالخير الكثير على أمة جده سار في طريقه وهو يرتل

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

إذا مانوی حفا وجاهد مسلما

نعم هان الموت عنده وعند أصحابه الأشاوس وعظم عليهم الخضوع لذلك الفاسق المستهتر، لقد خاب ظن ابن هند فيما فكر فيه من تنصيب يزيد خليفة على المسلمين وتمكينه من رقابهم ولسنا ببعيدين عن الحقيقة إذا قلنا أن إذهاب الإسلام وفل شعاعه كان أمنية في نفس معاوية فلم يستطعها في حياته فخلف ابنه من بعده وأسر إليه بها فما تربع یزید دست الخلافة إلا أخذ يجاهر بقوله: لا خبر جاء ولا وحي نزل، وبأعماله التي ينفر القلم من ذكرها فهل يا ترى يخضع الحسين لهذا الفاجر وهو سبط صاحب الرسالة والمثل الأعلى لجده القائل فيه "حسين مني وأنا من حسين"

فصرخ في وجوه المعادين لدين الله فعاد بأجمل الذكر وفل عروش الدولة الجائرة وأوضح ما انطوت عليه نفوس أمية فحصل كما قيل : من رام تفسير الحياة لقومه

قدم الشهيد يبين عن معناها

لولا الدماء تراق لم تك أمة

بلغت من المجد العريق مناها

تسمو الحياة بكل حر ماجد

وجبت عليه حقوقها فقضاها

فسلام عليك يا ضحية الفضيلة وعلى أصحابك تحيات من الله.

المصدر: مجلة القادسية - النجف - العدد-6 - السنة الرابعة - ۱۳۹۱ هـ، ص3

 

2021/09/09
أكبر دروس الطف: الدفاع عن الدين المغتصب!

كتب الشيخ محمد جواد الجزائري:

تقدم الوجود بتطوراته، وتعالی بكماله. فتأهل للوحي الإلهي، وعبرت عليه النبوات المقدسة المحدودة متدرجة ناشرة دروس الإصلاح والصلاح. وهو يتقدم بين حدود الكمال ويعلو من حد إلى حد. حتي تأهل للنبوة المطلقة وتجلى بنبوة خاتم الأنبياء محمد العربي صلى الله عليه وآله وسلم.

[اشترك]

قام هذا النبي العظيم بنشر رسالة الوحي بين السيف والقلم حتى عمت دعوته أنحاء البشرية، وآمن بدروسها بين أوامرها ونواهيها الكثير من أحياء الصحراء ومدنها، وقبل أن يتم تطبيقها على عموم بني الإنسان، ويهتدوا بأنوارها اختار لقاءه مبدعه سبحانه فلبى دعوة ربه وفارقت روحه الطاهرة هذا الكون وفازت بسعادة ما وراء الطبيعة.

قام من بعده خلفاؤه أمناء الحقيقة يجدون في تسيير الوجود إلى الأمام، ومهمتهم نشر دروس النبوة وتطبيقها على نوع الإنسان، بيد أن عشاق الطبيعة فضت بهم ميولهم إلى مظاهرها. فقاموا بمعاكساتهم وخلافهم، وأدى ذلك إلى اضطراب في الأحوال، واختلاف في الأيدي، وتفرق في الكثرات، وتفكك في عرى الإتحاد وقعد بالوجود عن تقدمه إلى الكمال المطلق.

دام هذا الخلاف ودامت مآسيه. ومساويه في أدوار مترامية حتى استحكمت الضغائن وثارت الأحقاد بين الأفراد والجماعات، وابتعد الإسلام عن صدره، والخلافة الإسلامية تتداول بين امنائها وحافظي أسرارها على حساب التشريع الإلهي فكلما يقضي خليفة دوره ويلاقي ربه راضية مرضيا يقوم خليفة مقامه، ويجاهد جهاده، ويواصل دفاعه عن حرية العقيدة وحرمة الدين.

ولما حالت الخلافة عام 61هـ وانتهى أمرها إلى الحسين بن علي عليه السلام وتجلى للوجود فجره المشع، وقد كانت نفس الحسين عليه السلام مجردة من غواشي الطبيعة وهي في عالم الطبيعة تشاهد عالم الغيب أو العالم غير المرئي، وتستطلع الماضي والمستقبل على حد سواء حتى من دون أن تقرأ أو تسمع فترى كل شيء على الوضع الذي هو فيه، فنهض ابن فاطمة إذ ذاك بعبء الخلافة متذرعا بالإيحاء الإلهي وهو يرى تطور العقيدة الإسلامية وتشعبها بين الناس شعبة لم تأخذ نصيبها من الرشد، ولم تطرد على محورها الذي مثله الوحي الإلهي.

يرى المتهوسين من عشاق الطبيعة يردون العقيدة الدينية إلى العقيدة السياسية، ويمزجون فصول العقيدة بفصول السياسة، يرى العقيدة الدينية بين طلاب الحقائق مثالا واهيا كالألغاز والأحلام لا يكيلون لها كيلها ولا يحكموها على أغراضهم الشخصية.

يرى أن مسألة التوحيد تنازلت بين الناس عن حدود اليقين. وأصبحت مسألة حدس وتخمين.

يرى أن الأمة مرغمة على بيعة من لا صلة له بالتعاليم الإسلامية أحكامها وآدابها.

يرى أن الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهی عنه.

يرى أن الأمر الذي يطوي هذه الأمور جميعا هو قيام الدولة الأموية مقام الدین الإسلامي.

ويرى غير ذلك مما لا تثبت عليه وحدتنا الإسلامية المتماسكة في عقيدتها وشعورها، ولغتها وأدبها لهذا وقف عليه السلام موقفه الإيجابي على أبواب محكمة العدل يخاصم الخليفة الأموي. وبطانته على هذه الأحداث المفزعة نصرة للحق. ودفاعا عن الدين، وإثباتا للعدل، وإعادة للإنسانية المنتكسة إلى حدود فطرتها، واستقامتها فكانت فاجعة كربلاء العامرة بالعبرة والعظات على مر الدهور، وفيها ضحى الحسين عليه السلام وجاهد، وتحمل، وثابر وقدم جثمانه طعمة للسيوف والرماح، والسهام.

أنا لا يهمني أن أقف موقف القصصي أمام المأساة الموجعة إظهارا لخصائصها، ومزاياها الجليلة الخالدة فإن كتابنا الأفاضل قد حررت أقلامهم الحرة أكثر نواحي تأريخها، ونشروها دروسا مقدسة ستبقى تعاليمها أهدافا لكل جيل وفي كل حال .

*مقتطف من مجلة الغري - النجف
العدد -۲ - السنة الخامسة عشرة - ۱۹٥۳/ ص4.

2021/09/07
هذا أعزّ شيءٍ عند الحسين (ع)!

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

جرت عادة الصحف منذ سنوات أن تفرد عددا خاصا في الحسين سلام الله عليه عند رأس السنة مستهل محرم من كل عام فيستنهضون أقلام الكتاب ويشحذون عزائمهم لتحبير المقالات فيأخذ كل كاتب أو شاعر أو خطيب ناحية من نواحي واقعة الطف ويكتب فيها حسبما تملي عليه قريحته وثوابت قدرته.

[اشترك]

وكنا كتبنا في فواتح عدة من الصحف في مستهل السنوات الغابرة ما لو جمع لجاء مؤلفا مستقلا وكتابا فذا، أما لو جمع ما كتبه العلماء والأدباء والشعراء والخطباء في تلك الفاجعة نعم لوجمع كل ما قيل في تلك الفاجعة الدامية من بدء حدوثها إلى اليوم لاستوعب ألوف الكتب والمؤلفات وبرزت من دائرة معارف كبرى لم يأت لها الدهر بنظير، وليس هذا هو الغرض من كلمتي هذه وإنما المقصود بالبيان -أن نهضة الحسين عليه السلام على كثرة ما نظم فيها الشعراء مما يجمع مئات الدواوين وأكثر منها الخطب والمقالات وألوف المؤلفات- هل ترى أن كل ذلك وجميع أولئك أحاطوا بكل مزاياها، وأحصوا جميع خصائصها وخفاياها، ووصلوا إلى كنه أسرارها وعجائبها، كلا فإن أسرار تلك الشهادة ومزاياها لا تزال تتجدد بتجدد الزمان وتطلع كل يوم على البشر طلوع الشمس والفجر لا ينتهي أمرها ولا ينطفئ نورها ولا يحد سورها، ولعل أقرب مثل يضرب للحسين عليه السلام هو كتاب الله المجيد.

فإن هذا الفرقان المحمدي على كثرة تفاسيره وشرح نكاته ودقائقه وغوامض حقایق وأعجازه وبلاغته، وباهر فصاحته وبراعته. لا يزال کنزا مخفية ولا تزال محاسنه تتجدد وأسراره تتجلی وفي كل عصر وزمان يظهر للمتأخر من إشاراته ومغازيه ما لم يظهر للمتقدم فكأنه يتجدد مع الدهر ويتطور بتطور الزمان، نعم القرآن كتاب الله التدويني والحسين (كتاب الله التكويني)، وكل من الكتابين صنع ربوبي، ولكن الحسين والقرآن صنعهما الله للتحدي والإعجاز، وما تحدى الله بصنعه يعجز البشر عن الإحاطة به وإستیعاب مزاياه وأسراره وبدايع أحكامه وحكمته، القرآن يملي على البشر في كل زمان أسرار الكون وخبايا الطبيعة ودقائق الفطرة، ونهضة الحسين عليه السلام في كل محرم من كل سنة بل في كل سنة تملي على الكائنات عجایب التضحية وغرائب الإقدام والثبات ومقاومة الظلم ومحاربة الظالم، تلقى على العالم دروس العزة والإباء، والاستهانة بكل عزیز من نفس أو مال في سبيل نصرة الحق وقمع الباطل، والدفاع عن المبدء والعقيدة يلقي على الواعين دروس الأخلاق الفاضلة، والإنسانية الكاملة والسجايا العالية والملكات الزاكية وكل ما جاء به القرآن والسنة من الخلق العظيم والنهج القويم لكن جاء كما القرآن قولا وطبقها الحسين عليه السلام عملا وأبرزها للناس يوم الطف عيانا، أتريد أن تتعرف بناحية مما صنع الحسين يوم الطف أنظر إلى الكتاب الكريم فإن أقصى ما طلبه من العباد في باب الجهاد هو الجهاد بالنفس.

 (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) والحسين سلام الله عليه لم يقنع بهذا حتى جاهد بماله ونفسه وأولاده وعياله وأطفاله والصفوة من صحبه وأسرته، صنع الحسين يوم الطف صنع العاشق الولهان فضحي في سبيل معشوقه كلما عثر وهان، كان الله أعز شيء عند الحسين فأعزه الله وصار ثار الله في الأرض والوتر الموتور.

نعم قلنا ولا نزال نقول إن نهضة الحسين عليه السلام لا تحصى أسرارها ولا تنطفئ أنوارها ولا تنتهي عجائبها.

وعلى افتتان الواصفين بوصفه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف، فصلوات الله عليك (أبا عبد الله) وعلی نهضتك المقدسة التي حيرت الأفكار وأذهلت العقول، وأدهشت الألباب، وأعجزت عن الإحاطة بها كل كاتب وكتاب، على مر الدهور وتمادي الأحقاب.

*مقتطف من مجلة البيان - النجف - العدد -۱۱، ۱۲، ۱۳، ١٤ - السنة الأولى -۱۹٤۷/ص۲۷٥.

2021/09/07
الحسن يصالح والحسين يقاتل: مقارنة بين موقفين متضادين.. أيهما الصحيح؟!!

لماذا لم يصنع الإمام الحسن (عليه السلام) كما صنع الإمام الحسين (عليه السلام)؟

[اشترك]

قد يعقد البعض مقارنة بين ما فعله الإمام الحسن (عليه السلام) من مصالحة معاوية، وما فعله الإمام الحسين (عليه السلام) من عدم مصالحة يزيد، ويتساءل قائلاً: إذا كان الصلح هو الصحيح فلمَ لم يصالح الإمام الحسين عليه السلام؟ وإذا كان عدم الصلح هو الصحيح فلم صالح الإمام الحسن عليه السلام؟

ونحن نجيب على هذا التساؤل بأمور:

١.إذا كنا نرى أن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام معصومان فلا بد من التسليم بأن ما فعله كل منهما صحيح وإن لم نفهم الحكمة منه ووجه المصلحة فيه.

٢. أن الظروف التي أحاطت بالإمام الحسن عليه السلام تختلف كلياً عن الظروف التي أحاطت بالإمام الحسين عليه السلام، فلا يصح القياس مع هذا الفارق الكبير، فإن الناس كانوا ينظرون إلى معاوية أنه صحابي، ولم يكن رفض حكم معاوية له أية مبررات عندهم، باعتبار أن معاوية كان واليا من قبل عمر وعثمان على الشام طيلة عقدين من الزمان، بخلاف يزيد فإنه لم يكن صحابيا، بل كان معروفا بالفسق والفجور والتجاهر بالمنكرات، وحكمه لم ينل الشرعية من أمثال عمر وعثمان، مع أن فساد الحكم الأموي حينذاك قد ظهر للعيان، فإن الأمويين خلال فترة حكم اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا.

٣. أن معاوية لم يطلب من الإمام الحسن عليه السلام البيعة، بخلاف يزيد فإنه أراد إكراه الإمام الحسين عليه السلام على بيعته، ولم يجعل له خيارا في القبول أو الرفض، وإمام الحق لا يبايع إمام الضلال، فكان لا بد من رفض تلك البيعة مهما كلف الأمر، ولهذا روي عن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال: «ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السَّلة (أي الحرب بالسيف)، والذلة (أي البيعة)، وهيهات منا الذلة». 

٤. أن الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله قد أخبرت أن الإمام الحسن عليه السلام يصالح، والإمام الحسين عليه السلام يقتل بغير حق.

فقد أخرج البخاري في صحيحه 2/962 أن أبا بكر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

وعن نجي الحضرمي أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي:» اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلت: وما ذاك؟ قال: دخلت علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل عليه السلام، قال: فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم، قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا. (مجمع الزوائد 9/187، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، ورجاله ثقات).

وفي هذين الحديثين وغيرهما دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وآله قد صوَّب فعلهما وارتضاه، وإلا لأنكر عليهما فعلهما، وحذرهما من مغبته.

2021/09/06
قولة ووقفة: الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم

‏كتب السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي

وقف الناس منذ الأزل وسيقفون إلى الأبد بين ضدين كانا يصطرعان منذ الأزل وسيظلان في صراعهما ذاك إلى الأبد.

[اشترك] 

هذا «معنى» يدعو وتلك مادة تغري، والناس بينهما كثرة ساحقة يبهرها خداع الإغراء، وقلة معدودة يجتذبها شعاع الدعاء ومهما اختلف أفانين القول، وسمت ضروب الإجادة في وصف الخليقة التي تعشو بالكثرة عن شعاع الدعاء، وتميل بها إلى خداع الإغراء فليست ببالغة بعض ما بلغته كلمة الحسين (عليه السلام) في أدبه الصادق المصور الخارج من أعماق الحياة وسريرة الخلق بأوضح ملامح الناس في مثل هذا المأزق الشاق العسير.

قال (عليه السلام):

«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه مادرت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»

هذه قولة لم أجد لها عدلا غير وقفة للحسين، وهي وقفته تلك التي تدعوك وتدعو الملايين في كل جيل إلى تمجيد الحسين مجمع البطولات وباعث الثورات التحريرية بنظم الإرهاب والظلم والاستئثار.

وقفة الحسين عليه السلام وحدها تعدل كلمته في تصوير هذه الخليقة التي تنحرف بالناس عن أمجاد مثلهم، وتضغط على مجاري دمائهم فإذا هم عصب ضعيف. موهون رخو تترادفان في مر صدى الحسين من الأزل إلى الأبد وهما القول والعمل اللذان يشبهان الحسين أتم الشبه في جميع ما قال وجميع ما عمل، ويلقيان أن يكونا مفتاح شخصيته التي اجتمعت لها ما تفرق من البطولات مع أبطال هذه الأرض.

وستظل قولته تلك، ووقفته هذه تدینان هذا الوجود الشره البطر بخزي يضع الكثرة ويمجد يرفع القلة مهما اختلفت المقاييس.

فعلى أبي عبد الله تحية من ربه وسلام).

المصدر: مجلة الغري – النجف – العدد – ۹، ۱۰ – السنة الثامنة – ۱۹٤۷/ص٢٥. 

2021/09/06
تنقية السيرة الحسينية.. حقيقة أم روح التمرد؟!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

إنَّ ما نلاحظه عمومًا في محاولات دعاة تنقية تاريخ نهضة الطف قد يُلَخّصُ في النقاط التالية:

[اشترك]

1- فقدان الأطروحةٍ المنهجيّةٍ للتوثيق التاريخي، فترى البعضَ يعمَدُ في محاولته إلى طرح حفنةٍ من النماذج ليهيلَ عليها وعلى ناقليها وابلاً من لاذع النقد دون أن يرتكز في نقده على أسسٍ واضحةٍ وآليّاتٍ محددة. فتارة ينطلق من عدم اعتبار المصدر وأخرى من قصور السند وطورًا من جهة أخرى، بينما تراهُ يأخذُ بما يشتمل على هذه النقاط في موضع آخر دون إبراز ميزان لهذه الازدواجية.

ولذا نرى أن غياب الأطروحةِ المنهجيّة تولّد تلقائيًا حالةَ الفرزِ الانتقائيّ بما يتوافق مع أهواء الناقد واستذواقاته الشخصية.

2- عدم تحديد دائرة البحث مما يحول دون بنّائيته إلى حدّ الاشتغال بتتبع عثرات النعاة والتقاط هفوة هنا أو كبوة هناك فيقومون بنشرها وتخليدها بَدَلاً من وأدها مما يلزم منه نقض الغرض، فتتحول الهفوة التي ألقيت في مجتمع خاص محدود إلى مدوّنةٍ تتناقلها الأجيال ومادةَ تشنيع يتلقفها المغرضون.

 بل قد تتسرب فيما بعد إلى تاريخ النهضة فيكون للناقد شرفُ الإسهام في التحريف بعد أن كان قاصدًا تنزيه التاريخ وتنقيته من عناصر التزييف.

3- غياب الموضوعية والمنطق في عملية التنقية وغلبة الأجواء التهويلية وإطلاق الادعاءات المضخّمة بفعل تحكم الانفعالات النفسية على أقسامها.

4- تأصل عقدة النقص وفقدان الثقة بالذات والتي كثيرًا ما تنتاب أبناء الفئة المضطهدة عبر التاريخ تأثرًا بالحملات التشنيعيّة الحاقدة؛ فيتحرك الباحث ليدافع عن قضيته بإسقاط كل ما يظن أنه ثغرةٌ ينفذ الشانئون من خلالها فيبادر إلى النفي والنقد مستبقا للغير من باب النقد الذاتي قطعًا للطريق أمام نقد الآخرين للمدرسة التي ينتمي إليها.

وقد تتفاقم هذه الحالة فيصاب صاحبها بداء فقدان الهوية المعرفية.

5- عدم امتلاك الخبرويةِ المطلوبةِ في هذا المضمار، من الإحاطةِ بالمصادرِ والتمييز بين غثها وسمينها، ومعرفة المراجعِ ومآخذِها والوقوف على آلياتِ الجمع ومِلاكاتِ التنافي بين النصوص والتبحر في اللغة وأساليب البيان في سبيل فهم النص.

6- عدمُ خوض غمارِ التتبعِ المسوّغِ للبَتِّ في الواقعة نفيًا وإثباتًا إمّا لعدم توفر المصادر وإمّا للتسرع الذي قد يعود لإحدى النقاط الآنفة أو الآتية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ما يمتاز به النفي في إثباته إذ يحتاج إلى استقصاء شامل واستقراء تام بخلاف الإثبات الذي قد يكفي فيه العثور على نص معتبر.

7- الاشتغال بالمفردات الجزئية وإيلاؤها عظيم الاهتمام بما يؤول إلى زعزعة المكونات الأساسية في الذهنية العامة، وبذلك يسقط نداء الحقائق الهامة صريع صخب التفصيلات.

8- عدم الوقوف على منطلقات النهضة وأهدافها وآلياتها العملية المرسومة لها، مما يجرُّ الناقدَ إلى استنكار جملة من الحوادث ونفي كثير من المواقف دون استناد إلى حجة، بحجة تصادمها مع العلة الغائية المتوخاة منها.

9- النقص المعرفي ولا سيما في الجنبة العقائدية، حيث لا سبيل لورود مشرعة هذه النهضة دون توفر المخزون المعرفي العقدي الذي يمثل الإطار الجوهري الأساس في توثيق المنقولات التي تحكي خطوطها وخيوطها وترسم ملامحها بكلّ تفاصيلها.

10- فقدان السمو الروحي والتأصّل الأخلاقي، إذ كيف يمكن لمن هو أجنبي عن روح الواقعة بتمام ما للكلمة من معنى، ومن يحكم أفكاره وأفعاله النمطُ المادي الدنيوي أن ينفذ إلى لُباب نهضة إلهيّة إنسانيّة ترتكز على البُنيَةِ الأخلاقيّة القيمية وتستقي مدادها من عالم الغيب، هيهات، هيهات أن يلامس مثل هذا قِرابَها فضلاً عن استجلاء لُبابها.

11- طغيان روح التمرد على التراث: لقد مُنينا في عصرنا بحالة هي الأولى من نوعها بحسب ما وصل إلينا من أنباء الماضين. ألا وهي روح التمرد على التراث وهاجس الولع بالتجديد. لقد وصل الأمر ببعضهم إلى أن يَعُدَّ نسفَ المسلّمات التاريخية فتحًا مُبينًا.

إننا لا نأبى التجديد ولا ننكر أهميته، بل نرى بأنه الوسيلة الناجعة للحفاظ على المضمون إذا ما اقتصر على جهة الأسلوب، أما إذا انقلب إلى هدف في حد ذاته فلا نرى فيه إلا محقًا للدين بل سائر الشرايع والقيم.

وإننا مع التحقيق والتدقيق في التراث لكن بشرط أن لا يتضخم كخلية سرطانية فيفتك بالجذور لنصبح كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

إنّ موجة التمرد هذه أصبحت واقعًا لا يمكن أن يضمر، وقد تجلت في بعض النتاجات التي عالجت بعض مفردات تاريخ النهضة فعاجلتها بالإنكار.

 

12- سيطرة روح التشكيك: لا شك في أن الشك ضرورة فكرية تشكل الجسر للوصول إلى الحقيقة إنه القنطرة التي إذا ما أحسن المرء سلوكها وصلت به إلى اليقين المقصود.

لكن الشك هذا بإمكانه أن يتحول إلى حالة مَرَضيّة يقعد بالإنسان عن الرُّقيِّ المعرفيّ، فإنَّ من أكبر آفات العقل البشري -ومنذ القِدَم- هو اختناقه في شرنقة قاتلة من الشكوك.

وقد تبلورت هذه الحالة في العهد الإغريقي على يد رمزين من رموز هذا المنهج وهما تيمون وبيرون ثم سرعان ما تلاشت بفعل كفاح سقراط وغيره من رواد منهج اليقين لتعود بحلة جديدة بعد الانفجار المنبثق عن روح التمرد على عهد الاستبداد الكنسي في الغرب لتتردد أصداء منهج الشك في الساحة الفكرية الإسلامية والعربية في عملية اجترار نمطي على يد ثلة من المنبهرين بالنتاج الهجين، حيث قدَّموا للأمة ما أكل الدهر عليه وشرب من أفكار الأغارقة ملبّسًا لَبوسَ التجديد، ليدور المثقف في دوامة من الشك لا يخرج منها حتى خروجِ النَّفسِ عن رَوح آخرِ الأنفاس.

13- الإسقاط: باتخاذ نتائج وقناعات مسبقة قد تكون ناشئة عن خلفيات كوّنتها ظروفٌ مرحلية تحجب الرؤية المجردة وتدفعه نحو إسقاط الوقائع عليها.

14- الأغراض التعبوية: تفسير الواقعة بما يُجَيّرُها لمصلحة مشروع سياسي أو عسكري معين يدفع بأصحابه لإزالة جميع المفردات التاريخية التي تعاكس خطابهم التعبوي.

إنَّ هذه الهنات لوحظت على تلك المحاولات من حيث المجموع، بمعنى أنها ليست مجتمعة في محاولة واحدة بل بعضُها يجل عنه بعضُ من ابتُلي ببعضها الآخر.

2021/09/05
لماذا لم يعمل الإمام الحسين (ع) بالتقية؟!

لماذا لم يعمل الإمامُ الحسين (عليه السلام) بالتقيَّة؟ أليست ثورتُه إلقاءً للنفس في التهلكة؟

[اشترك]

لم يكن الظرفُ الذي عايشه الإمامُ الحسين (عليه السلام) مورداً للتقيَّة، ذلك لأنَّ تشريع التقيَّة منوط بأمورٍ كثيرة مذكورةٍ في كتب الفقه أهمُّها هو أنْ لا يترتَّب على التزام التقيَّة مفسدةٌ أكبر مِن عدم التزامها. 1

بمعنى أنَّه لو كان في التزام التقيَّة مفسدة تفوق المفسدة المترتِّبة على ترك التقيَّة فإنَّ التقيَّة حينئذٍ لا تكون مشروعة.

فلو دار الأمر بين التحفُّظ على النفس مِن الهلاك وبذلك تنطمسُ معالمُ الإسلام أو يدخلُ الوهن الشديد عليه، وبين تعريض النفس للموت فتبقى معالمُ الإسلام واضحة دون أنْ يمسَّها اندثار أو يدخلها الوهن فإنَّ التحفُّظ على النفس تقيَّةً في الفرض المذكور غيرُ مشروعٍ بضرورة الفقه، ذلك لأنَّ أبرز ملاكات جعل التقيَّة وتشريعها هو حفظ معالم الإسلام عن أنْ تكون في معرض الاندثار أو أنْ يدخل عليها أو على حملتها الوهن الشديد، فإذا لزم مِن التقيَّة ذلك فإنَّ تشريعها يكون مِن نقض الغرض.

لذلك لا يصحُّ الاستدلال بحكومة أدلَّة التقيَّة على الأدلَّة الأوليَّة القاضية بوجوب حماية الشريعة، لأنَّ أدلَّة التقيَّة الحاكمة على الأدلَّة الأوَّليَّة قاصرة عن الشمول لمورد البحث.

لاستلزام القول بحكومتها في مورد البحث لنقض الغرض مِن تشريع التقيَّة.

ولذلك يكون وجوبُ حماية الشريعة غيرَ محكوم بأدلَّة التقيَّة كما هو ليس محكوماً بقاعدة نفي الضرر والحرج بنفس التقريب، وهو قصور القاعدة عن الشمول للفرض المذكور، إذ أنَّ قاعدة نفي الضرر والحرج سيقت لغرض التحفُّظ على ما هو أهمّ ملاكاً، فإذا كان التحفُّظ على النفس أو المال يُفضي لفوات ما هو أهمّ ملاكاً فإنَّ تشريع القاعدة يكون مِن نقض الغرض، وهذا هو ما يُوجب استظهار قصور القاعدة عن الشمول للمورد المذكور، حيث افترضنا فيه أنَّ ملاحظة الضرر أو الحرج أو التقيَّة يُنتج فوات ما هو أهمّ ملاكاً بنظر الشريعة والذي هو التحفُّظ على معالم الإسلام وأصوله عن أنْ تكون في معرض الاندثار.

إذا اتَّضح ما ذكرناه يتَّضح أنَّ موقف الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن منافياً للتقيَّة لأنَّ ظرفَه لم يكن مورداً للتقيَّة، إذ أنَّه لو عمل بالتقيَّة فقبِل البيعةَ ولم يخرج على يزيد فإنَّ النتيجة المترتِّبة على ذلك هي استمرار النظام الأمويِّ في مخطَّطه الرامي لطمس معالم الإسلام الأساسيَّة، وذلك تحت غطاءٍ شرعي دثَّر به نفسه.

وبيان ذلك:

إنَّ النظام الأموي قد روَّج -وبواسطة المتزلِّفين مِن الرواة- أحاديثَ عن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) مفادها وجوب طاعة أولي الأمر وإنْ جاروا وظلموا وأظهروا الفسوق والمعاصي واستأثروا بالفيء وعبثوا في مقدَّرات الناس، وإنَّه لا يجوز الخروج عليهم وشقّ عصا الطاعة بل يجب أداء حقّهم دون مطالبتهم بالحقّ الذي عليهم وإنَّما هو الصبر والاحتساب. 2

هذا ما روَّجه بنو أُميَّة لغرض تخدير الأمَّة ليضمنوا بذلك بقاء سلطانهم، وحينئذٍ يتهيَّأُ لهم تمرير مخطَّطاتهم الرامية لإعادة الأمَّة إلى الجاهليَّة الأولى.

لذلك لم يكن مِن طريق لإيقاظ الأمَّة وحماية خطِّها الرسالي الذي يُراد له الامتداد والاستمرار إلاَّ أنْ ينبري رجلٌ هو بحجم الحسين (عليه السلام) ليُعلن أنَّ ما يُروِّجه الجهاز الأموي مِن وجوب طاعة السلطان الجائر ليس مِن الإسلام في شيء، فلقد كانت الأمَّة تثقُ في الحسين (عليه السلام) وبمعرفته التامَّة بمبادئ الإسلام وبسنَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كان الأمر كما ينقله الرواة المتزلِّفون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان الحسين (عليه السلام) هو أعرف الناس بذلك، فإعلانُه الثورة على النظام الأموي تعبيرٌ واضح عن تكذيب ما يتناقلُه الرواة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولم يكن بوسع الحسين (عليه السلام) أنْ يوصل صوته لجميع الأمَّة ولمستقبلها لو اكتفى بالتكذيب القولي، ذلك لأنَّ مِن اليسير على الطغمة الأمويَّة التعتيم على الحقائق بعد أنْ كانت مقدَّرات الأمَّة كلّها بأيديهم، فالحواضرُ الإسلاميَّة بأسرها كانت تحت نظارتهم وفي قبضتهم، فَهُم الذين يختارون الولاة وإمام الحاج والقضاة والوعّاظ، وقد كانوا يبذلون الأموال الكثيرة للذين يضعون الأحاديث المناسبة لهواهم ومصالحهم. 3

فليس ثمَّة مِن وسيلةٍ قادرة على الوصول لجميع مسامع الأمَّة وقادرة على الصمود أمام التعتيم الإعلامي سوى ثورةٍ مجلجلة ومدوِّيَّة يكون رائدُها رجلاً هو ألصق الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلمهم بما جاء عنه.

أعتقد أنَّ القارئ الكريم يُدرك مستوى الخطورة المترتِّبة على تأصيل المفهوم الذي روَّج له بنو أميَّة، وهو وجوب الطاعة للسلطان وإنْ جار وظلم وأشاع الفساد والضلال، ذلك لأنَّ هذا المفهوم يُهدِّد بتقويض كلِّ بُنَى الإسلام وقيمه، حيثُ إنَّ للسلطان ممارسة دور التضليل والتجهيل وترويج المفاهيم المنافية للدين وتأصيلها بواسطة الوسائل الكثيرة المتاحة له ولا يجد مَنْ يقف في وجهه، ذلك لأنَّ المفترض أنَّ الوقوف في وجهه ينافي وجوب الطاعة المفروضة على الأمَّة.

وبذلك يسير النظام الفاسد بالأمَّة نحو الانحدار تدريجيّاً حتًّى يصل الأمرُ إلى حدٍّ تكون معه الأمَّة قد فقدت هويَّتها ولم يبقَ عندها مِن الإسلام إلاَّ اسمه.

وهكذا الحال فيما يتَّصل بالجانب القيمي والأخلاقي فإنَّه لمَّا كان قادراً على تسخير كلّ وسائل الإغراء والانحلال والتفسيق وإشاعة الفاحشة مع تعطيل الحدود والتعزيرات في الوقت الذي لا يخشى مِن المواجهة بعد افتراض وجوب الطاعة فإنَّ مصير الأمَّة عندئذٍ هو التحلُّل تدريجيّاً مِن كلِّ القيم والمبادئ الأخلاقيَّة التي حرص الإسلام على تمثُّلها والعمل وفق ضوابطها.

وإذا قيل أنَّ وجوب الطاعة لا يعني إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنَّ للعلماء أنْ يمارسوا هذا الدور ويُعرِّفوا الناس معالم الإسلام.

قلنا: إنَّ العلماء مهما بذلوا مِن جهد فإنَّهم لن يمتلكوا الوسائل التي يمتلكها السلطان بعد أنْ كان زمام الأمور بيده وخزائن الأمَّة في قبضته، وبعد أنْ كان على الناس أنْ توفِّيَه حقَّه دون أنْ تكون لهم المطالبة بحقوقهم، فالزكوات والخراج وموارد البلاد إنَّما تجبى للسلطان، فله أنْ يعطي مَنْ يشاء ويمنع مَنْ يشاء، على أنَّ له أنْ يمنع العلماء عن الجأر بالحقِّ أو يُضيِّق عليهم، وليس لهم حينئذٍ أنْ يشقُّوا عصا الطاعة.

فلو أنَّ السلطان أغفلهم بل لو أذِن لهم أنْ يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ومارس في المقابل دور التضليل والتجهيل وإشاعة الفساد فإنَّ أثر دوره سيكون أبلغ، وذلك لامتلاكه كلَّ منابع القوَّة القادرة على تمرير كلِّ مخطَّطاته ومآربه، كيف والحال أنَّ له أنْ يمنع العلماء عن ممارسة دورهم أو يُضيِّق عليهم في ذلك.

إذن فالنتيجة أنَّ بني أميَّة لو لم يُمارسوا سوى دور التأصيل لمفهوم وجوب الطاعة للسلطان واعتبار ذلك مِن الدين لكان ذلك كافياً في تعريض كلِّ مبادئ الإسلام وقيمه للخطر الحتمي.

فلو أنَّهم لم يكذبوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلاَّ هذه الكذبة والتزموا في المقابل بكلِّ ما جاء به الإسلام مِن قيم ومبادئ فلم يختلقوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الأباطيل، ولم يسيئوا إلى مقامه ولم يحرِّفوا عقائد الإسلام، ولم يعبثوا في أحكام الشريعة ، ولم يستأثروا بالفيء لهم ولأعوانهم، ولم يعطِّلوا الحدود، ولم يشيعوا الفاحشة والفسوق بين الناس، ولم يُثيروا الفتن والأضغان القبليَّة، ولم يمكِّنوا ولاتهم مِن رقاب المسلمين، ولم يسفكوا الدم الحرام، لو لم يفعلوا كلَّ ذلك واكتفوا بالتأكيد على أنَّ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد نهى عن الخروج على السلطان الجائر وألزم الأمَّة بوجوب طاعته 4واختلقوا لذلك الأحاديث الكثيرة بواسطة الرواة الذين يظهرون التديَّن والنسك واستطاعوا أنْ يؤصِّلوا هذا المفهوم في نفوس الأمَّة.

لو لم يكن إلاَّ ذلك لكان الأمر مستوجباً لتصحيح هذا الانحراف الذي يُهدِّد بتقويض كلِّ معالم الإسلام، كيف والحال أنَّهم اقترفوا كلَّ هذه العظائم التي أشرنا إليها متخندقين بأسطورةٍ زعموا أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أكَّد عليها واعتبر الخارج عليها باغياً وشاقّاً لعصا المسلمين ومريداً لإحداث فتنة في الأمَّة، وهي أعظم جناية يمكن أنْ يرتكبها مسلم في حقِّ ربِّه ودينه، لذلك لم يكن ليجرأ أحد على أنْ يُوصَم بكلِّ هذه الخصال.

فلا بدَّ وأنْ ينهض بهذا الأمر رجل يصعب على بني أميَّة وصمه بذلك كما يصعب على الأمَّة أنْ تسِمه بذلك، وحينئذٍ تتبدَّد الأسطورة وينفتح بذلك طريق النضال الذي أوصدَه النظام الأموي بذريعةٍ هي بالغة في الاستحكام.

وبنظري أنَّ أعظم أثرٍ ترتَّب عن ثورة الحسين (عليه السلام) هو هذا الأثر، إذ لولاها لتمكَّن بنو أميَّة مِن تمرير كلِّ مخطَّطاتهم الرامية لطمس معالم الإسلام، ذلك لأنَّ نهضته (عليه السلام) أوهنت القاعدة التي اعتمدها النظام الأموي لغرض استمرار هيمنته على مقدَّرات الأمَّة، وانفتح بذلك الطريق أمام المناضلين والثوَّار، فليس عليهم مِن حرجٍ عندما يُزمعون الخروج على أيِّ نظامٍ فاسد.

وإذا اتَّضح ما ذكرناه يتبيَّن أنَّ ظرف الحسين (عليه السلام) لم يكن مورداً للتقيَّة وأنَّ إيقاع النفس في التهلكة وإنْ كان متحقِّقاً في مثل نهضته إلاَّ أنَّه ليس مِن غضاضة في ذلك بعد أنْ كان بقاء الإسلام حيّاً نابضاً في ضمير الأمَّة هو الأثر المترتِّب على إيقاع النفس في التهلكة.

الهوامش:


1. الهداية - الشيخ الصدوق - ص 52/ كفاية الأحكام - المحقق السبزواري - ج 1 ص 412/ الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - ج 18 ص 135/ كتاب المكاسب - الشيخ الأنصاري - ج 2 ص 87/ الخلل في الصلاة - السيد الخميني - ص 8/ كتاب الطهارة - السيد الخوئي - ج 4 ص 246.

2. فتح الباري - ابن حجر - ج 2 ص 157/ عمدة القاري - العيني - ج 5 ص 228/ صحيح ابن حبان - ابن حبان - ج 10 ص 448/ المعجم الأوسط - الطبراني - ج 6 ص 174/ فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي - ج 4 ص 175/ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل - الباقلاني - ص 478/ التاريخ الكبير - البخاري - ج 5 ص 267/ تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج 9 ص 301/ الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي - ابن النجار البغدادي - ص 51.

3. راجع شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 11 ص 44/ تذكرة الموضوعات - الفتني - ص 101/ أضواء على السنة المحمدية - محمود أبو رية - ص 135/ تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - ج 13 ص 471/ أبو هريرة - السيد شرف الدين - ص 35 وغيرها كثير.

4. نيل الأوطار - الشوكاني - ج 7 ص 361/ فتح الباري - ابن حجر - ج 13 ص 5/ تفسير البحر المحيط - أبي حيان الأندلسي - ج 1 ص 551.

2021/09/04
’نافذ البصيرة’.. لماذا يحب الناس أبا الفضل العباس (ع)؟

​كتب الشيخ مرتضى معاش:

العباس بن علي: بصيرة المنتصرين

روي عن الامام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) انه قال: (كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا).

[اشترك]

كان أبو الفضل (عليه السلام) لديه القدرة على رؤية ما لا يراه الناس، مؤمنا بنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، نافذ البصيرة وسداد الرأي، وصلب الإيمان، فالناس الذين لا يملكون رؤية وبصيرة وفهم للأمور، يصبح إيمانهم متزعزعا متصدعا، فالإنسان صاحب الإيمان القوي هو الذي يملك البصيرة ويعرف الإمام جيدا، وقد كان أبو الفضل العباس (عليه السلام) قمة في معرفة الإمام الحسين عليه السلام بأنه إمام معصوم مفترض الطاعة من قبل الله عز وجل.

وقد جاء في الزيارات الجامعة (عارف بحقكم)، (مُعْتَقِدٌ لِإِمَامَتِكُمْ مُقِرٌّ بِخِلاَفَتِكُمْ عَارِفٌ بِمَنْزِلَتِكُمْ مُوقِنٌ بِعِصْمَتِكُمْ‏ خَاضِعٌ لِوِلاَيَتِكُمْ)، فالبصيرة هي التي تقود الإنسان إلى المعرفة، فالشخص الذي يقف هكذا موقف في يوم عاشوراء يعبر عن بصيرة عالية وكبيرة جدا، ترى وتعرف وتدرك كل الأمور الحقيقية والحقيقية في الحياة، فالبصيرة هي الطريق لليقين في مواجهة الشك.

ما نشاهده اليوم وخصوصا في عصرنا هذا من كثرة الشك والتشكيك، وضعف الإيمان في المجتمع، يعود سببه بان الناس أصبحوا يعيشون في مستنقع المادية كثيرا، وبسبب التطور التكنولوجي والمادي، سيطرت المادية على كل شيء في الحياة، لذلك أصبحت السطحية تسيطر على الحياة، وفقدت الإنسانية مواقفها الصحيحة والسليمة.

العدمية الفانية والوجود المطلق

الإنسان الذي يعيش يومه ويريد أن يأكل، ويشرب، ويلتذ فقط ويعيش بأسلوب النفعية والمادية الاستهلاكية، حينئذ فإن النفعية تسجن الإنسان في عبودية مطلقة، تجعله يعتقد بأنه لا يوجد شيء آخر غير هذه اللذات التي يعيشها.

أما الإنسان الذي هو أبعد من هذا المعنى، ويفكر بأن هناك اهدافا عظيمة ومسؤولية كبيرة في هذه الحياة، وهناك قيمة كبيرة للإنسان بسمو الذات، فهو سيحاول ان يكون مثل أبي الفضل العباس (عليه السلام)، يؤمن بالوجود المطلق للوظيفة والمسؤولية الشرعية، لذلك نحن في عالم اليوم نحتاج إلى أن نسير على سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، لا نفكر أن نعيش يومنا ونحمي حياتنا فحسب، من أجل دقائق ولحظات وأيام وأشهر وسنين في ظل العبودية والذل والرق المادي والعدمية الفانية. بل لابد من السير في طريق الوجود المطلق وهو الخلود بمعنى سمو الذات وارتقاء النفس وعلو الشخصية.

عزيمة وثبات

كان أبو الفضل العباس (عليه السلام) يمتلك العزيمة والثبات في يوم الطف، وكان نموذج من النماذج العلوية الكبيرة، وقد اكتسب هذه السيرة من آبائه، فقد كانت سيرته سيرة الإمام علي (عليه السلام) في كل شيء من الشجاعة، والتقوى، والإيمان، والعزيمة والثبات في وجه الطغاة، فكانت سيرته إسعاد البشرية وإنصافها، وبناء الإنسان بصورة صحيحة، كان هذا النموذج المبدئي في مقابل ذلك النموذج الانتهازي.

النموذج الأموي الذي كان يريد السلطة فقط أن يحكم الناس، وأن يستعبدهم ويسيطر عليهم، فتحولت الحياة في تلك الأيام (أيام الأمويين) إلى عبودية، ومادية ضحلة، وقدرية وجبرية، والقبول بالذل والعبودية، وهذا المنهج هو غير منهج الأنبياء (عليهم السلام)، وغير منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وغير منهج الإمام علي (عليه السلام)، وغير منهج الإمام الحسين (عليه السلام)، لذلك أبو الفضل العباس(عليه السلام) هو تجسيد للمنهج العلوي في الثورة ضد الرضوخ المادي، ورفض الرضوخ لتلك الانتهازية، التي بالنتيجة تستفز وتستخرج كل الشرور والرذائل مثل النفاق والخوف والسرقة والكذب والخيانة، فكانت معركة كبيرة من أجل صعود الإنسان أخلاقيا.

قيمة الوفاء

لماذا يحب الناس أبا الفضل العباس (عليه السلام)؟ لماذا هذا الحب الكبير الهائل في كل العالم؟ يحبونه ويعتقدون به لقيمة موقفه مع الإمام الحسين (عليه السلام)، كانت قيمة عالية تمثل الوفاء باطلاقه، وليس فقط لأنه أخيه، بل لأنه الإمام المفترض الطاعة فلذلك نحن نحتاج أن نسلك الدرب الذي سلكه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، أن تكون لنا مواقف في الحياة، وان لا نستسلم لتلك الرذائل والشرور التي تنتشر في بعض المجتمعات، وان لا نستسلم للمصالح المؤدية للأنانية والشغف بالسلطة، واللهاث وراء الشهوات والمنافع الخاصة، وننسى المواقف الكبيرة التي يحتاجها الإنسان حتى يثبت وجوده الإنساني، ما قيمة الإنسان لو ربح كل شيء وخسر نفسه؟! وخسر وجوده ليكون عنده قصورا ولتكن عنده أموال ومليارات، ماذا يفيده لو خسر نفسه خسر جوهره، لكن أبي الفضل العباس (عليه السلام) في معركة المصالح والأخلاق ربح نفسه ربح قيمته، ولذلك يبقى خالدا في التاريخ، ولن ينساه الناس بل يستمرون في تعلم منه الخير والفضيلة والمواقف الصالحة.

الموقف السليم

عندما بادر شمر بن ذي الجوشن إلى ابن مرجانة، فأخذ منه أمانا لأبي الفضل وأخوته، وأراد إن يستميلهم ويخرجهم من معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فقال له العباس بن علي عليهما السلام: (لَعَنَكَ اللّهُ ولَعَنَ أمانَكَ وَاللّهِ، إنَّكَ تَطلُبُ لَنَا الأَمانَ أن كُنّا بَني اُختِكَ، ولا يَأمَنُ ابنُ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وآله).

 هكذا كانت قيمة العباس (عليه السلام)، بهذا الموقف الكبير لذا ننصح الشباب أنه لا ينجرف وراء المصالح الآنية، وراء اللذائذ النفعية، فهذه تسقط الإنسان لا تربي الإنسان، الإنسان يتربى بالتقوى، يتربى باتخاذ الموقف السليم، واتباع القيم الأخلاقية الفاضلة، بأن نجعل أبا الفضل العباس (عليه السلام) مدرسة متكاملة لنا في حياتنا.

شجاعة العباس

عندما نتكلم عن شجاعة أبي الفضل العباس، لا نقول كم قاتل، وإنما نقول كم كان موقفه عظيما في عاشوراء؟ هذه الشجاعة أن يتخلى الإنسان عن ذاته، ويقف ذلك الموقف الكبير، هذا هو معنى الشجاعة أن يقاوم الشهوات، ويقاوم الغرائز، ويعطي لموقفه العظيم قيمة كبيرة، فلا بد ان نشجع شبابنا على هذه المواقف العظيمة، وأن يسلكوا سلوك أبي الفضل العباس (عليه السلام) في شجاعته وشجاعة اتخاذ الموقف الصحيح في الحياة، وعدم الانجراف وراء المنافع الدنيوية.

الحرية والعبودية

كان صراع الأنبياء مع الطواغيت صراع بين الحرية والعبودية، وليس صراع من اجل السلطة، وكذلك الصراع الموجود ضد أهل البيت (عليه السلام) كان صراع بين الحرية والعبودية ضد الطواغيت، الذين يريدون استعباد الناس، وكانت رسالة الأئمة عليهم السلام، هو كذلك تحرير الناس من الذل، لذلك كانت معركة الإمام الحسين (عليه السلام) معركة من أجل الحرية والكرامة وعدم القبول بالذل، (هيهات منا الذلة) فأسوأ شيء في حياة الإنسان أن يعيش ذليلا منكسرا، هذا معناه أن الإنسان لا شيء بلا هوية بلا وجود فالإنسان قيمته بحريته وكرامته.

ان السلطة الأموية كانت تنشر ثقافة القدرية والجبرية بين الناس، وبالنتيجة القبول بالأمر الواقع، وهذه مشكلة خطيرة تسيطر على واقعنا اليوم، لذلك باستمرار نحتاج إلى النهضة الحسينية، وإلى نموذج أبي الفضل العباس (عليه السلام) من أجل بناء الحرية وسلوك الكرامة عند الإنسان، وأن لا تبقى الشعوب خانعة ذليلة تقبل بالذل وترضخ للاستبداد من قبل الآخرين، فالإنسان الذي يعيش ذليلا وعبدا لايعيش، يعيش وهو مقهور ومن ثم يموت وهو عبد، فلا بد من الإنسان أن يستثمر هذا الوجود، ويتنعم بهذا الوجود عن طريق الحرية التي ذكرها أهل البيت عليهم السلام في رواياتهم وجسدها أبو الفضل الله عباس (عليه السلام).

قوة الاختيار

قال الإمام الصادق (عليه السلام): كان عمنا العباس نافذ البصيرة صلب الإيمان، هذا الوصف يجمع كل الأشياء الخيرة والجيدة، إيمانا بأخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، بأنه إمام معصوم مفترض الطاعة من قبل الله، وإيمانا برسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإيمانه بأخيه فالأخوة فضيلة عظيمة فهي أساس بناء المجتمعات الصالحة، ولو فرضنا مجتمع بلا إخوة سيكون هذا المجتمع متفكك ومتنازع، فأبو الفضل العباس (عليه السلام) قدم تضحية كبيرة من أجل تحقيق مفهوم الأخوة هذا من جانب.

 من جانب أخر أوضح لنا مفهوم الإيمان بالإمام والقائد الصالح، الإمام الذي يجب ان تذهب ورائه الناس، وليس الحاكم الطاغية الفاسد الذي يسترق الناس ويستعبدهم، فكانت مسؤولية أبي الفضل العباس (عليه السلام) وإيمانه وقراره واختياره أن يذهب بهذا الطريق، وهذه حقيقة البصيرة النافذة بأن يعرف ماذا يختار، فكلنا نحتاج أن نكون أصحاب بصائر حتى نتخذ القرار الصحيح في حياتنا، فالقرار الصحيح يقودنا إلى نهاية سعيدة، وهي أن أكون حميدا عندما أموت، أن أكون صالحا، أن تكون عواقب أموري خيرا، وليس شخصا يلعنه الناس وليس شخصا ضيع كل شيء واهدر حياته عبثا، أبو الفضل العباس (عليه السلام) ربح كل شيء باتخاذ القرار الصحيح.

الرابحون والخاسرون

من الأشخاص الذين أصبحوا نموذجا في التاريخ يقتدى بهم هو أبو الفضل العباس (عليه السلام) كان أشجعهم ربح وانتصر لأن الانتصار كان في قوة المعنى وقوة المسؤولية وقوة الحرية، وأهم من ذلك قوة الاختيار، ماذا تختار في حياتك؟ قوة اختيارك في الحياة هي التي تحدد مستوى قيمتك في الحياة. تلك القيمة الكبيرة لأبي الفضل العباس (عليه السلام) وهو ربح بهذا المعنى وانتصر، وانهزم الآخرون الذين عاشوا مدة من الزمن وحكموا ثلاثين سنة، او أربعين سنة ماذا ربحوا؟ لم يربحوا شيء لم يقدموا شيئا، لم تكن عندهم مواقف مشرفة، عاشوا الانتهازية والنفاق واستعباد الناس وإذلالهم وتعذيبهم، فالشخص الذي يظلم الناس هو منهزم، وأما الإنسان الحقيقي هو الذي ينتصر بانتصاره لحقوق الناس.

التربية المعتدلة

أبو الفضل العباس (عليه السلام) لم يكن مترددا في موقفه كان نافذ البصيرة، صلب الايمان كان موقفه حاسما جدا في حياته، وهذا نتيجة لتراكم كبير وعظيم في التربية، هذه الشخصية تربت على القيم، والأخلاق، والفضائل، والإيمان بالإمامة، والإيمان بالرسالة المحمدية والعلوية، هذا التراكم يجعل من الشخصية صلبة، وهذا من اعظم الدروس التي نتعلمها من أبي الفضل عباس (عليه السلام) أن نربي أبناءنا منذ الصغر على المواقف الصحيحة والسليمة، لا نربي أولادنا على الماديات، على اللذائذ والنفعيات، بعض العوائل يربون أولادهم على الملابس الجيدة، والأكل الطيب وعلى الدلال الزائد، وهذا يصنع منه شخصية ضعيفة، نعم التربية المعتدلة هي التربية السليمة في منهج أهل البيت (عليهم السلام)، تربية باللين والإقناع والاقتناع وبناء حرية الاختيار والعلم والمعرفة، هذه التربية تصنع أشخاصا عظماء مثل أبي الفضل العباس (عليه السلام).

فأبو الفضل العباس (عليه السلام) هو نتاج تربية علوية، حسنية، وحسينية، وتربية ام البنين (عليها السلام)، هذه المرأة العظيمة الكبيرة التي علينا معرفة قيمتها وتاريخها وحياتها، ونتعلم منها كيف نربي أولادنا تربية صالحة على منهج القيم والمواقف المسؤولية.

الاقتداء بالنموذج الصالح

لا يمكن أن نقول إنه يمكن أن نصل إلى نموذج كشخصية ابي الفضل العباس (عليه السلام)، لكن لا بد ان نرتقي نحوه ونطبق ما هو ممكن من هذا النموذج الصالح، ونحن بحاجة الى هذا النموذج ولأننا نحب أبنائنا فلا بد ان نربيهم على نموذج يصح الاقتداء به، نموذج يجعل حياتهم صالحة سعيدة في كلا الدارين، وننبذ النماذج السيئة لأنها مدمرة تصنع شخصا ضعيف الشخصية، غير قادر على تميز الحق من الباطل، والصحيح من الخطأ والفضيلة من الرذيلة.

شخص مستقل وليس تابعا

هكذا شخصية تتربى في هكذا بيئة من الأم والأب والأخوة، تعلم ما لها وما عليها من واجبات، فبصيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) هي التي جعلت منه يتبع الإمام المعصوم (عليه السلام)، وهذه وظيفة شرعية وظيفة إيمانية واعتقادا منه بإمامة الإمام الحسين (عليه السلام)، أيضا كان مستقلا في مواقفه، فعندما نقول مستقلا يعني أنه كان حرا مختارا صاحب مسؤولية، فلا بد أن نربي أولادنا على هذه الاستقلالية أن يكون شخصا مستقلا قويا، وان لا يكون شخصية تابعة، وإنما شخصية قوية مستقلة قادرا على اتخاذ المواقف الشجاعة في حياته، لذلك هذه الرواية التي قالها الإمام الصادق عليه السلام كان عمنا العباس نافذ البصيرة وصلب الإيمان، يعني موقف نابع من شخصية لديها رؤية في الحياة.

ركن من أركانها

أحد أعمدة عاشوراء وركن من أركانها كان أبو الفضل العباس (عليه السلام) فلا يمكن أن نتصور عاشوراء من دونه، فالسلوكيات اليومية والأحداث اليومية تبين معدن الإنسان، وقد تبين لنا ما هو معدن أبي الفضل العباس (عليه السلام) من صلابة الإيمان، كان له مواقف قبل يوم الطف إلا أن موقفه الأعظم كان يوم عاشوراء حتى يقول بحقه الامام علي بن الحسين (عليه السلام): (رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى وفدا أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه. فأبدله الله عز وجل منهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب عليه السلام. وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)، فخلود أبي الفضل العباس (عليه السلام) هو استمرار للعظمة التاريخية التي تسمى عاشوراء.

كما ان مقام أبي الفضل العباس (عليه السلام) عند الإمام الحسين (عليه السلام) كبير جدا، فعندما أصيب أبا الفضل العباس (عليه السلام) قال الإمام الحسين (عليه السلام) الآن انكسر ظهري.

 شاءت مشيئة الله سبحانه وتعالى تخليد هذه الصفوة على مر العصور وخصوصا ابي الفضل العباس، بأنهم خير نموذج يقتدى بهم، لو أرادت البشرية أن تعيش الصلاح والفلاح في حياتها.

* من حوار بث على قناة العراقية لبرنامج إشراقات عباسية

 

2021/09/01
’نجاة من النار’.. خصائص وآثار في البكاء على الحسين (ع).. تعرّف عليها

زبدة ما للبكاء على سيد الشهداء من خصائص وآثار

ليس في المقال جديدٌ غير مسبوق، ولا فيه إصلاح لخطأ سابق، أو جبر نقص، أو شرح غامض.. وعذري أنّ هذه الأربعة ليست كلّ دواعي الكتابة، وإنّما ثمّة ثلاثة أخرى، واحدة منها على الأقل متحققة في هذه الورقة: اختصار مطوّل، أو جمع متفرق، أو ترتيب مختلط. فقد طال الكلام بشأن البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، واختلط السرد بالروايات، والتحليل بالمعلومة؛ لذا رأيت جمعها بانتظام، واختصارها بترتيب، وإيجازها بقسمين: [الخصائص، والآثار] مكتفياً بما قلّ ودلّ:

[اشترك]

أ‌-أمّا الخصائص فأهّمها:

1ـ [لا تبطل به الصلاة]، فكما لا يخفى على المؤمنين أنّ تعمد البكاء أثناء الصلاة من مبطلاتها، إلا أنّ جملة من الفقهاء العظام استثنوا من هذا الحكم البكاء على مصيبة سيد الشهداء بقصد القربة بل مصائب أهل البيت عموماً على ما جاء في رسائلهم العمليّة (انظر- المنهاج ج1ص236).

2ـ [مستثنى من كراهة الجزع ]، والروايات في هذا المعنى كثيرة، منها ما صحّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال :كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين (بحار الأنوار ج : 44 ص : 280)

3ـ [علامة الإيمان] ويحفظ المؤمنون الحديث المعروف عن الإمام الحسين بن علي( ع) أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى. بل في كامل الزيارات باباً كاملاً في هذا، وهو الباب السادس والثلاثون: في أنّ الحسين..لايذكره مؤمن إلا بكى!، وكما حبّ أبيه علامة الإيمان، كذا البكاء عليه.

4-[البكاء عليه كونيٌّ ] والأخبار في هذا مستفيضة عند المسلمين جميعاً، من بكاء السماء والأرض والملائكة والجن والحجر وانكسفت الشمس، وبدتْ الكواكب نصف النهار حتى ظُنّ أنّها القيامة(انظر-مجمع الزوائد ومنبع الفوائد :  ج9ص196)..ولقد بكتْ له جميع الخلائق، وما يرى ومالا يرى (الكافي ج4ص576).

ب‌- وأمّا الآثار المترتّبة على البكاء ذي الخصائص آنفاً فهي بإيجاز شديد كالآتي:

1ـ أنّ العين التي بكته لا تبكي يوم القيامة، ففي حديث طويل عن أمير المؤمنين جاء فيه : " كلّ عين يوم القيامة باكية..ساهرة، إلّا عين من اختّصه الله بكرامته وبكى على ما ينتهك من الحسين وآل محمّد عليهم السلام "( الصدوق - الخصال ج : 2 ص : 610).

2ـ حضور الأئمة عند احتضار الباكي ، وقد جاء هذا في حديث الإمام الصادق مع مِسْمَع بن عبدالملك  البصريّ: رحِمَ الله دَمعتَك..أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملكَ الموت بك ، وما يلقّونك به مِن البشارة أفضل ، ولملك الموت أرقّ عليك وأشدُّ رَحمةً لك من الاُمّ الشّفيقة على ولدها..(كامل  الزيارات،ص204).

3ـ أنّه يوجب نظرة علي والحسين، (عليهما السلام)، ومستنده ما وراه ابن قولويه بسنده عن الصادق (عليه السلام) إنّ الحسين " لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له و يسأل أباه الاستغفار له .."( المصدر السابق 103) ، كما أنّ فيه مواساة للزهراء على ما في حديث الإمام الصادق مع أبي بصير: يا أبا بصير ان فاطمة (عليهما السلام(تبكيه وتشهق..أما تحب أن تكون فيمن يسعد فاطمة(نفس المصدر، ص171).

4- فضلاً عن ذلك كلّه: النجاة من النار، واستحقاق الجنّة، وغفران الذنوب..على ما نطقت به الآثار، و استفاضت به الأخبار، والملفت في هذه الأخبار لغة التوسّع والتعميم الواضحة في هذه الأخبار من جهة الموضوع، ومن جهة الأثر أيضاً، فأمّا الموضوع [البكاء] فمفهومه حسب الأخبار واسع ويشمل حتى التباكي.. ويشمل أيضاً الأفراد الضعيفة مثل: من دمعت عيناه، أو  خرج منها قطرة من الدمع، أو  بمقدار جناح ذبابة..والتعميم والشمول ينطبق أيضاً على الأثر المترتّب على البكاء..

ففي حديث الإمام الرضا مع الريان ابن شبيب: إن بكيت على الحسين ..غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته: صغراً كان، أو كبيراً، قليلاً  كان أو كثيراً..(أمالي الصدوق،ص192).

2021/09/01
اجتماع الشيعة بعد الشَّتَات: إنها عاشوراء!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحُبَّ الَّذِي تُحِبُّونَّا لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ صَنَعْتُمُوهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ صَنَعَه‏.

[اشترك]

كلمةٌ حول محبة آل البيت عليهم السلام، قالها باقر العلم يوماً (المحاسن ج‏1 ص149).

كشفت أنّ بذرة الحب في قلوب الشيعة قد زرعتها يَدُ الغيب الإلهية، ورَعَتها حتى نَمَت وأثمرت حُباً في قلوب المؤمنين للعترة الطاهرة.

الشيعة المؤمنون.. هذه الثلّة كانت صنيعة عاشوراء.

كلما هَلَّ هلال المحرم.. ذابت قلوبهم وانفطرت على مُصاب المظلوم.. تجلت في ذلك عليهم نِعَمُ السماء بأن عرّفهم الله سادةَ الخلق وعظيم مصابهم، فجُبِلوا على إحياء عاشورائهم ليلهم ونهارهم..

الحزن يغمر قلوبهم، والأسى يلف وجوههم.. يعيشون الإنكسار والألم في باطنهم وظاهرهم..

يجمعهم في أقاصي الشرق والغرب إحياء ذكرى الحسين.. على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وقومياتهم وجنسياتهم وطبائعهم وعاداتهم..

يثمر ذلك اختلافاً في صور إحياء الذكرى والعزاء..

وللوهلة الأولى..

فإن كل اختلاف مذموم..

إنه يعني الاختلاف بين الحق والباطل.. بين العدل والظلم.. بين الظالم والمظلوم.. وهو ما تشكو منه البشرية ليلها ونهارها، فتأخذ ذكرى الحسين بيدها إلى رمز الفداء الذي يأتي الخلاص يوماً على يد حفيده المهدي المنتظر آخذاً بثاره من ظالميه والراضين بأفعالهم.

يؤيَّدُ هذا القول ببعض آيات الكتاب الكريم التي ذمت الاختلاف..

- وَلا تَكُونُوا كَالَّذينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ (آل عمران105)

- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر (البقرة 253).

لكن التأمل في هذه الآيات وغيرها يكشف أن محور الذم هو الكفر والجحود والإنكار، وليس الاختلاف بنفسه..

إذ إن هناك صورة أخرى تكشف عن اختلافٍ ممدوحٍ لا غبار عليه ولا بأس فيه..

بل إن الكون الأصلح قائمٌ على الاختلاف في مخلوقات الله تعالى، اختلافٌ تراعى فيه العدالة الإلهية، وتكون مِنَحُ السماء فيه بحسب الحكمة الربانية.

كما هو التنوع في الخِلقة والعقل والمنظر والهيكل، اختلافٌ جعله الله تعالى سبيلاً إلى تكوين الأمة المتنوعة في خيارها الأكمل والأصلح.. قال تعالى:

وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمينَ (الروم22)

اختلاف اللسان وتعدد اللغات وسواها الكثير من المظاهر الحسنة التي جعلها الله آية للعالمين..

 

* ويكاد يخال لبعض المؤمنين أن تعدُّدَ صور إحياء العزاء هو مصداقٌ لما ذمته الشريعة المقدسة، وأنه يثير الشقاق بين المؤمنين والفرقة..

لكن حقيقة الأمر أنه يمثل أبلغ أنواع الوحدة تحت اسم الحسين عليه السلام، حيث إن أفعال الشيعة في عاشوراء تجمع أمرين اثنين:

1. الأول: اتفاق كلمتهم على لزوم إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام. وهو باب وحدة الشيعة واتحادها وجمع كلمتها للبكاء على من بكاه الأنبياء وسيدهم..

2. الثاني: التنوع الصحي في صور الإحياء.. ضمن البيت الواحد.. فيحيي كل منهم ذكرى عاشوراء بحسب ما ينسجم مع طبيعته ورغبته ومكانه ووو..

البكاء مثلاً.. حالةٌ عامة لا يختلف عليها اثنان من الشيعة، لأنها أسلوب الإنسان الأول في التعبير عن الحزن والتألم والتفجع..

وذكرُ مصابهم في الجملة مما لا يتوقف في رجحانه اثنان من الشيعة..

لكن بعض المصاديق التي يختلف فيها الشيعة، فتأتي بها فئة وتأتي بغيرها فئات أخرى، يسوغ لنا أن ندخلها في التنوع المباح..

وكلما قلَّبنا الطرف وجدنا أن هذه السُنَّة جاريةٌ في كثير من مفاصل حياتنا..

من نماذج ذلك..

- تجتمع الأسرة الواحدة على مائدة الطعام، يختار الأب طعاماً يراعي فيه حالته الصحية، وتختار الأم آخر يناسب ذوقها، ولكل من الأولاد رغبته في صنف خاص، فيجتمع الجميع على مائدة واحدة وتتنوع الأطباق التي يتناولها كل واحد، ثم لا يذم أحدهم الآخر لهذا الاختلاف، على أنهم قد تناولوا جميعاً صنفاً واحداً هو الماء إلى جانب أصنافهم الخاصة..

 

- يبني كل منهم بيتاً يراعي فيه حاجته وذوقه وقدرته..

- يركب كل منهم سيارة تناسب وضعه وظرفه..

- لباسهم لم يكن في يوم موحداً، ولا غيره مما ساغ للبشرية فيه الإختيار ضمن دائرة يجتمع عليها العقلاء.. إنها الدائرة التي توحدهم وتضمن لهم مساحة يختلفون فيها ويحافظ كل منهم فيها على رأيه وخصوصيته.

هذه بعض نماذجها في حياتنا..

أما بعض نماذجها في شريعتنا..

- ليالي القدر المباركة.. يتناول المؤمن فيها كتب الدعاء، يتأمل بعد أن يرى أن الوقت لا يسمح للإتيان بكل المستحبات في هذه الليلة المباركة، فيختار أهمها وأفضلها أو أقربها إلى ذوقه.. فلا يذم قارئ القرآن في هذه الليلة قارئ الدعاء، ولا المصلي يقدح طلبَ العلم فيها، ولا المتصدق على الفقراء ينتقص من محيي ذكر العترة الطاهرة في ليلة القدر..

ولا قارئ دعاء الجوشن يطعن بتالي أدعية السحر.. وهكذا يجتمع الجميع تحت خيمة الإحياء مع الاختلاف في صورها..

- وهكذا في سائر المستحبات.. تدخل المساجد والمراقد المقدسة فترى المؤمنين مجتمعين حول خيمة الإمام التي تظللهم، لكنهم بين قائم وقاعد وراكع وساجد وتالٍ للقرآن.. في صورة أخرى عن ملائكة السماء الذين تعددت عباداتهم وكلهم في محل القرب منه تعالى.. كما وصف النبي (ص) حالهم في ليلة النصف من شعبان: وَمَا فِي السَّمَاءِ مَلَكٌ إِلَّا وَقَدْ صَفَّ قَدَمَيْهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَهُمْ بَيْنَ رَاكِعٍ وَقَائِمٍ وَسَاجِدٍ وَدَاعٍ وَمُكَبِّرٍ وَمُسْتَغْفِرٍ وَمُسَبِّح‏ (إقبال الأعمال (ط - القديمة) ج‏2 ص699).

 

إن حقيقة إحياء الشيعة لعاشوراء هي من هذا القبيل تماماً..

يكاد يخيل إلى الناظر إليهم من خارج مدرستهم أن قلوبهم شتى، وأن عاشوراء فرقتهم بدلاً من أن توحدهم.. لكن قصر نظره قد أخذ بيده إلى هذا الفهم الخاطئ، وجهله بحقيقة الشيعة وبقوة الرابطة التي في قلوبهم جعلته ممن: يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَة.

إن سرّ الله عاشوراء.. هي الباب الأكبر والأعظم لاجتماع الشيعة خلف إحياء ذكرى الحسين بكل صورها وأشكالها.. تجمع العاملَ المؤمن الطيب البسيط.. مع العالم المحقق المدقق الخبير..

تجمع الكبير مع الصغير.. الرجل مع المرأة.. السقيم مع السليم.. كل الشيعة ينضوون تحت خيمتها، فيحيي كل منهم الذكرى بما يشاء.. مراعياً حدود الله تعالى..

إن الشيعة أكثر من تذوّق حرارة الكبت والظلم والقهر، حينما منعوا من زيارة سيد الشهداء عليه السلام ودفعوا لذلك أعظم الأثمان.. رقاباً تقطع وأيدي تبتر.. وما بدّلوا يوماً.. يدركون تماماً صعوبة أن يُمنع إنسانٌ من التأثر على فراق أحب الناس إليه بالموت.. فكيف لو كان التأثر على أحب الكائنات عند الله تعالى وعند المؤمنين جميعاً؟

لذا أدرك الشيعة قبل غيرهم أن هذه الخيمة والراية الحسينية عصية على الجبر والإكراه.. فمهما تدخلت الأيدي الأثيمة لتمنع الشيعة من إبراز حبهم بشتى صوره انكفأت خاسئة تجر أذيال الخيبة في الدنيا والآخرة..

* لكن قائلاً قد يقول..

ما هذه الصورة المثالية التي تعرضها عن أيام العزاء في عاشوراء؟

أليست من وحي الخيال؟ وهروباً من واقع أليم نعاني منه؟ يتمثل باختلاف الشيعة وطعنهم ببعضهم كلما هل هلال عاشور بل قبله؟

فهل تعيش أيها الكاتب في مدينة فاضلة غير مدننا هذه؟ ألست بين ظهرانينا تقرأ التنابز بين الشيعة والتراشق كلما جاءتنا أيام هذه الذكرى الأليمة؟

فأين كل هذه المفاهيم؟ وأين هي الخيمة والراية التي تجمعهم؟

تساؤلات قد تكون محقة.. وجوابها في جهات:

أولاً: إن توصيفنا لحال الشيعة في عاشوراء لم يخطئ الواقع أبداً، فهو يصف حال أغلب الشيعة الذين لا يهمهم سوى العزاء في هذه الأيام، ولا ينخرطون في محاور الطعن والهمز واللمز بين المؤمنين، لأنهم يعرفون أن: حُرْمَةُ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْتِ (كما يروون عن إمامهم الهادي عليه السلام: الكافي ج‏4 ص568).

فإنهم يعلمون أن هتك حرمته معصية كبيرة عظيمة، فيخشون الله في إخوانهم المؤمنين وينزهون لسانهم عن هتك حرماتهم.. لئلا يكونوا محاربين لله تعالى، كما علّمهم الصادق عليه السلام لما قال: نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ص وَ قَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ مَنْ أَهَانَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ فَقَدِ اسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَة (المؤمن ص32).

ولعلّ هذا هو حال أغلب من يحيي ذكرى عاشوراء من الشيعة..

ثانياً: أن هذه الفئة التي تمثل عموم الشيعة قد لا يُسمع لها صوت في عاشوراء لانشغالها بالعزاء..

لكن أصوات النشاز تعلو.. كما يعلو صوت المدفع على أصوات العلم والفهم والتدبر والتعقل على كثرتها.. فرجل واحد يطلق قذيفة يتردد صداها بين آلاف يهمسون همساً.. فيظن ظانٌّ ان القوم كلهم أصحاب مدافع وبنادق، والحال أنهم أصحاب همهمة خرج منهم مِدفَعي واحد جعلهم في خانة المقاتلين كما يظن الخارج عنهم.

 

ثالثاً: إن الشيعة لما لم يكونوا معصومين كسائر الناس، ولما لم يكونوا على مرتبة واحدة في الإيمان والإدراك والعلم والفهم، ولما كانت النفس الأمارة بالسوء قد تتمكن من جملة منهم، ولما كان إبليس أكثر عناء بهم لارتباطهم بالحق المطلق، العترة الطاهرة.. لكل ذلك كانوا عرضة للفتنة..

لقد حرص الأئمة على بيان الحق لئلا يُدخل الجهلُ الحيرةَ على ضعفاء الشيعة، كما قال إمامنا الكاظم عليه السلام عندما أجاب على أسئلة السائل: رَأَيْتُ أَنْ أُفَسِّرَ لَكَ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَيْرَةُ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ قِبَلِ جَهَالَتِهِم‏ (الكافي ج8 ص124)

الجهالة أيها الأحبة تجعل ضعفاء الشيعة في خطر..

وعليهم حينها الاستعانة بالعلماء المرابطين الذين يمنعون إبليس من التسلط على المؤمنين..

فتكليف الشيعة عند الجهالة والحيرة هو الرجوع للعلماء العالمين بالشريعة، الذين قال عنهم الصادق عليه السلام: عُلَمَاءُ شِيعَتِنَا مُرَابِطُونَ فِي الثَّغْرِ الَّذِي يَلِي إِبْلِيسَ وَعَفَارِيتَهُ يَمْنَعُوهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا وَعَنْ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَشِيعَتُهُ وَالنَّوَاصِبُ (الاحتجاج ج1 ص17)

وقال في وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا عَالِماً بِشَرِيعَتِنَا فَأَخْرَجَ ضُعَفَاءَ شِيعَتِنَا مِنْ ظُلْمَةِ جَهْلِهِمْ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ الَّذِي حَبَوْنَاهُ بِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نُور (الاحتجاج ج1 ص16)

فلئن أخطأ شيعي الدربَ يوماً لحيرته أو جهالته، كان له أن يستعين بإخوانه المؤمنين العالمين بالشريعة، ليرفعوا له الحيرة ويحافظ على ولائه للعترة..

 

وتبقى عاشوراء..

باب وحدة الشيعة قديماً وحديثاً.. فقد حفظتهم جميعاً حتى اليوم.. وسيبقى الأمر كذلك إلى آخر الطريق.

ولئن كانت تصرفات بعضنا تسيء إمامنا حتى يتأسف عليها فيقول: وَوَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ، كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَكَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضا..

فإن وعده عليه السلام بعودة الاجتماع مجدداً مما تقر له العيون.. فيقول عليه السلام بعد ذلك: مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَلَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَع‏ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُم‏... وَلَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ (الكافي ج2 ص64-66).

بعد كل اختلاف للشيعة إذاً لو كان..

ستعود عاشوراء لتجمع الشيعة للانتقام من بني أمية وأذنابهم.. تحت راية الحجة المنتظر.. الآخذ بثار شهيد كربلاء.. بطل عاشوراء.. سيد الشهداء عليه السلام..

ونحن على أبواب أيامه أيام عاشوراء..

لنتذكر كلمة الإمام: وَوَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي..

وأن عاقبتنا الاجتماع: أَنَّ اللَّهَ وَلَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ..

فكلنا في خندق واحد.. سيجمعنا الله بعد الفرقة والتشتت..

فليحذر عاملٌ منا أن يكون من أصحاب هذه الفعال التي تسوء إمامنا.. فلا يستذل بعضنا بعضاً..

وليتق الله ربه في إخوانه المؤمنين في هذه الأيام وسواها..

ولنبتهل إلى الله تعالى في أن يفرج عنا بتعجيل فرج ولينا.. وأن نكون معه من الآخذين بالثار.

جمع الله الشيعة على الحق والخير.. وأظهر كلمته وجعلها العليا.

2021/08/31
’مهندس ثورة المختار’.. لماذا تخلّف محمد بن الحنفية عن نصرة الحسين (ع)؟

هل السيد محمد بن الحنفية حبس أولاده فعلا عن نصرة الامام الحسين (عليه السلام) كما جاء في كتاب طبقات ابن سعد؟

أرجو ان تجيبوننا بالتفصيل عن اولاد السيد محمد بن الحنفية وكم عمرهم في سنة حدوث واقعة الطف المؤلمة؟

[اشترك]

روى ابن سعد ـ وهو من أبناء العامة - : «.... وبعث حسين إلى المدينة فقدم عليه من خف معه من بني عبد المطلب هم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم.

وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينا بمكة وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل.

فحبس محمد بن علي ولده فلم يبعث معه أحدا منهم.

حتى وجَدَ الحسين في نفسه على محمد، قال: ترغب بولدك عن موضع أُصاب فيه؟!

فقال محمد: وما حاجتي أن تصاب ويصابون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم. (الطبقات الكبرى: 6 / 428)

فنقول:

أولاً: هذه الرواية بالخصوص لا نعرف سندها، فإنّ ابن سعد ذكر أسانيد عديدة إلى مجمل مقتل الإمام الحسين (ع) في بداية سرده للمقتل، ولفّق بين الروايات، ودمج المتون، ونحن نشكّ جداً أن يكون هذا الخبر مما رواه بكل تلك الطرق والأسانيد، وإلا فلماذا تفرّد بها ابن سعد، ولم نجدها في مصدر آخر؟!

ولذا لا يمكن الحكم باعتبار خصوص هذا الخبر.

هذا على طبق مباني القوم.

وأما على طبق مباني الشيعة الإمامية فالخبر غير معتبر، ولم يروَ في كتبنا.

ثانياً: من القريب جداً أن تكون هذه الرواية من وضع الأمويين أو المروانيين أو الزبيريين، أو قتلة الحسين (ع) والمتعاطفين معهم، فإنّ محمد بن الحنفية كان رأس حربةٍ في العداء لهم، فراحوا يشنعون عليه تخلفه عن كربلاء، وعدم نصرةِ الإمام الحسين (ع)! حتى انتهى به الأمر بأن يدافع عن نفسه هو وعبد الله بن عباس فيما رواه ابن شهر آشوب قال: وعُنّفَ ابن عباس على تركه الحسين فقال: ان أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

وقال محمد بن الحنفي: وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم. (المناقب: 3 / 211).

ثالثاً: تنص بعض الروايات أنّ الإمام الحسين (ع) أعفى أخاه محمد بن الحنفية عن الخروج معه، وأوكل إليه مهمات خطيرة، وكان بقاؤه في المدينة بتخطيط الإمام (ع)، وكان وكيلاً له، وجعله الحسين (ع) إحدى البوابات التي تحدث مع المسلمين من خلالها عن الهدف من نهضته، ومشروعه الإصلاحي، وما سيترتب على نهضته وشهادته.

ذكر المؤرخ ابن أعثم ( ت 314 هج) أنّ الإمام الحسين (ع) قال لأخيه محمد بن الحنفية: وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم ولا تُخفِ عليّ شيئاً من أمورهم، قال: ثم دعا الحسين بداوة وبياض وكتب فيه وصيته إلى محمد بن الحنفية. (الفتوح لابن أعثم: 5 / 21 ، مقتل الحسين للخوارزمي: 1 / 188).

ومما جاء في وصية الإمام الحسين (ع) أنه ذكر فيها الهدف من خروجه: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي محمد (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد، وأبي علي بن أبي طالب. (المصدر السابق).

وتسليم الحسين (ع) وصيته إلى أخيه محمد يعني أنه معفيّ عن الخروج معه، ومكلّفٌ بنشرها وبيانها للمسلمين، وهذا دور مهم وخطير أوكل إلى محمد بن الحنفية، وهو الجهاد في الدفاع عن نهضة سيد الشهداء (ع)، وتقديمها بصورة صحيحة للعالم الإسلامي كما أرادها الإمام الحسين (ع) من أنها نهضة إصلاحية الغرض منها إرجاع حكم النبي وعلي بن أبي طالب، والدفاع عنها في مقابل تشويهات الأموية، ودفع شبهات المغرضين.

وكانت الرسائل تصدر من الحسين (ع) الى محمد بن الحنفية، فقد رويَ عن الإمام الباقر (ع): «كتب الحسين بن علي من مكة إلى محمد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم، أما بعد فإن من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام.» (كمال الزيارات ص157)

أخبر الإمام (ع) من خلال هذه الرسالة أنه ماضٍ نحو الشهادة، وسيترتب على شهادته الفتح.

وهذه الرسالة أوصلها الحسين (ع) لنا عبر محمد بن الحنفية، فمحمد وكيل الإمام، وإحدى البوابات التي تحدث الإمام الحسين (ع) من خلالها مع المسلمين عن الهدف من نهضته، وأنه ليس طالب دنيا ولا حكم، بل مشروعه مشروع شهادة في سبيل الله، طلباً للإصلاح في أمة جدّه رسول الله، وأنّه سيترتب على شهادته الفتح. (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً).

وأرسل له من كربلاء: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كتب الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى محمد بن علي (عليه السلام) من كربلاء: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم، اما بعد فكأن الدنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل، والسلام.» (كمال الزيارات ص158)

وهذا رسالة أخرى يؤكد الحسين (ع) فيها بأبلغ العبارات وأفصحها وأخصرها، أنّ نهضته لم تكن للدنيا، ولم ينظر إلى الدنيا أبداً، ولم يكن طالباً للسلطة، (فكأن الدنيا لم تكن) هكذا كان الحسين (ع)، في مسيرته ونهضته، وأنّ نهضته كانت: (وكأنّ الآخرة لم تزل) فهي نهضةٌ الغرض منها تعمير الآخرة، وأنّ الحسين (ع) كان نظره مقصوراً على الآخرة، وأنه لم يزل ينظر الى الآخرة في جميع سيره، ولم ينظر إلى الدنيا لحظة واحدة.

ومَن هم أفضل مَن يعينون محمد بن الحنفية في هذه المهمة؟

الجواب: لا أحد أفضل وأرأف من أبناءه.

ولعلّ إعفاء الإمام (ع) لأخيه محمد بن الحنفية يتناسب مع الحالة الصحية التي كان يعيشها آنذاك، حيث أجاب العلامة الحلي عن سؤال وجّه إليه في خصوص تخلف محمد بن الحنفية، فأجاب بأنه كان مريضاً. (أجوبة المسائل المهنائية للعلامة الحلي ص38) وقال الشهيد الثاني: وأمّا تخلَّفُه عن الحسين عليه السلام فعذرة مشهور في الأخبار وكتبِ السيَر فإنّه كان لِزَمانَةٍ في رِجْلَيْه. (رسائل الشهيد الثاني:1 / 561)

وأفضل مَن يعين المريض في شؤونه هم أبناؤه.

ولا يهمنا كثيراً حادثة مرضه، فهناك مهمة كبيرة أوكلت الى محمد بن الحنفية وهو الدفاع عن نهضة سيد الشهداء (ع)، وإيصالها نقية نظيفة الى العالم.

رابعاً: إنّ محمد بن الحنفية أكبر وأجل وأعظم أن يحبس أبناءه عن نصرة أخيه وإمام زمانه الإمام الحسين سبط النبي وابن الزهراء صلوات الله عليهم، وهو العارف بشأنه ومقامه.

ومحمد بن الحنفية ممدوح في رواياتنا، وعند علمائنا.

فلا بدّ من سبب في تخلف أبناءه، إما لأنهم صغار دون سنّ خوض الحروب، أو لأنّ الإمام الحسين (ع) أمرهم بالبقاء مع أبيهم، ليعينوه في المهمات التي أوكلت إليه، أو ليعينوه في مرضه.

ولعل الإمام الحسين (ع) أمرهم بالبقاء حفاظاً على البيت العلوي من الإندثار.

خامساً: إنّ محمد بن الحنفية مهندس ثورة المختار الثقفي، وكان يحرّضه على التعجيل في تصفية قتلة الحسين (ع)، وببركة وجوده تمّ تصفية الساحة من قتلة الحسين (ع)، وكان هو المشرف على ثورة المختار.

ولهذا أعفاه الإمام الحسين (ع) من الخروج معه، حتى يقوم بهذه الأدوار لاحقاً.

وأفضل مَن يعينه في تحركاته تلك هم أبناؤه.

قال ابن نما: وكان محمد بن الحنفية يعتب على المختار لمجالسة عمر بن سعد وتأخيره قتله، فحمل الرأسين إليه إلى مكة مع مسافر بن سعد الهمداني وظبيان بن عمارة التميمي، فبينا محمد بن الحنفية جالسا في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار، فما تم كلامه الا والرأسان عنده، فخر ساجدا، وبسط كفيه، وقال: اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار، وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب. (مثير الاحزان ص129).

 

فمن الطبيعي أن ينشر قتلة الحسين (ع) أخباراً الغرض منها إدانة هذا المهندس العظيم، والمحرّض للأخذ بالثار.

سادساً: شخص بهذا الثقل والأهمية والخطورة، من الطبيعي أن ترمى إليه سهام الأمويين والزبيريين، لغرض تصفيته سياسياً وتسقيطه دينياً، وإبعاده عن الساحة، ومن ثمّ تكميم أحد أفواه أهم المدافعين عن نهضة سيد الشهداء (ع)، والإنقضاض على ثورة المختار وإدانته في تصفية قتلة الحسين (ع)، وإدانة الحسين سلام الله عليه.

سابعاً: ومما يكذّبُ هذا الحوار الذي ينقله ابن سعد وانه حصل في مكة أثناء خروج الحسين (ع) منها باتجاه العراق، أنّ بعض رواياتنا الصحيحة، وبعض النصوص التاريخية من كتب أبناء العامة تنص أنّ محمد بن الحنفية لم يخرج من المدينة، وكان آخر عهد الحسين (ع) بأخيه محمد في المدينة المنورة، وليس في مكة.

روى ابن قولويه بسند جميع رجاله فقهاء أجلاء عيون ثقات عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «كتب الحسين بن علي من مكة إلى محمد بن علي : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم، اما بعد فان من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام.» (كمال الزيارات ص157)

كتبَ الحسين من مكة الى ابن الحنفية... وهذا يعني أنّ محمد بن الحنفية لم يكن في مكة، بل بقيَ في المدينة، مطيعاً لإمام زمانه، ومتحملاً عظم المسؤولية التي أوكلت إليه.

وقد نص الدينوري على أنّ محمد بن الحنفية أقام في المدينة، ولم يذكر شيئاً عن خبر خروجه الى مكة، حيث قال: فلما أمسوا، وأظلم الليل، مضى الحسين (رضي الله عنه) أيضاً نحو مكة، ومعه أختاه: أم كلثوم، وزينب، وولد أخيه، وإخوته: أبو بكر، وجعفر، والعباس، وعامة من كان بالمدينة من أهل بيته، إلا أخاه محمد بن الحنفية، فإنه أقام. (الأخبار الطوال: ص٢٢٨) ولم يذكر الدينوري أي لقاء ومحادثة للحسين (ع) مع محمد بن الحنفية، مع ذكره لمحادثة ابن عباس له.

وذكر ابن أعثم والخوارزمي خبر لقاء الإمام الحسين (ع) بمحمد بن الحنفية في المدينة، ولم يذكرا له أيّ لقاء في مكة.

ولم يذكر الشيخ المفيد في الإرشاد إلا لقاءه بالامام في المدينة، ولم يذكر أنه انتقل الى مكة وحاول منعه هناك.

النتيجة: ظهر مما تقدم أنّ بقاء محمد بن الحنفية كان بتخطيط الإمام المعصوم (ع) وأمره، ليقوم بأدوار مهمة بعده، وخير مَن يعينه هم أبناؤه، كما بيّنا ذلك.

2021/08/31
لهذه الأسباب لم يعتمد الإمام الحسين (ع) ’الخيار السلمي’ في مواجهة يزيد

لماذا لم يعتمد الحسين الخيار السلمي؟

كيف تُقيِّمون الحديث الدائر عن كون الحسين (عليه السلام) خارجاً على الخليفة بأسلوبٍ عنيف لوعالجنا الموضوع بصورته التاريخيَّة؟ أو بمعنى آخر هل سجَّل التاريخ للحسين خياراً آخر غير سفك الدماء وتخلَّى عنه (عليه السلام)؟

[اشترك]

كان الخيارُ الآخر هو الموادعة والبيعة وهو يُنتج استمرار الظلم، بل يُنتج تجذُّره وتأصًّله، والإيغال في الانحراف عن المسار الديني الذي رسمه رسولُ الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، وذلك يتَّضح حينما نتنبَّه لأمرين:

الأمر الأوَّل: هو أنَّ ولاية معاوية لشؤون الحكم كانت نتيجة ظروفٍ طارئة واستثنائيَّة، فلم تكن ولايتُه واقعة في سياق الخطِّ الإسلامي بل كانت انحرافاً سياسيّاً أفرزته الظروف، فهو كذلك بنظر أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وهو كذلك بنظر مدرسة الخلفاء.

مِن هنا كان أحد أهمِّ بنود الصلح هو أنْ يكون الأمرُ بعد معاوية للحسن (عليه السلام) فإنْ لم يكن فهو للحسين (عليه السلام).1

وكان الصحابة والتابعون - الذين لا يرون لأهل البيت (عليهم السلام) حقّاً خاصّاً بالخلافة -يتبنَّوْن مراجعة أهل الحلِّ والعقد أو مراجعة وجوه الصحابة في تعيين الخليفة بعد هلاك معاوية، ذلك لأنَّهم يرَوْن أنَّ الوسيلة التي اعتمدها معاوية للوصول إلى الحكم لم تكن مشروعة كما أنَّ شخصيَّته لم تكن مؤهَّلة لذلك.

فالأمَّةُ بجميع أطيافها مدركةٌ لخطورة ما آلت إليه الظروف، وضرورة الإصلاح لمسار الخلافة والحكم إلاَّ أنَّ معاوية لم يكن يعبأ بكلِّ ذلك وعمل على تأصيل هذا الظرف الاستثنائي، وعقَد العزم على تعميق حالة الانحراف عن الخطِّ الرسالي، وحشَّد لذلك كلَّ ما أُتيح له مِن وسائل مستثمراً حالة الانهيار النفسي الذي أُصيبت به الأمَّة فجعل مِن الخلافة ملكاً عضوداً وإرثاً يتعاقبُ عليه الأحفاد بعد الأولاد.

الأمر الثاني: شخصيَّة يزيد المعروفة بالتجاهر بالفسق والفجور ومعاقرة الخمور والموسومة عند جميع المسلمين بالطيش والنزَق والمشتهرة باللهو واللعب مع القيان والقردة. 2

فلم تكن واحدة مِن سجاياه تُؤهِّله لأحقر منصب مِن المناصب الدينيَّة فكيف له أنْ يتولَّى شؤون إدارة هذه الأمَّة والذي هو منصب الأولياء؟!

لم يكن الأمر مسبوقاً وكان ينُذر باتِّساع هُوَّة الإنحراف وكان الغضُّ عن ذلك وإغفاله مُنتجاً لاستحالة العودة.

لم يكن ثمَّة خيارٌ آخر غير خيار النضال والثورة، تلك هي اللغة الوحيدة التي يفهمها يزيد، فهو بمجرَّد أنْ هلك والدُه بعث برسالة شديدة اللهجة إلى والي المدينة يأمرُه بأخذ البيعة مِن الحسين (عليه السلام) أخذاً شديداً فإنْ أبى فضرب الرقاب 3، فلم يكن على استعداد لأنْ يُصغي لأحدٍ، فإمَّا البيعة والاستسلام أو السيف، فحتَّى خيار الإغضاء والسكوت وعدم البيعة لم يكن مقبولاً ليزيد.

قد يُقال: لماذا لم يقبل الحسين (عليه السلام) بالبيعة ويشترط في ذلك على يزيد أنْ لا يظلمَ العباد ولا يُمعِن في الانحراف والإفساد؟

نقول إنَّ القبول بالبيعة في حدِّ ذاته تأصيلٌ للظلم والانحراف والذي مِن المقدَّر له أنْ ينتهي بهلاك معاوية فهو يُضفي الشرعيَّة على المشروع الأمويِّ المنافي لمبادئ الإسلام، مِن هنا لم يكن بوسع الحسين (عليه السلام) القبول بالبيعة حتَّى ولو كانت مشروطة لأنَّه بذلك سيُساهم في تثبيت مشروعٍ انحرافيٍّ ما زال متأرجحاً، وحينئذٍ لن يكون الحسين (عليه السلام) أحسنَ حالاً مِن معاوية فهو الذي خطَّط للمشروع والحسين (عليه السلام) هو مَنْ ثبَّته. ذلك لما كان للحسين (عليه السلام) مِن موقعٍ دينيٍّ متميِّزٍ يُدركه جميعُ المسلمين.

مِن هنا كان إباؤه للبيعة معناه تفويت الفرصة على بني أميَّة في تمرير مشروعهم الإنحرافي وبالتالي لن يجدوا مِن وسيلةٍ لإضفاء الشرعيَّة على مشروعهم بعد أنْ كان الحسين (عليه السلام) هو المُتصدِّي للإعلان عن عدم المشروعيَّة مِن خِلال إبائه للبيعة.

كما أنَّ إعلانَه للثورة وهو ألصقُ الناس برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) وأعرفُهم بسنَّته مساوق لإضفاء الشرعيَّة على مقاومة النظام الفاسد خلافاً لما يُروِّجه بنو أميَّة، فهو بذلك يرسم للأمَّة طريق الوصول لإصلاح ما انحرف مِن مسارها، ويضعُ الجهاز الأموي في خطِّ الموت والإندثار.


الهوامش:

1. الإستيعاب لابن عبد البر قال : " ولا خلاف بين العلماء أنّ الحسن إنما سلَّم الخلافة لمعاوية حياته لا غير، ثم تكون له من بعده، وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد في ذلك" ج1 ص387 ، فتح الباري لابن حجر ج 13 ص 55 / سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 3 ص 378 / البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 87 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 209 ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ج1 ص 140 ، الإصابة لابن حجر ج 2 ص 65 ، ذخائر العقبى لأحمد الطبري 139.

2. البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 239/ مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 17ا/ النزاع والتخاصم - المقريزي - ص 56/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 368/ شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 20 ص 133/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 103/ الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني - ج 1 ص 174و ص 163/ سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 3 ص 324/ تاريخ الإسلام - الذهبي - ج 5 ص 27.

3. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 10/ الفصول المهمة في معرفة الأئمة - ابن الصباغ - ج 2 ص 777/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 240/ مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 13/ اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس - ص 16/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 171/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 33/ تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج 28 ص 202/ تاريخ الإسلام - الذهبي - ج 4 ص 169.

2021/08/31
’’أرقام واقعية’’.. مناقشة ’’علمية’’ هادئة لعدد أنصار الإمام الحسين في معركة الطف

ما هو العدد الفعلي لأصحاب الامام الحسين عليه السلام؟

لا يمكننا معرفة العدد الدقيق لأصحاب أبي عبد الله (ع) المستشهدين في كربلاء، للاختلاف الشديد بين المؤرخين، بل صدر من المؤرخ الواحد أرقاماً مختلفة تبعاً لما وصله من الروايات، بل الاختلاف وقع بين شهود العيان في كربلاء!

[اشترك]

وسنذكر أهم الأقوال والروايات:

القول الأول: اثنان وسبعون رجلاً: منهم اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، وهذا هو القول المشهور بين المؤرخين، وهو رواية أبي مخنف عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، أحد شهود العيان من أصحاب أبي عبد الله الحسين (ع) في كربلاء، حيث قال: وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس ابن علي.

وهذا القول ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد: 2 / 95 ، والطبرسي في تاج المواليد ص31 ، وإعلام الورى: 1 / 457 ، والفتال النيسابوري في روضة الواعظين ص184 ، والخصيبي في الهداية الكبرى ص404 ، والطبري في دلائل الإمامة ص178 ، والسيد محمد بن ابي طالب في تسلية المجالس: 2 / 275 ، والبلاذري في أنساب الأشراف: 3 / 187 ، والطبري في تاريخه: 4 / 320 ، وابن أعثم في الفتوح: 5 / 101 ، والخوارزمي في مقتل الحسين: 2 / 4 ، وابن الجوزي في المنتظم: 5 / 338 ، وابن الأثير في الكامل في التاريخ: 4 / 59 ، وأبي الفداء في المختصر: 1 / 191 ، وابن كثير في البداية والنهاية: 8 / 192 ، والمقريزي في إمتاع الأسماع: 5 / 364 ، والنويري في نهاية الإرب: 20 / 438 ،  والدينوري في الأخبار الطوال ص 256 ، وعنه ابن العديم في بغية الطلب: 6 / 2628.

وقال اليعقوبي: وكان الحسين (ع) في اثنين وستين، أو اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وأصحابه. (تاريخ اليعقوبي: 2 / 243).

فهذا النص يشير إلى هذا العدد من أصحابه وأهل بيته الذينَ عبأهم الإمام الحسين (ع)، ولكن لم يقتل جميع أصحاب أبي عبد الله (ع) كالحسن وعمر ابنا الإمام الحسن (ع)، والمرقع بن ثمامة الأسدي، وعقبة بن سمعان. فهؤلاء ينقصون من العدد.

وأيضاً يضاف إليهم الذين التحقوا بعد تعبئة الإمام الحسين (ع) جيشه أمثال الحر بن يزيد، ومَن وصل بعد مقتل الحسين (ع) أو في الأثناء.

ويضاف إليهم مَن لم يعبئهم الحسين (ع) للقتال كعبد الله بن الإمام الحسن (ع) وعبد الله الرضيع بن الإمام الحسين (ع) ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، والقاسم بن الإمام الحسن بناء على صغر سنه، وغيرهم.

وهذا العدد يقرب من العدد المذكور في رواية سعيد بن المسيب المنقولة عن الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة للطبري، في خبر رسالة عمر إلى معاوية، حيث قال سعيد بن المسيب: وقتل ثمانية عشر من أهل بيته ، وثلاث وخمسين رجلا من شيعته ، وقتل علي ابنه بين يديه وهو طفل بنشابة . (بحار الأنوار: 30 / 287.).

ويقترب من العدد المذكور في زيارة الناحية المقدسة، حيث وصل العدد فيها إلى ست وسبعون.

وهذا العدد يوافق أيضاً عدد الرؤوس المقطوعة، حيث اشتهر بين المؤرخين أنها إثنان وسبعون رأساً. (الإرشاد للمفيد: 2 / 113 ، الاخبار الطوال للدينوري ص259 ، أنساب الأشراف: 3 / 206 ، تاريخ الطبري: 4 / 349 ، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 206 ، إعلام الورى للطبرسي: 1 / 470).

القول الثاني: اثنان وثمانون رجلاً: وهو اختيار ابن شهر آشوب في المناقب: 3 / 248، وذكره الخوارزمي في مقتل الحسين: 2 / 4 ، ناسباً إياه الى رواية: حيث قال: ""وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، وفي رواية: اثنان وثمانون راجلاً."" وتبعه السيد محمد بن أبي طالب في تسلية المجالس: 2 / 275.

واختاره السيد المقرم في مقتل الحسين ص225.

ولكن يلاحظ على هذا القول: أنه عدد الخارجين مع الحسين (ع) من مكة، قال ابن أعثم: وخرج الحسين من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة، ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته. (الفتوح لابن أعثم: 5 / 69، وعنه الخوارزمي في مقتل الحسين: 1 / 220، مطالب السؤول لابن طلحة ص396، وعنه الإربلي في كشف الغمة: 2 / 253، والفصول المهمة لابن الصباغ: 2 / 803 .)

ومن المعلوم أنّ العدد ازداد ثم تقلص من يوم خروجه من مكة الى يوم عاشوراء.

فهذا العدد ليس هو عدد أصحابه الفعليين في كربلاء والمقتولين بين يديه.

وذكر ابن كثير أنّ عدد الخارجين معه من الحجاز الى العراق ثلاثمائة شخص، قال: وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق، ولم يشعر بما وقع، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلاثمائة. (البداية والنهاية: 6 / 259).

وذكر ابن عساكر أنّ عددهم من غير أهل بيته ستون شيخاً، قال: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج متوجها إلى العراق في أهل بيته وستين شيخا من أهل الكوفة وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة ستين. (تاريخ دمشق لابن عساكر: 14 / 212، وتابعه ابن كثير في البداية والنهاية: 8 / 178).

القول الثالث: واحد وستون رجلاً: ذكره صاحب إثبات الوصية ص166، قال: ورويَ أنّ عدتهم في ذلك اليوم كانت واحداً وستين رجلاً.. الخ.

وهذا القول بعيد من جهات عديدة.

القول الرابع: مائة وخمس وأربعون رجلاً: وهي رواية عمار الدهني عن الإمام الباقر عليه السلام، فيما نقله الطبري في تاريخه، قال: قلت لأبي جعفر حدثني مقتل الحسين حتى كأني حضرته. فقال الإمام الباقر (ع): ... حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن يزيد ... فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد فنزل وضرب أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل. (تاريخ الطبري: 4 / 292).

وهذا العدد ذكره ابن نما في مثير الأحزان ص39، والسيد ابن طاووس في اللهوف ص157، ومن المقطوع به أنهما اعتمدا على عمار الدهني التي رواها الطبري.

ولكن رواية عمار الدهني يصعب الاعتماد عليها، لعدم ورودها في مجاميع الشيعة الإمامية أولاً، وفيها تحريف لبعض حقائق معركة كربلاء ثانياً، مضافاً إلى أنّ هذا النص يشير إلى عدد أصحابه في بداية نزوله كربلاء، ولا يوجد في النصّ إشارة إلى أنه العدد الذي قاتل به الأعداء، أو قُتِلوا يوم الطف، فلعلّ العدد نقصَ عن ذلك.

ويمكن أن يكون العدد شاملاً لجميع مَن كان معه من أصحابه وأهل بيته رجالاً ونساءً وأطفالاً، لا خصوص المقاتلين أو المقتولين يوم عاشوراء، وهذا الاحتمال يحتاج إلى تحقيق أيضاً.

القول الخامس: ثمان وسبعون رجلاً: قال المفيد: فروى عبد الله بن ربيعة الحميري فقال : إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق ، إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل عليه ، فقال له يزيد : ويلك ما وراءك وما عندك ؟ قال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا أو ينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال على الاستسلام ... حتى أتينا على آخرهم ... (الإرشاد للمفيد: 2 / 118 ، والطبري في تاريخه: 4 / 351 ، وفي الأخبار الطوال للدينوري ص 260 أنّ المتحدث هو عمر بن سعد.)

وهذا العدد لو حذف منه الناجون من المعركة، لاقترب من العدد المذكور في القول الأول.

القول السادس: أنّ عددهم حدود المائة شخص: وهي رواية الحصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة – شاهد عيان - قال إن أشياخا من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون اللهم أنزل نصرك قال قلت يا أعداء الله ألا تنزلون فتنصرونه قال فأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد قال وإني لأنظر إليه وعليه جبة من برود فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بنى تميم يقال له عمر الطهوي بسهم فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا في جبته فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإني لأنظر إليهم وانهم لقريب من مائة رجل فيهم لصلب علي بن أبي طالب عليه السلام خمسة ومن بني هاشم ستة عشر ورجل من بنى سليم حليف لهم ورجل من بنى كنانة حليف لهم وابن عمر بن زياد. (تاريخ الطبري: 4 / 295).

وهذا العدد تقريبي وليس دقيّاً.

وهذه الرواية رواية الفضيل بن الزبير الرسان من أعيان القرن الثاني، إذ أحصى أسماء مَن قتل مع الحسين (ع)، فأوصلهم إلى مائة وسبعة، فإذا استثنينا من القائمة: الإمام الحسين (ع)، وهاني بن عروة، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الله بن يقطر، ومسلم بن عقيل، لكان عدد المستشهدين مئة وإثنان.

وإلى هذا الرأي يميل الشيخ محمد مهدي شمس الدين حيث يقول: وتقديرنا الخاص نتيجةً لما انتهى إليه البحث هو أنّ أصحاب الحسين (ع) الذين نقدّر أنهم استشهدوا معه في كربلاء من العرب والموالي يقاربون مئة رجل أو يبلغونها، وربما زادوا قليلاً على المئة. (أنصار الحسين ص49).

وأوصلهم الشيخ محمد طاهر السماوي إلى قريب المائة في كتابه إبصار العين في أنصار الحسين مع حذف من قُتِل في الكوفة.

القول السابع: ستمائة شخص: منهم خمسمائة فارس، ومائة راجل! وهذا القول اختيار المسعودي حيث قال: فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر ابن يزيد التميمي فقال له : اين تريد يا ابن رسول الله ؟ قال : اريد هذا المصر ، فعرّفه بقتل مسلم وما كان من خبره ، ثم قال : ارجع فإني لم أدع خلفي خيراً ارجوه لك ، فهَمَّ بالرجوع فقال له إخوة مسلم : والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا او نقتل كلنا ، فقال الحسين : لا خير في الحياة بعدكم ، ثم سار حتى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فعدل الى كربلاء - وهو في مقدار خمسمائة فارس من اهل بيته واصحابه ونحو مائة راجل. (مروج الذهب: 3 / 61).

وهذا القول يصعب تصديقه، فهي مخالفة لجميع الروايات المتقدمة، نعم يمكن قبولها في حالة واحدة وهي ما قبل خبر شهادة مسلم بن عقيل، قبل تفرق الكثير من أنصاره عنه.

قال الدينوري: وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم ، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا خاصته . ( الأخبار الطوال 248).

القول الثامن: واحد وتسعون شخصاً: وهو إختيار المسعودي، قال: وكان جميع من قتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين، منهم ابنه علي بن الحسين الأكبر... وقتل معه من الأنصار أربعة ، وباقي من قتل معه من أصحابه - على ما قدمنا من العِدَّة - من سائر العرب. (مروج الذهب: 3 / 61 – 62).

 

وهناك أقوال اخرى أعرضنا عنها لضعفها وعدم شهرتها.

الراجح من الأقوال:

والذي نميل إليه هو أنّ أقرب الأقوال قدرةً على الانسجام مع الشواهد والقرائن التاريخية هما القول الأول (الاثنان وسبعون) والقول السادس (حدود المائة).

وأما بقية الأقوال فيصعب البناء عليها، كما بيّنا ذلك ضمن كل قول.

ويمكن التوفيق بين القولين والبناء على أنّ مَن عدّهم إثنان وسبعون لم يعدّ الموالي والأطفال والذين التحقوا بجيش الحسين (ع) كالحر وغيره. أو لم يعدّ شهداء أهل البيت (ع) ضمن الاثنان وسبعون.

ولكنه يصادم عدد الرؤوس المقطوعة، المحددة باثنان وسبعون رأساً، إلا إذا قلنا بأنهم لم يقطعوا رؤوس الموالي والأطفال وبعض مَن لا ثقل اجتماعي له، واقتصروا على قطع رؤوس الرؤوس، وهم اثنان وسبعون نفساً، والله العالم.

 

2021/08/28