أدوات ناعمة وعناوين براقة تهدد المجتمعات الإنسانية.. 8 طرق للمواجهة

بسمه تعالى

السؤال: يجد الشخص المسلم من بعض الجهات توجهاً لفرض ثقافات مغايرة على المجتمع من خلال استخدام جملة من الوسائل كالمال والإعلام، فما هي طرق العلاج والوقاية؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

الجواب: يجد أي متابع للساحة الثقافية والإعلامية والنشاطات المختلفة أن هناك صراعاً ثقافياً بالفعل بين المجتمعات المعاصرة، حيث تسعى بعض هذه المجتمعات إلى النفوذ في المجتمعات المغايرة له في ثقافتها والتأثير عليها لتفقد خصوصياتها وتتبع ثقافة المجتمع الآخر.

وهذه صورة حديثة من الصراع في المجتمعات البشرية، حيث كانت الصور السائدة من الصراع من قبل هي الصراعات القومية مثلاً، حيث يسعى بعض الأقوام إلى إزاحة كيان أقوام آخرين بالقتل والاستعباد أو جعل كيانها تابعاً لها من خلال الاستعمار على سبيل المثال، وكذلك الصراعات السياسية التي كان يسعى فيها بعض الحكام للتوسع على حساب حكام آخرين، والصراعات الدينية التي يسعى فيها أهل بعض الأديان إلى فرض عقيدتهم على الآخرين من منطلق توسعة النفوذ، والصراعات الاقتصادية التي تسعى فيها بعض المجتمعات إلى السيطرة على خيرات بلاد مجتمعات أخرى من خلال السيطرة على ثروتها وإمكاناتها أو من خلال جعل أهلها مستهلكين فحسب للسلع التي تصدّر إليهم.

فكانت الصورة الأكثر تطوراً من الصراع في المجتمع البشري هو الصراع الثقافي للتأثير على فئة من المجتمع المستهدف وضرب كيانه وتاريخه وحضارته، خاصةً وأن التأثير أصبح أكثر سهولة بعد اختلاط المجتمعات والأقوام وأهل الأديان والثقافات مع بعضها البعض بفعل وسائل الاتصالات والتواصل الحديثة.

على أنّ هذه الصورة رغم وجهها الثقافي لم تكن تخلو في عمقها عن دوافع قومية وسياسية ودينية واقتصادية.

كما أنّ أدوات الصراع المعاصرة قد اختلفت بعض الشيء عن العصور السابقة حيث كانت الأدوات المعروفة من قبل أدوات خشنة كالاحتلال العسكري والاستعمار الصريح، ولكن أصبحت الأدوات المعتمدة اليوم أدوات ناعمة من خلال عناوين برّاقة لا تثير حساسية المجتمع الذي يتم غزوه ولا تجرح كبرياءه ليدعوه إلى المقاومة، وهي إمّا عناوين فكرية مثل نسبية الحقيقة، أو عناوين أخلاقية مثل حقوق الإنسان التي تُتخذ ذريعة للمطالبة بعناوين أخرى كالحرية الشخصية والمساواة بين الناس، وكل ذلك مما تنطبق عليه المقولة المعروفة: (كلمة حق يراد بها باطل)، وهذا هو الخطر الذي يهدد المجتمعات الإنسانية المعاصرة، حيث إن المجتمع الذي يكون أكثر تمسكاً بثقافته وأكثر امتلاكاً لأدوات التأثير سيكون مهيمناً على المجتمع الذي يكون غافلاً عن مجريات هذا الصراع ويتساهل في التمسك بثقافته وأعرافه الرصينة، وبذلك يكون فريسة سهلة لإزاحة كيانه الثقافي من غير حاجة إلى غزو عسكري واستعمار واستعباد لأهله، ولا استعجال في هذا الصراع، فالمهم أن التغيير الثقافي يتم خلال جيل أو أكثر بشكل تدريجي بعد النفوذ في المجتمع الآخر.

وليس هذا التوجس في أصله مغالاة ناشئة عن سوء الظن والبناء على نظرية المؤامرة، ولكنه واقع يجد الباحث شواهده واضحة من خلال المقارنة بين السلوكيات المجتمعة لتلك المجتمعات إزاء القضايا المتماثلة، ومن خلال طبيعة مساعداتها للمجتمعات الأخرى التي تغزوها والمجالات التي تهتم بها، ومن خلال بعض التصريحات لقياداتها، فضلاً عن الاطلاع على الوضع العالمي واتجاهاته ومسارات الصراع والتنافس فيه وملاحظة التقريرات الاستخبارية التي تتسرب بين حين وآخر، وهناك أمثلة لهذا الصراع مشهودة وواضحة لكل متابع.

وليس مقتضى ذلك أن يكون كل فرد يعمل في اتجاه معين منتبهاً وقاصداً إلى العمل في تلك الاتجاهات المشبوهة، فالإنسان في الحرب الثقافية ـــ بل السياسية ـــ قد يقع من حيث لا يحتسب في سياق معين كبير وواسع ومخطط له من غير أن يستحضر بنفسه حقيقة الدور الذي يؤديه والنتائج التي تترتب على دوره، فيكون لبنة في بناء الآخرين من غير أن يستحضر اتجاه البناء وغاياته وآثاره.

لا ينظر الإنسان المؤمن بالدين الطالب للحقيقة في هذه الحياة إلى هذا المشهد من خلال التعصبات القومية والنعرات الجاهلية أو المصالح المؤقتة.

ولكنه ينظر إليه من زاوية تحري الحقيقة والإخلاص لها والانتباه إلى مسارات الحق والباطل في الحياة، وليس اعتناقه للدين كعقيدة وقيم وسلوكيات تقليداً وعصبية، وإنما هو للإيمان بأنه الفكر الصائب والبصيرة النافذة والرؤية الثاقبة للحياة التي أرادها الله سبحانه لهذا الكون وخلق عليها الإنسان، فالإنسان مزود بفطرة خلق عليها واتجاه يسير إليه ليختبر الله سبحانه معرفته واتجاهه وسلوكه، ليؤتيَ سبحانه كل ذي فضل فضله ويجزيَ الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ولذلك يجد الالتباسات التي تطرأ في هذا الشأن مصداقاً للشبهات التي يختبر الله سبحانه بها خلقه في الحياة في كل زمان بحسبه، فقد كان لهذا الاختبار صورة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) تمثّلت في عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك، ثم كان بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في الإذعان لاصطفاء أهل البيت (عليهم السلام) وإمامتهم وكونهم الثقل القرين لكتاب الله سبحانه والعاصم من الضلال، ثم كان في خلافة الإمام علي (عليه السلام) واتباعه في مقابل الشبهات المثارة ممن حاربه، ثم كان في زمان الإمام الحسن (عليه السلام) في الخيار الحكيم بين مسار الصلح والحرب بداية وانتهاء، ثم كان في زمان الإمام الحسين (عليه السلام) في الإباء عن البيعة وعدم الرضوخ للظالم، ثم كان في زمان الأئمة (عليهم السلام) بعد الحسين (عليه السلام) في طبيعة السلوك الملائم مع التحديات حينها.

وإذا كان الإنسان المؤمن دائماً يستذكر الوقائع التاريخية في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) ويتمنى لو كان معهم فيفوز بالاقتداء بهم فينبغي أن يعلم أن لكل زمان شبهاته وفتنه والاختبار الأصعب في هذه الحياة ليس في السير في المسار الصحيح من بعد تشخيصه فحسب، بل التبصر في تشخيص المسار الحق بين الاتجاهات المختلفة والشبهات المكتنفة للحقيقة التي تحجب الرؤية الثاقبة والنافذة لها، وإذا كان المرء يجد الحقيقة في شأن الحوادث السابقة فإنّ ذلك لن يعني بالضرورة أنّه كان يجدها لو عاش حينها، لأن الفتن إذا أقبلت كانت كقطع الليل المظلم، ثم تكشف بعد فترة ـــ كما في كلامٍ للإمام (عليه السلام) في نهج البلاغة ـــ ولذلك من المهم أن يتبصّر المؤمن في الشبهات والفتن التي اختبر بها في زمانه؛ مستفيداً ومعتبراً ومتعظاً مما مر بالأقوام السابقة من اختبارات،  وذلك باكتشاف الشبهة والاتجاه الحق في ضوضاء الفتنة التي ابتلي بها من خلال التبصر، ثمّ السلوك الصائب والحازم والثابت على المسار الصحيح.

وأمّا طرق الوقاية والعلاج في المستوى الفردي والاجتماعي فهي ترتكز على عدة أمور:

1 ــ التبصّر في الموضوع، بالانتباه إلى أبعاده وآفاقه والتذكير بها، لأنّ الغفلة عن ذلك تؤدي إلى أن لا يعرف الإنسان موضع خُطاه واتجاه سيره حقيقة، ولا يعرف وظيفته في هذا السياق.

2 ــ الاتصاف بالعلم وبالعناصر الثقافية الرشيدة والتثبت أو التوقف في المواضع المناسبة، فإن التسلح بذلك يعطي المرء القدرة على التمييز بين الحق والباطل وبين الحقيقة والخرافة، ويُجنب المرء الوقوع في مستنقعها والاتصاف بها، كما سيُجنبه من فعل ما يشوّه الحقيقة ـــ ولو من غير عمد ـــ، وربَّ امرئ قاصد للحق ولكن يخرجه بما يشوّهه، مما يثير الشك فيه ويوجب الريبة تجاهه، فيذهب باطله بحقه.

ولذلك كان على المرء الالتزام بالموضوعية في الطرح وتجنب الأقوال المتسرّعة والخطوات الانفعالية، فإن ذلك أسلم له في نفسه وللرسالة التي يريد أداءها من الدعوة إلى الاتجاه الراشد والسليم.

3 ــ الاتصاف بجوامع الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة التي هي جزء من الفطرة الإنسانية وجزء من تعاليم الدين الحنيف، فإنها أساس في العقيدة الراشدة والمنهج الصائب، وهي مع ذلك عامل مساعد على صيانة النفس عن الشبهات وصلوح المرء للدعوة بسلوكه أو بقوله للاتجاه الصائب في الحياة.

4 ــ تحريك روح التصحيح في المجتمع وعدم الوقوف متفرجاً تجاه الأمواج العاتية الوافدة، كما هو مقتضى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومصداق الحديث النبوي المعروف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

5 ــ الاهتمام بالعمل الجماعي للتثقيف وفق قواعده وسننه المقبولة، لما يوجبه تراكم الأفكار والإمكانات من مقدرة كبيرة وبيئة ملائمة، وصيانة عن الأخطار، ولذلك قال سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)([1])، وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)([2]).

6 ــ الاعتناء بالأسرة وروابطها، فإن الأُسَر ـــ من المرأة والشباب والأطفال ـــ هم الهدف الأوّل للأمواج الثقافية، فالعناية بتماسكها وصلاحها وسلامتها يكون أساساً متيناً في مقابل هذه الأمواج التي تحاول اختراق هذه الوحدة الاجتماعية الأساسية.

7 ــ اتخاذ الأساليب الصالحة والملائمة في نشر الثقافة الراشدة كالتي يسلكها أصحاب الثقافات الغازية الوافدة لنشر اتجاههم، من الأساليب الإعلامية المؤثرة، مع تجنب ما يستعمله الآخرون أحياناً من الأساليب الوضيعة والذميمة البعيدة عن الاحتراف والموضوعية.

8 ــ خلق بيئة مناسبة للرشد والسلامة تكون بديلاً عن البيئات الفاسدة والموبوءة وتكون أرضية رصينة للثبات والصلاح والسداد وتساعد على الحفاظ على العقائد الراشدة والقيم الفاضلة وتقي من الزلل والخطايا.

وبعد، فإنّ لروح الإخلاص لله سبحانه وللحقيقة والبعد عن الأنانيات الضيقة والمنافع الشخصية أكبر الأثر في صلاح العمل والتوفيق فيه وبركته.

وإنّ الإنسان المؤمن مهما وجد صعوبة وغربة في هذا السبيل، لكنه لا يفقد الثبات والعزيمة على السير الراشد وتثبيت الآخرين عليه، ولا يستوحش من غلبة الشبهة وكثرة المفتتنين، فمنذ القدم كانت القلة من الناس ممن يتبصر التبصر الملائم ويتحرك وفق الاتجاه السليم، بل كان أكثر الناس هم بين قوم يتساهلون في معرفة الحق، وآخرين تتغلب عليهم المطامع والعصبيات والأهواء رغم معرفتهم بالاتجاه السليم.

كما يثق المؤمن في الأحوال كلها بأن للحق دولة كما أن للباطل جولة، ويطمئن بأن مسار الحق والرشد لا بدّ أن يغلب يوماً وأنّ هذه الحياة إنما هي اختبار للإنسان، فالمهم فيه أن يدرك الحقيقة ويسير في اتجاهها، لأنه قد يجد في ذلك عناءً ولكنه لن يشقى، وإنه في الأحوال كلها بعين الله سبحانه، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)([3])، وقال عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([4]).

14/ج1/1443هـ

([1]) سورة المائدة: 2.

([2]) سورة التوبة: 71.

([3]) سورة العنكبوت: 69.

([4]) سورة آل عمران: 200.