فكر وثقافة
لماذا يعذّبنا الله في ’القبر’؟!
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ صدق الله العلي العظيم

[اشترك]

من قرأ الآية المباركة لاحظ فرق بين العذاب والرحمة فالعذاب مشروط ومعلق ولكن الرحمة غير مشروطة ولا معلقة بل هي فعلية قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ فهو مشروط بالمشيئة إذا شئت أن أوقع عذابي على شخصا لأجل استحقاقه لإفاضة العذاب عذبته قد يكون مستحق للعذاب ولا أعذبه فعذابه وأن كان مستحق للعذاب يعتمد على مشيئتي إذا راءيت المصلحة في تعذيبه عذبته، إذا لم أرى المصلحة في تعذيبه فلن أعذبه وأنك كان مستحق للعذاب قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ فهو ليس عذاب فعلي إنما هو مشروط إما رحمتي فهي فعلية قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إي أن الرحمة فعلية دائما متجددة هذه الرحمة الفعلية المتجددة لم أشترطها بشيء ولم أعلقها بشيء جعلتها مطلقة فعلية أستحقها العبد أم لم يستحقها.

كل عبد كل مخلوق كل موجود فهو وعاء لرحمتي من دون شرط ولا قيد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، بمعني أن هناك رحمة خاصة غير هذه الرحمة العامة التي تسع جميع المخلوقين هناك رحمة خاصة بالمتقين.

حديثنا انطلاقا من هذه الآية المباركة حول العذاب الأخروي خصوصا عذاب القبر وعذاب النار فإن عذاب القبر قد يكون أشد من عذاب النار عذاب القبر عذاب السجن العاصي إذا كتبت عليه عذاب القبر يسجن في قبره المعذب في النار لا يعيش ظاهرة السجن المعذب في النار معه الناس المعذبون يتخاطبون ويتحادثون المعذبون في النار بينهم خطاب وحديث وتبادل للآلام وللمحن فقد تكون هذه الشركة في العذب في النار عامل تخفيف على من يعذب أما عذاب القبر فهو زنزانة لا يخرج منها ولا يلتقي بأحد ولا يشاركه أحد في زنزانته إنسان معذب في زنزانة لوحده بشتى صنوف العذاب وبالتالي فالإنسان إذا كان في ذهنه أن عذاب الآخرة بعيد عذاب النار بعيد يوجد وقت على عذاب النار الآلف السنين يالله يصل الإنسان إلى النار فإن عذاب القبر قريب ينتظر العبد العاصي المصر على معصيته فهو عذاب شديد.

إذا نحن نحدث هذا اليوم عن ثلاث جهات:

1 - فلسفة العذاب الأخروي.

2 - حقيقة العذاب الدائم في الأخرى.

3 - عن الفرق بين أثر الإيمان وأثر الكفر.

 

الجهة الأولى: ما هي فلسفة العذاب؟! لماذا يعذب الله البشر؟! قد يسأل سائل فيقول العذاب له هدفان أما التأديب وأما الانتقام إذا فرضنا أن الأب عذب ولده بعذب معين أو أن الدولة عذبت مواطن بعذاب معين فإن العذاب له هدفان أما التأديب كي لا يعود إلى الرذيلة والمعصية مرة أخرى فيعذب وأما الانتقام وكلاهما لا يحتمل في الأخرى، إما التأديب لا معنى له في الأخرى هذا عذاب أخروي وليس عذاب دنيوي حتى يصبح تأديب الإنسان إذا مضى إلى الأخرى لن يعود للعمل مرة أخرى حتى يؤدب اليوم العمل ولا جزاء وغدا جزء ولا عمل فليس هناك مجال للعودة إلى الدنيا كي يؤدب إذا التأديب ليس له معنى في الأخرى فالعذاب ليس لتأديب.

كما أنه لا معنى لأن يكون العذاب للانتقام فإن الانتقام إنما يتصور في الفاعل الناقص الإنسان الناص إذا أسيء إليه ينتقم لنفسه لأنه يرى أن نفسه بعد أن أسيء إليها طرى عليها النقص طرأت عليها الخدشة طرأ عليها الدنو فهو لأجل أن يعوض الإنسان الناقص إذا أسيء إليه يشعر بالنقص ولكي يعوض النقص الذي طرأ من هذه الإساءة يقوم بالانتقام، الانتقام يصدر من الفاعل الناقص.

أما الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء الغني عن كل شيء فلا يحتاج إلى الانتقام هو كامل لم يحدث فيه نقص نتيجة إساءات الخلق وإساءات الناس كي يعوض نقصه بالعذاب هو كامل لا يحتاج إلى العذاب فإذا كان تبارك وتعالى كامل إذا العذاب بدعي وبهدف الانتقام لا معنى له، إذا ما هو الهدف؟! ما هو الهدف من تعذيب الله العاصين الفاسقين سوء في القبر أو الأخرى ما هو الهدف من دلك؟! إذا لم يكن الهدف لا الانتقام ولا التأديب؟

الجواب: أن العذاب في القبر والأخرى هو أثر الفعل بناء على تجسم الأعمال كيف أثر الفعل؟! هذه البذرة إذا ضعت في التراب وسقيت بالماء وأعطيت السماد هذه البذرة تتحول إلى شجرة تتحول إلى تفاحة هذه مسألة تكوينية ليس معنى أن تكون ما هو الهدف أن تكون البذرة شجرة «هذا أمر تكويني» ما دامت هي بذرة وسقيت بالماء وأعطيت تصبح شجرة ما لم يمنع مانع تكويني هذا أمر تكويني تولدي البدرة تتولد شجرة أمر تكويني.

النطفة إذا التصقت بالرحم وكانت فيها حياة تتولد إنسان هذا أمر تكويني أعمالنا أيضا تتولد شئنا أم أبينا ليس باختيارنا باختيارنا أن نعمل ولكن بعد أن عملنا أعمالنا تتولد كتولد البذرة شجرة كتولد النطفة إنسان ليس بيدنا أمر تكويني كيف؟! هذه الصلاة التي نصليها بمجرد أن تقع الصلاة القربية منا هذه الصلاة تتحول إلى نور في القبر شئنا أم أبينا أمر تكويني مثل تولد البدرة إلى شجرة تماما مثل تولد النطفة إلى إنسان تتحول إلى صورة أخرى تكوينا وهذه المعصية التي نمارسها هذه الرذيلة التي نقترفها معصية عقوق الوالدين، معصية استماع الأغنية المطربة، معصية ظلم الناس معصية العلاقات غير المشروعه أي معصية، معصية القروض الربوية أي معصية هذه المعصية تتحول إلى جمرة من النار شئنا أم أبينا هذا أمر تكويني أوتوماتيكي.

فلا معنى للسؤال ما هو الهدف ما هي الفلاسفة أنت عملت عملا هذا أثره قال تعالى: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بمعنى أن عملك هو يتحول إلى جزاء إليكم قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ «يرى نفس عمل يعني يراه بصورة أخرى» وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

إذا العمل يتجسم العمل يتجسد ليس الأمر بأيدينا، بأيدينا لا نعمل كان بأيدينا لا نعصى الله كان بأيدينا أن لا نرتكب الرذيلة إما بعد أن ارتكبنا الرذيلة أوتوماتيكي تحولت إلى قطعة من النار قطعة من الجحيم جمرة ملتهبة لا يطفيها إلا عفو الله وإلا هذا أمر تكويني ولذلك أنت تقرى في الدعاء ”إلهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمامَ رَحْمَتِكَ، وَأَرْسِلْ عَلى عُيُوبِي سَحابَ رَأْفَتِكَ“ يعني أطفئ هذه العيوب أطفئ هذه الذنوب لأنها قطع مشتعلة ملتهبة أطفئها بعفوك ومغفرتك ما هي الفلسفة وما هو السر لا توجد فلسفة هذا مثل البذرة بذرة تتحول شجرة عمل يتحول نار أوتوماتيكي كان بإمكانك لا تعمل بعد أن عملت كان بإمكانك إطفاء هذه الجمرة وإطفائها بطلب عفو الله ورضوانه قال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا «المهم أن تستغفر المهم أن تتوب» إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ «الحجر إذا اكتسب الحرارة أشد من أي جسم أخر الحجر إذا أصبح حار اشد على الإنسان من أي جسم أخر هذا الحجر الحار إذا وضع عليه الإنسان يستطيع أن يثبت عليه دقيقة واحدة؟! يستطيع أن يضع أصبعه على الحجر دقيقة واحدة؟! لا يستطيع» وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ «فكيف إذا حبس في قبره لا يستطيع أن يتحرك لا يمين ولا شمال ولا يرتفع ولا يذهب إلى مكان محبوس علىحجر حار» وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾.

إذا فلسلة العذب سر العذاب هو تجسم الأعمال تحول العمل من صورة إلى أخرى من صورة مادية إلى صورة مجردة من حالته الملكية إلى حالته الملكوتيه هكذا، كل شيء له عنصر ملكي وعنصر ملكوتي قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ نحن الآن عندما نرى الحجر نرى جانبه الملكي أنه حجر مادة لكن لا نرى جانبه الملكوتي وهو أنه يسبح الله قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، كذلك أعمالنا نحن أعمالنا لا نرى إلا جانبها الملكي ما هي الصلاة؟! الصلاة هي قراءة وذكر وركوع وسجود «لا» الصلاة في جانبها الملكي ذكر وركوع وسجود لكنها في جانبها الملكوتي هواء بارد يطفئ تلك النيران قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾مثل الهواء البارد الذي يطفئ لهب النيران، تمر عليك الصلاة إذا أنت صليت صلاة الليل جاءت ليلة جمعة وأنت في القبر لما جاء وقت تلك الصلاة صلاة الليل التي صليتها والقبر يشتعل جمرا ولهب تأتي الصلاة كالنسمة الباردة التي تطفئ ذلك اللهب إذا هذا الجانب الملكوتي للصلاة.

كذلك المعصية نحن نستصغر المعاصي تكلم مع فتاة أجنبية على النت غير كلام غير خمس دقائق أو يقوم مثلا بظلم العباد بغيبتهم بالاعتداء عليهم غير أنه ظلم مؤقت هذا الظلم المؤقت قطعة من النار جانبه الملكوتي أنه قطعة من النار.

الجهة الثانية: العذاب للكافرين المصرين على الكفر هناك كافر مشتبه هناك كافر مصر على الكفر هناك فاسق مشتبه أو سولت له نفسه وهناك فاسق مصر على الفسوق، نحن نتحدث عن المصرين عذابهم دائم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فهنا ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾قد يقع الإنسان في أسئلة واستفهامات كيف الله يعذب الناس يعني أنه عذاب خالد ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ كيف هذا يحدث؟! وكيف يتناسب مع رحمة الله وحكمته وعدالته يعذب الخلق عذاب خالد دائما كيف؟!

ما هي حقيقة العذاب الدائم؟! كيف يتحول العذاب إلى دائم؟!

الفلاسفة يقولون: هناك حاله وهناك ملكة، ما هو الفرق بين الحال والملكة؟! الحال تقتضي أثر مؤقت والملكة تقتضي أثر دائم كيف؟!

مثلا: الآن أنا أزاول الشعر تارة أزاول الشعر على سبيل الحال وتارة أنا عندي ملكة الشعر، هناك شخص ينشد الشعر حال يوم من سنه يطلع له قصيده هذا الشعر عنده حال وليس ملكة وهناك من الشعر عنده ملكة متجذرة في نفسه بحيث يصدر عنه الشعر والأدب بسهولة بيسر، الحال لا تقتضي أثر دائما حال أثره مؤقت أما الملكة لا يستطيع هو إذا كان عنده ملكة الشعر فالملكة متجذرة في نفسه أثرها أثر دائم تجده في غالب أحواله ينشد بيت بيتين قصيدة ملكته تقتضي هكذا مثل العين التي تنبع ماء لا تقف عن نبعها ففرق بين الملكة والحال الحال أثره مؤقت الملكة أثرها دائم بمعنى «اقتضاء الملكة لأثرها اقتضاء دائم».

أيضا السلوك على قسمين: قسم حاله وقسم ملكة، بعض السلوك حاله وبعض السلوك ملكة كيف؟!

مثلا: أنت الآن هناك إنسان طبيعته الغضب لكن يتحلم أحيانا يضغط على نفسه أن يصبح حليم ولكنه بطبيعته «عصبي» ولكنه في بعض الموارد يتحلم يصبر نفسه يكظم غيضه هنا الحلم بالنسبة لديه حال وليست ملكة ولذلك أثر الحلم مؤقت أما الحليم فالحلم عنده ملكه لا يستطيع أن يغضب حتى لو كان يمثل أنه غضبان لا يستطيع حليم، هو الحلم عنده ملكه تجذرة في نفسه إلى أن أصبح أثرها دائم اقتضاء الحلم للهدوء وإلى الاستقرار والاطمئنان اقتضاء دائم ليس بيده لا يستطيع أن يقول أنا لماذا أصبحت هكذا؟! أنا عندي ملكة الحلم والحلم يقتضي والملكة تقتضي اثر دائم فأثار الحلم عندي دائمة، أنا دائما في استقرار في هدوء قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا. كِرَامًا﴾وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾.

كذلك المعاصي بعض المعاصي حال وبعض المعاصي ملكة، تارة أنا أعصي ربي يوم من أسبوع يوم من شهر يوم من سنة هذا حال وهذا الذي نقراه في الصلاة دعاء زين العابدين : ”وما عصيتك إذ عصيتك وما أنا بك شاك ولا بنكالك جاحد ولا بعقوبتك متعرض ولكن سولت لي نفسي“ حال وهناك من أصر على العصيان إلى أن أصبح الفسق له ملكة، الآن هذا الذي يقود إلى الرذيلة يقود الولد إلى البنت أو هذا التاجر الذي يروج إلى المخدرات شيطان يتحرك على الأرض هذا الفسق أصبح ملكة متجدرة في نفسه أثرها دائم يعتدل يومان ويرجع لا يستطيع يصبح يوم معتدل ثم يرجع إلى ما كان، أصبح اقتضاء هذه الملكة اقتضاء غالبي أو دائم أو هؤلاء الظلمة يستغرب الناس كيف صدام كل يوم يعدم ناس أصبح الظلم ملكة لا يستطيع هذا عنده ملكة أصبح الظلم والقتل عنده ملكة متجذرة.

دولا الإرهابيين والنواصب سفك الدماء عندهم ملكة متجذرة كل يوم يقتل كل يوم يفجر إذا تحولت المعصية أو الكفر أو الشيطنة إلى ملكة نتيجة الإصرار عليها أصبحت ذاتيا والذاتي أثره دائم أصبحت تقتضي أثر دائم هنا منطقة الخطر، كما أن ملكة الكفر في الدنيا تقتضي كفر دائم، كما أن ملكة الفسق في الدنيا تقتضي فسق مستمر دائم نفس هذه الملكة في الآخرة ملكة الكفر موجودة عنده لم تذهب يأتي في الآخرة وعنده ملكة الكفر غاية ما في الأمر أن هذه الملكة في الدنيا تقتضي كفر في الآخرة تقتضي عذاب هي نفسها الملكة الصورة فقط اختلفت، كانت هذه الملكة في الدنيا تقتضي أثر مستمر هذا الكفار عندما يعيش ملايين السنين يبقى كافر مثل افترض لو تركه الله يعيش مليار سنه يعيش كافر لأنه الكفر أصبح عنده ملكة بعد أن أصبح ملكة متجدرة متأصلة أصبح تقتضي أثر دائم لولا الموت نفسه هذا الكافر حتى لو عاش مليار سنه سيبقى على الكفر هذا نفسه إذا مات نفس هذه الملكة مازلت موجودة عنده فهي تقتضي عذاب دائم صور مؤلمة دائمة.

إذا من يأتي الدوام؟! يأتي من ملكة الكفر، تسأل كيف هذا العذاب دائم ليس الملائكة كل يوم تأتي له بعذاب ملكة الكفر عنده تقتضي عذاب دائما كما كنت ملكة الكفر عنده تقتضي كفر دائما مثلا: الكابوس الناس الذي عندها مرض الكابوس إذا كان الإنسان مصاب بمرض الكابوس هذا المرض إذا تجذر دائما يرى صور مفزعة في النوم في اليقظى لا يوجد به شيء ولكن نتيجة تجذر المرض يخلق له صور مفزعة مرعبة وهذه الصورة المفزعة عذاب بالنسبة له لأنه يتألم منها ولكن هذا العذاب لم يعطيه احد من الخارج بل هو منه من أصيب بمرض الكابوس كان مرضه سبب لعذابه إي كان مرضه سبب لحدوث صور مفزعة مرعبة إليه كل يوم وهذه الصور المفزعة المرعبة عذاب بالنسبة إليه ألم بالنسبة إليه الكفر هكذا.

الكافر إذا تجذر عنده ملكة الكفر فهي نفس الملكة تقتضي صور من العذاب صور من الألم كلها ناشئة عن ملكة الكفر هذه الصور المؤلمة المعذبة التي ينالها الكافر في النار منه عنده هو أي مفاضة من مملكة الكفر التي كانت في الدنيا تفيض كفر الآن تفيض صور مؤلمة مرعبة لهذا الإنسان إذا هذه هي حقيقة العذاب الدائم.

نجيب عن سؤالين:

السؤال الأول: هل من الرحمة الإلهية أن يعذب الكافر الذي كفر سبعين سنة أو خمسين سنة عذاب خالد؟! هل أن خلود العذاب يتناسب مع الرحمة الإلهية هل يتناسب مع قوله تعالى: ﴿ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقد ورد في الحديث عن النبي محمد ”أن رحمت الله لتنشر يوم القيامة حتى يطمع إبليس في رحمته“ فها ينسجم مع رحمته العذاب الدائم الخالد؟!

الجواب: هناك فر ق بين رحمة المخلوق ورحمة الخالق، رحمة المخلوق: هي عبارة عن الرقة والتأثر، إما رحمته الله: فهي عبارة عن إفاضة رحمته عطائه لا يوجد عنده رقة وتفاعل «لا» الله ليس جسم حتى يتأثر أو يرق أو يتفاعل التأثر والرقة هذه كلها من شؤون المخلوق الذي ينفعل بالأشياء التي حوله، الله منزه عن الانفعالات فالرحمة عنده ليس رقة وتأثر رحمته يعني عطائه قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ عطاء إفاضة هذا هو رحمته.

عندما تقول أن العذاب الدائم خلاف الرحمة خلاف الرقة لكن الله منزه عن الرقة إذا تقول الرحمة خلاف العذاب خلاف الرحمة، خلاف الرحمة بمعنى «العطاء» العذاب خلاف الرحمة بمعنى الرقة «صح» لكن الرقة لا ترد على الله، نحن حتى الظلم إذا يعذب نرق إليه صح أولا هذا ليس في محلها الرقة أنظر إلى الظالم إذا الحاكم الشرعي لا يوجد في القرآن قال تعالى: ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ للحاكم الشرعي أن يعذبهم ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ لو رأينا ظالم قطع يداه ورجلاه وترك يخوض في دمه نرق لكن هذه الرقة ليست عقلائية رقة نفسية وليست عقلائية لا اعتبار بها فالعذاب الدائم خلاف الرحمة بمعنى الرقة «هذا صحيح» لكن الرقة ليست أمر عقلائي الله منزه عن الرقة والعذاب الدائم خلاف الرحمة بمعنى العطاء «لا» ليس خلاف الرحمة بمعنى العطاء لماذا؟!

لأنه الرحمة عندنا يا رحمة عامة يا رحمة خاصة، الرحمة العامة: إفاضة الوجود قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، والرحمة الخاصة: إفاضة الهداية لمن يستحقها فهذا العذاب الدائم خلاف أي رحمة خلاف الرحمة الخاصة أو خلاف الرحمة العامة؟! قطعا ليس خلاف الرحمة الخاصة لأنه الرحمة الخاصة إفاضة الهداية على من يستحقها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾وهذا الكافر ليس مستحق للهداية، إذا تعذيبه عذاب دائم ليس منافي للرحمة الخاصة لأنه ليس مستحق لها.

نأتي للرحمة العامة عذابه الدائم ينافي الرحمة العامة «لا» الرحمة العامة إفاضة الوجود وملكته الشقية الكافرة تقتضي العذاب فاقتضاء الملكة للعذاب من الوجود وبما أن اقتضاء الملكة للعذاب من الوجود فهو مناسب للرحمة العامة وليس خلاف للرحمة العامة مثال: النار عند تقرب منها جسم يحترق اقتضاء النار للإحراق هذا رحمة عامة لأنه الرحمة العامة إفاضة الوجود وهذا وجود فهو منسجم مع الرحمة العامة قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا «18» وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾وقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ «هذا رحمة عامة مثل ما أعطينا الكافر حياة وقدرة وعقل وشعور هذا كله رحمة عامة مع أنه كافر في الدنيا أيضا كلما أقضت ملكته عذاب نعطيها أيضا من الرحمة العامة وجود﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. إذا العذاب الدائم لا ينافي الرحمة.

السؤال الثاني: قد يقال بأن الجزاء على المحدود ينبغي أن يكون محدود هذا الكفر الذي كفر به في الدنيا كان كفر محدود خمسين سنة سبعين سنة مليون سنة بالنتيجة هو محدود الكفر الذي كفر به في الدنيا محدود فكيف يعقل عقابه لا محدود قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾جزاء المحدود بلا محدود ظلم منافي للعدالة ينبغي أن يكون عقاب إلا محدود بالمحدود لا بلا محدود قد يقول قائل هكذا؟!

الجواب: ذكرنا وجهين:

الوجه الأول: ذكرنا العذاب في الآخرة ليس على الكفر، الكفر كان محدود والعذاب في الآخرة على الملكة والملكة دائمة وليس محدودة لماذا هو يعذب عذاب دائم لأجل لملكة الكفر الموجودة عنده ليس لأجل كفر سبعين سنة أو كفر خمسين سنة كفر سبعين سنة خمسين سنة أول إلى ملكة متجدره متأصلة وتلك الملكة دائمة فالعذاب على ما هو دائم لا ما على هو محدود ملكة الكفر عنده دائمة باقية ولذلك لو بقي في الدنيا بقي كافر مثلا: النبي نوح تعب من قومه وبعد 950 سنة تعب منهم ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً «26» إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ أصبح الكفر عندهم ملكة هؤلاء لو يبقوا ملايين السنين لا يتغيرون الكفر عندهم ملكة والملكة أمر دائم والجزاء على الدائم دائم لأنه هذا اقتضاء تكويني أوتوماتيكي قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

الوجه الثاني: لاحظ ما هو الفرق بين المؤمن والكافر، الكافر كل لحظة تمر عليه يصنع ذنبين فيها ليس ذنب واحد كل لحظه الكفر ذنب وترويج الكفر هذا ذنب أخر وجزاء الترويج أشد من جزاء الذنب نفسه مثلا: شخص يشرب مخدر غير عن الشخص الذي يروج المخدر هذا عذابه أشد، مثلا: إذا شخص يعصي الله غير عن الشخص الذي يروج إلى معصية الله هذا عذابه اشد ترويج ”من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة“ ترويج، كل لحظة تمر على الإنسان الكافر وهو يقول: أنا كافر هذا ذنب وبقائه على الكفر ترويج للكفر لأنه يروج الكفر بين أولاده بين أهله بين أبناء مجتمعه فهو يصدر منه ذنبان ذنب الكفر وذنب ترويج الكفر إذا كان ذنب الكفر محدود ويقتضي جزاء محدود فذنب الترويج الذي يتكرر كل لحظة ويصل إلى ملايين الذنوب يقتضي عذاب دائم.

ولذلك ورد في الحديث عن الإمام الصادق  قال ”سؤل الإمام الصادق لماذا يخلد الكفار في النار ويخلد المؤمنون في الجنة قال: لأنه الكافر آل على نفسه أنه لو بقي في الدنيا لبقي كافر «ملكة» والمؤمن آل على نفسه أنه خلد في الدنيا بقي مؤمن «ملكة»“، نفس الشيء بالسنية للمؤمن كل لحظة تمر عليه هو يصنع حسنين الإيمان وترويج الإيمان كل لحظة تمر على المؤمن يصنع عملين صالحين الإيمان نفسه وترويج الإيمان عند أولاده عند ذريته عند مجتمعه عند أهله ترويج والترويج جزاءه نعيم دائم، إما إذا كان يروج المعصية هو مؤمن متدين يأتي ويصلي جماعة في المسجد لكن يقول إلى أبنته لا حاجة أن تلبسي عباءة ولا تتحجبي أبنتك ابنة عشر سنين أثني عشر سنة بلغت سن التكليف لا زلتي صغيرة لا تحرجيني إذا التزمت بالحجاب ينحرج سيذهب معها البحرين لا تحرجني وتلبسي الحجاب.

إذاً بالنتيجة: الإيمان عملان صالحان الإيمان وترويج الإيمان والكفر عملان سيئان الكفر وترويج الكفر لذلك كان لكلا منهما جزائه هذا نعيم دائم وهذا عذاب دائم يا أهل النار خلود ويا أهل الجنة خلود.

نأتي إلى الجهة الثالثة: لا يمكن الجمع بين ملكة الكفر وملكة الإيمان لا يجتمعان كيف لا يجتمعان؟! لأنه ملكة الكفر تقتضي نصرة الكفر والدفاع عن الكفر وملكة الإيمان تقتضي نصرة الإيمان والدفاع عن الإيمان لا يجتمعان والطريقة العقلائية بين الناس كيف يحكمون على شخص بأنه مؤمن إذا وجدوه ينصر خط الإيمان ويدافع عنه قالوا هذا مؤمن هذه هي الطريقة العقلائية بين الناس، وإذا وجدوا شخصا يناصر الكفر يقولون كافر لأنه يناصر الكفر ويدافع عنه أليست هذه الطريقة العقلائية لا تجتمع ملكة الإيمان وملكة الكفر ملكة الإيمان تقتضي نصرة ودفاع عن الدين وملكة الكفر تقتضي دفاع عن الكفر ونصرة للكفر لذلك شخص واحد المؤمن هم يدافع عن الكفر لا يحدث وكذلك شخص واحد كافر يدافع عن الإيمان لا يجتمعان لو كان مؤمن لدافع عن الإيمان ولو كان كافر لدافع عن الكفر.

من هنا نعرف الفرق بين أبي سفيان وأبي طالب، هل هناك شخص مؤمن منصف قدم أبي سفيان أبي طالب من هوان الدنيا على الله يقول أبي سفيان مسلم لا تعلنوه أبو طالب كافر «الله اكبر» أين الموازين العقلائية نترك الموازين الدينية نأتي للموازين العقلائية كيف يعرف المؤمن والكافر أليس من خلال سلوكه، نمشي على العقل شخص ناصر الإيمان والدين وتحمل في سبيل ذلك المتاعب والمصاعب يعقل أن يكون كافر وهو ينصر الدين، وشخص ألب على النبي وهو الذي خطط لمعركة أحد أبو سفيان وظل معادي للنبي إلى أن أنكسر يوم فتح مكة يناسب إلى الإيمان؟! «أي» أجل هذا العداء للدين وتجيش الجيوش على الدين كيف يجتمع مع الإيمان؟! كيف يوضعان في ميزان واحد أبو طالب وأبو سفيان.

لو كان أبو طالب كافر ما بدل نفسه وضحى بجائه وسمعته وأمواله في سبيل دين النبي محمد  وهذا ما يرويه المسلمون وليس نحن الذين نرويه التاريخ كله يقول أبو طالب كان يدافع عن أبن أخيه خسر سمعته خسر جاءه خسر أمواله حوصروا في شعب مكة ثلاث سنين ليس لهم طعام وليس لهم شراب لا يزاوجهم ولا يعاشروهم محاصرين بني هاشم كلهم حوصروا في شعب مكة لا يقدم لهم طعام ولا شراب ولا يزاوجون ولا يلاقون ولا يصافحون سجن وتحمل أبو طالب كل هذا في سبيل ماذا؟!

لو كان كافر لما تحمل كل ذلك لأجل دين لا يراه ولا يعتقد به وبقي متحمل لكل لذلك والله يخاطب النبي :

والله   لن   يصلوا   إليك  بجمعهم

ودعوتني   وعلمتُ   أنّك  ناصحي

فأصدع  بأمرك ما عليك غضاضة

ولقد    علمت    بأن   دين   محمد

كذبتم   وبيت   الله   نخلي   محمداً

‏و   ننصره   حتى   نصرع   حوله

وأبيض   يستسقى   الغمام  بوجه

تطوف  به  الهلاك  من  آل هاشم

ألم   تعلموا   أن   وجدنا   محمداً

وان    عليه    في   العباد   محبة

حتى    أوسد   في   التراب   دفينا

ولقد   صدقت   وكنت   قبلُ   أمينا

أبشر    وقر   بذاك   منك   عيوناً

 

من    خير    أديان    البرية   دنيا

ولما    نصارع    دونه    ونناضل

ونذهل    عن    أبنائنا    والحلائل

ثمال   اليتامى   عصمة   للأرامل

فهم   عنده   في   نعمة   وفواضل

نبيٌ  كموسى  خط  في  أول الكتب

ولا حيف فيمن خصه الله في الحب

كل هذا ليس دليل أيمانه لا دفاعه لا نصرته لا أبيات شعره طيب ما هو دليل إيمانه؟!

مثال: لو وجدنا شخص من أهل السنة يناصر الشيعة ويدافع عنهم ويقول الإمام علي هو الأول يقول شيعي أو سني يقول شيعي وليس سني يقولون هذا شيعي لا يعقل أن يكون سني وهو يدافع بحرارة عن التشيع وعن مبدأ التشيع لا يعقل هو شيعي وكذلك من يدافع عن الدين ومبادئه ونبيه فهو مسلم مؤمن ولذلك نزل الوحي على النبي محمد «أن الله غفر لبطن حملك ولظهر أنزلك ولحجر كفلك وهو حجر أبو طالب، شخص يتعجب يقول لماذا يقولوا أبو طالب كافر كلما نقول لهم مؤمن قالوا لا كافر مع هذه الدلائل والبراهين والأدلة والروايات والأشعار ما زالوا مصرين.

تحدث معي أحد المسؤولين في قناة الكوثر يقول اتصلت بمثقف سعودي مثقف كاتب معروف يكتب موضوعيه وهذا الكاتب علماني وليس ديني حتى تقول أن له جذور دينيه، يقول اتصلت به وقلت له عندنا حلقات بقناة الكوثر عندنا حلقات نريدك أن تشارك فيها قال ما هي هذه الحلقات يقول: عرضت عليه عدة حلقات عندنا حركة عن تجديد الفكر، عندنا حلقة عن تطوير النصوص عندنا حلقات عندنا حلقات عن إيمان أبي طالب قال أنا هذه الحلقة لا أشارك فيها قلت له لماذا؟ قال: لأنه أبي طالب كافر قلت له: أنت مثقف وموضوعي وأمين وتعرف التاريخ وتعرف الكلمات قال: لا اسمح لي أبو طالب كافر، قلت له: ليس عندك استعداد تغير قناعتك بالنظر إلى الأدلة قال: لا ولماذا أغير قناعتي أبو طالب كافر، فلولا أبو طالب وأبنه هذا كله من أجل أبنه وهذا امتد إلى يوم كربلاء لاحظ يوم كربلاء قالوا إنما نقاتلك بغضا لأبيك مبغوضية الإمام علي سرت إلى أبائه وأبنائه أنما نقاتلك بغض لأبيك «فأودع قلوبهم أحقاداً بدرية وخيبرية وحنينية وغيرهن فاضبت على عداوته».

ولولا    أبو   طالب   وابنه

فذاك   بمكة  آوى  وحامى

تكفل    عبد    مناف   بأمر

وما  ضر  مجد  أبي  طالب

كما  لم  يضر  بضوء نهار      

لما مثل الدين شخصا فقاما

وهذا  بيثرب  جس الحماما

وأودى   فكان  علي  تماما

عدو   لغى   وجهول  تعاما

سحابا  طغى فأثاره الظلاما

 

2022/05/30

مطلوب ومرفوض: التشكيك في الدين ’حالة نفسية’!
هناك الفرق بين الشك المنهجي الذي يبحث عن اليقين، وبين الشك النفسي الذي يعمل على زعزعة اليقين، فالأول مصدره التأمل العقلي والبحث العلمي، بينما الثاني مصدره الوساوس والأوهام.

 

[اشترك]

وإذا جاز لنا أن نميز بين كلمة الشك وكلمة التشكيك يمكننا أن نقول إن الشك مطلوب والتشكيك مرفوض، وبذلك نكون خصصنا كلمة التشكيك للجانب النفسي بينما خصصنا كلمة الشك للجانب العلمي والمنهجي، وعليه تكون الإجابة على السؤال أن التشكيك في الدين دائماً حالة نفسية.

أما إذا كان الشك والتشكيك يحملان معناً واحداً كما هو حالهما في اللغة، فحينها لا يمكن أن يكون (الشك أو التشكيك) في الدين حالة نفسية دائماً، بل قد يكون نفسياً قائم على الوسوسة والأوهام وقد يكون منهجياً قائم على مبررات عقلية وموضوعية.
وكون الشك المنهجي مقبول كمنهجية علمية لا يعني فتح الباب واسعاً للشك في الأمور الواضحة واليقينية؛ لأن ذلك يعد نوعاً من العبث غير المبرر، فالشك بالمعنى المنهجي لا يحدث إلا بعد توفر قرائن واحتمالات عقلائية تستدعي التحقق من جديد في المسألة، فمن الطبيعي أن لا يشكك الإنسان في القناعات القائمة على حجج واضحة وأدلة محكمة، ومن يفعل ذلك يكون قد استبدل العقل بالهوى، والظنون باليقين، والحق بالوهم، وهذا ما لا يجوز لعاقل الوقوع فيه، وعليه إذا كان الدين في مجمله أو في بعض مسائله غير واضح أو ينقصه الكثير لكي يكون يقيناً جازماً فحينها لابد من مراجعته حتى تتم اعادت بنائه على أسس متينة، فممارسة النقد العلمي على القناعات السابقة بقصد التأكد من صحتها يعد أمراً صحياً بل ضرورياً، وفي غير هذه الحالة لا يجوز فتح الباب لوساوس الشيطان لزعزعة ما عند الإنسان من يقين، فقد تسالم العقلاء على أن اليقين لا ينقض بالشك، قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا).
وبناءً على ذلك يمكننا أن نقول إن الشك النفسي يقع في الاتجاه المقابل للشك المنهجي حيث يقوم أساساً على زعزعة اليقين والارتياب في كل ما هو حقيقة، وبالتالي هو حالة مرضية تنتاب الإنسان لتجعله في حيرة دائمة وتردد مستمر، قال تعالى: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) وقد يعود مثل هذا الشك إلى اضطرابات نفسية بسبب التربية أو المحيط الفاسد أو إلى وساوس شيطانية أو إلى غير ذلك.
وفي المحصلة فإن الإسلام طالب الجميع بتحقيق اليقين وبخاصة في الأمور الاعتقادية وعليه باب البحث والتحقيق مفتوح أمام المكلفين، ولا يعني هذا فتح الطريق أمام عبث المشككين الذين ينطلقون من مبررات غير علمية، وإنما يجب الالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية بشكل صارم حتى لا يكون أمر الدين فوضى بيد العابثين، وما يؤسف له شيوع التشكيكات النفسية في الوسط الإسلامي مع غياب الشك المنهجي إلا في بعض النماذج المحدودة جداً.

2022/05/16

ما هي مدة العذاب في ’البرزخ’؟!

اذا مات مذنبٌ قبل قيام الساعة بمائة سنة ومات آخر قبل قيامِ الساعة بسنة، فهل من العدل أنْ يعذَّب الاول في البرزخ مائة سنة والثاني سنة واحدة فقط.

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ محمد الصنقور:

كلُّ مذنب فهو يُجازى بمقدارِ ذنبِه لا يُزاد عليه، فإذا كان ذنبُه لا يستوجبُ أكثر من تعذيبِه ساعةً واحدة فإنَّه لن يُعاقبَ بأكثرَ من ذلك سواءً مات قبلَ البعثِ بسنةٍ أو بألفِ سنةٍ، فإذا فرضَ اللهُ عليه عقوبةً فيعالم البرزخ فإنَّها ستكونُ بمقدارِ ذنوبِه، وسوف يُرفعُ عنه العذابُ بعد ذلك إلى يوم البعث.

فليس معنى وقوع العذاب في البرزخ أن يستمر العذاب إلى يوم البعث، فقد يستمرُّ العذاب لو كانت ذنوبُه تستوجبُ ذلك، وقد ينقطعُ عنه العذابُ لو كانت ذنوبُه لا تستوجبُ الاستمرارَ، فلن يُعذبَ الإنسانُ إلا بمقدارِ ما يستحقُّ، وقد يعفو اللهُ تعالى عنه فلا يعذبُه قليلاً ولا كثيراً.

2022/05/08

ما حقيقة تحضير ’أرواح الأموات’ ؟! .. (18+)

هل الاتصال بالأرواح علم صحيح؟ ولو كان صحيحاً كيف تحضر الأرواح وقد ذهب إلى ربها؟!

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ علي آل محسن:

الظاهر أنه يمكن الاتصال بالأرواح، وأن تحضير الأرواح غير ممتنع على من هو متخصص فيه، وقد دلت بعض الأخبار على أنه يمكن الاتصال بأرواح الموتى.

منها: ما رواه الكليني قدس سره في كتاب الكافي 3/ 243 بإسناده إلى حبة العرني، قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي، فقلت: يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال لي: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال: قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك؟ قال: نعم، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون، فقلت : أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض ألا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن.

وهذا الحديث وإن كان وارداً في حق أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنه يدل على إمكان الاتصال بالأرواح لمن هيأ الله له أسباب ذلك، بل يدل على وقوعه.

ولا منافاة بين إمكان الاتصال بالأرواح وبين كون الأرواح عند ربها؛ لأن الله تعالى ليس في مكان خاص، وليست الأرواح محبوسة عنده، وقد ورد في بعض الأخبار أن أرواح المؤمنين تجتمع في وادي السلام، وهو ظهر الكوفة، فقد روى الكليني في الكافي 3/243 بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن أخي ببغداد، وأخاف أن يموت بها، فقال: ما تبالي حيثما مات، أما إنه لا يبقى مؤمن شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام. قلت له: وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون.

وورد أن أرواح الكفار في وادي برهوت في حضرموت، فقد روى الكليني قدس سره في الكافي 3/246 بسنده عن القداح، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: شر ماء على وجه الأرض ماء برهوت، وهو الذي بحضرموت ترده هام الكفار.

ما حكم تحضير الأرواح؟

والمهم في هذه المسألة هو معرفة أن تحضير الأرواح عمل غير جائز، وقد أفتى جمع من مراجع الطائفة بحرمته.

منهم: مرجع الطائفة السيد أبو القاسم الخوئي قد سره، فإنه سئل سؤالاً نصه: هل يحرم تحضير الأرواح بالفنجان وبغير الفنجان؟

فأجاب قدس سره بما يلي: نعم يحرم إذا كان يعد من فن السحر. (صراط النجاة 1/442).

وسئل سؤالاً آخر، نصه: هل يجوز شرعاً تحضير الأرواح للاستخبار منهم عن أحوالهم وأحوال البرزخ وغير ذلك؟

فأجاب قدس سره، بقوله: الأظهر تحريم إحضار من يضره الإحضار من النفوس المحترمة دون غيرها. (صراط النجاة 1/442).

وسئل مرة أخرى: هل يمكن للحي أن يستحضر روح أحد الأموات؟ أم أن ما يعرف بتحضير الأرواح هو نوع من تسخير الجن؟

فأجاب قدس سره بقوله: تحضير الأرواح غير تسخير الجن، وغير جائز أيضاً، والله العالم.

وعلق المرجع الكبير الميرزا جواد التبريزي قدس سره بقوله: الأحوط الترك في أرواح المؤمنين إذا احتمل تأذيهم بذلك.

 كما سئل مرجع الشيعة السيد الگلپايگاني قدس سره بقوله: هل يجوز تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي؟

فأجاب بقوله: كلاهما غير جائز، والله العالم . (إرشاد السائل: 185).

وسئل مرجع الطائفة السيد السيستاني دام ظله سؤالاً نصه: [هل يجوز] تحضير الأرواح لسؤالها عن حال صاحبها وعن البرزخ وغير ذلك من الأمور الأخرى؟

فأجاب دام ظله بقوله: يحرم تحضير روح من يضره تحضير روحه من النفوس المحترمة دون غيرهم . (الفتاوى الميسرة: 418، فقه المغتربين: 332).

وأجاب المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره على هذا السؤال بقوله: يحرم تحضير روح من يضره تحضير روحه من النفوس المحترمة دون غيرهم، ويحرم الاعتماد على خبره، وليكن في علمك أن ذلك قد يكون من عمل الجان والشياطين. (حواريات فقهية: 323).

ولا يخفى أن الغرض من تحضير الأرواح هو الاستعلام عن أمور مغيبة، إلا أن تحضير الأرواح لا يفيد في ذلك، لأن الأرواح لا تعلم بالمغيبات التي يريد السائل أن يسأل عنها، إلا ما يخص الروح المحضرة، دون ما عدا ذلك.

هذا مع أن الممارس لتحضير الأرواح قد يظن الروح الحاضرة هي الروح المطلوبة، إلا أنها ربما تكون جنياً أو شيطاناً، ولذلك أفتى مراجع الطائفة بأنه لا يجوز الاعتماد على إخبارات تلك الروح، لجهالتها من جهة، ولعدم العلم بأنها صادقة في إخباراتها من جهة أخرى، والله العالم بحقائق الأمور.

2022/04/24

منها ضيق ’القبر’.. هل يشمل العذاب المؤمنين؟!

وردت روايات عن أهل بيت العصمة والطهارة تقول بأن عذاب القبر لا ينجو منه أحد ووردت روايات اخرى تقول ما على المؤمنين شي منها فهل يوجد تعارض أم ماذا؟

[اشترك]

الجواب من سماحة آية الله السيد منير الخباز:

لا إشكال أن ورود عذاب على المؤمن سواء كان من قبيل عذاب القبر أو من قبيل عذاب البرزخ من دون صدور عمل منه موجب لاستحقاق ذلك العذاب ظلم، والظلم قبيح لا يصدر من الحكيم تبارك وتعالى، ولأجل ذلك فما دل على أن عذاب القبر لا ينجو منه أحد متقيد لباً وارتكازاً بغير المؤمن الذي لم يصدر منه عمل قبيح.

نعم الإيمان له درجات فبعض درجات الإيمان تقتضي ألا يرى الإنسان أي ضيق في قبره، وبعض درجات الإيمان نتيجة اختلاطها ببعض اللمم من السيئات وإن كانت صغيرة قد يرى ضيقاً في القبر وإن لم يعذب فيه، وبعض درجات الإيمان التي قد تختلط ببعض المعاصي قد يرى مقدارا من العذاب وهذا كله ما لم يأذن الله لمن له الولاية على رفع هذا الضيق والعذاب.

2022/04/19

2022/04/16

كيف يعالج ’الإسلام’ مشاكل الحياة؟

يمكن تصور المنهج الإسلامي لمواجهة إشكالات الحياة وصعوباتها في بعدين، الأول المنهج الذي يعمل على منع وقوعها من الأساس، والثاني هو المنهج الذي يتعامل معها بعد حصولها.

[اشترك]

ففي البعد الأول عمل الإسلام على تحصين الفرد والمجتمع مما يعكر عليه حياته، فالإسلام بكل ما فيه من عقائد وأحكام يستهدف تأسيس حياة سعيدة للإنسان، وقد جعل العمل الصالح هو الطريق الحصري لتحصيل ذلك، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فالعمل الصالح هو الذي يحقق للإنسان حياة طيبة في الدنيا وجزاء حسن في الاخرة، وبذلك يكون الإسلام حريص على حياة الإنسان في الدنيا وكذلك حريص على حياته في الآخرة، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) فقد جعلت الآية الفساد في قبال الصلاح فأوجبت الصلاح وحرمت الفساد، وبذلك يكون الإنسان مسؤول عن كل ما يصيبه بسبب ما أحدثه من فساد في الأرض، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فالإنسان بفساده هو الذي تسبب في معاناته، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

ولكي يتحقق الصلاح أمر الإسلام بمجموعة من الأمور يمكن تلخيصها كالتالي:

أولاً العقيدة الصحيحة: ولا نقصد مجرد الاعتقاد النظري أو القدرة على استحضار الأدلة، وإنما العقيدة القائمة على الوعي الذي يستحضر المحتوي القيمي والثقافي لتلك العقائد، وقد عبر القرآن عن هذا الوعي بالبصيرة، فالعقيدة ليست مجرد معرفة للحقيقة وإنما اتخاذ موقف يقوم على تلك الحقيقة، فالهدف من المعرفة ليس مجرد التعرف على الأشياء، وإنما هو تحديد مسؤولية الإنسان اتجاهها، وعليه يمكن أن يكون الشيء معروفاً للمؤمن والكافر إلا أن المؤمن هو الذي يمتلك فيه البصيرة دون الكافر، ويبدو أن كلمة البصيرة في القرآن هي التي تؤكد على الجانب العملي للعقيدة، ومن خلالها نفهم المقصود من قوله تعالى (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)، وقوله: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وهذا لا يتحقق بمجرد الاعتقاد بوجود إله وإنما بحضور هذه الاعتقاد بشكل ملموس في حياة الإنسان، وعليه لا يمكن تجاوز مشكلات الحياة إلا ببصيرة واعية تقوم على عقيدة صلبة.

ثانياً الإيمان: وهو صلة الوصل بين الحق والخلق، ومنه تجري كل قيم الخير والفضيلة، ويمكننا أن نؤكد أن عشق الإنسان للقيم وتطلعه للكمال نابع من إيمان الإنسان بالله وبأسمائه الحسنى، ومن هنا كان كمال الإنسان عن طريق الاتصال بالله ومن ثم التخلق بأخلاقه، فأعظم ما يتطلع له الإنسان هو تجاوز الأنانيات الضيقة والتحول إلى حالة أسمى وأرفع، وبالتالي الإيمان بالله في حقيقته تحديد لمسار الإنسان، فبدل أن يكون مسار الإنسان نحو الذات يكون مساره نحو الله، وقيمة حياة الإنسان بقيمة الهدف الذي يسعى إليه، ومن هنا كانت حياة الإنسان بين مسارين، بين حبه لله وحبه لهواه، أي بين أن تكون حياته لها قيمة وبين أن تكون القيمة هي الأنا والشهوة، ولذا ربط الإسلام بشكل وثيق بين الإيمان وبين العمل الصالح، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)، وقال تعالى: (ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ)، ومن هنا لا يمكن أن يعبر الإنسان في الدنيا بأمان من دون إيمان قوي وراسخ.

ثالثاً العلم: من الأمور التي لا تحتاج إلى برهان هو كون العلم أساس كل صلاح والجهل أساس كل فساد، والنصوص الإسلامية في ذلك أكثر مما تحصى، وعليه لا يمكن أن يطمع الإنسان في حياة هادئة ومستقرة إلا إذا اخذ بأسباب العلم والمعرفة.

خمساً العدل: من المؤكد أن العدل قيمة محورية لا تستقيم الحياة بدونه، ولذا جعله القرآن هدف جميع الرسالات قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بل طلب العدل حتى مع الأعداء قال تعالى: (يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وفي المقابل جعل الظلم معول هدم لحياة الإنسان، فكل ما يصيب الإنسان إما لظلمه لنفسه أو ظلم الاخرين له، قال تعالى: (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) وقال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقال تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) فقد أذن الله للإنسان في سبيل رفع الظلم عنه أن يجهر بالسوء ويظهر المعارضة والتحدي للظالم، فالذي يعيش في الظلم ولا يسعى لتغيير وضعه يكون ظالماً لنفسه، فالله منح الإنسان العقل والقدرة والإرادة وهياء له أسباب الحياة الكريمة فلا يتوقع بعد ذلك أن ينوب الله عنه ليعمل بدل منه، وقد بين القرآن الكريم نموذجاً لهؤلاء في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فقد وصفتهم الآية بانهم ظالمي أنفسهم مع أنهم يعيشون حالة من الظلم والاستضعاف، وارجعت الآية السبب في ذلك إلى مسؤوليتهم الشخصية عن رفع الظلم عنهم، ولم تكتفي الآية بذلك وإنما بينت لهم أحد الخيارات التي كان بإمكانهم العمل بها وهي الهجرة بعيداً عن الظالمين، وبالتأكيد الخيارات متعددة ومختلفة بحسب الظرف الزمني، ولا عذر للإنسان أمام ما يصيبه من ظلم واستضعاف، وفي المحصلة لا يمكن ان تستقيم الحياة بدون عدالة، ولكي تتجاوز البشرية الكثير من المشاكل يجب عليها أن تبتعد عن الظلم.

وكذلك عمل الإسلام على معالجة عوامل الضعف في الإنسان حتى يستقيم على الصراط المستقيم، فالأهواء والشهوات هي التي تجعل الإنسان ضعيفاً أمام مغريات الحياة، وبالتالي كل فساد في الأرض وكل ظلم وتعدي هو بسبب تلك الأهواء، فحب الإنسان لذاته يشكل أساساً لكل رغباته وشهواته، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). فحب الذات هو الذي يزين للإنسان متاع الحياة الدنيا، وقد اصطلح القرآن على هذا الحب بهوى النفس.

وعليه فإن فكرة الإسلام الأساسية في معالجة الانحرافات تتلخص في أن الهوى (الشهوات) وما يتبعها من مشاكل نفسية هي التي تمنع الإنسان من عمل الصالحات، وفي مقابل ذلك تصبح مخالفة الهوى هي الضمان الوحيد للاستمرار على الصراط المستقيم، وهكذا رسم الإسلام معادلة شديدة الوضوح، تقوم تلك المعادلة على ركيزة واحدة وهي ترك الهوى، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ)، وللاستدلال على صحة هذه المعادلة يكفي استعراض بعض النصوص الواضحة في ذم العمل بالأهواء، ولا يحتاج الأمر إلى بحث تفصيلي عن النفس وميولاتها في القرآن. قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ). حيث تؤكد الآية على أن الهوى هو المسؤول عن عدم قبولهم الحق الذي جاء به الأنبياء. وقال تعالى: (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ)، وهنا جعلت الآية هوى النفس سبباً في ترك الهدى. وقال تعالى: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، والعدل كما الحق لا يمكن تطبيقه إلا بمخالفة الهوى. وحين بعث الله نبيه داود وجعله خليفة على الناس، أمره بمخالفة الهوى لأنها طريق العمل بالحق، قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). كما أن الله نهى عن طاعة من يتبع الهوى، قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)  بل حكم القرآن بشكل مطلق بأن أهواء الناس ضلالات يجب مجانبتها قال تعالى: (قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، وفي المحصلة هناك تضاد كامل بين الهوى والعلم، قال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)، وقال: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)، وكثير هي الآيات التي تحمل الهوى مسؤولية الانحرافات الفكرية والسلوكية.

وعليه عمل الإسلام على تأسيس حياة سعيدة للإنسان وذلك من خلال تمليك الإنسان بصيرة في الحياة، ومن خلال تلك البصيرة يتمكن الإنسان من عمارة الأرض بالصالحات، ومن دون ذلك يكون الفساد هو النتيجة الطبيعية، وحينها تتحول حياة الإنسان إلى جحيم ومعاناة، وما نشهده اليوم من مظالم وحروب وفقر هو بسبب هيمنة المصالح والأهواء على حياة البشر.

أما منهج الإسلام في مواجهة مشكلات الحياة في حال حصولها، فيمكن تلخيصه في عدم الاستسلام لمشكلات الحياة والسعي الحثيث لتجاوزها، ويكون ذلك بالصبر الإيجابي والتواصي الدائم على الحق، وقد لخص القرآن ذلك في سورة العصر حيث أكدت السورة على كلا البعدين حيث اشارت في البعد الأول إلى عمل الصالحات بوصفه الأساس للحياة الطيبة، وأشارت في البعد الثاني إلى الصبر والتواصي بالحق بوصفهما الأساس لتجاوز كل ما يصيب الإنسان من مشاكل. قال تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

2022/03/30

هل يشعر الإنسان بـ ’موته’ قبل أيام؟!

إنّ شعور بعض الناس بدنوّ أجلهم واقتراب موتهم أمرٌ متحقّق في الجملة، فإنّ الكثير منّا سمع عن حالات جرت مع بعض الناس الذين ماتوا وكانوا يقولون قبل موتهم أنّهم يموتون بهذا المرض أو خلال فترة قصيرة ونحو ذلك ثم يتحقّق كلامهم.

[اشترك]

ولكنّ هذا الشعور ـ عادةً ـ ليس على نحو البتّ واليقين، بل على نحو الظنّ، ويشهد لهذا: وجود حالات كثيرة لمرضى يشعرون بالموت ويخبرون عن دنوّ ساعة وفاتهم، لكنّهم بعد ذلك يسلمون من المرض ويعيشون سنوات مديدة.

ويحدث مثل هذا الشعور عادةً عند وجود حالة مرضيّة، يجدها المريض لا تتلاءم مع عموم حالته الصحيّة، أو يلهم الله تعالى الإنسان بدنوّ اقتراب أجله، ليهيء نفسه للرحيل، بالتزوّد بما يستطيع من الطاعات والخيرات، وبتلافي ما فاته من الطاعة والتوبة، وبالوصيّة في الأهل والأولاد والأموال والحقوق والطاعات والمبرّات وغير ذلك.

وهذا الشعور غير محدّد بمدّة معيّنة كأسبوع مثلاً، بل قد يكون قبل موته بيوم أو يومين أو شهر أو شهرين، فالأمر مختلف بين شخص لآخر، ومن حالة لأخرى، فلا مجال للجزم بأنه يشعر بذلك قبل أسبوع مثلاً.

ثمّ إنّ مثل هذا الشعور ليس عامّاً لكلّ أحد، فإنّ (موت الفجأة) الذي يحدث كثيراً ممّا يستبعد فيه أن يكون الميت قد شعر بموته قبل أيام، فإنّ الشعور باقتراب الموت يكون عادةً عند وجود علامات وأمارات تنبئ عن ذلك كما تقدّمت الإشارة إليه.

هذا ما يمكن أن يُقال، والقضية غير واضحة جداً لنا إذ لم نجرّب الموت، كما لم نعثر على رواية معصوميّة تشرح ذلك لنعتمد عليها في المقام.

2022/03/30

الفقيه صاحب ’البصيرة’ في الدين

ما المقصود بـ "الفقيه" في الروايات الشريفة كقوله (ع): "الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله" وهكذا في نصوص عديدة ورد فيها هذا اللفظ.

[اشترك]
الوقوف على معنى كلمة (الفقيه) في النصوص الدينية يتوقف على معنى كلمة (الفقه) في النصوص أيضاً، وما هو معلوم أن كلمة الفقه في اللغة تطلق ويراد منها مطلق الفهم، بينما يراد منها في الاصطلاح الفهم على نحو خاص وهو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

ومن غير الجائز تفسير كلمة الفقه التي وردت في النصوص بالمعنى الاصطلاحي للفقه، وإنما يجب تفسيرها بما يتطابق مع الدلالة اللغوية، ومن هنا وجب التحقيق في معنى كلمة الفقه لغوياً بما ينسجم مع سياقاتها في النصوص الدينية.

 إذا رجعنا للآيات القرآنية نجد أنها تميز بين الفهم الناتج عن التفكر وبين الفهم الناتج عن التدبر، حيث نجد أن الآيات أطلقت كلمة (فقه) بشكل خاص على الفهم الناتج عن التدبر دون التفكر، ولأثبات ذلك لابد من بيان مجموعة من المقدمات.

المقدمة الأولى: أن معظم الآيات التي جاء فيها الأمر بالتفكر لها علاقة بالأمثال والقصص والتفكر في آيات الكون، ولم نجد آية تأمر بشكل مباشر بالتفكر في آيات القرآن، وإنما نجد القرآن قد استخدم لفظة أخرى لهذه المهمة وهي كلمة (تدبر)، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا). وقال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).

المقدمة الثانية: أن كلمة تدبر جاءت مرتبطة بالأقوال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) أي أن موضوعات التدبر هي الأقوال والنصوص،  سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، وعلى ذلك يكون الغرض من التدبر هو (فهم القول) على الوجه الذي وضع له، سواء كان هذا الفهم على نحو الكشف عن الدلالة مثل (الدلالة الاستعمالية أو المراد الجدي)، أو على نحو الحِكمة وما يرمي إليه القول من دلالة بعيدة، أو على نحو الكشف عن خلفية القول وما يرتكز عليه من مبررات، المهم أن التدبر مرتبط دائماً بالأقوال والنصوص.

المقدمة الثالثة: استخدم القرآن كلمة فقه فيما يرتبط بفهم الأقوال، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا). حيث وصفت الآية فهم القول بالفقه. وفي آية أخرى يقول تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي). وهنا طلب موسى أن يجعله ممن يفقهون قوله. وقال تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ ...). وقال تعالى: (...قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). وعليه هناك ربط وثيق بين فهم القول وبين الفقه، أي أن فهم القول يطلق عليه قرآنياً فقه، وفي المقدمة الثانية ثبت أن هناك ربط بين القول وبين التدبر، وبذلك يصبح التدبر هو الطريق إلى فقه القول.

المقدمة الرابعة: هناك ربط بين عدم التدبر وبين أقفال القلوب قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). وفي المقابل هناك ربط بين عدم الفقه وبين أقفال القلب قال تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ). وقال تعالى: (... إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا...)  وقال: (رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ). وقال: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إليكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا). فهذه الآيات تؤكد على أن الطبع على القلب هو الذي يمنع من حصول الفقه، وطبع القلب هو ذاته الذي يمنع من التدبر، وبذلك يصبح الفقه في لسان الآيات ليس مطلق الفهم وإنما هو فهم خاص له علاقة بالتدبر في النصوص والآيات.

وإذا صحت هذه المقدمات فإن كلمة فقيه التي وردت في الروايات يقصد منها العالم الذي له معرفة ودراية بالنصوص الشرعية، وقد عبرت الروايات عن ذلك بشكل واضح وصريح، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لانعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون مُحَدَّثا، فقيل له: أوَ يكون المؤمن مُحَدَّثاً؟ قال: يكون مفهَّماً، والمُفَهَّمُ المُحَدَّث»

وعن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «خبر تدريه خير من عشرة ترويه. إنَّ لكل حق حقيقة ولكل صواب نوراً، ثم قال: إنا والله لانعدّ الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يُلْحَن له فيعرف اللحن»

وقال عليه السلام: «حديث تدريه خير من ألف ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنَّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً، لنا من جميعها المخرج»

وروي عنه (عليه السلام) انه قال لأبي عبيدة الحذاء: «إنّا لانعدّ الرجل فقيهاً عالماً حتى يعرف لحن القول وهو قول الله عزّ وجل: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)»

وكذلك الحال في الرواية التي أشار إليها السائل، فالرواية بتمامها كالتالي: عَنْ أَبي عَبْدِاللهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقِّ الْفَقِيهِ؟! مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلى‏ غَيْرِهِ؛ أَلا لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، أَلا لا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ، أَلا لا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ» فذيل الرواية يؤكد على العلاقة الوثيقة بين التدبر وبين الفقه، حيث ربط الإمام بين الفهم وبين التدبر، وهكذا يكون الفقيه هو العالم بالنصوص والعارف بمعاريضها، أو هو الناطق بلسان النصوص، فكما لا تقنط النصوص من رحمة الله كذلك يفعل الفقيه، وكما أن النصوص لا تؤمن الناس من عذاب الله ولا ترخص لهم في المعاصي كذلك يفعل الفقيه، وبذلك يكون الفقيه هو العالم المعبر عن النصوص الدينية.

فوظيفة النصوص هي إعطاء الإنسان بصيرة في الدين، وفقه النص بالتدبر فيه هو الذي يحقق هذه البصيرة، نقل المازندراني في شرح الكافي عن الشيخ البهائي أنّه قال: ليس‏ المراد بالفقه‏ الفهم‏ ولا العلم بالأحكام الشرعيّة العمليّة عن أدلّتها التفصيليّة فإنّه معنى مستحدث، بل المراد به البصيرة في أمر الدّين والفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى والفقيه هو صاحب هذه البصيرة.

2022/03/24

غير القرآن والسُنّة.. كيف تعددت مصادر التشريع الإسلامي؟

ارتكز التشريع الإسلامي في مراحل تكونه على نصوص الوحي، ولم تكن هنالك ضرورة اجتهادية خارج الفتوى بالقرآن أو السنة؛ لأن طبيعة المرحلة كانت تأسيسية تعتمد بشكل مباشر على صاحب الرسالة وما يوحى إليه، وقد كان الصحابة يرجعون إلى رسول الله لمعرفة الأحكام في موارد الابتلاء.

[اشترك]

أما بعد رحيله فقد تولدت الحاجة مبكراً عند من رفض إمامة أهل البيت (عليهم السلام) لإعمال النظر والاجتهاد، وقد جعلوا وفاته إيذاناً بمرحلة جديدة تكون الأمة فيها هي المسؤولة عن بيان الأحكام الشرعية، وقد ارتكز هذا التصور على كون الـ(23) سنة التي قضاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متحملاً أعباء الدعوة كافية لتأهيل الأمة مواصلة المسيرة بعده.

وقد ازدادت هذه الحاجة بعد توسع الدولة وظهور أسئلة جديدة ومسائل مستحدثة، مما جعل الأمة تعمل على استحداث أصل جديد وهو العمل بالرأي، أو كما يقول محمد صالح في كتابه الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص 38: «.. وترتب على ذلك ظهور حاجات ومشكلات جديدة تتطلب أحكاماً لها، واحتاج المسلمون في كافة الأمصار - بعد وفاة الرسول - إلى من يرشدهم إلى القواعد القانونية الواجبة التطبيق فيما يواجهونه من أحداث ووقائع، وفي الوقت نفسه كان المأثور من تشريعات الرسول وأحكامه لا يفي بهذه الوقائع المتجددة، وترتب على ذلك ظهور مصدر جديد للتشريع أطلق عليه اسم الرأي أو الاجتهاد». أي أن محدودية النصوص واتساع الحاجة هو المبرر الذي حمل الأمة إلى أعمال الرأي في المسائل الشرعية.

وتلك الدواعي ليست كافية لتجعل المتبنين لهذا الرأي بمنأى عن مواجهة مشكلات عقائدية وتشريعية، فالأمة ليست معذورة في تركها المرجعيات المعصومة التي مثلت الامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ففي ظل وجود تلك المرجعية لا يكون الاجتهاد عملاً مبرراً، فمرحلة النصوص مازالت مستمرة بوجود الأئمة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام)، وإذا رجعنا لما كتب في تاريخ التشريع الإسلامي نجده يعتمد في تبرير العمل بالرأي على محدودية النصوص التشريعية، فمثلاً يقول الشهرستاني: «نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً أنه لم يرد في كل حادثة نصّ، ولا يتصور ذلك أيضاً، والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، عُلِم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد». وبذلك يكونوا قد جعلا القياس مصدراً من مصادر التشريع، ومن ثم اتسعت الدائرة لتستوعب مصادر أخرى للتشريع، مثل الاستحسان، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، وعمل الصحابي، وغيرها من الأصول الظنية التي جعلت التشريع تابع للعمل بالرأي.

وبرغم من عدم تمهل الأمة في ضبط مصادرها التشريعية إلا أن تلك المصادر أصبحت أساساً لمنظومة فقهية متكاملة، لم تزل الأمة تدين الله بها، ومع أن عملية الاجتهاد السني بدأت بوادرها مبكرة إلا أن تأصيلها لتلك الأصول والكشف عن مناهجها الاستنباطية لم يتم تحقيقه إلا في عصور متأخرة من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكتب عنها بصيغة استدلالية إلا في عهد الشافعي.

وقد حاول بعض الباحثين السنة في تاريخ الاجتهاد نسبة العمل بالرأي إلى الرسول الذي عمل به وعلمه صحابته في خطوة لشرعنة العمل بالرأي، كحديث معاذ بن جبل عندما بعثه رسول الله قاضياً إلى اليمن وقال له فيما قال: بماذا تقضى إذا لم تجد في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله؟ قال معاذ: اجتهد رأيي ولا آلو، فقال رسول الله: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله. وكذلك الروايات التي تبين اجتهادات رسول الله والتي تكون في العادة خاطئة بحجة تعليم الامة العمل بالرأي، كحادثة تأبير النخل، ففي رواية مسلم عن أنس بن مالك: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ بقومٍ يُلقِّحون فقال: لو لم تفعلوا لصلَح، قال فخرج شِيصاً (تمراً رديئاً). فمرَّ بهم فقال: ما لنخلِكم؟ قالوا: قلتَ كذا وكذا، قال: أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم) يقول مناع القطان معلقاً على ذلك في كتابه تاريخ التشريع الإسلامي: «نحب أن نفرق هنا في تصرفات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ما هو تشريع وما ليس بتشريع، فهناك أمور سبيلها التجربة والدِّربة في الحياة والخبرة بأحوالها، فيما اعتاد الناس كشؤون الزراعة والطب فهذه يجتهد فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهاد غيره ويخطى ويصيب وليست شرعاً»، وهذا التبرير يفتح الباب واسعاً أمام العمل بمطلق الرأي في تحديد وتشخيص الموضوعات، لأن التفريق القائم لا يعتمد على ضوابط واضحة، وخاصة أن التداخل كبير بين تحديد الموضوع والحكم الشرعي، ويمكن الاستشهاد على هذا التداخل من حادثة التأبير نفسها، فامتناع الصحابة من تلقيح النخل مبتنٍ على الفهم القاضي بشرعية أمر الرسول في حرمة تأبير النخل، ولذا امتنعوا عنه على حسب الرواية، لأن بالإمكان أن يتدخل الرسول ويمنع من زراعة نوع معين من النبات أو التداوي بنوع معين من الدواء، وهكذا سجل لنا التشريع حالات كثيرة تدخل فيها الشارع لتشخيص بعض الموضوعات، فكيف يتأتى للإنسان التمييز بين الباب المطلق للرأي الذي حاول الحديث إثباته وبين الدائرة التي يتدخَّل الشرع فيها للتشخيص الموضوعات، وبالتالي قد تتأسس أسس شرعية وأحكام فقهية لا يصح نسبتها إلى الرسول والرسالة.

وفي إجابة سابقة حول الاجتهاد الشيعي والاجتهاد السني بينا الفوارق بين مصادر التشريع بين الطرفين، وقد قلنا إن الشيعة لم يحتاجوا إلى إعمال النظر لاستنباط الأحكام الشرعية مع وجود المرجعيات المعصومة من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن هنا كان الموروث الشيعي كبيراً في الروايات الفقهية، فبينما كانت روايات الشيعة في باب الفقه والأحكام الشرعية تبلغ 100 ألف رواية، كانت الروايات المعتمدة عند أهل السنة في ما يتعلق بالأحكام في حدود 500 رواية فقهية، وإذا أخذناها مع المتكرر والضعيف تبلغ 4500، يقول الدكتور محمد فاروق النبهان: (وقد جرت محاولات لاستقصاء الآيات والأحاديث والواردة في الأحكام فقيل بأن آيات الأحكام في القرآن تبلغ نحواً من 500 آية، وأحاديث الأحكام 4500 حديث، وهذه النصوص منها ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالتنظيم التشريعي) (المدخل للتشريع، ص 98). ومن هنا اعتمد الفقه السني على العمل بالرأي في حين لم يجد الشيعة مبرراً لذلك مع هذه الوفرة من النصوص الفقهية.

وعليه فإن مصادر التشريع الأساسية عند الشيعة هي القرآن والسنة، ولم يثبت عندهم الإجماع كمصدر من مصادر التشريع إلا إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم، أما العقل وإن جعل مصدراً ثالثاً بعد القرآن والسنة إلا أنهم لم يحتاجوا إليه عملياً في استنباط الأحكام الشرعية، وكل ما هو موجود هو مناقشته أصولياً في باب الملازمات العقلية، وقد أشار الشهيد الصدر لهذه الحقيقة في مقدمة كتابه الفتاوى الواضحة، حيث قال: (ونرى من الضروري أن نشير أخيرا بصورة موجزة إلى المصادر التي اعتمدنا بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة، وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث عبارة عن الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة بامتدادها المتمثل في سنة الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم أحد الثقلين الذين امر النبي (ص) بالتمسك بهما ولم نعتمد في شيء من هذه الفتاوى على غير هذين المصدرين، اما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغا شرعيا للاعتماد عليها تبعا لائمة أهل البيت عليهم السلام. واما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا فنحن وان كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ولكنا لم نجد حكما واحدا يتوقف اثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة واما ما يسمى بالإجماع فهو ليس مصدرا إلى جانب الكتاب والسنة ولا يعتمد عليه الا من اجل كونه وسيلة اثبات للسنة في بعض الحالات، وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة ونبتهل إلى الله تعالى ان يجعلنا من المتمسكين بهما ومن استمسك بهما (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)) (الفتاوى الواضحة، ج1، ص 15).

2022/03/23

جدلية ’العقل’ و ’الوحي’.. كيف نفهمها؟

لابد من التفريق بين نظريات البشر وفلسفاتهم وبين العقل الفطري، فمعارف البشر ونظرياتهم قد تتعارض مع الوحي، أما العقل الفطري فلا يمكن أن يحدث بينه وبين الوحي أي تعارض وتضاد، ويبدو أن إنزال الفلسفات البشرية منزلة العقل أو تفسير العقل بالفلسفة هو الذي يدفع البعض للتساؤل عن وظيفة العقل اتجاه الوحي، فالتعارض الذي يحدث بين بعض النظريات وبين الوحي يدعو للسؤال عن السلطة؛ هل هي للوحي على العقل أم للعقل على الوحي؟

[اشترك]

والظاهر أن الموقف السلبي من العقل عند بعض التيارات الإسلامية يعود إلى اختلاط الحدود الفاصلة بين العقل وبين الفلسفة، حيث قُدمت الفلسفة في الوسط الإسلامي بوصفها عقلاً، مما دفع البعض إلى رفض العقل لرفضهم للفلسفة، وقد ساهم الفلاسفة أنفسهم في إحداث هذا التطابق عندما فسروا آيات العقل والتعقل في القرآن بالفلسفة، يقول العلامة الطباطبائي: «وخلاصة القول إن الدين لا يدعو الإنسان إلا إلى نيل الحقائق الإلهية بشعوره الاستدلالي الذي جهز به وهذا هو بالذات ما يعبر عنه بالفلسفة الإلهية.. فدع عنك هذه الأقاويل وتيقن أن الدين لا يدعو إلا إلى الفلسفة الإلهية وهي الحصول على المعارف الإلهية عن حجة عقلية» (علي والفلسفة الإلهية ص 13).

ومن هنا كان للفلاسفة الحق في تأويل النصوص الدينية لاختصاصهم بالعلوم العقلية، يقول الدكتور محمد بيصار: «ولذلك جاز للفلاسفة أن يؤولوا نصوص الشريعة لأنهم هم الذين يفهمون مراميها بنور الحقيقة العليا التي حصلوا عليها واحتوتها عقولهم» (الوجود والخلود في فلسفة ابن رشد ص 96).

ويدافع ابن رشد عن ضرورة التأويل بما يتناسب مع الدليل الفلسفي بقوله: «فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سُكت عنه في الشرع أو عرّف به. فإن كان مما قد سكت عنه فلا تعارض هناك، وهو بمنزلة ماسكت عنه من الأحكام، فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفاً. فإن كان موافقاً، فلا قول هناك. وإن كان مخالفاً، طلب هنالك تأويله» ( فصل المقال ص 35).

وهذا التطابق بين العقل وبين الفلسفة، دفع الرافضين لها إلى رفض العقل نفسه؛ لأن الفلسفة في نظرهم ترتكز على رؤية معرفية مخالفة لرؤية الإسلام، الأمر الذي يجعل الفيلسوف مضطراً إلى تأويل النصوص بما يتوافق مع تلك التصورات الفلسفية، وهذا ما يرفضه علماء الشريعة بوصفه تلاعباً في مرادات الله، ولذا تشكل عند البعض موقف سلبي من العقل حتى لا يكون مدخلاً للفلسفة. ويشير العلامة الطباطبائي إلى تورط الفلاسفة في تأويل النصوص بقوله: «وأما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين، من الوقوع في ورطة التطبيق، وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم، أعني: الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحكمة العملية، وخاصة المشائين، وقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض» (الميزان ص 6).

ويقول العلامة ميرزا مهدي الاصفهاني في اعتراضه على توسط الفلسفة اليونانية لفهم الدين: «وزعموا أن فهم مرادات الأئمة (عليهم السلام) يتوقف على تعلم العلوم اليونانية وهذا غير صحيح، لأن حمل ألفاظ الكتاب والسنة على المعاني الاصطلاحية وتوقف هداية البشر على تعلمها بعد بداهة جهل عامة الأمة بتلك الاصطلاحات إلا قليل منهم، مساوق لخروج كلام الله تعالى وكلام رسوله عن طريق العقلاء وإحالتهم تكميل الأمة إلى من يعلم الفلسفة اليونانية، وهذا نقض غرض البعثة وهدم آثار النبوة والرسالة وهو أشنع الظلم» (أبواب الهدى ص 99)

وبذلك يمكننا القول إن الموقف السلبي من العقل تولد عند البعض من موقفهم السلبي من الفلسفة، إلا أن الموقف السليم هو العمل على فك الارتباط بين العقل وبين الفلسفة، ففي الوقت الذي نؤمن فيه بحجية العقل نرفض أن تكون الفلسفة البشرية هي التعبير الحصري للعقل.

وعليه لا يمكن تصور أي نوع من التعارض والتضاد بين الوحي وبين العقل، فالوحي في حقيقته ليس إلا إثارة وتنبيه للعقل الفطري، ولذلك وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) مهمة الأنبياء بقوله: (فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول)، فالخطاب القرآني لم يكن ناظراً إلى تأسيس معارف غير موجودة في واقع الفطرة وإنما جاء بلسان التذكير للعلم والمعرفة التي حُجبت بالغفلة، فكان لسان خطابه (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ)، والتذكير هنا هو التذكير بأحكام العقول الفطرية، فيكون القرآن إثارة للعقول وتنبيهاً لواقع تلك الأحكام التي احتجبت بدواعي الهوى والغفلة.

يقول الأمام الكاظم (عليه السلام) في بيان العلاقة بين الوحي والعقل: « إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُول‌» (الكافي ج1 ص 16) ويمكن الاستفادة من هذا الحديث بأن ما جاء به الأنبياء والرسل والأئمة من تعاليم ليس إلا حضوراً حسياً للعقل، والعقل ليس إلا حضوراً معنوياً لأقوالهم، ولا أظن أن هناك وصفاً يصف عمق العلاقة بين نصوص الإسلام وبين العقل أكثر مما عبر به الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث جعل الشيئين شيئاً واحداً، أو جعل كل واحد منهما معبراً عن الآخر، وعليه حتى لو كان هناك تمايز بين العقل والنص إلا أنه تمايز بلحاظ موضع التجلي والظهور، وليس تمايزاً في المضمون والجوهر، فالأول عقل تجلى في النص، والثاني نص تجلى في العقل، ومن هنا فإن التحقيق المنهجي لا بد أن يبدأ برفع الحدود الغامضة بين العقل والنص؛ لأن ملاحظة المضمون المشترك هو الكفيل بتحقيق الإطار المعرفي في الإسلام.

وبهذا التداخل الصميمي الذي أكده الإمام الكاظم (عليه السلام)، لا نتصور معرفة إسلامية لا يساهم العقل والنص في تكوينها وإنتاجها، فلا تكون المعرفة هي معرفة وحيانية خالصة ولا عقلية مجردة، وإنما معرفة صنعها العقل بعد أن استرشد بالوحي واستبصر ببصائره وتكامل به.

والخطوة الطبيعية لتحقيق علاقة تكاملية بين العقل والنص تبدأ بإرجاع الاعتبار للعقل، ويتحقق ذلك بالنظر للقرآن على أنه خطاب للإنسان بوصفه عاقلاً، وحينها لا يسع المسلم التمسك بالنص دون العقل، فمن المستحيل أن يخص الله الإنسان بخطاب لكونه عاقلاً ثم يصادر هذا العقل الذي كان موجباً لتحقق هذا الخطاب، ومن هنا لا يمكن قبول كل هذه الهواجس التي عبرت عنها بعض الاتجاهات من العقل.

وعليه لابد من التعرف على العقل من النص؛ لأن ذلك يقودنا إلى معرفة النص أيضاً، فتارة يفهم النص على أساس أنه بديل عن العقل الإنساني، وحينها تكون أي محاولة لاستخدام العقل هي خروج عن دائرة النص. وتارة يفهم النص بوصفه تعزيزاً للعقل ودفعه إلى مزيد من التفكر والتعقل، وحينها تكون أي محاولة للتمسك بالنص بدون عقل هي خروج عن دائرة النص نفسه، الأمر الذي يدعو إلى إعادة فهم النص بالشكل الذي يكون العقل حاضراً فيه دوماً.

وإذا نظرنا للنص القرآني نجد أن آياته تدور على نقطة مركزية تشكل محوراً للقرآن، وهي الأمر الدائم بالعقل، والتعقل، والتدبر، والتفكر، في مئات من الآيات؛ مما يكشف عن دور العقل وأهميته كمحور لا تكتمل المعرفة القرآنية إلا به، قال تعالى: {إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. وقال تعالى: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. وقال تعالى: {...قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}. وقال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إليكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}. وقال: {...كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. وقال: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

وغيرها من الآيات الدالة على كون النص يرتكز على العقل بوصفه محوراً أساسياً لا تكتمل المعرفة القرآنية إلا به، وبذلك يكون العقل حجة مطلقة لا يصدر منه الخطأ والانحراف، ولا يمكن التسليم بذلك إلا إذا سلمنا بكونه نوراً أودعه الله في قلب الإنسان، وإلا كيف يدعو الله إلى التعقل مطلقاً والعقل قد يصدر منه الخطأ والانحراف؟

ومن الناحية الأخرى إذا نظرنا لآيات القرآن لنتعرف على طبيعة النص وطبيعة المعاني التي يحملها، نجد أنه يصفها أيضاً بكونها نوراً. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إليكُمْ نُوراً مُّبِيناً}. وقال: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وقال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. وغير ذلك من الآيات.

فإذا كان العقل هو نور إلهي أفاضه الله على قلب الإنسان لكي يكشف به الحقائق، وهو غير النفس وميولاتها وأهوائها ورغباتها، وفي نفس الوقت وصف القرآن نفسه بأنه نور من الله لهداية الإنسان، فنتوصل من ذلك إلى كون القرآن ليس إلا تذكيراً بما فطر الله به العقول، قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، ولولا المطابقة بين الوحي وما فطر عليه الإنسان لما صدق الإنسان بالأنبياء، وبذلك نفهم أن حقائق القرآن، وقيمه الكبرى، وغاياته العليا، هي حقائق مودعة في الإنسان وجاء الوحي ليذكره بها.

يقول العلامة ميرزا الأصفهاني (قدس سره) مبيناً علاقة الوحي بالعقل: «فتكون الشريعة مؤسسةً على الأحكام العقلية التي تكون العقول حيثُ ذاتُها الكشف عن وجوبها وحرمتها الذاتية، أو المعللة بالحسن والقبح اللذين حيثُ ذاتُها الكشف عنهما في بعض الأفعال، فيكون القرآن المجيد والرسول الأكرم والأئمة المعصومون مذكرين بهذه الأحكام العقلية. فكل فعل يكون العقل بذاته كاشفاً عن وجوبه أو حرمته ذاتاً أو معللاً بحسنه وقبحه عن العاقل القادر المالك للرأي بفعله وتركه، يكون هذا العقل حجةً إلهية على هذه الأحكام، لحجيته وحاكميته بذاته على عصمته، وأن المكشوف به عين الواقع، فهو الحجة على أن العقل الواجب، والحرام بالذات أو للحسن والقبح، واجب وحرام عند الله وعند أنبيائه ورسله، كيف والحق جلَّت عظمتُه أرشد إلى هذه العقول، واحتجَّ بها على البشر وهو عين رسوله الذي هو لسانه ونفسه تعالى شأنه. وعلى هذا الأساس، قامت علوم الدين والشرائع على أحكام تلك العقول، التي هي حجج إلهية لكل عاقل، فهي الحجة بذاتها على كل ما تكشفه، كما أن العلم الإلهي حجة إلهية على كل ما يكشفه». (المدرسي، التشريع الإسلامي ج1، ص 73)

وعلى ذلك تكون حقائق القرآن هي ذاتها الحقائق التي يتحرك على أساسها العقل، ودور القرآن هو تذكير العقل وتنبيهه بشكل دائم بتلك الحقائق، ولو لا ذلك لاستأثرت النفس بما فيها من أهواء وشهوات بعقل الإنسان وحرفته عن مسار الحق.

فإذا كانت معارف القرآن ترتكز على أصول فطرية، وكانت مهمة القرآن هي التذكير والتنبيه بتلك الأصول، فلابد حينها من بيان الأسباب التي تحجب الإنسان عن فطرته أو تمنعه من الالتزام بها، ولذا صرحت آيات القرآن أيضاً بكون الهوى والشهوات هي المسؤولة عن كل انحراف يصيب الإنسان فكرياً أو سلوكياً، وفي هذا الحالة يكون التعقل والتفكر نتيجة طبيعة عندما يثار عقل الإنسان وتنكشف عنه حجب الجهل والهوى، فينطلق للتعرف على بواطن النص بما فيه من حِكم، وينطلق لمعرفة آيات الوجود بما فيها من سنن، وبذلك يصبح دور العقل في ما يتعلق بالوحي هو الإقرار والتصديق بما فيه بعد تذكيره وتنبيهه إليها، وهناك دور أخر للعقل هو التعرف على الموضوعات الخارجية وتحديد الموقف المناسب منها، وذلك من خلال ضبط سلوك الإنسان ومواقفه الحياتية بما يتناسب مع حقائق الوحي وبصائره.

وإذا جاز لنا التعبير يمكننا القول إن الإنسان يحمل في واقع فطرته خريطة متكاملة ومتشابكة من الحقائق والقيم تمثل قاعدة بيانات أولية، ولو لا وجود تلك الحقائق الفطرية لما تمكن الإنسان من الاهتداء للحق ولما أمكنه التمييز بين الأشياء، ومن الطبيعي أن تكون توجيهات القرآن مرتكزة على تلك القيم الفطرية.

2022/03/22

هل تحدّث القرآن الكريم عن بداية الكون ونهايته؟

كما أن آيات القرآن دالة على عظمة الله وتوحيده كذلك آيات الكون والوجود دالة على ذلك، ومن هنا يمكننا القول إن علوم الكون تمثل النصف الآخر للقرآن الكريم، أو يمكننا التعبير بإن الكون هو القرآن الصامت والقرآن هو الكون الناطق، فالسنن التي تحكم نظام الوجود هي ذاتها القيم التي تحكم نظام التشريع، والتداخل بين النص القرآني والكون هو الذي يحفز العقل الإنساني للتفكير والإبداع، ومن هذا البعد نفهم توصيات القرآن بضرورة التدبر في آيات القرآن كما نفهم توصياته بضرورة التفكر في آيات الكون، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

[اشترك]

مع أن القرآن ليس كتاباً في الفلك إلا أن الكثير من آياته تحدثت عن الكون وما فيه من أفلاك، وقد شكل ذلك دافعاً لكثير من علماء المسلمين للاهتمام بعلوم الفلك، فكتبوا المخطوطات حول تكون العالم، ورسموا الخرائط الملونة للكواكب، وتحدثوا عن دوران الكواكب حول الشمس، وبنوا المراصد العملاقة لرصد حركة النجوم والكواكب، ولكن ظل السؤال عن بداية الكون هو الذي يشغل المهتمين سواء من الفلاسفة أو علماء الطبيعة والفلك، وقد كثرت المحاولات للإجابة على هذا السؤال إلى أن جاء العالم الروسي ألكسندر فريدمان والعالم البلجيكي جورج لوميتر في عام 1927 بنظرية الانفجار العظيم، وأصبحت هي النظرية السائدة في تفسير نشأة الكون، وبعيداً عن الشروحات المعقدة لهذه النظرية فما يهمنا هو أن هذه النظرية أصبحت المعتمدة في الدوائر العلمية ذات الصلة، وفي سنة 1989م أكدت وكالة الفضاء الأميركية ناسا هذه النظرية، وبذلك اعتبرت النظرية هي أهم اكتشافات القرن العشرين.

وليس من وظيفتنا هنا أن نصادر جهود هؤلاء العلماء بالقول أن لهذه النظرية إشارات واضحة في القرآن الكريم، فالقرآن شجع الإنسان بما هو إنسان على التعقل وإعمال الفكر والبحث عن المعرفة، فمن المفترض أن يسبق المسلمين غيرهم في ميادين البحث العلمي؛ وذلك لأن القرآن مهد لهم الطريق من خلال الإشارة للكثير من الحقائق العلمية، إلا أن ذلك لا يمنع من تعزيز الثقة في القرآن الكريم والإيمان بأنه من عند الله تعالى، ولا يخفى أن هناك الكثير من الباحثين الذين استدلوا على هذه النظرية بآيات القرآن الكريم، أو أنهم اعتبروها دليلاً على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فمثلاً الدكتور حسني حمدان الدسوقي أستاذ الجيولوجيا وعلوم الأرض في جامعة المنصورة المصرية يقول إن من روائع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أن نجد تاريخ الكون منذ مولده وحتى نهايته مسطراً في ثماني آيات في الكتاب المكنون. ويضيف: ستظل إشارات القرآن حول حقائق خلق السماوات والأرض منارات تهدي العلماء إلى التأريخ الكوني فهماً صحيحاً وتضم تلك هذه الآيات، آية تتحدث عن مولد السماوات والأرض أو الكون وهي قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون). كما تشير آية أخرى إلى اتساع السماء وهي قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)، بينما فصلت أربع آيات ثلاث مراحل لتطور السماوات والأرض وهي قوله تعالى : (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم). وأخيراً آيتان تصفان نهاية الأرض بالقبض والسماوات بالطيّ هما قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون)، وقوله سبحانه (يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين).

وتمثل تلك الآيات الثماني دررا يجب أن تتحلى بها علوم الفلك والكون، وغاية سعي العلماء أن يكتشفوا سر تلك الآيات ولذلك يجب أن تتصدر هذه الآيات المباركات اي حديث عن الكون وتاريخه، ولو فطن علماء الكون لجعلوا منها مرشداً لهم في أبحاثهم.

ونحن بذلك لا نفسر آيات القرآن وفقاً لنظرية الانفجار العظيم فهي ما تزال نظرية وفيها الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، كما أن الكون الذي نؤمن به هو الكون الذي أوجده الله من العدم وهو الذي يدبر أمره وبيده وحده نهايته، بينما النظريات المادية تبحث عن كون ليس له إله وتصدق بمادة أزلية وسرمدية، وهذا ما لا يمكن قبوله والتسليم به، وعليه نحن لا نقصد غير الإشارة إلى أن آيات القرآن تحدثت أيضاً عن بداية الخليقة ووصفتها بعباراتها الخاصة، ومن المفترض أن ينطلق علماء الإسلام من حقائق القرآن لتقديم بحوث علمية نفهم من خلالها تلك الآيات.

وكذلك يمكن الإشارة أيضاً إلى بعض الروايات التي أشارت إلى بداية الخليقة مثل خطبة الامام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة التي جاء فيها: (اِنْشَاءَ الْخَلْقَ اِنْشاءً وَاِبْتَدَاهُ ابْتِداءً، بِلا رَوِيَّهٍ اَجالَها، وَلا تَجْرِبَهٍ اِسْتَفادَها، وَلا حَرَكَهٍ اَحْدَثَها، وَلا هَمامَهِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فيها، اءَحالَ الاَشْياءَ لاَوْقاتِها، وَلاَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفاتِها، وَغَرَّزَ غَرائِزَها وَاَلْزَمَها اَشْباحَها عالِما بِها قَبْلَ اِبْتِدائِها مُحِيطا بِحُدودِها وَاِنْتِهائِها، عارِفا بِقَرائِنِها وَاَحْنائِها.

ثُمَّ اِنْشاءَ سُبْحانَهُ فَتْقَ الاَجْواءِ وَشَقَّ الاَرْجاءِ وَسَكائِكَ الْهَواءِ، فَاءَجْرى فِيها ماءً مِتَلاطِما تَيّارُهُ، مَتَراكِما زَخّارُهُ، حَمَلَهُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ الْعاصِفَهِ، وَالزَّعْزَعِ الْقاصِفَهِ، فَاءَمَرَها بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَها عَلى شَدِّهِ، وَقَرَنَها الى حَدِّهِ، الْهَواءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيْقٌ، وَالْماءُ مِنْ فَوْقِها دَفِيقٌ، ثُمَّ اءَنْشَاءَ سُبْحانَهُ رِيْحا اِعْتَقَمَ مَهَبَّها وَاءدامَ مُرَبَّها، وَاءَعْصَفَ مَجْراها، وَاءَبْعَدَ مُنْشاها، فَاءمَرَها بِتَصْفِيقِ الْماءِ الزَّخّارِ، وَاِثارَهِ مَوْجِ الْبِحارِ.

فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ الْسِّقاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَها بِالْفَضاءِ، تَرُدُّ اَوَّلَهُ عَلى آخِرِهِ، وَساجِيَهُ عَلى مائِرِهِ، حَتّى عَبَّ عُبابُهُ، وَرَمى بِالزَّبَدِ رُكامُهُ فَرَفَعَهُ فى هَواءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوٍّ مُنْفَهِقٍ، فَسَوّى مِنْهُ سَبْعَ سَماواتٍ جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجا مَكْفوفا وَعُلْياهُنَّ سَقْفا مَحْفوظا، وَسَمُكا مَرْفوعا. بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُها، وَلا دِسارٍ يَنْتَظِمُها، ثُمَّ زَيَّنَها بِزينَهٍ الْكَواكِبِ، وَضِياءِ الثَّواقِبِ، وَاءَجْرى فِيها سِراجا مُسْتَطِيرا، وَقَمَرا مُنيرا، فى فَلَكٍ دائِرٍ، وَسَقْفٍ سائِرٍ، وَرَقِيمٍ مائِرٍ.

ثُمَّ فَتَقَ ما بَيْنَ السَّماواتِ الْعُلى، فَمَلَاءَهُنَّ اءَطْوارا مِنْ مَلائِكَتِهِ.

2022/03/20

’الفكر المادي’ يُفقر الشعوب ويسّحقها!

تتحدث الثقافة المعاصرة عن الإنسان الطبيعي ذو البعد الواحد وهو البعد المادي، والإنسان ضمن هذا الوصف مكتفي بذاته حيث يشكل من نفسه المرجع والمعيار لكل شيء، وبالتالي ليس أمامه أي حدود أو قيود تاريخية أو اجتماعية أو أخلاقية أو ثقافية فهو يعيش في الزمان الطبيعي ولا يعيش في الزمان الإنساني الذي تحكمه القيم والأخلاقيات.

[اشترك]

فكل شيء يتم تفسيره بحسب المادة حتى أحاسيسه ومشاعره ورغباته ليست إلا نتاج الطبيعة المتأصلة فيه، والعقل ضمن هذا التصور فاقد للسلطة وخاضع بشكل دائم لميولات النفس ورغباتها، وحينها لا يحق للعقل الارتقاء بالإنسان معنوياً وروحياً من خلال البحث عن المعنى والمقدس؛ لأن كل ذلك يمنع الإنسان من الذوبان التام في جانبه الطبيعي والمادي، وحتى لو تم الحديث عن القيم الأخلاقية فلا يتعدى الحديث الدوافع الطبيعية القائمة على الأنانية والحرص على البقاء والمنفعة، ولذا يتم التوافق على بعض النظم والقوانين التي تحفظ البقاء المادي للإنسان، وهكذا فالإنسان في هذه الثقافة هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة، بخلاف النظرة الدينية التي تجعل الإنسان جزءاً يتجزأ من الطبيعة، فلو استحال على الإنسان مفارقة الطبيعة من خلال بعده الروحي والمعنوي، فحينا سيكون متبدلاً ومتحولاً مثل الطبيعة والمادة، وبذلك تنعدم الثوابت وتتلاشى المشتركات الإنسانية على المستوى المعرفي والأخلاقي، ولذلك نجد العلوم الإنسانية الغربية تتعامل مع الإنسان بوصفه وظائف بيولوجية ومادية، فهو مجرد نظام طبيعي كغيره يخضع للحتمية المادية..

وعليه لم تنتج لنا الثقافة الحديثة إلا نوعين من البشر، الأول: هو الإنسان الاقتصادي وهو إنسان آدم سميث الذي تحركه الدوافع الاقتصادية والنفعية والسعي لتراكم الثروة والربح، أو إنسان ماركس المحكوم بعلاقات الإنتاج وهو إنسان منفصل تماماً عن القيمة ولا تحركه إلا الدوافع الاقتصادية، والثاني: هو الإنسان الجسماني الشهواني وهو إنسان فرويد الذي تحركه دوافعه الشهوانية حيث تتلخص حياته في البحث عن اللذة الغرائزية، فهو إنسان استهلاكي يعيش البذخ والترف، وهو أيضاً إنسان متجرد عن القيم والأخلاق، وما يؤسف له أن الإنسان المعاصر هو خليط بين الإنسانيين اقتصادي مادي وشهواني غرائزي، وتم في المقابل استبعاد الروح وما تحمله من قيم واخلاق.

ونحن هنا لا نتنكر على ما أنجزته الحداثة من أمور مفيدة مثل التقدم العلمي والتكنلوجي والاقتصادي، مضافاً لبعض الشعارات مثل الحريات والتسامح والحقوق.. وقد عبرنا عنها بالشعارات لأن هناك تناقض واضح بين مضامين تلك الكلمات وبين الواقع الذي نعيشه، فمثلاً ثقافة التسامح نجدها في التوسع والاستعمار ومحاربة الأفكار المغايرة، وثقافة التقدم والتطور نجدها تقوم على استغلال الشعوب وإفقارها، وهكذا تتم التنمية والتطور لأي مجتمع على حساب تجهيل وتخلف مجتمع أخر، وبالتالي قيم الحداثة لا تكون مفيدة إلا في ظل فلسفة أخلاقية تعترف بالجانب الروحي في الإنسان، ومن هنا نحن لا نرفض الكثير من الأفكار التي تنادي بها الحداثة ولكن نرفض أن تكون أفكاراً مادية تهمل الجانب الروحي والأخلاقي في الإنسان، فمثلاً الحرية التي تجعل المرأة سلعة تباع وتشترى، أو الحرية التي تحطم إنسانية الإنسان لا يمكن قبولها، لكونها قائمة فقط على جانب الجسد دون الروح.

وعليه فإن حقيقة الإنسان ضمن الإيمان بالله ترتكز على علاقة المخلوق بالخالق، أي أن الإنسان أوجده الله من عدم وخلقه على الهيئة التي هو عليها، قبضة من طين، ونفخة من روح، فانتمى إلى الأرض من جهة الطينة، وانتمى إلى السماء من جهة تلك النفخة، وبالتالي بإمكان الإنسان العيش على الأرض وهو يتطلع إلى الله، وبهذا لا يحكم الإنسان ميول أو اتجاه واحد، وإنما ينجذب إلى الأرض كما يندفع الى الأعلى ليتسامى على المادة.

وبذلك يعترف المؤمن بالمادة فيندفع في رحاب الحياة اندفاع المؤمن بضرورة تسخير المادة من أجل الإنسان، فلا يفوته شيء من خيرات الدنيا وبهارج الحياة، وفي الوقت نفسه يمتاز عن بقية الكائنات بمقدرته على التكامل المعنوي والروحي من خلال اتصاله بالله تعالى.

2022/03/13

ابتعدوا عن المستهزئين: كيف نتعامل مع النقد الساخر لـ ’الدين’؟!

ينشر موقع الأئمة الاثني عشر مقالاً جديداً لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني حول النقد الساخر للمسائل الدينية وطرق موجهتها، أدناه نص المقال كما ورد:

 

النقد الساخر: قيمته، وتأثيره، وكيفية التعامل معه

 

السؤال:

يجد الشاب انتشار السخرية في المسائل الدينية والأخلاقية والابتعاد عن الطرح الموضوعي وخاصةً في الواقع الافتراضي، ما هي التوصية حول هذه الظاهرة وما هي طرق المواجهة والعلاج؟

[اشترك]

 

الجواب:

إنّ من البديهي بحسب المنطق الذي فُطر عليه الإنسان أن الاحتجاج السليم يبتني على حجج وشواهد موضوعية تثبت أو تنفي هذه الفكرة أو تلك، وليس الازدراء والسخرية ونحوها من الأساليب الهزلية سبيلاً للاستيثاق من صواب هذه الفكرة أو تلك، فالأفكار المعروضة تقيم من خلال أفكار أخرى تكون أقرب تناولاً وأشد وضوحاً لينتهي الباحث من تلك الأفكار الأخرى إلى إثبات الأفكار المعروضة أو تفنيدها، وهذا هو السبيل المنطقي للإقناع والاقتناع.

وأما أسلوب السخرية والاستهزاء فهو ـــ كما نجده عند تحليل بنيته وتأمل مضمونه ـــ لا يركز على فكرة موضوعية واضحة تبطل الفكرة التي يسخر منها، وإنما يسعى إلى أن تهون تلك الفكرة في مشاعر المخاطب بأساليب خطابية وأدبية بحتة، كأن يسعى شخص إلى إسقاط شخصية آخر ولكنه لا يتناول أفكاره وسيرته وخصاله بالنقد، بل يسبّه ويسخر منه ويرسمه بشكل مضحك.

وقد شاع في الوسائل الحديثة في العصر الحاضر اتّباع هذا الأسلوب في شأن القضايا الأخلاقية والدينية حتى باتت تستعمله جل وسائل الإعلام وأصبح من الأساليب الشائعة لتغيير الثقافات والأخلاقيات العامة وذلك لعدة خصائص فيه:

أوّلاً: أنه أسلوب سهل لا عناء فيه، إذ يكفي فيه أن يتقن المرء كيفية الانتقاص والتوهين والاستخفاف وهو أمر ميسر لمن تعود عليه، ولا يحتاج إلى عناء البرهان والاستدلال والبحث والتفحص والنقد الموضوعي.

ثانياً: أنه سريع التأثير في المخاطب، لأنه ينفذ فيه من مداخل العاطفة والإحساس ولا يحتاج إلى تأمل وتريث وتفكير، إلا إذا كان المخاطب موزوناً في داخله غير منساقٍ للّعب بعواطفه.

ثالثاً: أنه أسلوب ناعم يمزج الجد بالهزل والفكر بالمرح والعلم باللعب، فلا يأخذ المخاطب أهبته لاتخاذ الرأي وتحديد الموقف، بل يتأثر به من حيث لا يحتسب من دون مقاومة وتأكد، فهو يمرر مواقف جادة من خلال أساليب لاهية ينزلق إليه الشخص انزلاقاً ويُستدرج إليه استدراجاً.

رابعاً: أن المخاطب كثيراً ما يتعرض فيه إلى الإحراج للاقتناع، لأنه يجد نفسه في موضع السخرية والاستهزاء والانتقاص والتحقير إذا ما تبنى الفكرة التي تمّ الاستهزاء بها والسخرية منها، فيدفعه ذلك إلى رفع اليد عنها وقايةً لنفسه وحفظاً لاحترامه أمام المتكلم والآخرين.

خامساً: أنه لا دفاع نافع في مقابل السخرية والاستهزاء بالفكرة، إذ ليس مبنى السخرية نقد الفكرة بفكرة حتى تكون الفكرة المعروضة قابلة للنقاش، بل هو نحو توهين واستخفاف فحسب وهو أمر لا مردّ له، كما قال الشاعر في شأن بعض الدعاوي الكاذبة على الشخص التي توجب الشعور بالتقزز من تناول الطعام معه:

(قد قيل ذلك إن صدقاً وإن كذباً

فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا).

سادساً: أن السخرية والاستهزاء ينفع في إزالة القناعات التي يصعب قلعها لكونها فطرية أو موثوقةً أو راسخةً في نفس الطرف رسوخاً كبيراً، وهي أمور يستحيل إزالة القناعة بها بالأساليب الجادة لاشتمال الفطرة عليها وتواتر حججها ولكن يمكن للسخرية أن تزلزلها وتقتلعها وتوجب انهيارها إذا لم يملك المخاطب وعياً في التعامل معها ولم يأخذ حذره تجاهها.

فالسخرية لن تسقط الفكرة أو الشخص من خلال النقد الفكري، بل من خلال التوهين والاستخفاف، حتى يخجل صاحب الفكرة من تبنيها مهما كانت فطريةً وراشدةً ورصينةً ومتجذرةً في نفسه، وحتى يسقط حرمة الشخص المنظور مهما كان محترماً وموزوناً ومتيناً وموصوفاً بالسلوك القويم والسوابق الحسنة.

هذه خصائص أسلوب السخرية التي تغري أصحابها باستخدامها في نقد الأفكار ومناقشتها بدلاً عن النقد الفكري الحقيقي المبني على التأمل والملاحظة.

والواقع أن هذا الأسلوب هو أسلوب مؤثر بالفعل في نفوس العديد من الناس لتغيير قناعاتهم، إلا أن تأثيره محصور على الذين لا يملكون فكراً ثاقباً ووعياً كافياً، فيستجيبون في موضع المنطق للعاطفة، وفي محل التفكير للإحساس وفي مقام التثبت والتروي للتسرع والاندفاع فيكون هذا الأسلوب عندهم بديلاً عن البرهان والحجة والمنطق الجاد.

وتفصيل ذلك: أن هذا الموضوع ينتمي إلى بحث عام حول مناهج إثبات الأفكار وتفنيدها([1])، وهي تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: المنهج الموضوعي، ومن صفات هذا المنهج:

1 ـــ أنه يستند إلى العلائق الموضوعية بين الأشياء وإلى الشواهد الاستقرائية وما تمثلها من قرائن ومؤشرات متراكمة على الواقع.

2 ـــ أن هذا المنهج يخاطب العقل ويحفز الوعي وينير التفكير ويبتعد عن استغلال المشاعر والعواطف والأحاسيس في مقام الإقناع.

3 ـــ أن الباحث ينطلق في هذا المنهج من المبادئ الأوّلية الواضحة للمخاطب ـــ والتي تعتبر رأس المال الفكري الموثوق للإنسان على وجه عام ـــ ليستنتج منها ما يتفرع عليها تفرعاً موضوعياً ويصل إلى نتيجة جديدة.

4 ـــ يتخذ صاحب هذا المنهج نوعاً في أسلوب الخطاب لغةً وقورةً وجادةً ومتينةً وواثقةً ومنصفةً ويبتعد عن لغة التهريج والاستخفاف والهزل والمغالطة.

5 ـــ أن هذا المنهج لا يجري على (أن الغاية الصائبة تبرر الوسيلة الخاطئة)، بل ترعى أن تكون الوسيلة صائبة كما هي الغاية.

الثاني: المنهج الجدلي، ومن صفات هذا المنهج:

1 ـــ أنه منهج غير موضوعي ولكن يتظاهر فيه بالموضوعية والتفكير الجاد ورعاية التسلسل المنطقي للأفكار.

2 ـــ أن الشخص يتعامل في هذا المنهج مع الفكر الآخر كخصم يسعى فيه إلى مصارعته والغلبة عليه بأيّة وسيلة متاحة حتى وإن لم تكن صائبة وسليمة.

3 ــ أن هذا المنهج يتوسع في استخدام وسائل الخصومة والغلبة ليشمل الوسائل التي لا يقرّ هو بها ولا يسلكها بنفسه في الوصول إلى الواقع، لكنه يستبيح استخدامها لضرب الخصم.

4 ـــ أن الباحث في هذا المنهج يستبيح لنفسه أن ينتفع بالوسائل التي يمكن تطبيقها على وجه تفنّد فكرته وادعاءه أيضاً، إلا أنه يتغافل عن ذلك ما دام أن المخاطب لم يلتفت إلى ذلك في مشهد الصراع، أو يكابر إذا نبّه عليه، ولذلك لا يُتوقع في هذا المنهج إنصاف الخصم بتاتاً ولا الاحتجاج بوسيلة تكون مقنعة له في دخيلة نفسه، بل قد يستخدم وسيلة يمكن أن ينتفع بها ضد فكرته أيضاً، فالمهم عند صاحبه أن يبدو هو الأقوى والغالب في مشهد الصراع.

5 ـــ إن صاحب هذا المنهج يتشبث بالأفكار السطحية التي لا تثبت عند التدقيق، ويراهن في الإقناع بها على أن المخاطبين والحضور في مشهد الصراع لا يبصرون الملاحظات الدقيقة ولا يتوقفون ملياً عند الأفكار المعروضة، بل تشغلهم الميول المسبقة أو مظاهر الصخب والغلبة.

الثالث: المنهج الخطابي والأدبي، ومن خصائص هذا المنهج:

1 ـــ أنه منهج غير فكري ينتفع بأدوات مؤثرة في مشاعر الناس وأحاسيسهم وعواطفهم ويهيّجها في اتجاه معيّن، ليوحي لهم بصواب فكرةٍ ما أو خطأ فكرة أخرى.

2 ـــ أن هذا المنهج يستخدم أدوات فكرية سطحية للغاية من قبيل الاستبعادات الأولية غير الناضجة، أو ادعاء ملاءمات ومناسبات غير ثابتة لا ترقى إلى درجة وثيقة أو اعتبار حالة مفردة دليلاً على فكرة عامة أو غير ذلك.

3 ـــ أنه يستعان في هذا المنهج كثيراً بالأدوات الأدبية التي تثير الإحساس وتهيّج العواطف مثل أنواع التخيلات والتشبيهات لأجل التأثير في نفوس الآخرين وإقناعهم بالفكرة.

ومن أبرز المؤثرات الخطابية:

1 ـــ أسلوب السخرية والاستهزاء بالأفكار حتى تبدو واهنة وضعيفة، وهذه الحالة تجاه الأفكار أشبه بتسقيط شخصيات الرجال المحترمين من خلال السخرية والاستهزاء والتعابير الواهنة والكاريكاتورية.

2 ـــ أسلوب السب والشتم والإهانة والاتهام والصور الملفقة لصاحب الفكرة حتى يسقط عن عين عامة الناس، فلا ينظر الناس إلى فكرته في نفسها، بل تبدو لهم الفكرة واهنة بتوهين صاحبها.

3 ـــ ربط الفكرة المعروضة بشخصية بعض من يعرضها ويظهر نفسه واجهة وممثّلاً لها، فإذا كانت تلك الشخصية غير وقورة وخفيفة استهين بالفكرة لأجل ذلك حتى كأن ذلك دليل على بطلان الفكرة في حد نفسها، حتى لو كانت الفكرة لذاتها عقيدة معروفة لها أدلتها وحججها، وذلك خطأ فاحش من المنظور الموضوعي، لأن صواب الأفكار والعقائد أو خطئها ليس مرهوناً بالرجال. وعكس ذلك الثقة بفكرة معينة رغم مؤشرات وهنها لمجرد تبني من يكبر في عين المجتمع لها، وذلك أيضاً أمر خاطئ، وفي مثل ذلك قال الإمام علي (عليه السلام): ((لا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق)).

فهذه هي أصول المناهج التي تتبع في مقام الإقناع والاقتناع.

ومن البديهي في ضوء ما تقدم أن على كلٍّ من الباحث عن الحقيقة والمبلّغ لها في أي موضوع أن ينهج المنهج الموضوعي الذي يعتمد على أدوات معقولة ومنطقية، ويبتعد عن الأساليب الجدلية البحتة أو الخطابية والأدبية، وذلك لعدة أسباب:

1 ـــ أن الأساليب الموضوعية هي أساليب موثوقة وأمينة، لأنها تعتمد على مؤشرات حقيقية لصيقة بالواقع، بينما الأساليب الجدلية والخطابية ليست طرقاً موثوقة وأمينة للوصول إلى الحقيقة، ومن الممكن تسخيرها ضد أي فكرة مهما كانت صائبة وواضحة.

ونحن نجد من خلال الاطلاع والممارسة استغلال الأساليب غير الموضوعية تجاه حقائق ثابتة حتى في العلوم الطبيعية ونتائجها التي هي موضع ثقة جمهور أهل العلم فيها، كما نجد استغلالها لضرب القيم الفطرية الإنسانية وتهوينها والاستخفاف بها.

2 ـــ أن الغرض المفترض للبحث ـــ في مقام الإقناع أو الاقتناع ـــ هو الهداية والاهتداء، وهذا يلائم اتخاذ الأدوات الموضوعية، لأن هذه الأدوات هي إيقاظ للوعي وإراءة للطريق وإرشاد إلى السبيل وإرساء للمنهج الملائم للتفكير في المخاطب، بينما سلوك الأدوات غير الموضوعية في مقام البحث نحو تسطيح للوعي وتضليل للرأي وتشتيت للفكر وتخبط في المنهج.

3 ــ أن سلوك الباحث للمنهج الموضوعي في مقام إرشاد الآخر احترام للآخر وتقدير له وأداء للأمانة، لأنه يقوم تجاهه مقام المشير الناصح، وإنما يتوقع المستشير ممن يشير عليه أن يرشده إلى علامات الطريق وملامح الواقع، وأما سلوكه للمنهج الجدلي والخطابي فهو استهانة بالآخر وخيانة للأمانة وغش في مقام المشورة واستدراج له بالمكر والخديعة، حيث يريد التأثير على المخاطب من حيث لا يحتسب ولا يشعر.

وقد يعتذر بعض من يستخدم الأدوات الجدلية والخطابية لإثبات مدعياتٍ حقةٍ وصائبةٍ بالحاجة إليها، لأن الرأي الصائب ليس مقنعاً للمخاطب بمؤشراته الموضوعية، أو لأن المخاطب لا يقتنع بالأسلوب الموضوعي، وهذا خطأ، لعدة أسباب:

1 ـــ أن المدعى الصائب لا يفقد شواهده الموضوعية التي يمكن تفهيمها لمن طلب الحقيقة.

2 ـــ إن استخدام الأدوات غير الموضوعية يزيّف وعي المخاطب، ويؤدي إلى زيف منهج الإقناع بشكل عام، بمعنى أن ساحة الإقناع تكون أشبه بساحة المصارعات أو الممارسات المضللة مثل الشعوذة والسحر ويؤدي إلى تنزل مستوى التفكير والإقناع العام وابتعاده من الرشد، ويغلب على الناس حينئذٍ الشبهات الواهنة والتشبثات الضعيفة بدل الحجج الموثوقة والأدلة المتينة.

وعلى الإجمال فإن الأدوات غير الموضوعية تميّع روح التفكير في الإنسان وتوجب تنزل مستوى وعي الإنسان وعقلانيته ومنطقه وتوهن أسس الاقتناع عنده.

3 ـــ إن من اقتنع بأسلوب غير موضوعي كان عرضة لأن يرفع اليد عن قناعته بمثله، ويضيّع بوصلة الحق وراية الصدق.

4 ـــ إن الغاية حتى لو كانت صائبة لن تبرر استخدام الأدوات الوضيعة والواهنة، ومن ضاق به الحق فإن الباطل عليه أضيق.

5 ـــ إن الأساليب غير الموضوعية تنتهك جملةً من القيم الفطرية العامة وتشتمل على جملة من الخطايا مثل الاعتداء غير المبرر على الغير، وهتك الحرمات والأعراض، والاتهام بغير حق، والقول بغير علم وتثبت، والكذب في القول بما يندرج فيه من وجوه التلبيس والتدليس والتظاهر والازدواجية، حيث كثيراً ما يستخدم الشخص أداة لا يعتقد بها ومعلومة لم يتأكد منها.

ومن الخطأ ما يفرض أحياناً من أنه يباح للإنسان في مقام المرح والضحك ما لا يباح في غيره فيتسامح فيه المرء بما لا يتسامح به في غير هذا المقام ويرتكب جملة من السلوكيات والأفعال غير اللائقة والذميمة.

إذاً على الباحث أن يستبعد الأساليب الزائفة والوضيعة سواء كانت من قبيل المؤثرات الجدلية التي تتظاهر بالفكر الموضوعي وتهدف إلى الخصومة والغلبة وتمنع الطرف الآخر مما يستبيحه لنفسه، أو كانت من قبيل المؤثرات الخطابية والأدبية التي تعتمد في الإقناع أصالةً على أمور غير موضوعية وتتلاعب بمشاعر المخاطبين وعواطفهم وأحاسيسهم وتعوّل على تهييجها.

لأجل ذلك نجد أن القرآن الكريم رغم أنه كان يفند عقائد وأعرافاً خرافية للغاية مثل ألوهية الأصنام التي صنعوها بأنفسهم وحرمة أشياء من الطيبات من خلال أوهام سخيفة جداً وممارسة وجوه من الظلم تقشعر منها القلوب مثل وأد البنات بحجة عدم الرزق ونحو ذلك، إلا إنه كان يحافظ على رقي الخطاب ويؤكد على الاستناد إلى ما يوجب تبصر الإنسان من البرهان والحجة والبيّنة ويفنّد هذه العقائد والأعراف بلغة المطالبة بالحجة، أو إقامة الحجة الموضوعية على خلافها، وتنهى عن الاعتماد على التقليد الأعمى والبناء على الظنون والتخرصات أو الميول والأهواء والأماني بالتفكير والتعقل والتدبر والتفهم والتفقه والوعي، كما نجد ذلك في مئات من الآيات القرآنية التي استخدمت هذه المفاهيم وأخواتها، ومن ذلك:

1 ـــ (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّـهِ إِلَـهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)([2]).

2 ـــ (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)([3]).

3 ـــ (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى * وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)([4]).

4 ـــ (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)([5]).

5 ـــ (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)([6]).

6 ـــ (مَا جَعَلَ اللَّـهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)([7]).

وعلى العكس من ذلك لوحظ دائماً أنه قد كان من أساليب المكذبين للرسالة السخرية من المؤمنين وممارساتهم، كما وصف ذلك في آيات عديدة من القرآن الكريم، ومنها:

1 ـــ  (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)([8]).

2 ـــ ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )([9]).

3 ـــ (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)([10]).

4 ـــ (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ)([11]).

5 ـــ (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ)([12]).

لكن بالرغم من ذلك لم يقابل القرآن الكريم منهج السخرية والاستهزاء من عقائد المؤمنين وممارساتهم بمثله، بل قابلها بالنقد المنطقي والاحتجاج المعقول، كما أنه لم يوصِ المؤمنين أبداً بأن يتخذوا من أسلوب السخرية والاستهزاء من عقائد المشركين وسائر الخاطئين سبيلاً إلى التأثير عليهم أو على عامة الناس المتحيرين الذين ينشدون الحقيقة ولو على سبيل المقابلة بالمثل لممارستهم السخرية تجاه عقائد المسلمين وممارساتهم بالرغم من أن عقائدهم وممارساتهم لم تكن معقولة أبداً بل كانت أولى بالسخرية والاستهزاء، بل نهى القرآن الكريم عن سب آلهتهم ـــ وهي أصنام لا تعقل ـــ لا من جهة توقيرها، بل لأنها تؤدي إلى مزيد من الخطوات الذميمة التي لا تبتني على علم وبصيرة، قال سبحانه: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ فَيَسُبُّوا اللَّـهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)([13]).

ومن الأساليب النافعة في التوقي من التأثير غير المقصود في الأساليب الساخرة مقاطعتها وتجنب الاطلاع عليها ومواجهتها بالإعراض.

ولذلك نهى القرآن الكريم المؤمنين عن أن يجلسوا في مجالس الاستهزاء التي تريد أن توهن روح الإيمان فيهم بمجرد الضحك والسخرية على عقائدهم من قوم يعتقدون أنفسهم بأشياء خرافية حقاً من قبيل ألوهية الأصنام وحرمة الطيبات ووأد البنات، قال سبحانه: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّـهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)([14]).

ولذلك كله كان من المؤكد بحسب المنطق الفطري الذي جُهّز به الإنسان وتعاليم الدين أن على المرء أن يتحرى في اعتقاده ومسيرته الأدلة الموضوعية والموثوقة ويعوّل عليها، فمن ضل عن الحقيقة بطرق غير موضوعية ـــ مثل هوانها في شأنه بالسخرية بها والاستهزاء منها، أو بالاطلاع على شبهات غير جادة لم يصبر على متابعتها وكشف خللها بما ينبغي في شأن الموضوع الذي تتناوله في أهميته وخطورته ـــ فإنه لا يكون معذوراً فيما ضل عنه بل يكون آثماً، كما هو الحال فيما لو اعتدى على إنسان متهم من دون ثبوت التهمة بدليل موضوعي بل اقتناعاً بها على أساس السخرية منه والإشاعة عليه وإثارة الشبهة حوله، فلا عذر لمقصرٍ ولا حجة لمتسرعٍ ولا وثوق بساخرٍ ولا اعتماد على مستهزئ، ومن عوّل على السخرية والاستهزاء فهانت الحقيقة في نفسه بذلك فقد جعل على نفسه سبيلاً.

وإن الإنسان المؤمن لهو طالب للحقيقة بأدواتها وهو باحث عنها، وجاد في طلبها، يتحرى فيها الكلام المعقول والحجة الموثوقة، كما قال سبحانه: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)([15]).

كما أنه يستعمل الأدوات الموضوعية والموثوقة والملائمة في مقام إرشاد الآخرين، كما قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)([16]).

 

22/ رجب/ 1443

الهوامش:


([1]) وقد تطرقت لهذا الموضوع في كتاب القواعد الفطرية العامة للمعرفة الإنسانية والدينية (من سلسلة منهج التثبت في الدين) القاعدة: 12، ص: 357 وما بعد.

([2]) المؤمنون: 117.

([3]) البقرة: 111.

([4]) النجم: 27ـــ 28.

([5]) الأحقاف: 4.

([6]) الأنعام: 148.

([7]) المائدة: 103ـــ 104.

([8]) البقرة: 212.

([9]) التوبة: 79.

([10]) الأنبياء: 41.

([11]) الصافات: 12ــ 14.

([12]) المائدة: 58.

([13]) الأنعام: 108.

([14]) النساء: 140.

([15]) الزمر: 17ـــ 18.

([16]) النحل: 125.

2022/03/06

’إنكار العذاب’.. هل يحمي الملحد يوم القيامة من الحساب؟!

إن الأمر بالنسبة للمؤمن محسوم ولا وجود لشبهة تدعو للشك والارتياب في وقوع العذاب على الملحد.

[اشترك]

فالقرآن بجميع آياته يؤكد على أن جهنم هي المصير المحتوم للكافر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) 

أما بالنسبة للملحد فلا نتوقع أن يسأل إن كان الله سيعذبه أم لا؟ إذ كيف يسأل عن الله الذي يعذبه وهو كافر به؟ وعليه لم نفهم مصدر الشبهة التي قادت السائل لهذا السؤال.

 ولو احتملنا أن الدافع للسؤال هو إنكار الملحد وعدم اعترافه بالعقوبة التي تنتظره، فإن مجرد الإنكار لا يجعله في مأمن من العقوبة، فالحقيقة لا تصبح باطلاً بمجرد إنكارها، قال تعالى: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ)، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)، وقال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)

وفي المحصلة أن أوجب واجبات الإنسان هو الإيمان بالله الذي خلقه واوجده من عدم، والذي يستكبر عن عبادة الله فمصيره حتماً جهنم خالد فيها قال تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).

2022/03/03

قصص الأنبياء ليست أساطير!

من وجهة نظر دينية إسلامية يجب الاعتقاد بجميع الأنبياء الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، كما يجب التصديق بكل قصصهم على النحو الذي تم تفصيله في القرآن، وكل ذلك يعد جزء أصيلا من عقيدة المسلم بحيث لا يمكن أن يستقيم إسلامه من دون ذلك، وبذلك يعد القرآن الكريم بالنسبة للمسلم مصدراً موثوقاً لا يمكن التشكيك فيه.

[اشترك]

ومن ناحية أخرى هناك بحوث تاريخية تعتمد على الآثار والحفريات للكشف عن تاريخ الإنسانية وحضاراتها القديمة، ويعد ذلك جهداً مطلوباً وعملاً مقدراً وله الكثير من المكاسب العلمية والمعرفية، إلا أن تلك البحوث والدراسات وإن كانت تعتمد على الآثار والنقوش القديمة إلا أنها أيضاً تعتمد وبشكل كبير على الرؤية التحليلية التي يقدمها الباحث لتلك الآثار، وبالتالي الرؤية الخاصة بالباحث هي التي تتحكم في كيفية جمع القرائن وكيفية توظيفها لخدمة نتائجه النهائية، ومن هنا كانت الاختلافات بين العلماء المختصين بالتاريخ القديم والحضارات الغابرة حالة طبيعية ومتوقعة؛ وذلك لوجود مساحة اجتهادية لكل باحث تاريخي، فالآثار والنقوش القديمة تمثل مواد أولية وموضوعات بحثية، والمؤرخ هو الذي يبني من هذه المواد الأولية رؤيته التاريخية، ومع ذلك تظل الرؤية التاريخية التي يقدمها الباحث محترمة طالما توفرت فيها الموضوعية العلمية وكانت منضبطة بالمناهج العلمية، وتقييم هذا الأمر يتم في الإطار العلمي والتخصصي وبحسب الشروط الاكاديمية، ولا يتم تقييمها من خلال مقارنتها بما جاء في القرآن الكريم من حقائق يثق الإنسان المسلم بتمام صدقيتها، فالتاريخ القديم والحفريات لا تؤسس لرؤية ثقافية أو دينية بديلة، فمهما بلغت من الدقة تظل احتمالية لا يمكن القطع بنتائجها. 

وما قام به الباحث خزعل الماجدي هي مقارنة بين القصص التوراتية وبين النقوش المسمارية السومرية، حيث حاول البرهنة من خلال التشابه بينهما على أنها من أصول سومرية، وأن الأنبياء في قصص التوراة ليس إلا ملوك سومريين، ونحن لسنا من المختصين في دراسة التاريخ القديم ولا يمكننا تقديم رؤية نقدية لاستنتاجات خزعل الماجدي، كون الأمر يحتاج إلى دراسة المعطيات التي ارتكز عليها ومن ثم ملاحظة المنهجية التي اعتمدها في دراسة تلك المعطيات واخيراً محاكمة النتائج التي توصل لها، ومن المؤكد أن باب النقد مفتوح ومكفول أمام كل الباحثين المختصين ومن المؤكد أيضاً وجود من يخالفه في ما توصل إليه، وبالتالي القضية احتمالية واجتهادية لا يمكن ترتيب الأثر العقائدي والديني عليها، وكل ما يمكن أن نجزم به هو أن الأنبياء الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم هم في الحقيقة والواقع كما جاء ذكرهم في القرآن.   

2022/03/02

لماذا لا ينجح ’المفكّرون’ على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

تتوهَّجُ بعضُ الشخصياتِ في عالَم التواصل الاجتماعي ثمَّ تنطفي، كما يلمعُ السرابُ بين رمالِ الصحراءِ ثم يخبو.

[اشترك]

ثقافتُنا - في الأعمِّ الأغلب - ثقافةٌ سمعيَّةٌ - صوريَّة، مُستمدَّةٌ مما نرى ونسمع، فنكون منفعلين وغير فاعلين ولو على مستوى نقد الفكرة، أو التأمّل فيها وذلك أضعف الإيمان.

فيكون الإعجابُ إعجابَ أذن، لا إعجاب عقل.

والإبهار إبهار صورة لا إبهار بصيرة.

فيكون الانبهار بالمنظِّر لا بالنَّظرية، حين الاندهاش، ويكون النَّقدُ للقائل لا للقول حين الامتعاض

ذلك أنَّ التوجّه يكون للباقة الكلام، وحركات المتكلِّم، وحدَّة صوته، وتوزيع نظراته فتُلبس الفكرة الميتة ثوب الحياة، وقد يكون العكس فيخلع على الفكرة الحيَّة ثوب الممات.

والعين تألف الشيءَ حيناً من الدهر ثم تستهجنه، وتريد غيره صورة.

والأذن تعتادَ الصوتَ حيناً من الدَّهر ثمَّ تستبشعه، وتريد سواه صوتا.

فمن عادة الحواس الألفة، ثم الشبع، ثم الاستيحاش والتبديل.

وها أنذا استحضر ستةً من العلماء والمفكرين والكُتَّاب، من العراق اثنين، ومن مصر اثنين، ومن إيران اثنين، وتخيَّل لو كانوا أحياءً يُرزقون، وقد عاصروا عالم التواصل هذا كما نعاصره اليوم.

تصوَّر أن السيد محمد باقر الصدر - قُدِّس سره - وعلي الوردي من العراق

وسيد قطب وسلامة موسى من مصر

والشيخ المطهَّري وشريعتي من إيران أرادوا جميعاً النزول إلى الشارع ليطرحوا أفكارهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

أظنُّ أنَّ السيد الصدر والشيخ المطهري لن ينجحا؛ لأنَّ علمهما ثقيل، وهما حتى لو أرادا تبسيط ما عندهما من علم فلا بُدَّ أن يكون المستمع لهما على قدرٍ معتدٍ به من الثقافة؛ لأنهما من أصحاب العيار الثقيل فكراً، والفكرُ ليس ثرثرة، بل هو علمٌ له لغته الخاصة، والتبسيط يقف عند حدودٍ معينةٍ لا يتعدَّاها، وإلَّا صارت لغته لغواً، فالقصور في القابل لا في الفاعل.

اما العليان الوردي وشريعتي - قياساً على ما كتبا - فهما سينجحانِ ولكن في مستوىً معيَّنٍ؛ لأنَّهما يمتازان بالفكر المُقنَّع وما هما بمفكرين، بل هما أصحاب خواطر، فيحسبان كلَّ قدحةٍ في الدماغ فكرة، وكلَّ خاطرٍ في الرأي نظرية، وما جاء عفو الخاطر لا يحتاج إلى تكدير الخواطر.

ويُخيَّل إلي أنَّ الشخصية المصرية مهذارةٌ بطبعها، ولا أقول متكلِّمة، وهي خيرُ من ينطبق عليها أسمع جعجعةً ولا أرى طحينا، غزارةٌ في الكلامِ وشِحَّةٌ في الأفكار لذا كانت على مداها الثقافي الطويل تنتجُ أدباءَ ولا تنتج مفكرين، وللسبب ذاته كان آخر مفكريها أمنحتب (اخناتون) إن صحَّ أنَّه قال بالتوحيد واهتدى إليه.

وعليه سينجح سيد قطب إلى درجةٍ كبيرةٍ مستغلاً الدين، وأكبرُ منه نجاحاً سلامة موسى، فهو ثرثارٌ ويدعو إلى تقليد الغرب، وهذه نقطة ضعف المثقف المصري، يحسب أنَّه فوق العرب وزناً، وما له من وزن؛ لأنَّه يكاد يرتمي في حضن مثاله الأعلى الأوربي وذاك لا يُريده، فمثله ومثل العربي والغربي كقول القائل:

جننا بليلى وهي جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها.

2022/02/28

قيمة السؤال.. عندما يكون أداة لـ ’الهدم’ و ’التدليس’!

عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "العلم خزائن ومفاتحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله فإنه يؤجر [فيه] أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم". بحار الأنوار: 10/368

[اشترك]

لا يمكن لأيّ علمٍ أن يتقدم ما لم تكن هناك أسئلة حائرة تطلب الجواب طلباً حثيثاً، لذا من الخطأ التعامل مع الأسئلة والإشكالات على أنّها حالة سلبية بل هي إيجابية ضمن شروط ومحددات معيّنة، وفي صفحات التاريخ تجارب كثيرة تشهد على صحة هذه الدعوى منها مثلاً انتعاش الفلسفة في ضوء إشكالات وأسئلة الفخر الرازي التي يبدو أنّها كانت تستهدف هدم البنية الفلسفية القائمة آنذاك غير أنّ النتيجة جاءت مقلوبة تماماً حيث حفّزت تلك الأسئلة عقول الفلاسفة ليضعوا بين أيدينا نتاجا فلسفيا أكثر تطوراً ورصانة.

وأيضاً الإنسان الذي يستنكف السؤال لا ينفكّ غارقاً في بئر الجهل المركب شاء ذلك أم أبى.

ولكن مشكلة السؤال نفسه أنّه كما يمكن أن يكون أداة للتقدّم يمكنه أن يصبح معولاً للهدم في حالات كثيرة منها مثلاً:

1- كثرة الأسئلة المبنية على مقدمات خاطئة يمكنها صناعة أجواء تأخذ تلك المقدمات على أنّها مفروغ منها، لذا أحيانا قبل الإجابة على السؤال ينبغي مناقشة أصل المقدمات التي نتج عنها فربما يكون سؤالا مغلوطاً في نفسه.

2- التدليس في السؤال هو الآخر يصنع ضبابية عند المتلقي يكون مردودها السلبي يفوق المردود الإيجابي، مثلاً قبل أيام رأيت مقالاً لأحدهم يسأل فيه أصدقاءه عن الدليل الذي يستند إليه السيّد السيستاني (حفظه الله) في فتواه بتجويز سرقة أموال الدولة وتخميسها؟ وأنا أعلم أنه في الواقع لا يسأل عن الدليل وإنما كلّ هدفه تمرير هذه الكذبة وتحويلها الى مسلَّمة بديهية ثمّ يسأل عن دليلها ليُشغل القارىء بالبحث عن الدليل بدلاً من مواجهته بتكذيب أصل وجود مثل هذه الفتوى.

2022/02/27

تقديس الماضي: ما علاقة التاريخ بـ ’حاضر’ و ’مستقبل’ الإنسان؟!

كل إنسان يعيش اللحظات التي تمتد فيها حياته، وليس بإمكانه العيش خارج الظرف الذي وجد فيه، إلا أن الإيمان بالحاضر وحده لا يعني عدم الإيمان بالتاريخ، فكل يوم يمر على عمر البشرية ليس يوماً مبتوراً أو وجد من الفراغ، وإنما هو امتداد طبيعي لسلسة الأيام التي سبقته.

[اشترك]

ومن هنا لا يمكن فهم حاضر البشرية بعيداً عن فهم تاريخها وماضيها، فالتعبير الأقرب هو أن الحاضر ابن التاريخ بينما المستقبل هو ابن الحاضر، أي هناك علاقة وترابط وثيق بين اليوم الذي تريد العيش فيه وحده، وبين التاريخ الذي ساهم في صناعة هذا اليوم، فما تطمح أن تكون عليه غداً له علاقة بما أنت عليه اليوم، ولا فرق بين التاريخ البعيد والقريب فكل له تأثيره بقدر، فثقافة المجتمعات ونظامها الفكري هو الذي يحدد للإنسان خياراته اليومية، وفي المقابل سنن التاريخ وتراكم الخبرات هي التي تحدد ثقافة المجتمعات ونظامها الفكري، وبذلك ليس بإمكان الفرد أن يختار الكفر بالتاريخ للعيش منعزلاً في حاضره، لأن الحاضر نفسه لا يمكنه التخلي عن ماضيه، وعليه هناك رابط حيوي بين التجربة على مستوى الواقع والتجربة التي مضت، بحيث يكون الواقع الحاضر هو رهينة الرؤية التاريخية، فتكامل المسيرة واستمراريتها على المستوى الراهن، وليد علاقة جدلية بين الحاضر ونظرته إلى الماضي، فللتاريخ حيوية فاعلة بما يحتويه من تراكم في الخبرة البشرية.

والتاريخ ليس فقط مجرد أحداث وقعت في الماضي، وإنما هناك سنن التاريخ التي تحكم حركة الإنسانية عبر الزمان، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فالآية تدعوا للتدبر والتفكر في الحوادث التاريخية من اجل الوقوف على السنن والنواميس المتحكمة في تلك الأحداث.

ومع ذلك نحن لا ندعو لتقديس التاريخ أو الإيمان بكل ما جاء فيه، ولكنا نؤمن بتأثيره علينا ولا يمكن التخلي عنه بمجرد قرار نتخذه، وإنما يجب التعامل معه بوصفه مازال حاضراً بيننا، فخياراتنا اليوم كمسلمين لها علاقة وثيقة بتاريخنا الإسلامي، ومعادلة الحق والباطل هي ذاتها المعادلة التي تحكم الماضي والحاضر، فكما أن مسيرة أهل الحق متصلة كذلك مسيرة أهل الباطل، وحتى يحدد الإنسان موقعه لا بد أن يدرس التاريخ جيداً ويمحص أحداثه حتى يكون مساره اليوم متصل بمسار الحق.

وفي المحصلة لا يمكنك كمسلم أن تكفر بالتاريخ بشكل مطلق، لأن الكفر المطلق هو كفر بالأنبياء والرسل والأئمة، وبالتالي الكفر بمسيرة أهل الحق، وفي نفس الوقت لا يمكن الإيمان به بشكل مطلق، لأن ذلك جهل وخلط بين الحق والباطل، وإنما يجب الإيمان بما هو حق والكفر بما هو باطل.

2022/02/24

بها نعرف ’الحق’.. ثلاثة طرق للحصول على ’البصيرة’

المؤمن بأمس الحاجة إلى البصيرة في مسيرة حياته، فلو امتلك الإنسان البصيرة فلن تختلط عليه الأوراق، ولن تلتبس عليه الأمور، ولن يضلّ عن طريق الحق.

[اشترك]

والبصيرة: نورٌ يدرك به الإنسانُ الواقعَ، ويفرز بين الحق والباطل.

والبصيرة تأتي من عدة أمور أهمها أمران:

أولاً: التفقه في الدين: بتشعباتها الثلاثة: فقهاً وعقيدة وسلوكاً، حيث رويَ عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة. (تحف العقول لابن شعبة، ص410).

فمن لم يتفقه في دين الله فلن يشم رائحة البصيرة، الإمام يعبّر عن التفقه في الدين بالمفتاح، فالبيت لا يمكن دخوله بلا مفتاح، وكذلك لا يمكن أن يمتلك الإنسان البصيرة بلا تفقهٍ في الدين.

ثانياً: التقوى والخوف من الله: قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجعَل لَكُم فُرقانًا وَيُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ) [الأنفال: ٢٩]

فالإنسان المتقي يزوده الله بنور وبصيرة بحيث يميز ويفرق بين الحق والباطل، وكلما ازداد تقوىً ومعرفةً إشتدّت بصيرته.

ثالثاً: الدعاء والتضرع إلى الله بأن يزوده بالبصيرة.

اللهم واجعل النور في بصري، والبصيرة في ديني، واليقين في قلبي ...

اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتّباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه ...

أسألك اللهم الهدى من الضلالة، والبصيرة من العماية، والرشد من الغواية ...

أسألك باسمك العظيم، رضاك عند السخطة، والفرجة عند الكربة، والنور عند الظلمة، والبصيرة عند تشبّه الفتنة ...

هب لي نورا أمشي به في الناس، وأهتدي به في الظلمات، وأستضئ به من الشك والشبهات ...

اللهم أعطني بصيرة في دينك ، وفهما في حكمك ، وفقها في علمك ...

وما شابه هذه الأدعية.

2022/02/15

الاختلاط بين ’الجنسين’.. السيد محمد باقر السيستاني يؤشّر 3 أسباب للانحراف

ينشر موقع الأئمة الاثني عشر مقالاً جديداً لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني حول الاختلاط والتواصل بين الجنسين الذي كثُر في الآونة الأخيرة، فيما ذكر ثلاثة أسباب للانحراف.

[اشترك]

فيما يلي النص الكامل للمقال:

 

الاختلاط والتواصل بين الجنسين وأهمية رعاية الحدود في ذلك:

إنّ من أهمّ المسائل في الحياة الاجتماعية للإنسان هي رعاية الرجل والمرأة للحدود في مقام التعامل فيما بينهما سواء كان هذا التعامل من خلال اللقاء ــــ المعبّر عنه بالاختلاط ــــ أو من خلال أدوات التواصل.

وهذه الأهمية تقتضي تبصّر الإنسان فيها تبصّراً كافياً واتخاذه السلوك الملائم، حتى لا يقع من حيث لا يحتسب في المسارات الخاطئة والنهايات غير الحميدة.

وقد كان للإنسان منذ فجر التاريخ ــــ بوحي من فطرته وتجاربه في الحياة ــــ اهتمامٌ برعاية ذلك، وقد أسس له في كل مجتمع أعراف تصون المجتمع والأسرة عن الوقوع في المحاذير الناتجة عن الوجوه الخاطئة من الاختلاط التي تؤدي إلى الانزلاق في أمور ذميمة وضارة.

الحاجة المؤكدة في هذا العصر إلى الاهتمام بالموضوع:

وتتأكد الحاجة في هذا العصر إلى مزيد من الاهتمام فيه ـــ من جهة كثرة سبل الإثارة وتيسّر أسباب الانحراف ـــ لأسباب ثلاثة:

الأوّل: إتاحة العالم الافتراضي اطّلاع الإنسان على المشاهد غير اللائقة التي قلما كان الإنسان من قبل يشهدها في العالم الحي، فتؤدي هذه المشاهد إلى إثارة كبيرة للإنسان وتوجب وسوسته في تقليدها واحتذائها، وتشوب نقاءه الفطري وصفاءه النفسي بشوائب خطيرة ومؤذية لا يمكن إزالتها وإزالة آثارها عن النفس بسهولة بل مطلقاً في العديد من الحالات ولاسيما إذا اطلع عليها في مرحلة الطفولة أو المراهقة.

الثاني: تيسّر وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهّل التواصل الخاطئ بين الرجل والمرأة بعيداً عن أجواء الأسرة والمجتمع العام التي كانت من قبل عيناً عاصمة للإنسان عن الانزلاق إلى الخطأ والخطيئة.

الثالث: حدوث مراكز يقع فيها الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه منظّم، بمعنى أن الرجل المعيّن والمرأة المعينة يلتقيان ولو في ضمن اجتماع أوسع بشكل متكرر ومنظم وفي مكان خاص وليس عام على حد السوق والشارع، كما في الدوائر والمحلات والمستشفيات والمدارس المختلطة والجامعات ونحوها.

والاختلاط على هذا الوجه يتيح تكرر النظر والملاحظة والتعامل والتواصل والعرض والإراءة، وذلك كله يؤدي إلى تركيز النظر والتهيؤ المسبق للإغراء والعرض والمواعدة وإيجاد ذرائع التواصل ونحو ذلك مما يؤدي إلى إشغال فكر أحد الجنسين بالآخر، واقتداء بعض بالآخر من جهة تقارب العمر والاشتراك في سلك واحد ومحدودية البيئة، بينما كان الاختلاط من قبل يقع نوعاً في الأماكن العامة مثل السوق والشارع ونحوهما مما يحدث اتفاقاً ولا يكوّن جواً مهيأً للعرض والإغراء والتواصلات الخاصة.

وقد لوحظ أن كثيراً من الفتيان والفتيات قبل الاختلاط في دراسة الجامعة يتصفون بالنقاء والوقار والاحتشام في القول والمظهر والملبس والسلوك، ولكن كثيراً منهم بعد فترة من الاختلاط يفقد هذه الصفات إلى حد كبير، ويتجه إلى التواصل والعرض والإغراء والاستدراج والاستمالة، ويتنافسون فيما بينهم على الظهور بالمظهر الأكثر جاذبية وإغراءً حتى ربما نشأت أعراف تعتبر الاحتشام تخلفاً، والوقار انقباضاً، والحذر وسوسةً وفقداناً للثقة بالنفس، وتجنب المفاكهة مع الجنس الآخر كآبةً وعزلة عن الآخرين.

ولذلك كانت هناك حاجة ملحّة في هذا العصر إلى معالجة هذا الجانب من خلال تقوية النوازع الفطرية إلى العفاف ورعاية الحدود الدينية والشرعية والتمسك بالأعراف الراشدة والحميدة السائغة بالأسلوب الملائم.

كما أنّ هناك حاجة إلى استحداث أعراف أخرى اجتماعية وأسرية ملائمة للتعامل مع الأدوات الحديثة تحدد الانتفاع بها بحدود ملائمة تقي نوعاً من المحاذير والمفاسد المتوقعة، وهي أعراف يسعى إلى البناء عليها في الأُسر والعوائل المحافظة والملتزمة.

ووجه الحاجة إلى إيجاد أعراف محدّدة لما يليق وما لا يليق في هذا الشأن أنّ الأعراف أدوات مؤثرة في حماية القيم والمصالح النوعية من جهة أنها تكوّن بيئة اجتماعية موافقة لها، وهذا يسهل على الإنسان عملية التربية.

ما أودع في فطرة الإنسان من المشاعر الملائمة لتحديد الاستجابة للآخر:

ولا شك أن ثنائية الرجل والمرأة في الخلق لهي ثنائية رائعة للغاية أريد بها ــــ في ما يهدي إليه التأمل في الخلق وتؤكده قواعد علم الأحياء التي تبين خصائص الكائنات الحية وأسرارها ـــ ضمان بقاء النوع الإنساني وإعداد الإنسان لحياة سعيدة بتكامل الرجل والمرأة.

وقد زُوّد الإنسان من كلا الجنسين في فطرته بصفات متنوعة فيما يتعلق بالتعامل مع الجنس الآخر تجعل له شخصية معتدلة مستقيمة متى كانت فاعلة في نفسه جميعاً كما أريد لها.

فهناك صفة تحثّ الإنسان على التواصل والتفاعل مع الجنس الآخر، وهي مشاعر الانجذاب بين الجنسين، وهذه المشاعر زُرعت في الإنسان لأجل بقاء النوع الإنساني وتكامل الجنسين بعضهما ببعض من خلال تكوين الأسرة.

ولكن هذه المشاعر ليست محددة في حد نفسها بالغايات الحميدة والمآلات الحكيمة، وإنما هي غريزة عمياء تسوق الإنسان إلى إرضائها على سائر الغرائز التي تسوق الإنسان إلى إرضائها بأية وسيلة كانت مثل غزيرة الطعام التي تتحرك عند الجوع وتطلب الاستجابة له من غير تفريق بين أن يكون الطعام حلالاً أو حراماً، وغريزة الجاه التي توجب طلب الإنسان للمكانة على أي وجه كان، ولذلك يجب تحديد هذه المشاعر بحدود راشدة وحكيمة وتذليلها لتكون الاستجابة لها في الإطار المعقول والحكيم.

وهناك صفات أخرى قد زُوّد بها الإنسان في خلقه لتساعده على رعاية حدود ملائمة للانجذاب إلى الجنس الآخر وتجنبه الأضرار المتوقعة من الاسترسال لتتكامل شخصية الإنسان وقوامه بما يحتاج إليه من جاذبية أحد الجنسين للآخر من جهة، وصيانة الإنسان عن الاسترسال في الانجذاب والانفتاح على الآخر من جهة أخرى، وهي صفات ثلاث:

1 ـــ صفة الحياء في الإنسان عن الظهور بمظهر الإغراء للطرف الآخر سواء من خلال القول أو الفعل أو المظهر، وتلك صفة فطرية مشهودة على الإنسان.

وقد كان نصيب المرأة من هذه الصفة بحسب طبيعة تكوينها أزيد من الرجل، لأنها الأكثر جاذبيةً وإغراءً للرجل بالمقارنة مع العكس، لأن صيانتها لنفسها أكثر أهمية، لأنها مصنع الإنسان ومستودعه، وفي داخلها يتكون النسل الجديد وينمو، فصيانتها وحفظها سلامةٌ ونقاءٌ وحفاظٌ على النسل.

2 ـــ صفة الغيرة على الآخر من الوقوع في ما لا ينبغي أن يقع فيه، ولا سيما بالنسبة إلى من يكون تحت رعاية الإنسان، وخاصةً طرف العلاقة معه ـــ من زوجة أو زوج ـــ، وهي صفة فطرية مشهودة بوضوح عند تأمل مشاعر الإنسان تجاه من يرعاه.

وقد كان نصيب الرجل من هذه الصفة بحسب طبيعة تكوينه أزيد من المرأة، لما زوّد به من اهتمام بالمرأة وقوامية بشأنها.

3 ـــ الشعور برقي التعالي عن التصرفات الخاطئة والأخرى الممهدة لها والموجبة للانزلاق إليها، مثل الحرية في العلائق، وبضِعَّة تلك التصرفات والسلوكيات غير المنضبطة، وتلك حالة يجدها الناس بفطرتهم حتى في المجتمعات التي تسعى أن تروج الحرية الشخصية في هذا الشأن، فلا يزال الناس يشمئزون من التصرفات المريبة والعلاقات الخاطئة وينظرون إلى صاحبها بالضِعَّة والانحدار والسقوط وينظرون إلى الضابط لنفسه الراعي للوقار بنظرة الرُقي والاحترام والتقدير والإكبار.

فتلك صفات نفسية زرعت في باطن الإنسان لتهديه إلى السلوك الصحيح وتساعده على اتخاذ هَدْيٍ ملائم، وهي صفة مشهودة في عامة المجتمعات الإنسانية حتى في المجتمعات التي لا تقر بهذه الصفات نظرياً إقراراً مناسباً وتروج للحرية الشخصية في مستوى يضعف الحياء ويمانع الغيرة وينفي التعالي.

ويندرج تجهيز الإنسان نفسياً ـــ من جهةٍ ـــ بصفة الجاذبية بين الجنسين، وبهذه الصفات وبالصفات المحددة للاستجابة لها من جهةٍ أخرى، كما أشرنا في قاعدة بديهية في علم الأحياء ـــ في شأن التكوين البدني والخصائص السلوكية للإنسان ـــ، وهي أن كل خصوصية في الكائنات الحية هي حالة هادفة في تكوينه، بحيث تضمن له ملاءمة خاصة مع مصالح هذا الكائن وتسهّل له حفظه وبقاءه وصيانته عن الأضرار.

وتجري هذه القاعدة الإحيائية في كل الكائنات الحية، وكلما كان الكائن الحي أكثر تطوراً كان نصيبه من تطبيقات هذه القاعدة أوفر وأكثر، فهناك ملايين من تطبيقات هذه القاعدة في شأن الإنسان في كل خصوصية من خصوصيات بدنه من رأسه إلى أخمص قدمه، حيث إن لكلٍ منها دخلاً منظوراً في صلاحه على وجه رائع للغاية حتى أن مظهر الإنسان أيضاً صيغ على وجه جميل من خلال مناسبة موضع الأعضاء الظاهرية وتناسقها ووحدة بعضها كالأنف وتعدد أخرى كالعين واليد والرجل، كما أن الخصائص التي امتاز فيها الجنسان جاءت ملائمة لتكامل الجنسين بشكل مذهل كما يوضح ذلك في علوم الطب وخاصةً في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء.

والحال في الخصائص النفسية للإنسان كذلك، فهي تركيبة ملائمة للهدي الضامن لمصلحة الإنسان بشكل نوعي، فكانت الجاذبية القائمة بين الجنسين ضرورية لتكوين الأسرة وبقاء النسل، كما كانت صفة الحياء والغيرة والتعالي صفات ضرورية لتحد الدوافع الغريزية في الإنسان وتساعده على رعاية قانون ملائم لمصلحته النوعية.

ولا ريب أن استقامة حياة الإنسان تتوقف على كلا الركنين، فلو أن مشاعر الانجذاب بين الجنسين اختفت تماماً أصيب الإنسان بالخمول والخمود وكان عرضة لعوارض ناشئة عن الشعور بالفقدان كالإفراط في ممارسات أو جوانب أخرى من الحياة، كما تضطرب الحياة الأسرية في حال طروّ هذه الحالة فيها، كما أنها لو انحرفت عن وجهتها حدث أنحاء من الشذوذ والاضطراب النفسي، كما أن مشاعر الحياء والغيرة والتعالي إذا اختفت تفردت مشاعر الانجذاب لتجعل من الإنسان غريزة عارية عن اللياقات الإنسانية الحميدة.

ومن الخطأ الفاحش تهوين صفة الحياء والغيرة والتعالي كما تجري عليه بعض الثقافات المعاصرة، على أساس اعتبار الحياء ضعفاً، والغيرة أنانية، والتعالي ترفعاً واهماً، كلّا، فهذه صفات نبيلة وراقية تهذّب السلوكيات الغريزية للإنسان وتساعده على تقنين الاستجابة لتلك المشاعر بقوانين ملائمة، حتى تكون له شخصية مستقيمة ومعتدلة موافقة مع الصلاح النوعي للإنسان، وهي أساس القدرة على ضبط النفس عن كثير من الأخطاء والخطايا والاتصاف بالعفاف المحمود والسلوك الحميد.

ملاحظات وجدانية راشدة بشأن الاختلاط والتواصل بين الجنسين

وقد لاحظ الإنسان الراشد والحكيم من خلال تجارب واضحة وبديهية في الحياة أموراً ـــ مؤكدة للغاية ـــ ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في نظام التواصل والاختلاط بين الجنسين:

1 ـــ أنّ مشاعر الانجذاب بين الزوجين لهي من أقوى المشاعر الإنسانية الغريزية، وليس من شك في أن زرع هذه المشاعر بهذه القوة إنما كان لحكمة منظورة بذلك، وليست تلك الحكمة هي أن يجعل من الإنسان كائناً غريزياً تطغى الغريزة العارية والمستفحلة على حياته، بدليل أنّ هذا الطغيان يؤدي إلى مفاسد يدركها العقل الذي متع به الإنسان والنزوع إلى الحكمة التي زود بها، بل الحكمة في قوة هذه المشاعر هي أن تساعد الجنسين على تحمل أحدهما للآخر في ظل ما تتعرض له الحياة المشتركة من عوارض تنشأ من اختلاف الطباع والأذواق والتربية، وليتحملا ما يترتب على هذه الحياة من وظائف ومسؤوليات وأولاد يحتاجون إلى رعاية وتربية، فتكون قوة هذه المشاعر مانعاً من انفلات عقد الارتباط وتأميناً على استمرار العلاقة الزوجية وضماناً لتحمل المشاق والصبر عليها وداعماً لصوت العقل والحكمة في الإبقاء عليها.

إلا أن هذه الغاية الحكيمة إنما تترتب على قوة هذه المشاعر إذا حصرت قوة هذه المشاعر في طريق مستقيم ينتهي إلى الزواج وتكوين الأسرة والاهتمام بها والعناية بحياطتها وصيانتها والحفاظ عليها، فتكون هذه القوة تأميناً لهذه المسيرة ومذللاً لعقباتها وصعوباتها ومسهلاً للصبر عليها، وفي غير هذه الحالة إذ تنفلت هذه المشاعر فإن قوتها تولد عناءً وشقاءً وضياعاً وتشتتاً وانحرافاً للإنسان وسبباً لإيذاء الآخرين واستغلالهم على وجه خاطئ وذميم.

2 ـــ أنّ هذه المشاعر الغريزية كثيراً ما لا تكشف نفسها للإنسان عند دفعها إياه إلى غاياتها، وهي الوصول إلى الآخر لإشباع الغريزة الخاصة، وذلك تجنباً عن معارضة صفة الحياء والرغبة في التعالي والحذر من رد الفعل الاجتماعي  من الاستجابة لها،  بل تسلك طرقاً غير مباشرة وملتوية قد لا تظهر حتى للإنسان نفسه في حينه، ولذلك يتلقاها المرء تلقياً ساذجاً وبحسن نية، وربما يضفي عليها عناوين مثل الحب الذاتي للترتيب والجمال والتأنق، والاتصاف بالذوق والطبع اللطيف والرغبة في الإحسان إلى الآخر ونحو ذلك من المعاني الإنسانية الجميلة ، ولكنها تنبعث ـــ وفق السنن النفسية البديهية ـــ عن توجهات غريزية  كامنة في العقل الباطن غايتها الحقيقية الانتهاء إلى إرضاء الغريزة من خلال المعاشرة، فهي في حقيقتها أشبه بالفخ الذي يوقع بالغافل فيه،  لكي ينزلق صاحبها في مزيد من الاقتراب لتحقيق غايتها ـــ وهي العلاقة غير الشرعية ـــ على حين غفلة من الإنسان من غير تخطيط واع لهذه الغاية ولا التزام بلوازمها ونتائجها وآثارها.

3 ـــ أن الاستجابة لهذه المشاعر قد تبدو خطوات بسيطة ذات آثار محدودة، ولكن نظرة عميقة وشاملة إلى الحياة الاجتماعية وحوادثها تنبّه إلى أن تلك الخطوات البسيطة في بدايتها هي السبب في حوادث وظواهر كارثية من قبيل تفكك الأسرة وتشرد أفرادها وضياع الأطفال وسقط الأجنة، بل ترك الأطفال حديثي الولادة أحياناً في الطرق والممرات.

وتشتمل الحياة الاجتماعية بشكل واضح ومشهود على عبر وأمثال تبين للإنسان كيف أن عدم الحذر من الاقتراب والتواصل تؤدي إلى نتائج كارثية على الشخص وعلى أعزته كالأولاد لم يكن يفكر فيها بتاتاً، وأنه وقع فيها على حين غفلة وانزلق إليها من حيث لا يُقدّر ذلك، ولكلٍ منّا فيما شاهدناه وسمعناه أمثلة عديدة لهذه الحالة، كما أنّ المحاكم القضائية تستقبل في كل يوم العديد من القضايا التي نشأت عن أسباب هي في أوائلها خطوات من هذا القبيل.

لقد وجد الإنسان بفطرته وفي ضمن تجربته في الحياة أنّ من الضروري للإنسان ـــ من أي من الجنسين ـــ أن يكون بجنب المتعة التي يجدها في الاقتراب والتواصل مع الجنس الآخر حَذِراً في ذلك حَذَراً يلائم خطورة المزالق المشهودة في هذا الطريق، وذلك من خلال تقنين الاختلاط والتواصل، وذلك بتأصيل أعراف في شأن الرجل والمرأة تحدد هذا الاقتراب والتواصل بغطاء من الالتزام بالحدود، والوقار والمتانة، وهو يتأكد بطبيعة الحال في ظل توفر وسائل التواصل التي تتيح ذلك بشكل أسهل.

 

تأصيل مشروعية العلاقة بين الجنسين بالحدود الملائمة:

وقد ابتنى على هذا الأساس الفطري والوجداني وما يتصل به من سنن نفسية وما يترتب عليه من مصالح حياتية فردية وأسرية واجتماعية تأصيل مشروعية العلاقة بين المرأة والرجل وجواز الإغراء بينهما بحدود الزواج وهو تأصيل عابر للمجتمعات الإنسانية عموماً، وذلك استثناءً من قاعدة حرية الإنسان في ممارساته الشخصية، فلم يعد من حق الإنسان أن يقيم علاقة أو يسعى إليها إلا من خلال عقد وثيق والتزام ثنائي بين الطرفين يكون واضحاً وتتحدد فيه غاية إقامة العلاقة بشكل صريح حتى يحسب الإنسان مقتضيات هذه العلاقة وآثارها في شأنه بما عليه من التزامات ولوازمها الاجتماعية الخطيرة، وذلك تحرزاً عن أي أسلوب آخر للعلاقة ينزلق فيها اثنان إلى العلاقة من غير سابق عقد وميثاق استجابةً لرغبة عارمة أو استدراجاً من قبل الطرف الآخر.

 

وصايا الدين في قواعد التواصل بين الجنسين:

وجاء الدين الكريم مؤكداً على هذا التأصيل المهم في حياة الإنسان محدداً إياه، من خلال التأكيد على وصايا مهمة في هذا السياق.

الوصية الأولى: إيجاب الستر الملائم على الجنسين من حيث أن الإنسان غير المستور بطبيعته يكون مغرياً للآخر ومثيراً له، فأوجب على الرجل الستر اللائق به، وكان نصيب المرأة من الستر اللائق أزيد بالنظر إلى كون المرأة بخصائصها أكثر إغراءً للرجل ـــ بطبيعة خلقة الجنسين ـــ من الرجل للمرأة، وتلك حقيقة واضحة في الحياة، فكان على المرأة ستر ما عدا الوجه والكفين في مشهد الرجل الأجنبي.

وليس الستر الواجب شرعاً بطبيعة الحال ستراً لبشرة الجلد فقط، بل ستراً لمفاتن البدن المغرية للآخر، كما لزم في الستر أن لا يكون بدوره زينة لصاحبه، إذ يكون ذلك بنفسه سبيلاً للإغراء الذي افترض الستر مانعاً من دونه.

الوصية الثانية: تجنب الحركات والأفعال والأقوال المثيرة التي من شأنها كسر حدود الوقار والمتانة بين الجنسين مثل ترقيق القول والتغنج فيه والمفاكهة في الحديث والتصرف على وجه ينبه على ما أخفى من الزينة، ولذلك جاء في القرآن الكريم نهي المرأة عن الخضوع في القول وضربها لأرجلها بما يفصح عن ارتدائها للخلخال، لأن في ذلك إيعازات خاطئة إلى من بمحضرها من الرجال.

الوصية الثالثة: غض النظر عن الجنس الآخر، فلا ضير في نظرة عابرة ومسترسلة وغير ممتلئة حيث تقتضيه طبيعة الحاجات الإنسانية النوعية، ولكن لا تصح النظرة المركزة والممتدة على الآخر، فإن هذا الوقوف على الآخر مدعاة للانجذاب إليه ويوسوس الإنسان إلى مزيد من الاقتراب، ولذلك قال سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾([1])

فهذه وصايا ثلاث مهمة تعتبر مبادئ فطرية بديهية لنقاء العلاقة بين الإنسان.

 

المضاعفات السلبية للاختلاط غير المنضبط:

ولا شك في أن الاختلاط والتواصل غير المنضبط بين الجنسين هي من أهم المزالق التي تؤدي إلى الاقتراب الخاطئ بينهما والانتهاء إلى غايات ضارة وذميمة وغير شرعية.

وجل المحاذير ـــ التي نشهدها في تضرر الفتيان والفتيات ضرراً يحول دون تحقيق الحياة الأسرية أو يوجب التشويش على هذه الحياة وانهدامها ـــ ناشئة في أسبابها الأوّلية عن وجوه مسترسلة أو خاطئة من الاختلاط والتواصل بين الجنسين.

فالاختلاط من جهةٍ يحيي في الإنسان حب الظهور أمام الآخر بمظهر الإغراء والجاذبية ويتخذ ذلك منحىً صعودياً ساعياً تجربة مختلف المظاهر والأدوات والحركات والمرغبات المثيرة، كما أنه من جهة أخرى يوقف الآخر على هذا المظهر ويتيح له الاطلاع عليه من خلال النظرة بعد النظرة والتي سوف تتخذ أيضاً منحىً صعودياً بتكوين هاجس داخلي متكرر ثم دائم يحث الإنسان على مزيد من النظر والتركيز لينمو هذا الهاجس الداخلي حتى يكون شاغلاً للإنسان ويؤدي إلى السعي إلى مزيد من الاقتراب والاطلاع والعرض متخذاً الأدوات غير المباشرة التي تتخفى وراء غايات أخرى إنسانية أو علمية أو طبيعية لتنتهي إلى تحقيق فرصة للاختلاء مع الآخر ليتحرر من اطلاع الآخرين ورقابتهم ويحقق ما كان يصبو إليه من ممارسات خاطئة.

وكذلك الحال في التواصل الصوتي والكتبي، فهو يبدأ بالمتعة التي يجدها المرء عند التواصل مع الجنس الآخر وإذا توقف عندها ولم يَعْبرها رجا فيها أن تكون باباً للعلاقة وسعى وأمل إلى أن يبدو بمزيد من الجاذبية للآخر لكي يحقق استجابة مناسبة من الآخر فتتولد لديه الرغبة من الانتقال من المشهد العام إلى الخاص إرضاء منه للنوازع الغريزية.

 

تأصيلات في شأن الاختلاط والتواصل

وهناك عدة تأصيلات ضرورية في شأن الاختلاط وما بحكمه من وجوه الاتصال والتواصل:

(ضرورة الوعي بشأن مضار الاختلاط ومحاذيره)

الأوّل: أنّه ينبغي للمرء تأصيل الاهتمام باكتساب الوعي والتبصر بشأن مضار الاختلاط ومحاذيره المحتملة والمتوقعة، والارتقاء عن التفكير الضيق والمحدود إلى الأفق العام من خلال الاطلاع على السنن النفسية والاجتماعية والاعتبار بالحوادث المختلفة والانتباه إلى ما تعبر عنه من السنن العامة والظواهر التي تتولد عنها.

(ضرورة التقنينات الراشدة بشأن الاختلاط في المستويات التشريعية والإدارية والعرفية والشخصية)

الثاني: أنّه لا غنى للإنسان والمجتمع الإنساني في شأن الاختلاط ـــ أصله وحدوده ـــ من تقنينات راشدة وحكيمة وملائمة فالتقنين هو الحد الذي يضمن المصالح العامة والخاصة ويقي المرء من الإفراط والتفريط.

وقد جاء التقنين الملائم في الدين من خلال تشريعاته الحكيمة والراشدة التي تلائم الفطرة وتنظر إلى الآفاق البعيدة والمزالق المتوقعة.

وتبقى مستويات أخرى ضرورية في شأن ذلك:

1.أنّ على المتصدين لأمور الناس في الدولة في المستوى التشريعي الاهتمام بصيانة المجتمع عن الوقوع في مهاوي الخطيئة والخطأ وفق ما يتاح لهم بحسب الظروف، من غير أن يجعلوا من الاهتمام بهذه الجهات غاية سياسية يتاجرون بها، أو يتساهلوا فيها تقرباً لشريحة من الناس، ومن جملة ذلك حجب المواقع والقنوات الإباحية والرقابة الملائمة على سائر الأمور الفاضحة في وسائل الإعلام أو وسائل التواصل أو في الملأ العام.

2.أنّ على المسؤولين التنفيذيين في مختلف مراتبهم ابتداء من الدرجات العليا إلى مدراء المدارس والمدرسين فيها العناية برعاية مبدأ العفاف وصيانة الاختلاط عن المحاذير وفق صلاحياتهم التنفيذية والإدارية.

3.أنّ على المجتمع العام الاهتمام بالأعراف الواقية عن الخطأ والخطيئة مما يتضمن الرقابة المناسبة والحذر اللائق بهذا الشأن من خلال الأدوات الاجتماعية العامة، فإنّ الأعراف الاجتماعية تسهل رعاية المقاصد الصحيحة ويكون عذراً للفرد تجاه الإحراجات الشخصية.

4.أنّ على الشخص نفسه تقنين سلوكه في الاختلاط وقواعده والتزامه على نفسه بمبادئ يثبت عليها ولا ينصرف عنها حتى تصونه تلك المبادئ عن الوقوع في المحاذير المتوقعة ويصل من خلالها إلى شاطئ الأمان في حياة أسرية نقية وسعيدة ومطمئنة بعيدة عن قلق السوابق الخاطئة والوساوس المؤذية والثبات على الالتزام بين المغريات، وهذا وإن كان صعباً بعض الشيء إلا أنّه أحمد عاقبة، وقلّ شيءٌ مثمرٌ إلا وهو نتيجة الصبر والثبات كما قال سبحانه: [وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]([2]).

وليعلم الفتيان والفتيات أنّ الذي يليق بالإنسان في مقتبل عمره هو أن يهتم بتكوين حياة أسرية مبنية على العفاف والأخلاق والالتزام من دون خوض تجارب مختلفة وممارسة تعلقات عابرة تزيل النقاء النفسي وتكون دائماً مصدراً لهواجس مقلقة ومؤذية تحول دون استقرار الحياة الزوجية كما تدل عليه تجارب الحياة.

(التعامل الحذر من المرء مع نفسه)

الثالث: ينبغي للإنسان تأصيل الحذر تجاه نفسه بمعنى أن لا يثق بها تمام الثقة وذلك بأن يبني أنّه سوف يقاوم مشاهد الإغراء في أي بيئة ومهما كانت الظروف، سواء كان ذلك اعتماداً على أصله ونسبه أو تربيته أو نحو ذلك. فالانزلاق إلى الخطأ والخطيئة أمر مشهود في حالات من هذا القبيل وفق حوادث الحياة، والطبيعة الإنسانية في جميع الناس في أصلها طبيعة واحدة في ما تختزنه من دوافع وتحتمله من خطوات ويمكن أن تؤدي إليه من نتائج، وربّ رغبات كامنة لم تفصح عن نفسها حتى للإنسان نفسه من جهة عدم وجود فرصة مواتية فتكون كامنة في مرحلة اللاوعي، حتى إذا أمنت المحاذير ووجدت البيئة المناسبة تحفزت على حين غُرّة وغفلة من صاحبها فانساق وفقها وخضع لها فكانت نكسة قاتمة تظلل على نفسه وحياته أبداً.

ولأجل ذلك نهى الله سبحانه عن تزكية المرء لنفسه، وحذّر منها ونبّه على أنّ هناك وراء ما يعلمه المرء عن نفسه أبعادٌ لا يحيط بها إلا الله سبحانه، قال سبحانه: [فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى]([3])، ولذلك كان الصالحون على وجل من أنفسهم وهم يكرهون الثناء عليهم في وجوههم، وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في خطبة المتقين رغم ما وصفه بهم من صفات جليلة: (إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه فَيَقُولُ، أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ)([4]).

إذن من المهم أن يحذر الإنسان من نفسه بعض الحذر ولا يحسن الظن بنفسه في جميع الأحوال وليجعل من نفسه رقيباً عليها يرصد هواجسها وشواغلها وينتبه إلى تغير سلوكها، ويحذر من تدحرجها إلى الاستجابة لجاذبيات الآخر ويُشعره بالخطر تجاه ذلك.

فإن وجد من نفسه استجابة لجاذبية الآخر مثلاً فإنّ ذلك منبّه لا بدّ أن يشعره بالخطر ولزوم المراجعة والمحاسبة.

وليعلم الإنسان أنّه بنفسه سوف يختلف تفسيره لحركاته وسلوكياته كلما كَبُر عمراً وزاد خُبراً وإحاطة بالنفس الإنسانية ومراهقتها وكوامنها من خلال اتساع الخبرة والوعي والتجربة، وقد يتمنى لو تجنب العديد منها في حينه، لما يجده من وجوه الملاحظة والخطأ عليها أو ما سببته له من تبعاتها وآثارها، وذلك أمر معروف، ومن حكمة المرء أن تكون أحواله متناسقة وأن يكون أوّل أموره ـــ ما تيسر ـــ كآخرها.

(عدم الاسترسال المطلق مع الآخرين والإبقاء على الحذر بعض الشيء تجاه أيّ كان)

الرابع: ينبغي للإنسان تأصيل التعامل الحذر مع الآخرين بأن لا يسترسل في الثقة بهم كل الاسترسال ويغلق أبواب الحذر كل الإغلاق مهما كانت هناك عوامل تدعو إلى استبعاد الخطأ والخطيئة من المحتد الكريم والأصل العتيد والسابقة الحسنة والتربية الجيدة والبيئة السليمة والسيرة المعهودة والظواهر المحمودة والمحبة الشديدة للآخر.

بل عليه أن يُبقي لحدوث الخطأ أو الخطيئة احتمالاً وللحذر باباً يقيه من المفاجئات ويصونه عن المحاذير، فالاسترسال المطلق غفلة وليس وثوقاً وسذاجة وليس طيباً وصفاء، وشتان ما بين السذاجة والطيب: فالسذاجة خلل في الإدراك وضبابية في الرؤية، والطيب سلامة في النفس ونقاء في القلب، وربّ طيّب حذر في سلوكه، وآخر ساذج من غير طيب ولا صفاء، وقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تثق بأخيك كل الثقة فإن صرعة الاسترسال لن تستقال)([5]).

وليس بقاء حيّز من الحذر والاحتمال سوء ظن بالآخر، فإنّ محض الاحتمال غير الظن والترجيح، على أنّه قد جاء عن الإمام علي (عليه السلام): (إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلَاحُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِه، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْه حَوْبَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ، وإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِه، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ)([6]).

(الحذر من الاختلاط من غير حاجة موجبة له ثُمّ الحذر عند الاختلاط من الاسترسال فيه)

الخامس: أنّه ينبغي تأصيلَ المرءِ لنفسه ولمن يتولى شأنه الحذر من الاختلاط من غير حاجة موجبة له([7]) ثم مراعاة الحذر عند ممارسته، فهذان أصلان مهمان وقاعدتان أساسيتان من قواعد الحياة.

وليس هناك من شك في أنّ الحاجات الإنسانية ـــ وفق طبيعة الحياة ـــ تقتضي بعض الاختلاط في الأماكن العامة كالأسواق والشوارع ووسائل النقل العامة وأماكن الزيارة وغيرها، وكذلك ما تفرضه المراجعة إلى الأطباء عند غياب الطبيب المماثل الوافي بالحاجة، وكذلك المراجعة إلى الدوائر المختلفة والمسؤولين عن الخدمات العامة الحكومية والدينية والإنسانية، كما أنّ الواقع الجاري تضمّن ترتيب كثير من الأمور على وجه مختلط وإن كان ذلك غير ضروري في العديد من الحالات مثل الجامعات وغيرها.

لكن لا ينبغي أن يكون توقف الإيفاء بالحاجات على الاختلاط باعثاً على الاسترسال في الاختلاط واعتبار الاجتماعات المختلطة على حد الاجتماعات غير المختلطة، ولا المبالغة في توقف الحياة المعاصرة على الاختلاط، واعتبار الاختلاط بين الجنسين حالة طبيعية وضرورية دون حدود وقيود، بل لا بدّ من رعاية الموازنة ونوع الاختلاط ومراعاة الحذر على وجه مناسب في جميع الأحوال.

ومن البديهي أنّ لقاء الجنسين يرافق بطبيعته نوعاً الشعور بضرب من المتعة والانجذاب إلى الآخر وما يتفق من التعاطف بين اثنين من جنس مختلف من الثناء والشكر والإعجاب وإظهار الود والمحبة يختلف عمّا يتفق بين اثنين من جنس واحد فهو ينطوي على بُعد غريزي وفق سنن الحياة وإن كان ذلك في البداية في مرحلة من الوعي الخفي أو اللاوعي، وهذا الشعور بالمتعة يستوجب أن يقترن بضرب من الحذر موازٍ لذلك.

وينبغي أن تبدأ رعاية الحذر عن الاختلاط ومراعاة آدابه منذ بداية التميّز عند الطفل، ويزداد أهمية في سنيّ المراهقة وما بعدها حتى الزواج، ويكون مهماً أيضاً بعد الزواج في سنيّ العنفوان والنشاط لدى الجنسين.

والوجه في التأكيد على الحذر في ذلك: هو أنّ أي محذور وقع فيه المرء فإنّه سوف يكون له تأثير نفسي وأسري واجتماعي ممتد وباق عليه وربما أدى وقوع المرء في مزلق مرة واحدة إلى وقوعه في مثله لمرات أخرى لانفتاح باب في النفس لا يسهل عليه إغلاقه، فليس من هاب شيئاً كمن وقع فيه، ومن وقع في شيء وسوست إليه النفس في إعادته كلما ورده هاجس وذلك مما يؤدي إلى وقوع المرء في عناء وشقاء وافتقاده للسعادة التي يبحث عنها ويسعى إليها.

وقد علم عند العقلاء كافة أنّ المحذور المحتمل كلما كان أكبر وأخطر وأشمل وأدوم كان الحذر اللائق عند احتماله أشد وأقوى حتى أنّه يكفي أحياناً الاحتمالات الضعيفة كواحد في المائة أو في الألف إذا كان المحتمل فيها أمراً خطيراً، وتلك بديهة فطرية زوّد بها الوجدان الإنساني كقاعدة للحياة.

(أدب التعامل بين الجنسين وهو الوقار والاحتشام)

السادس: أنّ على الجنسين تأصيلَ التزامِ الوقار والمتانة في السلوك والقول والنظر والمظهر وتجنب الاسترسال والخفة عند التعامل أو التواصل أو الاختلاط مع الآخر، فإنّ الوقار هو المصدّ الأساس للنفس وللآخر عن الاتجاه الخاطئ والانزلاق النفسي والسلوكي إلى الخطأ، كما أنّ الخفة هي مدخل كل خطأ وخطيئة.

ومن مظاهر الوقار هو تجنب المرء الاقتراب والخلوة والخصوصية، وكذلك عدم تقبل مثلها من الآخر، وتعامله مع أية خطوة من هذا القبيل بمزيد من الحذر أو الابتعاد بما ينبه الطرف الآخر على عدم تقبل تلك الخطوة.

(الاهتمام بكسب مهارات الاختلاط السليم)

السابع: أنّه ينبغي للإنسان تأصيل الاهتمام بكسب مهارات الاختلاط السليم عند الابتلاء به، وهي على نوعين:

1.مهارات تتعلق بفن ضبط النفس والتحكم بها عند الاختلاط.

ومن هذا النوع استشعار تقوى الله سبحانه والالتفات إلى كون المرء في محضره وموضع رقابته كما قال سبحانه: [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ]([8])، وكذلك تقوية العزيمة وإشعار النفس بمؤهلاتها العلمية والإنسانية بدلاً عن التركيز على مؤهلاتها وجاذبياتها الإغرائية والغريزية، والتأمل هنيئة ـــ قبل خطو أية خطوة ـــ في عواقبها وغاياتها وآثارها الاجتماعية وتأثيرها على شخصية الإنسان، ومضاعفاتها المستقبلية على حياته، وكذلك إشغال الإنسان فكره بأمور أخرى مثل المواضيع الدراسية بدلاً عمّا يمليه الاختلاط إلى غير ذلك من المهارات التي تمثل قوة شخصية الإنسان ورقيها.

2.مهارات التعامل مع الآخر الذي يسعى إلى الاقتراب إلى الإنسان واستدراجه، مثل الجرأة في مواجهة الإحراج، والتجنب عن تسليم قياد النفس إلى الآخر، والصمت عند السؤال، وغض النظر عند المخاطبة، وقلة التفاعل عند إظهار الآخر للاهتمام الخاص، وإبداء الأذى والتعجب من مظاهر هذا الاهتمام.

(الانتباه إلى أهمية العفاف)

الثامن: ينبغي انتباه المرء إلى الأهمية الكبرى لأصل العفاف في الحياة والدين، فالعفاف قيمة فطرية ودينية وأسرية واجتماعية راقية ومبدأ أساسي ومهم للغاية، فهو يحقق للإنسان ومن يتكفله وسائر من حوله الطمأنينة والسكينة والنقاء والسلامة والطهارة والاستقرار والسعادة، ويبعد عنه الهواجس القلقة والعوارض النفسية، كما أنّ اختلال العفاف يؤدي إلى تكوين علاقات غير شرعية لا محالة وفق السنن النفسية؛ وذلك يوجب أضرار فردية واجتماعية كبيرة وخطيرة للغاية من قبيل زوال الاستقرار والتفاهم في جو الأسرة بما يلغي فائدتها ـــ وهي الاطمئنان والتكامل ـــ ويؤدي إلى انهدامها. ومما يؤدي إليه اختلال العفاف زيادة العنوسة وقلة فرص الزواج لمن لم يعف وإسقاط الأجنة وتفرق الأطفال وافتقادهم لأحد الأبوين أو كليهما في أثر النزاع والافتراق مما يوجب اضطراباً في شخصية الطفل ومعاناته، ويؤدي إلى إلقاء كلّ الإنسان على غير من يفترض تكفله إياه، كما في رجوع الفتيات والأولاد بعد الزواج إلى بيوت آبائهم مع أطفالهم إلى غير ذلك من المفاسد.

ولذلك ينبغي اهتمام الأفراد والمجتمع بهذا المبدأ اهتماماً بالغاً وترجيحه عند التزاحم على موضوعات أخرى مثل الفرص الدراسية والأنس الاجتماعي والاستجابة للرغبات ونحوها.

وينبغي للمجتمعات الإسلامية والشرقية المحافظة والمعنية بهذا المبدأ الحذر من اتباع أعراف سائدة في مجتمعات أخرى مبنية على التساهل واللامبالاة؛ لأنّ تلك المجتمعات ليست مهتمة بالعفاف ومبادئه مثل الحياء والعزة والتعالي ولا مكترثة بآثاره السلبية مثل العلائق غير الشرعية وضياع الأطفال وسقوط الأجنة وتفكك الأسرة، وإنّما تكمن أولويتها في تحصيل الدخل المادي للفرد وتأمين ممارسة الرغبات الشخصية والغريزية باسم الحرية وتلك حقيقة واضحة.

فليست حال تلك المجتمعات بالتي تحتذى في هذه الناحية ولا ينبغي الخلط في تقييم المجتمعات بين الجوانب المختلفة فيها والتقليد غير المتبصر لما يجري فيها، فقد يكون هناك نقاط قوة في مجتمع ما مثل الاهتمام بالعلم واحترام التخصص وتقدير المواطنة المتكافئة بين الناس بينما تكون هناك نقاط سلبية في ما يتعلق بجوانب فطرية وإنسانية مثل هيمنة النزعات المادية والغريزية، فيكون المجتمع المفترض في مثل ذلك موضع الاعتبار دون الاقتداء.

(توفير مراكز غير مختلطة وتقنين آداب الاختلاط)

التاسع: ينبغي اهتمام أهل البر والمقدرة من أفراد وجهات ـــ وفي مقدمتها الدولة كما إنّ من جملتها إدارات العتبات المقدسة ـــ بتأصيل مبدأ مهم في جملة نشاطاتهم وهو صيانة المجتمع عن وجوه الاختلاط غير الضروري كل بحسب مقدرته ونفوذه وإمكاناته منها على سبيل المثال:

1.استخدام المعلمين والمدرسين من نفس الجنس.

2.السعي في إنشاء جامعات مختصة غير مختلطة تساعد على ابتعاد الفتيان والفتيات عن أجواء الإغراء والإثارة والعرض.

3.عناية النساء المتعلمات بفروع من العلم والمعرفة لتغطية حاجات بنات جنسهن في التعليم والطب وسائر الاحتياجات العلمية والمعرفية بمستوى عال من الكفاءة والمقدرة حتى لا تحتاج النساء إلى مراجعة الرجال فيها.

هذا وأقل مستوى مقبول من هذا الاهتمام الذي ينبغي أن يبذله هؤلاء الأفراد والجهات هو أن يجد الناس ـــ المعنيين بتجنب الاختلاط في أنفسهم وفي من يتولون شأنه ـــ حاجتهم في التعلم والتعليم والتوظيف والعمل في مراكز كفوءة خالية عن الاختلاط، ولا يضطرون للإيفاء بحاجتهم تلك إلى التعلم والعمل في مراكز مختلطة.

وفوق هذا المستوى أن يغطي عدد هذه المراكز حاجات سائر الناس ممن يعتذر عن الاختلاط بعدم وجود مراكز غير مختلطة، على أن يكون مستوى هذه المراكز مشجعاً للالتحاق بها.

وكذلك يجب على هؤلاء الأفراد وتلك الجهات صيانة مواضع الاختلاط الذي لا مناص عنه من خلال القوانين والتعليمات عن المظاهر المغرية والعروض غير اللائقة لا سيما المدارس والجامعات التي يقضي فيها الأولاد أخطر فترة في تنشئة الإنسان وتربيته، وذلك عن طريق ما تتبعه العديد من الدول المتقدمة في العلم والصناعة والاقتصاد من توحيد نمط الملابس وتحديدها على وجه ملائم لإبعاد أجواء العلم عن المؤثرات الغريبة ووقايتها عن أن تكون معرضاً لإثارة الغرائز ووقوع الخطيئة، مع مرونة ملائمة لأحوال الفقراء.

(رعاية الوالدين للأولاد)

العاشر: ينبغي رعاية الآباء والأمهات لتأصيل تربوي مهم وهو الاهتمام بعفاف أولادهم بتجنيبهم لمواضع الاختلاط ما أمكن من خلال انتقاء المراكز غير المختلطة ورعاية سلوكهم فيها عن التصرفات الخاطئة على وجه ملائم، فإنّ ذلك جزء من الرعاية الواجبة عليهم بحسب قواعد الفطرة الإنسانية والدين.

ومن الخطأ بل الخطيئة عدة أمور نشهد وقوعها من الأولياء:

1.إهمال حال الأولاد، وعدم متابعتها على أساس انشغال الأولياء بشأنهم أو حسن الظن بالأولاد.

2.أن تدعو مشاعر المودة والمحبة والرحمة الأولياء إلى الانسياق لرغبات الأولاد في التحرر من القيود والانسياق وراء الرغبات وتقليد الآخرين في أمور غير لائقة.

3.عدم اهتمام الأولياء بالحدود اللائقة على أساس تقديم بعض المطامح العلمية لهم في شأن الأولاد أو مطامح الأولاد أنفسهم على رعاية القيم اللازمة والسلوكيات الملائمة. وهذا كله مع اتباع الأساليب المعقولة والمقبولة في مقام الحذر والنصح والإرشاد.

4.تخلي الأولياء عن مسؤوليتهم في هذا الجانب وإلقاء مسؤولية الأولاد على عاتقهم قبل أن يكتسبوا النضج الكافي في هذا الشأن بتمييز الخير من الشر، والالتفات إلى عواقب الأمور والاعتبار بالحوادث والانتباه إلى مقومات المستقبل السعيد.

(رعاية مبادئ العفاف في داخل الأسرة والأقارب)

الحادي عشر: إنّ من الضروري في داخل الأسرة تأصيل رعاية مقتضيات العفاف حتى بين المحارم، وكذلك رعايته في الاختلاط بين الأقارب والعوائل، فإنّ انتشار عوامل الإغراء والإثارة وتيسرها في هذا العصر وتراجع الأعراف المانعة وملاحظة الحوادث التي تتفق في المجتمع أمور كافية في تيقظ الإنسان وانتباهه لخطورة الاسترسال في ذلك.

(تأكد مراعاة العفاف في شأن الفتيات)

الثاني عشر: أنّ من المهم للفتيات بشكل خاص تأصيل مراعاة العفاف وتجنب الاختلاط ما أمكن والابتعاد عن أساليب الإغراء في حالات الاختلاط التي لا محيص عنها، فالمرأة هي الأكثر تضرراً بالحوادث المنافية للعفاف ابتداء من التصرفات غير اللائقة وانتهاء بالعلائق غير الشرعية على ما أشير إليه في قوله تعالى في حكمة الحجاب: [ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ]([9])، كما أنّ دورها كمصنع للإنسان ووالدة تحتضن الطفل بين أحشائها ثم حاضنة للطفل ومربية له هو الدور الأهم بالمقارنة مع دور الرجل ولذلك تكون سلامتها ونقاؤها وطهارتها أكثر تأثيراً على سلامة الأطفال الذين هم أمهات الغد ورجال المستقبل.

ومن الملاحظ في كثير من الموارد أنّ المرأة تنزلق ـــ من حيث لا تحتسب ولا تريد ـــ إلى السلوكيات الخاطئة والعلائق الآثمة، بينما لم تكن تنوي بمظاهر الإغراء الانتهاء إلى تلك النهايات، إلا أنّ أساليب الإغراء هي لغة الطبيعة والعرف في جذب الطرف الآخر، فلا ينبغي استخدامها على وجه خاطئ كما أوضحت ذلك في (رسالة المرأة في الحياة).

كما لوحظ أنّ المرأة تتسرع في كثير من الحالات إلى التصديق بما يُبدى لها من العواطف بغية التواصل إلى تكوين الأسرة السعيدة المبنية على المودة والمحبة، ولا تميّز بين العواطف الصادقة والرغبات العابرة، فتبتلى بالخيانة المرة والاستغلال المؤذي ممن لا يستحق الثقة، وتلك صرعة الاسترسال التي لا تستقال، وكم من حالات في الحياة يطلع عليها المرء فتملأ النفس هماً وأسى على الفتاة وغيظاً على مَن باشر ذلك أو فرط في شأنها بما أدى إلى تلك النتائج.

(ضرورة استجابة المراهقين لنصائح الوالدين بالتي هي أحسن)

الثالث عشر: ينبغي للأولاد المميّزين والمراهقين من فتيان وفتيات الاستجابة لأوليائهم من الآباء والأمهات في ما ينصحونهم به من مبادئ العفاف وتجنب الاختلاط وكذلك الحذر في حال وقوعه عن الاقتراب من الآخرين والثقة بهم وإقامة العلاقات العابرة.

فالإنسان لا يستغني بضرورة الحياة من الاسترشاد والنصيحة في هذه المرحلة العمرية عن الآباء والأمهات كما لا يستغني نوعاً عن إيفائهم بسائر حوائجه على ما يجده عياناً، فالنفس الإنسانية في هذه المرحلة في طور التطور والتنامي واكتساب قدرات وخبرات جديدة، ومن البديهي في هذه الحالة أن يعتمد على غيره قبل أن تستقر خبراته في الحياة، وخير من يعول عليه الإنسان من جمع نصحاً وخبرة وتجربة في الحياة، ولا يجد المرء أنصح له من والديه نوعاً، فإنّهما يعتبران أنفسهما مسؤولين عن حياة الأولاد ومستقبلهم بل الأولاد عندهما جزء من كيانهما، فسعادتهما وشقاؤهما بسعادة الأولاد وشقائهم، ولا يكون الآخرون بهذه المثابة.

فعلى الأولاد إعانة أوليائهم على تولي أمورهم بالتي هي أحسن كما هي وظيفتهم بحسب الفطرة والدين والعرف الإنساني، ولا يشاكسونهم في نصحهم لهم، فإنّ الحياة تجارب، ومن سعى إلى أن يجرب بنفسه جميع الأمور كان عرضة للوقوع في محاذير لا نجاة منها متى وقع الإنسان فيها ومخالفة الناصح المجرب تورث الندامة وليعلم الأولاد أنّهم غداً آباء وأمهات، وسوف يكون لهم هواجس تجاه أولادهم مثل ما يجدونه لوالديهم، فإن أسس الأولاد لحسن الاستجابة للوالدين في نصائحهما كان ذلك مستتبعاً ـــ غداً عند تكوينهم للأسرة ـــ لحسن اتباع أولادهم لهم ، فعليهم (أي الأولاد) أن يرتقوا إلى ما يليق بهم، ولا سيما أنّ الله سبحانه كلف الإنسان في سن مبكر، إشعاراً له بالمسؤولية تجاه ما يتفق له، فعلى الأولاد ــــ بمستوى إدراكهم وقدرتهم ــــ مسؤولية ما يتفق لهم.

ولتسعَ فئة من الأولاد ـــ فتيات وفتيان ـــ أن يكونوا مثلاً راقياً لسائر من هو في أعمارهم من زملائهم للعفاف والوقار وسائر الخصال الحميدة الواقية عن الاختلاط الذميم، فإنّ أفضل الناس من اقتدى الناس به في معاني الرشد والحكمة والفضيلة، ولهم أجرهم في هذه الحياة ومن بعدها حيث يكتب لهم ثواب كل من اقتدى بهم، ومن لم تبلغ به الهمة أن يكون كذلك فليهتم أن لا يخل بالنصاب اللازم مراعاته في السلوك لتوقي المحاذير عن نفسه وعمّن يتولى شأنه.

وعلى الأولياء اتخاذ الأساليب التربوية الملائمة ومشورة أهل الخبرة والحكمة في طريقة التأثير على الأولاد وسوقهم إلى السلوك الراشد والحكيم.

وبعد فإنّ كثرة المثيرات والمغريات التي تخدش الطهر والنقاء في الحياة المعاصرة وزيادة الأمراض الأخلاقية ـــ وفق التعبير القرآني في قوله: [فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ]([10]) ـــ تجعل من العفاف من أبرز أمثلة الجهاد في الحياة المعاصرة ولا سيما للفتاة التي طبعت على طلب مزيد من التجمل والظهور بمظهر فائق، فمن واظب على العفاف ومبادئه ووقي ما تتوق إليه النفس من التظاهر بعناصر الإثارة والانسياق وراء مغرياتها فقد جاهد نفسه وضمن لنفسه الفلاح، في هذه الحياة وما بعدها.

وإنّ الإنسان المؤمن حقاً من ذكر وأنثى لهو إنسان راق يعيش النقاء والطهارة والسكينة في داخله ويتصف بالوقار والسكينة والمتانة في قوله وسلوكه ومظهره، ويتعالى عن أي أمر يوحي بالسعي إلى إغراء الآخر واستدراجه، ويسعى إلى تكوين الأسرة والشريك الملائم في الحياة وفق قواعد الطهر والالتزام، ويسعى أن يقتدي في ذلك بسيرة المثل العليا للخلق كخير الخلائق محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار والزهراء (صلوات الله عليهم أجمعين)، ثمّ بمن يليهم كزينب (عليها السلام) الذين ضربوا بسلوكهم مثلاً يُقتدى به عبر الأجيال.

وقد قال سبحانه في واعيته للإنسان في ما نصح به من وجوه الحكمة ـــ بعد أن نهى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخضوع في القول والتبرج بتبرج الجاهلية الأولى وبإقامة الفرائض ـــ: [وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا]([11]).

وقال الله سبحانه: [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([12]).

 

3/ رجب/ 1443

الهوامش:


([1]) النور:30.

([2]) سورة الشورى: آية 43.

([3]) سورة النجم: آية 32.

([4]) نهج البلاغة: ص 305.

([5]) الكافي: 2/672.

([6]) نهج البلاغة: 489.

([7]) وقد نهى الله سبحانه الصحابة عن أن يسألوا نساء النبي (صلى الله عليه وآله) متاعاً إلا من وراء حجاب، وجاء عن الزهراء (عليها السلام) (خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال)، وذلك إشارة إلى تأصيل الحذر وكراهة الاختلاط ما أمكن، من غير نفي للحاجة إلى ذلك عند وجود مقتضياتها.

([8]) سورة المجادلة: آية 7.

([9]) سورة الأحزاب: آية 59.

([10]) سورة الأحزاب: آية 32.

([11]) سورة الأحزاب: آية 34 ـــ 36.

([12]) سورة النحل: آية 96 ـــ 97.

2022/02/14

ما الذي قدّمته «الفلسفة» للبشرية؟

من الصعب التحدث عن الفلسفة سلباً أو إيجاباً في إطارها العام؛ لأن ذلك يقتضي ملاحقة كل ما أنتجته المدارس الفلسفية ومن ثم دراستها لمعرفة ما فيها من فوائد ومضار، فقد أسهمت بعض الفلسفات في تطوير الفكر الإنساني وانتقلت به إلى آفاق معرفية لم تكن معهودة، وما زالت الحضارة الحديثة مدينة لبعض الفلاسفة الذين نقلوا البشرية نقلات كبيرة في الجانب المعرفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.

[اشترك]

وفي مقابل ذلك هناك فلسفات ابتعدت بالفكر الإنساني عن مساراته الطبيعية، مثل الفلسفات الإلحادية التي اختصرت الإنسان في المادة، أو الفلسفات التي نظرت للحياة والوجود نظرة ريبة وقلق فأفرغت الحياة عن كل قيمها الحيوية، فشرعت بذلك للإحباط والعزلة والانتحار.
وعليه إذا نظرنا للفلسفة بوصفها تحفيز للعقل على البحث والتفكير وإيجاد أجوبة للظواهر الوجودية والحياتية فإن التقييم سوف يكون إيجابيا بلا شك، أما إذا أردنا أن نقيم الفلسفة من حيث المنتوج المعرفي فلابد أن تكون الإجابة متباينة بحسب كل فلسفة وما قدمته من إسهامات إيجابية للحياة الإنسانية.
أما فيما يختص بفائدة الفلسفة بالنسبة للإسلام والمسلمين، فإن الحيادية تقتضي الإجابة بعيداً عن الموقف الشخصي من الفلسفة، ويصعب ذلك في ظل الانقسام الفعلي للأمة بين مؤيد ومعارض للفلسفة، فهناك تيارات في الوسط الإسلامي تجعل من الفلسفة الطريق الحصري للوقوف على حقائق الدين، وفي مقابلها تيارات تعتبرها معول هدم للإسلام، وقد قلنا في إجابة سابقة (حول علاقة الدين بالفلسفة) أن هناك تباين في الآراء حول علاقة الأديان السماوية بالفلسفات البشرية، فبين من يرى أن بينهما توافق وتطابق، وبين من يراهما خطين متوازيين لا يلتقيان أبدأ، ويبدو أن سبب الاشتباك يعود إلى أن الدين والفلسفة يبحثان عن حقيقة واحدة، فالمسائل التي يقع عليها البحث عند الطرفين تكاد تكون مشتركة، وبخاصة في ما له علاقة بالتصور المعرفي في أصل الوجود والكون وغايات الحياة ودور الإنسان فيها، فنظرياً الفلسفة والدين يخدمان مشروعاً واحداً، ومن هنا يمكن ملاحظة التطابق بينهما، أما من جهة النتائج والمقولات المعرفية فهناك نوعاً من التباين بين مقولات الدين ومقولات الفلسفة، الأمر الذي دفع الفلاسفة إلى تأويل النصوص الدينية بما يخدم المقولات الفلسفية، وفي المقابل يرى الفقهاء والمتكلمين أن تأويلات الفلاسفة ليست إلا تجنياً على الدين ومصادرة لمقولاته لصالح المقولات الفلسفية، فما يطرحه الفلاسفة في نظر هؤلاء ليس إلا فلسفة يونانية بلسان عربي ولبوس إسلامي، وظل هذا النزاع مستمراً بدون أن يحسم لصالح أي واحد من الطرفين.

وعليه تصبح الإجابة على هذا السؤال متباينة فمن يعتقد بضرورة الفلسفة بالنسبة للإسلام سوف يعمل على جمع الشواهد التي تثبت ما قدمته الفلسفة من الفوائد، في حين يقوم الطرف الاخر بجمع شواهد مخالفة تثبت مضار الفلسفة على الفكر الإسلامي.

 

2022/02/12

من يتحمل مسؤولية الفقر والبطالة.. الحكّام أم الحوزة العلمية ومراجعها؟!

ما يؤسف له أن الفقر والبطالة من الظواهر المنتشرة في العالم العربي والإسلامي، ومن الصعب وضع اليد على عامل واحد متسبب في هذه الظاهرة، فطبيعة الظواهر الاجتماعية تتشكل بسبب تضافر مجموعة من العوامل بينها حالة من التداخل، بينما نجد السائل يحاول حصرنا بين خيارين لهذه الظاهرة، وهما الحكام أو الحوزة العلمية ومراجعها، مع عدم وجود أي صلة موضوعية بين الخيارين، فما يتعين على الحاكم يختلف تماماً عما يتعين على الحوزة، وعليه ليس هناك تشابه بينهما يؤدي للغموض والحيرة حتى نشتبه في أيهما يكون السبب دون الآخر، مضافاً لعدم وجود أي مانع أن يكون هناك أكثر من سبب فليس من الصحيح أن يجعل السائل سبب الظاهرة منحصر في أحدهما دون الأخر.

[اشترك]

ومن الطبيعي عندما يبحث الإنسان عن أسباب ظاهرة عامة تشمل أكثر من مجتمع أن يبحث عن العوامل المشتركة بين جميع هذه المجتمعات، فليس من الصحيح أن تكون قضية خاصة بمجتمع دون المجتمعات الأخرى هي التي تسببت في ظاهرة عامة تشمل الجميع، ومن الواضح أن الحوزة العلمية ومراجعها أمر مختص بمجتمع دون المجتمعات الأخرى، ومع ذلك نجد السائل يدخلها ضمن الأسباب المحتملة لظاهرة البطالة والفقر المنتشرة في جميع المجتمعات الإسلامية والعربية، فعدم وجود الحوزة ومراجعها في بقية البلدان الإسلامية والعربية التي تعاني من الفقر والعطالة لخير دليل على عدم مسؤوليتها عن هذه الظاهرة، وعليه يجب البحث عن الأسباب الأخرى التي تشكل عوامل مشتركة بين كل هذه الشعوب، وبما أن الحاكم من تلك العوامل المشتركة يمكن تحميله المسؤولية بدون اهمال العوامل الأخرى، ومن هنا نجد الباحثين المهتمين بالتنمية الاقتصادية وضعوا مجموعة من عوامل المسببة ظاهرة الفقر والبطالة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فمن الأسباب السياسية: ويقصد بها جميع ما يرتبط بسياسة الدول مثل:

• انعدام أو ضعف التنمية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

• تفشي الأزمات السياسية والحروب الاهلية وغيرها من النزاعات التي ينعدم معها استقرار الدولة.

• فساد الحكام وهدر الإمكانات القومية، بسبب الحكم الشمولي وغياب المؤسسات الرقابية.

من الأسباب الاقتصادية:

• اختلال الميزان التجاري بين الصادر والمستورد

• عدم الاهتمام بالصناعات التحويلية واضافة قيمة على المواد الخام المحلية، فتصدير المواد الخام واستيرادها مصنعة بقيمة مضاعفة يكرس الفقر والعطالة في المجتمع.

• عدم دعم الدولة للمشروعات الإنتاجية مثل الزراعية والصناعية يضاعف من عدد البطالة والفقر.

من الأسباب الاجتماعية:

• انتشار الجهل والأمية

• حالة الإحباط واللا مسؤولية التي أصبحت جزء من الثقافة المجتمعية.

• الزيادة المضطردة لعدد السكان بدون أن يرافقها زيادة في مصادر الإنتاج.

2022/02/02

جسد لا يتفسّخ في القبر.. من أهل الجنة أم من أهل النار؟!

من المؤكد أن استقامة الإنسان على الصراط المستقيم عقائدياً وسلوكياً هي الطريق الوحيد لكسب رضا الله والفوز بجنته.

[اشترك]

فالإنسان مسؤول عن كل أعماله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والله وحده هو العالم بحال عباده ولا يمكن تزكية مالم يأتي نص بخصوصه، ولذا عندما نصلي على جنازة المؤمن نحتسبه مؤمناً ولا نزكي على الله أحد، فنقول في حقه: (اللهم إن هذا المسجّى قدامنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنك قبضت روحه إليك وقد احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله، اللهم احشره مع من يتولاه ويحبه وأبعده ممن يتبرأ منه ويبغضه، اللهم ألحقه بنبيك وعرّف بينه وبينه وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين، اللهم اكتبه عندك في أعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين وارحمه وإيانا برحمتك يا أرحم الراحمين)، فما نشهد به هو ظاهر عمله ولا يمكن الجزم بحقيقة أمره، وعليه لم نقف على روايات تؤكد أن بعض العلامات إذا حصلت للميت جزمنا بتزكية الله له.

وقد اشارت الروايات إلى بعض الأعمال التي إذا التزم بها الإنسان حفظ الله جسده في القبر مثل المداومة على غسل الجمعة، إلا أن ذلك قد يحصل للمؤمن الموالي لأهل البيت (عليهم السلام) وقد يحصل لغيرهم من المخالفين، وعليه فعدم تفسخ الجثمان في القبر ليس كافياً للجزم برضا الله دون النظر إلى عقيدته وتمام سيرته وعمله، فالأصل في كل ميت هو تحلل جثمانه سواء كان مؤمناً او غير ذلك، وعلى هذا لا يمكن الحكم على من تحلل جثمانه بأنه ليس مرضياً عند الله، كما لا يمكن الحكم على من لم يتحلل جثمانه بأنه من أهل الرضوان.

وهكذا الحال بالنسبة لمن يموت وهو في حال الصلاة، فلا يمكن الجزم بأن ذلك دليل على أنه من أهل الجنة، فالإنسان ليس مسؤولاً عن صلاته فحسب وإنما مسؤول عن جميع ما كلف به، ففي الرواية عن الأمام الصادق (عليه السلام) قال: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت، فان أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئا من أعماله)، ومما لا شك فيه أن هناك فضيلة لم تختم أعماله بالصلاة إلا أن ذلك يجب أن يكون مرهوناً بسلامة عقيدته وسلامة مسيرته في الحياة، فمثلاً هناك الكثير من القصص المنشورة في مواقع الانترنت لمن توفى وهو في صلاة التراويح، فهل يمكننا الحكم على صلاحهم ونحن نعلم بكونها بدعة؟ وفي مقابل هناك الكثير من العلماء والصالحين والمؤمنين الذين كانت أعمارهم كلها في عبادة الله وطاعته إلا أنهم لم يموتوا في حالة الصلاة، فهل يعد هذا دليلاً على عدم تزكية الله لهم؟

2022/02/01

فقيه ’قرآني’ وآخر ’حوزوي’.. ما مدى واقعية هذا التقسيم؟!

فقيه ’قرآني’  وآخر ’حوزوي’.. ما مدى واقعية هذا التقسيم الذي يروّج له بعض رجال الدين؟!

[اشترك]

في الغالب مثل هذه العبارات تصدر كشعارات للمزايدات السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، ولا يقصد منها تأسيس منهج معرفي يمكن تقييمه بطريقة منهجية، فهي أقرب للمصطلحات الشعبوية منها إلى المصطلحات العلمية، والادعاء بأن هناك فقهاً قرآنياً خالصاً بدون تدخل الروايات والأدلة الاجتهادية - مثل الأصول العملية والقواعد الفقهية - ادعاء لا يمكن البرهنة عليه، فالمعلوم بالضرورة كون القرآن الكريم لم يحتوي على الأحكام العبادية بشكل مفصل، ولذا لا يمكن أن يستغني الفقيه عن الروايات وبقية الأدلة الاجتهادية، وعليه من المستحيل علمياً ومنهجياً تأسيس فقه يشمل جميع الأحكام التكليفية اعتماداً على القرآن فقط، وفي مقابل ذلك لا يمكن اتهام فقهاء الحوزة بإهمال الاستفادة من القرآن في استنباط الأحكام الشرعية، لأن ذلك اتهام لا يمكن البرهنة عليه أيضاً، وإن تصورنا حدوث ذلك فإن البحث العلمي يقتضي بيان الأمثلة والنماذج التي خالف فيها فقهاء الحوزة الآيات القرآنية بدل اطلاق الشعارات ذات الطابع التعميمي.

ولا يمنع ذلك من ضرورة التذكير دائماً بضرورة تكثيف الاهتمام بالقرآن الكريم فمهما تعاظم الاهتمام به تظل الأمة مقصرة بشكل عام في حق القرآن الكريم، ومهما كانت فوائدنا من القرآن كبيرة تظل معارف القرآن لا حدود لها.

2022/01/31

لماذا يكرهون ’الأديان’؟!

الربوبي هو الوجه الآخر للملحد، فكليهما لا يؤمنان بالدين ويحملان مشروعاً مناهضاً لرسالات الله ورسله، فإشكالية الملحد ليست في وجود خالق ما لهذا الكون، وإنما مشكلته في وجود خالق له مشروع للإنسان، فالإله الذي لا تربطه أي صلة أو علاقة بالإنسان وينحصر دوره فقط في الخلق والإيجاد لا يسبب أي أزمة للإلحاد.

[اشترك]

إن الإنسان المتمرد على الأديان هو الإنسان الذي يبحث عن فعل ما يشاء كيف يشاء متى يشاء، ولذلك لا يرغب في وجود أديان لها حق الوصاية على فعله وسلوكه، وبما أن الرسل هم الذين يحملون دين الله للعباد فمن الطبيعي أن يكون الكفر بالله هو الطريق للكفر بهذه الرسالات، وعليه فإن الدافع الجوهري للإلحاد هو الكفر بالأديان ومن ثم يأتي تبرير هذا الكفر بعدم وجود إله، فمثلاً عندما تصادمت الكنيسة في أوربا مع العلماء لم يجد العلماء طريقاً للكفر بالكنيسة إلا بالكفر بإله الكنيسة، ولذا كان مشروعهم منصباً على زعزعة الثقة في الكنيسة من خلال نفي الإله بوصفه المصدر الذي تكتسب منه الكنيسة شرعيتها، ومازالت هذه السياسية هي المعتمدة فكل المشاريع الإلحادية، ولذا لا نجد للملحدين أي نشاط وسط المجتمعات غير المتدينة بدين، وبالتالي نفي وجود إله لا يشكل أي هم حقيقي للملحد وإنما نفي الأديان هو الهاجس الذي يحركهم.

وما يؤسف له أن المشروع الإلحادي مازال متأثراً بالتصادم الذي حصل بين الكنيسة وبين مشروع النهضة الأوربية، ولذا تجد حتى الملحدين العرب يقاربون الأديان بنفس العقلية الأوربية التي قاربت الدين الكنسي في تلك المرحلة التاريخية، مع أن الضرورة العلمية والمنهجية تقضي الفصل بين الدين الكنسي كنموذج للأديان وبين أصل الدين كضرورة لا يمكن التخلي عنها، وعليه فإن تأسيس رؤية سلبية تتسم بالثبات والديمومة اتجاه كل الأديان، ليس إلا موقف نفسي من الدين لا علاقة له بالمبررات العلمية والمنطقية، فاختلاف الظرف واختلاف الدين يحفز العقل الفلسفي للقيام بمقاربات جديدة، ولا يكتفي بمقاربات سابقة لها ظرفها الثقافي والنفسي الخاص، ولذلك ليس من العقل في شيء تعميم مقاربات فلاسفة عصر النهضة في ما يخص الأديان، والنظر إليها كحقيقة جازمة غير قابلة للنقاش، ومن هنا يمكننا أن نشير الى الخطأ الذي وقع فيه بعض المفكرين العرب حينما أسقطوا تلك النتائج على الدين الإسلامي، مع أن الإسلام يختلف في عقائده وتعاليمه مع ما هو موجود عند الكنيسة، وعليه فأصل الإلحاد هو ظاهرة معارضة للسطلة الدينية المتمثلة في الكنيسة إلا أنهم عملوا على تعميمها لتشمل جميع الأديان.

مع أن الربوبي والملحد يشتركان في الغاية والهدف، إلا أن الذي يؤمن بوجود إله يقصر الطريق كثيراً في النقاش، فكل من يؤمن بوجود إله خالق لا بد أن يصفه بالعلم والقدرة والحِكمة والرحمة وكل صفات الكمال والجمال، وإلا كيف يكون إلهاً جاهلاً وعاجزاً ولا يتصف بالحِكمة خالقاً لهذا الكون؟ وعليه فالله الذي دعاء له الأنبياء والرسول ينسجم تماماً مع وصف الخالق لهذا الكون، ومن هنا لا يمتلك الربوبي أي تبرير لفرض إله آخر غير ما وصفته الرسالات السماوية، أما القول بعدم وجود علاقة بينه وبين إله الأديان لا يعدو كونه افتراض ساذج ما لم يكن هناك ما يدعمه، والسبيل الوحيد للتأكد من ذلك هو مقارنة ما يتصف به الله مع ما جاءت به الرسل، فإن كانت تعاليم الرسل تتعارض مع ما يتصف به الله حينها يمكننا القول أن هذه الرسالة لا تكون معبرة عن الله، فمثلاً لو فرضنا من ادعاء الرسالة وكانت رسالته خليط من الجهل والتناقض والظلم وعدم الحِكمة حينها لا يمكن للإنسان الإيمان بهذه الرسالة لأنها بالتأكيد لا تشبه الله الذي يجب الإيمان به، ومن هنا فإن التحدي الذي وضعه الإسلام أمام الجميع وإلى يوم القيامة هو قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).

وفي المحصلة الله الذي جاء وصفه في القرآن والتعاليم التي أمر بها في كتابه الكريم لخير دليل على أنها من الله الواحد الذي خلق كل شيء.

وفي الختام نرى من المناسب للسائل أن يطلع على مقال كتبه ملحد ترك الإلحاد فأصبح ربوبي ثم ترك كل ذلك وآمن بالله الذي بشر به الإسلام، وهو الدكتور خالد سليمان في مقال له بعنوان (لمن يؤمن بوجود إله، ولكن ليس إله الأديان) ويمكن مراجعته على الرابط التالي https://www.sasapost.com/opinion/who-believes-in-the-existence-of-a-god/

2022/01/24

أيهما أفضل.. العلوم ’الدينية’ أم ’الإنسانية’؟

لماذا حصر النبي (ص) العلم بـ "آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل"؟

عديدة هي أبواب العلم والمعرفة، ولكل باب منها حاجة، فمنها ما يساعد على التفكّر في الخلق ومعرفة الخالق، ومنها ما يتزن به سلوك الإنسان وتستقيم به حياته، ومنها ما تتقدم به الحضارة البشرية ويساهم في عمارة الأرض، ومنها ما يوفّر وسائل الراحة والرفاهية وغير ذلك من العلوم.

[اشترك]

ومع أن أكثر أبواب العلوم نافعة إلا أن هناك علوم لا يستغني الإنسان عنها، وهي العلوم الدينية لكونها كاشفة عن فلسفة وجود الإنسان والحكمة من خلقه، فعن طريقها تتكامل رؤية الإنسان ويعرف من أين اتي؟ وما هو مطلوب منه؟ وإلى اين يمضي؟ فالإيمان بالغيب والشهود والعلاقة بينهما يحققان فهماً متكاملاً للحياة والغاية منها، والدين هو الطريق الوحيد الذي يحقق توازن ما بين الغيب والشهود، وما بين الروح والبدن، وما بين المعنى والمادة، ومن المؤسف أن يصرف الإنسان عمره ولا يلتفت إلى الحِكمة من وجوده والغاية من خلقه، أو يصرف عمره في طلب ما لا ثمرة فيه سوى كان لدنياه أو لأخرته، فعَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسى‏ (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا هذَا؟ فَقِيلَ: عَلامَةٌ، فَقَالَ: وَمَا الْعَلّامَةُ؟ فَقَالُوا لَهُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَوَقَائِعِهَا وَأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالأَشْعَارِ وَالْعَرَبِيَّةِ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ: ذَاكَ عِلْمٌ لا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَلا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ: إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ).

حيث نبهت الرواية إلى ضرورة الانشغال بما يفيد الإنسان وترك ما لا يفيد، ولذا استقل الرسول (ص) هذه المناسبة ليوجه مثل هذه الظواهر ويصحح البوصلة في ما يجب على الإنسان الاهتمام به، فبيّن أنّ العلم الحقيقي الذي ينبغي اكتسابه هو ما كان فقدانه ضرراً والعلم به نفعاً، وهذا ما نجده في علوم الدين بأصولها وفروعها، وقد عبّرت عنه الرواية بثلاثة أقسام، اختلف العلماء في بيان المراد منها، ولعل المناسب أنّ الآية المحكمة هي العلم بالأصول الاعتقادية، والفريضة العادلة هي العلم بالأحكام الشرعية، والسنة القائمة هي العلم بتهذيب الأخلاق، كما نسب ذلك للسيد الداماد، أمّا غير ذلك من العلوم فهو فضل أي زيادة قد تكون مفيدة وقد لا تكون كذلك، وعليه فبعد تحصيل الواجب العيني من المعارف الذي تقدم بيانه لا مانع من اكتساب غيره من العلوم خصوصاً تلك التي تفيد المجتمع وتتقدم بها الحضارة، وعليه هناك ترخيص في طلب كل العلوم ما عداء المحرمة منها وهناك وجوب في طلب ما لا يقم الدين إلا به، وأهمية العلوم الدينية تكمن في كونها طريق إلى الجنة فعَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً، سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلى‏ سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ إِنَ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَلكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ).

والجنة هي ما وعد الله بها أهل طاعته، والطاعة لا تتحصل بدون علم بما أراده الله وأمر به، وعليه فإن المراد بطالب العلم الذي تظلله الملائكة ويستغفر له من في السماء هو طالب العلوم الدينية.

2022/01/18

هوس الشراء: كيف تروّج العولمة لـ ’ثقافة الاستهلاك’؟

علي لفتة العيساوي

يعرّف البعض العولمة باختصار هي نشر ثقافة الاستهلاك، أو هي ظاهرة اقتصادية الهدف منها السيطرة على العالم من خلال عالمية الإنتاج، فيكون العالم وفق مفهوم العولمة ينقسم الى قسمين دول منتجة اقتصاديا وثقافياً وإعلامياً وفكرياً ودول -وهي الأكثر- تكون مستهلكة غير قادرة بالنهوض باقتصادها لعدم امتلاكها رؤوس الأموال الكبيرة، وغير متطورة تكنولوجياً وإعلامياً مما يجعلها تبقى عيالاً على الدول الكبرى أو ما يسمى بالتحكم الناعم في قبال التحكم العسكري.

[اشترك]

ومن الواضح الى أي مجموعة تنتمي للدول الإسلامية، فهي بالطبع تعيش ضمن الدول المستهلكة التي طالما تشكو من عدم قدرتها بالمحافظة على هوية مجتمعاتها الثقافية بفعل تأثير العولمة، فالنزعة الاستهلاكية أصبحت جزء من ثقافة الواقع بعد أن ترسخت فيها ثقافة المتعة واللذة وهي أبرز ملامح الحضارة المعاصرة التي تؤثر في الانسان.

إذ يقوم المجتمع الاستهلاكي على مبدأ ما يملكه الإنسان، وهو ما يحدد قيمته وذاته، فكلما ازدادت نسبة ملكيته يشعر أنه ارتفعت قيمته ومكانته الاجتماعية.

ولا يكف المنتجون والمصنعون عن تطوير منتجاتهم بإضافة بعض التعديلات عليها، وتدور حلقة جديدة من الماكينات الداعية للمنتج المطور والجديد، ولا تكف أيضا المجتمعات الاستهلاكية عن مواكبة التحديث وشراء السلع المطورة علماً بأن المنتج نفسه في صورته القديمة لا يزال يعمل بكفاءة عالية.

فما إن يظهر موديل لأحد ماركات السيارات حتى يسارع البعض إلى شرائه رغم أنه يركب سيارة موديل العام الفائت، وما أن يشتري هاتف خلوي من أحدث الموديلات حتى يظهر تحديث له في موديل جديد فتراه يسارع أيضاً بشرائه؛ بفعل تفنن أساليب الدعاية بمميزاته وخصائصه، وهوما يسري على كافة السلع والخدمات التي لا نكف عن شرائها وربما في أكثر الأوقات ولا نحتاج إليها فعلياً سوى اللهث وراء كل جديد والتباهي في المجتمع بين الاقران.

تقول الباحثة سارة السهيل: لا غرابة أمام عبقرية الرأسمالية المتوحشة أن تستثمر كل مناسبة في حياة الإنسان لتحولها الى سلعة وتجارة موظِّفة قدراتها على الضغط بالميديا والإعلان الجذاب، مثل الأعياد الدينية وأعياد الميلاد وطقوس الزواج والإنجاب ومواسم الربيع، واستحدثت المهرجانات للاحتفال بالطبيعة واستحدثت كمواسم دخول المدراس والإجازات الصيفية وغيرها لشراء المزيد من السلع والحصول على كل خدمات الترفيه والتسلية.

من جانبه الباحث العراقي محمد حياوي يرى أن: الفجوة أو الفارق الاقتصادي المهول بين الدول الغربية المتطورة صناعياً ودول العالم الثالث قد وسّع الفجوة الكبيرة في مستوى الحياة وأنماطها، وفي الوقت الذي بات فيه الناس في الدول الصناعية أسرى لرأس المال تكبلهم الديون والبطاقات الائتمانية، ما زال نظراؤهم في دول العالم الثالث في منأى نسبي عن هذه الهيمنة.

لكن مجتمعات العالم الثالث تحولت بفضل هذا الفارق الكبير إلى أسواق مفتوحة ومستسلمة لطوفان البضائع والسلع الواردة من العالم الصناعي، الأمر الذي نتجت عنه سلوكيات جديدة، حدّت من تطور الصناعات وعطلت حركة الإنتاج في تلك البلدان بسبب انعدام القدرة على المنافسة، ومع ذلك ظلت العادات الخاطئة والتقاليد البالية تلعب دوراً كبيراً في النزعة الاستهلاكية لمواطني تلك البلدان، على الرغم من عدم تطور تجارة الإنترنت ونظم الدفع الآلي فيها، فتحول الاستلاب الذي يعاني منه الأفراد في المجتمعات الغربية إلى حالة من التفاخر اللاواعي في بلداننا.

وإن المفهوم الثقافي للعولمة ارتبط بفكرة التنميط التثقيف لإعادة بناء الانساق الثقافية (على حد تعبير) لجنة اليونسكو لإعداد مؤتمر السياسات الثقافية من أجل التنمية (الذي عقد في مدينة استكهولم عام 1998، فقد رأت اللجنة أن التنميط الثقافي يتم من خلال استغلال الامكانات التي توفرها ثورة المعلومات وشبكة الاتصالات العالمية وهيكلها الاقتصادي والانتاجي المتمثل في نقل المعلومات والسلع وتحريك الأموال).

تروج العولمة للعديد من الظواهر الثقافية والاجتماعية السلبية والمنحرفة التي تعاني منها البيئة الثقافية، من هذه الظواهر المرضية انتشار ثقافة الاستهلاك، فمن خلال الاستهلاك والشره الغريزي الذي يشارك فيه الانسان، يصبح تمجيد ما هو أجنبي والميل الى استهلاكه أحد رموز المكانة الاجتماعية، ونتيجة ذلك تضيع أو تتلاشى المشاعر المرتبطة بالهوية الوطنية ويندفع البشر رغماً عنهم الى الارتباط بما هو أجنبي وخارجي، على حساب ما هو قومي ومحلي.

ومن الواضح جداً أن مفهوم عولمة الثقافة أصبح واسع الانتشار بما يحمله من مخاوف كبيرة لبعض البلدان، فالتنميط الثقافي هو واجهة للبناء الاقتصادي للعولمة، وهذا يعني أن يكون بناء ثقافة المجتمع وفق التطور الاقتصادي والمعلوماتي؛ ولذلك كان البعد الثقافي للعولمة بعداً اقتصادياً، بعد أن حولت العولمة الإعلام من بعده التوجيهي والتوعوي الى إعلام سلعي، وثقافة العولمة تعد الحرب العالمية الثالثة بين الدول المتطورة اقتصادياً وبين الدول الأقل نمواً.

ومن المعلوم أن ثقافة الاستهلاك قد حولت الحاجات الكمالية غير المهمة في حياتنا الى ضروريات، كي يشعر الفرد بالسعادة من امتلاكه حاجات كمالية، وهذا الأمر يتطلب جهداً أكبر وساعات عمل أكثر من رب الاسرة، وهذا كله على حساب الصحة ووقت الأسرة والتواصل مع الاقارب والأرحام والمطالعة وغيرها من الحاجات الضرورية للفرد، فأصبحت هذه النزعة ظاهرة عامة لافتة للنظر بين أبناء المجتمع بعد أن كانت ثقافة الادخار بين الأسر من قبيل المثل في تلك الايام: احفظ القرش الأبيض ينفعك باليوم الأسود.

المصدر: كتاب الفيسبوك الوطن البديل للشباب

2022/01/13

هل يُحاسب ’الفقيه’ كما يُحاسب ’الحاكم السياسي’؟

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

 

بالضرورة هناك تباين في طبيعة العلاقة التي تربط بين عامة الناس بالنظام السياسي الحاكم وبين طبيعة العلاقة التي تربطهم بمراجع التقليد والفقهاء.

[اشترك]

فالحاكم السياسي هو المسؤول المباشر عن تنفيذ وإدارة المجتمعات، أي أنه يمارس سلطة ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي وأمني، الأمر الذي يجعل النشاط الإنساني متأثراً بشكل كبير بطبيعة السلطة السياسية التي تحكمه، ومن هنا نلاحظ اختلاف نمط الحياة من شعب إلى شعب بسبب اختلاف النظم السياسية التي تحكمه، ولا يقف التأثير عند النمط العام للحياة وإنما يمتد حتى في صياغة شخصية الأفراد والمجتمعات، فمثلاً المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة شمولية وقمعية تختلف في مستواها النفسي والتربوي والعلمي والحضاري عن المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة ديمقراطية تتمتع بالحريات، ومبدأ المحاسبة الشعبية الذي أشار له السائل يمكن تصوره في ظل أنظمة تتمتع بديمقراطية حقيقية، وذلك لكون السلطة اكتسبت شرعيتها من الأساس من عامة الناس، أما الأنظمة الديكتاتورية فإنها تكرث حكم الفرد الذي يصادر حق الاخرين في الاعتراض أو ابداء الرائي.

أما طبيعة العلاقة بين عامة الناس وبين المراجع والفقهاء فهي علاقة دينية، لكونها قائمة على نفس الأساس الذي يربط بين المكلف وبين التكاليف الشرعية التي أوجبها الدين، ولذلك تختص هذه العلاقة برابط روحي وخلاقي قائم على الود والمحبة، بعكس العلاقة مع السلطة السياسية التي لا تتعدى حدود الالتزامات القانونية، وعليه فإن سؤال السائل غير متصور إلا في إطار نظرية ولاية الفقيه، ومن المؤكد أن دور الفقيه ضمن نظرية الولاية هو المحافظة على القيم الدينية والمبادي الدستورية للدولة الإسلامية، وطبيعة العلاقة بينه وبين عامة المؤمنين هي الرقابة المشتركة لهذه القيم والمبادي، فإن حاد عنها عامة الناس جاز للفقيه تذكيرهم بها وارجاعهم إليها، حتى لو اقتضى الأمر اجبارهم بالسلطة القانونية، أما إذا حاد هو عنها جاز للأمة تذكيره عبر مجالسها المختصة، فإن رفض أو حاد عنها بشكل لا يمكن تقويمه حينها وجب عزله واستبداله بغيره.

2022/01/12

تجارة الوهم: هل يتدّخل ’الجن’ و ’السحر’ في أرزاقنا؟!

كلّما اخترع الغرب شيئا جديدا أو قدّموا للبشريّة أمرا نافعا أعيد طرح هذا السؤال بين المسلمين وهو: لماذا تجاوزنا الغرب وتقدّموا سريعا وتردّى حال المسلمين وانحطّوا حتّى أصبحوا مضرب المثل في التخلّف عن ركب الحضارة البشريّة!

[اشترك]

هذا الموضوع شغل كثيرا من المفكّرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فكتبت فيه كتب كثيرة وقدّمت عدّت نظريّات لتقديم تفسير واضح لهذا الانحطاط الذي يعيشه المسلمون بحيث أنّنا نجد أنفسنا أمام عدّة أسباب حرّرتها هذه الأقلام تكشف حقيقة الحال وسبب تردّي الأوضاع.

من الأسباب المهمّة لهذه الحالة والتي لابدّ أن نعالجها بنفس جدّية الأسباب الأخرى "تجارة الوهم"

عندما يريد الإنسان أن يدبّر أمور حياته اليوميّة فإنّ العقل يحكم بأنّه ينظر إلى أمرين:

الأمر الأوّل: الأسباب الطبيعيّة الخارجيّة

الأمر الثاني: الأسباب الغيبيّة المتمثّلة في التوفيق الإلهي

المشكلة تبدأ عندما ندخل في حياتنا أمورا أخرى نعتقد أنّها تؤثّر تأثيرا مباشرا في حياتنا ونعطيها حيّزا من الاهتمام عند تدبير الأمور بل قد تعطى الجانب الأكبر من الاهتمام بحيث قد يغفل الإنسان عن الأمور المؤثرة فعلا ويهتمّ بهذه الأمور!

فمن هذه الأمور:

- قضيّة السحر وتأثير عالم الجنّ

- قضيّة العين والحسد

- وقضيّة الأحلام والمنامات

 وغيرها من الأمور التي ينظر لها على أنّها عوامل مؤثّرة في الواقع تأثيرا كاملا بحيث أصبحنا نعلّق عليها كلّ فشل وسقوط في حياتنا، فالإنسان عندما يتعثّر له موضوع في حياته إمّا اجتماعي كقضايا الأسرة أو اقتصادي كقضايا المال والأعمال فإنّ العقل والمنطق يقول بأنّه يبحث بكلّ تجرّد أو موضوعيّة في الأسباب التي أوصلته لهذا الفشل لكي يتجاوزها في المستقبل للوصول للنجاح.

لكن عندما يكون الإنسان معتقدا بالأمور التي ذكرناها فإنّها ستعميه عن التقييم الحقيقي لتجربته الفاشلة فيقوم بتعليق الفشل على السحر أو العين، أو قد يجتنب الدخول في تجربة جديدة لرؤية رآها في منامه فتصبح كلّ حياة الإنسان رهينة هذا الوهم الذي يعيشه!

والمشكلة الأعظم عندما تكون هناك فئة تعمّق هذه الأمور في المتخيّل الشعبي بتأكيدها والإصرار عليها بل باستغلال هذا الوهم الزائف في تحقيق أرباح ماديّة ضخمة، ولذلك اليوم نجد متصدّين لهذا الشأن بل نجد فضائيّات خاصّة بهذه الأمور، والأعجب من هذا أنّ لها جمهور ومتابعين يقضون الأوقات الطويلة في متابعتها بل والمشاركة في تمويلها ودعمها!

لو رجعنا إلى العرب قبل الإسلام لوجدنا أنّ لهم عادات شبيهة بهذا، فقد كانوا يستقسمون بالأزلام ويذبحون على النصب ولا يحدثون أيّ أمر إلّا بعد النظر في النجوم، وجاء الإسلام ليحارب كلّ هذه الظواهر وليعلّم الناس كيفيّة التوكّل على الله وتدبير الأمور وأنّ النجاح ليس وليد هذه الأمور بل وليد العمل الدؤوب المستمرّ كما كانت سيرة النبي وآله الأطهار عليهم السلام.

والحلّ للخروج من هذا الأمر هو القيام بحملة توعية للمجتمع للتخلّص من براثن هذا الوهم الزائف ومن كلّ من يروّجه في المجتمع، وفي المقابل تعليم الناس سنن الحياة وسنن التغيير لكي نشكّل واقعا مختلفا.

2022/01/08

ستيفن هوكينغ: الكون يخلق نفسه! ما رأيكم بـ ’نظريات عاجزة مثقلة بالخيال’!

كتب د. عبد الله زيعور

وفق آخر مُعطيات الفيزياء الحديثة، شكّلت حقيقة الانفجار العظيم أو «البيغ بانغ» إجماعاً تسالم أهل الفيزياء والفلك على حقيقة حصوله، وأنَّ للكونِ بداية وهذه البداية تعقبها نهاية، وأنّ القراءة في نتيجة الانفجار العظيم تُطيح بمقولة أزليّة المادّة، وأزليّة الكون، وتنسف أركان الفلسفات التي كانت قائمة على المادّة كأصل، وفي عام 2014م جاء رصد الموجات المتبقية من الانفجار العظيم، ليضع أهل الفيزياء أمام مشهد في منتهى الوضوح: لا سبيل لتجاوز حقيقة البداية للكون أوّلاً.

[اشترك]

وثانياً، لا سبيل لأهل الخبرة من تجاوز معادلة: يقينٌ علميّ بالبداية والخلق وفق «البيغ بانغ»، مقابل نظريّة هوكينغ «الأكــــوان المـــــتعدّدة»، المثقلة بالاحتمال والخيال والافتراض، والتي يقول عنها هوكينغ كلاماً تتنصَّل منه الفيزياء وكلّ المنهجيّة العلميّة مثل: «إنَّ قوى الجاذبيّة هي التي تخلق الكون» أو قوله: «ما دام يُوجد قانون كالجاذبيّة، فالكون يخلق نفسه من لا شيء»، والخلق التلقائيّ هو سبب وجود شيء بدلاً من لا شيء.. وعليه ليس لازماً أن نُقحم إلهاً للكون، ولكن عندما يقول: «كلامي مجرّد فرض لا يمكن اختباره» فهذا يؤكّد اعترافه بعجز نظريّته عن أن تقدّم شرحاً علميّاً لخلق الكون.

والواقع أنّ نظريّة الأكوان المتعدّدة، تُعاني نقطة ضعف قاتلة، وهي افتقارُها إلى التجربة، واستحالة خضوعها لأجهزة القياس، عندما تشرح أموراً عن أكوان مُتعدّدة لا نراها، بل ليس بمقدور أجهزة القياس الأعظم في العالم وفي تاريخ الفيزياء أن تؤكّدها. وإنّما تُقدّم قراءة ذاتيّة شخصيّة في معادلات تحمل عدداً يُغيّر حلًّا خياليّاً من الحلول: 10500 حلًّا، والزعم أنّ كلّ حلّ من هذه الحلول يُعادل كوناً يختصّ به!

لقد كان الادّعاء بنتائج الأكوان المتعدّدة وتحديداً الفلسفيّة منها، والتي تُعبّر عن وجهة نظر خاصّة يجري تسويقها على أساس أنّها الحقيقة العلميّة الوحيدة افتراءً على العلم التجريبيّ، وهو ليس العلم الذي نعرف، وحسبهم أنّ مقاييس الحصول على جائزة نوبل لا تنطبق عليهم، لأنّ ما قُدِّم يُعتبر نظريّة لا سبيل لتأكيدها.

وبالعودة إلى كتاب هوكينغ «التصميم العظيم»، فإنّنا نتلمّس فيه حشواً مقصوداً بكلام عن تاريخ مُستغرب للعلم، ونظريّات فلسفيّة تبحث عن أسواق لتصريفها، وإكثار مُستهجن للرسومات الكرتونيّة، التي ملأت الكتاب الذي يخلو من أيّ مرجع علميّ، أو أيّ معادلة رياضيّة، كما أنّ الزجّ بأساطير مُضحكة للأديان الوثنيّة في أدغال أفريقيا وصحاري أستراليا، مروراً بديانات الهنود الحمر، وأساطير أخرى قديمة، وانتهاءً بقصّة الخلق في الكتاب المقدّس، وقصّة صِدام العلم مع الإنجيل، حيث يُمعن في السخريّة منها، تورية وتصريحاً، ليصل إلى نتيجة: إنَّ الدّين لا أمل منه ولا فائدة منه، وفي ذلك تناسٍ مُتعمّد لموقع العلم في الإسلام، والحثّ على طلبه ووُجوب المُضي في تحصيل أسبابه، وفي ذلك أيضاً سقطة، نزعت عن كتابه الموضوعيّة والدقّة، وشروط الحد الأدنى للبحث العلميّ، شأنه شأن الغرب كلّه، في الافتراء على الإسلام والتحامل عليه، وتغييب رُؤاه الفلسفيّة، التي تُعلي من شأن الإنسان ولأجل الإنسان، والتي تصلح أن تكون نموذجاً يقدَّم للإنسانيّة الحائرة اليوم.

لقد كان هوكينغ واثقاً بقوله: إنّ كلّ ما هو موجود نُفسّره بما يُسمّى: قوانين الطبيعة التي تحوي كلّ القوى وكلّ المبادئ التي تقود العالم المادّيّ. لكن وفي وقفة مُتأنيّة أمام هذه المقولة، نقول؟ ما دامت قوانين الطبيعة هي سبب الوجود، ينبغي إذاً أن تكون موجودة قبل نُشوء الأكوان، وحيث إنّ الفضاء والزمان هما من أبعاد الكون الموجود، فالقوانين الطبيعيّة يجب أن تتموضع خارج الفضاء والزمان وهما من أبعاد الكون الموجود، إنّ قوانين الطبيعة، كمصادر لا نهائيّة للزمن المحدود وللفضاء المحدود، يجب أن تكون أزليّة: نحن إذاً أمام طاقة لا نهائيّة، مجرّدة، غير فيزيائيّة، خارج حُدود الزمان والمكان، وبالكامل أوجدت الكون، وستيفن هوكينغ يُفضّل أن يُعبّر عن الخالق غير المتناهي بقوانين الطبيعة، ولكنّ هذا لا يمنع غالبية الناس من أن يُسمّيها الله تعالى!

نحن هنا لسنا في موقع النيل من العلم ومسار العلم، لأنّنا من دُعاة ترك المسار العلميّ ينطلق ودون أيّ عقبات أو تدخّلات شخصانيّة أو تسويق لدعايات فلسفيّة، ونحن بالأصل من ضحايا هذا الخلط بين الرأي العلميّ والرأي الشخصيّ، لا بل إنّ مشكلتنا مع هوكينغ هي في تجاوزه الحقائق العلميّة وإصداره لآراء شخصيّة بحتة لا شأن للعلم بها، والزعم أنّها من العلم، وقد ذهب بعيداً بقوله: إنّ من يُعارضه فإنّما هو عدوّ للعلم، وفي الموقع نفسه؟ مع القبائل البَدائيّة في أدغال أفريقيا. وهذه دكتاتوريّة فكريّة وقمعٌ للرأي الآخر.

الصدفة وتفسير حركة الكون

في المقابل، فإنّ علماء الفيزياء والفلك، وفي أكثر مدارس الفيزياء الحديثة، باتوا مُقتنعين بأنَّ الكون يعمل بهدي وإيقاع مُنتظم، تُشرف عليه قوّة راشدة وعاقلة، وكأنّ ثمّة دافقاً؟ سرّيّاً يقود حركة المادّة الصمّاء نحو الأرقى، ونحو النظام والتناظر والوعي الدقيق لحركة الوجود.

 وفي الجانب الآخر أكدّت قوانين الرياضيّات وتحديداً قوانين الاحتمالات فيها، استحالة الصُّدفة وعجزها كسبيل لتفسير حركة الكون الرائعة في الإبداع والنظام الدقيق في العوالم المتناهية في الصغر وفي الكبر، فيما يقود الغوص في أعماق المادّة إلى اللا مادّة، وإلى المفهوم والوعي المجرّد الذي يُفيد أنّ المادّة ليست الحقيقة المطلقة، وأنّ العقل هو الأساس والمنطق. ولن نترك المسألة تنتهي عند أقوال جهابذة الفيزياء الثوريّة الحديثة، بل سنعود إلى كلام رائع ذكره أحد عمالقة الفيزياء وهو «إسحق نيوتن» الذي يذهب في قراءة الطبيعة من وجهة العلّة الأولى، ليصل إلى فكرة القوّة الإلهيّة الضابطة للحركة في الوجود، حيث يقول في إحدى رسائله العلميّة عام 1692: «إنَّ حركات الكواكب الراهنة لا يُمكن أن تكون قد انبثقت من أيّ علّة طبيعيّة فحسب، بل كانت مفروضة بقُوّة عاقلة».

إنّ القوانين الكامنة في الذرّة، هي عينُها الحاكمة بين المجرّات الهائلة في الكون، فوحدة القوانين إشارة تغدو معها الصُّدفة خيالاً، وإنّ الفيزياء الحديثة تجد الله تعالى من جديد عبر معانٍ مُتعدّدة منها ما قبل الانفجار العظيم وما بعده، على نحو لا تُسمّيه الفيزياء بأفضل من كلمة «خلق».

2022/01/05

حركات بـ ’خطاب تعبوي’ معارض: هل للإسلام مشروع سياسي؟!

إذا انطلقنا من الواقع وقمنا بتحليل عام للمشهد السياسي في البلدان الإسلامية، لوجدنا أن الإسلام مستبعد بالفعل عن المشهد السياسي فيما يتعلق بأنظمة الإدارة والحكم، وما هو موجود من حضور إسلامي لا يتعدى الهوية المجتمعية، وهو الوصف الذي يقر بالإسلام كإطار عام للانتماء، وكل ما يحتاج اليه تشكيل هذا الإطار هو التأكيد على المبادئ العامة المتمثلة: في الإقرار بالعقائد الإسلامية، والالتزام بالأحكام الشرعية عبادات وبعض المعاملات.

[اشترك]

أما المحتوى الذي يمثل العمق الفلسفي لهذه العقائد، ومدى انعكاسها على الواقع الثقافي والسياسي للأمة، فإنَّه الجانب المهمل أو المغيب أو المشوه أحياناً، وكذلك الحالة بالنسبة للأحكام الشرعية؛ التي تحولت الى مجرد طقوس لا تتفاعل مع أهدافها الأساسية وقيمها التشريعية، ومن هنا افتقدت الأمة الإسلامية- في الحالة العامة- كل تصور يمكنه التفاعل مع تطلعات الناس وحاجاته الحياتية، وبكلمة مختصرة: إنَّ المشهد المهيمن على الواقع الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، لا يرتقي إنَّ يكون تعبيراً صادقاً عن نظام الإسلام في الحكم والإدارة.

فمنذ انَّهيار الصورة الكلاسيكية للإسلام السياسي، أو ما يسمى بالخلافة الإسلامية، وبخاصة بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية (1924م) تشكلت كل دويلات العالم الإسلامي على أساس نظم سياسية لا توصف بكونها إسلامية، حيث أصبحت النظم السياسية السائدة هي العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة أو نسبتها فقط للعوامل والأبعاد الخارجية، بعيداً عن حقيقة الوعي الذي تختزنه عقلية الأمة حول الإسلام، فلو كان الإسلام في عمق وعي الأمة يمثل خياراً للعمل السياسي، ومشروعاً للحكم، وبرنامجاً حضارياً متكاملاً، حينها يصح لنا القول: إنَّ الأمة أصبحت تعيش حالة من الردة الحقيقية عن الإسلام؛ لإنها تمسكت بخيارات سياسية بعيدة عن الإسلام.

فلم نجد في نفسية الأمة أي حالة من التناقض بين طبيعتها الإسلامية، وبين تبنيها لتصورات سياسية يسارية أو يمينية، فكل الأفكار السياسية والإنسانية وجدت طريقها إلى العالم الإسلامي، ومع ذلك لم تشعر الأمة بأي تناقض بين تمسكها بالإسلام، وبين هذه التيارات الدخيلة والمستحدثة، بل حتى الأحزاب السياسية ذات الخلفيات الإلحادية وجدت لها طريق وسط الأمة وتفاعلت معها الأجيال المسلمة، كالحزب الشيوعي الذي أصبح خياراً سياسياً وازن في كل الأقطار الإسلامية على الأقل في بعض المحطات السياسية من تاريخ العالم الإسلامي، الأمر الذي يؤكد حالة الانفصام بين الهوية الإسلامية الأصيلة وبين خيارات الأمة السياسية.

ولا أظن إنَّنا نجانب الحقيقة إذا أشرنا لوجود خلل في طبيعة الوعي الذي تختزنه الأمة للإسلام، فحصر الاهتمام بالإسلام ضمن حدود الهوية والإطار فقط، دون الاهتمام الواضح بمحتوى الإسلام الثقافي والحضاري والسياسي يؤكد هذا الخلل، مما يجعل من الضروري إيجاد معالجات معرفية حقيقية تستوعب الإسلام كنص مازال متفاعلاً مع حاجات الإنسان وطموحاته في كل الأوقات، وإذا تحقق هذا الوعي يكون حينها من الطبيعي السؤال عن نظام حكم إسلامي لواقعنا المعاصر، أما بدونه لا يمكن تصور نظام سياسي أو اقتصادي في ظل هذا الفهم المهيمن على الخطاب الإسلامي.

وعليه يمكننا القول إن المشروع السياسي للإسلام مازال غامضاً وغير واضح المعالم، وقد انعكس ذلك في التباينات بين الحركات الإسلامية التي اهتمت بهذا المشروع، كما انعكس في فشل هذه الحركات بإقناع الأمة بالخيار السياسي للإسلام، فنحن أمام وعي سياسي يمثل الأغلبية والطابع العام للعالم الإسلامي، حيث استطاع هذا الوعي أن يستوعب كل الخيارات السياسية، وفي المقابل لم يتمكن من تحقيق التفاعل المطلوب مع الخيار الإسلامي، الأمر الذي يدعونا أما في التشكيك في وعي الأمة بالإسلام، وإما في التشكيك في الخطاب السياسي الذي تقدمه هذه الحركات الإسلامية، ويبدو أن كل الأمرين في حاجة إلى مراجعات نقدية، فوعي الإمة بالإسلام وعي قشري

لا يمكن الوثوق فيه والاعتماد عليه، كما أن خطاب الحركات الإسلامي في معظمه خطاب تعبوي، أهتم بالمعارضة من دون الاهتمام بالجانب العملاني الذي يضع تصورات عملية لإدارة شؤن الدولة وفقاً للسياسية الإسلامية، وما تنادي به الحركات الإسلامية لا يتجاوز حدود الشعار ومجرد الدعوة إلى حكم الله، فالحركات الأكثر واقعية لم تتميز في الشكل السياسي عن الأحزاب الأخرى إلاّ في إطار تبنيها لشعار الإسلام، أما فيما يخص نظام الحكم والهيكلية الإدارية وكيفية الوصول الى السلطة وشرعية الحاكم فهي تمارس السياسة كما يمارسها الآخرون.

ومن الصعب في هذا المقام مناقشة كل هذه القضايا والتفصيل فيها، ولذا سوف نختصر الإجابة في وضع تصورعام للنظام السياسي في الإسلام.

من المؤكد إن الإسلام في حقيقته نظام معرفي وقيمي وتشريعي، الأمر الذي يجعل وظيفة المكلف هو العمل على أنزال هذه المعارف والقيم والتشريعات على واقعه الحياتي، بمعنى أن السلوك الإنساني على مستوى الفرد أو الجماعة محكوم بنظام من المعارف والقيم والتشريعات، وبما أن تفاعل الإنسان مع الواقع الحياتي رهين بالمتغيرات الزمانية والظرفية، حينها تتعاظم وظيفة العقلاء في اختيار كل الوسائل والخيارات التي تمكنهم من تجسيد تلك المبادي الإسلامية، ومن هنا لا يتدخل الإسلام في الأمور الإجرائية وإنما يكتفي بالتدخل في ضبط القيم والمبادي العامة، فمثلاً الإسلام جعل العدالة قيمة محورية إلا أنه لم يتدخل في بيان الوسائل التي تحقق العدالة في كل مسألة من المسائل الحياتية، وإنما جعل تحديد ذلك للإنسان بوصفه كائن عاقل قادر على التمييز بين الخيارات، ولو أردنا أن نطبق مثال العدالة على النظام السياسي، لا يمكن أن نتصور تدخل الإسلام في بيان شكل الحكم الذي يحقق العدالة للجميع، فلا يتحدث عن الانتخابات أو عن توزيع الدوائر الانتخابية، كما لا يقرر بأن الحكم الفدرالي أو الكونفدرالي أكثر عدالة من الحكم المركزي، وإنما تحديد ذلك موكول للإنسان، ومن ذلك نفهم أن الإسلام لا يقدم تصورات إجرائية للعمل السياسي وإنما يقدم منظومة من القيم يجب مراعاتها في كل الخيارات السياسية، وعليه يمكننا القول إن السياسية بمعنى تحديد شكل الحكم وكيفيته والهيكلية الإدارية وغيرها من الأمور لا وجود لها في الإسلام، أما السياسية بمعنى وضع المبادي والقيم الدستورية والحقوقية فهي من صميم الإسلام ومن أهم أولوياته.

وإذا اعتمدنا هذه الوصف يمكننا أن نُعرف الدولة الإسلامية بكونها الدولة التي تعتمد على قيم الإسلام ومبادئه كأصول دستورية لكل تشريعاتها وقوانينها، وتبقى هناك معضلة الحدود التي شرعها الإسلام من قطع يد السارق وجلد الزاني ورجمه إذا كان محصناً وغيرها، هل تمثل الحد الفاصل بين النظام الإسلامي وغير الإسلامي؟

في تفكير أهل السنة لا يمكن فهم الدولة الإسلامية إلاّ بإقامة الحدود، بوصفها حدود الله التي لا يجوز تخطيها، فمن أراد أن يقيم شرع الله يتعين عليه تنفيزها، وهذا ما يفسر لنا حرص الجماعات الإسلامية على إقامة هذه الحدود في المناطق التي تسيطر عليها، وهناك عشرات مقاطع اليوتيوب التي تكشف عن هوس الإسلاميين في إقامة الحدود بالشكل الذي تنفر منه طباع البشر جميعاً، وكذلك كان الحال مع دولة طالبان، والعجيب إنَّ بعض الدول في المنطقة تصنف كدول إسلامية وهي لا تقيم من الإسلام إلاّ الحدود، الأمر الذي يؤكد محورية هذه الحدود وأهميتها لإقامة نظاماً إسلامياً وفقاً للتفكير السني، والحكومة الإسلامية ضمن هذا التصور تتعارض مع  المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، الأمر الذي يجعل المشروع الإسلامي بين خيارين إما الاعتراف بهذه المواثيق ومن ثم التخلي عن هذه الحدود، وإما الكفر بهذه المواثيق ومن ثم إقامة دولة معزولة عن المحيط الدولي كما هو الحال مع الدولة التي أرادت داعش أن تقيمها، وكلا الخيارين يشكك في مقدرة الفكر السني في إقامة دولة إسلامية.

أما الحدود في الفكر الشيعي فهي لا تشكل عقدة أمام إقامة دولة إسلامية، وذلك لأنّ الدولة الإسلامية في المفهوم الشيعي تتصور في بعدين الأول: هي الدولة الإلهية التي يشرف على إقامتها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) مباشرة أو الإمام المعصوم المنتخب والمعين من قبل الله، وهذه الدولة تمثل إرادة الله بلا خلاف طالما ثبت استخلاف الله للنبي وأهل بيته، ومن هنا لا يمكن أن يفكر الإنسان الشيعي أن ينوب عن الإمام لإقامة خلافة الله في الأرض طالما الإمام موجود، وينحصر تكليفه حين إذن بأتباعه والانصياع لأوامره، وإقامة الحدود هو من اختصاص هذه الدولة، فلا يحق لأي إنسان لم يفوضه الله تعالى أن يقطع يد السارق او يرجم الزاني أو غيره من الحدود، حيث لا يقيم الحد إلاّ الإمام المعصوم فمن له حق تطهير المجتمع لابد اتصافه هو أولاً بالطهارة وهذا ما ثبت لأهل البيت) عليهم السلام)، في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

أما التصور الآخر للدولة وهي في فترة غيبة الإمام (عجل الله فرجه) بمعنى إقامة نظام سياسي يحافظ على المجتمع الإسلامي، فإن هذا النظام مهما بلغ من الطهر والعدالة لا يمكن أن يدعي فيه إنسان إنَّه ممثل عن الله أو كاشف عن إرادة الله سبحانه وتعالى، وإنما حال هذا النظام كحال الفرد المسلم، فكما إنَّ الفرد المسلم مكلف بتطبيق الإسلام على سلوكه الشخصي وفي الوقت نفسه لا يدعي الكمال والعصمة ولا يمكنه الجزم برضى الله تعالى عنه، كذلك الحال في شأن المجتمع المسلم فهو مكلف أن ينتظم في إطار اجتماعي يجسد قيم الإسلام وتشريعاته من غير أن يدعي الكمال أو يعتقد بإنَّه شعب الله المختار، وكما يجوز وصف الفرد المسلم المطبق لشرائع الإسلام بكونه مسلم كذلك يجوز وصف النظام الاجتماعي المنضبط بقيم الإسلام وتشريعاته بأنَّه نظام إسلامي، والنظام السياسي الذي يقيمه المجتمع المسلم ليس مؤهل لإقامة الحدود، فالإسلام لا يجيز قطع يد السارق إلاّ في حالة إنَّه وفر له كل ظروف الحياة الكريمة ووفر له كل فرص العيش الهني وهذه المرتبة لا يمكن أن يدعيها أي نظام، وكذلك لا يرجم الزاني او يجلده إلاّ إذا أقام له مجتمعاً طاهراً عفيفاً ووفر له كل فرص الزواج حيث لا يكون له أي مبرر للزنى، وهذا لا يعني التنكر على هذه الحدود أو الكفر بها وإنَّما يعني الاعتراف بها كتشريع لم تتوفر له شروطه الموضوعية لتطبيقه.

وبهذا التفصيل بين الدولة الإلهية التي يقيمها الله تحت اشراف أنبيائه ورسله والأئمة الذين اختارهم لذلك وبين الدولة التي يقيمها المسلمون نظماً لأمرهم والتزاماً بدينهم، نكون قد تجاوزنا كثيراً من العُقد التي تواجه المشروع الإسلامي المعاصر، وفي نفس الوقت قطعنا الطريق امام كل من يريد أن يصادر حريات الآخرين باسم الله طالما النظام المنشود هو خيار بشري وليس إلهي. وتظل دائرة الاجتهاد مفتوحة أمام كل الخيارات التي تقرب الناس لخيرهم الديني والدنيوي بعد أن يتم تسالم الجميع على ثوابت الإسلام، ومن هنا نؤكد على أن هذا النظام لا يصلح إلاّ في دائرة المجتمعات المسلمة التي اختارت الإسلام كنظام للحياة، وبذلك نرفض كل محاولة تستخدم القوة والاكراه لإقامة دولة إسلامية. 

2022/01/03