فكر وثقافة
نهاية أم بداية: بماذا سنشعر عندما نموت؟!

عادة ما يعيش الناس حياتهم في الزمان الحاضر و يكتفون بما هم عليه الآن، و الأفراد الذين يعيشون الزمان الماضي ليسوا قلائل أيضاً، و هذه الطائفة تنهمك على الدوام في التعامل مع النماذج الحاوية لأحداث الماضي الحلوة والمريرة بعد إنتشالها من تحت الأنقاض، و الواقع أنّهم يقضون أعمارهم في نبش قبور الماضين.

فهم لا ينفكون عن أمرين؛ إمّا ذرف الدموع على‏ الحوادث الأليمة، و إمّا التغني ببطولات وأمجاد عظمائهم الذين دفنوا تحت التراب! نعم هناك من يفكر في المستقبل ولّا سيما المستقبل البعيد و هم قليلون، و هنا يطرح هذا السؤال: ما السبب الذي يكمن وراء التحفظ عن التعرض لحوادث المستقبل والذي يتخذ أحياناً طابع الهروب؟ ترى أيعزى ذلك إلى‏ طبيعة المستقبل الخارجة عن دائرة الحس، والناس أبناء الحس فهم يألفون هذه الأم فقط؟ أم يعزى ذلك إلى هالة من الغموض و الإبهام التي تغطي المستقبل فتجعله يكتسي حلّة مخيفة؛ الأمر الذي يثير الهلع لدى من يقترب منه؟ أم أنّ المستقبل شئنا أم أبينا مقرون بالمشيب و العجز و الكهولة و بالتالي‏ الموت والعدم، و هي الأمور التي يرتعش منها الفرد و يهرب منها بكل كيانه. ولكن على كل حال لامفر لنا من التعامل مع المستقبل رغم الخوف والهلع والإبتعاد و الهرب، و لا شك أنّ هذا المستقبل هو الذي‏يختزن مصيرنا و عاقبة أمرنا، فالماضي ولّى و إندثر و الحاضر سينتهى كلمح بالبصر إلى‏ الماضي، و عليه فلا يبقى‏ سوى المستقبل؛ المستقبل البعيد الذي تكتنفه الأسرار و الألغاز والذي ينتظرنا فنسير نحوه دون تريث، فلم لا ندركه و نفكر فيه؟

الموت ليس بهذا الرعب‏

إنّ الناس و رغم كل اختلافاتهم و تنوع مشاربهم الفكرية والعقائدية سيبلغون شاءوا أم أبوا و كيفما تحركوا و إنطلقوا نقطة مشتركة تتمثل بالموت واختتام هذه الحياة. فنقطة إنطلاقة الحياة غنية كانت أم فقيرة، وفي وسط الجهل كانت أم العلم، و مقرونة بالسعادة أم الشقاء سيأتي عليها الموت بغتة فيجعل الجميع يعيشون حالة واحدة تسودهم فيها المساواة التامة المطلقة التي يعجز الكل عن الإتيان بها. و لهذا يمكن تأمل مقدار العمر و طول الحياة، بينما لايمكن مناقشة الموت، حتى لو استخرجنا ماء الحياة من الظلمات واحتينا جرعة منه، فإنّ الحياة الأبدية متعذرة محالة، لأنّ طول العمر لايعني الأبدية قط. و على هذا الأساس يتفق جميع الأفراد على‏ الإيمان بالموت رغم الفوارق الفكرية التي تسودهم، و لعل التعبير عن الموت باليقين على لسان آيتين من الآيات القرآنية هو إشارة إلى‏ هذه الحقيقة، فقد صرحت إحدى‏ هاتين الآيتين بالقول: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ الْيَقينُ»[1]. و صرحت الآية الأخرى‏ على لسان الآثمين: «وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ* حَتَّى اتَيْنَا الْيَقِينُ»[2]. و معنى ذلك لقاء المحسنين و الآثمين في تلك اللحظة القطعية واليقينة.

الشعور الإنساني حين الموت‏

السؤال الذي‏يطرح نفسه هنا: بم يشعر الإنسان حين الموت؟ لا أحد يعرف الشعور الذي يخالج الإنسان حين الموت، حيث لم يعد أحد من هناك ليشرح للآخرين شعوره في تلك اللحظة الحساسة. فهل مفارقة هذه الحياة كقلع السن اثر حالة التخدير و دون أي ألم ومعاناة، أم يعاني الإنسان حينها أقسى أنواع العذاب و الشدّة بحيث يعجز الإنسان عن وصف تلك الحالة؟ أم القضية تختلف باختلاف روحيات الأفراد و أخلاقياتهم وصفاتهم وأعمالهم؟ فهو سهل يسير على‏ البعض كاستشمام رائحة الوردة، بينما ثقيل وصعب على البعض الآخر كحمل ثقل وزنه الجبل. و لعل هناك شعورا آخر يخالج الإنسان لحظة الموت لايسعه فكرنا و ذهننا ولايمكننا إدراكه في ظل ظروف هذه الحياة. فلو قدر لوليد خرج من رحم أمّه العودة الثانية إلى‏ توأمه الآخر في الرحم، فهل يسعه شرح ما شاهده خارج رحم أمّه منذ الولادة حتى عودته ثانية إلى‏ بطنها؟

أليس هذا الأمر أشبه شيئاً بفرد أخرس يروم وصف رؤياه وما شاهده في المنام لآخر مكفوف البصر؟!

عبثية الهرب من الواقع‏

إنّ أسوأ سبل مواجهة الحقائق المريرة يتمثل بالتهرب من إدراكها وإستيعابها أو إيداعها بوتقة النسيان. حقّاً ليس هناك خفة عقلية تفوق هذه القضية بأن ننسى شيئاً لاينسانا أبداً، أو نتوقع إعادة النظر بشأن مطلب حتمي لايمكن إجتنابه بأي شكل من الأشكال. لماذا لا نفكر بالموت و الحوادث التي تعقبه و مصير الروح بعد مفارقتها لهذه الحياة و مئات القضايا الأخرى ذات الصلة بالموت؟ و الحال وقوع الموت في المستقبل القريب بالنسبة لنا يعد من الحوادث القطعية الحتمية التي لا غبار عليها و لا نقاش فيها. إنّنا حين نتصفح التاريخ نرى الموت قد صرع أقوى الأفراد و أقدرهم من قبيل الاسكندر و جنكيز خان و نابليون و من كان على‏ شاكلتهم، كما قضى على‏ أعظم العلماء و المفكرين و أقوى الأدباء و الشعراء و الكتّاب، فقد ركع الجميع للموت و استسلموا له، و عليه فليس من المعقول أن ننساه أو نخشاه و نخافه عبثاً، فقد ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال «وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيْمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ»[3]. فما أحرانا أن نتقدم إلى‏ الأمام بكل شجاعة و بسالة و واقعية لنقف على الأمور المتعلقة بنهاية الحياة و نحصل على‏ الأجوبة الشافية و الوافية المنطقية بخصوص الألغاز و الأسرار التي تكتنف الموت.

رؤيتان لمصير الإنسان‏

هل لحظة الموت هي لحظة وداع كل شي‏ء؟ لحظة نهاية الحياة؟ لحظة الغربة الأبدية و الإنفصال المطلق عن هذا العالم، و تحلل و عودة المواد المؤلفة لبدن الإنسان إلى عالم الطبيعة؟ أم هي لحظة الولادة الجديدة؟ أم هي خروج ثاني من رحم الدنيا إلى‏ عالم واسع و شامل آخر؟ أم تحطيم قضبان سجن رهيب؟ أم التحرر من قفص ضيق و صغير و إفتتاح نافذة نحو عالم روحي واسع بعيد عن الزخارف المادية لهذا العالم و مجانب للهم و الغم و الألم و المعاناة والعداوة و الكذب و الظلم و الجور و الإجحاف و ضيق النظر و الحقد والضغينة والحرب و القتال، و بالتالي كل المنغصات و الكدورات التي ينطوي عليها هذا العالم؟ بغض النظر عن مدعى صحة الرؤيتين المذكورتين و إقترابها من الحقيقة والمنطق- و بالطبع سنتحدث في الأبحاث القادمة باسهاب عن هذا الموضوع- فإنّ الرؤية الاولى تبدو مظلمة و مخيفة و أليمة و الثانية جميلة ورائعة و هادئة.

فصورة الموت على ضوء النظرة الاولى‏ تجعل شربت الحياة- مهما كانت الحياة مرفهة- علقماً مريراً على الإنسان أو تضطره للخضوع لأي ‏شي‏ء والاستسلام لأي ‏ظروف من أجل الفرار من الموت.

و القضية على العكس تماماً بالنسبة للنظرة الثانية التي يسعها جعل‏ شربت الحياة عذباً و شربت الشهادة في سبيل الحق و الأهداف السامية أعظم عذوبة وحلاوة، و تلقن الإنسان بعدم الاستسلام لأي ‏شي‏ء و الانحناء لأي شرط بسبب هذه الحياة، بل عليه أن يكون حرّاً في دنياه و لايخشى الموت المشرف! والخلاصة فإنّ الموت ليس مرعباً دائماً، فقد تكون هذه الحياة أعظم منه رعباً أحياناً.

يتبع...

الهوامش:


[1] ( 1). سورة الحجر، الآية 99

[2] ( 2). سورة المدثر، الآية 46- 47

[3] ( 1). نهج البلاغة، الخطبة 188

2020/10/24

مهمة شاقة وعسيرة.. ما الذي يريده الإسلام؟!

اهداف الاسلام

إن من الواضح: أن أهداف الإسلام القصوى ليست هي مجرد تحقيق العدل، ولو بمفهومه الأوسع، إذ لو كان كذلك لم يبق معنى للأوامر الداعية إلى الجهاد والتضحية بالنفوس في سبيل الله والمستضعفين، إذ لماذا يتخلى هذا الشخص عن نفسه وعن حياته في حين يبقى الآخرون يتمتعون بالحياة، وبمباهجها ولذائذها؟!

كما أنه لو كان العدل هو الهدف فلا يبقى معنى لمحبوبية الإيثار على النفس ومطلوبيته له تعالى، ثم مدح من يفعل ذلك من الناس كما في قوله تعالى: (... وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...) 1.

كما أنه لا معنى لنهي الإنسان عن الحقد والحسد، وغير ذلك مما لا يمكن تتبعه واستقصاؤه، فإن ذلك كله وسواه ليدل على أن الهدف ليس هو مجرد تحقيق العدل، وإنما هو فوق وأهم وأقدس من ذلك.

إنه تجسيد إنسانية الإنسان، وإظهار كنوزها، والارتفاع بهذا الإنسان إلى مستوى الجدارة الحقيقية لأن يمثل النموذج الذي يريده الله للإنسان الكامل، وليس العدل وسواه من كمالات وفضائل إلا واحداً من تلك المراحل والوسائل الموصلة إلى ذلك الهدف المقدس والأسمى، الذي يستبطن في داخله: كل العدل، وكل الكمالات وكل الفضائل، وأخيراً كل السعادة، والفوز والنجاح.

هذا هو هدف الإسلام، وهذا ما يسعى إليه، ويعمل من أجل الوصول والحصول عليه، وليس أدل على ذلك من الآية الكريمة التي تحدد مهمة النبي الرسول، بأنه يُعلِّم الناس الحكمة، ويطهرهم، ويزكيهم، بالإضافة إلى تبليغ رسالة الله لهم، قال تعالى :

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) 2.

وليلاحظ: أيضاً قوله تعالى: (... مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) 3.

ومن يراجع الآيات القرآنية يجد الكثير الكثير مما يدل على ذلك دلالة واضحة، حتى إن ذلك لا يحتاج إلى أي بيان أو توضيح، ولا إلى المزيد من الدلالات والشواهد.

الحاجة إلى الوزير والوصي

وبعد أن عرفنا حقيقة هدف الإسلام، فإننا نعرف:

أن مهمته شاقة وعسيرة جداً لأنها تصطدم أولاً وبالذات بالإنسان الفرد، حيث لا بد له من السيطرة على غرائزه وشهواته وطموحاته، ليوجهها ويستفيد منها في مجال بناء الشخصية الإنسانية المثالية والفضلى، كما أنها تهدف إلى التغيير الجذري في البنية الاجتماعية والسياسية وغيرها للمجتمع، ليقتلع كل جذور الشر، ويستأصل كل عوامل الانحراف ؛ ليغرس عوضاً عنها كل معاني الخير والصلاح، والبركة والفلاح.

نعم، إنها مهمة شاقة وعسيرة جداً، ولا أشق ولا أعسر منها، وهي تحتاج لإنجازها ثم إلى استمرارها إلى جهد هائل ومستمر، ما دام أن الإنسان يحمل في داخله عوامل التغيير والتحول، التي منحه الله إياها لتكون عوامل لبقائه وسعادته ولراحته، وأعطاه أيضاً وسائل ضبطها والهيمنة عليها وتوجيهها، ولكن تلك الوسائل كثيراً ما تضعف عن السيطرة على تلك العوامل.

ولسوف يبقى هذا الخطر قائماً، ما دام ذلك الصراع قائماً.

وإذا كان الصراع مستمراً باستمرار وجود الإنسان على مدى الزمان، وكان خطر الشذوذ والانحراف مستمراً أيضاً:

فإن الأنبياء (عليهم السلام) سيكونون بحاجة إلى مواصلة القيام بمهمة التربية والتزكية، وغرس الفضائل الإنسانية والأخلاقية في نفوس الناس، بالإضافة إلى الاستمرار في تلاوة الآيات القاهرة للعقل ؛ والمرضية للوجدان، وبالإضافة إلى تعليم الشريعة والأحكام، ثم الإشراف على تطبيقها، والرقابة المستمرة على ذلك.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الوزير والوصي، والنصير والأخ والولي، والخليفة للنبي (صلى الله عليه وآله)، فجاء تنصيب علي (عليه السلام) من قبل الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله) هو الحركة السليمة والطبيعية في خط الجهاد والدعوة إلى الله سبحانه، وما يوم الدار، وما جرى من تنصيب علي (عليه السلام) فيه خليفة ووزيراً ووصياً للرسول إلا واحداً من تلك المناسبات الكثيرة التي جرى فيها التأكيد على هذا الأمر، وترسيخه بصورة قوية وحاسمة 4.


الهوامش:

1. القران الكريم: سورة الحشر (59)، الآية: 9، الصفحة: 546.

2. القران الكريم: سورة الجمعة (62)، الآية: 2، الصفحة: 553.

3. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 6، الصفحة: 108.

4. الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الخامسة، 2005 م. ـ 1425 هـ. ق، الجزء الثالث.

2020/10/21

هل يتقاطع الإسلام مع العلمانية؟ وما هو الموقف الذي تتبناه المرجعية الدينية؟ (فيديو)

ينشر موقع الأئمة الاثني عشر حوار مفصلاً لسماحة آية الله السيد منير الخباز [دامت بركاته] تحت عنوان "العلمانية تحت المجهر" أجراه في عام 2016.

ويسلط الحوار الضوء على نقاط مهمة أشار إليها سماحته منها المجالات التي يتقاطع فيها الدين مع العلمانية، ولخصها بـ (القيم الأخلاقية و المجال السياسي، والمجال الإقتصادي).

فيما يبين سماحته ثلاثة آراء لدى فقهاء الإمامية (الشيعة) في شكل النظام السياسي الذي يتبناه الدين.

الحوار في الفيديو أدناه:

 

2020/10/11

المذهب الاقتصادي في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)

 

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث في ثلاثة محاور:

تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي.

قراءة الرؤية الكونية والاجتماعية للمذهب الاقتصادي الإسلامي.

معالم المذهب الاقتصادي في العهد العلوي.

المحور الأول: تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي.

هناك فرق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي:

علم الاقتصاد: علم نشأ منذ بداية العصر الرأسمالي أي منذ أربعة قرون تقريبا وهو علم يتكئ ويعتمد على علمي السياسة والتاريخ، وهو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وظواهرها وربطها بالعوامل المتحكمة فيها.

المذهب الاقتصادي: هو المنهج الذي يتخذه كل مجتمع لتنظيم حياته الاقتصادية ولحل المشكلات العملية.

كل مجتمع على الأرض يعيش اقتصاد لأن كل مجتمع على الأرض يعيش إنتاج وتوزيع، إذن هو محتاج إلى طريقة ومنهج ينظم به حياته الاقتصادية ويقوم على أساسه بحل مشاكله العملية، ولكننا عندما نريد أن ندرس أي مذهب اقتصادي لابد أن ندرس الرصيد الفكري وراء هذا المذهب، كل مذهب اقتصادي يعتمد على رصيد فكري خلفه، هو الذي أنتج هذا المذهب الاقتصادي، قد يكون الرصيد الفكري تاريخيا، وقد يكون فلسفيا، وقد يكون قيميا، بالنتيجة وراء المذهب الاقتصادي رصيد فكري أنتجه وأمده.

عندما نريد أن نقارن بين المذهب الاقتصادي الرأسمالي والمذهب الاقتصادي الإسلامي فإن المذهب الاقتصادي الرأسمالي يتيح للإنسان الفائدة الربوية، من حق الإنسان أن ينمي أمواله عن طريق الفائدة الربوية، بينما المذهب الاقتصادي الإسلامي يمنع التنمية عبر الفائدة، لأن هناك اختلاف بين الرصيدين الفكريين لكل من المذهبين، المذهب الاقتصادي الرأسمالي رصيده الفكري يرى أن المركزية والمحورية في الحياة الاجتماعية للإنسان، وبما أن المركزية والمحورية للإنسان إذن باب الحرية مفتوح للإنسان، ومن حرية الإنسان حريته في تنمية ثرواته فبإمكانه أن ينمي ثرواته عبر الفوائد الربوية، هذا من متفرعات حريته، وحريته مما يتفرع على محوريته ومركزيته، بينما المذهب الاقتصادي الإسلامي لايرى المحورية للإنسان، المحورية في الحياة لخالق الإنسان، والإنسان مجرد خليفة ونائب (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) والخليفة يسير على ضوء قوانين المستخلف، ومن قوانين المستخلف (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) أن الثروة لاتقتنص إلا بعمل وهذا قانون في المذهب الاقتصادي الإسلامي، هذا القانون ناشئ عن نفس الرؤية، لايمكن تحصيل الثروة إلا بعمل، إما بعمل مباشر وإما بعمل مختزن، فمثلا لو استأجرت سائق للسيارة تعطيه أجرة، جزء من الثروة لأنه قام بعمل، وهذا عمل مباشر، وفي حالة أخرى هو يعطيك سيارته يقول لك استأجر سيارتي، هو أعطاك عمل لكن عمل مختزن ضمن الطاقة، طاقة السيارة، فإما أن يكون العمل مباشر كأن يكون هو سائق أو عمل مختزن كأن يسلمك السيارة باعتبار أن السيارة عمل مختزن، الأجر والثروة تقتنص عن طريق عمل إما مباشر أو مختزن.

إذن كسب الفائدة الربوية تحصيل للثروة من دون عمل، لاعمل مباشر ولا عمل مختزن لذلك منع المذهب الاقتصادي الإسلامي منها وإن فتح الباب المذهب الاقتصادي الرأسمالي لاختلاف الرؤيتين بمعنى اختلاف الرصيد الفكري بين هاذين المذهبين.

بعض الفقهاء يجوز هذا، لو فرضنا أن البنك يقرضك 100 ألف دولار لمدى خمس سنوات، سعر الدولار اليوم يساوي 3.75 ريال وبعد خمس سنوات ينخفض هذا السعر يصبح 3.5 فالمقرض سيخسر لأنك ستعيد إليه 100 ألف دولار ولكن ستعيد دولارا بقيمة أقل من قيمته حين أقرضك، هنا بعض الفقهاء يجوز شرط التدارك، لايكون هذا فائدة بل يكون تدارك للخسارة وليس فائدة ربوية، يعطيك 100 ألف يشترط عليك فارق قيمة الدولار حين تسليمه إليه هذا اشتراط لتدارك الخسارة وليس اشتراطا لفائدة ربوية.

المذهب الاقتصادي الإسلامي هو المنهج الذي وضعه الإسلام لتنظيم الحياة الاقتصادية وحل مشاكلها العملية استنادا إلى الرصيد الفكري الديني، سواء كان رصيدا قيميا أو رصيدا مفاهميا كمفهوم الإسلام عن الإنسان والحياة والكون، أو رصيدا تحليليا لحركة التاريخ.

المحور الثاني: قراءة الرؤية الكونية والاجتماعية للمذهب الاقتصادي الإسلامي.

نلخص هنا في بنود أربعة لهذه الرؤية الكونية:

البند الأول: عندما نتأمل في هذه الآية المباركة: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) نستنتج منها أن إنسانية الإنسان مرتبطة بالطبيعة، بمعنى أن هذا المخلوق لو عاش في طبيعة أخرى لن يصبح إنسانا، الإنسان مستخلص من هذه الطبيعة،

لولا مجيئه من هذه الطبيعة لما صار إنسانا، (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) بما أن إنسانية الإنسان تعتمد على الطبيعة في ابتدائها إذن لابد أن تعتمد على الطبيعة في كمالها، كما أن مبدأ إنسانية الإنسان جاء من الطبيعة فكمال إنسانية الإنسان بإعمار الطبيعة، إذا لم يعمر الطبيعة ولم ينتج فليست له إنسانية كاملة، إنسانيته جاءت من الطبيعة وكمال إنسانيته بإعمار الطبيعة (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) بدون إنتاج لايعتبر إنسان متكامل، ”قيمة كل امرء مايحسنه“.

البند الثاني: لايمكن أن يعمر الإنسان الطبيعة بدون نظام، يحتاج إلى نظام يحفظ استقرار الحياة الاجتماعية، لولا استقرار الحياة الاجتماعية ووجود حاضنة آمنة مااستطاع الإنسان أن ينتج، مااستطاع أن يعمر الأرض، إعمار الأرض يحتاج إلى نظام يحفظ استقرار الحياة الاجتماعية ويحفظ الأمن حتى يكون هناك مجال للإنتاج والإبداع والعطاء، القرآن الكريم يقول: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) الله يريد حفظ الحياة الاجتماعية.

البند الثالث: ركائز حفظ النظام

الركيزة الأولى: كرامة الإنسان (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) لولا كرامة الإنسان مااستطاع الإنسان أن ينتج ولا أن يعطي، هذا عنصر أساس.

الركيزة الثانية: تلاقح التجارب، عندما نقرأ الآية المباركة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) لتعارفوا أي تعارف التجارب والطاقات، أتعرف على طاقتك وخبرتك وتتعرف على طاقتي وخبرتي، الحضارة الشرقية لايمكن أن تنهض من دون تلاقح مع طاقات الحضارة الغربية، والحضارة الغربية لايمكن أن تنتج من دون تلاقح مع طاقات الحضارة الشرقية، الحضارات عندما تتلاقح طاقاتها، وتتلاقح تجاربها يتحقق هذا العنصر وهذه الركيزة (لِتَعَارَفُوا).

الركيزة الثالثة: التعاون، مجرد تلاقح الطاقات والتجارب لاينفع مالم يكن هناك تعاون فعلي (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

الركيزة الرابعة: التراحم، الحضارة الإسلامية تختلف عن الحضارات الأخرى في أن من أسسها التراحم، هناك بعض الباحثين اللغويين يقول هناك علاقة وثيقة بين عنوان الأرحام وعنوان الرحمة، لماذا يسمى الأقرباء الذين ينحدرون من صلب واحد أرحام؟ هذا مشتق من الرحمة، الله تبارك وتعالى هو الرحمة (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ)، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) رحمته تعالى صاغ بها الإنسان فجاء الإنسان وهو يعيش قيمة وخلق الرحمة (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) الإنسان ولد وفي قلبه وميض ونبع الرحمة،

هنا يوصي الإسلام على أن يفيض نبع الرحمة من قلب الإنسان على كل أقربائه الذين ينحدرون من صلب واحد ويعبر عنهم بالأرحام، الرحمة وتعاطف البشر، انقاذ بعضهم لبعض ودفاع بعضهم عن بعض أساس من أسس الحضارة الإسلامية (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ).

البند الرابع: قاعدة النظام الذي يحفظ الاستقرار ويوفر الأمن هي العدالة وتعني نوعين من القوانين: قوانين ثابتة وهي التي لاتتغير بتغير الظروف ”من أحيا أرضا مواتا فهي له“ قانون ثابت، وقوانين متحركة هي القوانين المواكبة للظروف المتغيرة، فمثلا: عندما تريد أن تبيع ذهبا وتكون قد اشتريت هذه القطعة بعشرة آلاف ريال وتريد بيعها قبل أن تستلمها، وأردت بيعها بمبلغ 12 ألف فهذا لايجوز شرعا، لايجوز بيع الموزون أو المكيل بربح قبل قبضه، أن تبيعه بنفس قيمته فهذا لا اشكال فيه ولكن بيعه بربح قبل قبضه فلايجوز.

المحور الثالث: معالم المذهب الاقتصادي في العهد العلوي.

عهد الإمام علي لمالك الأشتر، نحن نفخر بهذا العهد لأن المنصفين من الباحثين منهم الإمام محمد عبده المصري وغيره ركزوا على أنه لاتوجد لدينا وثيقة تعرض لنا رؤية اقتصادية إسلامية متكاملة إلا العهد العلوي، القرآن فيه آيات متفرقة، والنبي له أحاديث متفرقة حسب الأزمنة والظروف،

أما وثيقة تعكس رؤية اقتصادية متكاملة وتعكس المذهب الاقتصادي الإسلامي ليس لدينا وثيقة إلا هذا العهد وهو عهد الإمام علي لمالك الأشتر، لذلك عدة من الباحثين سلطوا الضوء على هذا العهد منهم الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه «اقتصادنا»، منهم الدكتور طالب فارس في بحثه حول ملامح الاقتصاد في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، عدة باحثين ركزوا على هذا العهد.

نذكر مجموعة من معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي في العهد العلوي:

المعلَم الأول: المنطلقات.

ذكر العهد ثلاثة منطلقات: العدالة والإنصاف والوسطية، قال : ”أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إلا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية“

هنا عناوين ثلاثة: عدل وإنصاف ووسطية مالفرق بينها؟ هي منطلقات للمذهب الاقتصادي.

العنوان الأول: العدل، وهو عبارة عن وضع الأشياء في مواضعها ويتفرع عليه إعطاء كل ذي حق حقه، فمثلا: هناك بحث اقتصادي حول تحديد القيمة التبادلية للسلعة، كيف تتم؟

لو كان لديك قلادة ذهب حتى تصبح قلادة كم عاملا تحتاج؟ تحتاج إلى مادة وهذه المادة تبلور إلى أن تصبح ذهب وتحتاج إلى آلات تصنعها كقلادة وتحتاج إلى خبرة وتحتاج إلى طاقة ثم تحتاج إلى عمل، يعني أن هناك عدة عوامل تدخلت حتى صارت قلادة، عندما نحدد قيمة هذه القلادة بعشرة آلاف هل نعطيها للعامل الذي أنتجها أم توزع على جميع العوامل التي تدخلت في إنتاجها، من العوامل: المادة، والآلة التي صنعتها، والخبرة التي ملكها العامل المنتج، ونفس الجهد الذي بذله المنتج، هل توزع القيمة التبادلية للسلعة على العوامل المتنوعة أم تعطى جاهزة للعامل المنتج؟ هذه عدالة، العدالة تبرز هنا، كيف تضع الأشياء في مواضعها، فلو افترضنا أن كل شخص يمتلك شيء، شخص يمتلك المادة، والآخر يمتلك الآلة، وآخر يمتلك الخبرة، وآخر قام بالعمل، هل ستوزع القيمة على هؤلاء الأربعة أم أنها ستعطى للعامل المنتج.

العنوان الثاني: الإنصاف، الفرق بين الإنصاف والعدالة هو أن العدالة ملكة قلبية، والإنصاف سلوك عملي، الإنصاف تجسيد للعدالة، العدالة هي توازن روحي داخلي والإنصاف تجسيد لذلك التوازن في علاقتك مع الله أو علاقتك مع نفسك أو علاقتك مع الطبيعة كما ورد عن الرسول محمد : ”إن لربك عليك حق ولجسمك عليك حق ولأهلك عليك حق فأعط كل ذي حق حقه“.

العنوان الثالث: الوسطية وهي عبارة عن القوانين المتحركة المنطلقة من قاعدة العدالة المواكبة للظروف المتغيرة، وذكرنا أمثلة سابقا للقانون المتحرك.

المعلَم الثاني: المفردات المدونة في العهد العلوي التي تعكس بمجموعها صورة المذهب الاقتصادي.

نقتصر هنا على مفردتين:

المفردة الأولى: التجارة، نلاحظ النص الوارد عن الإمام علي : ”ثم استوصي بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح“ ماذا يعني لنا هذا النص؟ مالفرق بين الإنتاج والتداول؟

الإنتاج هو تطوير المادة الخام بصورة تلبي حاجة المستهلك، تصنع من الحديد سيارة، ومن البلاستيك جهاز معين، تطوير المادة بصورة تخدم حاجة المستهلك، أما التداول فهو نقل السلعة من المنتج إلى المستهلك، إما نقل عامودي كأن يخرجها من الأرض، أو أفقي كأن يطرحها في السوق.

التجارة هل هي إنتاج أم تداول؟ بحسب المذاهب الاقتصادية الأخرى فالتجارة ليست إنتاج، التاجر وسيط يلعب دور الوسيط بين المنتج والمستهلك، بينما في المذهب الاقتصادي العلوي التجارة إنتاج، سيد الصدر يقول: هذا التعبير ”فإنهم مواد المنافع“ التجارة مادة للإنتاج، فالتجارة عبارة عن رأس المال والخبرة والعمل، مجموع هذه العناصر التي تتلخص في التجارة، تسهم في خلق توافق بين المنافع الاستعمالية وبين المنافع التبادلية، لذلك تعتبر التجارة إنتاج.

المفردة الثانية: المنع من الاحتكار، قال : ”واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله منع منه وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لاتجحف بالفريقين

“ الاحتكار أنواع: الاحتكار في الثروة، من بيده الثروة يحتكرها على شركات الإنتاج فلا يسلمها إياهم إلا بأسعار مجحفة وبالطبيعي أن شركات الإنتاج إذا استلمت المادة بأسعار مجحفة سوف ترفع من قيمة السلعة، يعني أن الانحراف في المسار الأول سوف ينعكس في المسار الثاني، أو أن تكون السلعة موجودة في السوق لكن تصطنع ندرة لها، تسمى ندرة مصطنعة حتى يصبح الطلب أكثر من العرض فترتفع قيمتها، أو احتكار للنقد، جمع النقد في مؤسسة معينة حتى ترتفع قيمة فائدة القروض، الاحتكار بصوره ممنوع ”باب مضرة للعامة“ باعتبار أن في قانون منع الاحتكار حفاظا على سلامة شكل المذهب الاقتصادي في توازنه بين الإنتاج والتوزيع.

المعلَم الثالث: دور السلطة في المذهب الاقتصادي الإسلامي

هنا عدة بنود تعرض لها الإمام في العهد العلوي لشرح دور السلطة في تجسيد هذا المذهب الاقتصادي الإسلامي:

البند الأول: إدارة الموارد الطبيعية والمالية بتوازن، هذا النص الذهبي عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”هذا ماأمر به عبد الله علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين مالك ابن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصرا، جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها

“ أربعة عناصر يقوم عليها الاقتصاد: الإنتاج: عمارة بلادها، استصلاح أهلها: توفير الأيدي العاملة المنتجة، جهاد عدوها: حماية الثروات والحقوق، التوزيع: جباية خراجها، أربعة عناصر: إنتاج، وتوفير الأيدي، وحماية الثروات، والتوزيع،

هذه العناصر الأربعة يعرضها الإمام في عرض واحد، يريد أن يقول لابد من إدارة هذه العناصر الأربعة بتوازن بحيث لايطغى الإنتاج على التوزيع، لايكون الإنتاج على حساب التوزيع بل لابد من التوازن بينهما، مثلا: ”من أحيا أرضا مواتا فهي له“ هذا إنتاج، لو أتى شخص وأحيا مئة كيلو متر أو مليون كيلو متر هذا على حساب التوزيع لأنه هنا أنتج أكثر من حاجته على حساب نصيب غيره من الثروة المنتجة، لابد أن يكون هناك توازن بين الإنتاج والتوزيع.

عندما يقول الإمام أمير المؤمنين علي : ”واستصلاح أهلها“ يعني توفير الأيادي الصالحة بإعدادها وتأهيلها ورعايتها حتى تكون أيادي صالحة للعمل، لم يقل الإمام استجلاب بل قال استصلاح، فالاستصلاح يختلف عن الاستجلاب وعن الاستعمال، الاستصلاح يعني توفير أيدي صالحة، فالصلاح يحتاج إلى تأهيل وإعداد، إذن دور الدولة استصلاح بمعنى توفير أيدي مع إعداد وتأهيل لأن تكون ايدي منتجة.

هنا نشير إلى نقطة: جائحة كورونا كما تقول التقارير أسرعت بالتحول الرقمي، نحن كنا سنصل إلى هذا التحول الرقمي بعد خمس سنوات أو سبع سنوات ولكن هي أسرعت به بحيث صار الاعتماد على الطاقة، على الانترنت لا على الطاقة البشرية، هذه الجائحة أسرعت بذلك وهذا خدم شركات كثيرة لكنها أيضا خلفت كوارث بشرية، فالكثير من الشركات العالمية العملاقة تسرح الكثير من الموظفين، مدام يمكن العمل والإنتاج عبر الطاقة، عبر الإنترنت فما هي الحاجة للطاقة البشرية الهائلة، اليوم مكاتب كبيرة تغلق، لاحاجة لها، فهي تحتاج إلى عمال تنظيف وعمال صيانة وعمال تعقيم وعمال مواصلات وكل هؤلاء يحتاجون إلى أجور ويحتاجون إلى رعاية وهذا يستدعي نفقة ومصروفا كبيرا يثقل كاهل الشركة،

بينما إذا اعتمدت الشركة على الآلة في التعقيم والتنظيف والتأهيل فلا تحتاج إلى هذه الطاقة البشرية، ولأنها لاتحتاج إلى الطاقة البشرية إذن هي مضطرة إلى أن تسرح أعداد هائلة من الموظفين، ونتيجة تسريح هذه الأعداد الهائلة ازدياد حجم البطالة، لازدياد كمية اليد العاملة بدون فرصة عمل،

وهذه كوارث، وستأتي وتزداد، وحتى التجار، أنت الآن صرت تعتمد على الطلب الإلكتروني فالتاجر لايحتاج إلى فتح محلات تجارية تكلفه أموال ومصارف وعمال، فالطلب الإلكتروني يوفر لك الحاجة والسلعة التي تريدها، ونحن نستقبل أيضا كارثة أعظم وهي الثورة الصناعية الرابعة،

مرت على البشرية أربع ثورات:

الثورة الأولى: في القرن الثامن عشر عندما اخترع الإنسان المحرك البخاري وأدار به الحياة الزراعية من دون الحاجة للاعتماد على الحيوانات والإنسان.

الثورة الثانية: عندما اخترع الإنسان الكهرباء، عندما استطاع الإنسان أن يجعل البترول مصدرا للطاقة.

الثورة الثالثة: عندما طغت الرقمنة وطغى الاعتماد على الكمبيوتر استغنى أيضا عن طاقات بشرية هائلة.

الثورة الرابعة التي تستقبلنا هي: ماأعلن عنها عام 2016 في دافوس في سويسرا، أعلن أن البشرية مقبلة على ثورة صناعية كبرى وهي عبارة عن القدرة الهائلة على الاختراقات لهذه التكنلوجيا الإنترنتية إن صح التعبير، فتصبح المركبة تقود نفسها بنفسها، ستجد الآلة «الروبوت» تعمل في كل مكان، يغني عن الطاقة البشرية في كثير من المواطن.

إذن بالنتيجة لابد من تفكير كيف نعد اليد العاملة ونؤهلها إذا كنا سنستقبل استغناءا عن الطاقة البشرية، فهل فكر الخبراء الاقتصاديون في تأهيل اليد العاملة بحيث تواكب هذه الثورة الصناعية العملاقة من دون أن تحدث لنا بطالة ولا مزيد من اليد العاملة بدون فرص للعمل.

البند الثاني: فرض الضرائب، لايوجد دولة بدون ضرائب، فالضرائب جزء من روافد ازدياد ميزانية الدولة كل دولة تعتمد على ضرائب في الحفاظ على حجم ميزانيتها، على مفتاح الإنفاق العام، الإمام أمير المؤمنين فرض ضرائب، الزكاة ليست واجبة في الخيل، الإمام أمير المؤمنين فرض الزكاة في الخيل العتاق وفي البراذين دعما لميزانية الدولة وخزينة بيت المال في زمانه.

البند الثالث: رعاية القطاع العام، الإمام علي يعبر عن هذا الأمر تعبير دقيق:

”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج فإن ذلك لايدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد“

هناك فرق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والإعمار، الإمام يركز على الإعمار، النمو الاقتصادي هو عبارة عن ظاهرة الإنتاج، أن ترى الإنتاج لهذه الدولة ظاهرا، أن ترى ارتفاع في معدل الناتج المحلي الإجمالي، وهناك تنمية اقتصادية وهي عبارة عن إجراءات يتخذها صناع القرار عبر خطط تطويرية تسهم في ارتفاع مستوى المعيشة وتحدث تغيرات كمية أو نوعية في رأس المال البشري والتنافس الإقليمي وفي مجال الصحة والتعليم والأمن،

وهناك الإعمار ”وليكن نظرك في عمارة الأرض“ الإعمار هو العلاقة الوطيدة بين حجم الإنتاج وحجم ميزانية الدولة الذي يقوم عليه الإنفاق العام، هنا الإمام يركز على رعاية القطاع العام ”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج“ كل دولة أمامها مسؤولية تنمية الإنتاج، في تنمية الإنتاج إما بالتدخل المباشر بأن تنفق على السياحة والتجارة والصناعة والموانئ، أو تدخل غير مباشر بأن تدعم القطاع الخاص في مجال الاستثمار في الموارد الطبيعية، عندما تقوم أي دولة بهذه الصورة حققت رعاية القطاع العام.

نورد هنا مثالين من واقعنا حتى يتضح المقصود:

المثال الأول: الإمام علي عندما يقول: ”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج“ يؤسس قاعدة عامة ولكن هذه القاعدة لاتنطبق على كل الظروف أو على كل بلد ومجتمع، لماذا؟ الآن في الأزمات الاقتصادية الخانقة مثل انخفاض سعر البترول، الخبراء الاقتصاديون يدرسون هل أن الأولوية لخفض الإنفاق ومزيد من الضرائب أم أن الأولوية لمزيد من الإنفاق وخفض الضرائب ولو بالاستثمار عن طريق الاقتراض من أجل المحافظة على نمو اقتصاد الدولة، تحديد أيهما أولى في الخروج من الأزمة الاقتصادية، يعتمد على خبراء اقتصاديين وهذا مانسميه بالقوانين المرنة، القوانين المتحركة، فمثلا مؤسسة النقد الفدرالي الأمريكية بين فترة وأخرى تصدر التقارير ماهو الأولى زيادة كمية الفائدة أو نقصها، ماهو الأولى زيادة كمية النقد أو تخفيضه من أجل المحافظة على النقد الموجود فرارا من العجز والتضخم، اختيار الأولى في الخروج من الأزمة الاقتصادية هذا من القوانين المتحركة، الإمام يطرح قانون ثابت لكن يحتاج هذا القانون إلى ضميمة القانون المتحرك عندما يقول: ”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج“.

المثال الثاني: رعاية المنتج الوطني تدخل تحت قوله : ”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخرا

“ فمثلا الصين الغول العملاق تضخ أموال هائلة على شركات الإنتاج بقروض ميسرة لكي تسهم في الإنتاج بشكل أوسع وتغرق السوق العالمية بسلعها ومنتجاتها، بسعر أقل وبجودة أفضل، لذلك الكثير من الشركات الأمريكية عجزت عن منافسة هذا الغول، وطرحت قوانين صارمة تحد من سيطرة هذا الغول الصيني على السوق،

بالنتيجة أنت الآن في الخليج عموما شركات سوبرماركت طغت وسيطرت، وفي المستقبل قد تسيطر بشكل أكبر، هذا الناتج المحلي والشركات والإنتاج المحلي يضعف بمرور الوقت لأن هذه الشركات عملاقة لديها أموال ضخمة تخفض سعر المنتج وتيسر وصوله للمستهلك، بالتالي تجلب اليها المستهلك، وبالتالي هذا يؤثر على الناتج المحلي بحيث تصبح الشركات المحلية مجرد أجراء وعمال لدى الشركات العملاقة الكبرى، دعم الإنتاج المحلي بفرض قوانين وضرائب صارمة على الشركات الكبرى يدخل ضمن ”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج“.

البند الرابع: الحفاظ على القيمة التبادلية، القيمة التبادلية للسلعة تنشأ من عاملين: ندرة المادة وجودة العمل، تحدد قيمة السلعة طبقا لهذين العاملين، لكن أحيانا هناك من يلعب في السوق في قوانين العرض والطلب حتى يختلق ندرة من أجلها ترتفع قيمة السلعة هنا تتدخل الدولة، تتدخل السلطة لأنها تراقب النشاط التبادلي في السوق لتحافظ على القيمة التبادلية العادلة للسلعة، الإمام علي يقول:

”وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لاتجحف الطرفين“ التعبير بكلمة سمح تعبير لطيف يشير إلى جانب اقتصادي وجانب خلقي، يعني أن يكون السعر مقبول اقتصاديا وناشئ عن سماحة وقناعة من النفس بما رزقها الله تبارك وتعالى.

البند الخامس: الضمان الاجتماعي، يقول الإمام : ”الله الله بالطبقة السفلى من الذين لاحيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا فاجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وتعهد ذوي اليتم منهم وذوي الرقة في السن ممن لاحيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه“ كل دولة لديها ضمان اجتماعي بمقدار قوة اقتصادها، دور العجزة، مؤسسات رعاية الأيتام وكفالاتهم، الجمعيات الخيرية، الجمعيات التعاونية، حساب المواطن كل هذا يدخل ضمن الضمان الاجتماعي، الضمان الاجتماعي يسد باب الجريمة، ويمنع تحول الفقر إلى كفر

كما ورد عن الإمام علي : ”مادخل الفقر بلدا إلا وقال للكفر خذني معك“ الضمان الاجتماعي ضرورة لاستقرار الحياة الاجتماعية وتوفير الأمن فيها،

اليوم نحن مقبلون على فصل دراسي ربما فصل دراسي كامل تعليم عبر الإنترنت، فالطالب يحتاج لتوفر الإنترنت وقدرة على التواصل مع المدرس عبر الإنترنت والاستفادة منه، كما نوفر عبر الضمان الاجتماعي الملابس والأغذية والأدوية أيضا نوفر عبر الضمان الاجتماعي لهؤلاء الفقراء والمحتاجين وسائل التواصل عبر الإنترنت ليستطيعوا من خلاله التواصل مع دروسهم وأساتذتهم ومواصلة تعليمهم كل ذلك يدخل ضمن الضمان الاجتماعي،

إذن علي ابن أبي طالب عكس لنا صورة انسانية حيوية من خلال هذه المبادئ التي سجلها في عهده العلوي المبارك لمالك الأشتر.


المصدر: شبكة المنير

2020/10/07

للشباب المؤمن: كيف نتعامل مع التطور المادي؟

عندما يحصل هناك تطور وازدهار في الجوانب المادية والظواهر الدنيوية ينبغي أن يكون ذلك التطور مترافقاً بالسمو والترقي في الجوانب الإيمانية الدينية نحن محتاجون؛ فاقد الشيء لا يعطيه.

في واقع الأمر عندما ينظر الإنسان إلى أعمال السلف والعلماء الماضين -الذين تركوا الدين وديعة بين أيدينا- يشعر بالخجل، لقد كانت أعمالهم مختلفة عن أعمالنا، لقد تغيّرت ظروف زماننا، وتغيّر نوع العلاقات بين الناس مضافا إلى تأثير الثقافة غير الإسلامية؛ في النهاية مهما كانت الأسباب نجد أنّ الحالة الروحانية الإيمانية التي كانت لدى السابقين قد ضعُفَت اليوم، وتراجعت وأصبحت هزيلة للغاية.

عندما يحصل هناك تطور وازدهار في الجوانب المادية والظواهر الدنيوية ينبغي أن يكون ذلك التطور مترافقاً بالسمو والترقي في الجوانب الإيمانية الدينية، وإلّا فإنّ التطور في الجوانب المادية لوحدها سوف يكون كوضع السكين الحادة في يد الرجل السكران؛ يستخدمها حيث لا ينبغي ولا يجوز.

عندما أرادوا مدّ سكة الحديد في إيران في عهد ناصر الدين شاه عارض عالم طهران الأول المرحوم الحاج ملا علي كَني المشروع، وكان يقول: إذا ما وضع الأجانب أقدامهم في إيران سوف تتأثر الثقافة الإسلامية بهم، وسوف تضعف شعائر المجتمع الأساسية بالتدريج، لذلك قاموا في العام الذي توفي فيه - 1306 ق- بمدّ سكة حديد بين طهران ومرقد السيد عبد العظيم الحسني، وكان يطلق على عربات النقل المستخدمة فيها اسم "السيارات الدخانية".

نعم بالتأكيد لا يمكن للمسلمين أن يحرموا أنفسهم من التطور والرقي المادي، ولا يمكنهم ألّا يستخدموا التقنيات الحديثة؛ بل يجب عليهم أن يتزودوا بالوسائل والتقنيات المتطورة؛ ولكن في مقابل ذلك ينبغي عليهم العمل -عبر بذل الجهد والتوسل- على تقوية وترسيخ القوى الإيمانية والجوانب الإلهية في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، وذلك للإشراف على تلك الأدوات المادية وتوجيهها بحيث لا تستخدم استخدامات غير مشروعة وغير إنسانية.

يقول الباري تعالى في كتابه المجيد: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ».

علينا أن نكون على يقين أنّ الباري تعالى -وهو العالم والقادر والمنزّه عن كلّ ضعف وقصور- يرى أعمالنا، ونحن غافلون عن هذا الأمر، ونغفل عن حقيقة أنّ أعمالنا تسجل كاملة بلا نقصان، وأنّ لهذه الأعمال تأثيرها في هذه الدنيا، وفي عالم البرزخ، وفي عالم الآخرة، وفي جميع ما سنلاقيه من عوالم.


من جواب لسماحة آية الله العظمى شبيري الزنجاني على طلب مجموعة من الشباب لإرشادهم أخلاقيا

2020/09/14

عذاب القبر… حقيقة أم خيال؟!
عذابُ القبر هو العذاب الإلهيُّ الذي يقع بين النشأتين الدنيا والآخرة، وقد أشار القرآنُ الكريم اجمالاً إلى وقوع العذاب في تلك النشأة المعبَّر عنها بعالم البرزخ أشار إليها في مثل قولِه تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب) فآلُ فرعون -بمقتضى الآية الشريفة- يُعرَضونَ على النار صباحَ مساء  وفي يوم القيامة يُؤمرُ بهم فيدخلون في عذابٍ هو أشد، وهو عذابُ جهنَّم، فالعذابُ الذي يتلقَّاه آلُ فرعون صباحَ مساء قبل قيام الساعة هو المعبَّرُ عنه بعذاب القبر وبعذاب البرزخ.

فالآيةُ تصلحُ شاهداً على وقوع عذاب القبر في الجملة، وأما ثبوتُ ذلك بما هو أكثرُ وضوحاً فيتمُّ من ملاحظة السنَّة الشريفة والتي أكَّدت على أنَّ العذابَ في القبر وعالم البرزخ واقعٌ لا محالة على أقوامٍ وأنَّ آخرين سوف يحظونَ في ذلك العالم بالنعيم، فهذا المقدار لا يسعُ المؤمن إنكاره، فإنَّ الروايات الواردة من طرقنا عن الرسول (ص) وأهل بيته (ع) في هذا الشأن تبلغُ بل تتجاوزُ حدَّ التواتر الإجمالي، فإذا ضممنا إليها ما ورد عن الرسول الكريم (ص) من طُرقِ العامَّة فإنَّها بذلك تفوقُ حدَّ التواتر بمراتب.

نعم التفاصيل الواردة حول عذاب القبر لم تصل إلينا إلا من طريق الآحاد، ولهذا لا يكون من غضاضةٍ على أحدٍ لو بنى على التوقُّف وعدم الإذعان بوقوعها أو وقوع بعضِها وذلك نظراً لعدم وجود ما يقتضي التثبُّت القطعي من الوقوع. وأما الإنكار لأصل وقوع العذاب في القبر والبرزخ على إجماله فهو ممَّا لا يسعُ المؤمن البناء عليه والإذعان به بعد قيام التواتر عن مَعدِن الوحي(ع) على وقوعه.

وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى أمرٍ وهو أنَّ عذابَ القبر من القضايا التي ينحصرُ طريقُ التثبُّت من وقوعها بالنقل، وذلك لأنَّها من القضايا الغيبيَّة المتَّصلة بالنشأةِ الأخرى التي لم ننتقل إليها، فهي لذلك غيرُ خاضعةٍ للمعاينة من أبناءِ هذه النشأة، وإنَّما يُعاينُها مَن انتقل إلى تلك النشأة، ولهذا لا سبيل إلى التثبُّت من وقوعها بواسطة الحسِّ والتجربة بل يتمحَّضُ سبيلُ التثبُّت من وقوعِها في الإخبار من طريقِ الوحي عن عالِم الغيبِ والشهادة، فحيثُ إنَّ وقوع العذاب في القبر وعالم البرزخ أمرٌ لا يُحيله العقل ، وحيثُ ثبت بالتواتر القطعيِّ عن النبيِّ(ص) وأهل بيتِه(ع) أنَّ ثمة عذاباً يقعُ بين النشأتين على أقوامٍ لذلك وجَبَ التسليم إذ هو مقتضى الإيمان بنبوَّة النبيِّ محمد (ص) وأنَّه لا ينطقُ عن الهوى إنْ هو إلا وحيٌّ يُوحى.

وأما دعوى أنَّ وقوع العذاب في القبر أمرٌ ينفيه الوجدان، لأنَّه كثيراً ما يتَّفقُ فتحُ قبور الموتى بعد دفنِها بيومٍ أو يومين فلا يُرى على أجسادِهم أثراً لعذاب، ولا يُرى أثراً لضغطةِ القبر أو غيرها من الأهوال التي تحدَّثت عنها الروايات. ألا يُؤشِّر ذلك إلى عدم صحَّةِ ما ورد في الروايات من وقوع العذاب في القبر؟!

فالجوابُ عن ذلك أنَّ هذه الدعوى نشأتْ عن توهُّم أنَّ العذاب في القبر يقعُ على أجساد الموتى والحال أنَّ أكثر الروايات لم تتصدَّ لبيان حقيقة وماهيَّة العذاب الذي سيقعُ في تلك النشأة وهل هو عذابٌ يقعُ على الأجساد أو هو عذابٌ يقعُ على الأرواح.

وثمة رواياتٌ عديدة أفادت أنَّ المعذَّب والمُنعَّم في عالَم البرزخ هي الأرواح الماثلة في قوالبَ برزخيَّة، فأجسادُ الموتى تظلُّ في قبورِها كما هي إلى أنْ تتلاشى، والذي ينالُه العذابُ والنعيم إنَّما هي الأرواح الماثلة في قوالبَ برزخيَّة لا علم لنا بحقيقتِها وكُنْهها، فإذا كان المرادُ من عذاب القبر والبرزخ هو هذا المعنى فإنَّه أمرٌ غيرُ قابلٍ للوقوف عليه بواسطة الحسِّ ومن طريق الإطلاع على أجساد الموتى بعد دفنِها، والذي يُؤكِّد أنَّ العذاب لا يقعُ على أجساد الموتى الماديَّة هو ما أفادته الكثيرُ من الروايات بأنَّ العذاب في القبر وكذلك النعيم قد يستمرُّ لبعض الكفار والعصاة ولبعض المؤمنين طويلاً أو إلى أنْ تقوم الساعة، ومن المعلوم أنَّ الجسد يتلاشى بعد الموت في مدَّةٍ يسيرة، وهذا أمر يُدركُه الجميع منذُ عصر النصِّ وقبله وبعده، وذلك يدلُّ بوضوح أنَّ مراد النصوص من عذاب القبر والبرزخ ليس عذاباً ماديَّاً يقعُ على الأجساد، وما يظهرُ من بعض الروايات أنَّ العذاب في القبر وعالَم البرزخ ماديٌّ يتعيَّنُ حملُه على إرادة الترميز والإشارة إلى العذاب البرزخيِّ وذلك لتقريب المعنى للأذهان أو يُحمل على أنَّ العذاب وإنْ كان يقعُ في القبر قبل تلاشي الجسد ولكنَّ هذا العذاب يقع بنحوٍ لا يكون قابلاً للرؤية من قِبل أبناء هذه النشأة، فالميِّتُ يتعذَّبُ دون أنْ يشعرَ بعذابه مَن هم حولَه من الأحياء، وذلك لأنَّ طبيعة العذاب الذي يقعُ على الميِّت مناسبٌ للنشأة البرزخيَّة التي لا يسعُ الأحياء من أبناء هذه النشأة الإطَّلاع عليها.

فحين يردُ في الروايات أنَّ الميِّت يُضغطُ في قبرِه أو يُعذَّبُ بلدغ ولسع الحيَّات والعقارب فإنَّه قد يكونُ المراد من ذلك أنَّه يجدُ أَلمَاً يُساوقُ ألمَ الضغط واللسع دون أنْ يكون ثمة ضغطٌ أو لسْعٌ أو يكون المرادُ أنَّه يجدُ ألمَ الضغط أو اللسْع دون أنْ يكون ثمة ضغطٌ ولسعٌ ظاهريٌّ يُشاكِلُ الضغطَ واللسع الذي يقعُ في عالَم الدنيا، فالضغطُ واللسعُ وإنْ كانا حقيقيين ولكنَّهما من طبيعةٍ أخرى مناسبةٍ للحياة البرزخيَّة، ولذلك يتعذَّر على الأحياء من أبناء هذه النشأة الإطَّلاع عليها، وكم هي الوجودات الواقعيَّة التي لا يُمكن الوقوف عليها بواسطة السمع والبصر الحسِّيين؟ فهل يسعُ العاقلُ أنْ يُنكرَ كلًّ ما لا يُبصرُه بعينِه ولا يَسمعُه بأُذنِه؟!.

ويمكن تقريبُ حالة الميِّت المعذَّب بالنائم الذي يُشاهد الأهوال وينتابُه منها الرعبُ والهلَع، فيُشاهدُ وحشاً كاسراً ينهشُ فى لحمه أو يُهشِّمُ عظامَه أو يجثمُ على صدره أو يجدُ ناراً تشتعلُ في جسدِه ويتألمُ لذلك، وقد يجدُ نفسَه يصرخُ أو يركُض أو يسقطُ من شاهقٍ وجسدُه في موضعِه على الفراش لا يتحرَّك، ولا يشعرُ مَن حولَه مِن المستيقِظين بما يُشاهدُه هذا النائم وبما يشعرُ به.

فمثلُ هذه الحالة التي يكونُ عليها النائم يُمكن أنْ تكونَ مؤشِّراً للإستئناس بإمكانيَّة أنْ يقعَ العذابُ على الميِّت ويَشعرُ به ويتألَّم منه دون أنْ يشعُرَ الأحياءُ ممَّن حولَه بما يشعُرُ به وما يُشاهدُه من أهوال وما يتألَّم منه، والفرقُ بين ما يجدُه النائم وبين ما يجدُه الميِّت هو أنَّ النائم إنَّما يجدُ صوراً ذهنيَّة، وأمَّا الميِّت فيُعذبُ بصنوفٍ من العذاب الواقعيِّ إلا أنَّ مَن حولَه لا يسعُهم المعاينة له، وذلك لأنَّ طبيعة العذاب مناسبةٌ لطبيعة النشأة التي انتقل إليها والتي هي مغايرةٌ لطبيعة هذه النشأة.

وخلاصة القول: إنَّ عدم الرؤية لآثار العذاب أو النعيم على أجساد الموتى بعد فتح قبورِهم لا ينفي وقوع ذلك عليهم بعد إمكانيَّة أنْ لا تكون طبيعة العذاب والنعيم مناسبةً لهذه النشأة ، وهذا أمرٌ لا يُحيلُه العقل ، فالتغايرُ بين النشأتين يقتضي التغايُر للقوانين المجعولة لكلٍّ منهما وهو ما يقتضي الحيلولة دون اطَّلاع أبناء هذه النشأة على أحوال مَن انتقل إلى النشأة الأخرى .

 ثم إنَّ هنا أمراً يحسنُ بنا الإشارةُ إليه وقد نُفصِّله في مقالٍ لاحقٍ وهو أنَّ العذابَ والنعيم في القبرِ وعالَم البرزخ ليس حتماً على كلِّ الموتى كما أفادت ذلك الروايات ، فليس كلُّ ميِّتٍ إمَّا أنْ يكون في عذابٍ وإمَّا أنْ يكون في نعيم ، فثمة مَن يقعُ عليه العذاب ، وثمة مَن يحظى بالنعيم ، وثمة من يُتركُ حتى يُبعثَ يوم القيامة كما هو شأنُ المستضعفين من الرجالِ والنساء ، وثمة مَن يقعُ عليه العذاب لمدَّةٍ ثم يُرفعُ عنه فإمَّا أنْ يحظى بعده بنعيمٍ أو يُتركُ إلى يوم البعث .

اللهمِّ إنَّا نعوذ بك من عذاب القبر ونسألك العافية في المحيا والممات.

2020/09/12

الخطر كبير تعامل بحذر مع ما تقرأ

لقد كان للنجاح الكبير الذي حققه العلم الحسي التجريبي أثره الواضح في المفاهيم والفكر السائد مطلع القرن العشرين، حتى صار منهجاً جاذباً لسائر التخصصات الأكاديمية الأخرى تحت عنوان (العلموية)، بل وصل الأمر عند البعض ان عبدوه وأسسوا له الكنائس[1]، فصارت أيدلوجية كسائر الأديان، فليس الدين إلا إعطاء تصور شامل للوجود، وهذا ما قام به العلمويون، يقول الفيلسوف الإيراني حسين نصر: أنّه في العالم الغربي، يقبل الكثيرون أيديولوجية العلم التجريبي الحديث، ليس بصفته علمًا عاديًّا بسيطًا، ولكن بصفته بديلًا عن الدين[2]. ويقول وليم برود: حلّ العلم محل الدين باعتباره المصدر الأساسي للحقيقة والقيم في العالم الحديث[3].

نحن هنا لا ننتقد العلم، وإنما ننقد (العلموية)، وهي بتعبير واضح وصريح لتيموثي فريس: ذلك المذهب الذي يدعي أن العلم التجريبي يزودنا، ليس بأحد الطرق الى الحقيقة، بل بالطريق الأوحد اليها[4]. فليست المشكلة في العلم، وإنما بالمنهج الذي يحصر طريق المعرفة بأنبوبة الاختبار.

هذا واضح لا لبس فيه، ولكن المشكلة ان هذا الأمر يخفى على شبابنا ممن ألفوا القراءة والاستفادة من كل جديد، ولا أبالغ ان ادعيت بتخطي هذا الأمر الى بعض المتخصصين، الأمر الذي ستكون له آثاره الخطيرة على ثقافتهم الناشئة، فكما بينّا في مقالات سابقة ـ أنبوبة الاختبار هي الحكم ـ عدم مناسبة هذا المنهج لدراسة جميع العلوم، وان حصر المنهج العلمي به من الغلو، الذي ستنعكس آثاره بصورة واضحة على باقي التخصصات الأكاديمية، الأمر الذي يحاول بعض المتخصصين في هذه المجالات التنبيه عليه، كالكاتب تيموثي فريس في مجلة نييورك لمراجعة الكتب تعليقاً على كتاب (عن الذباب والفئران والناس) لكاتبه فرانسوا يعقوب والذي بدوره انتقد فيه العلموية ايضاً، فقال فريس: لقد ازدهر مذهب العلموية ازدهاراً سريعاً في القرن التاسع عشر، عندما أُعجب بضعة مفكرين بتلك الانتصارات لعلم الديناميكي النيوتني وبالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، الى درجة انهم سمحوا لأنفسهم أن يتصورا ان العلم ربما يكون بعد وقت قريب قادراً على ان يتنبأ بكل شيء. واليوم علينا أن نكون قادرين على الاعتراف بأن مثل هذه الادعاءات لا تعدو ادعاءات إطنابية. إن العلموية اليوم، لا يدعو لها ويدافع عنها إلا أقلية ضئيلة جداً من العلماء[5].

والفيلسوف بول فييرابند، الذي كان مؤيدًا متحمسًا للعلموية في شبابه، وقد وصفَ العلمَ التجريبي لاحقًا بأنّه مؤسسة فوضوية أساسًا. وجادل بشكل قاطع بأنّ العلم التجريبي لا يستحق الاحتكار الحصري لـلتعامل مع المعرفة[6].

وأوستن هيوز حيث قال: العلموية بكل مظاهرها المتنوعة – من علم الكونيات الخيالي إلى نظرية المعرفة التطورية والأخلاقيات- يبدو أنّها من بين الأفكار الأكثر خطورة؛ لأنّها تدعي أنها شيء مختلف تمامًا عما هي عليه حقًا، ولأنها حصلت على التزام واسع النطاق وغير منتقَد. إنّ الإصرار المستمر على الكفاءة العالمية للعلوم التجريبية لن يؤدي إلا إلى تقويض مصداقية العلم ككل. ستكون النتيجة النهائية هي زيادة الشكوك الجذرية التي تشكك في قدرة العلم التجريبي على معالجة حتى الأسئلة المشروعة ضمن مجال اختصاصه. يتوق المرء إلى التنوير الجديد لنقض ادعاءات هذه الخرافة الأخيرة[7].

وهنا أذكر مقالة لعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، التي قسم فيها المثقفين في كل مجتمع الى فئتين، الأولى: منفتح يعمل على الاستفادة وإدخال كل ما يراه نافعاً الى مجتمعه، والثاني محافظ يتعامل بحذر مع كل ما هو جديد، ويرى الدكتور ان المجتمع يحتاج الى كلا الفئتين، وعدم الاتزان فيهما يضر تقدمه الحضري، فالتضييق على الفريق الأول يفوت على المجتمع تجارب وإمكانيات كبيرة، كما ان فتح الباب على مصراعيه لاستقبال كل شيء، وعدم السماح للفريق الثاني بأخذ دوره يجعل المجتمع عرضة لدخول الضار، فوجود الفئتين والتوازن بينهما أمر ضروري لتقدم كل مجتمع، كما حصل في سوق عكاظ عندما كانت قريش تستفيد من مجيء الشعراء وبلغاء العرب فيأخذوا منهم الجميل ويذروا ما دون ذلك، فصارت لغتهم أفصح لغات العرب.

من هنا يأتي هذا المقال للانتباه عند قراءة الكتب التي بنيت على المنهج العلمي التجريبي، سواء الغربية منها او التي كتبها أبناء جلدتنا ممن تأثر بالمنهج الحسي.

ففيما يخص العلوم الاجتماعية: نقرأ لعالم الاجتماع الامريكي المعاصر والذي يُعد حجة في اختصاصه، روبرت بيللاه في كتابه (عادات القلب: الفردية والالتزام في الحياة الأمريكية)، مبيناً تأثر سائر العلوم بهذا المنهج، وقد قسمها الى أبواب:

ففيما يخص العلوم الاجتماعية كتب: يمكن تلخيص الافتراضات المستترة خلف التيار الرئيسي للعلوم الاجتماعية بما يلي ـ يقصد ان العلوم الاجتماعية بُنيت على هذه المسائل ـ : الفلسفة الوضعية الاختزالية، ومذهب التفكيك والتبسيط، والنسبية، والجبرية (الحتمية)، لا أقول ان العلماء الاجتماعيين الحاليين أمكنهم أن يقدموا دفاعاً فلسفياً جيداً عن تلك الافتراضات، ولا أنهم واعون بشكل تام أنهم ملتزمون بها سلفاً، وإنما أقصد أن أشير فقط بمعنى وصفي الى تلك الافتراضات المسبقة، والأحكام المتحيزة المحددة الكامنة في اذهانهم حول طبيعة الحقيقة. ولا أقصد هنا بالفلسفة الوضعية أكثر من ذلك الافتراض أن مناهج وطرق علم الطبيعة هي المقاربة الوحيدة الممكنة للوصول الى المعرفة الحقيقية، وتلك هي البديهية التي تزعم ان العلوم الاجتماعية لا تختلف عن العلوم الكونية إلا بالنضج وأن كلا العلمين سيصبحان عما قريب علماً واحداً.

ثم يضيف بيللاه: إن العلوم الاجتماعية تجسد أخلاق الحداثة والعصرنة تماماً، فبالنسبة اليها لا يوجد كون كلي، أي لا يوجد شيء كلي يمكن لأفعال الإنسان أن يكون لها معنى بالاستناد اليه، وليس هناك بالطبع الله، ولا أية حقيقة مطلقة نهائية، وبنفس الوقت لا يوجد هناك أيضا طبيعة بالمعنى التقليدي للخلق او لكونها تعبيراً عن حقيقة متعالية سامية. وكذلك لا يمكن لأي علاقة اجتماعية متبادلة ان تكون لها أي قداسة. ولا يمكن أن يكون لأي شكل اجتماعي أن يُصبغ أو يُشرَّب بأي معنى إلهي مقدس او كوني، بل على العكس يمكن تفسر كل علاقة اجتماعية متبادلة بلغة فائدتها الاجتماعية والنفسية. وأخيراً رغم أن علماء الاجتماع يتحدثون كثيراً عن النفس، إلا انه ليس لديهم أي شيء يقولونه عن الروح، بل مفهوم الروح نفسه يتضمن إطاراً إلهياً ومقدساً وكونياً (كوزمولوجيا)، مستبعداً وغائباً تماماً في الفكر الحديث. وإذا أردنا ان نضع هذا التباين بطريقة أخرى، فإن النظرة الدينية التقليدية تجد ان العالم بجوهره ذا مغزى ومعنى، وإن دراما الوجود الشخصي والاجتماعي تم عيشها في إطار المعنى الكوني والروحي المتواصل، أما الرؤية العصرية الحديثة فإنها تجد العالم في جوهرة لا معنى له، ولا يتصف بالمعنى إلا من خلال الفاعلين الفرديين والمجتمعات التي يبنونها لأجل أهدافهم الخاصة.

ويضيف: معظم علماء العلوم الاجتماعية العصريين سيرفضون بأدب أن يناقشوا البيانات التي ذكرت للتو، ولن يبدو أي نية سيئة تجاه الدين، كل ما في الأمر انهم ببساطة غير واعين بدرجة كبيرة، والتي يضعف فيها ما يقولونه وما يكتبونه، كل الفكر التقليدي والإيمان والعقائد الدينية التقليدية.

ويخلص روبرت بيللاه الى: إن الإدانة الأعمق لجامعة اليوم هي أنها تضعف العقائد الدينية، وليس هذا فحسب بل كل عقيدة أياً كانت ما عدا تلك التي ينص عليها العلم[8].

وأما العلوم الإنسانية: فيرى روبرت سكولز أن الأخبار الحزينة هي معاناة أساتذة الآداب ـ وهو منهم ـ من مشكلة السماح لأنفسهم بالاقتناع بانها لا تستطيع ان تدعي الحقيقة، بل عليها ان تواصل الاعتراف بالطريقة نفسها[9].

يقصد سكولز: لتأثر هذه العلوم بالعلم الحسي فإن باحثيها مقتنعين بانها لا توصل الى الحقيقة.

 هذا الأمر انسحب لقيمة هذه العلوم وبالتالي لقيمة علمائها وباحثيها، ويشير مقال في مجلة هارفرد عام 1988 الى ان عدد الشهادات الجامعية الممنوحة في العلوم الإنسانية يتناقص باستمرار منذ عام 1970 على كلا المستويين النسبي والمطلق. وبشكل عام، في المعدل الوسطي، يستلم أساتذة العلوم الإنسانية أدنى الرواتب الجامعية اليوم، بفارق آلاف واحياناً عشرات آلاف، كما ان حملهم التعليمي أي عدد ساعات التدريس أثقل، والوقت الذي يمنح لأجل الأبحاث هو الأقل والأدنى.

بل غدت هذه العلوم مجرد علوم لا تفيد أكثر من الشك، يقول كارل وودرينغ: الآداب مفيدة للسلوك الشكي في الحياة.

وفيما يتعلق بالدراسات الدينية: فكما هو معلوم تعتبر النصوص المقدسة قلب كل دين. ويتقبلها اتباعه على انها وحي سماوي يتجاوز بمضامينه عالمنا المادي وتسمو عليه. أما الدراسات الدينية التي تتبع في منهاجها العلم الحسي التجريبي فلم يكن بإمكانها أن تقبل بهذه الحقيقة، فقد كتب ماركوس بورج حول كتاب العهد الجديد يقول: تعتبر الصفة الأساسية للدراسات الإنجيلية في الزمن الحديث ـ الى حد كبيرـ محاولة لفهم الكتابات المقدسة فهماً نصياً محضاً بمعزل عن موضوع الوحي أو أي عالم آخر. وتسعى الدراسة العلمية الحديثة للكتاب المقدس ـ التي ولدت في عصر التنوير وحولت بشكل جذري كل المناهج التعليمية الأكاديمية ـ تسعى الى فهم مادة البحث طبقاً للصورة الجذرية للحقيقة التي تهيمن على العقل الحديث. ويتم تقديم التفسيرات "العقلانية" اي العقلية ضمن إطار الفهم أُحادي البعد للحقيقة ـ للنصوص التي تتكلم عن الظواهر الخارقة " اي فوق الطبيعية".

أما أهم فروع الدراسات الدينية التي تفرعت على علم الكتاب المقدس فهي التي يمكن القيام بها دون العودة للمستويات الأخرى للحقيقة: مثل دراسة الطرق التي أتبعها كُتاب الكتاب المقدس في تنقيحهم للنصوص المنقولة التي وصلت اليهم، ودراسة شكل ووظائف الأنماط الأدبية والشفهية المختلفة لنصوص الكتاب المقدس، ودراسة التطور البلاغي للتقليد المسيحي المبكر الذي عبر عن نفسه في النصوص... الخ، وكلها يجمع بينها قاسم مشترك واحد هو انها تركز على السمات "الدنيوية المتعلقة بهذا العالم" للنصوص فقط.

اما بالنسبة للتوراة العبرية فقد كان على آرثر جرين أن يقول: أحدث بروز مذهب (ويسن شافت) في علم التاريخ بالمعنى الأوربي الواسع لكلمة العلم انقساماً بين دراسة التوراة كوظيفة دينية، وبين صياغة منهج للبحث العلمي في التوراة وتحويله الى دين بديل بحد ذاته. إننا مجبرون على تضييق أهداف التعليم والبحث عن إيماننا بالله، والطرق التي تتم بها دراسة الدين في الجامعة هي نفس طرق دراسة التاريخ وعلم فقه اللغة في أقسام الدراسات الإنسانية، أو طرق فرع الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس وعلم الاجتماع في أقسام العلوم الاجتماعية. ولقد كانت نتيجة مناهج الدراسة تلك، إنقاص قيمة التوراة كوحي إلهي. إن أي عالم باحث يقدم موضوعاً لمجلة "الأكاديمية الأمريكية للدين"، أو مجلة "أدبيات الكتاب المقدس" مفترضاً ان الكتابات المقدسة تمثل فعلاً وحقيقة كلمة الله سوف يصبح بحثه أضحوكة[10].  

من هنا تأتي أهمية التعامل بحذر مع ما نقرأ، وضرورة التعرف أولاً على منهج الكاتب الفكري، ومقدار تأثره بمنهج الحس والتجربة، المنهج الذي انتقده حتى الملحدين، ورفضوا مخرجاته، منهم الفيلسوف الملحد توماس ناجل الذي انتقد أحد المتحمسين للعلموية وهو عالم الأعصاب سام هاريس، ووصفه بأنه خلط بين المعرفة التجريبية والمعرفة العلمية. وكذلك عمل الناقد الماركسي تيري إيجلتون عندما وصف علموي آخر هو كريستوفر هيتشنز بقوله: لديه “فكرة علمية قديمة عن ما يُعتبر دليلًا”، وهو يختزل المعرفة في ما يمكن وما لا يمكن إثباته عن طريق الإجراء العلمي. وكذلك انتقد الفيلسوف اللاأدري أنتوني كيني أيضًا الفيلسوف الملحد ألكسندر روزنبرغ بقوله: اختزل جميع معارف الكون في علم الفيزياء[11].

حقيقة أولئك يصدق عليهم قوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم: 7.

الهوامش:


[1]  كنيسة السيانتولوجيا او الكنيسة العلموية هي طائفة دينية تتخذ من العلم والمكننة أساساً لتعاليمها، وتشتهر كديانة في الولايات المتحدة، انشأها كاتب الخيال العلمي رون هوبارد في العام 1954.

[2] William Chittick, The Essential Seyyed Hossein Nasr, p.30.

[3] ويليام برود ونيكولاس واد، خونة الحقيقة، ص ٢٧١-٢٧٢.

[4] لماذا الدين ضرورة حتمية، د. هوستن سميث، ص64.

[5] نفس المصدر، ص88.

[6] Paul Feyerabend, Against Method.

[7] Austin L. Hughes, The Folly of Scientism, The New Atlantis, p.15.

[8] لماذا الدين ضرورة حتمية، 116 ـ 120.

[9] نفس المصدر.

[10] نفس المصدر.

[11] Mario Bunge, In Defense of Scientism.

2020/08/06

الدين… أقوى من القانون والعلم!

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

الوازع الديني أقوى أثرا في النفوس من القانون والعلم

للدين أبعاد مختلفة تستوعب جوانب الانسان والحياة. وقد يهتم بعض المتدينين بناحية معينة من الدين ويعتبرونها الجانب الاهم فيه، وانها تشكل عمقه وجوهره. فمثلاً يركز بعض على الجانب العقيدي، ويولون قضاياه ومسائله الاهمية القصوى، باعتبار ان العقيدة هي الاصل والاساس. بينما يوجه آخرون عنايتهم نحو شعائر الدين وعباداته، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، لما ورد فيها من النصوص آيات وأحاديث.

ويؤكد بعض ثالث على تطيبيق انظمة الاسلام وقوانينه في ادارة المجتمع، لأن اسلمة الحياة العامة تجسد حاكمية الدين ونفوذه.

وكل تلك الابعاد مهمة وأساسية. غير ان هناك بعداً آخر يحق لنا ان نعتبره عمق ا لدين، وجوهر التدين، وهو الحال التي يستهدف الدين خلقها وايجادها في نفس الانسان، وهو الوازع الديني، او ملكة التقوى، بحسب منطق القرآن والنصوص الدينية.

وما العقيدة الا ارضية لانتاج هذه الحال. فإذا لم تحصل اصبحت العقيدة مجرد معلومات مختزنة في ذهن الانسان، غير فاعلة ولا مؤثرة في حياته. وتلك هي مشكلة بعض الكافرين، الذين لا تنقصهم العقيدة كمعلومات وحقائق، لكنهم لايذعنون لها في حياتهم لغياب هذا الوازع من نفوسهم.

وهؤلاء يقول القرآن الكريم فيهم: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ 1 ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ 2. فإن تعلم وتعترف بالله تعالى لا يكفي، وإنما المطلوب ان يثمر ذلك حال التقوى في نفسك.

وعبادات الاسلام ليست مقصودة بذاتها ولذاتها وإنما هي، حسبما يبدو من نصوص الدين، برامج ووسائل لتمكين حال التقوى في نفس الانسان. فيقول الله تعالى في الصلاة: ﴿ ... إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... ﴾ 3، فهي تهدف الى خلق هذا الوازع الذي يردع عن الانحراف، وإذا لم يتحقق هذا الهدف فلا قيمة لتلك الصلاة، كم روي عن الرسول: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا».

والصوم حكمة تشريعية الوصول الى درجة التقوى. يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ 4.

والحج ما المقصود بمناسكه وشعائره؟ وهل لله تعالى غرض فيها؟ إنه عز وجل في الحديث عن الاضحية في الحج يشير الى ان ما يريده منها هو زرع ملكة التقوى عند الانسان، يقول تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ ... ﴾ 5. وحتى الانظمة والقوانين العامة غرضها تعزيز هذا الوازع الديني في النفوس، كما يقول تعالى حول تشريع نظام القصاص والعقوبات: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ 6. إذاً فالتقوى هي الجوهر والغاية والحصيلة من كل جوانب الدين: عقيدة وعبادة ونظاماً. ورائع جداً ما قاله أمير المؤمنين علي: «التقوى منتهى رضى الله عباده وحاجته من خلقه».

وفي نفس الانسان مجموعة كبيرة من الدوافع المتعددة والمتناقضة.

فكما يقول الفيلسوف البريطاني، برتراند راسل، «الانسان اكثر تعقيداً في نزعاته ورغباته من أي حيوان آخر، وتنشأ الصعوبات التي يواجهها من هذا التعقيد، فهو ليس اجتماعياً تماماً مثل النمل والنحل، ولا هو انفرادي تماماً مثل الاسود والنمور، انه حيوان شبه اجتماعي، وبعض رغباته ونزعاته اجتماعي، وبعضها انفرادي فهو مخلوق مادي روحي خلقه الله تعالى من قبضة من تراب ونفخة من روح، وللتراب انشداداته وميوله، كما للروح طموحاتها وتطلعاتها، ما يجعله ميدان تجاذب بين الاتجاهين».

ومع هذه التجاذبات والانشدادات المتضادة، يحتاج الانسان الى قوة تمكنه من التحكم السليم في رغباته وميوله، وتوجهها لصالح نفسه ومجتمعه. ولا قوة تتمكن من القيام بهذا الدور افضل من قوة الدين. وما نصطلح على تسميته بالوازع الديني هو قوة تدفع الانسان للخير وتمنعه عن الانحراف والشر.

وقوة القانون ليست قادرة على ذلك، لان القانون طوع واضعه، ويمكن التحايل والالتفاف عليه، ولأنه يتعامل مع ظاهر الانسان وخارجه، ولا ينفذ الى عمقه وباطنه. ويستطيع الانسان ان يفلت من عقوبة مخالفته للقانون. القانون قد يعاقب المسيىء لكنه لا يكافئ المحسن. وقال تعالى: ﴿ ... وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ... ﴾ 7، وكان رسول الله اذا قرأ هذه الآية بكى بكاء شديداً.

وقد يرى بعضهم ان تقدم وعي الانسان، وتطوره العلمي، كفيلان بضبط سلوكه وتصرفاته. لكن شاهد الواقع شيء آخر. فعلى المستوى العام تطورت وسائل العنف وأساليب التخريب والفساد، وانتشرت الاسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل، ووظف العلم لدى الدول الكبرى لمزيد من السيطرة والهيمنة على الشعوب.

وعلى المستوى الفردي يمكننا التحدث على مشكلة التدخين.

فأضراره ومساوئه واضحة وثابتة علمياً، ألزمت شركات التدخين أن تكتب على كل علبة منه تحذيراً.

لكن العلم والوعي لم يؤثرا في انتشار التدخين وتسويقه.

ويشير تقرير عن وزارة التموين والتجارة الداخلية في مصر إلى أن أنفاق الفرد على التدخين في القاهرة يفوق أنفاقه على التعليم والترفيه والثقافة والرياضة وشركة واحدة تعمل في صناعة السجائر هي « فيليب موريس» تحقق موارد تبلغ «30» بليون دولار سنوياً وفي المملكة العربية السعودية تحدث تقرير لوكالة الأنباء السعودية عن تضاعف استهلاك سكان السعودية من التبغ ومصنوعاته لاكثر من ضعف في العالم 1995م عن العام السابق وبلغ الاستيراد 22 ألف طن، بقيمة 844 مليون ريال.

وكان بلغ في السنة السابقة 9 آلاف طن وتحتل المملكة المركز الرابع بين أول 15 دولة مستوردة للسجائر ويقدر إجمالي ما تستورده بنحو 47 مليون سيجاره يومياً. وتبلغ الوفيات بين المدخنين ثلاثة أضعافها بين غير المدخنين، وفي كل الأعمار ابتداء من وقت البلوغ والشباب وتقدر المنظمة العالمية عدد المدخنين في العالم ببليون ومئة مليون إنسان، وإذا استمرت اتجاهات الاستهلاك الحالية على نفس المنوال فإن أكثر من 500 مليون شخص ممن هم اليوم على قيد الحياة سيقتلهم التبغ فيموت نصف هؤلاء وهم في سن الكهولة ويخسر واحدهم في المتوسط ما بين 20 و 25 عاما من عمره المتوقع. أما العدد الإجمالي للذين تتوقع وفاتهم بسبب التبغ فيبلغ عشرة أضعاف مجموع من لاقوا حتفهم بسبب الحرب العالمية الثانية أما التدين الصادق فأنه يوجد في نفس الإنسان وازعاً دينياً يجعله مندفعاً للخير ممتنعاً من الشر متجاوزاً ضغط الرغبات والأهواء والشهوات.

فكان الإسراف في شرب الخمر عادة سائدة في الجاهلية ويعتبرونها من المفاخر التي يتسابقون عليها في مجالسهم ولكن لما نزلت آيات تحريم الخمر سنة ثلاث للهجرة، لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة ﴿ألا أيها القوم إن الخمر قد حرمت﴾ فمن كان في بده كأس حطمها ومن كان في فمه جرعة مجها وشقت زقاق الخمر، وكسرت قنانيه… وانتهى الامر كان لم يكن سكر ولا خمر.

هكذا يكون الوازع الديني حاكماً على تصرفات الإنسان على رغم سلطان العادة وقوة الرغبة وكمثال نشير إلى قصة تحريم التبغ والتنباك في إيران سنة 1312هـ ففي تلك السنة أعطى شاة إيران ناصر الدين القاجاري امتياز شراء التبغ وتصنيعه لشركة إنكليزية على حساب استقلال البلاد ومصلحة اقتصادها فأصدر المرجع الديني انداك، والميرزا محمد حسن الشيرازي فتوى بتحريم التبغ والتنباك بيعاً وشراء واستعمالاً فالتزم الشعب الإيرانيين يزيد على العشرين مليوناً، وكسرت كل نارجيلة وكل آلة تستعمل للتدخين فلما طلب الشاة أن يؤتي له بنارجيلة، على العادة أخبروه أنه لم يبق في لاقصر نارجيلة واحدة، لأن المرجع الديني قد حرم ذلك ما أضطره إلى فسخ امتياز الشركة الإنكليزية.

والمورد الأخر : أن يكون الإنسان في موقع قوة تجاه آخرين فأن ذلك قد يسوغ له استخدام قوته بغير حق معهم وهنا يحتاج إلى التقوى والوازع الديني ليتعامل مع الخاضعين لسلطته باحترام وأنصاف فالرجل في عائلته والرئيس مع مرءوسته والحاكم مع رعيته كلهم معرضون لهذا المنزلق ما لم يكن الوازع الديني حاضراً في نفوسهم وقد أوصى الأمام علي مالك الأشتر حينما ولاه مصر قائلاً : وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً.

وفي عهد عمر بن عبد العزيز كتب إليه وإليه على البصرة: «إن أناسً من العمال قد اقتطعوا من مال الله، ولست أرجوا استخراجه منه ألا أمسهم بشيء من العذاب، فأن رأي أمير المؤمنين في أن يأذن لي بشيء من ذلك فعلت...» فكتب إليه العجب كل العجب من استئذانك اياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله، وكان رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل فانظر من قامت عليه البينة، أو أقر فخده بما أقر وأيم الله لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم.

احب إلى من أن ألقى الله بدمائهم وكتب إليه وال آخر: «إني قدمت الموصل فوجدتها من أكثر البلاد سرقاً ونهباً، فأن أدنت لي أخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة، فعلت ولن يصلحهم غير ذلك».

فكتب إليه «خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فأن لم يصلحهم الحق لا اصلحهم الله».

فهذا هو عمق التدين، وجوهر الدين وحقيقته وأما إذا فقد الوازع الديني أو ضعف، فأن مجرد الإيمان بالمعتقدات أو أداء العبادات كمظهر لا يعنى تديناً حقيقياً ولا يجدي أمام الله سبحانه وتعالى، فأنه ﴿ ... إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ 8.

و«إنما» تفيد الحصر في اللغة العربية. 9


الهوامش:

1. القران الكريم: سورة يونس (10)، الآية: 31، الصفحة: 212.

2. القران الكريم: سورة المؤمنون (23)، الآية: 86 و 87، الصفحة: 347.

3. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، الآية: 45، الصفحة: 401.

4. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 183، الصفحة: 28.

5. القران الكريم: سورة الحج (22)، الآية: 37، الصفحة: 336.

6. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 179، الصفحة: 27.

7. القران الكريم: سورة يونس (10)، الآية: 61، الصفحة: 215.

8. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 27، الصفحة: 112.

9. نشرت هذه المقالة في جريدة الحياة 8 / 12 / 1999م.

2020/08/05

أنبوبة الاختبار هي الحكم: هل فشل المنهج التجريبي في معرفة «الإله»؟

يحكى ان رجلاً رأى أحدَ العمّال يبحث عن المعادن تحت الرمال عن طريق جهاز الكشف عن المعادن. فتعجّب من دقة الجهاز وقدرته على التنبؤ بما هو مدفون تحت الأرض من المعادن.

فأخذ نفس هذه الآلة وبدأ يبحث عن أشياء بلاستيكية وخشبية مدفونة تحت الأرض باستخدام نفس هذه الآلة. فلمّا لم يجد قال:

"لا يوجد في هذا الشاطئ خشب ولا بلاستيك لأنني استعملت هذه الآلة التي أثبتت كفاءتها في البحث عن المفقودات فلم أجد شيئاً".

يبدو أن هذا الرجل قد ارتكب خطأ كبيراً في استعمال الآلة تلك في غير موضوعها.

تخيل أنه زاد على ذلك من شدة إعجابه بهذه الآلة فقال: لا يوجد في الوجود خشب أو بلاستيك، لأنني كلما استعملت هذه الآلة لم أجد شيئا. وأنا لا أصدق غيرها!!

فخطأ هذا الإنسان ليس في تصديقه لهذه الأجهزة بعد أن أثبتت كفاءتها في الكشف عن المعادن، وإنما خطؤه في أنه قصر المصدر الوحيد للمعرفة على هذه الأجهزة. فهي –بالرغم من كفاءتها في مجالها- لا تكشف عن كل شيء في العالم.

بعض الناس صار يرتكب خطأ مشابها في معرض حماسته للعلم التجريبي، ويقول إنه لن يصدق إلا ما رآه بعينيه، وأن العلم التجريبي هو مقصده الأوحد للكشف عن أي حقيقة. وهذا القائل يظلم العلم التجريبي، ويسيء فهم دوره من حيث يظن أنه يتبعه وينصره.

تقوم حقيقة هذا الاعتراض على ان الطريق الوحيد المأمون الذي يمكن من خلاله اثبات الأشياء ونفيها في الخارج هو المنهج العلمي التجريبي، الذي يسلكه العلماء التجريبيون في بحوثهم ودراساتهم، وفي بيان هذا المعنى يقول بتراند راسل: ان الذي يعجز العلم عن اكتشافه لا يستطيع البشر معرفته[1]. ويقول جي، ي، مورلاند ـ أحد المعاصرين الغلاة في العلم ـ: العلم وحده عقلاني، العلم وحده يحقق الحق وأن كل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي... إذا كان هناك شيء لا يمكن قيامه واختباره بالطريقة العلمية فلا يمكن ان يكون صحيحاً او عقلانياً[2].

وبما ان الوجود الإلهي لا يمكن اثباته بالطريق العلمي التجريبي، فإنه لا يصح الإيمان بوجوده ولا التسليم بخلقه للكون، يقول بوجين سكون ـ عالم في المركز القومي للتعليم العلمي ـ لا يمكن ان نضع إلهاً كلياً في أنبوب اختبار[3].

وكتب قبله ستيوارت مل مقالاً بعنوان: (الايمان بالله والدين المنزل)، قال فيه: ان الله لا مكان له في العالم الحديث؛ نظراً لعدم قدرة الإنسان على اخضاع فكرة الإلوهية للتجرية[4].

لكن بمراجعة لطبيعة المنهج العلمي التجريبي نجد انه لا يثبت ولا ينفي ما لا يمكن اخضاعه للاختبار والتجربة، لكون هذه الأمور خارجة عن نطاقه الذي يمكن ان يعمل فيه، وأصول القضايا الدينية ليست مما يمكن اخضاعها للاختبار والتجربة، إذن فالمنهجية العلمية الصحيحة تقتضي ان لا يحكم عليها من خلال المنهج التجريبي بإثبات ولا نفي، لكونها خارجة عن نطاقه.

يقول ستيفن جاي جولد: العلم لا يمكنه بأساليبه المشروعة أن يتخذ قرارات فاصلة في قضية وجود الله فنحن لا نؤكدها ولا ننكرها، وبصفتنا علماء لا يمكننا التعليق عليها أصلاً[5].

وتؤكد الأكاديمية الامريكية للعلوم المعنى ذاته فتقول: العلم هو وسيلة للمعرفة عن العالم الطبيعي، ويقتصر على تفسير العالم الطبيعي من خلال الأسباب الطبيعية، لذلك لا يمكن للعلم ان يقول أي شيء عما هو فوق طبيعي، فمسألة وجود الله او عدم وجوده هي أمر يقف العلم تجاهها على الحياد[6]. هذا أولاً.

وثانياً، ان طرق اثبات الوجود الخارجي للأشياء لا تقتصر على طريق الأدراك الحسي، واخضاعه للاختبار والتجربة، وإنما يمكن إثباته عن طريق آثاره وأفعاله، فكثير من الحقائق التي يؤمن بها العلماء التجريبيون ويصدقون بها، ويبنون عليها اكتشافاتهم، لم يتم إثباتها عن طريق الحس والتجربة، يقول واين أولت ـ وهو من المختصين بالكيمياء الحيوية ـ مبيناً تناقض الذين ينكرون وجود الله بناء على ان وجوده لا يخضع للمنهج العلمي التجريبي: يسلم العلماء بصحة بعض الفروض المقبولة ، والتي ليس هناك سبيل لأدراكها إدراكاً حسياً، فليس هناك من يستطيع أن يدعي أنه رأى البروتون او الإلكترون، ولكن الناس يلمسون آثارهما، وكذلك الحال فيما يتصل بتركيب الذرة وخواصها، وكذلك الحال فيما يتعلق بتركيب الأجرام السماوية البعيدة، وما يفصلها من مسافات شاسعة، مما لا نستطيع أن نخضعه لتجاربنا، أو نقيم الأدلة المباشرة على صحة نظرياتنا وفروضنا حوله.

فمن الواضح ان كثيراً من المعلومات التي يحتاجها الإنسان في حياته ويسلم بصحتها، لابد أن يتقبلها ويؤمن بها إيماناً يقوم على التسليم بصحتها، وليس معنى ذلك أنه إيمان أعمى، فهو إيمان يسمح بأن يوضع على محك الاختبار في شتى مواضيعه، فيزداد بذلك قوة وتدعيماً ويستطيع الإنسان أن يمارس مثل هذا الإيمان فيما يتصل بفكرة وجود الله[7].

ويؤكد أستاذ الفيزياء التطبيقية جورج هربرت لونت وجود التناقض نفسه عند الغلاة في العلم المنكرين لوجود الله، فيقول في كلام مفصل: فمن المعروف في علم الهندسة اننا نستطيع ان نبني كثيراً من النظريات على عدد قليل من البديهيات، (يقصد بالبديهيات الأمور التي لا يمكن اختبارها وإقامة التجربة عليها) او تلك الفروض التي نسلم بها دون مناقشة أو جدال حول صحتها، فالعلماء يسلمون أولاً بالبديهيات، ثم يتبعون مقتضياتها او النتائج التي تترتب عليها، وعند اثبات أي نظرية نجد ان برهانها يعتمد في النهاية على مسلمات أو أمور بديهية، ومع ذلك فإن النظريات مجتمعة لا تستطيع أن تقدم دليلاً على صحة بديهية من هذه البديهيات، ولكننا نستطيع أن نختبر صحة هذه البديهيات بمعرفة ما يترتب على استخدامها من اتفاق او تضارب مع التطبيقات العملية والحقائق المشاهدة.

ولا تعتبر صحة النظريات التي تقوم على الأخذ بهذه البديهيات، ولا مجرد عدم مشاهدة آثار للتناقض بين هذه النظريات وبين الواقع والمشاهد، دليلاً او برهاناً كافياً، فالواقع أننا نقبل البديهيات قبول تسليم وإيمان، وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أنه تسليم وإيمان أعمى لا يقوم على البصيرة.

وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله، فوجوده تعالى امر بديهي من الوجهة الفلسفية، والاستدلال بالأشياء على وجود الله ـ كما في الإثبات الهندسي ـ لا يرمي الى إثبات البديهيات، ولكنه يبدأ بها، فإذا كان هناك اتفاق بين هذه البديهية وبين ما نشاهده من حقائق هذا الكون ونظامه، فإنه يعد دليلاً على صحة البديهية التي اخترناها، وعلى هذا فإن الاستدلال على وجود الله يقوم على أساس المطابقة بين ما نتوقعه إذا كان هناك إله وبين الواقع الذي نشاهده.

والاستدلال بهذا المعنى ليس معناه ضعف الإيمان، ولكنه طريقة مقبولة البديهيات قبولاً يتسم باستخدام الفكر، ويقوم على أساس الاقتناع بدلاً من ان يكون تسليماً أعمى[8].

وأيضاً يقول فيرنر هايزنبرك الحائز على جائزة نوبل بأن: قوانين الطبيعة عندما صيغت رياضياً في النظرية الكمومية لا تتعامل بهذه الحالة مع الجسيمات الأولية ولكنها تتعامل مع معرفتنا بها[9].

فكثير من القوانين الطبيعية المسلمة اليوم لم تخضع للتجربة، وإنما آمنا بها لمعرفتنا بآثارها.

وثالثاً: ولعله تأكيد لما تقدم، ان الذي يطالع أكثر الآراء العلمية اليوم يجدها (تفسير للملاحظات)، أي ان العالم عندما يلاحظ شيئاً يعطيه تفسيراً معيناً، وتفسيره هذا غير ملاحظته، فقد يرى الإنسان سلوكاً معيناً للجزيئات تحت الذرية كالإلكترونات والبروتونات، فيفسره تفسيراً معيناً فهذا التفسير ليس هو ما لاحظه، وأدخله أنبوب التجارب، وانما هو استنباط واستنتاج وقياس بعض السلوكيات على البعض الآخر، وهذه التفسيرات لا تسمى تجربة، وكلما زادت الشواهد التي تؤيد تفسيره، قوي التفسير الى ان يصل الى حد النظرية المسلمة، فمثلاً  إيه ميكلسون وإي مورلي حاولا تفسير انتقال الموجات الكهرومغناطيسية، ففسراها كحال أكثر علماء تلك الفترة عن طريق وجود الأثير وأنه المسؤول على حمل الموجات الكهرومغناطيسية، ولكن عند فشلهما في إثبات وجود الأثير تخلا عن هذا التفسير الى ان وضع أينشتاين تفسيراً للظاهرة، لكن العلماء لاحظوا قصور المعادلات المبنية على هذه النظرية من قياس المسافات الضئيلة، الى ان وصلت النوبة الى مجموعة من العلماء الشباب أمثال هيزنبيرج وديراك وبوهر وباولي وغيرهم من أفذاذ التاريخ البشري، وأسسوا نظرية تتعلق بفيزياء الكم قادرة على قياس المسافات الضئيلة الذرية وما دونها. فعندما وجد العلماء أن هذه المعادلات الكلاسيكية لا تستطيع تفسير فيزياء المسافات الضئيلة تم اقتراح تفسيراً آخر قائم على مبادئ فيزياء الكم. وهكذا ، فالعلم قائم على الافتراض والتفسير اي تفسير الظواهر وما تقوم عليه الملاحظة والتجربة، وهذا التفسير قد يصيب وقد يخطأ، ويتم التحقق منه بحسب قدرته على تفسير كل مصاديق وأفراد الظاهرة، وعند عجزه عن التفسير يُعلم ان ثمة خطب ما في هذا التفسير ولابد من البحث عن تفسير آخر، يقول الكسيس كارليل: إن الكون الرياضي شبكة عجيبة من القياسات والفروض[10].

فالعلم ليس هو الا قياس بعض الأمور على بعض وافتراضات يمكن التحقق من صحتها من خلال ما تقدم.

ويقول البروفيسور أ. ي. ماندير: إن الحقائق التي نتعرفها مباشرة تسمى الحقائق المحسوسة، بيد ان الحقائق التي توصلنا الى معرفتها لا تنحصر بالحقائق المحسوسة ، فهناك حقائق أخرى كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة، ولكنا عثرنا عليه على كل حال، ووسيلتنا في هذا السبيل هي الاستنباط، فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه بالحقائق المستنبطة، والأهم ان نفهم انه لا فرق بين الحقيقتين، وإنما الفرق هو في التسمية، من حيث تعرفنا على الأولى مباشرة وعلى الثانية بالواسطة، والحقيقة دائماً هي الحقيقة، سواء عرفناها بالمباشرة او بالاستنباط[11].

ويضيف ماندير قائلاً: إن حقائق الكون لا تدرك الحواس منها غير القليل، فكيف يمكن أن نعرف شيئاً عن الكثير الآخر؟ .. هناك وسيلة وهي الاستباط او التعليل. وكلاهما طريق فكري، نبتدأ به بواسطة حقائق معلومة، حتى ننتهي بنظرية: إن الشيء الفلاني يوجد هنا ولم نشاهده مطلقاً[12].

فطريقة العلم الحديث أنه يقدم رأياً عن شيء بعد مشاهدة مظاهره، وعندما يجتمع لدى العالم قدراً مناسباً من الحقائق الملحوظة فإنه يحس بضرورة وضع نظرية او فرض علمي، وبعبارة أدق: ضرورة فكرة اعتقادية ووجدانية، تقوم بتفسير الملاحظات، وربط بعضها ببعض، فإذا نجحت هذه الفكرة الاعتقادية في تفسير الحقائق تفسيراً كاملاً عدت حقيقة علمية، رغم أنها لم تلاحظ قط كما لوحظت الحقائق الأخرى التي نعرفها بالمشاهدة، او بالملاحظة العلمية.

ومعنى ذلك ان العالم يؤمن بوجود شيء غريب بمجرد ظهور نتائجه وآثاره، فكل حقيقة نؤمن بها تكون دائماً (فرضاً) في أول أمرها، الى ان نكشف حقائق جديدة تدعم صدقها، فنزداد يقيناً بها، حتى نبلغ حق اليقين. وإذا لم تؤيدها الملاحظات اللاحقة تخلينا عنها.

فالحقائق العلمية ليست بحقائق شوهدت فعلاً، وإنما هي تفسيرات لبعض المشاهدات، لأن المشاهدات الإنسانية لا يمكن ان توصف بانها كاملة، يقول البروفيسور سوليفان بعد نقده للنظريات العلمية: هذا العرض للنظريات العلمية يثبت ان معنى نظرية علمية صحيحة أنها فروض عملية ناجحة ومن الممكن ان تكون سائر النظريات العلمية باطلاً، ذلك ان النظريات التي نعتبرها اليوم حقيقة ليست إلا ـ قياساً على وسائلنا المحدودة للملاحظة ـ ولا تزال قضية الحقيقة في عالم العلم قضية علمية ونفعية[13].

وهذا ما قام به المتدينون، فلاحظوا ظواهر عدة واستنبطوا منها وجود الإله، أفلا يكون هذا وفق المنهج العلمي!!

رابعاً: قصور العلم التجريبي وعدم قدرته على توفير الأجوبة لكثير من الأسئلة، فالاقتصار على انبوبة الاختبار يجعل مثل قضايا الفن والجمال والقيم والأخلاق والشعر والفلسفة ليست علمية، وحينئذ يكون الاقتصار على العلم التجريبي التزاماً بالجهل، وعدم إمكان تحديد موقف في مثل هذه القضايا. ولنقرب المسألة بمثال: هب ان أمك صنعت لك كعكة، فأخذناها ليتم تحليلها من قبل مجموعة من العلماء، فإذا سألتهم عن تفسير للكعكة؟ فعلماء التغذية سيخبروننا عن عدد السعرات الحرارية في الكعكة وأثرها التغذوي، أما علماء الكيمياء الحيوية فسيحيطوننا علما عن البروتينات والدسم الى أخره، والكيميائيون سيحدثوننا عن العناصر التي دخلت في الكعكة، والفيزيائيون يحللونها وفق الجسيمات الأولية، وسيكون دور أهل الرياضيات عرض مجموعة من المعادلات الأنيقة التي تصف سلوك هذه الجزيئات. وبعد أن قدم لنا كل هؤلاء العلماء وصفاً علمياً للكعكة، هل يمكن ان نقول ان الكعكة قد تم تفسيرها تفسيراً كاملاً، فلنفترض إنك سألت هؤلاء العلماء: لماذا صنعت أمي الكعكة؟ هل يستطيعون إجابتك؟ بالقطع لا؛ لأن العلم يختص بجواب أسئلة كيف، ولا يجيب عن أسئلة من قبيل لماذا. من هنا يتضح قصور العلم الحسي التجريبي عن تفسير كافة الظواهر، والحاجة الى علوم أخرى قادرة على ذلك، ومكملة له. يشير الى هذا حامل جائزة نوبل سير بيتر ميداوار في كتابه (نصيحة الى العالم الشاب): لا يوجد أسرع في التسبب بالعار للعالم لنفسه او لمهمته من ان يعلن بطريقة شاملة وخصوصاً عندما لا يوجد أي داع لمثل هذا الإعلان، بأن العلم يعرف او سيعرف قريباً أجوبة كل الأسئلة التي تستحق أن تسأل وأن الأسئلة التي تتطلب جواباً علمياً هي بطريقة ما ليست أسئلة او أسئلة كاذبة يسألها الأغبياء فقط ويدعي السذج أنهم قادرون على إجابتها.

ويتابع قائلاً: إن وجود حدود للعلم شيء واضح من عجزه عن الإجابة على أسئلة من مستوى أسئلة تلاميذ المدرسة الابتدائية، بما يتعلق بأول وآخر الأشياء، أسئلة من نوع: (كيف بدأ كل شيء؟) او (لماذا نحن هنا؟)، (والغاية من الحياة؟).. ويضيف: باننا يجب ان نلجأ الى الأدب التخيلي والى الدين للحصول على الأجوبة لهذه الأسئلة[14].

ويؤكد فرانسيس كولنز: مدير معهد الجينوم على هذا: العلم لا حيلة له في الإجابة عن أسئلة من نوع "لماذا جاء الكون الى الوجود؟"

، ما معنى الوجود الإنساني؟" " مالذي سيحدث بعد أن نموت؟"[15].

يكتب أوستن فاور: كل علم يختار منحى من مناحي الأشياء في العالم ويظهر لنا كيف تعمل، وكل شيء يقع خارج المجال يقع خارج مجال هذا العلم، ونظراً لأن الإله ليس جزءً من هذا العالم، وبالأحرى ليس أحد مظاهره، لا يمكن أي شيء يقال عن الخالق ـ مهما كان حقاً ـ ان يصير عبارة تنتمي الى أي نوع من أنواع العلوم[16].

فالقول بأنه لابد ان يخضع الوجود الإلهي للبحث الحسي التجريبي قول عبثي قائم على تحكمات واشتراطات لا مسوغ لها ولا دليل عليها، وفي الختام أرى ان قصة كذاب بلدة كريت تنطبق تماماً على دعوى هؤلاء، وملخصها إن رجلاً دخل بلدة كريت اليونانية، وصادف أحد فلاسفتها، فقال له الفيلسوف: مالذي جاء بك؟ أجابه الرجل: جئت لأتعلم من فلاسفة هذه البلدة. فقال له الفيلسوف: إن كل فلاسفة كريت كذابون.

وهنا تحير الرجل: فإن كان كلام هذا الفيلسوف صادقاً، فلابد ان يكون قد كذب عليَّ لأنه منهم، فقد قرر الفيلسوف ان كل الفلاسفة كاذبون وبما انه منهم فيكون كاذباً.

وهنا نقول ان كان كلام المتحمسين للعلم التجريبي (بأن طريق المعرفة منحصر بالعلم التجريبي، وكل ما عداه باطل)، صادقاً بطل هذه الدعوة نفسها لأنها تفسير واستنتاج لم يخضع لآليات العلم التجريبي، فهل قامت التجربة على صحة هذه المقولة؟ وهل يمكن اختبار هذه الدعوى في المختبر، وهل هي من قبيل المادة ليتم اختبارها ومعرفتها من خلال العلم التجريبي؟

فهي مما يبطل نفسه بنفسه، فيصدق عليها قوله تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً).النحل: 92.

الهوامش:


[1] العلم والدين 243.

[2] القضية الخالق، لي سترويل 94.

[3] القضية الخالق، 24.

[4] الإلحاد في الغرب، رمسيس عوض، 206.

[5] العلم ووجود الله، هل قتل العلم الايمان بوجود الله؟ جون لينكس، 160.

[6] من خلق الله، إدكار اندورز، 70. هذا اولاً.

[7] الله يتجلى في عصر العلم، تحرير جون كلوفرمونسيما، 136.

[8] الله يتجلى في عصر العلم، 185.

[9] اقوى براهين جون لينكس، 50.

[10] الإسلام يتحدى، ص40.

[11] A.E. mander. Clearer thinking. 46.

[12] المرجع السابق، 49.

[13] J.w.n.Sullvan. Limitaions of Science, p. 158.

[14] Hannah Devlin. Hawking: God Did Not Greate The Universe. 12 Sep 2010.

[15] أقوى براهين جون لينكس، ص70.

[16] Fan 1997. P. 26ـ/ Is science a religion?. The Humanist. Jan 

2020/08/02

قبل أن تناقِشوا في الدين

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

إذا أردتم أن تتحدثوا عن الدين والعقيدة وتناقشوا في ذلك وتحكموا على أفكار الآخرين بالوسطية أو التطرّف فأرجو منكم - قبل الحديث والنقاش والحكم - أن تعملوا على أربعة أمور :

الأمر الأول : حاولوا أن تُبعدوا العواطف والشعارات قليلاً.

الأمر الثاني : عليكم أن تقرأوا القرآن الكريم كل القرآن بتمعّن، فإنّه يعطيكم كلّيات العقيدة وعمومات الدين.

الأمر الثالث : اقرأوا حديث أهل البيت (ع) كأصول الكافي، لتطّلعوا على حديث أئمتكم (ع)، شريطة أن ترجعوا للعلماء أو الفضلاء فيما يشكل عليكم من معاني بعض الروايات، وإياكم وتكذيبها قبل مراجعة أهل الاختصاص.

الأمر الرابع : أن تقرأوا بعض الكتب العقائدية لعلمائنا المعروفين، وأنصحكم بقراءة المراجعات للسيد شرف الدين (قدس) وأصول العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) وإصدارات السيد محمد باقر السيستاني (دامت بركاته).

أما إذا لم تعملوا على هذه الأمور الأربعة بتمامها فلا يحق لكم أن ترموا فكرة هذا بالتطرف والدعشنة، أو فكرة ذاك بالاعتدال، فإنّ هذه الأحكام ستكون نتيجة العواطف والميل النفسي المبنيَّين على عدم المعرفة، وقد تظلمون أشخاصاً لا يحق لكم ظلمهم - فينطبقُ عليكم ما رميتم به الآخرين من وصف الدعشنة - وقد تروِّجون لأفكارٍ خاطئة لا يصح الترويج لها وإن وافقت ميولكم النفسية.

العلم الديني والثقافة العقائدية حالها حال بقية العلوم والفنون، لا تنزل على الإنسان بالوحي بل تحتاج إلى مطالعة ودراسة وسؤال ذوي الاختصاص.

أما أنك تريد الراحة والنقاش بكل شيء فهذا غير صحيح عقلائياً وشرعاً، فإنّ الجدال من دون علم يقال له "المراء" وهو من كبائر الذنوب، وأخبر النبي (ص) أنّ المراء دون الشرك بدرجة.

2020/07/26

أشد من الفقر الاقتصادي: مجاعة ثقافية.. كيف نواجهها؟!

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

على الرغم من توفّر وسائل المعرفة بشتى انواعها وسهولة تناول المعارف الدينية نجد وللأسف الشديد تدنيّاً فاحشاً في المستوى المعرفي والثقافي الديني عند كثير من أبناء الطائفة الشيعة، بل ربما تجد مَنْ هو في موقع المسؤولية والوجاهة الاجتماعية لا يفقه أبجديات الدين والمذهب.

وهذه الحقيقة ليست من نسج مخيلتي بل هي نتيجة واقعية أدركناها وعايشناها وأقرّ بها كثيرٌ مِنْ أهل الاختصاص في هذا المجال .

وهذا الواقع الأليم قد يختلف شدةً وضعفاً بين منطقة وأخرى وبلدة وثانية إلا أن هذا التقييم هو للجو الديني الشيعي العام في هذه البلاد، أقصد لبنان.

ومختصر الكلام في ذلك: أن وضعنا الثقافي المعرفي أشد من وضعنا الاقتصادي، فإن كنّا نعاني فقراً على المستوى المادي الاقتصادي فإنّنا في الوقت ذاته نعاني قحطاً ومجاعة على المستوى المعرفي والثقافي الديني.

إن أبناء الطائفة الشيعية على مرّ العصور مشهورون بعلمهم، ومعرفتهم، وقوة البرهان لديهم، ونبهاتهم، وورعهم، واجتهادهم، وقد ورثوا كل ذلك عن أئمتهم عليهم السلام، فالحذار الحذار من التفريط بهذا الامتياز والتفضيل.

وما مقالتي هذه إلا تنبيها وتحذيراً من سلوك هذه الاتجاه.

ولو أردنا البحث عن أسباب هذا التدني المعرفي لوجدناها كثيرة متعددة، بعضها يرتبط بأمور عامة على الساحة الشيعية، وبعضها يرتبط بأمور خاصة عند الناس أنفسهم.

وحيث إن كلامنا مبنيٌّ على الاختصار سعياً لمراعاة مقتضى الحال، فإن الإسهاب في بيان هذه الأسباب والإطناب في طرق العلاج مع كون أكثرها مما لا يمكننا فعله وتطبيقه لأنه ليس بأيدينا، فإن كل ذلك يلزم منه نقض الغرض.

وما يهمني تسليط الضوء عليه وأرى فيه ظاهرة لها الأثر الكبير في استفحال هذه المشكلة هو عدم استفادة بعض رجال الدين من الجلسات والسهرات التي تعقد ويجتمع فيها المؤمنون تحت عناوين متعددة، ليجيّروا مثل هكذا اجتماعات لنشر المعارف والوعظ والإرشاد، بل يخوضون مع عامة الناس في مواضيعهم الدنيوية التي ترتبط بسفاسف الأمور، ويساعدهم على ذلك الناس أنفسهم حيث لم يستفيدوا من وجود هذا العالم المختص في مجال الدين وهو حاضر بينهم ينفعهم ويأخذ بيدهم ويعلمهم ويرشدهم.

وقد أخذ الله على العالم أن يعلّم كما أخذ على الجاهل أن يتعلم، وكلهم مسؤول يوم القيامة، فالطريقة الناجعة في تصويب المسار وجعل هذه الاجتماعات مورداً للاستفادة هو أن يبادر الحضور للسؤال ويطلبوا من العالم الحاضر أن يتكلم فيهم بالمعرفة الدينية والوعظ والإرشاد حتى لو وصل الأمر الى إحراجه في ذلك.

كما أن على أهل العلم حين يحضرون في مجلس أن يتكلموا فيه بالوعظ والإرشاد وبيان الأحكام ولا يتماشوا مع أهل المجلس بما لا ينفعهم بل ربما كان وبالاً عليهم جميعاً.

فقد ورد عن أَبـِي عـَبـْدِ اللَّهِ الصادق (علیه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله وسلم) مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ فَلَمْ يـَذْكـُرُوا اسـْمَ اللَّهِ عـَزَّ وَ جـَلَّ وَ لَمْ يـُصـَلُّوا عـَلَى نـَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ حَسْرَةً وَوَبَالًا عَلَيْهِمْ.

وأختم بهذه الطريفة عن السيد الحميري (رحمه الله) حيث حضر مجلساً كان أهل ذلك المجلس يتذاكرون فيه أمر الزرع والنخل، وخاضوا في ذلك ساعة من المجلس، وإذا بالسيد الحميري ينهض ويقوم من المجلس، فقال له الحاضرون :

يا أبا هاشم ممَّ القيام؟ فقال:

إنِّي لأكرهُ أن أطيلَ بمجلسٍ

لا ذكرَ فيهِ لفضلِ آلِ محمدِ

لا ذكرَ فيه لأحمدٍ ووصيِّهِ

وبنيهِ ذلكَ مجلسٌ نَطِفٌ ردي

إن الذي ينساهم في مجلسٍ

حتى يفارقه لَغَيرُ مسدَّدِ

اللهم وفقنا وجميع المشتغلين لخدمة شريعة سيد المرسلين وآله الأطيبين الأطهرين.

2020/07/15

من يقف وراء العنف في العالم؟

هناك نوعان من العنف:

1 - العنف المادي (وهو استعمال القوة لإرغام العدو) فقد يكون تعدّياً وظلماً، كما قد يكون تهديدا أو استعمالا للقوة في ايقاف العدو الظالم عند حدّه، كما قد يكون، انتقاماً منه لكسر شوكته أو تدميره بعيداً عن الأخلاق .

2 - العنف غير المادي « وهو عبارة عن تزييف الحقائق وإفساد المعرفة الانسانية، والحيلولة دون تطبيق الحقوق والواجبات في العلاقات بين البشر » .

موقف الاسلام من العنف :

الاسلام يقول : إن في كل انسان استعداد لعمل الخير والشر، والله خلق الانسان وخلق له عقلا يدبر به أموره ويميّز بين الخير والشر، وقد دعا الاسلام إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون والتسامح، كما أن الأديان السماوية هدفها واحد، وهو التوحيد وعبادة الله وهي حلقات متصلة لهداية البشر، إلاّ أن الدين الاسلامي الذي هو آخر الأديان أشمل من الأديان السابقة عليه وأكمل، ولذا أقرّ الاسلام التعددية الدينية والثقافية ما دامت متصلة بالتوحيد، ولم يكره الاسلام أحداً لاعتناق الاسلام كما قال : (لاَ اِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ) وقال (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) في أوج قوته وعظمته .

ومن هذا كله نعرف أن استعمال القوة لارغام غير المسلم على اتباع الاسلام بحيث يكون ظالماً متعدّياً، أمر لا يقرّه الاسلام . أما صدّ العدو عن ظلمه وايقافه عند حدّه - وهو ما نسمّيه العنف المضاد - فهو أمر جائز بل ممدوح أيضاً لأنه يوقف التعدّي عند حدّه ويرفع الظلم والقهر أو يدافع عن النفس .

وأما تزييف الحقيقة وإفساد المعرفة والحيلولة دون تطبيق الحقوق والواجبات فهو أمر مرفوض اسلامياً لأنه خيانة وظلم للانسان الذي أراد الله له الهداية والتكريم .

من يقف وراء العنف في العالم ؟

إن الذي يقف وراء العنف في العالم عدّة أمور :

الأول : الثقافة والتربية والبيئة والعلاقات الاجتماعية والسياسية، فإنها تلعب دوراً مهماً في جعل بعض الافراد أو حتى الشعوب أكثر ميلا إلى استعمال العنف من غيرهم، ففي أمريكا مثلا ترتفع معدلات الجريمة بخلافها في السويد . فمثلا إذا كانت الثقافة والتربية هي افشاء العصبية والطائفية والعنصرية ازداد العنف في المجتمع ضد الآخر، أما إذا كانت الثقافة هي التسامح والتعاون ونبذ العصبية والطائفية والعنصرية قلّ العنف ضدّ الآخر .

الثاني : استبداد السلطات، والقمع المفرط في العقاب وانعدام احترام الرأي الآخر، فقد تعمد السلطة إلى العنف عندما تبرر العنف والقمع باصدار القوانين والتشريعات ضدّ الآخرين .

الثالث : الشعور بالاحباط الذي ينشأ من الصدمة الناتجة عن عدم تحقق الآمال والتطلعات والأهداف . فعندما يواجه شعب بالإبادة وعدم احترام الحقوق والتوهين وتهتك حقوق الانسان ليل نهار، يتوجه إلى العنف كطريق وحيد للمحافظة على حقوقه وعزّته .

العنف المقنع:

وهو ما يعرف بالعنف الاجتماعي أو المسكوت عنه الذي ينمو ويشب عند غياب الوعي الاجتماعي وغياب السلوك العقلاني وفقدان الحرية والعدالة، ويتمثل في الكراهية للآخرين والسيطرة على الضعفاء، والاتهامات الباطلة، والاعتداء على الاعراض جنسياً واضطهاد الأطفال والمعوقين وتخريب الممتلكات العامة والخاصة والاعتداء على الحيوان وقطع الزرع وتخريب البيئة والضوضاء والصخب وتعليم الأطفال النزاع والصراع عن طريق وسائل الاعلام والأفلام البوليسية وأمثال هذه الأمور التي لا يقرّها عقل ولا شرع .

2020/07/14

لماذا الخوف من التعاون؟

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

من عوائق التقارب والتعاون محورية العواطف والأحاسيس في نظرة الأطراف إلى بعضها، لقد تجاوز الأوربيون آثار حربين عالميتين حصلت فيما بينهم خلال نصف قرن من الزمن، الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، والحرب العالمية الثانية (1939-1945م)، وقد سببت الحرب العالمية الأولى دماراً كبيراً، إذ مات نحو 10 ملايين جندي نتيجة الحرب، وجرح نحو 21 مليون رجل، ولا أحد يعرف كم عدد المدنيين الذين ماتوا من المرض والجوع والأسباب الأخرى المتعلقة بالحرب، ويعتقد بعض المؤرخين أن عدد المدنيين الذين ماتوا كان يساوي عدد الموتى من الجنود 10 ملايين. أما الخسائر الاقتصادية فتقدر بنحو 337 بليون دولار أمريكي، عدا الآثار السياسية والاجتماعية.

أما الحرب العالمية الثانية فيزيد عدد ضحاياها من الجنود على 30 مليوناً وقد يصل العدد من الضحايا المدنيين إلى ضعف ذلك..1.

لكنهم تجاوزوا كل تلك الآثار، وصاروا يتعاونون كحكومات وشعوب وجماعات ومؤسسات، يتحدثون عن تلك الحروب كتاريخ مضى، ويخلدون أحداثها ضمن المتاحف والمعارض، دون أن يوظفوها في تعبئة الانفعالات، وإثارة الكراهية والبغضاء.

لكننا مازلنا نعيش آثار معارك التاريخ الغابر لأمتنا، ونحمّل بعضنا بعضاً نتائج ما حصل بين الأسلاف، وبدل أن نأخذ من التاريخ دروسه، ونستفيد من عبره، أصبحنا أسارى لانفعالات وقائعه وأحداثه، لتذكي بيننا مختلف ألوان الصراعات المذهبية والقومية والسياسية والإقليمية والقبلية.

وحتى على المستوى العائلي يتوارث الأبناء صراعات آبائهم وأجدادهم لتبقى الأرحام مقطوعة، والعلاقات متشنجة.

إننا بحاجة إلى إثارة عقولنا وترويض عواطفنا وانفعالاتنا، لندرك أن مصلحتنا في التعاون والتقارب.

ولعل من أسوأ عوائق الوحدة والتعاون في ساحة الأمة، ما يسميه البعض التزاماً شرعياً مبدئياً يمنعه من الاقتراب من الآخر المخالف له في الرأي، والمشاركة معه في أي مشروع، لأنه يعتبر الآخر مبتدعاً ضالاً، يأمر الشرع بهجره ومقاطعته، بل ومحاربته، وبغض النظر عن خطأ مثل هذه الأحكام غالباً، فإن الشرع يفسح المجال للتحالف حتى مع غير المسلمين حينما تكون هناك مصلحة مشتركة، كما نصت صحيفة المدينة التي وضعها رسول الله بداية الهجرة على التحالف مع قبائل يهود المدينة، وكان هناك عقد معاهدة بينه وبين قبيلة خزاعة من المشركين، إضافة إلى عدد من المعاهدات والأحلاف الأخرى المذكورة في السيرة النبوية.

إن التحديات الخطيرة التي تواجه الأمة تفرض نوعاً من الاستقرار في علاقاتها الداخلية، وتوجب مستوى من التعاون بين أطرافها وقواها المتنوعة فكرياً وسياسياً، وتجاهل ذلك نوع من الجهل والغباء، والتبريرات الشرعية المدعاة هي خطأ في فهم مراد الشرع، أو التباس في موارد التشخيص والانطباق.

مواقع الاتفاق ونقاط الاختلاف

وهناك عائق آخر يتمثل في التسمّر أمام نقاط الخلاف، وسيطرتها على الأذهان والنفوس، مما يمنع الاتجاه إلى مواقع الاتفاق، وموارد الاشتراك، فليس شرطاً أن تتفق الأطراف المختلفة على كل شيء لتبدأ التعاون، بل يمكن الانطلاق من نقطة اتفاق واحدة لخدمة مصلحة مشتركة.

وهذا ما عرضه القرآن على اليهود والنصارى في قوله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا ...»2.

ومن هذا المنطلق كانت معاهدات رسول الله مع غير المسلمين من يهود ونصارى ومشركين.

إن وجود مشروع مشترك ومصلحة متبادلة في جانب ما بين الأطراف المختلفة، يجعلها أقدر على معالجة سائر الجوانب، أو تجميد الآثار السلبية للاختلاف فيها.

ومن المتعارف الآن في العلاقات السياسية أن تذكر البيانات المشتركة مواقع الاتفاق إلى جنب نقاط الاختلاف، كما أن أنظمة المؤسسات الجمعية الدولية والإقليمية، تفسح المجال لفرز الأصوات، الموافق منها والمخالف والممتنع عن التصويت، حول أي مشروع يطرح. فإذا ما اختلفنا حول مسألة أو قضية لا يعني ذلك إنهاء العلاقة، وإلغاء التعاون والانسحاب من الشراكة.

لماذا الخوف من التعاون؟

إن البعض يخشى من التعاون مع الآخرين لضعف ثقته بذاته، وأنه حينما يتعاون معهم قد يقع تحت تأثيرهم، أو يُحتوى وضعه لصالح نفوذهم، وقد يخشى البعض من أن التعاون يجعل ساحة تيارها مفتوحة أمام تأثير الآخرين، لكن هذه المخاوف وأمثالها تشكل تكريساً لحالة الضعف وتستراً عليها، والجهة الواعية هي التي تقبل التحدي وتستجيب له، لترتفع إلى مستواه، فتتعاطى مع الآخرين بثقة، وتدخل حلبة التنافس الإيجابي باطمئنان، وبذلك تكتشف نقاط ضعفها فتعالجها، وتدرك مواقع قوتها فتنميها، فالتعاون بثقة سبيل لاكتساب القوة.

وفي بعض الأحيان تتضخم الأنا والذاتية عند البعض، فلا يرون الآخرين أنداداً لهم يستحقون التعاون، فهم الحق وغيرهم باطل، وهم الشرعية وسواهم أدعياء، وهم الكبار ومن عداهم أقزام، وقد يحيط البعض نفسه بهالة من العظمة والقداسة أمام الأتباع، فيخاف من التعاون أن يظهره على واقعه.. وهذه الأوهام تمثل حالة مرضية، لأن التفكير السليم يدفع القوي إلى تفعيل وجوده بالانفتاح على الآخرين وليس بالانكفاء دونهم.

إن الدول الكبرى في العالم تشارك في عضوية المؤسسات الدولية إلى جانب أصغر الدول، وتدخل معها في اتفاقات وتحالفات.

الهوامش:


1. الموسوعة العربية العالمية، ج9 ص 242،209،الطبعة الثانية 1999م، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض.

2. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 64، الصفحة: 58.

2020/07/09

2020/07/04

يقول الغرب: الحجاب يحرم المرأة من المناصب!

يقول الغرب: أليس وجوب ستر البدن على المرأة يكون وسيلة لحرمانها من مناصب معينة؟  أو يكون تأكيداً على أنّ المرأة هي رمز الإغراء في المجتمع وأنّها لا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل؟

ونقول:

أ - إنّ وجوب ستر البدن - كما قلنا - ليس مختصاً بالمرأة، بل يشمل الرجل أيضاً، ولكن بمساحة تختلف عن مساحة المرأة، فالستر هو حقّ عام على الجنسين ; لأنّه رمز للعفة والكرامة.

ب - نعم، إنّ النساء تغرين الرجال - غالباً - وتجلبن انتباههم وتسهّل عملية إغرائهم، بخلاف الرجال فإنّهم نادراً ما يغرّون النساء، لذا فإنّ من الحكمة أن لا يترك الإغراء والإغواء الهدام يعبث في المجتمعات المسلمة ويرمي سمومه فيها، ومن الواضح أنّ اللباس المحتشم يكشف القِيَم التي يحملها صاحب اللباس المحتشم، كما أنّ التعرّي يكشف عن قيم صاحبه، فالأول يصرّح بعدم أيّ علاقة بالجنس ومقدّماته خارج نطاق الأُسرة والزوج، والثاني يصرح ويغري بالعكس - وإن كان صاحب التعرّي لا يقصد ذلك - ولذلك صرّح علماء النفس والتربية بأنّ المرأة المتعرّية هي المعينة على نفسها إذا اغتصبت من قبل الرجال، كما تقدّم ذلك.

ج - ليس لستر البدن أيّ صلة أو تعبير عن حرمان المرأة من حريّتها في حياتها الاجتماعية والعملية والسياسية.

ويقولون أيضاً: إنّ ستر البدن يحمل معاني متعدّدة:

منها: أنّها تدعو النساء الأُخريات لدينها، وهذه الدعوة لا تتحمل في النظام الذي فصل بين الكنيسة والدولة - كنظام فرنسا - فكلّ شي يأخذ طابعاً ديناً لا بدّ أن يحظر، فيكون لمثل هذه الدول الحقّ في منع ستر البدن بالكيفية التي تكون عليها المرأة المسلمة.

ومنها: ما قاله « جافيير تيرتيسيان »: إنّه يحمل معنى جبر المرأة المسلمة على الحجاب، بينما يريد لها المشرّع الفرنسي أن تكون حرّة.

ومنها: أنّه معنى سياسياً وليس واجباً دينياً.

ومنها: أنّه يساء استخدامه من قبل الأُصوليين الإسلاميين، فيهدّدون الجمهورية الفرنسية العلمانية ([1]).

ونقول:

1 - نعم، لا ننكر أنّ ستر البدن فيه دعوة للاقتداء به ; لأنّه الأمر الذي تفضّله المرأة من الستر، وهو أيضاً يحمل معنى سياسياً، إلاّ أنّه لا يهدد مبادئ فرنسا ولا يهدد العلمانية، فالعلمانية مبدأ خلاف الدين، والدين مبدأ خلاف العلمانية، والفرد الحرّ مختار في تبنّيه لأيّ من الفلسفتين، فإذا كانت فرنسا عندها مبدأ الحرية في الاختيار فلا بدّ أن تسمح للنساء باختيار الدين أو اختيار العلمانية، وأمّا مسألة ستر البدن فهي لا ربط لها بتهديد مبادئ فرنسا العلمانية.

بالإضافة إلى أنّ ستر البدن للمرأة واجب ديني، وهو موجود قبل قيام الثورة الفرنسية ومبادئها بقرون، ولو كان يتعارض - كواجب ديني - مع العلمانية ومبادئ فرنسا، فلماذا غاب هذا عن المشرّعين الفرنسيين في بادئ الأمر والتفت إليه الآن؟!! ولماذا لم تلتفت إليه الدول العلمانية الأُوروبية الأُخرى، حيث تسمح بالحجاب في الجامعات وفي المؤسسات الرسمية للدولة؟!!

2 - وأمّا بالنسبة لإجبار المرأة المسلمة على ستر البدن، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة فلماذا تتظاهر المرأة في الغرب احتجاجاً ضدّ هذا التشريع، فهل أجبرنَ على التظاهر ضدّ قانون منع الحجاب أيضاً؟!!

وإذا كان إجبار المرأة لا يجوز على ستر البدن فلماذا تجبر على العهر؟!!

تقول « بيت هرتز فيلد » في مقالة ([2]): إنّه حينما تذكر العبودية، فإنّه يتبادر إلى ذهن كثير من الناس تلك الصور المأساوية القديمة لتجارة العبيد عبر الأطلسي، والتي كانت تعتمد على بيع وشراء الناس. ويبدو أنّ العالم الحديث قد ترك هذا السلوك خلف ظهره. وتصرّ « هرتزفيلد » على أنّ العبودية ليست موجودة حالياً فحسب، بل إنّها في توسع، وهذه حقيقة.

وتتنبأ الكاتبة أنّ هناك حالياً حوالي سبعة وعشرين مليون امرأة وطفل ورجل يتم استعبادهم في العالم، فنساء أُوروبا الشرقية يتم استعبادهم ليمارسن البغاء في أوروبا الغربية، والعبودية المعاصرة تقبل بأيّ إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو عرقه في كلّ قارات العالم وفي أكثر الدول تقدّماً صناعياً، ثمّ تعطي الكاتبة أمثلة على الطريقة التي يمكن من خلالها للآمال المبنية على البناء الاجتماعي أن تزيد من قابلية النساء للسقوط في ممارسات تشبه العبودية.

ومن المؤسف أنّه لم يتخذ أيّ إجراء قانوني أو لم يسنّ أي قانون لمنع حدوث هذه الظاهرة، وكم نسمع من صيحات حول هذا الأمر، ولكن لا نرى أي فعل.

وقد عقد في موسكو في العام 1997 م مؤتمر دولي حول تجارة تسفير النساء الروسيات خارج البلد من أجل البغاء، وقد كتب « فرانسين بيكن » مقالة حول هذه الآفة الاجتماعية تحت عنوان: « ما أكثر الكلام وما أقل الفعل ! الهجرة القسرية والاتجار بالنساء ».

وتبحث المقالة في وجهات النظر المختلفة الكثيرة حول قضية الاتجار بالنساء والسياسات المختلفة المرتبطة بهذه القضية ([3]).

وفي تقرير نشرية المنظمة العالمية للهجرة حول الهجرة غير المنتظمة من جورجيا إلى أُوروبا، نشر في أول أيلول عام 2001 م تحت عنوان « أما المشقة خارج الوطن أو الجوع في الوطن » يشير هذا التقرير إلى أنّ المهرّبين في جورجيا كانوا يتاجرون بالنساء الجورجيات، حيث يرتّبون لهن مستلزمات الهجرة إلى عدد كبير من دول غربية، أكثرها شعبية هي ألمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة.

وفي مورد آخر من نفس التقرير نقرأ ما يلي: « إنّ حوالي نصف ضحايا الاتجار بالنساء حسب المقابلة التي أجرتها معهن منظمة الهجرة العالمية (حيث استجابت 58 امرأة من بين 121 وهو العدد الكلي للمستجيبات) أُجبرن إما على العمل في النوادي الليلية، أو على التعرّي أمام النظارة (السترتبيز)، أو ممارسة البغاء، وفي أكثر الحالات لم توضح أولئك النسوة

طبيعة النشاطات التي كنّ يقمن بها، لأنّ أكثرهن فضّلن وصف عملهن كمادة للترفيه بدلاً من استخدام تعابير أكثر تحديداً. فالنساء الجورجيات أجبرن على ممارسة أعمال الجنس في كلّ البلدان التي ذهبن إليها، كما جاء في التقرير.

ويبدو واضحاً من تلك المقابلات. أنّ الولايات المتحدة (حسب ما قالت 12 من تلك النساء التي أُجريت معهن المقابلة) وتركيا (حسب ما قالت 8 من تلك النساء) احتلتا المركز الأول من بين الدول التي انتهى المطاف بتلك النسوة إليها والتي أُجبرن فيها على ممارسة أعمال الجنس، ثمّ تأتي بعد ذلك فرنسا وأسبانيا واليونان، حسب ما قالت ستة من تلك النساء التي أُجريت معهن المقابلة ».

وفي تقرير آخر تحت عنوان « تقرير الاتجار بالأشخاص لعام 2003 م » نشر في 11 / 6 / 2003 حيث كانت فرنسا هي مادة التقرير الذي نشر تحت رعاية وزارة الخارجية الأمريكية، أنّ فرنسا هي المحطة الأخيرة للضحايا، ومعظمهم من النساء اللواتي تمّ الاتجار بهن من أفريقيا ومن وسط وشرق أوروبا ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق لغرض ممارسة البغاء والخدمة المنزلية. وتقدّر الشرطة الفرنسية بأنّ تسعين بالمائة من الخمس عشرة ألف مومس اللواتي يعملن في فرنسا هنّ من ضحايا الاتجار بالنساء، وأنّ من ثلاثة إلى ثمانية آلاف طفلة تم إجبارهم على العمل في سلك البغاء والأعمال العسيرة بما في ذلك التسوّل...([4]).

وأمّا إساءة استخدام ستر البدن من قبل الأُصوليين الإسلاميين فيهدّدون فرنسا، فهو إنّما يصح لنوع خاص من ستر البدن كالعباءة العربية والجادر الإيراني، أمّا ستر البدن بواسطة المانتو وستر الساقين بواسطة البنطرون وستر الرأس بواسطة المقنعة، فهو مما لا إساءة فيه لتهديد فرنسا إطلاقاً.

مقتطف من كتاب: بحوث في الفقه المعاصر، للشيخ حسن الجواهري

الهوامش:


[1] راجع المصدر نفسه: 17 نقلاً عن جلسة سؤال وجواب عقدها الموقع الألكتروني الإسلامي العربي ( اسلام اونلاين ) في 2004 / 7 / 12 م استضاف فيها « جافيير تيرتيسيان » الذي يمتلك عموداً في الشؤون الدينية في صحيفة « لوموند » الفرنسية.

[2] راجع المصدر نفسه: 18 نقلاً عن المقالة التي نشرت في مجلة « فبدراند دفلوبمنت » ( الجنس والتطور ): 50 - 55 من المجلد العاشر، العدد الأول الصادر في 1 آذار 2002 م.

[3] المصدر نفسه: 44 - 51 من المجلد السادس، العدد الأول الصادر في 1 / آذار / 2002 م.

[4] انظر: المصدر نفسه: 18 - 19 نقلاً عن :

http: / / www. stategov / g / tip / r / s / tiprpt / htm 212750 / 2003

2020/07/01

2020/07/01

2020/06/27

الرجل فريسة الإغراء... يقول الغرب: تعرّي المرأة ليس خطيراً!

يقول الغرب: إنّ تعرّي المرأة ليس أمراً خطيراً، فهو وإن كان يغري الرجال ويعطيهم إيحاء خاطئاً، إلاّ أنّ الذنب هو ذنب الرجال الذين أصبحوا فريسة هذه الإغراءات، فعليهم أن يجتنبوا السعي وراء رغباتهم الشيطانية الفاسدة، وليس هناك ذنب على تعرّي المرأة.

ونقول:

إنّ في تعرّي المرأة جذباً لانتباه الرجال وفتنة لهم، وهذا ذنب قامت به المرأة، كما أنّ انجرار الرجل وراء الإغراء هو ذنب آخر مستقلّ عن الأول، فالمرأة المتعرية والرجل المنجرّ وراء من غرّه وخدعه كلاهما مشتركان في العملية الجنسية أو الاغتصاب المحرّم، لذا جعل الإسلام وقاية من الذنب الأول ستر الجسد والحشمة الكاملة، وحرّم على الرجل النظر وإن لم تستر المرأة بدنها إذا كانت هناك فتنة من نظره إليها.

ويقول أيضا: إنّ ستر بدن المرأة أو ما يطلق عليه (الحجاب) يعيق الرجل من معرفة شخصية المرأة التي يريد الاقتران بها، وهذا يقلل من فرص الاقتران للنساء، فلا بدّ من رفعه حتى يحصل الاقتران الذي هو علاقة تليق بالطرفين.

ونقول:

أ - إنّ الشريعة سمحت للمرأة أن تكشف عن بعض جسمها للرجل الذي يريد الاقتران بها، وسمحت للرجل أن ينظر إليها وإلى شعرها وصدرها وساقها، وينظر إليها قائمة وماشية، وترقّق له الثياب حتى يعرف جسمها ومفاتنها.

ب - إنّ المرأة تُعرف من خلال النظر إلى عينيها ووجهها، فإنّ الوجه يكشف عن جميع محاسن البدن.

ج - إنّ شخصية المرأة لا تفهم من خلال النظر إلى مفاتن الجسم، بل تعرف من خلال معرفة طريقة التفكير والأخلاق والمشاعر، وهي تحصل عن طريق الكلام معاً، لا من كشف البدن، فلاحظ.

ويقولون: إنّ ستر البدن على المرأة يخلق تمييزاً في المعاملة بين الرجل والمرأة، حيث إنّ الزوج لا يجب عليه ستر البدن كالمرأة، وهذا يؤدي إلى عدم المساواة بين الرجل والمرأة.

ونقول:

أ - في الحقيقة - كما تقدّم - أنّ الرجال والنساء متساوون في ستر البدن، حيث يجب عليهم الحشمة والعفة في لباسهم، فيجب على الجميع ارتداء اللباس وستر البدن، ولكن هناك اختلاف بين مقدار مساحة ما يخفى من البدن لاختلاف الجنسين في الأعضاء التي يعتبر كشفها مغرياً للجنس الآخر.

فالمرأة يمكن لها أن تغري الرجل بشعر رأسها أو بساقيها أو بعنقها وثدييها، فكانت هذه كلّها التي تعدّ من محاسن المرأة يحرم كشفها ويحرم نظر الرجل إليها، بينما الرجل فإنّه يتمكن أن يغري المرأة بكشف صدره وبطنه وفخذيه وما شابه ذلك، فحرم عليه ذلك في محيط توجد فيه النساء، كما حرم على النساء النظر إلى هذه المواضع من الرجل.

كما أنّ الغناء والرقص والخضوع في القول والإشارات والكنايات إلى الأعمال الجنسية من كلّ من الطرفين يمكن أن تغري الآخر، لذا حرّمها الإسلام على كلا الطرفين، فلاحظ.

ثمّ إنّ الرجل والمرأة متساويان في الإنسانية والكرامة والقيمة الروحية والطهارة والحقوق الإنسانية والواجبات الإنسانية، ولكنّهما يختلفان في كيفية الجسم، وهذا أمر واضح لا حاجة للخوض فيه، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَّخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيراً وَنِسَاءً ) ([1]).

وقال تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ([2]).

وذكرت السنّة النبوية: « إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة »، كما تقدّم منّا جواز تقلّد المرأة أي عمل مهني وعلمي وحكومي ( إذا كان خالياً من القضاء والحكم في التنازع ) ([3])، وقد صرّح بذلك العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) فقال: « يتقاسم كلّ من الرجال والنساء حصصاً متساوية من مواهب التفكير والإرادة التي تكون الأساس في حرية الاختيار، لذا يجب أن تكون المرأة حرة بشكل متساو مع الرجل في تفكيرها وإرادتها، ويجب أن تكون لها حرية الاختيار.

وبتعبير آخر: يجب أن تكون المرأة حرة في إدارة شؤون حياتها اليومية والاجتماعية، إلاّ إذا كان هناك سبب يفرض العكس.  وقد أعطاها الإسلام هذه الحرية وهذا الاستقلال بكلّ معاييره، وبذلك فقد أصبحت للمرأة بنعمة الله شخصيتها المستقلّة، ولم تعدّ مقيدة في إرادتها وأفعالها بما يريده الرجال، أو بما يريده من له الولاية عليها، وقد نالت ما أنكره العالم عليها على طول وجودها على هذه الأرض منذ بدء الخليقة بما لم يكن له مثيل في تاريخ المرأة يقول الله تعالى: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ([4]).

ومع أنّ المرأة تقاسم الرجل في هذه الصفات الأساسية، إلاّ أنّها تختلف عنه من طرائق أُخرى، فمتوسط المرأة يختلف عن متوسط الرجل في التركيبة الجسمانية وفي وظيفة أعضاء الجسم، كالدماغ والقلب والأوردة والأعصاب والطول والوزن، وتفاصيل هذه الحقيقة يمكن ملاحظتها في أيّ كتاب مختصّ بعلم التشريح.

ونتيجة لذلك فإنّ جسم المرأة هو أرق وأئنق من جسم الرجل الذي يكون عادة أمتن وأخشن.

أمّا العواطف الرقيقة كالحب والحنان والميل للجمال وللزينة، فهي عند المرأة أكثر مما هي عند الرجل.  ومن جهة أخرى، فإنّ القوة العقلية عند الرجل أبرز ممّا هي عليه عند المرأة.  تعيش المرأة حياة عاطفية ويعيش الرجل حياة عقلية » ([5]).

يتبع...

 

الهوامش:

[1] النساء: 1.

[2] النحل: 97.

[3] كما سوف يأتي الدليل على ذلك فيما بعد.

[4] البقرة: 234.

[5] بحث الشيخ علي الحكيم / الحجاب / النظرية القرآنية: 16 نقلاً عن الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة الطباطبائي، الترجمة الإنجليزية 75: 4 - 78، ترجمة السيد سعيد أختر الرضوي.

2020/06/23

لماذا يُخطّئ الدين سائر الاعتقادات الأخرى؟ ... نجل السيد السيستاني يجيب

لماذا يُخطّئ الدين سائر الاعتقادات والافكار الأخرى المختلفة عنه بنحو جازم؟

لماذا لا يثقّف الدين أهله على أن يعتقدوا بأن عقيدتهم صواب يحتمل الخطأ، وعقيدة الآخرين خطأ يحتمل الصواب؟

ألم يكن في هذه الحالة أساساً متيناً للسلم الاجتماعي؟

 الجواب عن ذلك:

"من الطبيعيّ في الدين بعد افتراض حقّانيّته أن يوجّه الناس توجيهاً جازماً إلى أصول تلك الحقائق، ويمنع من العقائد المصطنعة والمجعولة والمبتدعة واتّباعها، فتلك ضرورة معرفيّة وتربويّة في مقام توجيه الناس، وليس من المتوقَّع أن يذعن الدين في خطابه وتعاليمه بكلّ طريقة واعتقاد حتّى يتفنّن الناس في جعل عقائد يبتدعونها ويكونون رأساً في الدعوة إليها، أو أن يثقّف الناس على أن يحتملوا الخطأ فيما يبلّغه الدين أو الصواب فيما يكون ضدّ ذلك؛ فإنّ ذلك أدعى للخطأ والتفرقة.

بل من شأن الدين أن يدعو إلى البحث الجادّ عن الحقيقة ثمّ الإيمان الجازم بها كما هو شأن العقلاء في سائر الحقائق التي يشهدونها مثل التعليمات المتضمّنة لقواعد السلوك الصحيح والصائب في مختلف نواحي الحياة.

وأما السلم الاجتماعي العادل فهو من جملة وصايا الدين وأصول تعاليمه، ولم يخرج عنه إلا في حالات استثنائية رعايةً لمقتضيات عادلة وحكيمة [وقد ذُكر ذلك بشيء من التفصيل في محور (الدين والعدالة) من هذا الكتاب][1].

وأما الشحناء والبغضاء بين الناس فلم يسبّبه الدين ولكن سبّبته مزاجيّات الإنسان واستغلاله للدين لإشباعها، أو إهماله وتفريطه في البحث عن الحقيقة، أو إمعانه في مضادّتها، وإنّ سوء استغلال أيّة حقيقة أو تعليم لا يقتضي التقاعس عن بيانها ولا الإعراض عن ذكر صوابها ما دام أنّ سنن الحياة وحقائقها لن تتغيّر في جميع الأحوال، فهي صائرة إلى غاياتها سائرة إلى نهاياتها".


[1] اتجاه الدين في مناحي الحياة، ص١٢٢- السيد محمد باقر السيستاني.

2020/06/22

دُمية الرجل في المعمل: هذا ما حدث للمرأة بعد النهضة «الصناعية» الأوروبية!

إنّ وضع المرأة الإنساني والحقوقي في الدول غير الإسلامية كان وضعاً شاذاً وظالماً لعدّة دهور من الناحية الاجتماعية والميدانية ومن الناحية القانونية أيضاً، ولكن عند ظهور النهضة الأُوروبية حصلت مراجعة نقدية شاملة لذلك الوضع الشاذّ وغير العادل، فتغيّرت المواقف الفكرية والأخلاقية في شأن المرأة، ومن جملتها وضع المرأة في الأُسرة والمجتمع.

وتفعّلت هذه المواقف بسبب تحوّل المجتمع من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية، فتسبّب في الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن، فدخلت المرأة سوق العمل، فتولّدت شعارات تنادي بتحرير المرأة وحقوقها، وانتشرت بصورة واسعة نتيجة غلبة المجال العسكري للدول الأُوروبية على غيرها.

وكان من الواجب العمل على إلغاء كلّ ما يرتبط بنقص المرأة عن الرجل ودونيتها في الإنسانية والكرامة، وإعطاء حقوقها في تقرير مصيرها وتصرّفاتها وأعمالها، مع الاحتفاظ بدورها في الأُسرة، والمحافظة على عفّتها وطهارتها.

إلاّ أن الأمر اتجه لتحريرها من دور الأُسرة وسلب العفّة عنها، فانتقدوا عملها في البيت كزوجة وأمّ، واعتبروا أنّ مسؤوليتها في الأُسرة هو مظهر عبوديتها، ونادوا بضرورة رفع القيود الأخلاقية والقانونية التي تحكم وتنظّم علاقات الرجال والنساء.

وساعدهم على ذلك نموّ الصناعة الذي جذب المزيد من اليد العاملة الرخيصة، فاجتذبت النساء إلى المعامل، وعزلت المرأة عن بيتها وأُسرتها، فلا وقت عندها لتوفير الحدّ الأدنى من السكن للزوج وللأولاد ولها أيضاً، مع اختلاط بلا حدّ بالرجال الأجانب، مع دعوة إلى تحرير الجسد من القيود الأخلاقية والدينية في المجال الجنسي.

فأدّت هذه الحركات التحريرية في الغرب إلى خلط الغث بالسمين والفاسد بالصالح، فجعلت المرأة دمية للرجل يستغلها في المعمل ويستمتع بها جنسيّاً باسم التحرّر وإن حصلت على بعض حقوقها في الحياة المعاصرة من عمل وعلم ومشاركة، إلاّ أنّها فقدت قيمتها وشرفها وطهارتها وأُسرتها وسكنها، فهي زوجة ولكن لا تهتم بأُمور الأُسرة والأولاد، ولا تهتم بالسكن الذي جعله الله لها نتيجة الحياة الزوجية.

كما أجازوا لها أن ترافق خليلاً معها تنجب منه الأطفال من غير زواج شرعي، وما إلى ذلك من أُمور باسم التحرّر.

وعلى هذا فيمكن لنا أن نقول: لقد حوّلوا المرأة من ظلم كانت تعاني منه إلى ظلم آخر أشدّ من الأول باسم تحريرها وإعطاء حقوقها.

وبعبارة أُخرى: أرادوا - ولا زالوا يحاولون - مساواتها بالرجل في كلّ شيء، ولا يعبأ بالفوارق الجسمية - الفسلجية والسيكولوجية - الثابتة بين الرجل والمرأة.

ونحن إذ نقرّ لهم بمساواة المرأة للرجل من الناحية الإنسانية والحقوق الفطرية التي يهدي إليها الدين، إلاّ أننا كمسلمين وكبشر أيضاً نخالفهم في المساواة الجسدية، إذ نؤمن ككلّ فرد واقعي بوجود الفوارق الجسمية التي تقتضي تقسيم العمل بنحو ينسجم مع الفرق بحسب الخلقة، وإلاّ فإذا نظرنا إلى المساواة في كلّ شيء، فإنّ النتيجة ستكون تردي الحالة النفسية والأخلاقية للمرأة حتماً.

2020/06/22

تضليل إعلامي: المرأة المحجبة «مضطهدة»!

- يعرض الإعلام الغربي صوراً ثلاث للمرأة:

الصورة الأُولى: إظهار المرأة الساترة لبدنها على الطريقة الإسلامية على أنّها مخلوقة مضطهدة، أُجبرت على وضع الستر على بدنها، لذا فإنّهم سوف يأسفون لها، بل يحاولون مساعدتها في رفع الاضطهاد وإزالة الجبر الذي تعرضت له.

الصورة الثانية: إظهار المرأة العارية تماماً على أنّها مجنونة أو غير مستقرة عقلياً.

الصورة الثالثة: إظهار المرأة السافرة الرأس والصدر والقدمين والساقين مع إظهار الزينة والمكياج والعطور، على أنّها امرأة متحرّرة متطوّرة عصرية، يجب الاقتداء بها.

أقول: التضليل هنا يكمن في الاستنتاج غير العادل، فإنّ المرأة في الصورة الأُولى لو كانت مضطهدة، وكانت المرأة في الصورة الثالثة هي المرأة المتحرّرة المتطورة العصرية، فإذاً طبقاً لذلك المنطق لا بدّ أن تكون المرأة في الصورة الثانية هي الأكثر تحرّراً، فلماذا حكموا عليها بأنّها مجنونة وغير مستقرة عقلياً؟!!

وإذا كانت المرأة في الصورة الثانية مجنونة وغير مستقرة عقلياً، فعلى هذا المنطق ستكون المرأة في الصورة الثالثة غير مجنونة، وعليه فستكون المرأة في الصورة الأُولى هي المرأة المثالية التي يجب أن يقتدى بها، فلماذا وصفت بأنّها مضطهدة وشعروا بالأسف لها؟!!

هذا هو المعيار المزدوج، فإنّ عدم ستر بعض البدن كالصدر والساق وشعر الرأس، الذي تعدّ من زينة المرأة، وهي التي تهيّج الرجال وتوجد الفتنة والإغراء، اعتبر في ذلك المنطق متحضرة ومتحرّرة وقدوة تقتدى بها، لكن المرأة التي لا تضع على جسمها أي غطاء اعتبرت مجنونة، بينما كان يجب أن تكون أكثر تحرّراً وتحضراً إذا كانت الأُولى متحرّرة ومتحضرة.

وإذا كانت العارية مجنونة - كما يقولون - فهذه تقتضي أن تكون الساترة لبدنها ما عدا الوجه والكفين عاقلة يقتدى بها، لا أنّها مضطهدة يؤسف لها.

الستر ونشاط المرأة

2 - يعرض الغرب ستر البدن على أنّه يحدّ من نشاط المرأة في حياتها الشخصية.

والجواب: أنّ ستر البدن لا يحدّ من نشاط المرأة في أعمالها كما نراها عاملة محتشمة ونظيفة في كلّ مجال أعمالها التي تقدر عليها، بل ستر البدن يتيح لها كرامة واحتراماً عند الآخرين حينما تعكس لهم أنّها لا تنوي أي ملاطفات جنسية في مجال عملها خارج نطاق الزوجية، فهو يمنحها شعوراً بالأمان والحماية ما دامت ترفع هذا الشعور، كما أنّه قد تقدّم أنّ العفة والحشمة واجبة على الرجال أيضاً بحدود معينة.

يتبع...


مقتطف من كتاب بحوث في الفقه المعاصر، للشيخ حسن الجواهري

2020/06/21

في زمن «كورونا»: إليكم أهم توصيات الإمام الصادق (ع) للوقاية من الأمراض

الحفاظ على الصحة في تراث الإمام الصادق (عليه السلام)

من مفاتيح جودة الحياة الحفاظ على الصحة العامة للإنسان، والوقاية من الأمراض المختلفة، وذلك لأهمية الصحة في حياة الإنسان نفسه، ومسار المجتمع الإنساني، وكما أن المرء الذي يتمتع بصحة عالية يشعر بالسعادة، ويمتلك القدرة على العمل والعطاء والإنجاز والنشاط، بينما من تفتك به الأمراض والأسقام المزمنة يفقد -غالباً- القدرة على ذلك؛ كذلك حال المجتمعات من حيث الصحة والمرض، والعافية والوباء؛ حيث تعاني المجتمعات المصابة بالأوبئة وكثرة الأمراض المزمنة من تأخر في التنمية، وكساد في الاقتصاد، وتأخر عن ركب التقدم والازدهار.

وبالصحة والعافية يشعر الإنسان بمتعة الحياة، ويستمتع بجمالها، ويمارس حياته بصورة طبيعية، وهي نعمة إلهية يجب أن تقابل بالشكر؛ فالنعم إنما تدوم بالشكر، وتزول بالجحود، وكما قال الإمامُ الصّادقُ (عليه السلام): «لا تَدومُ النِّعَمُ إلّا بعدَ ثَلاثٍ (إلّا بثَلاثٍ): مَعرِفَةٌ بما يَلزَمُ للَّهِ سبحانَهُ فيها، وأداءُ شُكرِها، والتَّعَبُ فيها» [1]. وعنه (عليه السلام) قال: «أحسِنوا جِوارَ النِّعَمِ، واحذَروا أن تَنتَقِلَ عَنكُم إلى‏ غَيرِكُم، أما إنّها لَم تَنتَقِلْ عَن أحَدٍ قَطُّ فكادَت أن تَرجِعَ إلَيهِ» [2] .

والصحة أفضل نعمة كما قال أمير المؤمنين الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «الصِّحَّةُ أفضَلُ النِّعَمِ» [3]، لأن كثيراً من النعم الأخرى ترتبط بها وجوداً وعدماً.

وكثير من الأصحاء قد لا يشعرون بهذه النعمة العظيمة إلا عندما يفقدونها، وكما قال الإمامُ الصّادقُ (عليه السلام): «العافِيَةُ نِعمَةٌ خَفِيَّةٌ، إذا وُجِدَت نُسِيَت، وإذا فُقِدَت ذُكِرَت» [4]، وعنه (عليه السلام) قال: «كَم مِن مُنعَمٍ علَيهِ وهُو لا يَعلَمُ!» [5].

وعلى الإنسان العاقل ألا يفرط في صحته، لأن من يفرط فيها تتنغص حياته، وتتكدر معيشته، ويفقد الكثير من السعادة والمتعة والطمأنينة والراحة، قال الإمامُ الصّادقُ (عليه السلام): «النَّعيمُ في الدنيا الأمنُ وصِحَّةُ الجِسمِ، وتَمامُ النِّعمَةِ في الآخِرَةِ دخول الجنة» [6]، وعنه (عليه السلام) قال: «خَمسُ خِصالٍ مَن فَقَدَ مِنهُنَّ واحِدَةً لَم يَزَلْ ناقِصَ العَيشِ، زائلَ العَقلِ، مَشغولَ القَلبِ: فأولاها صِحَّةُ البَدَنِ»[7] .

وكما يجب على الأفراد المحافظة على صحتهم، واتباع سبل ووسائل الوقاية للاحتراز من الأمراض بكافة أنواعها، وخصوصاً الأمراض الوبائية والمعدية، كما هو الحال مع (جائحة كورونا) التي حولت حياة المجتمعات البشرية في العالم كله إلى توقف شبه كامل في مفاصل الحياة العامة، وأثرت على الاقتصاد والأعمال والسياحة ومختلف جوانب الحياة وأبعادها.

الصحة والوقاية في توجيهات الإمام الصادق (عليه السلام)

عندما نتصفح التراث الصحي للإمام الصادق (عليه السلام) سنجد كماً كبيراً من التوصيات والإرشادات الصحية والوقائية التي تدعو في مجملها إلى الحفاظ على سلامة الإنسان من الأمراض، والتمتع بصحة الأبدان والنفوس والعقول، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها في النقاط الآتية:

1-غسل اليدين:

اليدان من أكثر الأعضاء ملامسة للأشياء، وغسلها بالماء من أهم الوسائل التي ينصح بها الأطباء للوقاية من الميكروبات والفيروسات، ومنه (فيروس كورونا)، وقد حثّت التعاليم الدينية على غسل اليدين قبل الأكل وبعده، وأن ذلك من المستحبات وآداب المائدة، لجملة من الأخبار، ومنها: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «مَنْ غَسَلَ يَدَهُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ بُورِكَ لَهُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَعَاشَ مَا عَاشَ فِي سَعَةٍ، وَعُوفِيَ مِنْ بَلْوَى فِي جَسَدِهِ» [8]. وعنه (عليه السلام) قال: «اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ قَبْلَ الطَّعَامِ وبَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَيَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» [9].

إن المداومة على هذا المستحب يؤدي إلى نظافة اليدين، وهو شرط رئيس لحماية الإنسان ووقايته من الإصابة بالأمراض المعدية والمضرة بصحة الإنسان، وهذا ما وجهنا إليه الإمام الصادق (عليه السلام) عبر تعاليمه وتوصياته الحاثة على غسل اليدين قبل الطعام وبعده.

2-العناية بالنظافة العامة للجسم:

كثيرة هي التوجيهات والإرشادات الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) والتي تحث الإنسان على الاهتمام بالنظافة العامة للجسم، كالاستحمام بالماء، وقص شعر الرأس واللحية، وحلق الشعر غير المرغوب فيه في الإبطين والعانة، وتمشيط شعر الرأس، والحث على التنظف والتطيب والتزين، فقد روى الصدوق عن الإمام الصَّادِق (عليه السلام) أنه قال:‏ «أَرْبَعٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: التَّطَيُّبُ، وَالتَّنْظِيفُ بِالْمُوسَى، وَحَلْقُ الْجَسَدِ بِالنُّورَةِ، وَكَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ» [10].

ويستحب ترجيل شعر الرأس واللحية بالمشط، ومن فوائده أنه يمنع الوباء، فقد روى الكليني بسنده: عن سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):‏ «الْمَشْطُ لِلرَّأْسِ يَذْهَبُ بِالْوَبَاءِ. قَالَ قُلْتُ: وَمَا الْوَبَاءُ؟ قَالَ: «الْحُمَّى. وَالْمَشْطُ لِلِّحْيَةِ يَشُدُّ الْأَضْرَاسَ» [11].

والمراد من الوباء في الحديث ما يشمل جملة من الأمراض التي تصيب الشعر نتيجة عدم النظافة والعناية به، ولا يقتصر على الوباء بالمعنى الخاص عند الأطباء.

ويستحب تقليم الأظفار من اليد والرجل ويكره تركه، لأنه يمنع الداء ويدر الرزق، ففي صحيح الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآلة‏): «تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ يَمْنَعُ الدَّاءَ الْأَعْظَمَ وَيُدِرُّ (يزيد) الرِّزْقَ»[12] .

وورد الحث على أن تترك المرأة شيئاً منها، والعلة في ذلك أنه أزين لها، فقد روي عن السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله‏): «لِلرِّجَالِ قُصُّوا أَظَافِيرَكُمْ، وَلِلنِّسَاءِ اتْرُكْنَ مِنْ أَظْفَارِكُنَّ؛ فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لَكُنَّ» [13].

وهذه الإرشادات والتوجيهات العامة المروية عن الإمام الصادق (عليه السلام) ترشدنا إلى أهمية العناية بالنظافة العامة للجسم، لأنها من أهم الوسائل للحفاظ على الصحة والوقاية من الأمراض والأوبئة، إضافة إلى أنها ترمز إلى التزين والتنظف المحثوث عليه شرعاً وعقلاً. فقد روي عن رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «النَّظَافَةُ مِنَ‏ الْإِيمَانِ» [14]، وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظيفٌ يُحِبُّ النَّظافَةَ» [15]، وفي المقابل ورد النهي عنه (صلى الله عليه وآله) بقوله: «بِئسَ العَبدُ القاذُورَةُ» [16]، حيث يكون الإنسان غير النظيف مصدراً للقذارة والنجاسة والوباء والمرض.

3- تنظيف الدار:

الاهتمام بالنظافة العامة في كل شيء من الأمور التي حثّ عليها الإمام الصادق (عليه السلام)، ومن المعلوم أن كثيراً من الأمراض والأوبئة تنتقل بسبب انعدام النظافة العامة، وتعد الدار (المنزل) من الأماكن المهمة التي يجب أن تحظى بالنظافة والتنظيف الدائم، وإزالة أية منفرات للبيئة الصحية، فأكثر الوقت نقضيه في منازلنا، ونظافتها دليل على رقي أصحابها،  ولذا نجد أن من توجيهات الإمام الصادق (عليه السلام) الاهتمام بتنظيف الدار وغسل أواني الطبخ والأكل، فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: «غَسلُ الإناءِ وكَسحُ الفِناءِ، مَجلَبَةٌ للرِّزقِ»[17] ، وعنه (عليه السلام) قال: «‏اكْنُسُوا أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ»[1] . وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «كَنسُ البُيوتِ يَنفي‏ الفَقرَ» [19].

وفي المقابل ورد النهي عن ترك القمامة في البيت طول الليل، والحث على إخراجها قبل المغرب، فقد روى عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله):‏ «لَا تُبَيِّتُوا الْقُمَامَةَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرِجُوهَا نَهَاراً؛ فَإِنَّهَا مَقْعَدُ الشَّيْطَانِ» [20]، فترك القمامة طول الليل في البيت قد يؤدي إلى نشر روائح كريهة أو أمراض معدية أو تجمع لحشرات مؤذية.

4-تغطية الطعام:

نظافة الطعام والمحافظة عليه من الملوثات أمر في غاية الأهمية للحفاظ على الصحة؛ إذ أن كثيراً من الأمراض تنتشر من خلال الأكل والطعام غير النظيف، ولذا يرشدنا الإمام الصادق (عليه السلام) في توجيهاته الصحية إلى تغطية الطعام حتى لا يلوث بأي نوع من الملوثات الضارة، فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: «لَاتَدَعُوا آنِيَتَكُمْ بِغَيْرِ غِطَاءٍ؛ فإنَّ الشَّيْطَانَ إذَا لَمْ تُغَطَّ الآنِيَةُ بَزَقَ فِيها، وَأخَذَ مِمَّا فِيهَا مَا شَاءَ»[21]، وأما تركه من غير غطاء فيجعله عرضة لمختلف الملوثات والأوبئة والفيروسات التي ستجد طريقها لجسم الإنسان من خلال معدته، وهي بيت الداء.

وتشير بعض الدراسات إلى أن كثيراً من الأمراض المرتبطة بالجهاز الهضمي ناتجة من الأكل من المطاعم التي لا تعتني بالنظافة والاشتراطات الصحية المطلوبة، وعليه ينبغي الاهتمام بالأكل النظيف والصحي، وتجنب الأكل من المطاعم التي لا تهتم بنظافة الطعام ونظافة العاملين فيه.

5- تجنب الاختلاط بأصحاب الأمراض المعدية:

من أهم وسائل الوقاية من الأمراض المعدية عدم الاختلاط بالمرضى منهم، والفرار منهم كما ورد في الحديث المروي عن الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله:‏ « فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ»، وأضاف: « وَكَرِهَ أَنْ يُكَلِّمَ الرَّجُلُ مَجْذُوماً إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرُ ذِرَاعٍ»[22] ، والجُذَام: داء يصيب الجلد والأعصاب الطَّرفية، يسبب فقداً بقعيًّا، وقد تتساقط منه الأطراف كما في كتب المعاجم اللغوية، وهو مرض معدي، ولذا ورد الحث على عدم الاختلاط بالمجذومين، حتى لا يعرض الإنسان نفسه للإصابة به، وهذه الأمر يتعدى  إلى غيره من الأمراض المعدية كفيروس (كورونا) لعموم التعليل.

وكما ورد في الحديث بالابتعاد عن المجذومين بقدر ذراع، كذلك ينصح الأطباء بالابتعاد عن المصابين بفيروس (كورونا) بمقدار متر أو متر ونصف للوقاية منه، لحماية نفسه من الإصابة بهذا المرض أو غيره من الأمراض الوبائية والمعدية، وهو ما يعبر عنه اليوم بـ (التباعد الاجتماعي) كوسيلة من وسائل الوقاية.

وقد روي عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «أقِلّوا مِنَ النَّظَرِ إلى أهلِ البَلاءِ ولا تَدخُلوا عَلَيهِم، وإذا مَرَرتُم بِهِم فَأَسرِعُوا المَشيَ‏ لا يُصيبُكم‏ ما أصابَهُم» [23]. وفي هذا أيضاً إشارة مهمة إلى ضرورة التباعد عن المصابين بالأمراض المعدية تجنباً من الإصابة مما أصابهم، مع الدعاء للمرضى بالصحة والسلامة والعافية.

وعلى المؤمن أن يداوم على التحميد لله سبحانه على نعمة الصحة والعافية، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): كانَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه وآله يَحمَدُ اللّهَ في كُلِّ يَومٍ ثَلاثَمِئَةِ مَرَّةٍ وسِتّينَ مَرَّةً عَدَدَ عُروقِ الجَسَدِ، يَقولُ: «الحَمدُ للّهِ رَبِّ العالَمينَ كَثيراً عَلى كُلِّ حالٍ» [24].

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.


الهوامش:

[1] تحف العقول: 318.

[2] الأمالي للطوسيّ: 246/ 431.

[3] غرر الحكم: 1050.

[4]  كتاب من لا يحضره الفقيه: 4/ 406/ 5878.

[5]  الخصال: 223/ 51.

[6]  معاني الأخبار: 408/ 87.

[7]  بحار الأنوار: 78/ 171/ 4.

[8]  بحار الأنوار: ج‏63، ص: 362، ح 38.

[9]  المحاسن 425.

[10]  وسائل الشيعة، ج‏2، ص: 107، ح 1630.

[11]  الكافي 6- 488- 1. وسائل الشيعة، ج‏2، ص: 119، ح 1665.

[12]  الكافي 6- 490- 1. وسائل الشيعة، ج‏2، ص: 131، ح 1711.

[13]  الكافي 6- 491- 15. وسائل الشيعة، ج‏2، ص: 134، ح 1720.

[14]  مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج‏16، ص: 319، ح 20016.

[15]  سنن الترمذي: 5/ 112/ 2799.

[16]  الكافي: 6/ 439/ 6.

[17]  الخصال: 54/ 73.

[18]  وسائل الشيعة، ج‏5، ص: 317، ح 6657.

[19]  وسائل الشيعة، ج‏5، ص: 317، ح 6658.

[20]  وسائل الشيعة، ج‏5، ص: 318، ح 6663.

[21]  وسائل الشيعة، ج‏5، ص: 324، ح 6681.

[22]  وسائل الشيعة، ج‏15، ص: 345، ح 20700.

[23]  طبّ الأئمّة لابني بسطام، ص 106 ، بحارالأنوار، ج 59، ص 213، ح 9.

[24]  الكافي، ج 2، ص 503، ح 3، مكارم الأخلاق، ج 2، ص 77، ح 2191 وليس فيه «كلّ يوم»، بحارالأنوار، ج 58، ص 316، ح 24.

2020/06/18

الدين تعقل لا مجرد إكثار التعبّد

ليس الدين هو مجرد إكثار التعبد لله سبحانه وتعالى أو الجهاد في سبيله، بل هو نحو من التعقل الجامع لحقيقة الحياة والحكمة فيها والعمل بموجبها، وربّ تعبد زيّن تصرفات المرء الباطلة لنفسه فازداد به جهلاً، أو قتال نشأ من مآرب خفية أو انفعالات غير مهذبة فظن أنها جهاد في سبيل الله فازداد من الله تعالى بعداً، وقد جاء عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال وقد رأى خارجياً يتعبد في آناء الليل: "نوم على يقين خير من صلاة في شك".

كما ينبغي الالتفات إلى أن التربية الدينية هي جماع الفضائل، فمن وجد في تربيته نقصاً وخللاً فلا يستند ذلك إلى الدين في شيء، بل ينشأ من عدم فهمه للدين أو عدم تمكن الدين من نفسه حتى يكون ملكة له وخلقاً، وإنما حفظه كعقائد آمن بها من غير أن يربي نفسه على مقتضاها.

وكيف لا يكون الدين كذلك مع توجيهه دائماً إلى العقل في أصوله وفروعه وتذكيره بروائع الحِكَم في هذه الحياة مما يهدي طلاب الحكمة والبصيرة، فتأمل ما جاء في الكتاب وقِصار كلمات النبي (ص) ونهج البلاغة تجد خطاباً متوجهاً إلى العقل منيراً للفطرة محفزاً للضمير محركاً للوعي، وانظر إلى القادة المُصطَفَينَ فيه كالنبي (ص) ووصيه (ع) في سيرتهم وسلوكهم تجدهم من أكثر الناس اعتدالاً وحكمة، وأقواهم فطرة وعقلاً وأوضحهم فطنة وذكاءً وأحسنهم زكاة وتربية حتى كانوا بحق أسوة لسائر الخلق.

ولا يظنن أحد بأن في ما ورد من التعبد في الدين ما ينافي احترام العقل، فإنه لم يرد التعبد بشيء يخالف قضاءً واضحاً للعقل، وما ظن فيه مثل ذلك لا يخلو عن أحد أمرين:

إما أن يكون العقل بعد استجماع التأمل والالتفات إلى جميع حيثيات الموضوع وأبعاده متحيراً بين خيارات عديدة فيرد الشرع بأحدها.

وإما ألا يكون للعقل إدراك نافٍ أو مثبت أصلاً، فالتسليم بما تُعبِّد به في مثله مما لا ينافي العقل بل هو من تمامه، فإن من وجوه الإذعان المنطقي بالشيء التعويل على أهل الخبرة فيه، وعدم الريبة في قولهم بمجرد ظنون واحتمالات، ألا ترى أن المريض العاقل يعتمد على قول الطبيب الخبير الثقة من دون ترديد يقدح بثقته به وتعويله عليه.


من كتاب (أصول تزكية النفس وتوعيتها، ص٢٤).

آية الله السيد محمد باقر السيستاني

2020/06/07

التنظيف مثل ورقة اللوتس

الكون الذي نعيش فيه هو عبارة عن نظام دقيق ومبهر، بدءا بالذرة غير المنظورة بالعين المجردة وانتهاء بالأجرام السماوية هائلة الاتساع. حقيقة ثابتة لا خلاف عليها، وإن كان ثمة اختلاف في صددها بين مؤمن وملحد فإنه لامساس بنفس الحقيقة وإنما هو متعلق بتفسير هذا النظام وتكونه، بين وجود صانع له من عدم وجوده. 

ومن تجليات هذا النظام الكوني، ماجعله الله سبحانه من خضوع تفاصيله لهندسة دقيقة تنبئ عن عبقرية لامحدودة، وربما كان من أهم ما في هذه الهندسة هو الابتكار الذي لم يتأت من صور او تفاصيل مسبقة، كما جاء في خطبة السيدة الزهراء عليها السلام الشهيرة (ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيّته)

وربما وقف، أمام هذه الهندسة، الملايين من الناس مبهورين مستدلين من خلالها على قدرة الله وبديع صنعه، غير إن هذا الوقوف، في حدود الانبهار والاستدلال، لم يكن من شأن ذوي الاختصاص من مهندسين ومصممين وغيرهم، فهؤلاء هم أكثر الناس انتباها لدقة تلك الهندسة وفهما لعمقها. ولهذا فهم قد راحوا يعكفون على تدبر ودراسة الابعاد الهندسية الكامنة في جزيئات النظام الكوني، من أدقها كالحشرات وغيرها الى الحيوانات والنباتات والانسان، ومن ثم محاولة استلهام ما في تلك الابعاد الهندسية وتصميمها وطريقة عملها في تطبيقات عملية ومفيدة تكنلوجيا.  حتى صار بوسع المهندسين والمصممين ان يعتبروا الطبيعة منجما غنيا للتزود بالأفكار والتصميمات العملية.

مما يجعل شواهد ما ذكرناه تفوق الحصر، فيجعلنا نختار نموذجا كمثال وهو أوراق اللوتس ذاتية التنظيف، فهذه الاوراق تتمتع بسطح يتكون من نتوءات مجهرية. وكل نتوء مغطى بأنابيب نانوية متناهية الصغر تنبثق من سطح النتوء. وعندما تسقط قطرات الماء على ورقة اللوتس، تتم موازنة كمية منطقة التلامس من قبل هذه الأنابيب والنتوءات. ويؤدي تقليل مساحة التلامس إلى عدم استقرار قطرات الماء بسبب المواقع العشوائية لكل من النتوءات والأنابيب. والنتيجة أن قطرة الماء ستبدأ في الدوران على طول الورقة. وهذا ما يجعل الورقة تنحني الى الأسفل ملقية عنها قطرات الماء. وبذلك يعمل كل من النسيج المتعرج للورقة ووزن قطرة الماء على تفتير حركة القطرة في الانخفاض باتجاه النهاية غير المدعومة، وبالتالي السقوط.

 الصورة الرئيسية

المهندسون في المجال العملي استفادوا من هذا في مجال صد السوائل وانجذابها. وذلك بتغيير الطريقة التي يتم بها طلاء الأشياء لصد أو جذب الرطوبة على كل من المواد العضوية وغير العضوية، فإمكانية التنظيف الذاتي بدأت تظهر في مجالات مثل الملابس والطلاء، بدون طاقة إضافية مستهلكة.


ضرغام الكيار + صلاح الخاقاني

2020/05/31

أعراف وتقاليد اختلطت به.. كيف نفهم الدين؟

من الضروري أن نفهم الدين الذي نريد أن نتحقق من صدقه عن قرب، وذلك من عدة جهات، نذكر بعضها:

١ ـ أن نفرز بين هذا الدين وبين سائر ما يمكن أن يطلق عليه اسم الدين من العقائد والأفكار التي قد نستوضح عدم صحة كثير منها، فلا ينبغي أن يكون اشتراك الاسم باعثاً على التشويش علينا في البحث. فالعلم أيضاً يطلق على العلم المعتمد على المنهج المنطقي والأدوات الموضوعية، وعلى ما يعرف بـ(العلم الزائف) الذي يشبه العلم في الصورة، ولكنه في حقيقته ادعاءات محضة أو خاطئة وخرافية.

٢ ـ أن نفرز بين أصول الدين وثوابته واتجاهاته الأساسية، وبين العناصر المتغيرة أو التي يمكن أن ينالها التغيير مبدئياً باختلاف الزمان والمكان، سواء قام الدليل على هذا التغيير فعلاً أو لا.

٣ ـ أن نفرز بين محتوى الدين وعناصره بدقة، وبين الظواهر المختلطة مع الدين من الأعراف والتقاليد الجارية، فليس كل عرف وتقليد شائع بين أهل دين هو جزء من ذلك الدين بالضرورة وفق الاستيثاق بالأسلوب العلمي، بل كثير منها تعدّ أعرافاً محلية نشأت تدريجاً بين الأقوام، وبعضها حدث لحماية تعاليم الدين في المنظور الاجتماعي لأهل تلك الأعراف ولكنه ليس جزءاً منه، وبعضها يعدّ تطبيقاً لتعاليم الدين وفق تقدير أهل العرف المفترض، وكل ذلك لا يصح أن يعدّ جزءاً من الدين بالمعنى الدقيق.

٤ ـ أن نفرز بين ما هو جزء من الدين يقيناً، وبين الاجتهادات المختلفة في استنباط الدين في المواضيع النظرية، فالأمور الاجتهادية قد تقوم عليها الحجة عند بعض فقهاء الشريعة أو كلهم، ولكنها ليست إلا اجتهادات في تحديد وجهة نظر الدين ولا يصح أن تُعتبر الدين بعينه، حتى يقيّم بها الدين ويُقاس بها حقانيته من عدمها، بل إذا ثبت خطأ شيء من تلك الاجتهادات من المنظور العقلانيّ بعد التثبّت الكافي كان ذلك بنفسه نافياً لصحّة ذاك الاجتهاد من المنظور الشرعي، بعد تأصيل مبدأ العقلانية بشكل واضح في الدين.


من كتاب [معرفة الدين، ص١٢].

2020/05/27

هل الميل إلى الجنس المماثل فطري؟.. السيد محمد باقر السيستاني يجيب...

إذا أمكن تفسير مبسط وموجز لقضية ميلان الجنس لنفس الجنس، فنحن درسنا في الطبّ أنّ ذلك ضمن التكوين النفسي، ولا قدرة لمن يميل إلى جنسه في أن ينجذب إلى الجنس الآخر، مع أنّ ذلك حرام في الدين، فما هو مصير مَن طُبع على هذا الميل؟

الجواب من سماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني:

إنّ الفطرة الإنسانية الأولية الموافقة للتكوين الجسدي للإنسان تجري على تكامل الذكر والانثى بعضهما ببعض، وليس هناك أي مؤشر علمي على ان هناك ميول للمرء الى الجنس المماثل بحسب العوامل الجينية فلم يثبت مثلاً وجود جين معين مشترك أو مجموعة جينات مشتركة بين الاشخاص الذين يلاحظ لديهم هذا الميل كي يدل ذلك على اساس جيني لهذه الميول.

بل المقدار الملحوظ بمتابعة العديد من الحالات ـ كما يؤكده العديد من الدراسات والخبراء وكما لاحظته شخصياً من خلال أسئلة شرعية من قبل بعض من ابتلى بذلك ـ أن هناك عوامل تربوية وبيئية عند بداية الاستمتاع بالشعور الغريزي في مرحلة الطفولة أو المراهقة تؤدي الى اتجاه الغريزة احياناً الى الجنس المماثل من جهة تعرض الطفل للاستثارة معه بفعله أو فعل غيره معه أو مشاهد من هذا القبيل ـ كما يسهل في هذا الزمان مما ادى الى زيادة هذه الحالات ـ، ويساعد على ذلك تيسّر اجتماعه مع الجنس المماثل والخلوة به عادةً.

وذلك لأنّ الاتجاهات النفسية للإنسان في هذا الجانب حساسة جداً، ويمكن ان تنحرف بسهولة ما لم يتم تداركه، وكأنّ من هذه الجهة يتوقع بعض الباحثين ان تكون هذه الميول فطرية وليست مكتسبة وفق القاعدة التي تقول ان الاتجاهات المتجذرة والعميقة في الكائن الحي هي اتجاهات فطرية، ولكن الواقع أنه لم يثبت أن هذه الاتجاهات متجذرة، بل تتراءى كذلك من جهة حساسية النفس الإنسانية في هذه الجهة وسرعة اتجاهها إلى منحى مختلف وتمسكها بما اتجهت إليه حينئذٍ.

وعليه فليس هناك أي أساس علمي حتى الآن لإثبات منشأ تكويني لهذه الميول.

وعلى تقدير أن يثبت أنّ هناك بعض الحالات التي يكون هناك مناشئ جينية لمثل هذا الميل في بعض الموارد، فليس في ذلك دلالة على سلامة هذه الحالة بعد ان كانت مخالفة مع التكوين الجسدي للإنسان ـ والذي يدل على تكامل الذكر بالأنثى وبالعكس ـ، فهناك حالات مرضية عديدة تنشأ من تغيرات جينية كما هو معروف، وليس وجود أساس جيني لحالةٍ ما أحياناً دليلاً على أنها حالة فطرية ومقبولة وسائغة.

وأما علاج هذه الحالة فهو ليس امراً متعذراً لكنه يحتاج الى عمل تدريجي تربوي شأن كثير من الصفات والخصال المكتسبة التي يحتاج الى مثل ذلك في تغيرها مثل الابتلاء بالمخدرات، أو الاعتياد على بعض الجرائم، وهو امر ملحوظ وواضح للقائمين على التعامل مع هذه الحالات.

ولكن يتوقف العلاج:

أولاً: على ايمان الشخص المبتلى بذلك بان هذه الحالة ليست حالة سليمة بل هي خاطئة، وان المفروض به ان يقاومها ولا يخضع لها.

فاذا تم إيمان الشخص بذلك ـ كما لاحظنا اتفاقه في بعض الشباب الراشدين الذين يكرهون هذه الحالة التي يجدونها من انفسهم ويذكرون أن سببه بعض ما اتفق لهم في عهد الطفولة ـ فان ذلك عامل مساعد على أن يستطيع الإنسان من الحد منها ومعايشة الجنس الآخر في حياة اعتيادية إلى حدّ كبير مقرون بالسعادة وإن كان يراوده بعض الخواطر والهواجس.

ولكن من المؤسف من المنظور التربوي السليم أنّ هناك ترويجاً شائعاً لكون هذه الحالة فطرية وطبيعية مما يؤدي الى تعذر هذه الخطوة إلا في أوساط المؤمنين والملتزمين بالدين، أو الذين يشخصون ذلك بأنفسهم من خلال معلوماتهم وتجاربهم في الحياة.

ثانياً: ايجاد البديل الطبيعي عملاً لمن وجد لنفسه هذا الميل، وذلك بمعايشة الحالة الطبيعية من خلال الزواج مع الأنثى، فإن لإيجاد البديل ومعايشته والإحساس به تأثيراً كبيراً في إمكان صرف النفس عما اتجهت إليه، لأن هذا الميل يتأكد نوعاً بتخيّل انحصار المتعة بالممارسة الشاذة وعدم وجود تشخيص حقيقي وملائم عن الحالة الطبيعية، فيؤدي إلى ما يزيد من تمسك المرء بالميول الخاطئة.

وثالثاً: إنّ تأمل الحياة تأملاً جامعاً وملائماً يعطي أن ثنائية الذكر والأنثى هي ثنائية رائعة من روائع الكون وان تكاملهما جسماً ونفساً هو تكامل ملائم ومذهل، وهو جزء من السنن الطبيعية والاخلاقية لهذه الحياة، كما نبهت على ذلك آيات مؤكدة وجميلة في القرآن الكريم.


(من كلام السيد محمد باقر السيستاني في بعض محاضراته)

2020/05/23

2020/05/21

الجبابرة يقمعون الرأي الآخر.. المواجهة الفكرية هي السبيل

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع «الأئمة الاثني عشر»

حين يتبنى الإنسان رأياً باعتباره حقاً وصوابا، ويرفض رأياً آخر باعتباره باطلاً وخطأً، فإنه غالباً ما يندفع للانتصار للرأي الذي يؤمن به ويسعى لنشره، كما يهتم بإضعاف جبهة الرأي الآخر، وخاصة على مستوى الرأي الديني والمعتقدات الفكرية.

ومن المشروع أن يجتهد الإنسان في خدمة متبنياته الفكرية، فذلك هو ما يخلق الحراك الفكري في المجتمع البشري، عبر حالة التنافس، واستثارة العقول، وكشف ثغرات الآراء، وإذا لم يهتم أصحاب الآراء بطرح أفكارهم والدفاع عنها تسود حالة الركود الفكري، والجمود المعرفي.

لكن هناك نهجين في الانتصار للرأي:

نهج العنف والقمع لأصحاب الرأي الآخر، بمحاصرتهم والتضييق عليهم، والتنكيل بهم، ليتراجعوا عن آرائهم، ولمنع انتشارها في المجتمع.

نهج المواجهة الفكرية بالاجتهاد في تبيين الرأي وإثبات صحته وأحقيته بالدليل العلمي والبرهان المنطقي، ونقد الرأي الآخر بكشف نقاط ضعفه، ومكامن الخطأ فيه، وإبطال حججه ومستنداته.

نهج الجبابرة

استخدام العنف ضد الرأي الآخر نهج خاطئ فاشل، فهو مصادرة لحرية الإنسان في أعمق دوائرها، وانتهاك لأقدس حقوقه وأهمها، كما أن تجارب التاريخ قد أثبتت فشل أسلوب العنف في القضاء على الفكر وإنهاء الرأي.

وعادة ما يستخدم الجبابرة الظلمة هذا الأسلوب، حيث يمارسون العنف والقمع ضد أصحاب الرأي الآخر، حين يكون فيه مساس بمصالح سلطتهم، أو لأنهم يريدون التظاهر بحماية الدين، أو لمجرد فرض هيبتهم وتسلطهم وإرعاب الناس.

ومن المؤسف أن كثيرين من الحكام في تاريخ الأمة الإسلامية قد سلكوا هذا النهج، ليس فقط ضد أصحاب الرأي السياسي المعارض، وإنما ضد الآراء الدينية والفكرية، تارة بعنوان الحرب على الزندقة والإلحاد، وأخرى بعنوان التصدي للبدع والأفكار المنحرفة في الساحة الدينية.

لقد رفع الخليفة المهدي العباسي، والذي حكم الأمة من سنة 158 حتى مات سنة 169هـ، شعار محاربة الزنادقة، حيث بدأت تنتشر بعض أفكار التشكيك في الدين، وبدلاً من مواجهتها بالعلم والمنطق، شهر الحاكم في وجوههم السيف، وكان هناك تسرع كثير في إراقة الدماء واستخدام العنف.

جاء في تاريخ الدولة العباسية للشيخ محمد الخضري بك:

وكان المهدي مغرى بالزنادقة الذين يرفع إليه أمرهم، فكان دائماً يعاقبهم بالقتل، ولذلك كانت هذه التهمة في زمنه وسيلة إلى تشفي من يحب أن يتشفى من عدو أو خصم..

كان كاتب الدنيا وأوحد الناس حذقاً وعلماً وخبرة الوزير أبو عبيد الله معاوية بن يسار مولى الأشعريين، وكان متقدماً في صناعته، وله ترتيبات في الدولة، وصنف كتاباً في الخراج وهو أول من صنف فيه..

حصل حقد عليه من الربيع الحاجب، فوشى عليه عند المهدي بأن ابنه محمداً متهم في دينه، فأمر المهدي بإحضاره (الولد) وقال: يا محمد اقرأ فذهب ليقرأ فاستعجم عليه القرآن، فقال المهدي لأبيه الوزير أبي عبيد الله معاوية بن يسار: يا معاوية ألم تخبرني أن ابنك جامع للقرآن؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكنه فارقني منذ سنين وفي هذه المدة نسى القرآن.

فقال المهدي: قم فتقرب إلى الله بدمه. فذهب ليقوم فوقع.

فقال العباس بن محمد: يا أمير المؤمنين إن شئت أن تعفي الشيخ، ففعل، وأمر المهدي بابنه فضرب عنقه.

هكذا يكون مجرد الاتهام في الدين، والارتباك في قراءة القرآن مبرراً لقتل هذا الإنسان، وأن يُطلب من أبيه مباشرة عملية القتل!!.

وخلفاء آخرون مارسوا العنف والقمع تجاه من يقولون برأي مخالف في مسألة عقدية جزئية، كما حصل في ما عرف بمحنة القول بخلق القرآن.

فقد كان الخليفة هارون الرشيد يتبنى القول أن القرآن ليس مخلوقاً، ويقمع القائلين بفكرة خلق القرآن، حتى قال يوماً: بلغني أن بشر المريسي يقول: القرآن مخلوق. والله والله لئن أظفرني الله به لاقتلنه قتلة ما قتلها أحد. ولما علم بشر ظل متوارياً أيام الرشيد.

وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق.

وفي عهد الخليفة الواثق العباسي تغير رأي الحاكم، فتعرض من يقول بأن القرآن ليس مخلوقاً للقتل والتنكيل، كما حصل لأحمد بن نصر الخزاعي الذي قبض عليه والي بغداد، وامتحنه الواثق فأصر على رأيه أن القرآن ليس بمخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، فدعا الخليفة بالسيف، وقال: إني احتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده، وضرب عنقه، وأمر به فحمل رأسه فنصب بالجانب الشرقي أياماً، ثم بالجانب الغربي أياماً، وعلقت برأسه ورقة «هذا رأس أحمد بن نصر الذي دعاه الإمام الواثق إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجل الله به إلى ناره».

طريق الأنبياء

إن الطريق المشروع والنهج الصحيح لنشر أي فكرة ومبدأ، هو عرضها بأحسن بيان، والدعوة إليها بالمنطق والبرهان، والجدال عنها بأفضل أساليب التخاطب مع العقول والنفوس، وذلك هو النهج الإلهي الذي قرره القرآن الكريم، يقول تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...) 1.

كذلك فإن مواجهة الأفكار الباطلة، والآراء الخاطئة، يكون بنقدها ومناقشتها، وتسليط الأضواء على مكامن انحرافها، ونقاط ضعفها.

إن الرسالات الإلهية تتعامل مع الإنسان باعتباره كائناً عاقلاً مريداً، ولذلك تحترم عقله وتتخاطب معه، وتراهن على الثقة به وحسن اختياره.

كما ترفض أساليب الهيمنة وممارسة الوصاية الفكرية، بما تعني من تجاهل لدور العقل، ومصادرة لحرية الإنسان.

فالتخاطب مع العقل لا يكون بلغة العنف والقمع، وإنما بمنطق الحجة والبرهان: (... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ...) 2. (... قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ... ) 3. (... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ...) 4. ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ... ) 5.

تلك هي المبادئ الناظمة للمواجهة الفكرية، لإثبات حقانية الدين وبطلان ما عداه.

ولا يقبل الإسلام الإساءة إلى المخالف في الدين والرأي لمجرد مخالفته، ما لم يمارس عدواناً يستلزم الردّ والردع.

كما لا ينصح الإسلام بالقطيعة مع المخالفين، بفصل وشائج العلاقات الإنسانية والاجتماعية معهم. بل على العكس من ذلك يوصي بالبر بهم والإحسان إليهم ما داموا مسالمين غير معتدين.

يقول تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) 6.

وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية أن أسماء بنت أبي بكر، قدمت عليها أمها وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها أسماء بهدايا: زبيب وسمن وقرظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله ، فقال: «لتدخلها». وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله فاستفتيت رسول الله قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك».

وفي وصية القرآن الكريم بالبر بالوالدين، يشير إلى أن واجب البر بهما، وحسن العلاقة معهما، لا يتأثر بالاختلاف الديني معهما، حتى وإن كانا يضغطان على الولد باتجاه الشرك بالله، يقول تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ...) 7.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الأرحام والأقرباء، فإن الاختلاف الديني والفكري لا ينبغي أن يؤثر على مستوى التواصل معهم كأرحام، جاء عن الإمام جعفر الصادق أنه سأله الجهم بن حميد قائلاً: يكون لي القرابة على غير أمري ألهم عليّ حق؟ قال: «نعم حق الرحم لا يقطعه شيء».

إن على المسلم أن يلتزم حسن الخلق مع كل من يتعامل ويتعاطى معه، حيث ورد عن رسول الله أنه قال: «أحسن صحبة من صاحبك تكن مسلما»، وجاء عن حفيده الإمام جعفر الصادق : «ليس منا من لم يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقه». 8

الهوامش:


1. القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 125، الصفحة: 281.

2. القران الكريم: سورة النمل (27)، الآية: 64، الصفحة: 383.

3. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 148، الصفحة: 148.

4. القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 42، الصفحة: 182.

5. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 256، الصفحة: 42.

6. القران الكريم: سورة الممتحنة (60)، الآية: 8، الصفحة: 550.

7. القران الكريم: سورة لقمان (31)، الآية: 15، الصفحة: 412.

8. مكتب الشيخ حسن الصفار 2 / 7 / 2005م.

2020/05/17

الإمام علي (ع) والوعي الاقتصادي

*رضي منصور العسيف

قال أمير المؤمنين: "فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقتصاد " 

في ظل هذه الأوضاع حريُ بنا أن نعيد حساباتنا (الاقتصادية) وأن نفكر في مصروفاتنا وفي مدى احتياجاتنا من هذه الكماليات ...

أثناء هذه الأزمة قام الكثير منا بتصفية لمقتنياته والتي منها الملابس القديمة التي لم نستخدمها إلا في مناسبة واحدة (خطوبة أو زواج) ... حتى امتلأت صناديق الملابس المستعملة!! ومن يشاهد هذا المنظر يقول كم نحن مجتمع مترف..

إن الحياة بمتغيراتها الكثيرة، ومتطلباتها الجديدة، وأحداثها المتعاقبة، تدعونا جميعًا لنكون أكثر وعيًا، وفي كل المجالات والميادين الحياتية، فالوعي هو قمة "النضج العقلي" على الإطلاق.

وفي سيرة الإمام علي  العديد من التوجيهات التي تسهم في تنمية الوعي الاقتصادي، اقتطف منها هذه الكلمات: 

كن اقتصاديًا

قال الإمام علي: "الاقتصاد نصف المؤنة"

الاقتصاد يشكل جانبًا مهمًا في حياتنا وهو يعني:

أن تكون متوسطًا في كل أمورك، على الاطلاق، عادلًا فيها غير مقصر فيها ولا مفرط.

أن تمارس عمليًا عملية الاقتصاد في حياتك، فتكون قادرًا على الاستثمار، وتكون نفقاتك بعيدة عن الاسراف، وعن التقتير في نفس الوقت.

أن تكون مستثمرًا جيدًا، وخاصة إذا كنت تعاني من ضيق مالي، وذلك بأن تجعل مصروفاتك أقل من وارداتك.

تنمية فكرة الاقتصاد

قال: إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الاقتصاد وحسن التدبير، وجنبه سوء التدبير والإسراف (5).

يجب توعية أفراد الأسرة بهذا المفهوم، وضرورة الترشيد في الاستهلاك، لأن الاستمرار في الحياة الماضية المشبعة بالاستهلاك سترفع الفاتورة والتي ستؤثر على مجمل حياتنا.

ليكن كل فرد من أفراد الأسرة على وعي اقتصادي رصين: يشتري ما يحتاجه فقط، دون تحميل رب الأسرة تكاليف مالية صعبة.

الاقتصاد استعداد للمستقبل

قال: من اقتصد في الغنى والفقر فقد استعد لنوائب الدهر.

عندما تكون مقتصدًا فأنت تمتلك نظامًا سليماً لتقليل صدمات الحياة وتحسين جودة حياة الاسرة، ويظهر ذلك جليا في أوقات الطوارئ المالية والأزمات غير المتوقعة.

وهذا يتطلب منك وضع خطة اقتصادية تعينك في الأزمات.

قناعة واقتصاد

قال الإمام علي: غاية الاقتصاد القناعة. وعنه: اقنعوا بالقليل من دنياكم لسلامة دينكم، فإن المؤمن البلغة اليسيرة من الدنيا تقنعه.

القناعة صفة تقارب الاقتصاد في الأثر، وتقابله في المعنى، والفرق بينهما هو الفرق بين الخلق والسلوك، القناعة ملكة في الإنسان تكسبه الرضا بالقليل، والاكتفاء بما يسد الحاجة، والاقتصاد تنظيم المعيشة على ما تفرضه الحكمة وتدعو إليه الضرورة وأثر كل منهما اطمئنان النفس بما يحصل لها من القوت.

وتذكر هذه الحكمة الجميلة: ان تكون قانعا بالقليل شعور صعب جداً، وان تكون قانعاً بالكثير هو مستحيل، فتدرب على القناعة بأقل شيء.

انضباط اقتصادي

قال: المؤمن سيرته القصد وسنته الرشد.

ربما كان البعض يعيش فوضى اقتصادية عارمة طوال الفترة السابقة (مشتريات، كماليات،... )، لكن في ظل هذه الظروف ينبغي تطبيق قانون الانضباط الاقتصادي.

قد تكون البداية صعبة (التحول إلى العالم الجديد) إلا أن الوضع يحتاج إلى عزيمة ونية صادقة للتخلص من هذه الكماليات وتنظيم أمورك المالية.

فكن رشيدًا في الاستهلاك ولا تنجذب للعروض التسويقية.

 

2020/05/16

تطبيق القانون: كيف تعامل الامام علي (ع) مع الفساد المالي؟

تسلم الخلافة بعد اطاحة الثوار بحكم عثمان فوجد الاوضاع متردية بشكل عام الى ابعد حد وعلى اثر ذلك وضع خطة اصلاحية شاملة اول بنودها القضاء على الفساد المالي اذ اتخذ منذ ايامه الاولى قرارات صارمة في هذا الشأن اهمها:

1-عزل جميع العمال والولاة الفاسدين:

واستبدالهم باخرين تم اختيارهم وفق معايير الكفاءة والخبرة , والالتزام الديني والخلقي اذ منح الامام هذا المحور اهمية بالغة لأنه لا قوام للدولة بجهاز فاسد لذا فور توليه الخلافة عزل ولاة عثمان الذين جيروا السلطة لمنافعهم حتى طغى عليهم وعلى من يعود لهم – سيما العوائل الاموية – ثراء فاحش جراء اختلاساتهم من بيت المال . ومن ابرز من تم عزله معاوية، رغم ما أُشير على الامام ع من ضرورة التريث في ذلك خشية تمردهم لكنه ابى معلنا ان لا مداهنة على حساب المبادئ واقوات الناس.

2- تأميم الاموال المختلسة:

اصدر الامام عليه السلام قراره الحاسم بتأميم الاموال التي نهبتها الحكومات السابقة فصادر قطائع عثمان لذوي قرباه من الامويين التي استأثروا بها من بيت مال المسلمين واصدر مرسوما في ذلك جاء فيه: «ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفُرِّق في البلدان لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق» وهذا اشد ما افزع الامويين واقضَّ مضاجعهم .

3- مراقبة ومحاسبة الولاة:

عمل الامام عليه السلام على اخضاع العمال والولاة للمراقبة والمتابعة السرية والعلنية وتفعيل اجراءات المحاسبة والمعاقبة للمسيئين بمختلف العقوبات وفي مقدمتها عقوبة العزل عن الوظيفة، اذ كان ع يتحرى امر ولاته ويرسل خلفهم من يتفقد صنيعهم حتى ان حضور احدهم لوليمة قوم لا يجلس عليها الفقراء ما كان ليخفى على الامام عليه السلام فما اسرع ان صار يقرع الوالي على صنيعه ! كان ع يقول في شأن الولاة: " من استعمل خائنا فان محمدا ص بريء منه في الدنيا والاخرة " حتى انه سلام الله عليه اذا شعر برغبة احدهم بالولاية حبا للدنيا حال بينه وبينها كما حصل لطلحة والزبير بعد ان طلباها .

4- المساواة في العطاء:

فبعد ان كانت مرتبات حاشية السلطة وقريش عامة والامويين خاصة مرتبات باهضة اصدر الامام قراره بمساواتهم مع سائر الناس فعندما ولَّى بيت مال المدينة عمَّارَ بن ياسر وأَبا الهيثم بن التَّيِّهَان كَتب إليهما: العربيُّ والقرشيُّ والأَنصاريُّ والعجميُّ وكُلُّ من في الإسلام منْ قبائلِ العرب وأَجناس العجم سواء " وعندما طالبوه بامتيازاتهم قال: " «إني قرأت ما بين دفتي المصحف، فلم أجد فيه لبني إسماعيل على بني إسحاق فضلاً»

5- مواساة الناس:

بل كان ادنى الناس نفقة على نفسه دون ان يؤثر ذلك على مكانته كخليفة !، خليفة اكتفى من دنياه بطمرين و قرصين خشية ان يكون في اطراف مملكته من لا يملك القوت والثياب ! وهذا التطبيق العملي سيكون له مردود ايجابي على جميع اجهزة الدولة لانه يكشف عن مدى ايمان خليفتهم بمبادئه

6- الصرامة في تطبيق القانون:

فالفساد المالي فرع خواء القانون يقول عليه السلام لاحد ولاته: "اخفض للرعية جناحك وابسط لهم وجهك ... وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك "

7- تثقيف الجماهير:

حركة الاصلاح لن تستقيم بصلاح شخص الحاكم ما لم تكن من خلفه امة واعية ؛ هذا ما يدركه الامام عليه السلام اكثر من غيره لذا اولى عناية فائقة في تثقيف الناس جاعلا من جامع الكوفة معهدا علميا يثريه بمحاضراته وخطبه التي جسد نهج البلاغة رشفة من بحرها وقد قيل فيه انه كلام فوق كلام المخلوق دون كلام الخالق.

2020/05/16

2020/05/14

2020/05/11