فكر وثقافة
من هم ’النخبة الدينية’ وما هو دورهم؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)

الآية المباركة تتحدث عن دور النخبة في المجتمع الإسلامي وحديثنا عن الدور النخبوي في محاور ثلاثة:

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

في بيان ما ذكره القرآن عن دور النخبة.

وفي بيان أن النخبة الدينية إصطفاء من الله عز وجل.

وفي الدور النهضوي للنخبة في المجتمع.

نأتي الآن إلى المحور الأول:

القرآن الكريم قسم الحركة الإصلاحية إلى أدوار ثلاثة هي: دور الأمة ودور القيادة ودور النخبة.

الدور الأول دور الأمة: فقد أناط بها المسؤولية الإجتماعة: قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)، قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) فأناط مسؤلية الإصلاح بالأمة كلها ليبين أن الإصلاح ميثاق مشترك ومسؤولية مشتركة.

الدور الثاني دور القيادة: القيادة دورها الهداية والتزكية: قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) «وَيُزَكِّيهِمْ» هذا الدور الاول دور التزكية (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) هذا الدور الثاني دور الهداية.

الدور الثالث: دور النخبة: قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) هؤلاء هم النخبة هم الفئة المتميزة، (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ» إذا الأدوار الثلاثة هي دور الإمة ودور القيادة ودور النخبة، ما هو تعريف النخبة؟؟

عندما نرجع إلى كتاب النخب السعودية، دراسة في التحولات والإخفاقات ل الدكتور محمد بن صنيدان يذكر في كتابه عن أحد المفكرين في علم الإجتماع السياسي وهو بورتومور في كتابه الصفوة والمجتمع. تعريف بورتومور: النخبة هم الفئة المميزة وينقسمون إلة قسمين: نخبة سياسية ونخبة إجتماعية.

النخبة السياسة: هم الجماعة وراء السلطة وهي مصدر القرار والسلطة الحاكمة قد لا تكون هي مصدر القرار وقد يكون وراءها جماعة هي مصدر القرار السياسي إما بقوتهم الإقتصادية أو لنفوذهم الإجتماعيأو لقدرتهم التنفيذية.

النخبة الإجتماعية: هي الفئة التي تمتلك عنصرين هما التميز والقدرة على التأثير.

أنت الأن على مستوى الأطباء توجد نخبة يعني أطباء متميزون وعلى مستوى المدرسين توجد نخبة وهم الذين يتلكون تميزا في ثقافتهم وقدرة على التأثير في الطلاب. هؤلاء يسمون نخبة في مجال التدريس، تخبة في مجال الطب، نخبة في مجال العمل الإجتماعي. إذا فكل فئة متميزة وتمتلك القدرة على التأثير فهي نخبة.

المحور الثاني في بيان أن النخبة الدينية اصطفاء من الله عز وجل:

النخبة كما تنقسم إلى نخبة ساسية ونخبة إجتماعية وهي الفئة المميزة وهناك أيضا قسم ثالث وهو النخبة الدينية من بين العلماء هناك نخبة ولدينا ثلاثة أسئلة نطرحها ونجيب عنها.

السؤال الأول: ما هي مواصفات النخبة الدينية؟

السؤال الثاني: هل النخبة الدينية ضرورة أم لا؟

السؤال الثالث: من هم الممثلون للنخبة الدينية؟

السؤال الأول: ما هي مواصفات النخبة الدينية في القرآن الكريم؟

القرأن الكريم يذكر أن النخبة الدينية تتمتع بمقامات ثلاث هي مقام الخلافة ومقام الشهادة ومقام الاصطفاء القرآن الكريم يركز على الخلافة: قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً) ما معنى خلافة الله في الأرض؟

علماء العرفان يقولون هي الوجود الظلي لله في الأرض، ما معنى الوجود الظلي لله في الأرض؟

هو الذي يحكي ذا الظل، ظل الشجرة يحكي الشجرة وظل الإنسان يحكي الإنسان. كيف يكون وجود ظلي لله في الأرض؟ الوجود الظلي لله في الأرض هو ما ورد عن النبي : «تخلّقوا بأخلاق الله» ما معنى تخلقوا بأخلاق الله؟ تعني الإنسان لديه القدرة على أن يجسد صفات الله الإنسان لديه القدرة على أن يكون إلاهيا، الإنسان لديه القدرة على أن يكون ظلا حاكيا عن الله عز وجل، الإنسان لديه الٌقدرة على أن يتحمل ثلاث صفات فيكون وجود ظلي لله وهي الرحمة، الصرامة، العدالة.

الرحمة هي أول صفة قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). إذا صار الإنسان قطعة من الرحمة كان خليفة لله، كان وجودا ظليا لله. إذا صار رحمة في سلوكه قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً). إذا كان رحمة في تعامله قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) إذا كان رحمة في عطائه قال تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) إذا الرحمة هي الصفة الأولى. الصفة الثانية صفة الصرامة. كما أنة خليفة الله رحيم بالأمة فهو شديد النقمة على أعداء الإنسانية. كيف؟؟ القرآن الكريم دائمة يقرن صفة الرحمة بصفة الشدة بصفة النقمة قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) صفتان متكافئتان ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).

إذا هناك رحمة وهناك صرامة. الصفة الثاثة هي العدالة أي إعطاء كل ذي حق حقه. من جمع الصفات الثلاث، رحمة ونقمة وعدالة كا وجودا ظلي لله في الأرض، كا نخليفة لله في الأرض، كان ممثلا عن الله في الأرض، كان حاكيا الذات الإلاهية. طبعا البشر يتفاواتوا في صفة الرحمة، في صفة النقمة، في صفة العدالة. لماذا نركز على صفة العدالة؟ لو هناك شخص سألك سؤال ما هي أصول الدين؟ تقول أصول الدين هي التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.

السؤال الثاني، لماذا جعل العدل أصلا من أصول الدين؟

التوحيد معروف، لو لم يكن هناك توحيد لا لم يكن هناك دين، النبوة معروفة لكن العدل ليش؟؟ هناك صفات الله كثيرة، الله قادر الله عالم، لماذا لم تجعل أصلا من أصول الدين. لماذا؟ لأن العدل هو الهدف الأول لرسالة السماء. أول هدف خططت له الإرادة الإهية هو إقامة العدالة على الأرض. قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) لماذا؟

ليقوم الناس باقسط. يعني لتتحقق العدالة. العدالة هو اول هدف يطمح له المجتمع البشري وأول هدف خططل له السماء، فلو لا العدالة لكان الدين بلا هدف. إذا هدفية الدين متقومة بالعدالة، لولا العدالة لكان الدين بلا هدف وبما أن هدفية الدين مقوم باعدالة كانت العدل أصلا من أصول الدين.

لذلك نرى القرأن قرن الخلق بالعدالة. كيف؟ قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)يعني من بدأ خلق السماء كان عدل، نظام عادل. قرن العدل بالسماء لأهمة العدالة قال تعالى: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)إذا مقام الخلافة يجمع صفات ثلاث، رحمة وصرامة وعدالة. المقام الثاني من مقامات النخبة الدينية نخبة الشهادة. القرآن يركز على الشهادة قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤولاء شهيد» وقال تعالى حاكيا عن عيسى بن مريم قال تعالى: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

الشهادة: يعني الرقابة على الأمة. بما أن الخلافة تعني العدالة فهناك شهادة على العدالة. هل أن الأمة تطبق العدالة أم لا.

كما أن الله طلب من الأمة تحقيق الخلافة والخلافة تعني العدالة كذالك وضع الله رقباء على الأمة وشهداء على الأمة يراقبون مسيرتها. هل أنها تسير نحو العدالة أم لا. إذا أن الشهادة متفرعة على العدالة. المقام الثاني للنخب الدينية هو مقام الشهادة يعني الرقابة على مسيرة الأمة. هل أنها تسير نحو العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه أم لا.

المقام الثالث مقام الإصطفاء القرآن الكريم يعبر عن الإصطفاء في عدة آيات قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).، ما معنى الاصطفاء: هو الاختيار وتخليص الشيء من الكدورات.

أنت ما تقول ذهب مصفى، ما تقرأ في مدح الإمام علي ”علي الذر والذهب المصفى وبقاي الناس كلهم تراب“.. الذهب المصفى يعني المنقى المخلص من الكدورات ومن تراب وأحجار يصير مصفى وهذا يسمى إصطفاء والإصطفاء ينقسم إلى قسمين إصطفاء ذاتي وإصطفاء تفضيلي. ما معنى الإصطفاء الذاتي والإصطفاء التفضيلي؟ الإصطفاء الذاتي هو الإسلام، كيف هو الإسلام؟ القرآن الكريم يتحدث عن النبي إبراهيم: قال تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).

ما معنى إصطفيناه في الدنيا؟ الأية التالية تفسر معنى الإصطفاءقال تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ،). الاصطفاء هو الإسلام، وبما أننا مسلمون فكلنا مصطفون!! لا. الإسلام المقصود به الإسلام الإبراهيمي (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ).

الإسلام الإبراهيمي: بمعنى الحضور الإلهي. كيف؟ علماء العرفان يقولون الإسلام جعل النفس في مقام العبودية لله، بمعنى أن يستحضر الإنسان ربه في كل لحظة وفي كل وقت وفي كل سلوك وفي كل حركة، إستحضار الله في كل لحظة هو عبارة عن جعل النفس في مقام العبودية وهو عبارة عن الإسلام وهو عبارة عن الإصطفاء وطبعا هذا له درجات، المؤمن يقدر يستحضر الله في كل وقت إلى ان يصل إلى درجة قال عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «ما رأيت شيء إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه».

كلنا يرى إثنين أنا والله، هو خالق وأنا مخلوق، أما إذا ترقى الإنسان ووصل إلا ما يقوله أمير المؤمنين فهو لا يرى إثنين بل يرا شيء واحدا، لا يرى إلا الله. ذابت الإثنينية في الوحدة، ذابت الكثرة في الوحدة، فلا يرى هذا المسلم المسلم إلا شيء واحد هو الله تبارك وتعالى: «ما رأيت شيء إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه». إذا الإصطفاء الذاتي هو الإسلام والإسلام له درجات. الإصطفاء التفضيلي هو التمييز يعني تميز الشيء على غيره.

آية مريم جمعت بين الإصطفائين قال تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ) ما معنى إصطفاكِ؟ الإصطفاء الذاتي يعني الإسلام بمعنى أن مريم وصلت مرتبة الإسلام (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ) الإصطفاء الذاتي هو الإسلام «وطهركِ» يعني أعطاها العصمة «و إصطفاكِ» وهو الإصطفاء التفضيلي، يعني فضلك ميزكِ على نساء العالمين. إذاً عدنا الإصطفاء من مقامات النخبة الدينية وينقسم إلا قسمين، الإصفاء الذاتي والإصطفاء التفضيلي.

نأتي الأن إلى السؤال الثاني:

هل النخبة الدينية حالة عفوية أو النخبة الدينية استفاقٌ من الله عز وجل؟

ربما يتصور الإنسان أن النخبة الدينية هي حالة عفوية يعني مجموعة من الناس يدرسون الدين ويتعلمون الفقه فيصبحون نخبة دينية أو انهم جماعة يتعلمون الفقه ويدرسون الدين ويصبحون قادة للمجتمع فهم النخبة الدينية.. فالنخبة الدينية مسألة عفوية تعتمد على الخبرة وتعتمد على التعلّم وتعتمد على تكامل الثقافة الدينية.. يوجد فرق بين المتفقهين وبين النخبة الدينية..

المتفقهون حالة عفوية القرآن الكريم يتحدث عنها «فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» المتفقهون حالة عفوية إنسان يدرس الفقه يصبح فقيه يقود مجتمعاً معيناً هذا صح حالة عفوية أما النخبة فهي اصطفاءٌ من الله لا يمكن أن يكون الإنسان من النخبة الدينية إلا اذا كان مصطفى من قبل الله ومختار من قبل الله تبارك وتعالى.. لماذا؟

هناك قاعدة في علم الكلام تسمى قاعدة الطف وهذه القاعدة يستدل بها علمائنا على ضرورة النبوة وضرورة الإمامة..

قاعدة اللطف هي عبارة ان كل ما تحتاجه البشرية حاجة ضرورية فمقتضى لطفه تعالى تلبيه تلك الحاجة.. كيف؟ المجتمع البشري يحتاج إلى النظام العادل هذه حاجة بشرية ضرورية مؤكدة.. هل الله عالم بهذه الحاجة أم جاهل؟ طبعاً الله عالم لأن العلم ذاته.. اذا كان عالم هل هو قادر على تلبيه هذه الحاجة ام عاجز؟ بالطبع قادر لأن القدرة ذاته..

إذاً إذا كان عالم بهذه الحاجة وقادر على تلبيتها فهل هو بخيل او جواد؟ البخل نقصٌ وهو منزهٌ عن النقص إذاً وصلنا إلى النتيجة بما إنه عالم بحاجة المجتمع إلى النظام العادل وقادر على إيصال النظام العادل وجواد بالنظام العادل إذاً مقتضى لطفه بإن ينزل النظام العادل من السماء إلى المجتمع البشري.. هذه تسمى قاعدة اللطف استددلنا بقاعدة اللطف على ضرورة وجود نظام عادل منزل من قبل الله تبارك وتعالى.

نفس الشيء بالنسبة إلى النخبة الدينية كيف؟ المجتمع البشري يحتاج إلى النظام العادل ولكن لايمكنه تطبيق النظام العادل إلا مع وجود مجموعة من الرموز هم الذين يقومون بتطبيق النظام العادل.. لماذا المجتمع البشري يحتاج إلى نظام عادل ويحتاج إلى رموز ايضاً هاؤلاء الرموز لهم أدوار ثلاثة تعليم المجتمع ماهو النظام العادل تربية المجتمع على العدالة وأن يكون هؤلاء الرموز في أعلى درجات العدالة حتى يكونوا قدوة للمجتمع في تطبيق العدالة وهذا ماتحدث عنه القرآن عن النبي محمد  قال: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) هذا الدور الأول التزكية هي تربية المجتمع على قيمة العدالة «يعلمهم الكتاب والحكمة» تعليم المجتمع ماهو النظام العادل أيضاً.

الدور الثالث: وهو القدوة قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) إذاً المجتمع يحتاج إلى شخصيات هكذا تعلم تربي هي قدوة للمجتمع كما نحتاج لنظام عادل ايضاً نحتاج إلى رموز يتمتعون بالأدوار الثلاثة أليس الله بعالم لحاجة المجتمع البشري إلى رموز يتمتعون بالأدوار الثلاثة «عالم» أليس قادر على أن ينصب هؤلاء الرموز «قادر» أليس جواداً «جواد» إذا مقتضى علمه وقدرته وجوده أن ينصب للمجتمع البشري رموزاً تعلمه وتربيه وتكون قدوة له في تطبيق النظام العادل وهؤلاء الرموز هم المصطفون وهؤلاء الرموز هم النخبة الدينية وهؤلاء الرموز هم القادة إذاً وجود النخبة الدينية ضرورة فرضها العقل من خلال قاعدة اللطف وليست حالة عفوية كما في المتفقهين فرق بين المتفقهين والنخب الدينية.. النخب الدينية اصطفاء من قبل الله.

نأتي للسؤال الثالث:

في هذا المحور الأخير من هم النخب الدينية؟ 

النخب الدينية القرآن حددهم في الآية قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) هذا أول مثال للنخبة الدينية «يحكم بها النبيون الذين أسلموا» قلنا ان الإصطفاء بمعنى الإسلام ليس انهم اسلموا اي قالوا ”لا إله إلا الله“ لا أسلموا تعني الإسلام الإبراهيمي الذي تحدثنا عنه «يحكم بها النبيون الذين أسلموا» يحكمون لمن؟ للذين هادوا المثال الأول النبيون وايضاً الربانيون..

الربانيون هم الأوصياء أوصياء الأنبياء أوصياء إبراهيم وموسى وعيسى وأوصياء النبي محمد  هؤلاء الربانيون هم المثال الثاني للنخبة الدينية المثال الثالث «والأحبار» وهم العلماء المصلحون من النخبة الدينية «والاحبار» إذا النخبة الدينية تتكون من ثلاثة: الأنبياء، الأإمة، العلماء المصلحين وصلنا إلى النقطة الحساسة..

مثلاً: واحد يقول كيف إذا العلماء وهم مصطفون من قبل الله؟ لم نسمع انه يوجد عالم مصطفى من قبل الله.. الأنبياء مصطفون صحيح الأإمة مصطفون صحيح لكن علماء مصطفون من قبل الله لم نسمع بذلك النخبة الدينية من هؤلاء النماذج الثلاثة الأنبياء والأإمة والعلماء مصلحين كلهم مصطفون من قبل الله كلهم مختارون من قبل الله كلهم بإصطفاءٍ من قبل الله عز وجل وليس بحالة عفوية.. ماهو الدليل على هذا؟

الأنبياء الأئمة واضح فماهو الدليل في العلماء؟ الآن سأذكر لك حديث متواتر عن النبي محمد : ”في كل خلف من امتي“ خلف تعني جيل في كل جيل في كل مئة سنة في كل خمسين سنة هذا جيل ”في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وبدع المبطلين“ لا يمر زمن إلا ويختار الله جماعة.

لا يمر زمن إلا ويصطفي الله جماعة يختارهم لأجل الحفاظ على الدين ”ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وبدع المبطلين“ إذاً هؤولاء مختارون من قبل الله عز وجل هؤلاء منتخبون من قبل الله عز وجل لايمر جيل الا وهناك عدول من أهل بيت رسول الله  يتكفلون حفظ هذا الدين والدفاع عنه والذب عن حريمه حتى يبقى الدين بلا تحريفٍ بلا زيفٍ بلا زيادةٍ ولا نقص.. طبعاً أهل بيته لايقصد بهم السادة فقط كل من ينتسب إلى الرسول عن طريق الأب أو عن طريق الأم فهو من اهل بيته فهو يدخل ضمن هذا الحديث ”عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وبدع المبطلين“ أنا الآن أذكر لك وجدان يا إخوان الحوزة العلمية تضم آلاف من الطلاب المحصلين المتقين المتدينين الحوزة العلمية تضم مئات من الفقهاء والمجتهدين العدول المتقين الحوزة العلمية تضم مئات من المؤلفين تضم مئات من المفكرين لكن لايصل من هؤلاء الآلاف والمئات إلى درجة التأثير في مسيرة الامة إلا اعداد قليلة لماذا؟ لماذا لا يصل إلى درجة النخبة إلا إعداد قليلة؟ ممكن اثنين أو ثلاثة خمسة فقط، العلماء الذين وصلوا إلى درجة القيادة للأمة والتأثير في سلوكها والتأثير في فكرها والتأثير في مسيرتها أعداد نادرة لماذا هؤلاء أللآلاف كلهم متقون وعدول وفقهاء ومؤلفون.

لماذا جماعة لايتجاوزون خمسة هم الذين يكونون في موضع القرار والتأثير في مسيرة الأمة سلوكاً فكراً عطاءاً لماذا؟ لأن هناك يداً إلهية تتدخل في الأمر ليست المسألة بالحظ ولا المسألة بالوسائل الإعلامية ولا بالأموال وصول الشخص إلى مرتبة القيادة المؤثرة في مسيرة الامة يدٌ غيبية إلاهية ظوو إصطفاءٌ من قبل الله تبارك وتعالى..

من هؤلاء الآلاف كلهم ربما هو لا يشعر إنه مصطفى من قبل الله.. ولكن الله منذ ان يدخل هذا الإنسان الحوزة الله يفتح له ابواب العلم يفتح له ابواب الهداية يفتح له ابواب التقوى يفتح له المراتب والدرجات يسلك بها سبيلاً سهلاً حتى يصل إلى أعلى المراتب من العلم والعدالة ويهيئه الله على ان يكون في موقع التأثير في سلوك الأمة وفي مسيرة الأمة قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) إذا المسألة مسألة اصطفاء ولست مسألة عفوية ساذجة عابرة لا.

نحن نتكلم الآن عن الدور النهضوي للنخبة في مجتمعنا ”موسكا“ هذا ايضاً من المفكرين في علم الإجتماع السياسي يقول: النخبة هم قادة التاريخ.. لماذا هم قادة التاريخ؟ لأنهم يمتلكون عناصر ثلاثة ”تميّز، قدرة على التأثير في الناس، وروح غيرية“ اذا كنت تقرأ القرآن ترى ملأ ونخبة أحياناً يعبّر بالملأ.. مامعنى الملأ؟

الملأ يقابل النخبة.. الملأ هم النفعيون والنخبة هم الغيريون.. الملأ هم الذين يفكرون في مصالحهم الذاتية.. يبني مأتم لكن لمصلحته، ينشأ صندوق لكن لمصلحته.. هذا يسميه القرآن ملأ لذلك القرآن يقبر عن الملأ بقوله: قال تعالى: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ) وقال تعالى: (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)، وقال تعالى: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ)وقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ)، دائماً الملأ صفة سيئة.. الملأ هم النفعيون الذين يدافعون عن مصالحهم الذاتية ومقابلهم النخبة.

النخبة تتمتع بيتميز ثقافي تتمتع بقدرة على التأثير في الناس تتمتع بإخلاص وروح غيرية تفكر في مصلحة المجتمع لا بمصالحها الذاتية.. السؤال: أليس في مجتمعنا نخبة؟ بلا لايوجد مجتمع ليس فيه نخبة.. ماهو الدور الدور النهضوي للنخبة في مجتمعنا؟ عندنا مثقفون نخبة عندنا إداريون نخبة..

ما هو دور هؤلاء النخبة في النهوض بمجتمعنا؟ 

الدور النهضوي للنخبة يمر بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: مرحلة التنظير، ما معنى مرحلة التنظير؟ الفرق بين النخبة وغير النخبة أن باقي الناس تركز على الاعراض ولكن النخب تركز على الأمراض  على الأعراض.. النخبة هي الفئة القادرة على تشخيص المرض وتشخيص جوهر المشكلة.. مثلاً: تقول للناس ماهي المشكلة لديكم؟ ويرد الناس ”سرقات، إعتداءات، ظواهر غوغائية..“ الناس تركز على الأعراض هذه كلها أعراض ولكن يوجد مرض وراء هذه الأعراض..

هذه أعراض ”سرقات، اعتداءات، ظواهر غواغئية..“ هذه كلها اعراض ما هو المرض الذي ورائها؟ النخبة هي القادرة على تشخيص المرض النخبة تقول المرض وراء هذه الأعراض كلها البطالة لو قضي على البطالة لما وجدت غوغاء أو سرقات أو اعتداءات العامل الاقتصادي مؤثر لرفع هذه المشاكل ورفع هذه الأعراض كلها..

إذا النخبة هي القادرة على تشخيص المرض. فنحن نحتاج إلى نخبة لتشخيص الأمراض في مجتمعنا إذاً إذا شخصت المرض ورتبت الأولويات نحن لدينا أمراض كثيرة عندنا مشاكل اقتصادية وبطالة عندنا مشاكل اجتماعية تفكك الأسر عندنا مشاكل اخلاقية الإنحلال والفساد الخلقي. النخبة هي التي تستطيع ربط هذه المشاكل بعضها ببعض وتحديد الأولويات وتحديد الأسلوب المؤثر في رفع هذه المشاكل.. هذا نسميه بمرحلة التنظير

المرحلة الثانية: مرحلة الإعداد هي عبارة عن انتخاب الطاقات أليس في شباب الجامعة طاقات؟ في شابات الجامعة طاقات في شباب المآتم طاقات في شباب المساجد طاقات في شباب الجمعية الخيرية طاقات كل مكان يوجد به طاقات من المسؤول عن انتخاب الطاقات؟ نحن حتى ننهض بالمجتمع نحتاج إلى نخبة طاقات ونتلقفها وننتقيها من المسؤول عن انتخاب الطاقات؟ المسؤول هم النخبة الدور الإعدادي للنخبة هو انتخاب الطاقات انتخاب الطاقات من المدرسة الإبتدائية أنت الآن مدير مدرسة ابتدائية أليس في هؤلاء الأطفال طاقات؟

بعض الأطفال لديهم طاقة أدبية قدرة على التعبير قدرة على الإنشاء بعض الأطفال لديهم طاقة فنية قدرة على الفن المسرحي بعض الأطفال لديهم طاقة إدارية.. انت اذا خرجت من الفصل عشر دقائق تقول إلى بعض الطلاب أريدك أن تضبط لي هذا الفصل خلال عشر دقائق بعض الأطفال عمره عشر سنوات يمتلك طاقة إدارية يقدر على التنظيم وهو عمره عشر سنوات إذاً لدينا طاقات أدبية ولدينا طاقات فنية ولدينا طاقات إدارية من المسؤول عن اكتشاف هذه الطاقات وتربيتها وتنميتها؟ الإشراف الإجتماعي..

وظيفة المشرف الإجتماعي في المدرسة لا أن يحمل العصا بل وظيفته اكتشاف طاقات الاطفال وعندئذ تتعاون الأسرة مع المدرسة مع اللجان الأهلية مع المؤسسات الاجتماعية في تنمية هذه الطاقات والمواهب لأن هؤلاء الاطفال يصبحون في المستقبل هم النخبة التي تقود المجتمع.. أليس كذلك؟

المرحلة الثالثة: مرحلة التنوع في العمل لا يتكمال الدور النهضوي في النخبة إلا مع التنوع في العمل كيف تنوع في العمل؟ في المجال الاقتصادي لدينا مشاكل اقتصادية هل تعلم ان لدينا في مجتمعنا أكثر من خمسين منزل مازالوا يعيشون في الأخشاب هل تعلم انه يوجد خمسين بيت يعيشون في صفائح نعم لدينا مثل ما يوجد لدينا ثراء فاحش فإن هذا موجود إذاً عندنا حالات فقر عندنا حالات بطالة المطلوب من النخب الاقتصادية ان تعالج هذه المشاكل النخبة الاقتصادية هي التي تمتلك رأس مال وتمتلك عقلية تجارية مجموعة من رجال الاعمال يمكنهم ان يشتركوا في تأسيس شركة عملاقة تغطي كثير من حالات البطالة وحالات الفقر.

نأتي إلى المستوى التطوعي: - الحمد لله - مجتمعنا في المجال التطوعي ممتاز جداً جمعيات خيرية كثيرة ولجان كافل اليتيم كثيرة المجال التطوعي يدل على ثقافة حضارية ويدل على وعي ديني ويدل على ضمير إنساني منتشر في مجتمعنا بلغ بعض الجمعيات الخيرية انها تتكفل باليتيم المحروم من الأب إلى أن يتخرج من الدراسة لا تتكفل به إلى ان يبلغ الرشد بل تتكفل به إلى ان يتخرج من الدراسة وهذه ظاهرة صحية وهذا رشد حضاري بلغ بعض الجمعيات الخيرية عندنا انها لاتفكر في مساعدة الفقر بل تفكر في إخراجه من فقره ليس المهم ان تساعد الفقير ولكن المهم ان تخرجه من فقره بان توفر له فرصة عمل وان توفر له مجالا للعمل بلغ بعض الجمعيات الخيرية انها توفر قروض للمشاريع الصغيرة للعوائل الفقيرة حتى تعتمد على نفسها في خروجها من حالة الفقر وهذه ظاهرة ايجابية جليلة جداً

للمستوى الأدبي: الحمد لله لدينا طاقات أدبية لدينا شعراء لدينا ادباء لدينا مواسم ادبية ولكن مازالت المرأة مظلومة ومهضومة في مجتمعنا كما ان عندنا طاقات ادبية على مستوى الرجال عندنا ايضا طاقات ادبية على مستوى النساء عندنا فتيات واخوات ماهرات في مجال الشعر في مجال النثر في مجال الرواية في مجال الصحافة هذه الطاقات النسوية من المسؤول في رعايتها وعن الاهتمام بها عن تشجيعها عن مواصلة مسيرتها؟

نحن نحتاج الى مؤسسات نحتاج إلى ان تقوم النخبة المثقفة بدورها في تشجيع هذه الطاقات النسوية وفي تنميتها لوجود الحاجة الماسة اليها.

للمستوى الثقافي: نحن من عشرين سنة افضل من الآن قبل عشرين سنة كان الحراك الثقافي أفضل من الآن كان المجتمع قبل عشرين سنة يعج بالحضارات بالندوات بالاحتفالات كان يعيش حراكاً ثقافياً واضحاً لكن هذا الحراك الثقافي تراجع أين ذهبت النخب المثقفة؟

النخب المثقفة إما مشغولة بالاوضاع السياسية وإما مشغولة بلقمة العيش لذلك هذان سببان لتأخر الحراك الثقافي نحن نحتاج حاجة ماسة إلى أن تعيد النخب الثقافية دورها في المسيرة الثقافية في عقد الحوارات الثقافية الفكر مازال يحتاج إلى تعميق مازال يحتاج إلى دقة مازال يحتاج إلى تنقيب نحتاج إلى حراكٍ ثقافي عبر ندوات وحوارات تلهم هذا المجتمع صحوة ثقافية متكاملة إذا نحتاج الدور النهضوي لنخبنا في المجالات كلها وبشكل متنوع.

وإذا أردنا أن نعرف دور النخبة نقرأ تاريخنا الذي يتحدث عن دور النخب النخبة من صحابة رسول الله  محمد رسول الله والذين معه ”سلمان، أبو ذر، المقداد“ النخبة من صحابة علي  ”كميل بن زياد، رشيد الهجري، ميثم التمّار“ النخبة من صحابة الحسن والحسين  ”حبيب بن مظاهر الأسدي“ هذا الإنسان العظيم وعده الامام امير المؤمنين بالشهادة.. وخاض المعارك ”صفين والنهروان والجمل“

2021/03/25

مدرسة الامام الصادق (ع) ضرورة منطقية

القفزة الحضارية التي شهدتها اوروبا منذ ما يزيد عن القرنين من الزمن، بسمتها الابرز التطور العلمي والتقني الهائل، نتجت عن مخاض طويل استمر لقرون، تضافرت فيه عوامل عدة، في مقدمتها الجهود الفلسفية الكبرى التي عملت في البدء على تخليص العقل من ظلامية الكهنوت المسيحي والوثوق به كجوهر قادر على الوصول الى المعرفة والحقيقة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ومن ثم رسم معالم الطريق بالمناهج العلمية الكفيلة بتحقيق ذلك الوصول على الصعيد العقلي الذي قاده الفرنسي ديكارت و على الصعيد التجريبي  بريادة الانجليزي فرنسيس بيكون. إضافة الى التحولات الكبرى في العلم الطبيعي كالثورة الكوبرنيكية في الفلك واكتشاف الجاذبية من قبل نيوتن، التي حولت النظرة الى الطبيعة من كونها مجرد لوحة جميلة رسمها الله وعند المسيحية تبيان كل مايخصها الى منظومة اسرار وقوانين على العقل اكتشافها والاستفادة منها.  كما أفرزت ارهاصات تلك المرحلة التاريخية في اوروبا جملة من فلسفات سياسية هدفت الى قيام دولة مدنية حديثة تعنى بالعلم والتقدم لا بالميتافيزيقا وما بعد الموت. الى غير ذلك من العوامل التي تتابعت طيلة عصري التنوير والنهضة.

إن هذه الحقيقة تضعنا، فيما يخص الحضارات القديمة كالبابلية الفرعونية وما شيدته من صرح علمي مبهر في مجالات شتى كالعمران والفلك والطب والكيمياء والفيزياء، ولم تسبقها ـ تاريخيا ـ سوى المشاعية واكتشاف الزراعة، أمام اشكالية وسؤال ملح.

هل يمكن أن تكون تلك الحضارات قد ولدت دفعة واحدة، وبلا مسارات تاريخية ممهدة؟!

بالتأكيد لا..

فالطبيب الفرعوني لا يمكن له أن يتوصل الى المادة الكيميائية ذات التأثير بالغ الفعالية في حفظ الانسان الى يومنا هذا، من دون قطع مسار طويل من العمل التجريبي القائم على الفشل والنجاح، والالمام بمنهج العلم التجريبي بما يحتويه من مفردات كالملاحظة والفرضية والاحتمال وغيرها.

أظن أن هذا كفيل بدفعنا الى القبول بنظرية تأثير الانبياء عليهم السلام ودورهم في إرساء القواعد العلمية والمعرفية، سيما أن القرآن الكريم لم يحدثنا إلا عن جزء يسير من الانبياء واقاصيصهم، وفي تلك الاقاصيص إشارات الى جانب غرائبي يتجاوز الطبيعة البشرية كقوله تعالى (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) فأجابهم ذو القرنين إلى طلبهم: (قالَ ما مَكَّنِّي فِيه رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَه ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْه قِطْرا) . وفي تفسير هذه الاية أن ذا القرنين قد أذاب الحديد وصبه بتقنية متطورة لاتتلاءم إلا مع وقتنا الحالي. وهذا الجانب الغرائبي يتلاءم الى حد كبير مع ما احتوته تلك الحضارات القديمة من اسرار غامضة لم تعرف حتى الان تتصل بكيفية بناء الاهرامات والجنائن المعلقة وغيرها.

وأعود بالإشكالية نفسها الى ما صنعه المسلمون في العصر العباسي من حضارة تركت بصمات واضحة في التاريخ الانساني، وهي حضارة تحتوي على عنصري الاشكالية من جهة الصرح العلمي الشاهق الذي قدم فيه العلماء المسلمون خطوات بعيدة المدى في المضمار العلمي العالمي، ومن جهة المسار الممهد، حيث لم يسبقها ـ الحضارة ـ سوى الجاهلية والاسلام والعصر الاموي الذي لم يشهد سوى نشاط كلامي منشأه فكرة الجبر التي فرضتها السلطات الاموية وقد انتجت مذهب الاعتزال كردة فعلي عقلية على ماعاثت به تلك الفكرة بالعقل.

هذا وأن المظهر الموازي لحضارة المسلمين العلمية تلك، وأعني المنجز الفلسفي، قد قام بشكل أساس على الاطلاع على فلسفة اليونان وترجمة نصوصها واستيحاء افكارها.. ولايمكن أن نفسر ذلك العطاء العلمي الهائل بـ:

1ـ كون الدولة العباسية ـ آنذاك ـ تمثل قوة عظمى وبغداد عاصمة الدنيا، وباهتمام شخصي من بعض خلفاء بني العباس كالمنصور والرشيد والمأمون.... لأننا نتحدث عن مسار ممهد سابق على تلك الفترة وأساس لها.

2ـ عامل الفتوحات وتلاقح الثقافات والخبرات الاجنبية المختلفة، وبالتالي صبها في الحاضرة الاسلامية. كما هو الحال مع الجانب الفكري والعقائدي.. وذلك لأن الدول التي طالها الفتح ـ يومها ـ هي بلاد فارس والشام وشمال افريقيا، وليس في تلك الدول مايعوّل عليه للتمهيد لمنجز علمي كالذي قدمه ابن الهيثم في البصريات والخوارزمي في الرياضيات وابن النفيس في الطب وغيرهم. إذ يكفي ذلك المنجز أنه مازال الاساس للكثير من الاكتشافات والاختراعات الاوربية في عصرنا الراهن.

بهذا لن يكون لنا سوى الوثوق بفكرة الدور الاساس لمدرسة أئمة اهل البيت عليهم السلام وعلى رأسها أمير المؤمنين ع القائل (أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني, سلوني عن طرق السماوات فإني أعرف بها من طرق الأرض) الى عدد لايحصى من الاشارات الى حقائق علمية يضيق المجال بذكرها، وقد تجلت تلك المدرسة بالصرح العلمي الذي شيده الامامان الباقر والصادق عليهما السلام في ما بين السقوط الاموي وقيام حكم العباسيين، ويحوي في أروقته شتى مجالات المعرفة الانسانية والعلمية.

ومن جهة اخرى فكلنا يعلم مدى تأثير عامل المصلحة على اهتمامات السلطة الحاكمة وسياسة القائمين عليها، ويبدو هذا لنا جليا في الحضارة الاوروبية حيث استفادت السلطات الحاكمة من تطور العلم في مجالات كثيرة منها تطور السلاح الفتاك الذي أعانها على كسب معاركها مع الدول الاخرى واستعمار الشعوب التي استعمرتها. والى يومنا هذا فإن شعوب العالم الثالث لاتنفك عن حاجتها للخبرات التي يحتكرها الغرب في بناء المعامل والمصانع، وعجز تلك الشعوب عن صناعة الكثير من الاجهزة والالات وبالتالي اضطرارها الى استيرادها من دول الغرب. بل إن ثمة ابتكارات تقنية ضمنت لبعض دول الغرب تحكما شبه مطلق، كالإنترنت الذي يعد عصب الحياة في يومنا هذا، ولا تمتلك مصادره سوى بعض الدول العظمى كامريكا واليابان.

وهذه النقطة لانجدها في الحكم العباسي، حيث ظلت الهيمنة العباسية تعتمد الاسلحة التقليدية كالسيف والمنجنيق، كما ظلت الهيمنة العباسية حبيسة الاسلوب التقليدي آنذاك والذي لم يتجاوز القوة العسكرية.

 وهذا مايدفعنا ـ ايضا ـ الى الوثوق بفكرة أن جانبا كبيرا من اهتمام الحكام العباسيين بتشييد صروح للمعرفة والعلم ناجم عن الرغبة في التعتيم على صدى معطيات مدرسة الامام الصادق ع العلمية، تماما كما هو الحال في اهتمامهم بالجانب الفكري والفقهي.

2021/03/20

كـ ’’خلع الثياب’’ .. كيف يصف الأئمة (ع) الموت؟

​الموت عبارة عن خروج الروح من البدن، وانتقالها من هذا العالم الى عالم البرزخ، وقد جاء وصفه في لسان أئمتنا عليهم السلام، كلّ يصفه بوصف، ومن زاوية وجانب، وقد جمع الكثير منها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه:

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

1- قيل لأمير المؤمنين علي - عليه السلام - صف لنا الموت؟. فقال عليه السلام: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما بتحزين وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أي الفرق هو.

أما ولينا والمطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد.

وأما عدونا والمخالف لأمرنا، فهو المبشر بعذاب الأبد.

وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله، فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول حاله يأتيه الخبر مبهما مخوفا ثم لن يسويه الله بأعدائنا، ويخرجه من النار بشفاعتنا.

فاعملوا وأطعيوا ولا تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله، فإن من المسرفين من لا يلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة.

2- وسئل الحسن بن علي عليهما السلام، ما الموت الذي جهلوه؟

فقال عليه السلام: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذ نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد.

3- ولما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنهم إذا اشتد بهم الأمر تغيرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، ووجلت قلوبهم، ووجبت جنوبهم. وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خواصه تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم.

فقال بعضهم لبعض: أنظروا إليه لا يبالي بالموت.

فقال لهم الحسين عليه السلام: صبرا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وهؤلاء أعداؤكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب أليم: إن أبي حدثني عن رسول الله: إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت.

4- وقيل لعلي بن الحسين: ما الموت؟

فقال عليه السلام: للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطأ المراكب، وآنس المنازل.

وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل، وأعظم العذاب.

5- وقيل لمحمد بن علي عليه السلام: ما الموت؟

فقال: هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة، إلا أنه طويل مدته لا ينتبه منه إلا يوم القيامة. فمنهم من رأى في منامه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره، ومنهم من رأى في نومه من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره، فكيف حال من فرح في الموت ووجل فيه ! هذا هو الموت فاستعدوا له. 

6- وقيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت؟

فقال: هو للمؤمنين كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه فينقطع التعب والألم كله عنه. وللكافر كلسع الأفاعي وكلدغ العقارب وأشد. 

قيل: فإن قوما يقولون هو أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، ورضخ بالحجارة، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق؟

فقال: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد فذلك الذي هو أشد من هذا ( إلا من عذاب الآخرة فإنه أشد ) من عذاب الدنيا. 

قيل: فما لنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفئ، وهو يتحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين من يكون أيضا كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟

قال عليه السلام: ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه، وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه، ليرد إلى الآخرة نقيا نظيفا مستحقا لثواب الله ليس له مانع دونه. وما كان من سهولة هناك على الكافرين فليوفى أجر حسناته في الدنيا، ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته، ذلكم بأن الله عدل لا يجوز.

7- ودخل موسى بن جعفر عليه السلام على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعيا، فقالوا له: يا بن رسول الله، وددنا لو عرفنا كيف حال صاحبنا، وكيف يموت؟ فقال: إن الموت هو المصفاة: يصفي المؤمنين من ذنوبهم، فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر عليهم. ويصفي الكافرين من حسناتهم، فتكون آخر لذة أو نعمة أو رحمة تلحقهم هو آخر ثواب حسنة تكون لهم. أما صاحبكم فقد نخل من الذنوب نخلا وصفي من الآثام تصفية، وخلص حتى نقى كما ينقى ثوب من الوسخ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد.

8- ومرض رجل من أصحاب الرضا عليه السلام فعاده، فقال: كيف تجدك؟

فقالت: لقيت الموت بعدك، يريد به ما لقي من شدة مرضه.

فقال: كيف لقيته؟ فقال: أليما شديدا.

فقال: ما لقيته، ولكن لقيت ما ينذرك به، ويعرفك بعض حاله. إنما الناس رجلان: مستريح بالموت، ومستراح منه فجدد الإيمان بالله وبالولاية تكن مستريحا. ففعل الرجل ذلك والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

9- وقيل لمحمد بن علي بن موسى عليهم السلام: ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟

فقال: لأنهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله حقا لأحبوه، ولعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا.

ثم قال: يا عبد الله، ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه؟

 فقال: لجهلهم بنفع الدواء.

فقال: والذي بعث محمدا بالحق نبيا، إن من قد استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع لهم من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنهم لو علموا ما يؤدي إليه الموت من النعم، لاستدعوه وأحبوه أشد مما يستدعي العاقل الحازم الدواء، لدفع الآفات واجتلاب السلامات.

10- ودخل علي بن محمد عليهما السلام على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال له: يا عبد الله، تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتسخت ثيابك وتقذرت، وتأذيت بما عليك من الوسخ والقذرة، وأصابك قروح وجرب، وعلمت أن الغسل في حمام يزيل عنك ذلك كله، أما تريد أن تدخله فتغسل فيزول ذلك عنك، أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟

قال: بلى يا ابن رسول الله.

قال: فذلك الموت هو ذلك الحمام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته، فقد نجوت من كل غم وهم وأذى ووصلت إلى سرور وفرح. فسكن الرجل ونشط واستسلم وغمض عين نفسه ومضى لسبيله.

11- وسئل الحسن بن علي عليهما السلام عن الموت، ما هو؟ فقال: هو التصديق بما لا يكون. إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا، وإن الكافر هو الميت، إن الله عز وجل يقول: ( يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) يعني المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

12- وجاء رجل إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال يا رسول الله، ما بالي لا أحب الموت؟ قال: ألك مال؟ قال: نعم.

قال: قدمته؟ قال: لا.

قال: فمن ثمّ لا تحب الموت.

13- وقال رجل لأبي ذر رحمة الله عليه: ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب.

وقيل له: كيف ترى قدومنا على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه.

قيل: فيكف ترى حالنا عند الله؟ فقال: اعرضوا أعمالكم على كتاب الله، يقول الله تعالى: ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ).

قال الرجل: فأين رحمة الله؟

قال: ( إن رحمت الله قريب من المحسنين ).

الاعتقادات في دين الإمامية، للشيخ الصدوق ص٥٣ - ٥٩

وأما لمن أراد رؤية ميته في المنام.

قال الشيخ الطوسي في المصباح:

ومن أراد رؤيا ميت في منامه فليقل :

اللهم أنت الحي الذي لا يوصف والايمان يعرف منه، منك بدت الأشياء وإليك تعود، فما أقبل منها كنت ملجأه ومنجاه، وما أدبر منها لم يكن له ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وأسألك بلا إله إلا أنت، وأسألك ببسم الله الرحمن الرحيم وبحق حبيبك محمد صل الله عليه وآله سيد النبيين وبحق علي خير الوصيين وبحق فاطمة سيدة نساء العالمين وبحق الحسن والحسين الذين جعلتهما سيدي شباب أهل الجنة عليهم أجمعين السلام أن تصلي على محمد وآله وأن تريني ميتي في الحال التي هو فيها. مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص ١٣٠

- وقال المامقاني:

وورد الصلاة على محمد وآله مائة مرة بعد العشاء الآخرة لرؤية الميت في المنام. مرآة الكمال ج 1 ص 266.

والله العالم.

2021/03/10

الإحسان.. ’عطاء مجاني’ لا تجده في غير الدين (فيديو)

الدين يدعوك إلى ضبط اعصابك مهما اسيئ إليك ويأمرك أن تتعامل مع الناس بدون خدش ولا اعتداء انطلاقاً من مبدأ "الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس".

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

يقول السيد منير الخباز إن "الإحسان مفردة لا توجد في القواميس الأخرى غير الدينية"، في مقارنة سريعة من خلال هذا الفيديو بين الدين وباقي الاعتقادات الأخرى.

المزيد من التفاصيل في الفيديو أدناه مع آية الله السيد منير الخباز دامت بركاته:

2021/03/06

ما موقف الشيعة من الإصلاح ’السياسي و الاقتصادي’ ؟

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

​الإصلاح هو الغاية النهائية التي يطمح الإنسان إليها، وهو القيمة المحورية التي تدور حولها بقية القيم الكمالية، فالعلم قيمة لأن فيه الصلاح، والعدل مطلوب لأن به يتحقق الصلاح، والرحمة قيمة لأن بها يسود الصلاح.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وهكذا كل القيم تتحرك في دائرة الصلاح، وبما أن الإصلاح نقيض الإفساد تعين على الإنسان أن يتحرك دائماً في اتجاه الإصلاح، وبذلك تتحقق سعادته في الدنيا والاخرة قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل/ 97).

فالعمل الصالح الذي اكدت عليه معظم آيات القرآن يكشف عن الفلسفة العامة للإسلام وهو تحقيق الإصلاح في كل المجالات، بل لم يكتفِ القرآن بجعل الإصلاح والصلاح سبباً للحياة الطيبة في الدنيا فحسب وإنما جعله ايضاً سبباً لنعيم الجنة، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (الشورى/ 22)، وبذلك يمكننا أن نقول إن هدف الإنسان في الحياة منحصر في المحافظة على صلاح الأرض والحياة، قال تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف/ 56)، وكذلك الإصلاح هو هدف الأنبياء والرسل، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأعراف/ 35). وقال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأنعام/ 48).

وقد بينت آيات القرآن صور متعددة للإصلاح تشمل جميع أفعال العباد، حيث تبدأ من اصلاح النفس مروراً بإصلاح الاسرة والمجتمع وانتهاءً بإصلاح الأرض جميعها، وعليه لا يمكن استثناء الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والذي لا يفهم الإسلام بوصفه مشروعاً إصلاحياً في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع ففي فهمه للإسلام اشكال، فالإسلام ليس مجرد شعائر وطقوس فارغة، كما أنه ليس تجربة فردية منعزلة عن محيطها الاجتماعي والسياسي، وإنما هو مشروعاً إصلاحياً لجميع البشرية بما يحمله من قيم ومبادي وحِكم، ومع ذلك فإن الإصلاح والامر به يصنف من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس من باب العقائد بحسب ما هو مشهور من تصنيف المسائل الإسلامية، فمع أن الصلاح ضرورة لا يستقيم الإسلام بدونه إلا أنه ليس من باب الاعتقاد، فالصلاة مثلاً ضرورة من ضرورات الدين مع ذلك لا تصنف في قسم العقائد، أما إذا اذا كان المقصود من العقيدة هو المعنى العام الذي يستوعب ضرورات الدين وقيمه المركزية فحينها يمكننا أن نقول إن الإصلاح هو عقيدة ثابتة وراسخة في الفكر الإسلامي.

وقد شهد التاريخ بان مسيرة شيعة أهل البيت قائمة على مناهضة الفساد السياسي والاجتماعي، ولذا كانوا يشكلون المعارضة لكل الأنظمة السياسية المتسلطة، وذكر لنا التاريخ عشرات من ثوراتهم المناهضة للظلم والافساد، حتى باتت الثورات تسمى بالثورات العلوية، وما زلال الشيعة يحملون راية الامام الحسين (عليه السلام) الذي قام بثورته المباركة تحت شعار (انما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي).

2021/03/04

هل يوجد عالم غير عالمنا الذي نعيش فيه؟

في هذا المقال نتناول الموضوع من الرؤية الدينية بما يتضمّن من نصوص شرعية تتعلق بوجود عوالم وحياة أخرى غير حياة البشر.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ومن هنا تختلف طبيعة هذا المقال مع البحوث القائمة مثلاً على الحفرياتِ أو الاكتشافات الفلكية؛ فما يمكن أن تخبرنا عنه النصوصُ هو الحقائق الغيبية الخارجة عن العالم المشهود لنا، وبالتالي لا يجوز محاكمة النصوص التي تخبرنا عن عوالمَ أخرى بنفس المنطق الذي نحاكم به العالم الذي نعرفه، وعليه ليس هناك طريقٌ للكشف عما هو غائب عنا غير الوحي سواء كان قرآناً أو أحاديث المعصومين (عليهم السلام). ولذا سوف يكون المقال مختصراً على ذكر الروايات الواردة في هذا الامر بعيداً عن البحث السندي والدلالي. روى الصّدوق بسنده للإمام الباقر (عليه السلام) قال: لعلك ترى أنّ الله إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين). (توحيد الصدوق، 277. والخصال 652) وفي بحار الانوار باب (ما يكون بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار) يروى من كتاب الخصال عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن العلاء، عن محمد قال: سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول: لقد خلقَ الله عز وجلّ في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عز وجلّ أبا هذا البشر وخلق ذريته منه، ولا والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفار والعصاة منذ خلقها عز وجل، لعلكم ترون أنّه إذا كان يوم القيامة وصيّر الله أبدانَ أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة، وصيّر أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار إنّ الله تبارك وتعالى (لا يعبد) في بلاده ولا يخلق خلقاً يعبدونه ويوحدونهُ ويعظمونه ويخلق لهم أرضاً تحملهم وسماءً تظلهم، أليس الله عز وجل يقول: "يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات" وقال الله عز وجل "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبسٍ من خلق جديد" (بحار الانوار ج ٨ - الصفحة ٣٧٥). وظاهر الخبر الشريف أنّ هؤلاء البشر لم يولدوا من أبينا النبيّ آدم عليه السلام، وأنهم متواجدون في سبعة عوالمَ أرضية، وليسوا من جنس الملائكة، باعتبار أنّ الملائكة مخلوقون من النور وليس من الطين كما هو حال هؤلاء؛ ويبدو من الخبر أنّ الله تعالى سيخلق بعد يوم القيامة أناساً سيعبدون الله تعالى. وفي البحار رواية أخرى عن الخصال ايضاً عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد" فقال: يا جابر تأويلُ ذلك أنّ الله عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدّد الله عز وجلّ عالماً غير هذا العالم، وجدّد خلقاً من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه، و خلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماءً غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أنّ الله عز وجلّ إنما خلقَ هذا العالم الواحد وترى أنّ الله عز وجل لم يخلق بشراً غيركم؟ بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين).

2021/03/02

نكسة الإلحاد الجديد: هل انتصر العلم على الإيمان؟!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

​مع مطلع القرن الحادي والعشرين عادت ظاهرة الإلحاد إلى واجهة المشهد العالمي مرة أخرى، معلنة عن موجة جديدة لعلها الأقوى أو الأنشط في تاريخها الحديث، متغايرة بعض الشيء شكلا ومضمونا عن الموجات السابقة، متحفزة بطريقة كما لو أنها تريد اقتناص هذه الفرصة التي رأت فيها أنها من أفضل الفرص التاريخية المتاحة لها أو التي مرت عليها في تاريخ صراعها الوجودي مع الدين.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

تحفزت هذه الموجة مستفيدة من الحروب المشتعلة، ومن النزاعات المتفاقمة، ومن اشتداد نزعات التطرف والتعصب وتصاعد الإرهاب المعولم والعابر بين القارات، وذلك بالنظر لما تتركه هذه الوضعيات من تأثيرات نفسية واجتماعية واقتصادية ضاغطة تتهيأ معها إمكانية إثارة الشكوك تجاه المعتقدات الدينية، وقلب صورة الإيمان الديني في أذهان الناس، وتحميل الدين مسؤولية ما يحدث.

وتأكيدا لهذا الرأي يرى المؤرخون المعاصرون إمكانية انبثاق ظاهرة الإلحاد واشتدادها في المجتمعات التي مرت بحروب قاسية أو عاصرت أحداثا مؤلمة خلفت معها كوارث ونكبات، على شاكلة ما جرى في المجتمعات الأوروبية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد ظهرت موجة من الإلحاد لاحظها المؤرخون هناك وتنبهوا لها، رابطين العلاقة بينها وما حل بأوروبا من حربين مدمرتين، متوثقين من هذه العلاقة التي تربط بين الحروب المدمرة وظاهرة الإلحاد من جهة القابلية والاستعداد.

واتصالا بهذا السياق جاءت هذه الموجة الجديدة من الإلحاد حيث اتخذت من حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لحظة تاريخية، بوصفه حدثا خلق كارثة مرعبة، وأثار قلق العالم، وفجر حروبا كالتي حدثت في العراق وأفغانستان، فقد وجد أصحاب هذه الموجة أنهم أمام لحظة تاريخية لا تفوت لتوجيه السهام إلى الدين، ووضعه مرة أخرى في قفص الاتهام، وإثارة الشكوك حوله.

واللافت في هذه الموجة أنها تقصدت تغيير صورتها، كأنها أرادت مع القرن الجديد أن تؤرخ لنفسها بتسمية مفارقة مطلقة تسمية الإلحاد الجديد، متحزبة بهذه التسمية ومستبشرة، متأملة منها ومتوثبة في أن تحقق تقدما أو تحرز اختراقا أو تكسب جولة في مواجهة الدين والإيمان الديني، محملة الدين وزر ما حدث في العالم من نكسات ونكبات وكوارث على الأصعدة كافة، مستعيدة خطابها القديم في اعتبار أن الدين يقف عقبة صلبة في طريق تقدم البشرية وازدهار المدنية وارتقاء الحضارة.

ارتبط ما عرف بالإلحاد الجديد بفضاء الثقافة الأنغلوسكسونية، متخذا من الولايات المتحدة الأمريكية مركزا له متصلا ببريطانيا، مشتهرا بأربعة أشخاص عرفوا بالفرسان الأربعة هم: عالم الأعصاب الأمريكي سام هاريس صاحب كتاب: (نهاية الإيمان.. الدين والإرهاب ومستقبل المنطق) الصادر سنة 2004م، وعالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز صاحب كتاب: (وهم الإله) الصادر سنة 2006م، والناقد البريطاني الأمريكي كريستوفر هيتشنز (1949-2011م) صاحب كتاب: (الإله ليس عظيما.. الدعوى ضد الدين) الصادر في بريطانيا سنة 2007م، وفي طبعته الأمريكية تغير العنوان الفرعي وصدر بعنوان: (الإله ليس عظيما.. لماذا يسمم الدين كل شيء؟)، ونشر في طبعة لاحقة في بريطانيا من دون عنوان فرعي، رابعا العالم الأمريكي دانيال دينيت صاحب كتاب: (فكرة داروين الخطيرة.. التطور ومعاني الحياة) الصادر سنة 1995م.

على مستوى الخطاب حدثت تحولات في بنية الإلحاد الجديد، منها التصويب على الإسلام في معترك المواجهة الوجودية، فبعد أن كان الإلحاد في الغرب ولزمن طويل يصوب معركته الفكرية النقدية على الأديان الإبراهيمية بصورة عامة، وعلى الديانة المسيحية بصورة خاصة، اتجه هذه المرة نحو الإسلام مصوبا عليه سهام المجابهة.

هذا التحول حدث نتيجة واقعة الحادي عشر من سبتمبر التي هزت العالم، وتبنتها جماعة حسبت نفسها على الإسلام، واستغلالا لهذه الفرصة جاء كتاب سام هاريس (نهاية الإيمان.. الدين والإرهاب ومستقبل المنطق)، محملا الإسلام مسؤولية ما حدث، فاتحا عليه المعركة، رابطا بين الدين والإرهاب، مفتعلا التناقض بين الإيمان والمنطق.

ومن التحولات الأخرى التي حدثت في بنية خطاب الإلحاد الجديد تغير نظرته إلى العلم، فقد أظهر أصحاب هذا الاتجاه اعتقادا بالعلم هو أشبه بالاعتقاد الديني وأقرب إلى الأيديولوجيا والالتزام الأيديولوجي موصوفا عند النقاد بالتعصب العلموي، معتبرين أن العلم بات يتقدم بطريقة متفوقة تفارق جميع المراحل والأزمنة السابقة، وسيعلن فوزه الحتمي على الإيمان، ودفع الدين نحو التراجع والتقهقر.

يضاف إلى هذه التحولات ما أظهره الإلحاد الجديد من حماسة واندفاع، مستعيدا حيويته، ومستجمعا قواه، مبرزا نشاطا مكثفا على أكثر من صعيد، منها: الكتابة والنشر، الندوات والمحاضرات، الحوارات والمناظرات، وهكذا على صعيد الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي، اعتقادا من أصحابه أنهم أمام لحظة سانحة تتيح لهم إمكانية تحويل الإلحاد إلى هوية نشطة يمكن التبشير بها وتوسعة رقعتها وتعزيز مكانتها في العالم، انطلاقا من حس الهوية من جهة، ومن حس التبشير من جهة أخرى.

لكن المفارقة وخلافا لتلك التوقعات، فقد تعرض الإلحاد الجديد لنكسة قوية في بيئته ومحيطه بعد الإعلان عن هويته وإطلاق حركته، مجابها بنقد شديد، وتشكيك صارخ، إلى جانب الإنقلاب عليه من أشخاص كانوا قد اقتربوا منه وانخرطوا فيه، ثم انشقوا عنه، وكانوا مندفعين في نقده جذريا.

من صور هذا النقد وتمثلاته، ما طرحه الكاتب الأمريكي كرس هيدجز في كتابه المتجلي بعنوانه: (أنا لا أومن بالإلحاد.. الصعود الخطر للأصولية العلمانية) الصادر سنة 2008م، وتغير العنوان في طبعته سنة 2009م واشتهر بعنوان: (عندما يصبح الإلحاد دينا.. الأصوليون الجدد لأمريكا)، متضمنا نقدا شديدا، وتحذيرا قويا تجاه ظاهرة الإلحاد لكونها تمثل في نظر الكاتب نمطا خطيرا من أنماط الأصوليات.

ومن صور هذا النقد وتمثلاته، ما أشارت إليه الكاتبة الأمريكية سيكيفو هتشينسون في كتابها: (الشيء الأبيض.. الإلحاد الجديد ومضايقاته) الصادر سنة 2011م، متخذة من المنظور العرقي مدخلا لتوجيه النقد لظاهرة الإلحاد الجديد، قاصدة لفت الانتباه إلى هذا الجانب غير المرئي عند الكثيرين، مسلطة الضوء عليه، واصمة هذه الظاهرة بالعنصرية لتحيزها إلى العرق الأبيض.

ومن صور هذا النقد وتمثلاته أيضا، ما قدمه عالم الاجتماع الكندي ستيفن ليدرو في كتابه: (تطور الإلحاد.. السياسة في الحركات الحديثة) الصادر عن جامعة أكسفورد سنة 2019م، متخذا من السياسة والمنظور السياسي مدخلا لتكوين الفهم حول الإلحاد الجديد، معتبرا أنه في حقيقته يمثل حالة سياسية ترتكز على نقد جذري للدين ومواجهته بصورة قاسية في العلن.

ومن صور هذا النقد وتمثلاته كذلك، ما عرضه الكاتب الأسترالي سي جي ويرلمان في كتابه: (تهديد الإلحاد الجديد.. الصعود الخطر للعلمانيين المتشددين) الصادر سنة 2019م، تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه جاء من شخص كان منتسبا لهذه الظاهرة متحمسا لها ومنخرطا بفاعلية في أنشطتها، لكنه أدرك بعد الاقتراب منها أنها تحولت بسبب تشددها إلى أصولية خطرة، مظهرا الخوف منها، فقرر الابتعاد منها، والانقلاب عليها، متجها لنقدها من الداخل.

هذه عينة من صور النقد الغربي وتمثلاته على مستوى التأليفات المتتابعة، وهناك الكثير من المقالات التي يصعب حصرها، وليس بعيدا أن نسمع قريبا عن كتابات تعلن نهاية ظاهرة الإلحاد الجديد أو تتحدث عما بعد الإلحاد الجديد، مؤكدة نكسة الإلحاد الجديد!

2021/02/27

تأكل وتشرب ولها عقل.. ما مصير أرواحنا بعد الموت؟

حقيقة الإنسان هي بروحه لا ببدنه، وأنّ هذه الروح لا تفنى بفناء الجسد وإنّما تنتقل الى عالم آخر هو البرزخ، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ([الزمر:42], وقال تعالى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ آرْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).[سورة المؤمنون: الآية 99].

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

لأرواحنا عقل وإدراك!

وروح الإنسان تبقى حيّة بعد خروجها من الجسد وانتقالها إلى عالم البرزخ، ومعنى أنّها حيّة أنّ لها عقلاً وإدراكاً، ويدلُّ عليه ما جاء في قوله تعالى في قصّة (حبيب النجار( : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس:26ـ27], فانّه هناك وهو في عالم البرزخ يتمنّى أن يعلم قومه ما أنعم الله عليه والتمنّي فعل منه ، وكذلك قوله تعالى: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( [آل عمران:169]، فهي صريحة بحياتهم بعد الممات، وأنّهم يفرحون ويستبشرون. ثُمَّ إنّ هناك صلةً بين الحياة الدنيا وحياة البرزخ بمعنى إمكان الاتّصال بالأرواح ومخاطبتها وأنّها تسمع وتحسُّ بما يفعله الأحياء، قال تعالى فيما أخبر به عن نبيّ الله صالح (عليه السلام): (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ([الأعراف:78،79] ، وكذلك في الرواية المشهورة من كلام النبي (صلى الله عليه وآله) للمشركين المقتولين الذين ألقوا في قليب بدر، وقوله (صلّى الله عليه وآله): (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم, ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني)، وكذلك سلامنا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في نهاية كلِّ صلاة، إذْ لو لم تكن هناك صلةٌ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته فما معنى سلامنا عليه. وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القميّ (ج2/ص94)، البرزخ هو أمر بين أمرين وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة وهو قول الإمام الصادق (عليه السلام): والله ما أخاف عليكم إلّا البرزخ. وفي الخصال للصدوق (ره) (ص120) بإسناده إلى زين العابدين (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ..) (هو القبر وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) وفي الكافي للكلينيّ (قدّس) (ج3/ص245) عن الصادق(عليه السلام): (فإذا قبضه الله صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا).

فيمرُّ الإنسان - إذنْ - بهذه المرحلة بعد الموت أي بعد دفنه بالقبر, فالقبر أوّل منازل الحياة الأخرى كما نقل الفتّال النيسابوريّ في روضة الواعظين, في الصفحة (494) عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) (إنّ القبر أوّل منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقلّ منه) وفي البحار للعلّامة المجلسيّ (ج74/ص371): قال الإمام عليّ (عليه السلام) (يا ذوي الحيل والآراء والفقه والأبناء اذكروا مصارع الآباء فكأنّكم بالنفوس قد سلبت والأبدان قد عريت وبالمواريث قد قسّمت فتصير يا ذا الدَّلَالِ والهيبة والجمال إلى منزلة شعثاء ومحلّة غبراء فتُنوَّم على خدّك في لحدك... حتّى تشقّ عن القبور وتبعث إلى النشور.

فإذنْ هذه المرحلة من المراحل الطبيعيّة التي يمرُّ بها الإنسان كما مرَّ من قبل بمرحلة الأصلاب والأرحام ثمَّ مرحلة الدنيا... وبعد الموت تكون أرواح المؤمنين في نعيم وسرور على عكس أرواح الكافرين والمنافقين فإنّها تعيش في حياة ملؤها الكآبة والعذاب.

 

2021/02/20

الافتراء على الدين.. 3 أسباب للمآسي والحروب في العالم

إن الالتفات إلى بداهة أصالة حرمة المسلم في الإسلام يوضح أن كثيراً من المآسي التي تقع في المجتمع باسم الدين لا يستند في الحقيقة إلى تعاليمه؛ إذ لا يمكن أن يُسند ما وقع من الحروب والقتال بين المسلمين إلى توجيه الدين إلى التعصّب بين فرق المسلمين، وإسقاطه لحرماتهم.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

 كما يؤكد ذلك علماء المسلمين عند نشوب الفتن الطائفية بين المسلمين، مستشهِدين بالنصوص الدينية.

وكيف يمكن لأحد أن يدعي –مثلاً- أن الدين هو الذي وجّه الخوارج في صدر الإسلام لقتل الإمام علي (ع) -مع موقعه وسابقته في الإسلام-، وكذا قتل كثير من المسلمين -على أساس تكفيرهم بدعوى ارتكابهم للكبائر- وبقر بطون نسائهم.. حتى احتج عليهم الإمام علي (ع) في بعض خطبه في نهج البلاغة: بكون ذلك مخالفة واضحة لسيرة النبي(ص) .

ونظير ذلك ما وقع في هذا الزمان من قومٍ؛ على أساس التوسّع في تكفير المسلمين، حتى استباحوا دماء الآمنين من المسلمين وغيرهم -من نساء وأطفال وشيوخ-، بأساليب شائنة، تنفر منها الفطرة، وينكرها الدين، وكأنهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول: [مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا].

وعليه: فليس هناك من دخلٍ للدين في حدوث هذه المآسي بحالٍ؛ وإنما نشأت هذه المآسي من خليطٍ: من عدم العلم، وضعف التعقّل، وعدم تهذيب الأخلاق..

١. فمن عدم العلم: قراءة النصوص القرآنية وتفسيرها بغير وجهها؛ وما ذلك إلا لعدم امتلاك أدوات فهمها وتفقهها؛ مما أدى إلى تطبيق الآيات الواردة في شأن المشركين المحاربين للمسلمين على المسلمين.

ومن العجب أن يتنزّل مستوى الفهم والتفطّن الأدبي للنصوص القرآنية والنبوية إلى هذا المستوى في وسط قسم من المسلمين؛ حتى فهموها على وجه يسوّغ لهم هذه التصرفات الشائنة وغير المسبوقة في تاريخ الدين.

٢. ومن ضعف التعقل: الاعتقاد بأن هذه السلوكيات والأعمال يمكن أن تؤدي إلى وجود دولة مستقرة، تشمل جميع بلاد المسلمين، ليعود مجد الإسلام والمسلمين إلى ما كان عليه في العهد الأول.. مع أن من الواضح أن هذه الأمور لن تؤدي إلا إلى زيادة الفتن، وانتشار الشبهات في بلاد المسلمين، وصرف طاقاتهم وإمكاناتهم في القتال فيما بينهم.

ولقد كان تقدم الإسلام قبل أربعة عشر قرناً في الجزيرة العربية التي كانت مليئة بالخرافات والتعسّف -على صفاءٍ في نفوس أهلها- على أساس خطاب فطريٍ عقلانيٍ، يحفز في الناس روح العقل، ويوقد فيهم مشاعر الفطرة، ويستشهد لهم على حقانية النبي (ص) بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعوهم إلى التأمل والتفكير في الكون والحياة، ويوجههم إلى التصرّف الحكيم والعمل الفاضل برفق وأناة.. فكيف يمكن الدعوة إليه في هذا العصر -مع نموّ الفكر والشعور الإنساني- بهذه الأفكار والسلوكيات المجافية للعقل والفطرة؟

وبعد، فالحكومة في الإسلام وسيلة لإشاعة العدل، والتوجيه نحو الفضيلة، وليست غاية لذاتها.. فكيف يضحي المرء بالغاية لأجل الوسيلة؛ فهل هذا إلاّ من قبيل لبسِ الإسلامِ لبسَ الفرو مقلوباً  -كما ورد التنبؤ به في الحديث -؟

٣. ومن عدم تهذيب الأخلاق: الوقوع في المزاجيات المفرطة الخارجة عن الاعتدال الإنساني، وطغيان المشاعر الناشئة عن حب الرئاسة والجاه، أو الشعور بالتحقير والتهميش -مما يؤدي إلى الحقد على الآخرين والنكاية بهم-، أو ردود أفعال مبالغ فيها على ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية.

ومن المعلوم أن الإنسان ما لم يتهذب فسوف يجعل أي مبدأ وعقيدة سبيلاً لإرضاء مزاجياته، ويتخذ من المبادئ غطاءً لتوجيهها -سواء كان هذا المبدأ هو الدين، أو الدولة المدنية، أو قانون حقوق الإنسان-.. ولقد شهدنا في هذا العصر سلوكيات من دول تنادي بمبادئ، مع أن سلوكها ليس السلوك الأمثل في تطبيق تلك المبادئ؛ بل بعضها لا تناسبه أصلاً؛ لما فيها من التعسف ومجانبة الإنصاف.

وعلى العموم فإن المبادئ الحقة لا تكفي في تصحيح السلوك الإنساني؛ بل تحتاج في فهمها -فضلاً عن تطبيقها- إلى حاضنة سليمة؛ فإذا لم تسلم الحاضنة -لعدم استكمال العقل، واستحكام الجهل، والخروج عن الاعتدال- فإن هذه الحاضنة سوف تشوّه تلكم المبادئ، وتحوّر نصوصها، لتوجيه تصرفاتها، ويستحيل عليها فهمها وتطبيقها على وجهها.


من كتاب منهج التثبت في شأن الدين

2021/02/17

السيد السيستاني يحذر من تأثير ’’التيارات المنحرفة’’ ويقترح 6 حلول

حصل «موقع الأئمة الاثني عشر» على جواب لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني، دامت بركاته، حذر فيه من تأثير التيارات المنحرفة على الشباب.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ودعا سماحته في ردّه على سؤال وجّه له بشأن تكليف الشباب تجاه الثقافات والحركات الفكرية، إلى "نشر المعروف وهجر المنكر".

فيما يلي نص السؤال مع الإجابة:

س: ما هو تكليفنا اليوم تجاه الثقافات الأخرى والحركات الفكرية والشبهات المطروحة مع كثرة أدوات التأثير لها؟

ج: لا شك أن هذا العصر يتميز بكثرة التحديات التي تتفق إزاء سلامة الفكر والعقيدة والأخلاق، وذلك من خلال أدوات الاطلاع والتواصل المميزة التي تيسرت وعمّت الناس جميعاً.

وهذا أمر يذعن به الباحثون جميعاً مهما كان الاتجاه الذي يعتقدونه ويرون صوابه، لأنهم يجدون كيف أن الاتجاهات الأخرى تؤثر على الناس في جذبهم إليها رغم خطئها والانحراف فيها، لأن هذه التحديات لا تتفق تجاه فكر محدد أو عقيدة معينة أو منهج أخلاقي خاص، بل هذه التحديات أصبحت تواجه ثوابت الرشد والاعتقاد والأخلاق.

فإذا لاحظنا عنصر الرشد وجدنا أن التيارات المنحرفة انحرافاً واضحاً كيف تستهوي كثيراً من الشباب وغيرهم إلى أنفسها، وتصرفهم عن الاتجاهات المعتدلة والمستقيمة في الحياة للإيمان بأفكار وسلوكيات ومناهج خاطئة بوضوح.

وإذا لاحظنا عنصر الاعتقاد وجدنا تسخير كل صاحب عقيدة -حتى الاعتقادات المبتدعة- هذه الوسائل لجلب جماعة والتأثير عليهم، وهو ما كان مؤثراً فعلاً في فريق من الناس.

وإذا لاحظنا عنصر الأخلاق فمن المعروف التحديات التي تمثلها هذه الوسائل لأخلاق الأطفال والمراهقين والشباب، بل والمراحل العمرية من بعد ذلك.

إضافة إلى ذلك ما يجده الإنسان المؤمن بالدين من تحديات تجاه ما يبني عليه من الرشد والحكمة والاعتقاد الصحيح والأخلاق السليمة وفق المنظور الديني الموافق للفطرة الإنسانية.

ولذلك كان لزاماً على المؤمنين من منطلق واجبهم تجاه أنفسهم وأولادهم ومجتمعهم عملاً بفريضة التعاون على البر والتقوى والسعي إلى نشر المعروف وهجر المنكر من الاهتمام بتدبير هذه النقطة، كلّ وفق ميسوره ودائرة تأثيره من الأسرة والمجتمع الخاص أو العام ووفق المواقع التي يكون فيها مثل موقع الأبوين في الأسرة وموقع المعلم والمربي في المدرسة وموقع الخطيب والعالم في المجتمع، بل موقع الزميل والصديق في المدرسة والسوق وموقع رجل الدولة في المسؤوليات المنوطة به فيها ونحو ذلك، ويصدق في هذا الشأن حقاً مقولة النبي (ص) المعروفة: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

والانتباه إلى هذه الفريضة وضرورتها وأهميتها وأبعادها هو بنفسه أول واجب على الإنسان في الموضوع.

وأما الخطوات العملية في هذا الشأن:

١- ملء الإنسان أوقاته بأعمال هادفة وسامية وناظرة إلى تأمين مستقبله الدنيوي والأخروي - فإنّ الانتباه إلى المستقبل والتفكير في عناصر النجاح والسلامة والسعادة فيه والاهتمام بالإعداد له بعيدا عن الاستغراق في اللهو أو اللامبالاة بالوقت أو مشاعر اليأس والإحباط - مؤثرٌ في صيانة الإنسان عن خطر المزالق وصدوده عن جموح الرغبات، وتشتت همومه بين أمور غير نافعة، فلا بدّ من التفكير لمستقبل ملائم يعطي معنى للحياة ويرسم له أفقا مأمولا ينير الإنسان فيما يراوده من أفكار وهواجس ويوجه سلوكياته وأعماله في ضمن رؤية للاستقرار والنجاح والارتقاء والتكامل.

٢ ــ الحضور المؤثر والملائم في مسرح الأحداث كلٌّ حسب استطاعته وفق قاعدة: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]، فالغياب عن المشهد هو غياب مطلق عن التأثير.

٣ ــ دراسة الأدوات الملائمة وفق المبادئ الدينية والتربوية الاجتماعية والنفسية ــ من المتخصصين ــ، ووضع مناهج مناسبة للتأثير على المجتمع في الاتجاه السليم.

٤ ــ تكاتف الجهود تحقيقاً للتعاون على البر والتقوى، لأن كثيراً من المسؤوليات لن تتحقق بالجهد الفردي، وهو يقتضي الاهتمام بمبدأ الإدارة والكفاءة وغياب نزعات التصدر والمصالح الشخصية.

٥ ــ إيجاد بيئات ملائمة يمكن للمرء أن يعيش فيها ويتأثر بأجوائها ويمنع من احتضان بيئات مغايرة له، لأن البيئة التي يعيش فيها الإنسان لها دور كبير في صيانة أفكاره ومعتقداته وأخلاقياته.

٦ ــ الاهتمام ببناء الإنسان لنفسه ــ خاصة من يكون في موقع مؤثر من جهة التأسي به والنظر إليه، فوجود نماذج صالحة حقاً وليست مرائية في كل وسط بأداء صامت له أبلغ الأثر على الآخرين الذين يشهدونه، وإلى ذلك أشير في قوله تعالى عن دعاء المؤمنين: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا]، فكل إنسان صالح في الأسرة والمجتمع والمدرسة والجامعة يكون له تأثير إيجابي في اتجاه الصلاح على الآخرين.

وبعد فإن الإنسان المؤمن يجد في مبادئ الإيمان وقواعده والممارسات الإيمانية والبيئة المؤمنة عوناً على إنجاز أيسر لهذه المهمة، وقد قال الله سبحانه: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ].

2021/02/16

’’اتق شر من أحسنت إليه’’ .. هذه العبارة الشهيرة ليست حديثاً!

هذا النصُّ لا يوجد في كتب الشيعة الإماميّة المعتمدة وغيرها، وإنّما هو موجود في بعض كتب السنّة، وهو في حقيقته ليس حديثاً من الأحاديث المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ وإنّما هو من كلام بعض السلف، بل بعضهم عَـدّ أصله مأخوذ من الإسرائيليّات.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ففي كتاب كشف الخفاء للعجلونيّ (1/43): عند تعليقه على هذا النصِّ: ( اتّقِ شرَّ من أحسنت إليه )، قال: وفي لفظ من تحسن إليه، إذْ نقل العجلونيّ عن السخاويّ قوله: لا أعرفه ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف، قال: وليس على إطلاقه بل هو محمول على اللّئام دون الكرام، ويشهد له ما في المجالسة للدينوريّ عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه (عليه السلام): الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا لطف... ثُمَّ بعد ذلك نقل العجلونيّ كلام أبي عمرو بن العلاء يخاطب بعض أصحابه: كن من الكريم على حذر إذا أهنته ومن اللئيم إذا أكرمته ومن العاقل إذا أحرجته ومن الأحمق إذا رحمته ومن الفاجر إذا عاشرته وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدّث من لا ينصت لك، وفي الإسرائيليّات يقول الله عز وجل : من أساء إلى من أحسن إليه فقد بدّل نعمتي كفرا ومن أحسن إلى من أساء إليه فقد أخلص لي شكرا.

2021/02/14

من أين جاء الإله؟ .. أقوى 5 أسباب للإلحاد!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

في مقطعٍ مُصوّرٍ اِنتشرَ على وسائلِ التّواصلِ، ظهرَ عالمُ الأحياءِ التّطوّري وأيقونةُ الإلحادِ المُعاصرِ ريتشارد دوكنز (ولدَ : 1941م ) مُجيباً عَن سؤالٍ عُنوِنَ بهِ المقطعُ :( ما هيَ أفضلُ خمسةِ أسبابٍ على عدمِ وجودِ إلهٍ ؟ ).

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وقَد رأيتُ في هذا المقالِ أن أعرضَها مثلما جاءَت في المقطعِ، وأعلّقَ على كلِّ واحدٍ مِنها:

الهروبُ إلى الأمامِ:

1ـ يقولُ دوكِنز : " المُلحدُ لا يتحمّلُ عِبء تقديمِ دليلٍ على عدمِ وجودِ الشّيءِ بَل العكس ، المُؤمنُ هو مَن يتحمّلُ عِبءَ تبيانِ وجودِ الشّيء ... لِذا فالسّببُ الأهمُّ على عدمِ وجودِ إلهٍ هوَ أنّهُ لا يوجدُ أسبابٌ تدعمُ وجودَ الإلهِ "إِنتهى.

التّعليقُ:

في هذهِ النّقطةِ، يستخدمُ دوكينز مغالطةَ " الإحتكامِ إلى الجهلِ " فيتّخذُ مِن " غيابِ الدّليلِ " ، دليلاً، يقولُ الفرنسيّونَ : " الجهلُ ليسَ دليلاً على شيءٍ إلّا على أنّنا نجهلُ"(1)!

ويُفسّرُ الفيلسوفُ البريطاني أنتوني جون باتريك – كيني، لماذا الإلحادُ غيرُ مُبرّرٍ مُطلقاً، فيقولُ: إظهارُ أنّكَ تعرفُ يتطلّبُ جُهداً أكبرَ مِن إظهارِ أنّكَ لا تعرِف، ويضيفُ: هذا أيضاً لا يُخلّصُ اللا أدري منَ الورطةِ، فالمُتقدّمُ للإختبارِ يُمكنُه تبريرُ عدمِ معرفتِه بإجابةِ أحدِ الأسئلةِ؛ لكِن هذا لا يمنحُه القُدرةَ على النّجاحِ واِجتيازِ الإختبار(2)

والمفارقةُ أن دوكنز الذي قدّمَ هُنا "خمسةَ أسبابٍ" على عدمِ وجودِ إلهٍ! يقولُ في مُناظرتِه معَ جورج بيل : " لن تجدوا أيّ عالمٍ مِن أيّ اِتّجاهٍ عقليّ يُمكنُ لهُ أن يُبرهنَ لكُم على عدمِ وجودِ أيّ شيءٍ، ليسَ باِستطاعتي أن أُثبتَ عدمَ وجودِ إله"(3).

التّطوّرُ بديلاً عنِ التّصميم!

2ـ يضيفُ دوكنز : " حُجّةُ التّصميمِ القائلةِ بأنّ الأشياءَ تبدو وكأنّها صُمّمَت بشكلٍ جميلٍ كالموزِ والتّفاحِ والبشرِ والكنغرِ وإلخ وهيَ تبدُو وكأنّها مُصمّمةٌ لأنّها ناتجُ عملِ الإنتخابِ الطّبيعيّ الدّارويني فهوَ الذي يجعلُها تبدو وكأنّها مُصمّمةٌ ، هوَ يُنتجُ نُسخاً شبيهةً جِدّاً بالتّصميمِ ".

التّعليقُ:

داروِن نفسُه، لَم يكُن يرى ثُنائيّةَ: ( إمّا التّصميمَ – أو نظريّةَ التّطوّر) على أنّها مانعةُ جمعٍ، وثُنائيّةٌ استقطابية، وحينَ ذُكرَ ذلكَ لدُوكينز أثناءَ مُناظرتِه معَ الكاردينال جورج بيل، ردَّ: هذا غيرُ صحيحٍ!، فأرجعهُ الكاردينال للصّفحةِ [92] مِن سيرةِ داروِن، لمَ ينبِس دوكِنز ببنتِ شفة(4) وهذا الجزءُ مِن كلامِ الكاردينال  -للأسفِ-  لمَ يُسجِّل في كتابِ: حوارات سدني (5)  وحينَ سألتُ المُترجمَ عَن ذلكَ، برّر: أنّهُ قَد ترجمَ المُناظرةَ مُحرّرةً على موقعِ دُوكينز نفسه!

يؤكّدُ هُنا دوكنز: (بأنّ الأشياءَ تبدو وكأنّها صُمّمَت) وفي مكانٍ آخرَ بعدَ أن يقولَ أنّنا أكثرُ الأشياءِ تعقيداً في هذا الكونِ يُعرّفُ علمَ الأحياءِ والبيولوجيا: " دراسةُ الأشياءِ المُعقّدةِ التي تُعطي مظهراً بأنّها قَد صُمّمَتْ لهدفٍ"(6) فما الذي يجعلهُ يتركُ ما تبدو عليهِ الأشياءُ وما تُوحي بهِ غيرُ "الإلحادِ الدّوغمائي"؟!

دوكنز لا يُفرّقُ بينَ الآليّةِ التي تعملُ مِن خلالِها الطّبيعةُ، والفاعليّةُ وراءَ هذهِ الآليّةِ وأنَّ العلمَ الطّبيعيّ معنيٌّ بدراسةِ الأسبابِ والعللِ القريبةِ المادّيّةِ المُرتبطةِ بالإجابةِ عَن سؤالِ "كيف"؟ ولا علاقةَ لهُ بالأسبابِ البعيدةِ والعِلّةِ (الفاعليّةِ والغائيّةِ) المُجيبةِ عَن سؤالِ مَــن ولِماذا؟

كتبَ لينوكس: الفكرةُ القائلةُ أنَّ مفهومَ اللهِ والتّطوّرِ البيولوجي يُلغي كلٌّ مِنهُما الآخرَ تعني أوّلاً : أنَّ اللهَ والتّطوّرَ يندرجانِ تحتَ فئةٍ تفسيريّةٍ واحدةٍ ، ولكنَّ هذا خطأٌ بيّنٌ ، هذهِ الفكرةُ تنطوي على خطأٍ تصنيفيٍّ، فنظريّةُ التّطوّرِ تدّعي كونَها آليّةً بيولوجيّةً ، ومَن يُؤمنُ باللهِ يعتبرونَهُ فاعِلاً يُصمّمُ ويخلقُ الآليّاتِ ، إنَّ فهمَ آليّةِ عملِ سيّارةِ فورد لا يعُدُّ بذاتهِ حُجّةً تُبيّنُ أنّ مستِر فورد نفسَه غيرُ موجودٍ فوجودُ الآليّةِ لا يُعتبرُ في ذاتِه حُجّةً تُثبتُ عدمَ وجودِ فاعلٍ صمّمَ هذهِ الآليّةَ.

 ولئِن أصرَّ على إحلالِ الانتخاب الطّبيعي محلَّ التّصميمِ الذّكي فيما يبدو بظاهرِه مُصمّماً، (يعني في الحياةِ على هذا الكوكبِ وحسب) فـإنَّ الضّبطَ الدّقيقَ في الكونِ كما ينصُّ، يقولُ عالمُ الفلكِ البريطاني إدوارد هاريسون (ت2007م): يقدّمُ دليلاً مبدئيّاً بديهيّاً على وجودِ تصميمٍ إلهيّ، فلتحسِم إِختياركَ : إمّا صُدفةٌ عمياءُ تتطلّبُ كثرةً منَ الأكوانِ أو تصميمٌ يتطلّبٌ كوناً واحِداً(7).

التّجربةُ الدّينيّة:

3ـ  " والأسبابُ الأخرى مثلَ زعمِ البعضِ أنّهم يمتلكونَ تجربةً شخصيّةً أو تجربةً ذاتيّةً عنِ الله، حسناً: نحنُ نعرفُ سهولةَ اِنخداعِ النّاسِ وسهولةَ تعرّضِهِم للهلوسةِ وسهولة توهّمِهم وسهولةَ رُؤيتِهِم للأحلامِ " إنتهى.

التّعليقُ:

مِن حقِّ دوكنز أن يقولَ: إنَّ هذهِ التّجربةَ الشّخصيّةَ معَ اللهِ لا تُلزِمُ إلّا صاحبَها، تماماً كالشّعورِ بالعطشِ أو الألمِ أو السّعادةِ.. وغيرِها مِن مشاعِر،  لكنَّ تكذيبَها كما تكذيبِ المشاعرِ وسائرِ التّجاربِ الشّخصيّةِ أمرٌ غيرُ واردٍ، بَل قبيحٌ، نعَم، قَد لا يكونُ الآخرونَ مُلزمينَ بإحضارِ المُسكّناتِ وأنتَ تُخبرُهم عَن وجعِ ضرسكَ، أو أن يستشعرُوا معكَ الطّمأنينةَ والسّعادة، لكِن، تخيَّل -بدلاً عَن ذلكَ- أن يُقالَ لكَ وأنتَ في تلكَ الحالِ فِعلاً: أنتَ تكذِب، أو هذا مُجرّدُ وهمٍ وهلوسةٍ!

ما أُريدُه بإيجازٍ: أنَّ المشاعرَ والتّجاربَ الشّخصيّةَ لا تُكذّبُ، ليسَ لحقّانيّتِها أو صِدقِها بالضّرورةِ؛ إنّما لأنّها تخضعُ لمعاييرِ التّصديقِ والتّكذيبِ، سيّما تلكَ التي لا يعرفُ غيرَها دوكِينز!، ومعَ هذا، عليكَ أن تُحقّقَ في مقولةِ: لا مُلحدينَ في الخنادِق!

مِن أينَ جاءَ الإلهُ؟!

4ـ  ويواصلُ مُتسائِلاً  :" حُجّةُ المُسبّبِ الأوّلِ تُفنّدُ نفسَها بنفسِها لأنّكَ إن اِفترضتَ أنَّ الإلهَ هوَ المُسبّبُ الأوّلُ ستواجهُ صعوبةً كبيرةً في أن تُفسّرَ مِن أينَ جاءَ الإله ؟ "

التّعليق:

والجوابُ وتماهياً معَ سؤالِه: جاءَ مِن إلهٍ آخرَ قبله، وحينَ يعاودُ السّؤالَ يعودُ الجوابُ ذاتُه: خلقهُ إلهٌ آخرُ، وهكذا دواليكَ، إلى أن ننتهي إلى إلهٍ خالقٍ غيرِ مخلوقٍ، مُوجِدٍ غيرِ مُوجَدٍ، عِلّةٍ غيرِ معلول، سببٍ لا سببَ لهُ، موجودٍ وجودُه عينُ ذاتِه والذّاتيّ لا يُعلّلُ وكُلُّ ما بالغيرِ لابُدَّ أن ينتهِيَ إلى ما بالذّاتِ. ويجدرُ الإهتمامُ في هذا السّياقِ ما قالهُ ماكغراث، مِن أنَّ الغايةَ الأسمى منَ العلومِ الطّبيعيّةِ هيَ السّعيُ مِن أجلِ " النّظريّةِ المُوحّدةِ العُظمى – نظريّةُ كُلِّ شيءٍ " فـلِـمَ نظريّةٌ كهذهِ تُعدُّ بتلكَ الأهمّيّةِ؟ لأنّها تُفسّرُ كُلَّ شيءٍ دونَ الحاجةِ إلى أن يكونَ مَطلوباً تفسيرُها بذاتِها ، وينتهِي المسارُ التّوضيحيُّ ههُنا فتنتفِي الحاجةُ إلى التّراجعِ اللّانهائي بُغيةَ التّفسيرِ(8).

رهانُ باسكال:

5ـ يختمُ دوكِنز: "رهانُ باسكال القائلُ بأنّهُ مِن مصلحتِكَ الرّهانُ على وجودِ إلهٍ لأنّكَ إن لَم تفعَل ستذهبُ إلى الجحيمِ، هذهِ حُجّةٌ سخيفةٌ لأنّها تفترضُ أنّك تعلمُ أصلاً أيُّ إلهٍ هوَ الإلهُ الحقُّ ".

التّعليقُ:

هناكَ الكثيرُ ممّا يُمكنُ أو يجبُ أن يُقالَ بشأنِ رهانِ باسكال، لكِن بإيجازٍ: رهانُ باسكال ليسَ حُجّةً تُثبتُ وجودَ إلهٍ موضوعيّاً ليُدرجَ هُنا، وإنمّا يُجادلُ بهِ - براغماتيّاً- قضيّةُ الإلحادِ وعدمُ وجودِ إلهٍ ويفيدُ أنّها بمنطقِ الرّبحِ والخسارةِ قضيّةٌ مُعرّضةٌ للخسارةِ الأبديّةِ مُقابلَ الإيمانِ الذي لا خسارةَ أُخرويّةَ معهُ على كُلِّ حالٍ .

على أنَّ عُنوانَ حديثِ دوكنز كانَ " عدمُ وجودِ إلهٍ " ذلكَ الإلهُ الذي يُعبّرُ عنِ المبدأِ الأزليّ لسائرِ الموجوداتِ، لكنّهُ هُنا راحَ يُجادلُ فكرةَ " الإلهِ الحقِّ " مُوهِماً المُتابعَ أنَّ تعدّدَ أسمائِه وصفاتِه بحسبِ الأديانِ والمذاهبِ يعنِي بالضّرورةِ تعدّدَ ذاتِه، وكأنَّ رهانَ باسكال جاءَ ليُرجّحَ منظوراً دينيّاً مُحدّداً للإلهِ على آخر!

الهوامش:

(1) للتّفصيلِ أكثَر يُراجع كتابُ :  المغالطاتُ المنطقيّة ، للدّكتور عادِل مُصطفى ص239 ط1: القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2007 م.

(2) أنتوني فلو -  هُناك  إلهٌ - كيفَ غيّرَ أشرسُ مُلحدٍ رأيه ؟  ، ص75 ، ترجمة : د. صلاح  الفضلي.

(3) ريتشارد دوكنز - حواراتُ سدني ص27 ط : دارُ سطور ، الطّبعة الأولى : 2017 ، ترجمةُ : قيس قاسم العجرش .

(4) جاءَ ذلكَ في الدّقيقة [29] منَ المُناظرةِ المَنشورةِ على الإنترنِت والمُترجمةِ بعنوانِ : هَل الإيمانُ بالدّينِ يجعلُ مِن العالمِ مكاناً أفضَل؟ مُناظرةٌ بينَ ريتشارد دوكنز وجورج بيل .

(5) المصدرُ السّابق - حواراتُ سدني ص37 .

(6) دوكينز- صانع السّاعاتِ الأعمى ص21 ، دارُ العين للنّشر ، الطّبعةُ الثّانية : 2002 ،  ترجمةُ : د . مصطفى ابراهيم فهمي.

(7) جون ليونكس_العلمُ ووجود الله ص61 وما بعدها.

(8) ليستر إدغار ماكغراث  - وهم دوكنز ،  الأصولية الملحدة وإنكار الإله ص28

2021/02/10

عقيدة ’الرجعة’ .. حقيقة إسلامية أم بدعة شيعية؟!

الرجعة في مدلولها العقائدي، تعني رجعة بعض الأموات إلى الدنيا قبل يوم الحساب، وهي بالتالي تحمل مضموناً استثنائياً غريباً، مخالفاً لطبيعة الواقع الإنساني، الذي اعتاد على نمط تكونفيه علاقة الإنسان بالدنيا علاقة محدودة برابط الحياة، لا يمكن لها أن تستأنف من جديد بعد الموت.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

فهذه الغرابة الفكرية التي تحملها عقيدة الرجعة، تجعلها موضوعاً لجدلٍ خاص يتجاوز المألوف ويصور البعيد بصورة القريب، فتصبح بذلك استفزازاً فكرياً، يثير فضول الباحث على مستوى الفرد، وتحدياً للمعرفة الإنسانية على مستوى الأُمّة الإسلامية، التي ورثت وعياً تاريخياً لخارطة عقائدية استبعدت فيها الرجعة.

وبكلا الجهتين، يكتسب بحث الرجعة تميزه، فالفكرة المستبعدة إذا وجدت لنفسها واقعاً ضمن تصور المعرفة الإسلامية، يكون من الضروري حينئذ إجراء مراجعة شاملة للعقلية التاريخية للأُمّة، لا لكي يتم تجاوزها، وإنما للمساهمة في صياغتها من جديد.

فمن أكبر العقد المعرفية، التي تكون حائلاً أمام صيرورة المعرفة واستمرارها، أن يكون الأمر الغريب مستبعُداً، لا لشيء إلا لكونه غريباً، والمجهول أمرُه مرفوضاً، من غير أن تكون هناك محاولات لمعرفته، فالناس في العادة أعداء ما جهلوا كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فإذا بدأت المعرفة الإنسانية من هذه الحقيقة القائلة، أن ما نعلمه هو نقطة في بحر ما نجهله، لانفتحت أمامها أبواب العلم، وسعى الإنسان لامتلاك كل ما هو جديد، فالعقلية المتحجرة ليس فقط لا تمضي بالإنسان قدماً وإنما تجره دائماً إلى الخلف، ومن هنا نجد أن القرآن أشار لهذه المعضلة، باعتبارها عاملاً لتكذيب الحقائق بقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)([1]).

وحتى لا يكون الواحد منا مصداقاً للذين كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، يجب علينا دراسة عقيدة الرجعة بعقلية منفتحة، ترتكز على الدليل والبرهان، وتستبعد التعميمات القاطعة، التي تتجاهل الحقائق الواضحة.

عقيدة الرجعة من مختصات الفكر الشيعي، التي تميزوا بها عن جميع الفرق والمذاهب، مما جعلها عرضة للهجوم والاستهجان من قبل المخالفين، والمتصفح لكتب العقائد والنحل يجد سيلاً من الاستخفاف والاستهزاء بهذه العقيدة، وقد عدّ بعض علماء الجرح والتعديل مجرد القول بالرجعة كافياً للطعن في رواية القائل، وقد ساعد الأمويون والعباسيون، الأعداء التقليديون للشيعة، على نشر هذه التهم وترويجها، مما أخرجها من إطار البحث إلى إطار التهكم، وهو أول انحراف للمسار الطبيعي لدراسة الرجعة.

فقد روي عن أبي حنيفة النعمان، أنه قال يوما لمؤمن الطاق على سبيل الاستهزاء: أقرضني دينارين وإني رادُّهما إليك بعد مماتي إذا أرجعني الله إلى دار الدنيا، فرد عليه مؤمن الطاق على سبيل التهكم والسخرية: وما أدراني أن يرجعك الله خنزيراً أو قرداً بدلاً من إنسان.

ولمناقشة هذه الفكرة، وهي رجوع بعض الموتى للحياة الدنيا قبل الآخرة، لا بد أن نناقشها على مستوى الإمكان أولاً؛ لأن الطبيعة المنهجية للجدل العلمي، قائمة على ما يمكن أن يكون قابلاً للتحقق؛ ولذا فإن إثبات أي حقيقة أو نفيها يقتضي أن تكون في ذاتها قابلة للتحقق، أما إذا كانت بذاتها ممتنعة، فلا يمكن حينئذ أن تكون مداراً للحوار أو الجدل؛ لأن إثبات شيء لشيء فرع تحققه، ومن هنا كان الإمكان العقلي لأي (فرض)، شرطاً لإمكانه العملي، ونقصد بالإمكان العقلي، أن لا يجد العقل محالاً في تحقق الفرض، فهناك بون شاسع يفصل بين الإمكان العقلي والتحقق العملي؛ فكثير من القضايا يمكن أن تكون ممكنة عقلاً ولكنها لم تتحقق على أرض الواقع، فمثلاً: هناك إمكان عقلي بصعود الإنسان إلى كوكب المريخ - لأن العقل لا يراء في هذا الفعل محالاً عقلياً -، وبرغم ذلك لم يتحقق هذا الأمر عملياً، أما في حال حكم العقل باستحالة حدوث أمر ما فحينها لا يمكن أن نبحث عن تحققه على أرض الواقع.

وبناءً على ذلك لا بد من اختبار عقيدة الرجعة على المستوى الإمكان العقلي أولاً قبل الحديث عن أي إمكان عملي وتحقق خارجي، ولمعرفة ذلك لا بد أن نطرح على العقل سؤالاً يتضمن المحتوى الداخلي لهذه العقيدة.

فهل من الممكن عقلاً أن يرجع الإنسان إلى الحياة في هذه الدنيا قبل يوم القيامة بعد أن يموت ويقبر؟

وقبل أن نجيب، لا بد أن نعرف متى يحكم العقل باستحالة تحقق شيء ما؟

إن العقل لا يحكم باستحالة تحقق الشيء، إلا إذا كان في تحققه اجتماعاً للنقيضين، فيحكم مثلاً باستحالة اجتماع النور والظلمة، الموت والحياة، الوجود والعدم، الخير والشر ... في موضع وزمن ولحاظ واحد؛ لأنه يفضي إلى اجتماع المتناقضين وهو محال.

وبناءً على ذلك لا يرى العقل أي محال في رجعة الإنسان إلى دار الدنيا بعد مماته، فرجوع الميت إلى الدنيا لا يحمل أي نوع من أنواع التناقض، ولو كان عبر عشرين واسطة، لأنه هو نفسه العقل الذي صدّق بوجود الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً، وبخروجه حياً من قبره يوم القيامة، فلو كانت رجعته في الدنيا قبل الآخرة محالاً عقلاً، لكان رجوعه يوم القيامة محالاً أيضاً، فالعقل هنا هو نفسه هناك، لا فارق بين الأمرين.

وإذا ثبت الإمكان النظري للرجعة، لا يبقى للاستغراب محتوىً إلا حكم العادة والأُلفة، وهو الأمر الذي لا يُعوَّل عليه عند الاستدلال والبرهنة، فقد يرفض الإنسان كثيراً من الحقائق لكونها غير مألوفة لديه، ولكن هذا الرفض لا يعني أبداً عدم وجود هذه الأشياء، فهناك فارق بين حكم العقل، الذي يرى الأشياء كما هي، وبين حكم النفس، التي ترى الحقائق من خلال البعد الشخصي والتجربة الذاتية.

والكلام عن الإمكان العقلي المجرد لا يناقش ويرد من باب الإمكان العملي والتحقق الخارجي، بعكس الكلام عن أمكانية الوقوع فعلاً وخارجاً لأن له أدواته المعرفية الخاصة القائمة على أثبات ما هو متحقق بالفعل في الواقع الخارجي.

مع أن الإمكان النظري هنا كافٍ، إذا كانت له حكمة موجبة لتحققه، حتى وإن لم يحدث على المستوى الفعلي، وذلك كالإيمان بيوم القيامة مع عدم تحقق إمكان فعلي له، وعقيدة الرجعة لها حِكمة تقتضي حدوثها، وهنا لا بد أن يتحول الكلام للحِكمة، طالما كان هناك إمكان عقلي لتحققها.

إن الخلفية الأولى للاعتقاد بالرجعة، ترتكز على أن هناك وعداً إلهياً، يكتمل به تصور الإنسان المؤمن للغيب، فهناك حِكمة أساسية لخلق الإنسان، تنتظم حولها مجموعة من الحِكم، بدونها لا يخلق الإنسان تصوراً معرفيّاً متكاملاً لفلسفة الدين والحياة.

ومن هنا، فإن كل حقيقة موجبة للاعتقاد والإيمان، لا بد أن تنسجم بل تتكامل مع ذلك التصور المعرفي، وبالتالي فإن السياق الذي نطرح فيه الرجعة، يرتكز على حِكمة مستبطنة في ذلك الاعتقاد، وإلا أصبح القول بها فضولاً في الكلام واعتباطاً في الفكر، ولنكتشف تلك الحكمة لا بد أن نسأل لماذا الرجعة؟، وما هي العلة الموجبة لها؟

وقبل أن نفصل في تلك الحكمة، لابد أن نشير إلى بعض الآيات التي أثبتت الرجعة على المستوى العملي، حتى تحقق نوعاً من الأُلفة مع نفسية الإنسان المسلم.

 1- قصة عزير الذي مرت على وفاته عشرات السنيين، ثم عاد للحياة من جديد، لهي دليل واضح على تحقق الرجعة عملاً.

قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)([2]).

 2- رجوع السبعين رجلاً من أصحاب موسى (ع):

قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)([3]). 

- آلاف من الناس أحياهم الله من بعد مماتهم:

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)([4]).

قال ابن جرير الطبري عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره جامع البيان: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا: نأتي أرضاً ليس فيها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا!، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية: (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ))[5]

وقال في موضع آخر في تاريخه:

حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف)، إلى قوله (ثم أحياهم)، قال: كانت قرية يقال لها داوردان (قيل واسط)، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها، فنزلوا ناحية منها، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم! فوقع في قابل فهربوا، وهم بضعة وثلاثون ألفاً، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو وادٍ أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا! فماتوا، حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم، مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم، ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ - قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم، - فقال: نعم، فقيل له: ناد فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي!، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً! فاكتست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها، ثم قيل له: ناد! فنادي: يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي، فقاموا)[6].

وهذه الرواية تحكي بشكل مفصل، حدوث الرجعة لمجموعة كبيرة من الناس، أماتهم الله ثم أحياهم بعد أن أصبحوا عظاماً نخرة تذروها الرياح، فأحياهم الله وأسكنهم الدور من جديد، كما في بعض روايات أهل البيت عليهم السلام، كما في تفسير العياشي عن حمران بن أعين عن أبى جعفر عليه السلام قال : قلت له حدثنى عن قول الله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم)، قلت: أحياهم حتى نظر الناس إليهم ثم أماتهم من يومهم، أو ردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام ونكحوا النساء؟، قال: بل ردهم الله حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام ونكحوا النساء، ولبثوا بذلك ما شاء الله ثم ماتوا بآجالهم)[7].

فلا يبقَ بعد ذلك غرابة في عملية الإحياء، إن كانت هناك حكمة، وأكتفي هنا بما مضى من إشارة، لأنه ليس من مهمتي أن أستدل على هذه العقيدة، وإنما أردت فقط بيان مدى انسجامها مع الحِكمة العامة للإسلام.

أما ما يثبت حدوثها في هذه الأُمّة فأكتفي بقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)([8])، الحشر في هذه الآية ليس المقصود منه حشر يوم القيامة، لأنه حشر مخصوص لبعض الطوائف من كل أُمّة، والآية هنا نص صريح في ذلك، لا تحتاج إلى إعمال جهد ونظر، فكيف يكون المقصود حشر يوم القيامة والآية صريحة في قولها: (من كل أُمّة فوجاً)، وهذا بخلاف حشر يوم القيامة الذي يقول فيه تعالى: (وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) ([9]).

أما الحِكمة من الرجعة، فتُفهم ضمن الاعتراض القائل: كيف تكون هناك دولة للإمام المهدي تتحقق فيها العدالة لكل الأرض، ثم تكون خاصة بمن يشهدها في عصر ظهورها دون غيرهم من الصالحين والطالحين الذين مضوا؟

فإذا كان الله قد وعد عباده الصالحين بأن يرثوا هذه الدنيا بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)، وإذا كانت الأرض كل الأرض فحتماً الصالحون جميعهم لا بد أن يشاركوا في وراثة هذه الارض.

ومن المعلوم أنه لم يكن للصالحين وراثة في كل الأرض، منذ أن خلق الله آدم إلى يومنا هذا، مما يعني أن هذا اليوم هو يوم موعود لم يتحقق بعد، قال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ)([10])، وهذا الوعد هو لذلك اليوم الموعود الذي يكون فيه الصالحون مستخلفين في الأرض.

فكما أن الأرض هي كل الأرض، فكذلك الصالحون كل الصالحين موعودون بهذه الخلافة الربانية، ومن المعلوم أن الصالحين كانوا هم المستضعفين، ولم يحكم الدنيا إلا المتجبرون، ولذا وعدهم الله بالنصر بعد الاستضعاف، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ)([11]).

وبما أن هذه الوراثة وهذا الاستخلاف للصالحين في كل الأرض لم يتحقق فيما مضى، وبما أن ذلك اليوم يوم ضروري لا بد منه حتى يتحقق وعد الله، فلا بد أن يأتي هذا اليوم.

فكيف يا ترى يتحقق وعد الله للصالحين، وهم قد ما توا وانقضى عمرهم؟ والله يتحدث عن صالحين بعينهم: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).

فقول الشيعة بالرجعة، يحقق للصالحين الذين استضعفوا في الأرض استخلافاً في هذه الدنيا قبل الآخرة، الأمر الذي يقودنا إلى القول إن عقيدة الرجعة فهم متقدم للإسلام، فإن كانت هذه العقيدة تضمن ذلك الأمر الذي فيه حكومة الصالحين، فما العيب في هذا الاعتقاد حتى يكون محلاً للسخرية والاستهزاء؟، وليس فيها ما يخالف ضرورات العقل والدين، بل العكس إذ بها يكتمل وعينا بالدين، ونتحسس قدرة الله وعظمته وعدله.

وهذه الوراثة ليست ضمن فترة محدودة، وإنما يطول عهدها إلى درجة تصبح معها خلافة الظالمين والمفسدين الذين حكموا كأنها لم تكن، حتى يقول القائل أكان في الأرض ظلم؟!

قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ)([12]).

إن الله تعالى قد وعد رسله و المؤمنين الخلص بكمال النصرة، فكما ينصرهم في الآخرة لابد أن ينصرهم في الدنيا، وإن هذا النصر من جنس واحد، لا يفرق بين النصرين إلا طبيعة الدنيا والآخرة، فالآخرة لا متناهية في الزمن، والدنيا قائمة ما دامت السماوات والأرض، فبما أن النصر في الآخرة لا متناه في طول الزمن، يدوم ما دامت الآخرة، فعليه إن النصر في الدنيا سيكون لا متناهياً بحسب عمرها...ستدوم النصرة و الحاكمية ما دامت السماوات والأرض، فالنصرة التي وعد الله بها الصالحين في الدنيا، ممتدة امتداداً زمنياً إلى ما شاء الله من السنين.

فلابد أن يحكم الحق أضعافاً مضاعفة على زمن حكومة الباطل، حتى إذا سأل سائل: من حكم الأرض ومن ورثها؟، قيل له: الصالحون غير آبهين بمدة حكم أهل الباطل، نظراً إلى أن حكمهم نقطة في بحر حكم الصالحين، فـ (للباطل جولة وللحق دولة).

وهناك روايات كثيرة عن أهل البيت تؤكد على الرجعة، كما تؤكد على طول حكومة الصالحين، صرفنا النظر عن ذكرها، ولمن أراد التفصيل عليه الرجوع إلى الكتب المختصة، ويكفينا هنا هذه الإشارة، التي تجعل الرجعة ضمن النسق العام للمعرفة القرآنية، كما تجعلها مكملة للفهم الشمولي للحِكمة الإلهية.

الهوامش:


[1] - سورة يونس/39.

[2] -سورة البقرة/259.

[3] - سورة البقرة/55-56.

[4] - سورة البقرة/243.

[5] - جامع البيان عن تأويل آي القرآن – محمد بن جرير الطبري ج2 ص 793

[6] - تاريخ الطبري – محمد بن جرير الطبري ج1 ص 323

[7] - تفسير العياشي – محمد بن مسعود العياشي ج1 ص 130

[8] - سورة النمل/83.

[9] - سورة الكهف/47.

[10] - سورة النور/55.

[11] - سورة القصص/ 5-6.

[12] - سورة غافر/51.

2021/01/30

من أموالك ’الكفن’ ومن أولادك ’الحفرة’: منكر ونكير يرحبان بك في عالم الموت!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

لقد ذهب طائفةٌ من المفسّرين إلى أنّ قوله تعالى في الآية (27) من سورة إبراهيم: (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) إلى حمل الآية القرآنيّة وخصوصاً في قوله تعالى: (وفي الآخرة) على سؤال منكر ونكير في القبر.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

إذْ أورد الشيخ الطبرسيّ (رحمه الله) عدّة آراء في هذا المقام التي أشهرها قوله: "وقال أكثر المفسّرين: إنّ المراد بقوله تعالى: (في الآخرة) في القبر، والآية وردت في سؤال القبر، وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وهو المرويُّ عن أئمّتنا عليه السلام.

وروى محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب الكافي بإسناده عن سويد بن غفلة، عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة، مثل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إنّي كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟  فيقول: خذ منّي كفنك. فيلتفت إلى ولده، فيقول: والله إنّي كنت لكم لمحبّاً، وعليكم لمحاميا، فماذا لي عندكم؟  فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك، نواريك فيها. قال: فيلتفت إلى عمله، فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهداً، وإنْ كنت عليّ لثقيلا، فماذا لي عندك؟  فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم نشرك حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك. قال: فإنْ كان لله وليّا، أتاه أطيب الناس ريحا، وأحسنهم منظرا وأحسنهم رياشا، فقال: أبشر بروح وريحان، وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت فيقول: أنا عملك الصالح، أرتحل من الدنيا إلى الجنّة، وإنّه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجّله، فإذا أدخل قبره، أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما، ويخدّان الأرض بأنيابهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربّك؟  وما دينك؟  ومن نبيّك؟  فيقول: الله ربّي، وديني الإسلام، ونبيّي محمّد صلى الله عليه وآله، فيقولان: ثبّتك الله فيما تحبّ وترضى، وهو قوله سبحانه: (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، ثُمَّ يفسحان له في قبره مدَّ بصره. ثُمَّ يفتحان له بابا إلى الجنّة، ثُمَّ يقولان له نم قرير العين نوم الشابّ الناعم، فإنّ الله تعالى يقول: (أصحاب الجنّة يومئذ خير مستقرّا وأحسن مقيلا) ".

(ينظر مجمع البيان للطبرسيّ عند تفسير هذه الآية من سورة إبراهيم عليه السلام).


المصدر: مركز الرصد العقائدي

2021/01/26

’رحيل الروح’ .. هل للنوم علاقة بالموت؟

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

من الأدلة الظاهرة عند كل إنسان على أن الله المهيمن على الوجود هو سنة الموت والحياة، فالإنسان لا يملك لنفسه حياة ولا يمكنه الهروب من الموت، فمهما امتلك الإنسان من قدرات لا يمكنه الخروج عن حكومة الله وقبضته، فكيف بعد ذلك يكفر الإنسان بمن في يده حياة الإنسان وموته، قال تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

فإذا كانت بداية الإنسان في الدنيا تبدأ بالحياة وتنتهي بالموت فإن ذلك يعني أن هناك مسيرة مرسومة للإنسان من أجل غايات محددة، وغفلة الإنسان عن هذه الغايات تعني غفلته عن الموت وبالتالي غفلته عن حياته حتى وإن كان يعيش فيها، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فالإنسان الذي تغره الحياة إلى درجة تصرفه عن إدراك الموت كمصير محتوم يخسر الدنيا والاخرة، حيث يلهو بالدنيا حتى يصدمه الموت ويخرجه عن كل ما في الحياة من زخارف، قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وهذا بخلاف الإنسان الذي يعيش في الدنيا وعينه على ما عند الله من النعيم في الاخرة، فالموت عنده حاضراً ويستعد له بالعمل الصالح ليكون مصيره جنات تجري من تحتها الأنهار خالداً فيها قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ). وعليه فإن فلسفة الموت والحياة هي ابتلاء الإنسان لمعرفة من هو أحسن عملاً قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).

ومن نعم الله على الإنسان بأن جعل له المذكرات والمنبهات حتى لا يغفل عن المصير الذي ينتظره، ولأن الموت هو خير واعظ للإنسان لم يكتف الله بأن يجعل هذه الحقيقة فقط منظورة للإنسان من خلال ما يراه من موت الاخرين وإنما جعله يعيش تلك التجربة وبشكل يومي، وذلك من خلال النوم الذي يعد صورة مصغرة للموت، فكما ينام الإنسان ويفقد الإحساس والشعور بالحياة كذلك يموت ولا يعود له الشعور بالحية مرة أخرى، كما ورد في الحديث المعروف (كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تبعثون)، فقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) وهنا إشارة إلى حقيقة الموت الذي فيه انقطاع تام عن الحياة، وقوله تعالى: (والتي لم تمت في منامها) فيها إشارة إلى علاقة النوم بالموت، ثم فصل تعالى في القول في الأنفس المتوفاة في وقت النوم فقال: (فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) أي فيحفظ النفس التي قضى عليها الموت كما يحفظ النفس التي توفاها حين موتها ولا يردها إلى بدنها، ويرسل النفس الأخرى التي لم يقض عليها الموت إلى بدنها إلى أجل مسمى.

يقول السيد الطباطبائي في الميزان: "أن النفس موجود مغاير للبدن بحيث تفارقه وتستقل عنه وتبقى بحيالها. وثانيا: أن الموت والنوم كلاهما توف وإن افترقا في أن الموت توف لا إرسال بعده والنوم توف ربما كان بعده إرسال"".

ويستنتج صاحب الأمثل من هذه الآية عدة نقاط وهي:

1 - إن الإنسان عبارة عن روح وجسد، والروح هي جوهر غير مادي، يرتبط بالجسد فيبعث فيه النور والحياة.

2 - عند الموت يقطع الله العلاقة بين الروح والجسد، ويذهب بالروح إلى عالم الأرواح، وعند النوم يخرج البارئ عز وجل الروح والجسد، ولكن ليس بتلك الحالة التي تقطع فيها العلاقات بصورة كاملة. ووفقا لهذا فإن الروح لها ثلاث حالات بالنسبة للجسد، وهي: ارتباط كامل (حالة الحياة واليقظة) وارتباط ناقص (حالة النوم) وقطع الارتباط بصورة كاملة (حالة الموت).

3 - النوم هو أحد الصور الضعيفة (للموت)، و (الموت) هو نموذج كامل (للنوم).

4 - النوم هو أحد دلائل استقلال وأصالة الروح، خاصة عندما يرافق بالرؤيا الصادقة التي توضح المعنى أكثر.

5 - إن العلاقة التي تربط بين الروح والجسد تضعف أثناء النوم، وأحيانا تقطع تماما مما يؤدي إلى عدم يقظة النائم إلى الأبد، أي موته.

6 - إن الإنسان عندما ينام في كل ليلة يشعر وكأنه وصل إلى أعتاب الموت، وهذا الشعور بحد ذاته درسا يمكن الاعتبار منه، وهو كاف لإيقاظ الإنسان من غفلته.

7 - كل هذه الأمور تجري بقدرة البارئ عز وجل، وإن كان قد ورد في بعض الآيات ما يشير إلى أن ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح، فهذا لا يعني سوى أنه ينفذ أوامر البارئ عز وجل.

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام: https://t.me/The12ImamsWe

2021/01/19

الجدل القديم: هل يتعارض العقل مع الدين؟! (فيديو)

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

قال سماحة آية الله السيد منير الخباز إن الدين هو النص الثابت الواضح الدلالة لا ما يفهمه الفقيه من النصوص القرآنية أو المعصومية.

جاء ذلك في كلمة مسجّلة له حصل عليها «موقع الأئمة الاثني عشر» تعود لعام 2016 ونشرتها قناته الرسمية على يوتيوب.

ورأى سماحته أنه "من الخطأ قياس الدين ببعض ما يفهمه الفقيه فهو ليس واقع الدين الذي يُعترض عليه بسبب بعض الأحكام والفتوى".

وأكد الخباز وهو تلميذ المرجع الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، أنه ينبغي أن نفرق بين العقل الشخصي والعقل الجمعي الذي نقصد به ما يتفق عليه العقلاء وهو ما نحتج به على الآخرين ومنها ما اتفق عليه من أن الخيانة شيء قبيح والأمانة شيء جميل هذا هو العقل.

وتساءل سماحته بعد بيان هذه المقدمات بالقول: "هل يتعارض النص الديني (الثابت) مع العقل؟".

الجواب وتفاصيل أخرى يسلط الضوء عليها الفيديو أدناه لسماحة آية الله السيد منير الخباز:

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام: https://t.me/The12ImamsWeb


المصدر: شبكة المنير

تحرير: حسين درويش

2021/01/18

آية الله الخباز: العدالة لا تتحقق بـ ’البرلمانات وقوانينها’.. الحل بيد الأنبياء (فيديو)

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

قال آية الله السيد منير الخباز، دامت بركاته، إن تطبيق العدالة لا يمكن أن يتحقق من خلال القوانين التي تشرعها البرلمانات.

جاء ذلك في تسجيل فيدوي اطلع عليه «موقع الأئمة الاثني عشر» يعود لعام 2017.

وأكد آية الله الخباز، وهو تلميذ المرجع الأعلى، أنه "لن يخبرنا أحد بالغيب غير الأنبياء والرسل فلا تدرك عقولنا ما وراء المادة لإثباته او نفيه، ومنها الأسئلة المعروفة من أين اتيت؟ وإلى أين اذهب؟ وسائر الأسئلة المصيرية التي تحمل مضاميناً غيبية لن يجيب عنها غير الأنبياء".

وقال، بحسب الفيديو، إننا "نحتاج إلى الأنبياء لأنهم يطبقون العدالة من خلال الكتاب والميزان، فتطبيق العدالة لا يمكن أن يتحقق بالقوانين التي تشرعها البرلمانات".

وأضاف" "إنما يتوقف -تطبيق العدالة- على نظام متكامل يجمع عناصر أربعة وهي الحاجز عن الرذيلة والقانون الحقوقي، واللائحة الجزائية، والتعويض الأخروي. فبدون هذه العناصر الأربعة لا تتحقق العدالة".

تفاصيل أكثر في الفيديو أدناه:

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام: https://t.me/The12ImamsWeb

2021/01/12

الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق.. لماذا نعبد الله بدين واحد؟! (فيديو)

تطرح فكرة تعدد الأديان انطلاقاً من نصوص معارضة لصريح القرآن الكريم أو عبر كلمات لم يثبت صدورها عن المعصوم، ومنها ما قيل من أن "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق".وهو حديث مروي من طرق العامة وأكثر من استشهد به المتصوفة، وفقاً لإجابة منشورة على مركز الأبحاث العقائدية.

 وانطلاقاً من هذا النص الباهت، يقول البعض إننا لسنا ملزمين بدين معين وشريعة محددة.

وهذا الكلام مرفوض باعتبار أنه كلام عادي ليس بآية من آيات القرآن الكريم ولا رواية وردت عن النبي أو أحد المعصومين (ع)، بل أنه يتعارض مع الآية التي تقول: إن الدين عند الله الإسلام وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الرفض لا يلغي التعايش مع أتباع الأديان الأخرى.

المزيد من التفاصيل في الفيديو أدناه مع فضيلة الشيخ فوزي آل سيف [دامت بركاته]:

2021/01/10

لكل مجتهد نصيب: لماذا تقدّم الغرب وتعثّر العرب؟!
يسأل البعض، ما لنا نرى دول الغرب تشهد تقدماً علميا وثقافيا وسياسيا وفي كل المجالات. في التكنولوجيا والعلم.. بل وربما حتى في الإنسانية.

فهل رجعوا إلى الله؟! أم أنهم رجعوا إلى أنفسهم؟!
 وهل تتعارض هذه الفكرة مع الآية الكريمة التي تقول: "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"؟

لقد بدأت النهضة الأوربية في وقت مبكر جداً وقد تعود إلى بدايات القرن الثاني عشر تقريباً، وتسارعت النهضة بشكل كبير في الفترة الممتدة ما بين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر، وقد ساهمت عوامل متعددة وعلى مدى فترات ممتدة من الزمن على أيجاد ما يسمى بالحضارة الغربية، وعليه لا يمكن حصر هذه العوامل في جانب واحد وهو الإيمان وعدمه، وإنما يجب النظر إلى المشهد بشكله المتكامل، فالتطور العلمي، والانتعاش التجاري والصناعي، والتحول الكبير على مستوى الإنسان الأوربي، والتبدلات التي حدثت على مستوى الثقافية المجتمعية، تعد جميعها من العوامل المهمة في خلق النهضة الأوربية، وبالتالي فإن اختزال التحولات الكبرى التي حدثت في أوربا في العلمانية وابعاد الدين عن الساحة السياسية فيه حالة من السطحية والتبسيط، ويبدو أن التحولات المهمة ذات التأثير المباشر في أي نهضة حضارية تعود بشكل أساس إلى التحولات التي تحدث على مستوى الإنسان، فتحريك العجلة السياسية والاقتصادية وتحقيق التنمية في كل المجالات لا يتحقق إلا من خلال الإنسان المقتدر حضارياً، وفي ظني أن مشكلة عالمنا الإسلامي والعربي ليست في غياب الخطط والبرامج ولا في شح الإمكانات المادية وإنما في الإنسان المتخلف حضارياً، فمجرد تحول الأنظمة السياسية إلى أنظمة علمانية لا يعد حلاً حقيقياً لمشكلاتنا الحضارية، ومن هنا يجب أن تتضافر الجهود في بذل الجهد من أجل الارتقاء بالإنسان علمياً وفكرياً وثقافياً وتربوياً وقبل كل ذلك لابد من إعادة الثقة للإنسان المسلم في نفسه وفي دينه، وما تنادي به العلمانية هي مجرد معالجات سطحية لا تلامس مشكلة الإنسان الشرقي؛ بل قد تكون سبباً في توهينه وإشعاره بالدونية أمام الإنسان الغربي، فالإسلام كهوية ثقافية وقيمية يمثل ضرورة لأي تحول حضاري في المنطقة، والثغرات الملحوظة في الحضارة الغربية تعد نتاجاً طبيعياً للاستبعاد الممنهج للسلطة الروحية والأخلاقية، فبدل أن يعمل المثقف العربي والإسلامي على ضعضعة الثقة بالإسلام  من خلال تضخيم المنجز الغربي يجب أن يكرس جهده في انتاج حضارة محلية أساسها القيم الإسلامية.

وفي المحصلة أن الحياة قائمة على الأسباب والمسببات ومسؤولية الإنسان هو العمل بما يقتضي اعمار الدنيا، ولا يمكن أن يستغني الإنسان بالإيمان عن العمل وبذل الجهد، وكما يقال لكل مجتهد نصيب، وقد أحدث الانسان الغربي تحولاً مادياً ملحوظاً وذلك لكونه اخذ بالأسباب الموجبة للنهضة، وهذا ما تؤكده الآية التي جاءت في معرض السؤال قال تعالى: (أنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فقد دلت الآية على أن التغيير امر مرهون بإرادة الإنسان ولا ينوب الله عنه في مواجه صعوبات الحياة، بالتالي الآية لا تشير لوجود تناقض بين الرجوع إلى الله وتغيير الإنسان لنفسه، بل الحركة المتزنة للحياة الإنسانية لا تكون إلا بإيجاد توازن بين الغيب والشهود وبين الحياة الدنيا والاخرة، حيث يعمل لدنياه كأنه يعيش ابداً يعمل لآخرته كانه يموت غداً.

2021/01/05

لا موالاة لـ ’الحكّام’: لماذا يصر الشيعة على الارتباط بـ ’المرجعية’؟!

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

مرجعية الفقهاء ..

الامتداد الرسالي في عصر الغيبة

إذا نظرنا للتشيع بوصفه واقعاً ملموساً، أو كحركة اجتماعية، نجده ظاهرة إنسانية لها خصوصياتها الحضارية، فهو أولاً أحد مكونين لبنية الواقع الإسلامي، وثانياً يمتاز على المكون الآخر بكونه إطاراً اجتماعياً متفاعلاً ومنضبطاً ضمن إطار قيادة دينية، فإذا جاز لنا التفريق بين الإسلام كمبدأ، وبين الإنسان المسلم كنموذج لذلك المبدأ، يجوز لنا القول: إن النموذج الشيعي أكثر انضباطاً بقيم الإسلام من المكون الآخر.

وللتدليل على ذلك يجب أن نفرق بين نوعين من طرق التقييم والدراسة، طريقة تستهدف البعد الحضاري والامتداد التاريخي للطائفة، وطريقة أخرى تستهدف المكون العقائدي والفكري، والفرق في أن الأولى تقترب من الواقع، والثانية تقترب من العقل وآليات الوعي والفهم، والأمر الذي نقصده هو الكشف عن البعد الخارجي للكيان الشيعي.

والتشيع ضمن البعد التاريخي يمثل تيار الرفض والمعارضة لكل أشكال الهيمنة، بعكس المكون الآخر الذي مازال يمثل تيار الموالاة لكل الأنظمة السياسية التي حكمت، صحيح أن التشيع قد ضحى بالكثير في سبيل هذا المبدأ، ومازال يعاني من عداوات وثارات توارثت مع الأيام، ولكنه ربح دينه وعقيدته، ولم يعترف بأية سلطة حتى وإن كانت من كبار الصحابة، طالما لم تكن بسلطان من الله، وحافظ بذلك على مكوناته الدينية والثقافية بشكل مستقل عن أي نظام سياسي، ولم يضطر يوماً للتنازل عن أي مبدأ مجاراة لأية هيمنة سياسية، وقد ساعده في ذلك وضوح فكرته، وترابط أتباعه في نظام دقيق يتصل بقمة الهرم الشيعي، وهم الفقهاء والمراجع.

والتشيع في عمق معناه هو الولاية والإمامة، وبالتالي لا يستقيم إلا ضمن حالة اجتماعية تنتظم في شكل هرمي وصولاً للقيادة، الأمر الذي يؤكد على أن الكفر بالطاغوت، لا يتحقق إلا ضمن الانخراط في صف أولياء الله.

فالتوحيد ليس مجرد حالة نظرية أو إيمان قلبي يرتبط بقضية غيبية، وإنما هو تجلٍّ عملي في واقع الحياة؛ لأنه هو الاستثناء الوحيد الذي ينبثق من ضمير الرفض (لا إله .. إلا الله)، ولا يتحقق ذلك الرفض إلا ضمن واقع بديل يمثل ولاية الله، فإذا كان الرفض ينطلق من صميم الواقع المزيف والكفر به، فإن التوحيد يتجلى في الواقع الذي يمثل الحق والتسليم له: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها)([1])، صحيح أن الكفر بالطاغوت مقدَّمٌ على الإيمان بالله، ولكن الإيمان بأولياء الله والتسليم لهم، هو الذي يحقق الكفر العملي بالطاغوت، فيصبح التوحيد بذلك واقعاً عملياً، وتجسيداً خارجياً لحقيقة الولاء، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ)([2])، وليس حالة نظرية تحقق الإيمان بالله كقضية غيبية ثم تدين بالولاء للطواغيت كحالة عملية، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)([3])، فإذا كان الدين دعوة للتوحيد، فحينئذ يكون التشيع هو التطبيق العملي لذلك التوحيد.

والإسلام بوصفه منظومة من القيم يقع على رأسها التوحيد، لا يعدو كونه إطاراً نظرياً ما لم يجد طريقه إلى الواقع، الأمر الذي لا يمكن تصوره بدون قيادة تمثل الضامن لهذا التطبيق؛ لأن الرسالة إنما تتحقق بما لها من امتداد في الواقع، ولا يمكن أن نتصور مجتمعاً إسلامياً يمثل امتداداً للرسالة، من غير أن يكون على رأسه فقيه، وهذا ما عليه الشيعة بخلاف المذاهب الأخرى، فمذاهب أهل السنة لم تفرز نظاماً مرجعياً واضحاً يكون الدينُ فيه شرطاً للطاعة والولاء، واستبدلوا ذلك النظام المرجعي بالسمع والطاعة لكل من حكم، ونصوصهم في ذلك متضافرة، وسوف نشير لبعضها في اخر المقال.

سرّ التمسك بالمرجعية الدينية

ومن هنا نفهم مدى الحرص الشيعي على دور المرجعية الدينية، فبعد غيبة الإمام الحجة (عج)، ارتبط الشيعة بالفقهاء كضمان لاستمرار المسيرة الرسالية، وسيادة الفقيه عند الشيعة إنما هي تابعة لسيادة الدين، فلا يتقدم لهذا المنصب إلا أكثرهم علماً وورعاً وزهداً، فقد جاء في وصية الإمام الحجة لشيعته في عصر الغيبة: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)[4]، فالضابط للمرجعية هو الفقه والورع، ولتحقيق هذا الشرط اهتم الشيعة بالمؤسسة العلمية التي تسمى بالحوزة، وقد توارث الشيعة هذه المؤسسة العملاقة منذ زمن الأئمة عليهم السلام وإلى اليوم، وقد تكفلت ضمن ضوابط دقيقة، تخريج عشرات المجتهدين، الذين نالوا درجات عالية من الفقه والعلم.

والمهم في الأمر، أن المؤسسة الحوزوية لا تفرض مرجعاً محدداً على المقلِّد، وإنما المكلَّف هو الذي يختار لنفسه من بين المجتهدين مرجعاً له، فهي بالتالي انتخاب جماهيري شعبي لا تتدخل فيه الدعاية والترغيب، فالإنسان المسلم ضمن الدائرة الشيعية إما أن يكون مجتهداً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية أو مقلداً للفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد، ويبقى باب الحوزة مفتوحاً أمام الجميع، لمن يرى في نفسه أهلية التعلم والاجتهاد.

باب الحوزة مفتوح للجميع ولا تفرض على المقلد مرجعاً محدداً

والمرجعية الدينية ضمن التصور الموجود هي مصدر فخر الشيعة وعزتهم؛ لأنهم دون غيرهم من المذاهب استطاعوا أن يوجدوا لأنفسهم نظاماً على رأسه العلماء: (فكيف ما كنتم يولى عليكم)، فالمجتمع الذي يدفع لصدارته الفقهاء والعلماء، هو خير نموذج للمجتمع الذي أراده الإسلام، ولا أتصور أن هناك منصفاً لا يرى أن النظام المرجعي عند الشيعة، هو الخيار الأمثل لأي مجتمع إسلامي، ولا بديل عن ذلك على المستوى النظري - طالما أن المجتمع يتصف بكونه مسلماً -، ولا على المستوى العملي؛ فواقع الحال دالٌّ على أن الدين أصبح مطية في يد السلطان.

فالمجتمع الشيعي مستقل بكيانه غير مرتهن لغيره، ولقد كان ذلك مصدراً لعداء الأنظمة الحاكمة والمذاهب التي تحتمي بها، رغم أن الشيعة أكثر انضباطاً بحقوق المواطنة والعيش المشترك، وأكثرهم تعقلاً في التعامل مع المخالف، إلا أن استبداد الأنظمة لا يقبل أن يكون هناك ولاء لغيره، وقد خسر الشيعة الكثير بسبب الانتماء المرجعي، فهُمِّشوا، وحوصروا، واستُضعفوا، وسُجنوا، وهُجِّروا،... ورغم ذلك، ظلت المرجعية هي العلم الذي يرفرف على رؤوس الشيعة.

وكشاهد على تصدي المرجعية لشؤون الأُمّة، ودليل على مدى تأثير الزعامة الدينية على نفوس الشيعة، نُذكِّر هنا بدور المرجعية في إسقاط آخر امبراطوريتين إيرانيتين عرفتهما بلاد فارس، هما الامبراطورية القاجارية في نهاية القرن التاسع عشر، والامبراطورية الشاهنشاهية البهلوية في نهايات القرن العشرين.

ففي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر اضطر ناصر الدين شاه القاجاري، الى التراجع عن قانون منح امتياز التنباك (التبغ) للإنجليز، وذلك بسبب الضغط الكبير الذي شكلته فتوى المجدد الشيرازي بتحريم التبغ، (التي عرفت بثورة التنباك)، وقد وصل تأثير هذه الفتوى إلى داخل أسوار القصر القاجاري، حيث قامت زوجة السلطان نفسها بتحطيم كل أدوات التدخين في القصر، وكان ردُّها حاسماً، عندما استنكر زوجها هذا الفعل، بقولها: (إن الذي حلّلني عليك حرّم استعمال التنباك اليوم).

الشيء نفسه حصل في ثورة الإمام الخميني، على امبراطورية محمد رضا بهلوي في نهاية السبعينات، عندما اصطدم الشاه بفتاوى العلماء الذين حرموا إعانة الحاكم الظالم على شعبه، الأمر الذي جعل الحرس الامبراطوري الخاص وهم «الخالدون»، يتخلون عن حماية النظام وإعانته، ولم ينفرط عقد نظام محمد رضا بهلوي، إلا بعد أن انفرط عقد حرسه «الخالدون»، وقرروا الالتحاق بالشعب عملاً بفتوى العلماء.

شواهد من واقعنا

ومن أهم الشواهد التي تدلل على حضور المرجعية الفقهية في المجتمع الإسلامي الشيعي، وما زالت تداعياتها حاضرة في الساحة، هي الفتوى التي أصدرها المرجع الكبير السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) في العراق، بوجوب الجهاد الكفائي ضد تنظيم داعش الإرهابي، بعد أن كاد يجتاح العراق كله في ظل ضعف الحكومة العراقية وتآمر دولي واقليمي، فهب الشعب العراقي بكل مكوناته حتى عجزت الجهات الرسمية من استيعاب الملايين الذين استجابوا لهذه الفتوى، وتكون على إثرها مجموعات عسكرية ضخمة عملت على طرد داعش من المدن العراقية وإلحاق هزيمة نكراء به. 

وعليه فإن الواقع الشيعي شاهد على مدى العلاقة التي تربط القاعدة بقمة الهرم، ولا شيء هناك يحقق ذلك الرابط سوى الدين والالتزام بالأحكام، ولولا ذلك الحرص على الدين، لما دفع الشيعة أخماس أرباحهم سنوياً للمرجعية الدينية، الأمر الذي جعل المؤسسة الدينية مستقلة، وغنية عن مد اليد لطلب العون من أي نظام سياسي موجود، بخلاف المؤسسة الدينية للمذاهب السنية، التي أصبحت جزءاً من إدارات الدولة، مما جعلها دوماً رهينة لسياسة النظام الحاكم، فالدولة هي التي تعيِّن المفتي، ووزير الأوقاف، وإدارة الذكاة، وتتدخل حتى في شؤون التعليم في الجامعات الإسلامية، ولم نر في كل التاريخ، أن المؤسسة الدينية السنية تمردت على حكومة من الحكومات التي حكمت.

وهذه الإشارة كافية الدلالة، على أن فكرة المرجعية منبثقة من صميم الإسلام، وأنها الطريق الذي يحقق سيادة الدين، وبذلك نكون قد أكدنا على مدى انسجامها مع فلسفة الإسلام الكبرى، وهي التكامل على المستوى الفردي والاجتماعي.

وفي ختام هذا العنوان، أسرد بعض الأحاديث والآراء التي زخرت بها مصادر السنة، في ضرورة السمع والطاعة للحاكم حتى وإن كان ظالماً، الأمر الذي يشكل مفارقة كبيرة بين المذهب الذي يأمر اتباعه بمولاة السلطة السياسية الحاكمة، وبين المذهب الذي ينخرط افراده ضمن نظام اجتماعي يكون على رأسه الفقهاء والعلماء. وهذه النصوص هي التي تطرب لها آذان كل الطغاة، الذين أمرنا الله بمقاطعتهم والكفر بهم، فكل من يرفض المرجعية الدينية للفقيه، لا طريق أمامه إلا الوقوع في أحضان الطاغوت. 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ([5]).

وعَنْ وائل بن حجر - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ([6]).

وعن حذيفة - رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لايَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلايَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ([7]).

وعن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَداً مِنْ طَاعَةٍ([8]).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً([9]).

وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، لا نَسْأَلُكَ عَنْ طَاعَةِ مَنِ اتَّقَى، وَلَكِنْ مَنْ فَعَلَ وَفَعَلَ، فَذَكَرَ الشَّرَّ، فَقَالَ: اتَّقُوا الله، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وصحّحه العلامة الألباني ([10]).

وغيرها من الأحاديث التي لا تجد في بابها نصاً يعارضها، وعلى ذلك كان إجماعهم، يقول الإمام أحمد: ومَن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ([11]).

وَقَالَ أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا عَلَى السمع والطاعة لأئمة المسلمين... من بَرٍّ وفاجر، لا يلزم الخروج عليهم بالسيف، جار أو عدل ([12]).

وَقَال الآجري: (من أُمِّر عليك من عربي أو غيره، أسود أو أبيض، أو أعجمي، فأَطِعه فيما ليس لله عَزَّ وَجَلَّ فيه معصية، وإن ظلمك حقّاً لك، وإن ضربكَ ظلماً، وانتهكَ عِرضَكَ وأخذ مالك، فلا يَحملك ذَلِكَ عَلَى أن يَخرُج عليه سيفُك حتّى تقاتله، ولا تَخرُج مع خارجيٍّ حتّى تقاتله، ولا تُحرِّض غيرك عَلَى الخروج عليه، ولكن اصبر عليه) ([13]).

وقال الطحاوي في عقيدة أهل السنة: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله - عز وجل- فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.

وقال الحافظ: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لِما فِي ذَلِكَ من حقن الدماء وتسكين الدهماء ([14]).

وقال العلاّمة ابن عثيمين: الإمام هو وليُّ الأمر الأعلى فِي الدولة، ولا يُشترط أن يكون إماماً عاماً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة .. من عهد أمير المؤمنين عُثْمَان بن عَفَّان... وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لِمن تأمّر على ناحيتهم، وإن لَم تكن له الخلافة العامة..([15]).

ويقول الإمام أبو عثمان الصابوني (ت 499 هـ): ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم بَرّاً كان أو فاجراً، ويرون الدعاء لهم بالتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف ([16]).

ولقد ذكر هذا الإجماع جمع من العلماء، منهم النووي حيث قال: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين)([17]).

ونقله ابن حجر عن ابن بطال فقال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء..، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ...([18]).

ونحن هنا لا نقول إلا ما قاله تعالى: ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35))([19])، وما قاله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)([20]).)[21]

الهوامش:


[1] - سورة البقرة/256.

[2] - سورة المائدة/56.

[3] - سورة النساء/60.

[4] - الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 263

[5] - صحيح مسلم/ حديث رقم 1836.

[6] - المصدر السابق/ حديث رقم 1846.

[7] - صحيح مسلم/ حديث رقم 1847.

[8] - المصدر السابق/ حديث رقم 1856.

[9] - البخاري/ حديث رقم 7053، ومسلم/ حديث رقم 1851.

[10] - ابن أبي عاصم في السنة/ حديث رقم 1069.

[11] - أصول السنة/ حديث رقم 27.

[12] - رسالة إلى أهل الثغر ص296.

[13] - الشريعة ص40.

 

[14] - الفتح 13/7.

[15] - الشرح الممتع 8/12.

[16] - عقيدة أصحاب الحديث ص 106 .

[17] - شرح صحيح مسلم 12/ 229.

[18] - فتح الباري 13/ 7.

[19] - سورة يونس/35.

[20] - سورة النساء/60.

[21] - الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات – محمد بن صالح العثيمين ج1 ص 284- 285- 286 - 287

2020/12/27

لـ’حكام الجور’.. سكرة الموت بانتظاركم: ألم يشبه ’لسعات الأفاعي’!

كتب الشيخ محمد الصنقور: وجاءت سكرة الموت (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ / وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ / وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ / لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(1)

صدق الله مولانا العليُّ العظيم

 

معنى السكرة:

المراد من السكرة هو حالة الذهول التي تُشبه حالة الثمِل المخمور الذي بلغ السكر منه مبلغاً فَقَدَ معه عقله وصوابه ورُشده، وهي تعبيرٌ عن حالةٍ من الانهيار في القوى التي تنتاب الإنسان عند الإحتضار وقُرب الأجل، فتراه لا يَشعر بِمَن حوله، يُبصرهم ولكن يشقُّ عليه أنْ يتحدث إليهم، يَسمعهم ولكن يشقُّ عليه أنْ يردَّ عليهم، يُعتقلُ لسانه، وتجدُ أعضاء بدنه في حالةِ خمولٍ لا تقوى أنْ تبطش، بل لا تقوى أنْ تتحرك بِملء إرادته، وينتابه الارتعاش بل ينتابه الاضطراب الشديد، وذلك لأنَّ قواه قد بدأت في انحدارٍ وزوال. هكذا تُعبِّر الآيةُ عن حالة الإنسان عند اقتراب أجله، فهي سَكرةٌ وذهولٌ وغثيانٌ وشعورٌ بالْولوج في عالمٍ هو غيرُ العالم الذي ألِفه وأنِسَ به، حيث يُبصر أموراً لم يكن مُبصراً لها، وكان في غفلةٍ عنها، فبصره حديد ولكن ليس إلى مَن حوله، وإنَّما إلى العالم الآخر الذي هو مُقبلٌ عليه، وهو ما يُعبَّر عنه بهْولِ المطَّلع، إذ يرى أموراً مهولةً لا يراها مَن هو جالس حوله، أمورٌ تَبعث على الخوف والرعب وحينها قد لا يُبصر مَن حوله وما حوله كما كان يُبصره قبل أنْ تنتابه هذه الحالة، حينئذٍ تجتمع عليه همومٌ وهموم، همٌّ لأنَّه لا يدري إلى ما سيكون مصيره، و همٌّ لأنَّه مُشرفٌ على مفارقة أمورٍ كان قد ألَفها وأنِس بها، و همٌّ لأنَّه سينفصلُ عن أعزِّ ما عنده: من أموالٍ، ومسكنٍ، وأولادٍ وأطفال وجاه، فكلُّ شيءٍ حوله سينفصل عنه.

سكرةٌ يصاحبها شعور بالألمِ الشديد، ألَمِ المرض، وألَمِ الموت، حتى وَرَدَ -أو قيل- إنَّه كأنَّما تُقطَّع أوردتُه وريداً بعد وريد، كما وَرَدَ في بعض الطرق أنَّ رسول الله (ص) قد قال: "إنَّ الميت أو المشرف على الموت يَستشعر ألمَ ثلاث مئة ضربةٍ بالسيف على جسده" ويقول أمير المؤمنين (ع): "فغيرُ موصوفٍ ما نَزَلَ بهم"(2) لا حظوا أنَّ عليُّ بن أبي طالب الذي أجاد أنْ يصف كلَّ شيءٍ حوله فوصف الآفاق، ووصف السماوات، والملكوت الأعلى، يقول: "غيرُ موصوفٍ ما نَزَلَ بهم"! نعم، يَصعب وصف ما نزل بهم، ويُضيف (ع) "غيرُ موصوفٍ ما نَزَلَ بهم، اجتمعت عليهم سكرةُ الموت وحسرةُ الفَوْت، ففترت لها أطرافهم وتغيَّرت لها ألوانُهم ثم ازداد الموتُ منهم وُلوجا، فحيِل بين أَحدِهم وبين منطقه، وإنَّه لبين أهله ينظر بِبصره ويسمع بأذنه على صحة عقله وبقاءِ لُبِّه، فيمَ أفنى عمره وفيم أذهب دهره، ويتذكرُ أموالاً جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مُصرَّحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبَعاتُ جمعها وأشرف على فراقها، تبقى لمَن وراءه فيكون المَهنأُ لغيره والعِبئ على ظهره"(3).

مناشئ سكرة الموت:

يقول العلماء: إنَّ سكراتِ الموت تَنشأ من أمورٍ، نذكر أربعةً منها:

المنشأ الأول: آلام الجسد

شدة الألم والمرض وانعقاد اللسان والشعور بانحلال القِوى، وقد قلنا: إنَّ الألم الذي يستشعره يكافئ ثلاثمائة ضربة بالسيف على جسده، ووَرَدَ أنَّها -أي نزعُ الروح- كلسع الأفاعي بالنسبة للكافر، ففي روايةٍ وردت عن الإمام الصادق (ع)، رواها الشيخ الصدوق: أنَّه قيل للصادق (ع): صف لنا الموت، فقال: "للمؤمن كأطيب ريحٍ، يَشمُّه فينعس لطيبه، وينقطع التعبُ والألم كلُّه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد. قيل: فإنَّ قوماً يقولون إنَّه أشدُّ من نشر المناشير، وقرض المقاريض، ورضخٍ بالأحجار، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق"(4).

يُسأل الإمام الصادق (ع): هل الأمر كذلك؟ فيقول (ع): "هو كذلك، هو على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون منهم مَن يُعاين تلك الشدائد، فذاكم الذي هو أشدُّ من هذا، إلَّا من عذاب الآخرة فهو أشدُّ من عذاب الدنيا"(5) وللحديث تتمة نشير إليه فيما بعد.

ووَرَدَ أيضاً أنَّ أمير المؤمنين (ع) أُصيب بمرض في عينه فكان ألمُه شديداً، فعاده رسول الله (ص) فوجده يئنُّ من شِدَّة الألم، فقال له رسول الله (ص): "أجزعاً أم وجعاً؟ فقال: بل هو وجع. فقال له (ص): إنَّ ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه سفَّودٌ من نار -عود من حديد يُشوى عليه اللحم- لنزع روحه، فتصيح جهنم. فجلس عليّ (ع) مذهولاً، فقال: هَوَّنَ ما ذكرته بي ألمي، أعِد علَيَّ حديثك يا رسول الله، ثم قال (ع): يُصيب أمتك؟ قال (ص): نعم، حاكمٌ جائر، وآكلُ مال اليتيم ظلماً، وشاهد زور"(6) هؤلاء يُصيبهم هذا النحو من النزع. إذن هذا أوَّل ما تَنشأ عنه سكرة الموت.

المنشأ الثاني: فراق الأحبة

وهو أنَّ أهله، وأطفاله، وعياله، ومَن كانت عُلقته بهم وثيقة، مجتمعون حوله يبكون على فراقه، فهو يستشعر الألم والحسرة على فراقهم؛ بتوهُّم أنَّه الذي يرعاهم، وأنَّه الذي يذودُ عنهم، وأنَّ رزقُهم إنَّما هو عليه، فيرقُّ لهم. هذا الشعور بأنَّه كفيلهم، وأنَّهم إذا ذهب عنهم سيضيعون، هذا الشعور يبعث في قلبه الحسرة والألم! ولو أنَّه كان يثق بربَّه، ويعلم علماً وجدانياً -قد امتزج بقلبه وخاطره- بأنَّه لم يكن إلَّا وسيلةً لرزقهم وكفالتهم والذود عنهم، وإذا ما مات فإن الله تعالى سوف يُهيِّء لهم من يكفلهم ويحفظهم ويحميهم، لو كان يستشعر ذلك لخفَّ عليه ألم الحسرة، ولكنه لضعف ثقته بربَّه، ولثقته بنفسه يُبتلى بهذا الشعور بالألم والحسرة على أطفاله، فيرى أطفاله يتصارخون فتشتد حسرته لأنَّهم سوف يصبحون أيتاماً بعده، فليس لهم من كافلٍ ولا معين، هذا ما يوجب حسرته وشدة ألمه.

ثم إنَّ منشأً آخر يبعث على الحسرة والألم -خصوصاً عند أبناء الدنيا- وهو الانفصال عن المال الذي جمعه وأغمض في جمعه، -كما يقول أمير المؤمنين (ع)-، فجمعه تارةً من مصرَّحاتها -أي من الحلال البيِّن- ومن مشتبهاتها، فهو قد جمعه وتحفَّظ عليه، وبخل به وعادى الناسَ فيه ومن أجله، جمعه ليكون المَهنأُ لغيره والعِبءُ على ظهره، فهناك يستشعر الألم، ألم المفارقة لهذا المال، أمَّا المُخِفُّون فعلى أيَّ شيءٍ يتحسرون؟

العجيب إنَّ سلمان المحمديّ (قد) عندما كان في النَّزْع بكى، فقيل له: أو مثلك يبكي يا سلمان؟! سلمانُ كان من الأبدال، وكان ممن ينتصر به اللهُ تعالى لدينه، ولم يستبدلْ به ربُّه غيرهَ، يبكي سلمان عند النزع! فيُقال له: أمثلُكَ يبكي يا سلمان؟! قال: كيف لا أبكي، وقد (مضمون الرواية) سمعتُ رسول الله (ص) يقول: إنَّ المؤمن إذا مات ينبغي أنْ لا يكون شيءٌ عالقاً به بعد وفاته، ينبغي أنْ يكون خفيفاً، قيل له: وما عندك يا سلمان؟! كانت عنده جفنة، ومطهرة، وسجّادة، ثلاثة أشياء، وهو يبكي لأنَّه سيموت وعنده أموالٌ يُحاسَب عليها!!

المنشأ الثالث: هول المُطَّلع

وثمة منشأُ آخر لسكرة الموت، وهو هَوْلُ المُطَّلع، وهذا الذي يبكي منه حتى الأخيار، حتَّى الأبرار، حتَّى الأولياء، بل وحتَّى الأنبياء، كلُّ هؤلاء يبكون لهول المطَّلع!!

هَوْل المطَّلع لا يختص به سواد الناس، أولياءُ الله ونُجباؤه يخشون هولَ المطلع أيضاً. أبو محمد الحسن السبط الأكبر (ع) عندما كان في النَّزع بكى، وكان منشأ بكائه -كما أفاد- هو هول المطَّلع، وما معنى هول المطَّلع؟ سنتعرض لذلك إن شاء الله فيما بعد ولكن نشير لمعناه في المقام بنحوٍ موجز، قال تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(7) تشير الآية الكريمة إلى أنَّ الإنسان يطَّلع عند موته على العوالم التي سيُقدم عليها، وهي مَهولة مُرعبة ومُخيفة، حسابٌ وعقابٌ ونُظُمٌ جديدة، فهو قد اعتاد على نُظُم الدُّنيا، على قوانينها، على سُنَنِها، أمَّا الآن فسيُقبِل على سننٍ جديدة، على عوالمَ ونظمٍ مختلفة، فهو يرى الملائكة، قد يرى ملائكة الغضب عابسين في وجهه، وبعضهم يُنذره ويُبشِّره بالعذاب الأليم الشديد، الآن وقد أصبحتَ في أيدينا ماذا ستصنع؟ أمَّا المؤمن فتستقبله ملائكةُ الرحمة، ولكنَّ أمامه طريقٌ طويلٌ، أمامه حسابُ القَبر، أمامه البَرزخ أمامه الصراط، وتطاير الكتب، أمامه الميزان، أمامه المساءلة، كلُّ هذه الأمور تُخيف وتُرعب، لا يدري إلى أيِّ موضعٍ سينتقل؟ هذا هو هولُ المطَّلع.

حُكي أنَّ شخصاً كان يحتضر، فقيل له: يا رجل قل: لا إله إلا الله. قال: سقرٌ، سقر! كلَّما قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: سقر! لأنَّه يرى سقر، بصره حديد، لذلك فهو يرى سقر، يُبصر سقر، ويُبصر ملائكةَ العذاب، ولعلَّه يُبصر السَفُّود الذي أخبر عنه رسول الله (ص) وأنَّه سوف يُكوى به بعد قليل، ويغرس في جسده فتصيح جهنَّم، لذلك هو فَزِعٌ، هذا هو هول المطلع.

وحكي عن آخر أنَّه كلَّما قيل له: قل لا إله إلا الله. قال: النار النار، فهو يُبصر النار، ويرى النار، وإنْ كان لا يراها غيرُه، هذا هو هولُ المطَّلع.

لذلك يحتبسُ لسانه ولا يتمكن من الحديث، يُبصر ولا يُجيد أنْ يتحدَّث، وقد يُعتقل لسانهُ عن ذكر الله؛ لأنَّه كان قد فعل السيئات.

ينقل أحدُ العلماء في النَّجف الأشرف، يقول: كان لي تلاميذ وكان بينهم تلميذ متميَّزٌ هو أعلم تلامذتي، يقول: أصاب ذلك التلميذ نزع الموت، فجلستُ عند رأسه، وقلتُ: ياشيخ، قل لا إله إلا الله. وهو لا يتمكَّن أنْ يقول! فيكرَّر عليه، ولكن دون جدوى! يقول: قرأتُ عليه سورة ياسين، فقال لي: لا تقرأ. فامتثلتُ لقوله، فسكتُّ، ثم قُلتُ له: قل لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليٌّ وليُّ الله وهو لا يجيد أنْ يقول، بل -كما أتذكَّر- قال: لالا! أي لا يريد أنْ يقول!! ثم أسلم الروح.

يقول هذا العالم الجليل: رأيتُه في النوم -ليلة وفاته، ليلة الوحشة-: "فرأيتُه يُسحب إلى النار، رأيتُ هذا التلميذ المتميَّز الذي بذل أكثر عمره في تحصيل علوم آل محمد (ص)، رأيتُه يُسحب إلى النار، فقلتُ له: يا شيخ لماذا تُسحب إلى النار؟ ولماذا منعتني من قراءة سورة ياسين عليك وأنت تحتضر؟، ولماذا أبيت أنْ تقرأ الشهادتين وأنت تحتضر؟ فقال: لأمورٍ ثلاثة: كنتُ نمَّاماً أفتعلُ الفتنَ بين الناس، وكنتُ حسوداً أتمنَّى زوال النعمة عن الغير وقد أعمل في سبيل إزالتها، وهل ثمَّةَ أمرٌ آخر؟ قال: بلى، أصابني مرضٌ فذهبتُ إلى حكيم، فقال لي: دواؤك أنْ تشرب في كلَّ سنةٍ كأساً من النبيذ، هذا هو علاجك، وإنْ لم تفعل فلن تتعافى من مرضك. وكنتُ أعلم أنَّ الله لم يجعل في حرامٍ شفاءً (8)، ورغم ذلك كنتُ حريصاً على الشِّفاء فشربتُه، وهذا ما حبس لساني عن التشهُّد بالشهادتين هذا هو المنشأ الثالث لسكرة الموت.

المنشأ الرابع: الشعور بالحسرة

هناك منشأ رابع وهو الشعور بالحسرة، ولكنَّها ليست الحسرة على الأموال والأولاد، وإنَّما هي الحسرة على أنَّه فرّط في أيامه الخالية، كان بإمكانه أنْ يحصِّل الثواب والطاعة ففرَّط، كان بإمكانه أن يجتنب المعصية ففرَّط، كان بإمكانه أنْ يتوب من المعاصي التي اقترفها فلم يفعل، (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ / وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ / وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ / وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ / إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)(9) فهو يُساق، (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)، (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى / وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى)(10) هناك يشعر بالحسرة، عندما تبلغ الروح التراق والحلقوم حينها لا تُقبل التوبة، ينتهي أَمدُ التوبة، فيتحسَّر بانتهاء أمد التوبة، فيُصاب بالسكرة والذهول.

هنا نودُّ أن نشير إلى أمرٍ، وهو أنَّ الآية كأنَّما نظَّرت لسكرة الموت بسكرة يوم القيامة، سكرةُ يوم القيامة رهيبةٌ جداً، الآية المباركة أفادت: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(11) هنا أيضاً قال تعالى: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) (12)، هناك سكرة، وهنا سكرة. وهوما يُعبِّر عن أن ْسكرة الموت ليست بأقلَّ شدةً من سكرة يوم القيامة، كما أنَّ الناس يوم القيامة كالسُّكارى وما هم بسكارى، كذلك الذين ينتابهم الموت وليس عن أحدٍ منا ببعيد، فنحن وإنْ كنَّا لم نستوعب هذا الأمر لأنَّنا لا ندري كيف هي سكرةُ الموت، وإنَّما نحدس أنَّ سكرة الموت تكون لهذه الأمور ولعلَّ الأمر أشد، وهو كذلك لأنَّ الإمام علي (ع) أفاد بأنَّه: "غير موصوف ما نزل بهم"، نعم هناك بعض الأمور التي أشار إليها الإمام (ع) عرفناها من قول الإمام، وقول أهل البيت (ع)، إلَّا أنَّ العِلْم السَّمعي ليس كالشُّهود والمعاينة.

ما يُهوَّن سكرات الموت

ثم إنَّ روايات أهل البيت (ع) تصدَّت لتبيان ما يُهوِّن سكرات الموت نذكر بعضها ونُرجأُ الباقي لما بعد -إنْ شاء الله-.

1- صلة الرَّحِمْ وبرُّ الوالدين:

أوَّل أمر: نذكره فيما يُخفَّف سكرات الموت، هو صلة الرَّحِمْ والبَّر بالوالدين، فقد أكَّدت الروايات الشريفة على أنَّ صلة الرحم والبَّر بالوالدين مما يُهوِّن سكرات الموت، فمن ذلك ما رواه الشيخ الصدوق (قد) عن الإمام الصادق (ع) قال: "مَن أحبَّ أنْ يُخفِّف اللهُ عنه سكرات الموت فليكنْ لقرابته وصولاً، وبوالديه باراً، فإذا كان كذلك هوَّن اللهُ عليه سكراتِ الموت، ولم يُصبه في حياته فقرٌ أبداً" (13).

وهناك رواية أخرى -يرويها الشيخ الصدوق (قد) أيضاً- عن الامام علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر (ع)، وينتهي السند إلى الامام عليِّ ابن أبي طالب (ع)، قال: "لمَّا كلَّم الله عزَّ وجل موسى بن عمران .. إلى أنْ قال: قال موسى: إلهي، فما جزاء مَن وصل رَحِمَه؟ قال يا موسى: أُنسئُ له أجله، -أي أُطيل في عمره- وأُهوِّن عليه سكرات الموت، ويناديه خزَنةُ الجنة: هلمَّ إلينا، فادخل من أيِّ أبوابها شئت"(14)، هذا لِمَن وصل رحمه.

وصلة الرحم تختلف باختلاف الحالات والظروف، فلو كان أخوك مثلاً في حاجتك، وكنتَ قادراً على قضاء حاجته، فتلكَّأتَ في قضائها، فأنت ممن قطع الرَّحِم أو لم يصله، فتكون قد فوَّتَّ على نفسك منحةً إلهية، وهي طول الأجل، والتخفيف من سكرات الموت، طبعاً لا تزول سكرات الموت بذلك، وإنَّما تُخفَّف عن المؤمن سكرات الموت بمثل صلة الرحم والبرَّ بالوالدين، وذلك هو معنى قوله: (اُهوَّن عليه سكرات الموت).

وننقل أيضاً روايةً أخرى تُعبِّر عن مدى أهمية البرَّ بالوالدين، وأنَّ عدمه يُشدَّد من سكرات الموت، هذه الرواية وردت عن رسول الله (ص)، رواها أبو عبد الله الصادق (ع)، يقول: "إنَّ رسول الله (ص) حضر شاباً عند وفاته، فقال له: قل لا إله إلا الله. قال: فاعتُقل لسانه مراراً، -يعني كلما قال له رسول الله (ص) قل لا إله إلا الله حار ولم يتمكن من النطق- فقال لامرأةٍ كانت عند رأسه: هل لهذا أُمٌّ؟ قالت: نعم، أنا أمُّه. قال: أساخطةٌ أنتِ عليه؟ قالت: نعم، ما كلمتُه منذ ستِّ حجج -يعني ست سنوات-. قال لها: إرضي عنه. قالت: رضي اللهُ عنه يارسول الله برضاك عنه. فقال له رسول الله (ص): قل لا إله إلا الله. فقالها"(15).

الرواية إلى هنا تُعبِّر عن أنَّ عدم البرَّ بالأُم يُنتج شدَّة النزع، وشدة سكرات الموت. ثم إنَّ الرواية تُشير إلى أمرٍ زائد يؤكِّد ما ذكرناه -قبل قليل- عن معنى هولِ المطَّلع، لاحظوا ماذا قال له رسول الله (ص): قل لا إله إلا الله. فقالها، فقال له النبي (ص): ما ترى الآن؟ أصبح حينها قادراً على الكلام لرضا أمُهَّ عليه، فقال له: أرى رجلاً أسود الوجه، قبيح المنظر، وسخ الثياب، منتن الريح، قد وليني الساعة وأخذ بكظمي، بحلقي. -وليني: والمقصود من (وليني) أي استبدَّ به وهيمن عليه، وجثى على صدره، ولعلَّ ذلك هو عمله السَّيء قد تمثَّل أمامه فهو يراه في وجهٍ قبيح، وبثياب وسخة، ورائحة نتنة، كل ذلك تعبير عما ينتظره من العذاب-، فقال له النبي (ص) قل: "يا مَن يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير، اقبل مني اليسير، واعفُ عنَّي الكثير، إنَّك أنت الغفور الرحيم) فقالها الشاب، فقال له النبي (ص): انظر ماذا ترى بعد هذا الدعاء؟، قال: أرى رجلًا أبيضَ اللون، حَسَنَ الوجه، طيَّب الريح، حسن الثياب، قد وَليني، وأرى الأسود قد تولَّى عني، فقال له النبي: أَعِد، فأعاد فقال له: ما ترى؟، قال: لستُ أرى الأسود، وأرى الأبيض قد وليني، ثم طفى -مات على تلك الحالة-"(16)، هذه الرواية تُعبَّر على أنَّ البرَّ بالوالدين يهوِّن من سكرات الموت.

2- قضاء حوائج المؤمنين:

هناك أمرٌ آخر يُهوِّن من سكرات الموت أشارت إليه الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)، هذا الأمر هو إعانة المؤمنين وإكرامهم، فمن كسا أخاه المؤمن أو أطعمه هوَّن اللهُ عليه سكرات الموت، روي عن الصادق (ع) قال: "مَن كسا أخاه كسوةَ شتاءٍ أو صيف، كان حقَّاً على الله أنْ يكسوه من ثياب الجنة، وأنْ يُهوِّن عليه سكرات الموت، وأنْ يُوسَّع في قبره، وأنْ يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى"(17)، ورُوي عن رسول الله (ص): "مَن أطعم أخاه حلاة، أذهب الله عنه مرارة الموت"(18) هذه رواية أخرى أيضاً تُعبِّر عن أنَّ أقلَّ القليل يفعله المؤمن لأخيه ينتج عن ذلك أنْ يهوِّن اللهُ عليه سكرات الموت، ويوسَّع في قبره، ثم يلقى الملائكة يوم القيامة بالبشرى.

3- الولاية لأهل البيت (ع)

ومما يهوِّن سكرات الموت، وهو الأهمُّ مما ذكرنا هو الولاية لأهل البيت (ع)، رُوي عن أمير المؤمنين (ع) قال: "قال لي رسول الله (ص): يا علي، إخوانك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم -يعني عند الموت عند النزع- وأنا شاهدهم وأنت، وعند المساءلة في قبورهم، وعند العرض الأكبر وعند الصراط إذا سُئل الخلق عن إيمانهم فلم يجيبوا"(19).

وورد في رواية مشهورة -أقرأها للتيمُّن-، عن الحارث بن همدان -وهو أحد الخُلَّص لأمير المؤمنين (ع)- في حديث طويل نشير إلى موضع الحاجة منه، قال: "أُبشر يا حارث، والذي فَلَقَ الحبَّة وبرءَ النسَمة، وليَّي وعدوي في مواطن شتى، ليعرفنَّي عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، وعند المقاسمة. قال الحارث: وما المقاسمة يا مولاي؟ قال: مقاسمة النار، أُقاسمها قسمةً صحيحة، أقول: هذا وليَّي فاتركيه، وهذا عدوي فخذيه، ثم أخذ أمير المؤمنين (ع) بيده، فقال: يا حارث أخذتُ بيدك كما أخذ رسول الله (ص) بيدي، فقال لي -وقد شكوت حسد قريش والمنافقين لي-: إنَّه إذا كان يوم القيامة، أخذتُ بحبل الله وبحجزةٍ- يعني عصمةٍ من ذي العرش تعالى، وأخذتَ يا علي بحُجزتي، وأخذ ذريتُك بحجزتك، وأخذ شيعتُكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيَّه وماذا يصنع بوصيَّه؟ خذها إليك يا حارث قصيرةً من طويلة، أنت مع مَن أحببت، ولك ما اكتسبت، يقولها ثلاثا"(20).

الرواية طويلة، وقرأنا بعضها، حيث أشارت في البداية إلى مجيء عليَّ بن أبي طالب إلى المؤمن عند الموت بالبشرى، ثم إنَّه يكون بحجزةِ عليًّ (ع) في يوم القيامة.

وقد صاغ السيد الحمْيري هذه المنقبة في أبيات، والسيد الحمْيري تعَّهد على نفسه أنْ ينظم كلَّ منقبة سمعها لعليًّ (ع) في أبيات، وهذه واحدة من المناقب التي نظمها قال:

 قولُ عليًّ لحارثٍ عجبٌ ** كم ثَمَّ أُعجوبة له حملا

ياحارِ همدان مَن يمتْ يرني ** من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبُلا

يعرفني طرفُه وأَعرفُه ** بنعته واسْمِه وما عَمِلا

وأنت عند الصراط تعرفني ** فلا تخفْ عثرةً ولا زللا

أَسقيكَ من باردٍ على ظماءٍ ** تخاله في الحلاوةِ العَسَلا

أقول للنار حين توقف للعرض ** دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقربيه إنَّ له ** حَبْلاً بحبلِ الوصي متَّصلا (21)


الهوامش:

1- سورة ق / 19-22.

2- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ج1 / ص212.

3- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ج1 / ص212.

4- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج1 / ص298.

5- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج1 / ص298.

6- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج27 / ص228.

7- سورة ق / 22.

8- سورة ق / 22.

9- سورة القيامة / 26-30.

10- سورة القيامة / 30-32.

11- سورة الحج / 2.

12- سورة ق / 19.

13- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج71 / ص66.

14- فضائل الأشهر الثلاثة -الشيخ الصدوق- ص88.

15- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج71 / ص75.

16- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج71 / ص75.

17- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 71 / ص380.

18- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 63 / ص288.

19- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج39 / ص07.

20- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج6 / ص179.

21- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 6 / ص180.

2020/12/20

يراها البعض ’ظالمة’.. عدالة ومساواة التشريع تعني التقدير الملائم لكل فرد

هل التشريع الإسلامي يراعي العدالة على وجهٍ يواكب العصر الحاضر بحيث يضمن التساوي بين الناس جميعاً بغض النظر عن البلد والقوم والجنس والدين وغيرها من الانتماءات المتعارفة ويحترم الحرية الشخصية للأفراد؟

إن  التشريع الاسلامي ينطلق من الرشد والعدل والحكمة والفضيلة كمبادئ أساسية في بناء هذا التشريع كما يظهر من ملاحظة كثرة التركيز والتوصية لهذا المفردات وما يقاربها ويندرج فيها كما في قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]

وهي تعوّل في ذلك على اقتضاءات ثابتة وأخرى متغيرة بحسب الظروف والأحوال، كما هناك نقاط وحدود وتفاصيل خاضعة لاجتهادات الفقهاء التي ينبغي الأخذ بنضجها وتطوّرها وتكاملها وفق مبدأ تقليد المجتهد الحي - الذي هو الاتّجاه السائد بين فقهاء الإمامية -، لكن من الضروري الانتباه إلى مقتضيات هذه المبادئ الوجدانية بشكل حقيقي بعيداً عن الرغبات العامة التي قد تنشأ عن الغرائز والانفعالات أو الأجواء الحادثة تأثراً بأعراف مجتمعات أخرى أو الأمواج الثقافية التي تهيمن لفترة ما في أثر عوامل غير مدروسة.

فالحرية الشخصية للأشخاص مثلاً ينبغي أن توازن مع حق المجتمع في سلامة البيئة الأسرية والاجتماعية العامة من الناحية التربوية الملائمة مع عامة الأصناف من الأطفال والمراهقين والرجال والنساء جميعاً، فلا تصحّ المغالاة في الحرية على حساب الاستحقاقات الكامنة للمجتمع.

كما أنّ المساواة العادلة للدولة بين الموظفين في الحقوق لا تعني مثلاً إعطائها راتبا واحدا لجميعهم من غير ملاحظة طبيعة المؤهلات والمواقع والأدوار، بل تعني تقدير كل امرئ بقدره من دون تفاوت يرجع إلى العصبية والقوة والأعراف الخاطئة.

فإذا وجب مثلاً على المرأة سترٌ أشمل من الرجل لم يكن في ذلك إخلالاً بالمساواة العادلة بينهما؛ لأنّ طبيعة تكوين الجنسين تملي مثل هذا الستر على المرأة لكونها الأكثر إغراءً للرجل من الرجل لها، وهو بذلك يعود إلى منفعتها كزوجة تغار من سعي الأخريات في إغراء زوجها وكأمّ تسعى إلى تربية أولادها من فتيان وفتيات على وجه ملائم وكمعلمة تهتم بتلاميذها وهكذا.

وبذلك يظهر أنّ التسوية الملائمة التي تفرضها العدالة بين الناس تختلف عن التسوية بمعنى التعامل المماثل معهم تماماً.

فإذا كان لدى الدولة موظفون منهم أطباء ومهندسين وقضاة وجنود فإنّ التسوية العادلة والملائمة بينهم تقتضي إناطة الدور الملائم لكل منهم به حسب اختصاصه ومؤهلاته وتقدير جهد كل منهم بما يلائم دوره، بعيداً عن الخصائص التي لا دخل لها مثل الانتماءات القومية والمكانية ونحوها.

ولكن التسويّة الأخرى بمعنى التعامل المماثل معهم يعني إناطة أدوار مماثلة بهم من غير أخذ اختلافهم في اختصاصاتهم بنظر الاعتبار، وهذا ما لا تفرضه العدالة.

وعلى الإجمال فإن من الواضح أنّ العدالة إنما تفرض التسوية بمعنى التقدير الملائم لكل واحد، دون التسوية بمعنى التعامل المماثل بينهم من غير ملاحظة الاختلافات بينهم بنظر الاعتبار، بل هذه التسوية قد تكون ظالمة وضارة حتى بالطرف الذي يفترض مغبونا في كثير من الأحوال، وذلك أمر بديهي عند التامل الجاد.

ولذلك من الضروري التدقيق في مقتضيات القيم الوجدانية والتفطن للعناصر الدخيلة فيها دون التوسع والاسترسال في تطبيقها من دون النظر إلى المقتضيات الحكيمة على وجه جامع.

2020/12/17

الخلود في جهنّم: ذنب يقابله ’عذاب مؤبد’!

كتب السيد علي الحسيني: «تأبيد العذاب» في ضوء تجسّم الأعمال

«تأبيد العذاب» فكرة مخيفة جدّاً، فهي تعني: الخلود الدائم في نار جهنم، واستمرار العذاب إلى أبد الآباد دون انقطاع، وحسب النصّ القرآني، فإنّ الذين يُجازَون بذلك، وينتظرهم هذا المصير المرعب؛ هم خمسة أصناف من الناس: (الكفار، المنافقون، المحاط بالخطايا، آكل الربا، قاتل المؤمن عمداً).

والسؤال الذي يثور هاهنا: ألا يبدو ذلك منافياً لاشتراطات العدالة وفق مذهب التحسين والتقبيح العقليين؟! من حيث أنّ الخلود في النار - بوصفه عقوبة غير محدودة - لا يتلاءم مع عمل هؤلاء، فمهما كبرتْ جريرتُهم، وتعاظمتْ خطيئتُهم؛ يبقى عملهم محدوداً بمقتضى محدوديّة حياتهم!.

  أُدركُ جيّداً المعالجات التي قدّمت في هذا الإطار، وأعرفُ الرأي الذي ذهب إلى انقطاع العذاب، وأعاد قراءة الآيات؛ استناداً إلى أنّ الخلود في اللغة قد يأتي بمعنى المكوث طويلاً، ولستُ غافلاً عن الحديث الذي ينيط التخليد بالنيّة: فمن علم الله نيته أنه لو بقي في الدنيا إلى انقضائها كان يعصي الله...؛خلّده على نيته، وربما يؤيّده قوله تعالى: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام : 28] ...كذا لا أُعدمُ النقض عليه: بأنّ فعل القتل لا يستغرق سوى بضع دقائق أو ثوانٍ بينما يُحكم القاتل بالسجن المؤبد، أو أنّ القاء قنبلة هيروشيما لم يتطلب سوى دقائق، لكن آثارها بقيت حتى اليوم. إلخ.

أدركُ ذلك كلّه تماماً، لكن ليس ذا ولا ذاك داخلاً في مسعى المقال وغرضه؛ إنّما الغرض هنا مقاربة الموضوع في ضوء نظريّة: تجسّم الأعمال، وهو ما يستدعي شرح النظريّة وعرض معطياتها القرآنيّة؛ ليتسنّى- بعد ذلك -عرض مقاربتها للإشكاليّة.

لقد شهدتْ نظرية تجسّم الأعمال حضوراً واسعاً في الفكر الإسلامي: عرفاناً وكلاماً وفلسفة، وموقعها هو وصف العلاقة بين العمل والجزاء، وتحديد طبيعة الارتباط بين الفعل الدنيوي وبين والثواب والعقاب الأُخرويين؛ إذ حيال ذلك انقسم المفكرون المسلمون إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول-  يذهب إلى أنّ الصلة بينهما اعتبارية، وينفي الصلة التكوينية بين العمل والجزاء، والرأي عنده أنّ الجزاء أشبه بأجرة الأجير: متغيرة، وتقبل الزيادة والنقصان والإعدام، وأمرها مرهون بوضع الواضع واعتبار المعتبر.

الثاني- يرى أنّ العلاقة التكوينية محكومة برابطة العليّة، فالعمل علّة، والجزاء معلول، وهنا تقع مقولة : الجزاء من جنس/سنخ العمل، ويشترك هذا الرأي مع سابقه في اقرار المغايرة والاثنينيّة والتعدّد بين العمل والجزاء.

الثالث- أمّا تجسّم الأعمال فترى الإتحاد و العينية: عينيّة العمل للجزاء والعكس صحيح، فالفعل في دار التكليف عملة واحدة ذات وجهين: وجهة يبدو عليها ظاهرةً، ونسمي العمل على طبقها: غيبة- أكل مال اليتيم...، و وجهته الأخرى واقعيّة يكون فيها : - ناراً – أكلاً للحم الميت - إداماً لأهل النار...وإذن فالمقصود بنظريّة تجسّم الأعمال هو عدم المغايرة الحقيقيّة بين العمل والجزاء، أي أن العمل هنا(في الدنيا)، عين الجزاء هناك(في الآخرة)، وإن شئت معرفة شيءٍ مما تفسّره هذه النظريّة فانظر للأمثلة التالية:

تقول بعض الأخبار: ترفع الصلاة للسماء بيضاء وتهتف بحفظ صاحبها كما حفظها، وبالعكس فيما لو ضيّعها: ترفع سوداء وتدعو عليه بالضياع،  وتشير الروايات إلى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله...، وفي الآثار أيضاً: يُدفع للإنسان شبه محجمة دمٍ  وهو لم يسفكه، لكن لوشايته بكلمة للجبار يقال له: هذا سهمك من دم فلان...وورد في الخبر: أنّ الإنسان حين يوضع  في قبره يظهر له شخصٌ فيسأله الميت : من أنت؟ فيقول له : كنتُ عملك فبقيت معك، وجاء في وصف الغيبة : إنّها إدام كلاب أهل النار ، و في كتاب الله أنّها أكلٌ للحم الميت، وأنّ أكل مال اليتيم نار...، وجميع هذه الأمثلة أفعال وكلمات (لا ذوات)، فكيف وصفت باللون والنطق وتحول الكلمة إلى دمّ، وإدام ونار...كما لو كانت ذواتاً وأجساماً ؟! وهنا تبرز نظرية تجسّم الأعمال، كأفضل تفسير لذلك، إنّها تقول: إن للفعل الواحد صورتين: صورته المحسوسة في عالم الشهادة، وأخرى ملكوتيّة غيبيّة.

الشواهد والمعطيات القرآنية:

وفيما يلي عرض الآيات التي تشهد بظاهرها لصالح هذه النظرية، وحسب الإحصائية الأوليّة لآيات الكتاب رأيتها تبلغ الأربعين آية، ولا يحتمل المقال سردها، بيد أنّ المقصود حاصلٌ بتقسيمها إلى ستة أقسام، مع الاكتفاء بالقليل من الشواهد:

القسم الأول : الجزاء نفس العمل:

(إنّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقد تكرر هذا اللفظ أو ما في معناه في كتاب الله أكثر من عشر مرات، وفي معظمها جاء بصيغة الحصر بـأداتيه: " إنّما " أو بالاستثناء بعد الاستفهام: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل : 90] أو بعد النفي: (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [يس : 54]، 

ويلاحظ في الأخيرة التصدير بنفي الظلم، و يفيد ظاهر هذا القسم أنّ الجزاء هو العمل .

القسم الثاني : رؤية العمل :

تؤكد طائفة من آيات الكتاب أنّ الناس يوم القيامة سيشاهدون أعمالهم ويرونها،(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ..) [الزلزلة : 7] وينظرون ما قدّمت أيديهم وهذه الرؤية وإن كانت تحتمل وجوهاً عدة ، مثل : مشاهدة جزاء أو صحيفة أعمالهم..إلخ، غير أنّ حملها على ظاهرها يسوق لتجسّم الأعمال، و من تلك الآية السادسة من سورة الزلزلة :(لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ) وما بعدها، وآيتين؛ في سورة التوبة (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) [آية: 105 - 94]، وفي سورة النبأ، وجاء لفظ النظر: (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) [آية: 40] 

القسم الثالث : الجزاء وفاء للعمل

في وصف طبيعة العلاقة بين العمل والجزاء، تستخدم عدة من الآيات لفظ " الوفاء " وأنّ ما سيلاقيه الإنسان غداً هو وفاءٌ لنفس فعله واستيفاء لذات عمله، يقول تعالى : (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [البقرة : 272]؛ إذ يلاحظ هنا أنّ نفس مال المنفق ـ وليس ثواب ما أنفقه ـ  سيعود إليه ،  ومعنى التوفية  إعطاؤهم نفس أعمالهم،فالآية من الآيات الدالة على تجسم الأعمال، كما ويلاحظ فيها وفي غيرها مما مرّ وسيأتي اقترانها بنفي الظلم !

القسم الرابع : الخطايا حملٌ ثقيل على الظهور  

خلافاً للأقسام السالفة، يأتي القسم وكما هو واضح من سياق آياته خاصاً بالسيء من الأعمال، لتعبّر عن الخطايا بالحمل السيء، والأثقال والظلم والأوزار المحمولة على الظهور: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا) [طه : 100] ويقول عنها صاحب الميزان: من أوضح الآيات دلالة على أن الإنسان إنما يعذب بعمله ويخلد فيه وهو تجسم الأعمال.

القسم الخامس:  حضور العمل

تنص العديد من الآيات على حضور ذات العمل يوم القيامة، إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر، مثل قوله تعالى: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف : 49] من أجل هذا تعلم النفس ما يحضر أمامها ماثلاً ؛لأنّه زرعها وصنيعها: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) [التكوير : 14] وللتأكيد مرة أخرى:ختمتْ الأولى بنفي الظلم فيما تختم هذه برأفة الله بعباده: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران : 30]       

القسم السادس : عين المحرّم  نارٌ !

وهذا القسم خاص بأكل المحرّم لا عام في الأفعال، ففي كتاب الله عزّ وجلّ ثلاثُ آيات مصرِّحات بعينية المحرّم للنار والنار للمحرم، وهي من أوضح الآيات دلالة على تجسّم الأعمال، ويلاحظ في الأولى والثانية الحصر:  (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ) [البقرة : 174] والثانية: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء : 10] فيما تستخدم الآية الثالثة اسم الاشارة(هذا) للعقاب بوصفه عين الفعل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) [التوبة : 34-35]

وصلة كلّ ذلك وعلاقته بما نحن فيه؛ هو أنّ أصحاب هذه النظريّة وجدوا في تجسم الأعمال أنجعَ حلٍ  لإشكاليّة الخلود في النار، بيان ذلك: إنّ نظريّة تجسّم الأعمال لا تفهم العلاقة بين العمل والجزاء على أنّها تشريعية  اعتباريّة قابلة للوضع والرفع، وإنّما تحكم الصلة بينهما على أنّها تكوينيّة ذاتيّة، فهما مقترنان متصاحبان الآن، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، والأمر سواء في صالح العمل وطالحه، وفيما نحن فيه يغدو لزوم العذاب للذنب كلزوم الزوجية للعدد أربعة والملوحة للملح، والحلاوة للعسل، وكما أنّه لا أحد يسأل عن علة زوجية العدد أربعة، كذلك لا أحد يسأل عن علة عذاب فعل المعصية؛ ذلك لأنّ لزوم عمل الذنب وصورته الباطنية والذاتية هي العذاب، وهي ترافق الذنب من لحظة صدوره، ومعجونة به، ونار العمل والفعل ليست عارضة على الإنسان وعمله ليجري السؤال عن علة عروضها ووقوعها، وحسب قول الفلاسفة: الذاتي لا يُعلل. ( قراملكي- المعاد، ص372).

 ثلاث ملاحظات هامّة

1ـ مقابل تلك الآيات ثمة آيات أخرى ظاهرها يفيد المغايرة بين العمل والجزاء والاختلاف والتعدد، غاية الأمر أنهما محكومان بالتوافق كقوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعة : 24]، ومثله في القرآن أيضاً كثير، وادّعاء التناقض بين هذه الآيات وتلك لا يختلف عن ادعائه في اسناد الموت لملك الموت تارة ولله عزّ وجلّ أخرى!، من ثمّ : بناءً على نظرية التجسّم، فإنّ الآيات الدالة المغايرة والاعتبار والموافقة بين الجزاء والعمل، قد جاءت لتقريب حقيقة الجزاء الأخروي للأذهان، وفي هذا السياق يقول صاحب الميزان: إياك أن تتوهم أن الوجهين متنافيان فإن الحقائق إنما تقرب إلى الأفهام بالأمثال المضروبة، كما ينص على ذلك القرآن.

2ـ إنّ فهم جميع ما تقدم من آيات على أساس تجسّم الأعمال، يسلم من ارتكاب مخالفة الظاهر القرآني و لا يحتاج لتقدير كلمات، فمثلاً في قوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ [الشورى : 22] يجري على ظاهره ولا ضرورة لتقدير:  مشفقين من وبال ما كسبوا، كما قيل في التفاسير، وفي قوله تعالى : (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف : 19] يستقيم معناها، دون اضافة كلمة (أجور )، ليكون معناها: وليوفّيهم أجور أعمالهم، وهكذا الحال في سائر الآيات المتقدمة، ناهيك عن ظاهر الآيات الدالة على أنّ كون الأبرار في النعيم، و الكفّار والفجّار في جهنّم والجحيم، لَهو أمرٌ واقع الآن لا لاحقاً، وكائن حالاً لا مستقبلاً: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار 13-14]،وعدم شعورهم بها؛ لا ينفي كونهم محاطين بها: (إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) [التوبة : 49]؛ تماماً كما لا ينفي عدم شعور الذباب بالقمامة وهو يعيش كل دورة حياته وسطها !، على أنّ سر عدم تحسس لهيبها وحرارتها هو اختلاف الظرف والنشأة الذي يمثّل انتفاء شرط أو وجود مانع، فاليوم عمل لا جزاء، ويوم القيامة جزاء بلا عمل؛ لذا قال عقيب الآتين: يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ !

3ـ يلاحظ في الآيات ـ محل الدراسة ـ أنّها قد استعملتْ الحصرَ بطريقَيه وأداتيه: إنما، والإثبات بعد النفي، كما أنّها قد اقترنت بالنص على نفي الظلم، فيما عرضنا، وفيما لم نعرض كقوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [آل عمران : 161]، وما نريد قوله في هذه الملاحظة هو : إنّ كلاً من الحصر ونفي الظلم، يعززان دلالة تلكم الآيات على ما نحن فيه؛ فبناءً على تجسّم الأعمال فإنّ معنى الحصر يتوجه أكثر، وكذا نفي الظلم سيبدو مفهوماً أكثر؛ والسبب هو أن ذات العمل السيء قد عاد إلى صاحبه :(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) [فاطر : 43]، وبضاعته التي ردتْ إليه، لا يد صنعتهُ غير يده، فما يجزى به هو : عمله قد عاد عليه و رُدّ إليه، (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) [إبراهيم : 22].

2020/12/10

بريطانيا: ’’الربا’’ شيء مستقبح!

إن مصلحة الطبقة الغنية الموسرة مناقضة لمصلحة الطبقات الفقيرة، فالمجتمع الذي يؤيده الرأسمالي هو ذلك المجتمع الذي يتعامل أفراده بالأثرة ولا يساعد من في المجتمع غيره إلا بفائدة مادية لنفسه، على أن ضيق الأفراد الفقراء فرصة يرحب بها المرابون.

ولكن المجتمع الذي يؤيد الفقير هو على العكس من هذا المجتمع، ولكن يجب أن لا يتطرف الفقراء في أعمالهم كرد فعل منهم بحيث تنشأ مشاكل أخرى نتيجة التطرف، بل يجب أن نجعل الدواء للداء الموجود لا أن نحول الداء إلى داء آخر كما عن الماركسية حيث أوجدت الصراع بينهم. فالمجتمع الذي فيه الربا والمرابون لا يمكن أن يرسو على قواعد ثابتة فلا بد أن تبقى أجزاؤه مائلة مفككة. ويقال في الهند « يولد المزارع مدينا ويعيش مدينا ويموت مدينا » ([1]) فهو لا يمكنه أن يندمج مع مجتمع المرابين بل يفضل مجتمعا آخر.

وهنا نقترح أن تقوم الدولة التي تنفق كثيرا في سبيل الخدمات الاجتماعية مجانا بوضع نظام لتقديم قروض بلا فوائد كطريق للخدمات الاجتماعية، وهذا هو الدواء الناجع لجعل المجتمع صالحا ولإيجاد المجتمع الأفضل حيث يقضي على أسس الاختلاف والتناقض بين المرابين والفقراء، وتُوجِد الإيثار فيما بينهم بدلا من الأثرة. وبعد أن تعمل الدولة على إزالة أسس الاختلاف في المجتمع تعمل جاهدة لإيجاد روابط بين أفراد المجتمع، وقد جعل الإسلام رابطة قوية بين الأغنياء والفقراء تجعل المجتمع متمسكا متآخيا فيه إيثار بدلا عن الأثرة، وذلك بإيجاد الزكاة والخمس التي تؤخذ من الأغنياء وتعطى إلى مستحقيها وبإيجاد الأمور الخيرية المستحبة التي ندب إليها الشرع الحنيف وبذل غاية ما في وسعه لتربية أبنائه على إيجاد المجتمع المتآخي الذي يكون فيه الإيثار سائدا بدلا من الأثرة.

الأثر الفطري للربا

ولأجل أن نتعرف على الأثر الفطري الذي يخلفه الربا نورد حديث إنجلترا وأميركا بعد الحرب العالمية الأخيرة لعقد اتفاقية ( برتين وود ) لدين كبير.

« إن إنجلترا كانت تريد من أميركا وقد كانت حليفتها في الحرب أن تمن عليها بالقرض بدون شيء من الربا، ولكن أمريكا ما رضيت بذلك وأبت أن تقرضها إلا بالربا، واضطرت إنجلترا بمشاكلها العديدة أن ترضى كرها بأداء الربا »

لكن لنرى ما هو الأثر الفطري الذي ترك في الشعب الإنجليزي من كبار سياسييهم واقتصادييهم.

ومما قاله اللورد كينز، بعد أن عقد الاتفاقية مع أمريكا باعتباره ممثلا للشعب الإنجليزي « لا أستطيع أن أنسى أبد الدهر ذلك الحزن الشديد والألم المرير الذي قد لحق بي من معاملة أمريكا إيانا في هذه الاتفاقية فإنها أبت أن تقرضنا شيئا إلا بالربا ».

ومما قاله تشرشل « إني لأتوجس خلال هذا السلوك العجيب المبني على الأثرة وحب المال الذي عاملتنا به أمريكا كان ضروبا من الأخطار. والحق أن هذه الاتفاقية قد تركت أثرا سيئا جدا فيما بيننا وبين أميركا من العلاقة ».

وقال اللورد دالتن وزير المالية « إن هذا العبء الثقيل الذي نخرج من الحرب وهو على ظهورنا، جائزة عجيبة جدا نلناها على ما عانينا في الحرب من الشدائد والمشاق والتضحيات لأجل الغاية المشتركة، وندع للمؤرخين في المستقبل أن يروا رأيهم في هذه الجائزة الفذة من نوعها، التمسنا من أميركا أن تقرضنا قرضا حسنا ولكنها قالت لنا جوابا على هذا : ما هذه بسياسة عملية » ([2]).

ومن هذه الأقوال نلمس الأثر الفطري واضحا سواء تعاملت به الأفراد أو الأمم، فهكذا تعترف إنجلترا أن الربا شيء مستقبح، فهل فكر الاقتصاديون في رفع الفائدة من مجتمعهم على الأقل ؟ ! كما فعل كينز.

 


[1] الإسلام والربا ص 201 عن تقرير البعثة الملكية عن الزراعة في الهند

[2] الربا المودودي ص 43 - 44.

2020/12/05

الكوميديا السوداء.. عاصفة لإسقاط ’قداسة الدين’ (فيديو)

هناك ملايين المقاطع الفيديوية والصور التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي لإشاعة السخرية ومنها ما يستهدف الدين لتشويهه، بل وباتت السخرية والنكتة من أهم وسائل اسقاط القداسة وهو ما يعرف اليوم بـ "الكوميديا السوداء".

يرى فضيلة الشيخ احمد سلمان ان السخرية والكوميديا السوداء وسيلة لكسر القدسية وأيضا طريقة تستخدم في السياسة لتسقيط الأنظمة والخصوم.

ويستبعد سماحته ان تكون هذه المقاطع التي تنتشر بهدف السخرية بأن تكون عفوية وانما يراد منها سلب أي قدسية واحترام للدين.

ويقسم الشيخ أحمد سلمان القضايا التي تنشر حول الدين الى ثلاثة أقسام:

الأول: أمور مكذوبة لا واقع لها وجعلت فقط لمجرد التسقيط والاستهزاء ويتفاعل عدد كبير مع معها فقط لأنها مضحكة.

الثاني: أمور حقيقية لكنها مقتطعة من سياقها لكن يفهم من الكلام على غير وجهه.

الثالث: أمور بالفعل تستدعي الضحك والسخرية لكنها حالات شاذة وتصرفات فردية ونادرة غير أن الاعلام يسلط الضوء على هذه النماذج الشاذة بهدف خلق صورة نمطية معينة عن الدين.

تفصيل أكثر في الفيديو أدناه:

2020/12/04

الربا.. ’ثروة’ من الفقراء إلى الأغنياء!

​من المؤسف جدا أن (مهنة المرابي) وهي الآفة العالمية التي تقدم القرض بسهولة عند الشدائد إلى الفقراء والمتوسطين تعتبره الحكومة غير الإسلامية، خارجا من دائرة واجباتها. ولكنا نقول إن من الواجب أن يكون من أول أعمال الحكومات العناية بهذه الآفة العالمية والنظر فيها، ولا تترك العمل للمرابين في سلب أموال الفقراء والمعوزين. ولكننا نرى من المؤسف أن الدول تكون كعامل نشط في جلب أموال الفقراء إلى هذا المرابي الصغير أو المرابي الكبير (البنك).

ومضار الربا من الناحية الاقتصادية تجسد في القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية والقروض الحكومية من الداخل:

أ - القروض الاستهلاكية: وهي قروض يطلبها الفقراء المتوسطون نتيجة لوقوعهم في مصيبة أو شدة لقضاء حاجاتهم الضرورية. ومن المعلوم فداحة السعر الربوي في هذا النوع من القروض، لأن المتصدي لهذا النوع هو المرابي الذي لا رقيب عليه في تقرير الفائدة، فالذي يقع في شرك هذا المرابي مرة لا يتخلص منه طول حياته، بل يكون العبء على أبنائه وأحفاده في سداد دينه.

ويكون هذا واضحا إذا نظرنا إلى الربا المسموح به في إنكلترا للمرابي وهو 48 في المائة سنويا على الأقل، والسعر العام الذي تجري عليه المعاملات الاقتصادية فهو يتراوح بين 250 في المائة و 400 في المائة سنويا وقد تمت فيها بعض المعاملات الربوية بسعر 1200 في المائة أو 1300 في المائة سنويا.

والربا المسموح به رسميا للمرابي في أميركا هو بين 30 في المائة و 60 في المائة سنويا والمعاملات العامة الربوية تجري بسعر 100 في المائة و 260 في المائة سنويا ويرتفع أحيانا إلى 480 في المائة (1).

وهذه العملية هي التي تمكن الرأسمالي من دخل العمال وتجعله مستبدا به دونهم. ونتيجة لذلك تفسد أخلاقهم، ويقترفون الجرائم والدنايا، وهو يحط من مستوي المعيشة، ويقلل من كفاءاتهم ونشاطهم الذهني والبدني، وهذا ليس ظلما فحسب بل إنه ضرر على الاقتصاد الاجتماعي.

على أن المرابي يسلب قوة الشراء من الفقير، وإذا فترت قوة الشراء تكدست البضائع في الأسواق ونتيجة لهذا التكدس تتوقف بعض المعامل من الإنتاج أو تقلله على الأقل، وبهذه العملية تنشأ البطالة لمئات من البشر، وهذه البطالة تعرقل نمو التجارة والصناعة. بالإضافة إلى أن التأكيدات من قبل الاقتصاديين إلى الادخار وعدم الاستهلاك لتقديم قروض بفائدة ليجلب الربا إلى خزانته تؤدي إلى ظهور البطالة بالتقريب المتقدم.

ب - القروض الإنتاجية: وهذه القروض يأخذها التجار وأصحاب الصناعة والحرف لاستغلالها في الإنتاج المثمر.

إن هذه العملية التي يأخذ المرابي الربا من دون أن يتعرض لشيء إذا خسر المعمل أو التاجر تؤدي إلى تحرك الميزان الاقتصادي من جانب واحد دائما وهو جانب المرابي فهو رابح دائما، أما صاحب المعمل أو التاجر فليس كذلك وهذه العملية غير فطرية لتأديتها ضرر جميع العمال وصاحب العمل إلا المرابي فإنه لا يتضرر بذلك حيث إن ربحه مضمون.

بالإضافة إلى أن معظم رأس المال مدخر عند الرأسماليين، لأنهم يرجون ارتفاع سعر الربا، فلا يعطي ماله للتجارة أو الصناعة لانتظاره ارتفاع سعر الربا. على أن السعر المرتفع يجعل المرابي ممسكا لماله إلَّا وفق مصلحته الشخصية لا وفق حاجة الناس أو البلاد، وقد يكون السعر المرتفع مانعا أهم الأعمال النافعة المفيدة للمصلحة العامة ما دام ربحها لا يسدد سعر الربا، في حين أن المال يتدفق نحو الأعمال البعيدة عن المصلحة العامة لأنها تعود بربح كثير.

وقد يستعمل التجار الذين هم مطالبون بالربا الطرق المشروعة وغير المشروعة المؤدية إلى اضطراب المجتمع الإنساني والحط من الأخلاق الإنسانية وما يترتب عليها من جرائم في سبيل كسب سعر الربا.

ج - القروض الحكومية من الداخل: وهي القروض التي تأخذها الحكومة من أهالي البلاد، فهناك القروض المأخوذة لأغراض غير مثمرة كالحرب لأجل الأغراض الشخصية العدوانية الجاهلية، وهناك القروض المأخوذة لأغراض إنسانية اجتماعية كالتجارة مثلا، وهذان النوعان يشابهان القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية.

والملاحظ هنا أن الحكومة تلقي ضغطا على عامة أهل البلاد لأجل أن تجلب من معاش الأفراد بجعل الضرائب والمكوس حتى تستطيع أن تؤدي إلى الرأسماليين (أصحاب القروض) الربا. والتجار أيضا لا يؤدون هذه الضرائب والمكوس من عندهم وإنما يرفعون قيمة الحاصل أو السلع فيؤخذ الربا على وجه غير مباشر من كل من يشتري من السوق وهو الفقير والمتوسط الحال. إذن الذي يتضرر تضررا كاملا هو الفقير فحسب، لأن صاحب الغلة وأصحاب المصانع والتجار يرفعون من سعر نتاجهم.

فالخلاصة: أن الربا ثروة من الفقراء إلى الأغنياء والحكومة هي الموظفة المخلصة للمرابي مع أن مصلحة الأمة على العكس. على أن قروض الدولة من الخارج فيها مفاسد أشد وأكثر خطرا على الإنسانية من غيرها، لأنه يغرس بذور العداوة بين أمم الأرض، والدولة التي فرضت عليها الربا تزيد من مصائب بلادها بفرضها الضرائب الفادحة على رؤس السكان والإقلال من النفقات (2).

وقد توصل (مستر هارولدج. ماولتون) مع زميله (مستر ليريا ستولكي) إلى النتائج التالية (3):

1 - « إن الإعفاء الكامل من دين تعويضات الحرب كله سوف يعمل على ازدهار الاقتصاد العالمي بدلا من أن يعوقه ».

2 - « إن تحصيل الديون التي على الحكومات سوف يكون من الوجهة الاقتصادية ضارا بالدول الدائنة أكثر مما يفيدها ».

وهذه الديون بعد الحرب العالمية الأولى تسمى (مدفوعات دين الحرب) كانت على (28) دولة أن تفي بها سنة 1931 أي بعد 13 سنة من إنهاء الحرب تبلغ (000 / 547 / 741 / 57) دولارا. وقد أحدثت ديون الحرب هذه آثارا مثبطة في اقتصاد العالم كله، وأطالت الكساد الاقتصادي العالمي ذلك الكساد يعتقد أنه أحد وأطول كساد فيما أعرف من تاريخ العالم » (4).

هذا وقد ذكر السنهوري وغيره مضارا أخرى في ربا المعاوضة وهي:

1 - احتكار أقوات الناس في المكيل والموزون.

2 - التلاعب في العملة لتقلب أسعارها لأنها هي سلعة من السلع إذا جوزنا الربا.

3 - وجود الغبن والاستغلال عند التعامل بالربا في الجنس الواحد، فإن التفاضل في الكم لا يواجه التفاضل في الكيف بدقة لو فرضنا وجود التفاضل في الكيف (5). فيمكن أن يمنع الربا اقتصاديا لهذه المضار، فلا يحصل الاحتكار لأقوات الناس ويمنع التلاعب في العملة ويمنع الغبن والاستغلال عند التعامل في الجنس الواحد.


الهوامش:

1 الربا أبو الأعلى المودودي ص 46.

2 الربا للمودودي ص 57 وما بعدها.

3 الإسلام والربا / قرشي ص 220 - 221.

4 الإسلام والربا / قرشي ص 220 - 221.

5 مصادر الحق 3 / 236.

2020/11/28

كرسي التديّن ’’الأعرج’’ : عقيدة وفقه.. ماذا عن الأخلاق؟! (فيديو)

ما هو الدين؟!

الدين هو المركب الذي يتكون من هذه الأمور الثلاثة هي:

1- البعد العلمي المعرفي (العقائد)، ويشمل أجوبة الأسئلة الوجودية الكبرى، كـ: من خلقنا؟ ومن أين جئنا؟ ولماذا وجدنا في هذا الكون؟ وكل ما يرتبط بهذه الأسئلة من التفاصيل الأخرى.

2- البعد العملي (الفقهي)، وهو مجموعة الاحكام التي جاءت بها الشريعة لتنظيم حياة الإنسان بالله (العبادات)، وكذلك التي تنظم حياة الانسان بأخيه الانسان (المعاملات).

3- البعد الأخلاقي (السلوك)، وهو من صميم الدين، لأن الإسلام بلور منظومة أخلاقية كاملة اجتمعت من بدايات الأنبياء إلى نبينا الأكرم (ص).

من هنا، فإن عملية التديّن لابد ان تكون تطبيقا لهذه الأمور الثلاثة لأنها حقيقة الدين، فممارسة الدين هي مجموعها لا بواحدة منها. ولا يصح ان نقول عن الذي لا يؤمن بهذه المنظومة كاملةً بأنه متديّن.

إذ لا ينفع تديّن من التزم بالأخلاق دون البعد العملي (الفقهي) وكذا الأمر بالنسبة لباقي الأبعاد الثلاثة التي بمجرد أن يسقط واحدة منها يسقط التديّن بأكمله، إضافة إلى مراعاة جانب التوازن بين هذه الأبعاد فلا ينفع ابدا القصر او التضخم في واحدة منها.

المشكلة الآن، في عصرنا الحالي، في التضخم الفقهي الذي حول الخطاب الديني خطاباً فقهياً وهذا ما ولّد في أذهان الناس تصوّراً مفاده أن الدين مجرد الرسالة العملية والقوانين التي نسميها الأحكام الفقهية. كما أصبح عندنا (انكماش) في البعد الأخلاقي والذي يكاد يصل إلى مرحلة الانعدام.

تفصيل أكثر مع فضيلة الشيخ أحمد سلمان [دامت بركاته] في الفيديو أدناه:

2020/11/21

’’بيت الوحشة والغربة’’.. ما حقيقة عذاب القبر؟! (فيديو)

هل كل انسان يعذب او ينعم في قبره؟

يصر بعض غير المتخصصين على انكار عذاب القبر ويستدلون بآيات فهموا من ظاهرها انه لا وجود للعذاب وروجوا لهذا المعتقد الفاسد.

ولا يخفى أن مثل هذه المسائل (العقائدية) بحاجة إلى متخصص لفهم النصوص التي تتحدث في هذا المقام، ومن هنا يناقش سماحة الشيخ علي آل محسن جملة من الردود على هذه الإثارات.

يقول تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر – 46).

هذه الآية فيها دلالة واضحة على أن بعض الخلق ومنهم العتاة والمجرمين يعذّبون في قبورهم، وهذا يثبت العقيدة التي اتفق عليها السنة والشيعة من ان بعض الناس يعذبون قبل قيام الساعة فيما يعرف بـ ’’عذاب القبر’’.

المزيد من التفاصيل ’’المهمة’’ حول عذاب القبر في الفيديو أدناه:

2020/11/18

’’ليبرالي ومتديّن’’ .. هل يتفق الإسلام مع الليبرالية؟!

يقول اللهُ تعالى في محكمِ كتابِه المجيدِ: ’’وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ’’ (2).

تختصرُ هذه الآيةُ المباركةُ رؤيةُ الإسلامِ فيما هي طبيعةُ العلاقةِ بينَ الإنسانِ وربِّه وبين الإنسانِ والإنسانِ، فالعلاقةُ بينَ الإنسانِ وبينَ اللهِ تعالى هي علاقةُ العبوديَّةِ، فكلُّ بني الإنسانِ على اختلافِ أقدارِهم ومواقعِهم وصفاتِهم وملكاتِهم وأعراقِهم فهم عبادٌ للهِ تعالى أذعنَوا بذلك أو جحَدوا، فإنَّ ذلك هو واقعُهم بحسبِ الرؤيةِ الإسلاميَّةِ. وحيثُ إنَّ العلاقةَ بين الإنسانِ وبين اللهِ تعالى هي علاقةُ العبوديَّةِ فإنَّ ذلك يقتضي انضباطَ الإنسانِ في اطارِ إرادةِ المعبودِ، فليس له أنْ يُحكِّمَ إرادتَه في مقابلِ إرادةِ اللهِ تعالى، وليس له أنْ يتمرَّدَ على إرادةِ اللهِ تعالى أو يتجاوزَ حدودَه، فهو عبدٌ للهِ تعالى، والعبدُ خاضعٌ لإرادةِ معبودِه، تلك هي رؤيةُ الإسلامِ فيما يتَّصلُ بطبيعةِ العلاقةِ بينَ اللهِ وبين الإنسانِ، فإلإنسانُ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى عبدٌ وليس حُرَّاً.

الإسلام: الإنسان عبد

وأما رؤيةُ الإسلامِ فيما هي طبيعةُ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والإنسانِ فهي المساواةُ المقتضيةُ للحريَّة، فإلانسانُ بالإضافةِ للإنسانِ حرٌّ في أنْ يأتمرَ بأمرِه أو لا يأتمرُ أو أنْ ينتهيَ عند نهيهِه أو لا ينتهي، وهو حرٌّ بأنْ يقبلَ برأيِه أو لا يقبلُه، فلا طاعةَ لأحدٍ على أحدِ، وليس لأحدٍ أن يسلبَ غيرَه إرادتَه واختيارَه، وليس له تسخيرُه وإرغامُه على فعلِ ما لا يُريدُ. تلك هي رؤيةُ الإسلامِ في طبيعةِ العلاقةِ بين الإنسانِ والإنسانِ.

إذن فالإنسانُ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى عبدٌ محضٌ، والإنسانُ بالإضافةِ إلى الإنسانِ حُرٌّ محضٌ. وأما لزومُ طاعةِ الرسولِ (ص) فلأنَّ اللهَ تعالى قد أمرَ بطاعتِه، فطاعتُه تَرجعُ في المآلِ إلى طاعةِ اللهِ، قال اللهُ تعالى: ’’مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ’’(3) وكذلك فإنَّ طاعةَ الإمامِ المعصومِ (ع) إنَّما صارتْ لازمةً لأنَّ اللهَ تعالى قد أمرَ بطاعتِه، فطاعتُه ترجعُ في المآلِ إلى طاعةِ اللهِ قال تعالى: ’’يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ’’(4) فالطاعةُ الثابتةُ للرسولِ (ص) وللإمامِ (ع) تبعيةٌ وليستْ ذاتيَّة، فالطاعةُ الذاتيَّةُ متمحِّضةٌ للهِ جلَّ وعلا، فهو المعبودُ الذي لا طاعةَ لسواه. تلك هي الرؤيةُ الإسلاميَّةُ فيما يتَّصلُ بعلاقةِ الإنسانِ بالله وفيما يتَّصلُ بعلاقةِ الإنسانِ بالإنسانِ، فالإنسانُ بالإضافةِ للهِ عبدٌ محضٌ، والإنسانُ بالإضافةِ إلى الإنسانِ حُرٌّ محضٌ.

الليبرالية: الإنسان حر!

وأما الرؤيةُ الليبراليَّةُ فهي تقومُ على أساسِ انَّ الإنسانَ حُرٌّ مطلقٌ حتى بالإضافةِ للهِ تعالى، لذلك فهي إذن على طرفِ نقيضٍ مع الرؤيةِ الإسلاميَّةِ، فإلاسلامُ يقومُ على أساسِ أنَّ الإنسانَ عبدٌ لله، والليبراليَّةُ تقومُ على أساسِ أنَّ الإنسانَ حُرٌّ حتى بالإضافةِ للهِ، فله أنْ يعبدَه وله أنْ لا يعبدَه، وله أن يمتثلَ لبعضِ أوامرِه ويتنكَّرُ للبعضِ الآخر بل له أن ينقضَها ويردُّ عليها ويتبنَّى عدمَ صوابيتِها، فهو حرٌّ فيما يتبنَّاه ويعتقدُ به، وحُرٌّ فيما يعملُ.

ولذلك ورد في الموسوعةِ الأمريكيَّة الأكاديميَّة ما هذا نصُه: ((إنَّ النظامَ الليبرالي الجديدِ (الذي ارتسم في فكرِ عصرِ التنويرِ) بدأ يضعُ الإنسانَ بدلاً من الإلهِ في وسطِ الأشياءِ، فالناسُ بعقولِهم المفكِّرةِ يمكنُهم أنْ يفهموا كلَّ شيءٍ، ويُمكنُهم أن يُطوِّروا أنفسَهم ومجتمعاتِهم عبرَ فعلٍ نظامي وعقلاني).

فالرؤيةُ الليبراليَّة وإنْ اختلفتْ في بعضِ تفاصيلِها وصورِها وتشعَّبت مذاهبُها وأضفى عليها الزمنُ العديدَ من التعديلاتِ والإصلاحاتِ لكنَّها بمختلفِ مذاهبِها وصورِها تشتركُ في أساسٍ واحدٍ تقومُ عليه كلُّ المذاهبِ الليبراليَّةِ وبه تتميَّزُ الليبراليَّة عمَّا عداها من الأُطرِ والنظمِ الفكريَّةِ والإجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ والاقتصادية، هذا الأساسُ وهذه القاعدةُ التي تقومُ عليها الرؤيةُ الليبراليَّةُ هو استقلالُ الإنسانِ بالإضافةِ لكلِّ شيءٍ، فهو مستقلٌ حتى بالإضافةِ للهِ وللدينِ، فهو غيرُ مُلزمٍ بالإيمانِ باللهِ تعالى، ولو آمنَ باللهِ فهو غيرُ مُلزَمٍ بالتقيُّدِ بدينِ اللهِ، ولو قبل بدينِ اللهِ فهو غيرُ ملزَمٍ بأنْ يلتزمَ بأحكامِ اللهِ سواءً المتَّصلَ منها بالشأنِ العامِّ أو المتَّصلَ منها بالأحوالِ الشخصيَّةِ أو المتَّصلَ منها بالسلوكِ الخاصِّ، وهذا هو ما يعبرُ عنه عندَهم بالحريَّةِ الفرديَّةِ المطلقةِ، فمحورُ الوجودِ هو الفردُ بصيغتِه الشخصيَّةِ، وعلاقتُه باللهِ وبالكونِ وبسائرِ أفرادِ الإنسانِ هي الحريَّةِ والإستقلالِ المطلقِ، تلك هي البنيةُ التحيَّةُ للفكرِ الليبرالي.

ومن ذلك يتَّضحُ انَّ الليبراليَّةَ والإسلامَ على طرفي نقيضٍ، فالإسلامُ يقومُ على أساسِ انَّ الإنسانَ عبدٌ للهِ، والليبراليَّةُ تقومُ على أساسِ أنَّ الإنسانَ مستقلٌّ حتى بالإضافةِ لله، فقولُ اللهِ غيرُ مُلزمٍ له، وأحكامُه وأوامرُه وزواجرُه غيرُ مُلزمةٍ له، فلَه أن يتقيَّدَ بها، وله أنْ لا يتقيَّدَ بها وله أن يتقيَّدَ بما يُعجبُه منها ويرفضَ القبولَ بما لا يُعجبُه، فهو حُرٌّ مُستقِلٌّ.

الإسلام لا يتّفق مع الليبرالية

وعليه فدعوى انَّ الإسلامَ يشجِّع على الليبراليَّة خطأٌ فادحٌ نشأَ عن الغفلةِ عن جوهرِ الرؤيةِ الليبراليَّةِ، نعم الليبراليَّةُ تتفِّقُ معنا ولسنا من يَّتفقُ معها، هي تتَّفقُ معنا في عددٍ من النتائجِ المرتبطةِ بطبيعةِ علاقةِ الإنسانِ بالإنسانِ، وقلتُ: إنَّها تتَّفقُ معنا في النتائجِ لأنَّ المبادئَ التي تنطلقُ منها الرؤيتينِ الإسلاميَّةِ والليبراليَّةِ فيما يتَّصلُ بطبيعةِ علاقةِ الإنسانِ بالإنسانِ هي أيضاً متباينةٌ في الجملةِ، وقلتُ: إنَّها تتَّفقُ معنا ولسنا من يتَّفقُ معها لأنَّ الرؤيةَ الليبراليَّة إنما تبلورتْ في القرنِ الثامن عشر الميلادي وتبلورتْ أكثر في العقودِ الأولى من القرنِ العشرين، وإذا أردتَ أن تذهبَ بها إلى أقصى تأريخِها فهي إنَّما نشأتْ بوادرُها في القرنِ السادس عشر الميلادي، ولن تجدَ لها من ذكرٍ معتدٍّ به قبل هذا التأريخ، ومعنى ذلك انَّ الليبراليَّة قد وُلدتْ بعد الإسلامِ بما يقربُ من العشرةِ قرونٍ أي بما يَقربُ من الألفِ عام أو يزيدُ.

ونتائجُ الرؤيةِ الليبراليَّةِ التي جاءت موافقةً للرؤيةِ الإسلاميَّةِ هي المساواةُ بين أفرادِ البشرِ المقتضيةِ للحريَّةِ أي انَّها مقتضيةٌ لحريَّةِ الإنسانِ بالإضافةِ إلى الإنسانِ، وهي مقتضيةٌ كذلك للعدالةِ الاجتماعية، وهذه الأصولُ الثلاثةُ هي من أصولِ الإسلام، فليس لأحدٍ أنْ يُزايدَ علينا، على انَّ هذه الأصولَ الثلاثةَ تعتريها الكثيرُ من المحاذيرِ في الرؤيةِ الليبراليَّةِ لسنا بصددِ البيانِ لها فعلاً، وإنَّما نحنُ بصددِ الإشارةِ إلى انَّ الإسلامِ هو مَن أصَّل لهذه الأصولِ الثلاثةِ.

يقولُ اللهُ تعالى: ’’الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ’’(5) فقولُه تعالى: ’’وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ’’ فيه إشارةٌ بيِّنةٌ إلى واحدٍ من أهمِّ الغاياتِ التي بُعثَ النبيُّ الكريمُ (ص) من أجلِ تحقيقِها، فهو قد بُعثَ ليحرِّر البشريَّةَ من الاستعباد بمختلفِ أشكالِه والاستضعاف والاستغلال والابتزاز، فليس لأحدٍ على أحدٍ أمرٌ ولا نهيٌ، وليس لأحدٍ أنْ يسلُبَ غيرَه إرادتَه واختيارَه، وليس له تسخيرُه وإرغامُه على فعلِ ما لا يُريدُ، وليس له استغلالُ ضعفِه لإجبارِه على قبولِ ما لا يُحبُّ، وليس له أنْ يبتزَّه فيقضيَ حاجتَه مقابلَ أنْ يخضعَ لإملاءاتِه أو يتصاغرَ له، وليس له أنْ يفرضَ سلطانَه على أحدٍ بالقسرِ والغلَبةِ، ذلك هو مؤدَّى قولِه تعالى: ’’وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ’’.

وهو كذلك مؤدَّى كلمةِ التوحيدِ: "لا إله إلا الله"، فلا معبودَ إلا اللهُ تعالى، فليس لأحدٍ على أحدٍ طاعةٌ، وليس لأحدٍ من الناسِ أن يأمرَ فيتعيَّنُ امتثال أمرِه أو ينهى فيتعيَّنُ الوقوفُ عندَ نهيهِ، أو يرى رأياً فلا يكونُ لأحدٍ أنْ يرى ما يُقابلُ رأيَه. فالإنسانُ حرٌّ في مقابلِ الإنسانِ الآخر، ليس مُلزَماً بأوامرِه ولا باعتمادِ رُؤاه.

ويقولُ أميرُ المؤمنينَ (ع) فيما يروى عنه: "أيُّها الناسُ إنَّ آدمَ لم يلدْ عبداً ولا أَمةً، وإنَّ الناسَ كلَّهم أحرارٌ"(6) ويقول أيضاً في المرويِّ عنه: "لا تكنْ عبدَ غيرِك وقد جعلكَ اللهُ حرَّاً"(7).

ويقولُ اللهُ تعالى: ’’يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ’’(8) هذه الآيةُ صريحةٌ في التعبيرِ عن طبيعةِ علاقةِ الناسِ فيما بينهم، فهم جميعاً ذكوراً واناثاً بمختلفِ أعراقِهم وأجناسِهم مخلوقونَ لله تعالى، وقد تعلَّقتْ إرادتُه تعالى لهم أنْ يتعارفوا فيما بينهم وانَّه لا تمايز بين أفرادِهم وأجناسِهم، وإذا كان من تفاضلٍ بينهم فهو في الآخرةِ، وهذا التفاضلُ منشأهُ اختيارُ التقوى.

وهذا المعنى نصَّت عليه الكثيرُ من النصوصِ الواردةِ عن الرسولِ (ص) وأهلِ بيتِه (ع). فمن ذلك قولُ النبيِّ (ص) فيما رويَ عنه -في خطبةِ الوداع-: "يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلا بالتقوى، إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكم. ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فليبلِّغْ الشاهدُ الغائبَ"(9).

وورد عنه (ص) أنَّه قال: "إنَّ الناسَ من عهدِ آدم إلى يومِنا هذا مثلُ أسنانِ المشطِ، لا فضلَ للعربيٍّ على العجمي ولا للأحمرِ على الأسودِ إلا بالتَّقوى"(10).

فهذه النصوصُ -وغيرُها كثيرٌ- صريحةٌ في التصدِّي لتحديدِ طبيعةِ العلاقةِ بين الإنسانِ والإنسانِ وهي المساواةُ، وإذا كانت العلاقةُ بين الناسِ هي المساواةُ، فذلك يقتضى أنْ لا يكونَ لأحدٍ الحقُّ في أنْ يقسُرَ أحداً على طاعتِه، إذ لا فرقَ بينَك وبينَه، فكما انَّه ليس له الحقُّ في أنْ يفرضَ طاعتَه عليك، فكذلك ليس لك الحقُّ في أن تفرضَ طاعتَك عليه ومن ذلك يتولَّدُ ما يُعبَّرُ عنه بالحقِّ في الحريَّةِ، فلأنَّ الإنسانَ مساوٍ للإنسانِ فذلك يقتضي عدمَ استحقاقِ الإنسانِ في أن يمنعِ غيرَه من استصلاحِ أمرِه والانتفاع بما يتهيأُ له الانتفاع به، فكما انَّه ليس له الحقُّ في منعِكَ فإنَّه ليس لك الحقُّ في منعِه، وهذا ما يُعبَّرُ عنه بالحقِّ في تكافؤ الفرصِ، ولأنَّ الإنسانَ مساوٍ للإنسانِ لذلك فإنَّه ليس لأحدٍ منعُ غيرِه من تحكيمِ إرادتِه والإبداءِ لرأيهِ، فكما انَّه ليس له منعكَ من ذلك فكذلك ليس لك منعُه، لأنَّه لا فرقَ بينَك وبينَه، وهذا ما يُعبَّرُ عنه بحقِّ الاختيار وحقِّ التعبيرِ عن الرأي، وهكذا يتولَّدُ عن أصلِ المساواةِ الكثيرُ من الحقوقِ الأساسيَّةِ للإنسان، وحيثُ ثبت انَّ هذه الحقوقَ وشبهَها حقوقٌ للإنسانِ فانتهاكها ظلمٌ ورعايتُها عدلٌ، ومن ذلك يثبتُ للإنسانِ الحقُّ في العدالةِ والإنصافِ.

فيكفي لإثباتِ تأصيلِ الإسلامِ لحقِّ العدالةِ الاجتماعية تأصيلُه للمساواةِ وما يتولَّدُ عنها من حقوقٍ إلا انَّه ورغمَ ذلك تصدَّى الإسلامُ لتأصيلِ هذا الحقِّ أعني العدالةَ الاجتماعية في الكثيرِ من النصوصِ القرآنيَّةِ والنبويَّةِ والواردةِ عن أهلِ البيتِ (ع) بنحوٍ يشقُّ على الإحصاءِ، ويكفينا من ذلك قولُه تعالى: ’’إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ’’(11) وقولِه تعالى: ’’إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا’’(12).

إذن فالحقوقُ التي يفتخرُ دعاةُ الليبراليَّة بتأصيلِها قد سبقَ إليها الإسلامُ بمئاتِ السنين، نعم ثمةَ فرقٌ جوهريٌّ بين الرؤيةِ الإسلاميَّة والرؤيةِ الليبراليَّة فيما يتَّصلُ بحدودِ هذه الحقوقِ، فمثلاً حقُّ الإنسانِ في اعتمادِ أيِّ رأيٍّ يراه وحقُّه في ابداءِ هذا الرأي وحقُّه في سلوكِ مؤدَّى هذا الرأي، هذا الحق من جميعِ زواياه حقٌّ مكفولٌ للإنسانِ في شريعةِ اللهِ تعالى، وليس لأحدٍ من الناسِ -أيَّا كان- مصادرةُ حقَّه في ذلك، إلا انَّ هذا الحقَّ وإنْ كان مطلقاً بالإضافة لسائرِ الناسِ لكنَّه محدودٌ بأوامرِ اللهِ ونواهيه، فللإنسانِ أن يتبنَّى ما يشاءُ وأنْ يفعلَ ما يشاءُ وأنْ يقولَ ما يشاءُ ما لم تكن مشيئتُه فيما يقولُ وما يفعلُ وما يتبنَّي منافيةً لمشيئةِ اللهِ وإرادتِه وشرائعِه، فالإنسانُ بالاضافةِ للهِ عبدٌ لله، فهو ليس حُرَّا بالإضافةِ لله، يقول الله تعالى: ’’وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا’’(13) وهذا هو الفارقُ الجوهريُّ بينَ الإسلامِ والليبراليَّة، فالليبرالية ترى أنَّ الإنسانَ حرٌّ طليقٌ ومستقلٌّ في كلِّ شيءٍ حتى بالإضافةِ لله تعالى وشريعتِه وقيمِ الدين، فله الحقُّ أن يتبنَّى ما يناقضُ دينَ اللهِ، وله الحقُّ أنْ يفعلَ ما حرَّمَه اللهُ، وله الحقُّ أنْ يتركَ ما فرضَه اللهُ تعالى، وله أنْ يتجاوزَ قيمَ الدين، فهو مستقلٌّ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى كما هو مستقلٌّ بالإضافة إلى سائرِ الناس، ولا يحدُّ إرادتَه من شيءٍ كما لا يحدُّ سلوكَه شيءٌ إلا أنْ يترتَّب على سلوكِه ضررٌ شخصيٌّ على الغير، وأما الأضرار العامة فلا تحدُّ حريةَ الإنسانِ بنظرِهم أو بنظرِ أكثرِهم، فمعالجةُ الأضرارِ العامَّة بنظرِهم خاضعة للتوازناتِ والمصالحِ المتبادلةِ وليست خاضعةً للقيم.

وممَّا ذكرناه يتَّضحُ أنَّه ليس لأحدٍ أن يدَّعي لنفسِه أنَّه ليبراليٌّ متديِّن، فإمَّا أنْ تكونَ ليبراليَّاً أو تكونَ متديِّناً فالمنهجانِ على طرفي نقيضٍ، ودعوى امكانيَّةِ التوفيقِ بين المنهجينِ لا تعدو الوهمُ الناشئَ عن الجهلِ بجوهرِ الفرقِ بين المنهجينِ أو الناشئَ عن كيدِ المسوِّقين وإرادتهم التلبيسَ على مَن يجهلُ بحقيقةِ الفرقِ بين المنهجينِ، ولولا محدوديَّةُ الوقتِ لأفضنا الحديثَ حولَ الآثارِ الكارثيَّةِ على الدينِ والقيمِ والاقتصاد والسياسةِ المترتِّبة على اعتمادِ المنهجيَّة الليبراليَّة، فحذارِ من الانخداعِ ببريقِ الشعاراتِ والإيحاءِ بالامتنانِ علينا بهذه الشعاراتِ، نعم لا مانعَ من التعايشِ والتعاونِ اليقِظ مع المعتمدينَ للرؤيةِ الليبراليَّة بل إنَّ مقتضى الخُلقِ والتعقُّلِ هو التعاون اليقظُ لتحقيقِ الأهدافِ المشتركةِ في حدودِ ضوابطِ الدينِ وقيمِه المبتنيةِ على التسامحِ.


الهوامش:

2- سورة الذاريات / 56.

3- سورة النساء / 80.

4- سورة النساء / 59.

5- سورة الأعراف / 157.

6- الكافي -الشيخ الكليني- ج 8 ص 69.

7- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ج 3 ص 51.

8- سورة الحجرات / 13.

9- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف -عبد العظيم المنذري- ج 3 ص 612.

10- مستدرك الوسائل -ميرزا حسين النوري الطبرسي- ج 12 ص 89.

11- سورة النحل / 90.

12- سورة النساء / 58.

13- سورة الأحزاب / 36.

2020/11/16

في يده ’’خواتم’’ ويحمل ’’مسبحة’’ .. من هو المتديّن؟! (فيديو)

المجتمع صاغ مجموعة من المعايير لوضع صورة للمتدين، بحيث إذا رأى أحدهم شخصا انطبعت عليه هذه الصورة قال عنه هذا متدين ويعتبرها المجتمع صورة مثالية ويحاكم على أساسها باقي الأفراد.

فهل هناك ضرر ناجم عن الصورة النمطية في الذهن عن التدين؟

الجواب، نعم، هذا الأمر يتحول إلى مشكلة إذا جعلنا الصورة هي معيار تدين الناس، فمن لم نجده مصداقاً لهذه الصورة نحكم عليه بأنه ليس متديناً، ونسلب عنه صفة التدين فقط لأن صورته العامة لا تنطبق على هذا القالب الموجود في الذهن.

إذاً، ما هي مقاييس التدين الحقيقية؟

الإجابة مع سماحة الشيخ الفاضل أحمد سلمان في الفيديو أدناه:

2020/11/13

مزّقوا وحشتهم... هل يعلم الأموات بمن يزور قبروهم؟!
​هل صحيح أنَّ الميِّت يعلمُ بمَن يزوره عند قبره؟ وماهو الدليلُ على ذلك من النصوص الشرعيَّة؟

نعم فقد ورد ذلك عن أهل البيت (ع) في رواياتٍ عديدة تبلغ حدَّ الاستفاضة، وفيها ما هو معتبرٌ سنداً، وقد أفاد بعضُ هذه الروايات أنَّ الميَّت يأنسُ بمَن يزورُه وأنَّه ينتفعُ بدعاء مَن يزوره وبما يتلوه عند قبره من القرآن، وأنَّ الميِّت يفرحُ بذلك كفرح أحدكم بالهديَّة، واشتمل بعضُ هذه الروايات على إفادة أنَّ قبري الأبوين من مواطن استجابة الدعاء، فمَن كانت له حاجة فليذهب إلى قبر أبيه أو أُمِّه فيدعو لهما ثم يدعو لنفسه فيُستجاب له -إنْ شاء الله تعالى- لدعائه لهما.

ولتوثيق ما ذكرناه ننقل بعض ما ورد في ذلك من الروايات عن أهل البيت (ع):

منها: ما رواه الصدوق بسندٍ معتبرٍ عن محمد بن مسلم قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع): الموتى نزورهم؟ قال: "نعم، قلتُ: فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟ فقال: إي والله إنَّهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم، ويستأنسون إليكم"(1).

ومنها: ما رواه الكليني بسندٍ معتبرٍ عن جميل بن درَّاج، عن أبي عبد الله (ع) في زيارة القبور قال: "إنَّهم يأنسونَ بكم، فإذا غِبتم عنهم استوحشوا"(2).

ومنها: ما رواه الكليني أيضاً بسنده عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن (ع) قال: قلتُ له: المؤمن يعلم مَن يزور قبرَه؟ قال: "نعم لا يزالُ مستأنساً به ما زال عند قبره، فإذا قام وانصرف من قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة"(3).

ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي في المجالس والأخبار بسنده عن عبد الله بن سليمان عن الباقر (ع) قال: سالتُه عن زيارة القبور قال: إذا كان يوم الجمعة فزُرْهم، فإنَّه مَن كان منهم في ضيق، وُسِّع عليه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يعلمون بمَن أتاهم في كلِّ يوم فإذا طلعت الشمس كانوا سدى، قلتُ: فيعلمون بمَن أتاهم، فيفرحون به؟ قال: "نعم، ويستوحشون له إذا انصرفَ عنهم"(4).

أقول: إنَّ استحياش الموتى بانصراف مَن يزورُهم بعد أُنسهم بزيارتهم لهم ليس مطَّرداً لكلِّ الموتى ظاهراً، فمنهم مَن لا يستوحش بانصراف مَن يزوره عن قبره وإنْ كان يأنس بزيارة مَن يزورُه، ويشهد لذلك معتبرة صفوان بن يحيى قال: قلتُ لابي الحسن موسى بن جعفر (ع): بلغني أنَّ المؤمن إذا أتاه الزائر أنِسَ به، فإذا انصرف عنه استوحش، فقال: لا يستوحش"(5).

فإنَّ ظاهر المعتبرة أنَّ المؤمن لا يستوحش إذا انصرف عن قبره مَن يزورُه، ولعلَّ المراد من المؤمن في الرواية هو ذو المرتبة المتميِّزة من الإيمان.

ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أميرُ المومنين (ع): "زوروا موتاكم فإنَّهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدُكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أُمِّه بما يدعو لهما"(6).

ورواه الصدوق في (الخصال) بسندٍ معتبر عن عليٍّ (ع) في حديث الاربعمائة بإختلافٍ يسير قال: قال أميرُ المؤمنين: "زوروا موتاكم فإنَّهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب الرجل حاجتَه عند قبر أبيه وأمٍّه بعد ما يدعو لهما"(7).

ومنها: ما رواه الرواندي في الدعوات عن داود الرقِّي قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع): يقومُ الرجلُ على قبر أبيه وقريبِه وغير قريبه، هل ينفعُه ذلك؟ قال: "نعم، إنَّ ذلك يدخلُ عليه كما يدخل على أحدكم الهدية يفرحُ بها"(8).

فمثل هذه الروايات وكذلك غيرها صريحٌ في أنَّ الميِّت يعلمُ بمَن يزوره ويأنسُ بزيارته، ولا محذور في ذلك عقلاً بعد أن كان الإدراك من شؤون الروح وليس من شؤون الجسد، ثم إنَّ القضية من شؤونات الغيب فلا سبيل إلى إنكارها أو إثباتها إلا بواسطة الوحي، فإذا ورد عن أهل بيت الوحي (ع) ما يتَّصل بهذه الشؤونات وغيرها وثبتَ عنهم ذلك وجبَ الإقرار والإذعان به، لأنَّهم إنَّما يُخبرون عن وحيِّ الله تعالى الذي أوحاه إلى نبيِّه الكريم (ص) قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (9) وقال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (10).


الهوامش: 1- من لا يحضره الفقيه الشيخ الصدوق ج 1 ص 181. 2- الكافي -الشيخ الكليني- ج 3 ص 228. 3- الكافي -الشيخ الكليني- ج 3 ص 228. 4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 7 ص 415. 5- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 3 ص 222. 6- الكافي -الشيخ الكليني- ج 3 ص 230. 7- الخصال -الشيخ الصدوق- ص 618. 8- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 99 ص 296. 9- سورة البقرة / 285. 10- سورة المزمر / 33.
2020/11/07

بعيداً عن فكرة «العذاب»: لماذا نخاف من الموت؟!
هنالك فردان يخافان من الموت؛ أحدهما من يفسّره بمعنى العدم والفناء المطلق، و الآخر من كانت صحيفة أعماله سوداء و مظلمة، أمّا من لم يكن من هؤلاء ولا اولئك فما مبرر خشيته من الموت، أفهناك شي‏ء يفقده من جراء الموت؟ مشهورة هي حكاية «ماء الحياة» و التي تتناقل بسرعة فائقة حيث أقدم الإنسان منذ قديم الأيام بالبحث عن شي‏ء يسمى «إكسير الشباب» و قد نمقوه بالأساطير و الخرافات و عقدوا عليه الآمال.

[اشترك]

و لعل القضية تفيد حقيقة تكمن في خشية الإنسان من الموت وحبّه لمواصلة الحياة و الهروب من نهايتها، على غرار إسطورة «الكيمياء» تلك المادة الكيميائية الخفية التي لو أُضيفت على النحاس الذي لا قيمة له جعلته ذهباً ذا قيمة باهضة، و التي تفيد خوف الإنسان من الفقر الاقتصادي و مدى سعيه للحصول على الثروة. و إسطورة إكسير الشباب هي الأخرى تعكس هلع الكهولة و الضعف والتآكل و بالتالي الموت و نهاية الحياة.

إنّ أغلب الناس يخشون الموت و يهربون من مظاهره و يشمأزون من إسم المقبرة و يسعون جاهدين لاطماس الماهية الأصلية للقبور من خلال تزيينها و إضفاء بعض الجمالية عليها، حتى أنّهم يلجأون إلى‏ تحذير الأفراد من بعض الأشياء الخطرة- غير الخطرة التي لايريدون للآخرين أن يقتربوا منها أو يخربوها من خلال الكتابة عليها «خطر الموت» و يرسمون عليها صورة لعظمين من عظام ميت في حالة علامة في خلف جمجمة جوفاء خالية من الروح تطالع الإنسان. و قد حفلت النتاجات الأدبية لمختلف أصقاع الدنيا بما يفيد خوف الإنسان من الموت، فبعض العبارات من قبيل «هيولا الموت»، «شبح الموت»، «صفعة الموت» و «مخالب الموت» و ما إلى‏ ذلك من التعبيرات التي تدل على‏ مدى‏ القلق والهلع و الاضطراب. كما يؤيد ذلك القصة المعروفة بشأن رؤيا هارون الرشيد- الذي رأى‏ في المنام سقوط جميع أسنانه- فعبّر له شخصان تلك الرؤيا قال الأول: يموت جميع أفراد أهلك قبلك. و قال الثاني: إنّ عمر الخليفة سيكون أطول من جميع قرابته، فما كان ردّ فعل هارون الرشيد إلّاأن وهب الثاني مئة دينار، بينما جلد الأول مئة جلدة، فهذا دليل آخر على‏ خشية الإنسان من الموت.

و ذلك لأنّ الفردين عبّرا عن حقيقة واحدة، إلّاأنّ أحدهما ذكر الموت بالنسبة لقرابة الخليفة فكان جزاؤه مئة جلدة، وعبّر الآخر عن ذلك الموت بطول عمر الخليفة فتناول مئة دينار!. ناهيك عن كل ما سبق فقد إعتاد الناس بعض الأمثال و العبارات التي تكشف عن مدى‏ خشيتهم من الموت، فإذا أرادوا مثلًا تشبيه فرد بآخر ميت في قضية إيجابية خاطبه قائلًا «إسم اللَّه عليك» أو «أبعد اللَّه عنك» ذلك، أو فليخرس لساني سيصبح الأمر بعدك كذا و كذا، أو ترتيب الأثر على كل شي‏ء يبعد احتمال الموت أو يكون مؤثراً في طول العمر، و إن بدا خرافة تماماً ولا أساس له و كذلك أدعيتهم التي تتضمن كلمة الدوام و الخلود من قبيل: دام عمره، دام مجده، دامت بركاته، خلد اللَّه ملكه، أطال اللَّه عمره و كل عام و أنتم بخير و ...! و التي تشكل كل واحدة منها دلالة على‏ هذه الحقيقة. طبعاً لا يمكننا إنكار وجود بعض الأفراد النادرين الذي ليس لهم أدنى خشية من الموت، حتى أنّهم يسارعون لاستقباله، إلّاأنّهم قلائل، كما أنّ العدد الحقيقي أقل بكثير من اولئك الذين يزعمون ذلك.

ما مصدر هذا الخوف و القلق من الموت؟

عادة ما يخشى الإنسان «الزوال» و «العدم». يخشى «الفقر»، فهو زوال الثروة. يخشى «المرض» لأنّه زوال السلامة و العافية. يخشى «الظلمة» حيث ليس فيها نور. يخشى «الصحراء» و قد يخشى «الدار الخالية» لأنّه لا أحد فيها. بل يخشى الميت حيث لاروح فيه، و الحال لايخشى ذلك الشخص حين كان على قيد الحياة و الروح فيه! و بناءاً على ما تقدم فإن خشي الإنسان الموت فذلك لأنّه يراه «فناءاً مطلقاً» و عدماً لكل شي‏ء. و إن خشي الزلزلة و الصاعقة و الحيوان المتوحش، فذلك لأنّها تهدد وجوده بالفناء و العدم.

طبعاً لايبدو هذا الأمر غريباً من وجهة النظر الفلسفية، لأنّ الإنسان «وجود» و الوجود ينسجم مع الوجود الآخر، بينما ليست له أية سنخية وتناسب مع العدم، فما عليه إلّاالفرار و الهرب منه، لم لايهرب؟ إلّا أنّ هناك قضية مهمّة هنا لاينبغي الغفلة عنها و هي: كل هذه الأمور صحيحة إذا فسّر الموت بمعنى الفناء و العدم و نهاية كل شي‏ء، و الحق لو فسّر كذلك فليس هناك شي‏ء أعظم رهبة منه، و كل ما قيل بخصوص هيولا الموت هو عين الصواب. أمّا إن إعتبرنا الموت- كولادة الجنين من بطن أمّه- ولادة أخرى و آمنا بإنّ اجتيازنا لهذا الممر الصعب يعني وضع أقدامنا في عالم أوسع و أشمل وأكمل من هذا العالم و هو مليى‏ء بأنواع النعم التي يصعب علينا تصورها في ظل الظروف الراهنة و الحياة الفعلية. و خلاصة القول فإن اعتبرنا الموت أكمل و أسمى من هذه الحياة، و التي لا تعد سوى سجناً إن قارناها بالحياة في ذلك العالم، فمن الطبيعي سوف لن تعد للموت مثل هذه المعاني التي تشير الخوف و الهلع و النقرة لدى‏ النفس، وستكون له معاني جمالية رائعة قريبة من القلب محببة إلى‏ النفس.

لأنّه إن سلب من الإنسان جسمه زوده بالأجنحة ليحلق بها في سماء الأرواح الشفافة اللطيفة التي تفوق التصور و الخيال و الخالية من كافة أشكال الإقتتال و التراع و العداء و الهموم و الغموم. و هنا نتذكر ذلك الشاعر الذي له مثل هذه الأفكار و هو يأمر حكيماً عالماً بلغة الشعر: فلتمت أيّها الحكيم من مثل هذه الحياة، فالموت من هذه الحياة لايعني سوى البقاء، و لتحلق بأجنحتك كالطيور فتطوي تلك المسيرة الكاملة، ولا تخشى من الحياة التي تنتظرك فالخشية لابدّ أن تكون من هذه الحياة الضيقة المحدودة. فمن البديهي أنّ من ينظر هكذا إلى‏ مسألة الموت لن يقول أبداً أنّ الموت حالة عبثية لا طائل من وراءه أو هو إنتحار و قتل للنفس، بل يراه حقيقة سامية يحث الخطى من أجل معانقتها، و ما أجمله إن كان وسيلة لبلوغ الأهداف المقدسة و السامية، و خلاص الإنسان من الذلة و الخنوع والبؤس و الشقاء.

العنصر الآخر لخشية الموت‏

هناك طائفة أخرى‏ تخشى الموت لا لأنّه يعني الفناء و العدم المطلق، بل لأنّ صحيفة أعمالهم بلغت درجة من الاسوداد و الظلمة بحيث يشاهدون بأم أعينهم ما سيترتب عليها من جزاء أليم و عذاب شديد سيطالهم بعد الموت، أو على الأقل أنّهم يحتملون ذلك. فهؤلاء أيضا محقون في خشيتهم الموت، لأنّهم بمثابة المجرم الذي اقتيد من قضبان السجن و حمل إلى‏ المقصلة، طبعاً الحرية و الخلاص مطلوب، لكن لا التحرر من السجن نحو المشقة! فحرية هؤلاء من سجن البدن أو سجن الدنيا يتزامن و حركتهم نحو المقصلة، «المقصلة» لا بمعنى الإعدام بل بمعنى العذاب الأسوأ منه. ولكن ما بال اولئك الذين يخشون الموت و لايرونه فناءاً وعدماً، كما ليس لهم من صحيفة أعمال سوداء؟ لِمَ يرهبون الموت في سبيل تحقيق الأهداف المقدسة؟ لماذا؟ ...

يتبع...

2020/11/03