فكر وثقافة
ضرّتان لا تجتمعان: هل تتصالح الدنيا مع الآخرة؟!

ما صحة الحديث المنسوب للإمام الحسن (ع): إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبد، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا؟

[اشترك]

إن هذا الحديث تارةً يُنسب الى رسول الله (صلى الله عليه واله) مرسلاً -من دون سند- كما في كتاب (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، ج ٢، ورام بن أبي فراس المالكي الأشتريّ، ص ٢٤١). وتارةً ينسب الى الإمام الكاظم (عليه السلام) مرسلاً، بعنوان روي عن العالم، كما في كتاب (من لا يحضره الفقيه، ج ٣، الشيخ الصدوق، ص ١٥٦، وجامع أحاديث الشيعة، ج ١٧، السيد البروجردي، ص35). وتارةً ينسب إلى الإمام الحسن عليه السلام مسنداً في كتاب كفاية الأثر عن محمد بن وهبان البصري عن داود بن الهيثم بن إسحاق النحوي عن جده اسحق بن البهلول عن أبيه بهلول بن حسان عن طلحة بن زيد الرقي عن الزبير بن عطا عن عمير بن هاني العنسي عن جنادة ابن أبي أمية عن الحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما. والإسناد ضعيفٌ لجهالة بعض الرواة.

فيظهر مِـمّا تقدّم أنّ الحديث من جهة الإسناد ضعيف إمّا لكونه مرسلاً، وإمّا لجهالة بعض رواته كما هو مقرّر في علم الحديث، لكنْ مع ملاحظة أنّ هذا الحديث وإنْ كان ضعيفاً من جهة السند، لكنْ متنه مشهور عند جميع الفرق الإسلاميّة، ورأينا كثيراً من العلماء يعدّون معناه صحيحاً وإنْ كان إسناده ضعيفاً، هذا فضلا عن وجود رواية معتبرة بالمضمون نفسه تقريباً تعضد هذه الرواية، رواها ثقة الإسلام الكلينيّ (ره) في كتاب الكافي (2/87) بإسناده إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت - يعني المفرط - لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما واحذر حذر من يتخوف أن يموت غدا.

كيف نجمع بين هذا الحديث الذي يحثُّ على العمل لأجل الدنيا، وبين الأحاديث الكثيرة التي تذمّ الدنيا؟

الجواب عن ذلك كما يرى غير واحد من أهل العلم بأنّ الإسلام حين جاء استطاع بحكمته البالغة، وإصلاحه الشامل، أن يشرّع نظاماً خالداً، يؤلّف بين الدين والدنيا، ويجمع بين مآرب الحياة وأشواق الروح، بأسلوب يلائم فطرة الانسان، ويضمن له السعادة والرخاء . فتراه تارة يحذّر عشّاق الحياة من خُدعها وغرورها، ليحرّرهم من أسرها واسترقاقها، كما صورته الآثار السالفة [ يعني بذلك ما ورد من آثار في ذمّ الدنيا عن أئمّة أهل البيت ( ع )]، وأخرى يستدرج المتزمتين الهاربين من زخارف الحياة إلى لذائذها البريئة وأشواقها المرفرفة، لئلا ينقطعوا عن ركب الحياة، ويصبحوا عرضة للفاقة والهوان. قال الصادق عليه السلام: «ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه». وقال العالم عليه السلام: «إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا».

وبهذا النظام الفذ ازدهرت حضارة الإسلام، وتوغّل المسلمون في مدارج الكمال، ومعارج الرقيّ الماديّ والروحي.

وعلى ضوء هذا القانون الخالد نستجلي الحقائق التالية:

1 - التمتع بملاذ الحياة، وطيّباتها المحلّلة، مستحسن لا ضير فيه، ما لم يكن مشتملاً على حرام أو تبذير، كما قال سبحانه: « قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ».( الأعراف: 32 ) . وقال أمير المؤمنين عليه السلام: « اعلموا عباد اللّه أنّ المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا، وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظى به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المُبلّغ والمتجر الرابح» .

2 - إن التوفّر على مقتنيات الحياة ونفائسها ورغائبها، هو كالأول مستحسن محمود، إلّا ما كان مختلساً من حرام، أو صارفاً عن ذكر اللّه تعالى وطاعته . أما اكتسابها استعفافاً عن الناس، أو تذرعاً بها إلى مرضاة اللّه عز وجل كصلة الأرحام، وإعانة البؤساء، وإنشاء المشاريع الخيرية كالمساجد والمدارس والمستشفيات، فإنّه من أفضل الطاعات وأعظم القربات، كما صرح بذلك أهل البيت عليهم السلام :

قال الصادق عليه السلام: « لا خير فيمن لا يجمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه ». وقال رجل لأبي عبد اللّه عليه السلام: « واللّه إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نُؤتاها . فقال (ع): تحب أن تصنع بها ماذا ؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصِلُ بها، وأتصدق بها، وأحج، وأعتمر . فقال أبو عبد اللّه: ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة ».[ينظر كتاب (أخلاق أهل البيت (ع) للسيّد مهديّ الصدر، ص133 وما بعدها].

2021/10/17

تطوّر ممزوج بـ ’البربرية’: دول حضارية مارست القتل والتمييز العرقي!

الحضارة ح2

إن المشكلة البشرية تكمن في اعتماد هذه المفاهيم على أنها السبيل لتحقيق الإنسانية.

 [اشترك]

فحين يتثقف الإنسان أو تتطور حياته علميا وتكنلوجيا سيخلصه ذلك من عوالق البربرية، وهذا هو الخطأ، إن فرعون مصر في قمة التطور العلمي والتكنلوجي لمصر كان لاينفك عن قتل مئات الأطفال، وفي ذروة النضج الثقافي التي شهدته فرنسا أقدمت على قتل مليون ونصف شهيد جزائري، وبريطانيا العظمى قد تسببت بقتل الملايين من أبناء مستعمراتها لأنهم نادوا بالاستقلال والحرية، أي أن هذه الدول ذات الرصيد الحضاري العالي قامت بقتل أضعاف ماقام به التتار الهمج طوال رحلتهم الحربية من شرق آسيا الى مصر، وحتى على صعيد السلوك الإنساني نجد أن ثمة انفكاكا بين رصيد المجتمع من هذه المعايير وما يحمله أبناء المجتمع من صفات وسلوك، إذ يذكر وول ديورانت في كتابه قصة الحضارة في الجزء الأول أن آكلي لحوم البشر في مجاهيل التاريخ كانوا يمتازون جملة من الصفات الحسنة فهم يحترمون المرأة ويعيبون على المرء أن يرفع صوته اثناء الحديث.

إن اعتماد هذه المفاهيم كمعيار للقياس، قد أدى الى تكتيل الجماعات البشرية على أساس البلد أو القومية أو الجنس، ليحسب بعد ذلك صنع الحضارة، لهذا البلد أو لتلك الأمة، أي أن فارق البلد أو القومية أو الجنس يكون من صميم التمايز الحضاري، وهذا ما أدى الى أن يكون التقدم الحضاري دافعا لتعزيز حس التكتل كالقومية أو الجنس على حساب المشترك الإنساني، فالنازية مثلا جاءت كنتيجة لتصاعد الحس القومي عند الألمان تجاه الجنس الآري والأمة الألمانية وراحت تعلن حروب الإبادة على أساس عرقي، كان هذا بسبب الزهو الذي أحسه الألماني إزاء الأعداد الكبيرة التي أنتجتهم الأمة الألمانية من مفكرين وعلماء ومبدعين. ويؤدي هذا بدوره إلى مايعرف اليوم بصدام الحضارات لأنه أدى من قبل إلى التسابق على التحلي بهذه المعايير، وحتى إن تجاوزت الدولة مفهوم الصدام، وحاولت الاتصال بدول أخرى لمد أسباب الرقي فيها، فهي حين تعتمد هذه المفاهيم سيؤدي إلى نتيجة معكوسة، وكمثال ماقامت به المانيا وفرنسا من دخول إلى دول أفريقيا بمدعى أنها تنقل إليها الحضارة، فهذه المفاهيم قد عززت الحس القومي عن الالمان والفرنسيين في أنهم أصحاب حضارة وشعوب أفريقيا أقرب إلى البربرية، إضافة إلى عقيدة التمايز العرقي، فانتهى الأمر بأن قامت هاتان الدولتان بحروب إبادة لتلك الشعوب وزجت بآلاف الأفارقة في خطوط النار والموت في الحرب العالمية الأولى.

2021/10/16

هل فهمناه لنسأل: ماذا يتوقع الإنسان من ’الدين’؟!

من المؤكد أن الإجابة تتوقف على فهم السؤال ووضعه في سياقه المعرفي، والذي يقودنا إلى التدقيق في السؤال هو اعتقاد البعض أن دين كل إنسان ما يتوقعه من الدين.

[اشترك]

وبذلك لا يكون للدين مفهوماً واضحاً ومنضبطاً وإنما يتباين بقدر توقعات الجميع، فمفهوم الدين بهذا المعنى يتكون لدى الإنسان بحسب موقعه المعرفي أو بحسب ما يحمله من أفق ثقافي، وبذلك يصبح الدين مجرد انطباع ذاتي يختلف من توقع إنسان لآخر، وهذا خلاف الاعتقاد بأن الدين هو حقائق موضوعية كاشفة عن حقائق واقعية سواء توقعها الإنسان أو لم يتوقعها، فالإنسان قبل أن يكون ابن البيئة الاجتماعية والثقافية وقبل أن يتشكل وعيه المعرفي بحسب تلك البيئة لابد أن يسلم بوجود حقائق سابقة لوجوده، وهذه الحقائق لا يمكن أن تتبدل بحسب انطباعاته ومزاجه الشخصي، فالإنسان جزء من نظام وجودي له سنن وغايات لا يمكن أن تتأثر بالموقع المعرفي للإنسان، وليس أمام الإنسان إلا التعرف عليها كما هي ومن ثم التأقلم معها سلوكياً وحضارياً، والدين من هذا المنظور هو التعبير عن ذلك النظام سنناً وغايات وقيم وتشريعات، والحقيقة الأولى التي يجب الاعتراف بها أن لهذا الوجود خالق ولهذا الخالق إرادة وغاية وحِكمة، وإن رسالة الخالق للإنسان هي الكاشفة عن تلك الإرادة والمبينة لتلك الغاية والحِكمة، وعلى الإنسان التعرف عليها كما هي ومن ثم التأقلم معها، قال تعالى: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) فالمرتكز الذي يبني عليه الإنسان وعيه هو أنه لم يكن ثم كان، الأمر الذي يقوده حتماً للتعرف على من أوجده بعد أن لم يكن موجوداً، ولذا جاء بعد هذه الآية مباشرة قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) والإشارة إلى كونه سميعاً بصيراً تؤسس لدور الإنسان في معرفة الحقائق ومن ثم مسؤوليته اتجاه تلك الحقائق، ولذا جاء بعدها مباشرة قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) فالذي يسلم بالحقائق ويمضى في حياته على وفقها يكون شاكراً أما الذي يريد من الوجود أن يمضي بحسب هواه يكون كافراً ومنكراً للحقائق، ومن هنا من الطبيعي أن يكون هناك جزاء يتناسب من خيارات كل إنسان، ولذا جاءت الآية بعدها بقوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا).

وعليه فإن الدين هو رسالة الله الكاشفة عن فلسفة الوجود وحقائق الخلقة وغاياته النهائية، والإنسان المتدين هو الذي يكيف حياته على أساس تلك الحقائق من غير أن يفرض توقعاته الخاصة ومن ثم يؤول الدين بما يخدم تلك التوقعات، ومن هنا فإن السؤال عن ماذا نتوقع من الدين؟ لا يمكن قبوله لأن التسليم به تسليم بكون الدين حالة ذاتية متباينة من شخص لآخر بينما الدين حقائق موضوعية يجب التعرف عليها كما هي بدون البحث عن التوقعات الشخصية، وهذا لا يكون إلا بالتسليم للحق والانقطاع التام له، وقد لخص الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة في أروع العبارات بقوله: (لَاَنْسُبَنَّ الْإِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي. الْإِسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ، وَالْأَدَاءُ هَوَ الْعَمَلُ) فقد أكد سلام الله عليه على أن الدين حقائق واقعية تحتاج إلى التسليم لها، وأن التسليم لا يتحقق إلا بعد اليقين بوجودها، وإن اليقين بها يحتاج إلى التصديق بها كما هي من دون تأويل أو تحريف، وهذا لا يكون إلا بالإقرار بما للحقائق من حقيقة، وكل ذلك يقود الإنسان إلى التكيف معها والعمل بحسب مقتضاها.

2021/10/01

فرض الاسلام ليس استبداداً -4-

لا شك أن فيما انتهى اليه لقاء نصارى نجران بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من إفحام للنصارى واللجوء الى المباهلة والتي انتهت بانسحابهم ورفضهم المباهلة دليلاً بيّناً على ذلك.

[اشترك]

في تفسير القمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) "أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد - وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلوا - فقال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال: دعوهم. فلما فرغوا دنوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إلى ما تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن عيسى عبدٌ مخلوقٌ يأكل ويشرب ويحدث. قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال قل لهم ماتقولون في آدم، أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: نعم. فقال: من أبوه؟ فبهتوا فأنزل (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...)، وقوله (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم... إلى قوله (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فباهلوني، فإن كنت صادقاً أنزلت اللعنة عليكم وإن كنت كاذباً أنزلت علي. فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة.

فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبياً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله فإنه لا يقدم إلى أهل بيته إلا وهو صادق، فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه وختنه (حبيبه) علي بن أبي طالب وهذه ابنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجزية وانصرفوا" .

ومن الجدير بالملاحظة أن لعنة الله هنا هي على الطرف الذي يمثله النبي (صلى الله عليه وآله) إذا كان قد ادّعى النبوة كذبا، أوعلى النصارى إذا كانوا قد ادّعوا عدم اقتناعهم بما قدمه لهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حجج وأدلة، فيكون انسحابهم من المباهلة إقراراً منهم باقتناعهم وتصديقهم له.

ورغم هذا فالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يجبرهم على اعتناق الإسلام بل تركهم ومايريدون من عقيدة.

والجزية التي تصالحوا عليها لم تكن كما يصوّر البعض وكأنها الأتاوة التي يفرضها الأقوياء على الضعفاء استغلالاً وقهراً، وإنما هي ضريبة يدفعها النصراني مقابل حقوق له كمواطن في دولة الإسلام، وبهذا يكون قد تساوى مع المسلم الذي يتنعم بحقوق المواطنة مقابل ضريبة يدفعها تتمثل بالزكاة والخمس وغيرها.

ويتجلى هذا في حادثتين من السيرة الوضاءة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الأولى حين جعل المرأة المسيحية كالمرأة المسلمة فيغضب على سفيان بن عوف عشية انتهاكه لحرمات المسيحيين والمسلمين في العراق فيقول (ولقد بلغني أن الرجل كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجابها.) ثم يقول (فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً).

ثمّ يوقّع بيمينه على وثيقة حماية المسيحيين: "لا يُضاموا، ولا يُظلموا، ولا ينتقص حق من حقوقهم فأموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا". ثم يأمر (عليه السلام) بجعل دية المسيحي كدية المسلم.

والثانية أنه كان (عليه السلام) يتمشى في الكوفة فشاهد رجلاً من أهل الذمة (مسيحياً) يتسول، فما كان منه إلا أن أرسل إلى صاحب بيت المال وهو الصحابي أبو رافع فقال له: كيف تتركون رجلاً في بلاد المسلمين ولا تجعلون له عطاءً من بيت المال؟ فقال له أبو رافع: يا أمير المؤمنين إنه من أهل الذمة مسيحي. عند ذلك ابتدره ونهره وقال له:  أتاخذون من الرجل ما يمكن أخذه من عمل وجهد وهو شاب ورجل، وتتركونه وتنبذونه وراءكم عندما يصبح شيخاً؟ وهذا ليس بخلق الإسلام والله. وأمر له بعطاء من بيت المال وتكريمه.

2021/09/26

الحرية بين التوحيد والإلحاد

ناقشنا في مقال سابق تحت عنوان (المجتمع الإنساني بين الإلحاد والتوحيد) قدرة الإلحاد فلسفياً على تقديم رؤية أخلاقية وقيمية يقوم على أساسها المجتمع الإنساني، وقد تبين أن الإلحاد فلسفة عدمية لا يمكن أن تشكل ركيزة لأي مشروع اجتماعي...

[اشترك]

وكان من الضروري الوقوف على خياراته العملية التي يمكن أن يتبناها كمشروع اجتماعي يسعى لتحقيقها، فبما أن الإلحاد الجديد يحمل رؤية مناهضة للأديان لابد له من تبني بديل اجتماعي، وإلا لما كان مشروعاً مناهضاً ولا كان وجوده خطراً على الأديان.

 يبدو أن الخيار الأكثر قرباً للإلحاد الجديد هو المجتمع القائم على الحريات، سواء كانت حرية مطلقة أو منضبطة، فالحرية تؤسس في بعض معانيها خيارات متمردة لا تعترف بالحدود ولا تؤمن بالممنوع، أي الحرية المطلقة التي لا تحجزها موانع، وهناك الحرية التي تتخذ من العيش المشترك مسارات توازن فيها بين حريات الجميع، أي الحرية ضمن المقاربة المنضبطة، وكلا الخيارين المتمرد والمنضبط له أنصاره من بين الملحدين، فالإلحاد العدمي لا يؤمن بوجود أي قيمة رادعة لحرية الإنسان، فالخير والشر، والحُسن والقبح، ليست ذات معايير موضعية ثابتة وإنما تابعة لذوق الفرد يتحكم فيها بحسب ما يمليه هواه، يقول البروفيسور هوستن سميث أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية: "الخطر الذي يطارد النسبية هو أن تصل في النهاية الى العدمية الإنكارية، في تلك النهاية القصوى تنهار النسبوية إلى وجهة نظر ترى أن لا شيء أفضل من أي شيءٍ آخر، وهذه فلسفة غير صالحة للعيش"[1] 

 أما الإلحاد الأكثر عقلانية فإنه يتبنى الحرية ضمن ما تتيحه الثقافة الليبرالىة، والتي تمنح الأفراد حرية ضمن إطار القانون الذي يفرضه الناظم المجتمعي، وبرغم أن القيم الليبرالىة نفسها قيم نسبية إلا أنها تحظى بتوافق العقل الجمعي من أجل تحقيق منافع متبادلة، ومن هنا لا يمكن مقايسة أو مشابهة الليبرالىة بالحرية التي يمنحها الإسلام للأفراد؛ وذلك لأن الليبرالىة لا تؤمن بوجود سلطة غيبية لها الحق في توجيه الأفراد أو تحديد خياراتهم خارج حدود المنفعة الدنيوية.

مع أن هناك تيار من الملحدين العرب ينادون في صفحات التواصل الاجتماعي بالحرية المطلقة ويتحدثون عن حريات بكل المقاييس لا أخلاقية، إلا أن التيار المؤثر والأكبر هو التيار الذي مازال متأثراً بالأخلاقيات الإسلامية، ولذا من حقهم علينا أن نحملهم على أفضل الخيارات الممكنة ونحصر النقاش في الليبرالىة الأكثر انضباطاً وعقلانية.

ومن الضروري لفت النظر بأن نقاشنا هنا ليس في الليبرالىة ضمن سياقها الفلسفي الذي ولدت فيه، وليس جهدي منصباً في إبطالها أو تصحيحها، وإنما نقاشي يتجه نحو الإلحاد وإمكانية تبنيه للّيبرالىة ضمن رؤيته الفلسفية.

يبدو أنه كان من المناسب أكثر هو مناقشة العلمانية بوصفها برنامج حياة اكثر اتساعاً من موضوع الحريات، إلا أننا صرفنا النظر عنها لكونها تهتم بالجانب السياسي أكثر من الجانب الاجتماعي، أو تهتم بالجانب الاجتماعي ضمن العمل السياسي، وقد يجوز لنا القول بأن الجانب الاجتماعي في العلمانية هو ليبرالى، بمعنى أنها تشترط الحرية الاجتماعية والفردية، والتباين الملحوظ بين العلمانية والليبرالىة يمكن تميّزه بوضوح في موضوع الدولة، حيث يمكن أن تكون الدولة علمانية لا وجود للدين في كل أنظمتها التشريعية والسياسية، إلا أنها ليست ليبرالىة وغير دمقراطية، وإن كانت توليفة مرفوضة علمانياً إلا أنها تحظى بالواقعية لوجود امثلة من الواقع السياسي عليها، والمهم هو أنني أرى أن النقطة المحورية بما له علاقة بالنظام الاجتماعي هي الحرية.

الإشكالىة التي تطرحها الليبرالىة في الأوساط الإسلامية والدينية بشكل عام، هو أن الدين والإسلام يقيد الحرية ويفرض على الفرد والمجتمع نظم فوقية تمنعه من ممارسة خيارته بحرية، ومن هذه الزاوية يمكن أن يستغل الإلحاد هذا التوتر لطرح مشروعه الإلحادي بوصفه خلاص الإنسان من القيود والسلطة الفوقية. برغم أن الحلول الشائعة والمطروحة من معظم الليبرالىين العرب والمسلمين هو جعل الدين ضمن الحرية الشخصية طالما لا يتدخل في الشؤن الاجتماعية، وقد يساعدهم على ذلك بعض الخطابات الإسلامية التي تؤكد على ضرورة عزل الإسلام من الشأن السياسي، إلا أن هذا الخطاب لا يمثل رأياً عاماً ولا تياراً غالباً، وعلى أقل تقدير هناك توصيات وأحكام لها علاقة بالنظام الاجتماعي ولا يحق لأي مسلم التنازل عنها، ناهيك عن وجود تيار ينادي بالإسلام السياسي قد وصل بالفعل الى الحكم كما في بعض البلدان أو في حالة من السعي لذلك، الأمر الذي شجع الإلحاد أكثر على طرح نفسه بقوة في الساحة رافضاً الحلول التي يراها ترقيعية، وقد ساعده على ذلك وزاد من جرأته على الإسلام بعض الحركات المتطرفة أمثال داعش والتي ارتكبت مجازر بشعة في حق الإنسانية، ولذا يرى الإلحاد أنه يمثل المنعطف التاريخي المهم في تاريخ الأمة الإسلامية.

والمهمة المرسومة أمامي هي فك الإرتباط بين الإلحاد والحرية بشكل عام والليبرالية بشكل خاص، وعدم صلاحيته لتبني هذا المشروع الاجتماعي، أما النقاش بين الليبرالية والإسلام فهو نقاش: إما أن يكون بين مؤمنين بوجود إله، وإما أن يكون بين مؤمنين وبين من لا يرى عدم وجود الإله مؤسس لخياراته الاجتماعية، وكلا النوعين لا يشكلان اهتمام هذا العنوان.

ما نحاول القيام به هنا هو مناقشة القضية من بعدها الفلسفي وليس السياسي، لنتساءل عن ماهية الحرية وطبيعتها الفلسفية، مع أن المقام لا يسمح بطرح الأمر في إطاره الواسع الذي نستجمع فيه كل ما قيل في الحرية، إلا أنه من الضروري مناقشة ما له علاقة مباشرة بالتصادم الظاهر على السطح بين الإسلام والحرية.

لا خلاف على كون الحرية قيمة أساسية ومحورية، كما لا وجود خلاف حول التفسير الوصفي للحرية، بل يمكننا القول أيضاً أنه لا خلاف حول حدود الحرية، ومع ذلك مازال هناك مساحات تحتاج إلى حوار، الأمر الذي يقودنا الى التساؤل عن ماهية الحرية وطبيعتها الوجودية.

الحرية كمفهوم ذهني مجرد يحمل في طياته مفهوماً طارداً للقيود، والموانع، والحدود، والحظر، فهي حالة من الحركة المتسعة باتساع الوجود، والحرية بهذا المعنى هي مطلق الترجيح بين الخيارات المتعددة بدون أن يحمل أي خيار سلطة إلزامية.

والحرية بهذا المفهوم لا تعترف بالمرجحات الموضوعية لأنها تمارس تأثير خارج حدود الذات، وبالتالي هي حرية لا معيارية لأن المفهوم المجرد للحرية لا يمكنه أن يستقيم مع وجود معيارية ترجيحية.

إلا أن الإشكالية الكبرى والتي يغفل عنها الكثير هي أن الحرية المجردة لا وجود لها البتة، وكل ما هو متاح وموجود هو الإنسان الحر، والفرق كبير جداً بين المعنيين؛ فالحرية المجردة التي تسبح في الفراغ والتي لا تواجهها موانع ولا حدود قد لا تكون موجودة حتى في عالم المجردات، وما يقع فيه بعض المندفعين نحو الحرية هو الإنطلاق من المفهوم المجرد ليسقطه على الواقع دون أن يكترث لوجود مساحة فاصلة بين الحرية كمفهوم وبين الحرية كواقعية إنسانية.

ومن هنا نحن نحتاج قبل التطرق لحدود الحرية والمساحة التي يجب أن تتحرك فيها، التعرف أولاً على الإنسان كفرد والإنسان كمجتمع ثم نرسم حدود الحرية بحسب الواقعية الممكنة، وهذه الواقعية تُرسم معالمها بحسب الموقف الجمعي للعقلاء. وبهذا الشكل تصبح الحرية ذات قيمة لأنها توجد ضمن سياقات قيمية تراعي قيمة الإنسان الوجودية، كما تراعي طموحاته ضمن التصور العقلائي الذي يرصد غايات تلك الطموحات، كما تراعي ايضاً قيمة الفعل ضمن الرؤية الكونية. 

بهذا الشكل من التفكير سيضطر الإلحاد الى الخروج من حوار الحرية؛ لأنه يرتكز على رؤية عبثية للإنسان لا ترى فيه غير الأنانية، وهي نظرة ليست مجحفة في حق الإنسان بوصفه قيمة، وإنما مدمرة حتى لوجوده الأناني، فالإلحاد الذي ينادي بالحرية اللا معيارية، واللا موضوعية، واللا عقلائية، شبيه بحال الأب المهمل الذي يوفر لإبنه الحرية المطلقة في إلتهام كل أنواع الحلويات والمأكولات والمشروبات وكل التصرفات التي يحب أو يرغب فيها، فكما أن الأب بذلك التصرف قد حكم على ابنه بالانتحار، كذلك الملحد حكم على كل الإنسانية بالانتحار.

صحيح أن الطفل له الحق في ما يرغب، ولكن ليس من الصحيح أن ينظر الاب لطفله بوصفه مجرد موجود له رغبة، وإنما هناك جوانب أخرى يجب رؤيتها في الطفل غير الرغبة الشخصية، ومن هنا فإن الضرورة تستوجب وضع كوابح لهذه الرغبة من غير كبتها ومصادرتها، فعندما يمارس الأب سيطرته على الطفل ويقيد حريته بمجموعة من الضوابط هذا لا يعني أن الحرية أصبحت محدودة، بل مازالت مطلقة لكن ضمن شروطها العقلائية، وهذا هو الفرق بين النظر للحرية كمفهوم لا واقعية له، وبين النظر للحرية ضمن الإمكانية الواقعية، وهكذا الحال في الإنسان والمجتمع لابد من دراسة الحرية ضمن الواقعية الإنسانية والمجتمعية، وهذه الواقعية تستمد من النظرة الشاملة للإنسان والمجتمع وليست النظرة الجزئية التي ترصد بعض الحقائق وتهمل الحقائق الأخرى.

والمهم الآن كفكرة أولية أن الضوابط العقلائية ليست شيء خارج عن طبيعة الحرية وماهيتها، فعندما أقول مثلاً الإنسان له قدرة مطلقة في المشي والحركة لا أكون قاصداً القدرة والحركة كمفهوم مجرد ثم أسقطه على الإنسان، لأن القدرة المطلقة هي القدرة على كل الشيء وهذا لا واقعية إنسانية له، وكذلك الحال في الحركة المطلقة التي لا يمكن قياسها بأي مقياس للحركة، وبالتالى الإنسان له قدرة مطلقة على المشي والحركة، ولكن ضمن الإمكانية الواقعية، وكذلك له حرية مطلقة ضمن الإمكانية الإنسانية.

 واللحظة التي يوافق فيها الإلحاد على إدخال ضوابط على الحرية، هي ذاتها اللحظة التي ينفتح فيها النقاش واسعاً أمام كل المرجحات والضوابط بما فيها الدينية، ولا يحق له حينها الإعتراض طالما الدين أيضاً يشترط القبول العقلائي لخياراته السلوكية.

والحرية بالتصور الذي قدمناه تفهم في إطار المسؤولية، أي بمعنى أنها ليست مجرد الترجيح بين الخيارات، وإنما هي مسؤولية ترجيح الأصلح والأولى بالترجيح، وهذه المسؤولية تمتد في كل جوانب الحياة والوجود، أي أن الإنسان مسؤول أمام نفسه، ومسؤول اتجاه الآخرين، كما أنه مسؤول عن الكون، وهذه المسؤولية تفهم ضمن الإطار الذي يستوعب كل السلوك الإنساني صغيراً كان أو كبيراً، لأن الإنسان ليس مجرد كائن حر وحسب وإنما عاقل أيضاً، ودور العقل في الحرية هو تحديد الخيارات الجيدة التي يجب أن يختارها، وبالتالى فتح الطريق أمام الإنسان ليمارس اختياراته العقلائية في الحياة ضمن الخطة التي تخدم غايته العليا، وهذه الخيارات العقلائية مرتكزة على مجموعة حقائق منها فطرية، وعقلية، وأخلاقية، وعلمية، وبهذا الشكل ينتقل الإنسان من كونه كائن أناني وشهواني يتحرك بدون بصيرة حياتية، الى مخلوق عاقل ومنضبط بمنظومة من القيم الأخلاقية ومتسامي عن رغباته الدونية.

والنظرة الشاملة للإنسان والمجتمع تقودنا الى وجود قيم أخرى يهتم بها الإنسان والمجتمع غير قيمة الحرية، مثل قيمة، العدل، العلم، والقدرة، والرحمة، والتسامح، والكرامة، والطهارة، والعزة، والشرف... وسلسلة طويلة من القيم المقدرة عند البشر جميعاً، وبالتالي عندما نقارب الحرية كقيمة اجتماعية لابد من ملاحظة بقية المنظومة القيمية، ومراعاة التداخل الذي قد يحدث بين هذه القيم، الأمر الذي يحوجنا الى دراسة القيم الإنسانية وترتيبها ضمن قانون المهم والأهم، ومن الأخطاء التي وقعت فيها الليبرالية أنها انطلقت من ظرف تاريخي كانت فيه الحرية قيمة ذات أولوية ملحة، ولكنها توقفت عند هذه القيمة من غير أن تراعي القيم الأخرى التي يحتاجها ايضاً الإنسان والمجتمع، أو على الأقل جعلتها القيمة المحورية التي تدور حولها بقية القيم، وهذا غير مسلّم به، لوجود ظروف تتأخر فيها قيمة الحرية لتتقدم قيم أخرى، وخاصة عند تعارض القيم في بعض الظروف الخاصة، فلو تعارضت الحرية مع الأمن مثلاً ايهما نقدم؟ قد يكون الأمن لدى الإنسان أكثر أولوية من الحرية، أو لو تعارضت حرية مجتمع معين مع فرض التعليم عليهم، فأيهما أولى؛ قيمة الحرية أم قيمة العلم؟

 وهكذا لابد من رصد شامل للقيم ومراعاتها كحقائق موضوعية بعيداً عن تأثيرات الظرف الزماني والمجتمعي، وهذا هو الباب الذي يمثل فيه الدين ضرورة للإنسان، لكونه نظرة شاملة وموضوعية للإنسان أكثر من نظرة الإنسان إلى نفسه؛ لأن نظرة الإنسان متأثرة بالظرف الذي يعيش فيه، ومن هنا نجد ان كل الفلسفات البشرية قد أثر فيها الظرف التاريخي، والمجتمعي، والإقتصادي، والسياسي، والشخصي، بشكل واضح وكبير.

ومع أن هذه القيم هي مشتركات إنسانية وأن معرفتها أقرب الى البديهة، إلا أن ذلك لا يمنع من غفلة الإنسان عنها وهيمنة الهوى والرغبة الشخصية عليه، فلا يستغني عن تذكير المذكرين وتنبيه العارفين، وهنا تتجلى مهمة الأنبياء بوضوح، كما يصفها أمير المؤمنين (ع) بقوله: (فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ اليهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ) وبالتالي فإن كل إنسان يجد في نفسه بذور التكامل القابلة للنمو والزيادة.

فحقيقة القيمة ومعناها، أقرب إلى الحالة الوجدانية التي فطر عليها الإنسان، فلو لا وجود حقائق مقدسة عند البشر، لما تكاملت الحياة، بل تعذرت، والإستدلال على وجودها شبيه بالإستدلال على وجود العقل، فكما تسالم البشر على وجوده، كذلك تسالموا على وجود القيم، ومن هنا جاز لنا الجزم بأن رسالات الأنبياء في الواقع، هي تكريس للقيم، ولهذا السبب يتم تصديقهم واتّباعهم، فليس من المعقول، أن يكون هناك نبيٌّ يأمر بالظلم وينهى عن العدل مثلاً.

وفي المحصلة يمكن أن ينفتح باب النقاش مع أي أتجاه يؤمن بالحرية، وحينها يمكننا أن نطالب بضرورة مقاربة الحرية مع بقية المنظومات القيمية، إلا أن هذا الحوار غير متصور مع الملحدين الذين لا يمكنهم أن يؤسسوا فلسفياً للحرية، ومن يتبناها منهم لا يسعه إلا أن يتبناها في الإطار العبثي الخارج عن النظام الأخلاقي للإنسان، وحينها لا تكون مشكلتهم مع الأديان وحدها وإنما مع كل البنى الاجتماعية التي ترتكز على الضرورة الأخلاقية ومن بينها الليبرالية التي تحافظ على مقدار من القيم المجتمعية. "لا يمكن للحرية أن تزدهر إذا لم يكن هناك أي شيء مهم، فإن الحرية تصبح عدمية الجدوى"[2]  

الهوامش:


[1] - لماذا الدين ضرورة حتمية، البروفيسور هوستن سميث، ترجمة سعد رستم، دار الجسور الثقافية، ص 270

[2] - لماذا الدين ضرورة حتمية، مصدر سابق، ص 271

2021/09/22

تحليلات إلحادية مشبوهة: الإله يسلب ’الحرية’ وسلطته قاهرة!

الإنسانية بين الإلحاد والتوحيد

يحاول الإلحاد وبشكل دائم أن يربط بين الإيمان بالله وبين مصادرة إنسانية الإنسان ومحق كرامته، ففي نظر الإلحاد لا تكون للإنسان قيمة إلا إذا تحول محور الإهتمام من الله إلى الإنسان.

[اشترك]

إذ كيف يمكن أن تكون للإنسان قيمة وهناك سلطة غيبية قاهرة تشعره بالدونية والعبودية؟ وكيف يكون للإنسان إحساساً صادقاً بإنسانيته وكل أحاسيسه مستلبة لغيره؟ وكيف يسعى من أجل نفسه وهناك إله يجب السعي من أجله؟ وكيف يشعر بالسعادة وهو لا يعلم إن كان قد رضي الإله عنه؟

بهذا الوصف لا يكون الإيمان إلا مشروعاً مدمراً لإنسانية الإنسان، فلا يجني منه إلا القلق والإضطراب، لأن هاجس الخوف من الإله يلاحق كل تفاصيل حياته، فلا يفكر إلا فيما يرضيه ولا يسعى إلا فيما ينجيه.

يقول دكتور جفري لانغ: "لقد كنتُ من جيل تربى على عدم الثقة، فهناك خوف دائم من أن أحدًا ما سوف يؤذيك، وخوف من شيء ما لم نكن نعلمه، إن فكرة أن الله خلق الدنيا على هذه الحالة، وفوق ذلك سوف يعاقبنا في النهاية جميعًا ما عدا نفراً قليلاً منا، كانت أكثر رعباً وسيطرة على عقولنا من فكرة ألا نؤمن بالله على الإطلاق. وهكذا فقد أصبحتُ ملحدًا في سن الثامنة عشرة من عمري، في البدء شعرت بالحرية؛ لأن رؤيتي الجديدة حررتني من الفوبيا (الرهاب، الهلع)، لقد كنتُ حرًا لأعيش حياتي الخاصة بي وحدي، ولم يكن لدي ما يدعو للقلق من أجل إرضاء قوة فوق بشرية، وكنتُ فخوراً إلى حد ما بأنني كنتُ أمتلك الجرأة لتحمل مسئولية وجودي وأملك زمام نفسي، شعرت بالأمان فيما يختص بمشاعري وبمداركي، وكانت رغباتي طوع إرادتي بعيدة عن سيطرة الكائن الأسمى أو مشاركته أو أي شخص آخر، لقد كنتُ مركز عالمي الخاص بي وخالقه ومغذيه ومنظمه، وأنا الذي كنت أقرر لنفسي ما كان خيرًا أو شرًا أو صوابًا أو خطأً، لقد أصبحت إله نفسي ومنقذها"[1]  

التوحيد وعلاقته بالإنسان:

من الواضح أن تحليلات الإلحاد حول علاقة التوحيد بالإنسان تحليلات مشوهة وتصورات مفتعلة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، فحقيقة الإنسان ضمن الإيمان بالله ترتكز على علاقة المخلوق بالخالق، أي أن الإنسان أوجده الله من عدم وخلقه على الهيئة التي هو عليها، قبضة من طين، ونفخة من روح، فأنتما إلى الأرض من جهة الطينة، وأنتما إلى السماء من جهة تلك النفخة.

 والمستفاد من هذا الوصف؛ هو أن الإنسان يمكنه العيش على الأرض وهو يتطلع إلى الله، وبهذا لا يحكم الإنسان ميول أو اتجاه واحد، وإنما ينجذب إلى الأرض كما يندفع الى الأعلى ليتسامى على المادة.

وبذلك يُشارك الإنسان بقية الكائنات في عناصر الطبيعية المشتركة، ويعترف المؤمن بالمادة كحقيقة متأصلة في الإنسان، فيندفع في رحاب الحياة اندفاع المؤمن بضرورة تسخير المادة من أجل الإنسان، فلا يفوته شيء من خيرات الدنيا وزينة الحياة، وفي الوقت نفسه يمتاز عن بقية الكائنات بما منحه الله من أسمائه الحسنى، فيتصل عبرها بالله ويتطلع بها إلى كماله وجماله فيصبح عليماً، قديراً، رحيماً، كريماً، عزيزاً، مهيمناً، ودوداً، حكيماً، مؤمناً.. في سعي دائم للتخلق بأخلاق الله؛ لأن الله هو مطلق العلم، والقدرة، والرحمة، والكرم، والعزة، والهيمنة، والحِكمة، ولو لم يكن موجوداً لما كان هناك معنى للكمال والجمال.

 فلو كانت المادة هي الأصيلة ولا غيرها في عالم الوجود، فهل حينها يجوز أن نقول في حق المادة بأنها: العالمة، القادرة، الرحيمة، الحكيمة، السميعة، البصيرة؟ وإن كان لا يمكن وهو حتماً غير ممكن فمن أين عرف الإنسان تلك المعاني والصفات؟ 

ويكفينا هنا القول بأن الإيمان بالله هو إيمان بمطلق الكمال والجمال، وتعلق الإنسان بالله هو تعلق بتلك المعاني، وهذا خلاف الرؤية العدمية التي يؤسس لها الإلحاد.

يقول البروفيسور هوستن سميث، أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب كتاب (أديان العالم) في كتابه (لماذا الدين ضرورة حتمية): "فلسفة الحياة كانت أمامي واضحة وبسيطة ... تتلخص فيما يلي:

أولاً: لا يمكن للوجود الدنيوي (الأرضي) بسبب محدوديته وتناهيه، أن يشبع قلب الإنسان بشكل كامل، هناك في فطرة الإنسان توقع وتطلع نحو "الأكثر". ولا يمكن لعالم الممارسات الحياتية اليومية أن يشبع هذا التطلع. هذا التطلع إلى ما هو أبعد مما يتيحه العالم الدنيوي، يوحي بقوة بوجود شيء تحاول الحياة أن تصل إليه، تماما مثلما تشير أجنحة العصافير لحقيقة وجود الهواء، تنحني أزهار عباد الشمس نحو الضياء لأن الضياء موجود، ويبحث الناس عن الطعام لأن الطعام موجود، قد يجوع بعض الأفراد، ولكن أجسامهم لم تكن لتمر بإحساس الجوع لو لم يكن في الوجود طعام يلبي هذا الإحساس.

إن الحقيقة التي تهيج شوق الإنسان إليها وتشبع روحه تملؤها هي: الله، أيا كان اسمه الذي تسميه به، ولما كان عقل الإنسان لا يستطيع حتى خلال سنين ضوئية! أن يدرك طبيعة الله، فإننا نحسن صنعا بإتباعنا لاقتراح "رينر ماريا ريلكه"[2].

أن نتفكر بالله بوصفه (إتجاهاً) أكثر من تفكيرنا به ككائن، هذا الإتجاه هو دائما نحو أفضل ما يمكننا أن ندركه، على النحو الذي يؤكده المبدأ اللاهوتي للإسناد الوصفي الذي ينص على أنه: عندما نستخدم أفكارا أو أشياء من عالمنا الدنيوي لنصف بها الله، فإن أول خطوة هي إثبات ما هو إيجابي فيها لله، والخطوة الثانية نفي ما هو محدد متناه في تلك الأوصاف عن الله، والخطوة الثالثة هي الصعود بالمعاني الإيجابية لتلك الأوصاف إلى الدرجة الفائقة (أي إلى أعلى نقطة يمكن لتصورنا أن  يبلغها) بهذا التمييز التام والجذري بين الله والعالم تنتهي أشياء أخرى إلى مواضعها المناسبة"[3]

فالله ليس سلطة فوقية تكبل الإنسان وتقيده، وإنما سلطة تمنح الإنسان عوامل القوة والاقتدار. والله ليس أمراً مخيفاً، بل الحياة بدونه هي المخيفة. والعبودية ليست قيداً يكبل الإنسان وإنما هي تحرير الإنسان من سلطة المادة العمياء، والبحث عن رضا الله ليس إهمالاً للإنسان وإنما لأن الإنسان يكون إنساناً برضا الله، وشعور الإنسان بالله وإحساسه بوجوده هو شعور وإحساس بقيمة الإنسان وعظيم إنسانيته.

إشكالية الإلحاد مع الله هي إشكالية مع الإنسان، والرجوع إلى الله يبدأ من رجوع الإنسان إلى الذات، وهكذا هي فلسفة التوحيد في الإسلام لم تجعل الله بعيداً حتى يحتاج إلي برهان (اِلهى تَرَدُّدي فِى الاْثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً"[4]

لا يحتاج الإنسان ليخرج عن نفسه من أجل أن يرى شيئاً آخراً خارج عنها، بل يكفيه الرجوع الى ذاته والنظر في عمق وجدانه، لكي يرى الله ظاهراً بنفسه متجلياً بذاته "يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ، يا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُونِ، وَبَعُدَ عَنْ لَحَظاتِ الْعُيُونِ".

 فمن يا ترى يكون قادراً على الهروب من نفسه حتى يكون قادراً على الهروب من الله؟ فإلى أين يهرب الإنسان بعجزه؟ أليس للقوي القادر. وإلي اين يهرب بفقره؟ أليس للغني المتفضل، وإلى أين يهرب الإنسان بحاجته؟ أليس للرحيم المتكرم... فمن عرف نفسه بواقع الفقر والعجز والحاجة عرف ربه بما له من كمال وجمال، فقد جاء في الحديث "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

 وهكذا يقربنا الدين إلى الله بتذكيره بأنفسنا، فليس الإيمان هجراناً للنفس ونكراناً لإنسانية الإنسان، وإنما هو كشف لحقيقة النفس للنفس، وهي بداية المسير الى الكمال فينطلق الإنسان من اعترافه بجهله لكي يتعلم، ومن فقره إلى الغنى، ومن عجزه إلى القدرة، ومن الهوى والشهوات إلى المآثر والمناقب، وهكذا من النقص إلى الكمال.

ونذكر هنا بعض النصوص التي جاء ذكرها عن الإمام علي عليه السلام في موضوع النفس وقد أورد منها صاحب الميزان رحمه الله العديد في ميزانه 6/ 173 

عن علي عليه السلام قال: العارف من عرف نفسه فأعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها. 

وعنه عليه السلام قال: أعظم الجهل جهل الانسان أمر نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: أعظم الحكمة معرفة الانسان نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه. 

وعنه عليه السلام قال: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه فمن عرف نفسه عقل، ومن جهلها ضل. 

وعنه عليه السلام قال: عجبت لمن ينشد ضالته، وقد أضل نفسه فلا يطلبها.

وعنه عليه السلام قال: عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه؟ 

وعنه عليه السلام قال: غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: كيف يعرف غيره من يجهل نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه تجرد. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جاهدها، ومن جهل نفسه أهملها. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جل أمره. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه كان لغيره أعرف ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم.

وعنه عليه السلام قال: من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة، وخبط في الضلال والجهالات.

وعنه عليه السلام قال: معرفة النفس أنفع المعارف. 

وعنه عليه السلام قال: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس. 

وعنه عليه السلام قال: لا تجهل نفسك فإن الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شيء.  

 فالإنسان لا يرى نفسه قبل أن يرى ربه بل يعرف نفسه بالله كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: (من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالإسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لأن الإسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الإسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنه يعبد المعنى بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر الكبير، وما قدروا الله حق قدره، قيل له فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه، قيل: وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال عليه السلام: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم ما فيه له وبه)[5]  . 

وفي المحصلة الدين يدعو الإنسان إلى معرفة الإنسان، ثم ويدعوه إلي تربيته واكمال نواقصه، ليس أخلاقياً فحسب وإنما على كل المستويات، فيتواضع الإنسان أمام الحقائق ويرى الطريق أمامه بعيداً فيكرس كل جهده لإنجاز ما يمكن إنجازه في الحياة، ومن أجل هذه الغاية يترفع عن صغائر الأمور، ولا يتوقف عند المظهر، وإنما يبحث دوماً عن جوهر الأشياء، ودليله في هذا المسير جمال الله وكماله فكل ما اقتبس من نوره زاد عشقه وأسرع الخطى إليه.

أما الإلحاد فإنه لا يرى الحياة إلا مادة جوفا لا جوهر لها ولا غاية، ومحاولات فلاسفة الإلحاد الجدد تقديم مقاربة تكون فيها الحياة ذات قيمة هي محاولات أقرب إلي العبث الفكري، ليس لكونها تتجاوز حدود العقل والمنطق فحسب، وإنما لكونها ليست وفية لمرتكزات الفلسفة المادية، ومن أجل ذلك نجدها تمارس الخداع والشعوذة، فمن يتحدث عن الأخلاق والقيم والمعاني السامية لا تتوقع ابداً أنه يتحدث عن روبوت برمج على وظيفة محددة، حتى لو كان ذلك الروبوت يتحرك ويتكلم إلا أنه حتماً لا يعي ما يقول ناهيك أن يكون له أخلاق أو قيم أو معاني سامية، والإنسان في نظر الفلسفة المادية ليس شيء يختلف عن هذا الروبوت، يقول ريتشرد دوكنز وهو يتحدث عن كتابه الجين الأناني: "ليس كتاباً في قصص الخيال العلمي.. إنه علم.. نحن آلات قادرة على البقاء... الروبوتات هي آلات مبرمجة بشكل أعمى للحفاظ على مكونات أنانية تعرف كجينات.. ثم أضاف: بأن حجة الكتاب العامة هي أننا – كحال بقية الحيوانات- مجرد آلات صُنعت بواسطة جيناتنا"[6]  

ومهما حاول الفلاسفة الجدد بان يقنعوا الإنسان بإن الحياة ممكن أن يكون لها معنى أو يكون لها هدف بدون أن يكون هناك إله لما استطاعوا؛ لأن حينها ستكون القيمة لها قيمة بدون أن يكون لها غاية، وهو سير عكس اتجاه العقل والمنطق، فحقيقة الشيء أما بذاته وأما بغايته، ولا يكون الشيء بذاته له قيمة إلا إذا كان مطلقاً أو يرجع إلى المطلق بنحو من الانحاء، أما القيمة المتولدة من الغاية فواضح من أنها ترجع في خاتمة المطاف إلي المطلق أيضاً.

وفي ظني أن الملحد ويل بروفاين، بروفيسور التاريخ وعلم الأحياء كان أكثر شجاعة في تعبيره عن النتيجة الحتمية للإلحاد عندما قال: "لا آلهة، لا حياة بعد الموت، لا قاعدة حقيقية للأخلاق، لا معنى نهائي للحياة، ولا إرادة حرة للإنسان، إننا مرتبطون جميعاً على نحو عميق بالمنظور التطوري، أنت هنا اليوم وسترحل في الغد، وهذا كل ما في الأمر" ويقول أيضاً: "يبدأ الأمر بالتخلي عن الإيمان بالإله، ثم التخلي عن الأمل بالحياة بعد الموت، وحين تتخلى عن هاتين الفكرتين فإن بقية الأمور تأتي بطريقة سهلة نسبياً، حيث تفقد الأمل بأن هناك مبادئ أخلاقية مطلقة، وأخيراً لا وجود لإرادة إنسانية حرة، إذا آمنت بالتطور فلا يمكنك أن تأمل في وجود أي إرادة حرة، ليس هناك أدنى أمل في وجود أي معنى عميق في الحياة الإنسانية، نعيش، ونموت، ونفنى، نفنى بشكل نهائي حين نموت"[7]  

سريعاً ما ينكشف الإلحاد ويتعرى عندما يقف وجهاً لوجه أمام العقل، وحينها إما أن يكون الملحد شجاعاً ويعبر عن سعادته رغم أنه يقف عارياً أمام الجميع، وإما أن يثير الغبار والضوضاء ليصرف النظر عنه بعيداً، وأمثال ريتشرد الذين يبشرون بالإلحاد وهم يملأون الدنيا صخباً وضجيجاً باسم الحياة وقيم الإنسان، ليس إلا مخادعين يمارسون كل أنواع الحيل ليجعلوا المستحيل ممكناً، فكما أن الظلام لا يكون أصلاً للنور، والمادة لا تكون أصلاً للحياة، كذلك الإلحاد لا يكون أساساً للقيم والأخلاق، أو كما عبر ويل بروفاين في عبارته السابقة "لا وجود لأي أمل في وجود معنى عميق في الحياة الإنسانية" 

فجوهر الإنسان وحقيقته في كونه مخلوق له روح خلاقة ومبدعة، تنقله من عالم الحيوان والغرائز إلى عالم الجمال والكمال، والإنسان بوصفه روحاً هو الذي يعشق القرب من الله، ومن هنا كان إهمال الروح هو إهمال لقيمة الإنسان وسر وجوده؛ لأنها هي الوسيط بين الإنسان وبين الحقائق المطلقة والكاملة، فكون الإنسان حياً عالماً قادراً رحيماً سميعاً بصيراً يجعله يفكر في المطلق بوصفه المصدر المالك لكل تلك المعاني، ومن الغباء أن يعتقد بأن المادة الميتة الجاهلة العاجزة الصماء العمياء والتي لا تعرف الرحمة هي من صممت الإنسان على ذلك النحو.

يقول أنتوني فلو: "ثلاث ابعاد من البحث العلمي كانت على وجه الخصوص مهمة بالنسبة لي، على ضوء الأدلة المتداولة اليوم. أول هذه الابعاد هو السؤال الذي حير ولا زال يحير الكثير من العلماء اللامعين: وهو من أين جاءت قوانين الطبيعة؟ والثاني هو السؤال الواضح للجميع: كيف جاءت الحياة من اللاحياة؟ والثالث هو السؤال الذي يوجهه الفلاسفة لعلماء الكون: كيف جاء الكون – بكل ما يحتويه من أشياء مادية– إلى الوجود؟"[8]  

الهوامش:


[1] - الصراع من أجل الايمان، جيفري لانغ، ترجمة د منذر العبسي، دار الفكر دمشق، الطبعة الثانية 2000م ص 24-25 

[2] - ريلكه, رينر ماريا (1874 – 1926 ) شاعر وروائي نمساوي ألماني, اعتبر أحد أعظم الشعراء الحديثين وأكثرهم تأثيرا بسبب أسلوبه الدقيق, وصوره الرمزية, وتأملاته الروحية . اعتبر الموت تحولا للحياة نحو حقيقة باطنية غيبية تشكل مع الحياة وحدة كلية واحدة . 

[3] - لماذا الدين ضرورة حتمية، هوستن سميث، ترجمة سعد رستم، دار الجسور الثقافية، ص 11

[4] - المجلسي، محمّد تقي، بحار الأنوار، ج 95، ص 225. 

[5] - تحف العقول عن آل الرسول – ابن شعبة الحراني ص 326 

[6] - هناك إله، أنتوني فلو، مصدر سابق. ص 96

[7] - عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الالحاد، نشر مركز تكوين للأبحاث والدراسات، ط الثانية 2014، ص 175

[8] - هناك إله، أنتوني فلو مصدر سابق ص 109 

2021/09/21

دين بنكهة ’ماركسية’.. لا ’علمانية’ في الإسلام!

العلمانيّةُ مصطلحٌ حديثٌ، ومفهومٌ لهُ رؤيةٌ في إدارةِ الدّولةِ، كما أنّهُ أصبحَ واقعاً سياسيّاً في كثيرٍ مِن بلدانِ العالم، وبالتّالي لا يمكنُ تقديمها كمنتجٍ إسلاميٍّ كما لا يمكنُ مقاربةُ الإسلامِ مقاربةً علمانيّةً...

[إشترك]

ويبدو أنَّ العالمَ الإسلاميَّ يعاني من إشكالاتٍ في وعيهِ بالإسلامِ الأمرِ الذي يجعله عُرضةً لمقارباتٍ تستهدفُ إسترضاءَ النّخبِ الثقافيّةِ، فمثلاً عندَما كانَت الماركسيّةُ سيّدةَ السّاحةِ السياسيّةِ والثقافيّةِ افتتن بها البعضُ إلى درجةِ جعلِها إسلاميّةً أو جعلِ الإسلامِ ماركسيّاً، ويعودُ السّببُ في ذلكَ أنَّ بعضَ التوجّهاتِ الفكريّةِ والسياسيّة تتبنّى بعضَ القيمِ والمبادئِ التي تعشقُها جميعُ الإنسانيّةِ وهيَ بدورِها تمثّلُ قيماً محوريّةً في الإسلامِ الأمرُ الذي يدفعُ البعضَ على مُقاربةِ الإسلامِ بالشّكلِ الذي يخدمُ ذلكَ التوجّهَ الفكريَّ والسياسيّ، فمثلاً العدالةُ الاقتصادية مبدأ دعَت إليهِ الكثيرُ منَ النّصوصِ الإسلاميّة، فتصبحُ تلكَ النّصوصُ محورَ اهتمامِ الماركسيّ فيصوّرُ الإسلامَ مبدأ ماركسيّاً، وكذلكَ صاحبُ التوجّهِ الليبراليّ والعلمانيّ يستهدفُ النّصوصَ التي تخدمُ ميوله الثقافيّةَ فيصورُ العلمانيّة أو الليبراليّةَ كأنّها إسلاميّة. 

ونحنُ بدورِنا نعترفُ بأنَّ الكثيرَ مِن هذهِ التوجّهاتِ تستهدفُ بعضَ القيمِ الضروريّةِ للحياةِ الإنسانيّة، إلّا أنّها تمثّلُ رؤيةً ناقصةً أو مشوّهةً لتلكَ القيمِ، والإسلامُ وحدَه يمثّلُ المبدأ الذي يقدّمُ تصوّراً شامِلاً لهذهِ القيمِ، والتحدّي الذي يواجهُ الإنسانَ المُسلمَ يتمثّلُ في تقديمِ قراءةٍ إسلاميّةٍ خالصةٍ تجعلُ الإسلامَ أكثرَ حضوراً في السّاحةِ السياسيّةِ والاجتماعية، فمِن خلالِ الرّجوعِ للنّصوصِ الدينيّةِ والتدبّرِ فيها بعيداً عن إسقاطِ الأفكارِ المُسبقةِ مُضافاً إلى دراسةِ الواقعِ دراسةً موضوعيّةً يساهمُ فيها كلُّ أهلِ الخبرةِ والاختصاص يمكنُ تقديمُ رؤيةٍ حضاريّةٍ يصحُّ نسبتُها للإسلامِ، ومن غيرِ ذلكَ سوفَ يصبحُ وعيُنا بالإسلامِ وعياً منفعلاً بكلِّ المؤثّراتِ السلبيّةِ التي تفرضُها الحياةُ اليوميّة. 

والخلاصةُ: لا وجودَ لعلمانيّةٍ مُسلمةٍ ولا لإسلامٍ علمانيّ وإنّما هناكَ إسلامٌ له رؤيةٌ شاملةٌ صالحةٌ لكلِّ ما يحتاجُه المسلمُ لبناءِ حضارتِه الخاصّةِ، الأمرُ الذي يضاعفُ الجهدَ أمامَ المؤسّساتِ الدينيّةِ وأهلِ الاختصاص لتقديمِ الإسلامِ بصورةٍ أكثرَ فاعليّةٍ وإيجابيّة.

2021/09/19

فرض الإسلام ليس استبدادا -3-

النصارى:

كان النصارى أصحاب ديانة سماوية، يؤمنون بإرسال الرسل من قبل الله سبحانه وتعالى وبتتابع أولئك الرسل وآخرهم نبي المسيحية عيسى بن مريم (عليه السلام)، وأنْ ثمة نبي موعود بشّر به السيد المسيح.

[اشترك]

وهم يؤمنون أيضا بحتمية طاعة الله من خلال النبي الذي يرسله، وبحتمية طاعة ذلك النبي، وخلافهم مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لم يكن يتجاوز شخصه الكريم وأنه ليس النبي الموعود ولا يحمل ما تشير إليه كتبهم من صفات لذلك النبي، وعلى هذا فما إن تضمحل نقطة الخلاف هذه ويبرهن على أنه من بشرّ به نبيهم يصير لزاما عليهم اتّباعه، أي أنهم حين يؤمنون بضرورة اتّباع النبي الموعود ويبرهن على أن ذاك هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يصير لزاماً عليهم اتّباعه وطاعته، ولا يبقى معنى لعبادة الله عن طريق نبي هم يؤمنون في أن الله يأمرهم بالتحول عنه الى نبي آخر، وبالتالي فليس ثمة استبداد واضطهاد في فرض الإسلام عليهم.

وبالنسبة الى نقطة الخلاف وإنكارهم لصدق النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في دعواه النبوة، فإن التاريخ يذكر لنا العديد من الشواهد على أن ما في كتبهم كان يشير وبشكل جلي إلى شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، كما جاء في قصة الراهب بحيرا "إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يزعمون، فرقّ له أبو طالب فقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً.

وكما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر.

فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا صنع لهم طعاما كثيراً وذلك أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم.

ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريباً منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وهصرت أغصان الشجرة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى استظل تحتها.

فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا، فلما رأى بحيرا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل أبا طالب عن الغلام أن يكون أبوه حيا قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه من اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبلغنه  شرا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمه سريعاً حتى أقدمه مكة".[1]

كما جاء في سيرة ابن هشام "وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي كانت قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) يمشي فعثر، فقال له ابنه: تعس الأبعد، يريد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبي، واسمه في الوضائع،  يعني الكتب، فلما مات لم تكن لابنه همّ إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد فيها ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسلم فحسن إسلامه وحج. وهو الذي يقول:

(إليك تعدو قلقا وضينها

معترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها) [2]

 


  1. ج2ص32 الطبري
  1. سيرة بن هشام ص 574

 

2021/09/16

دوامة الإلحاد المتستّر بـ ’الصدفة’.. رؤية مشوّهة للإنسان!

إذا انطلقنا من تأمل محايد لمقاربة الرؤية الإلحادية للإنسان والكون، ومن خلال المعيار المعرفي الذي اختاره الإلحاد وجعله مقياساً للحقيقة، سوف نصطدم بمحطات غامضة لا تشوه فقط الرؤية البريئة التي اكتسبناها بتأملاتنا الفطرية، وإنما تدخلنا في دوامة من العبث الذي يشككنا حتى في مسلماتنا البديهية، ليس لكون الإلحاد رؤية عميقة تنتقل بنا الى فضاءات غير معتادة، وإنما لكونه رؤية لا تستقيم إلا بالاشتباك مع كل الاشتراطات المنطقية.

[اشترك]

الإلحاد وعلاقته بالإنسان

لا أتحدث فقط عن عدمية المبدأ والمنتهى، وإنما أتحدث أيضاً عن عدمية الوجود والحياة ونحن فيها؛ فمعنى الإنسان بما يجده لنفسه من معنى، ومعنى الحياة بما لها من غاية، ومعنى كل ذلك بأن يكون له قيمة، والحديث عن المعنى والغاية والقيمة، لا يكون له معنى ولا غاية ولا قيمة بدون الحديث عن البداية والنهاية وما يقع بينهما من حِكمة وفلسفة.

 فكيف يبدأ فهم هذا المعنى؟

 وعلى أي أساس تقوم الحقيقة؟

 ومن أي مصدر تستمد الأشياء قيمتها؟

 الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يعي وجوده ووجود من حوله من الكائنات، كما أن بقية الموجودات بدورها لا تجد لنفسها وجوداً إلا من خلال تموضعها عبر الإنسان، فمن الطبيعي حينها أن يكون وعي الإنسان لذاته هو الأساس الذي يبني عليه معارفه، وإهمال هذه الحقيقة يمثل انتكاسة كبرى لطبيعة التفكير المنطقي للإنسان.

فالحديث عن المعرفة والفهم وإيجاد المعنى هو حديث عن العقل، فكلما تجلى العقل في الإنسان كل ما تجلى الكون كله فيه، ومن هنا فان غياب العقل هو غياب لهوية الإنسان وضياع لإنسانيته، وما نجده من خلط وتشويه ينتاب رؤية الإنسان في نظرته الكونية والمعرفية ليس إلا انعكاساً لما يعانيه الإنسان من عدم وضوح نفسه لدى نفسه.

والإنسان بقدر ما عليه من الوضوح والظهور كوضوح الذات للذات وظهور النفس للنفس، إلا أنه بذات القدر يكتنفه الغموض وعدم الوضوح حتى يغدو الإنسان هو ذلك المجهول، وهذا التقابل بين الوضوح والغموض يمثل البداية لمشكلة المعرفة وبداية المعالجة ايضاً؛ فلا النظرة الساذجة التي ترى الأشياء واضحة، ولا النظرة المفتعلة التي تجعل الواضح غامضاً هي التي تصلح لحل المشكلة؛ لأن السذاجة إهمال للحقيقة، والافتعال ضياع لها، والإنسان ليس حقيقة مجردة يمكن رصده وتقيمه بعيداً عن تداخلات الوجود.

فاللحظة التي نُخرج فيها الإنسان ونعزله لكي لا نرى غيره، هي ذاتها اللحظة التي يغيب فيها الوجود والإنسان معاً، كما أن اللحظة التي ننظر فيها للإنسان ضمن هذا التداخل الوجودي، هي ذاتها اللحظة التي يتعقد فيها الوعي وتتباين فيها الرؤى، والموازنة المطلوبة تكاد تكون معدومة؛ فالذاتية ساذجة، والموضوعية اقرب الى أن تكون مستحيلة، والخروج من هذا العمى لابد ان يسبقه خروج آخر، ولكن ليس خروجاً عن الإنسان، ولا خروج عن الوجود، ولا حتى خروج عن الإنسان المتداخل مع الوجود، وإنما خروج عن كل التصورات التي صنعها الإنسان وراكمها طوال القرون، فضبابية الرؤية ليس لأن الرؤية أمراً مستحيلاً في ذاتها، وإنما لكون فضاء المعرفة تحجبه سحب التصورات الداكنة، فصراع الإنسان مع نفسه، ومع أخيه الإنسان، ومع الطبيعة، وكل ما عاناه في الحياة أفسد صفاء الروح ونقاء العلم، فلم يعد العلم والمعرفة حقيقة مقدسة تعشقها الروح وتهواها النفس، بل أصبح أداة تسخر من أجل مكر الإنسان وأنانياته الضيقة.

والإلحاد ليس إلا واحدة من تلك الرؤى المشوهة؛ ليس لكونه كفراً بالإله وإنما لأنه كفر بالوجود والإنسان والعقل، حيث تنصل عن الروح وآمن بالمادة، وكفر بالباطن وتعلق بالظاهر، وتجاهل العلة وتستر بالصدفة، وأهمل الغاية وتمسك باللاغاية والعبث، وترك العقل وتشبث بالحس، وعندما يكون الوجود بدون روح لا يكون له قيمة، وعندما يكون بدون باطن لا يكون له ظاهر، وعندما يكون بدون علة لا يكون له حقيقة، وعندما يكون بدون غاية لا يكون له حِكمة، وعندما يكون بدون عقل لا يكون له معنىً ولا طعماً، والنتيجة ليس كفراً بالله وإنما كفر بالوجود والإنسان والعقل معاً.

من أي زاوية يرى الإلحاد الإنسان؟

ولكي نقرب هذا المدعى لابد أن نرجع إلى ركائز الإلحاد ومنطلقاته، لنرى بأي منظار يشاهد الكون، وبأي ميزان يقيم الإنسان، وفي أي إطار يضع العقل، وفوق كل ذلك بأي ريشة يريد أن يرسم لوحة للحياة.

ولكي تستقيم الصورة لابد أن نبدأ من الإنسان في المنظور الإلحادي، ليس لكون الإنسان أوضح مظهرٍ في الوجود، وإنما لكون الوجود لا يكون ظاهراً إلا بالإنسان، فكيف نتحدث عن فهمنا للوجود والكون قبل أن نتحدث عن فهمنا للإنسان، ومن هنا كان من الضروري أن نتعرف عن الإلحاد وهو يقدم فهمه للإنسان.

عمل الإلحاد على إظهار نفسه مصطفاً إلى جانب الإنسان، ومدافعاً عن حقوقه وقضاياه، وحاملاً لراية تحريره من المخاوف والهواجس التي رمته في أحضان الخرافة والجهالة، فأصبح الإلحاد بذلك هو شمس العلم التي تشرق على البشرية بنور جديد، فلا غنى للإنسان عن الإلحاد؛ لأنه العلم ضد الجهل، والحقيقة ضد الخرافة، والتحرر ضد العبودية، والتقدم ضد الرجعية، وبالتالي هو بشارة العلم ونبوءة الإنسان الى الإنسان.

كيف يبني الإلحاد هذه الصورة المشرقة للإنسان؟

 وكيف يكون الكفر بالإله، هو ضمان الخلاص للإنسان؟

وهل المادة وقانون الانتقاء الطبيعي هو النور الذي يبدد الظلام؟

العلم، الحرية، التقدم، وإنسانية الإنسان وغيرها من القيم تعلو على الخلاف والنقاش، ولا يمكن التأسيس لها بالادعاءات والمزايدات، والإلحاد الذي ملأ الدنيا ضجيجاً من أجل الإنسان، عليه ان يثبت أن له صلة واقعية بالإنسان، بحيث تكون فلسفته الإلحادية مقترنة وجودياً ومنطقياً بمصير الإنسان وكرامته، وبالشكل الذي لا يمكننا أن نتصور معه قيمة للإنسان دون أن نتصور الإلحاد، وبهذه الطريقة يتجاوز الإلحاد امتحان القدرة الفلسفية، وعندها سوف يستحق وبجدارة أن يكون عنواناً لمرحلتنا التاريخية.

أما ميدان الشعار والدعاية والإعلام ليس مجدياً في طرح الحقائق المصيرية، والإلحاد الذي بدأ وانطلق من عمق الحضارة الغربية، قد يحرجنا بما نحن عليه من جهل ورجعية، وقد كان ذلك سبباً لشعور بعض شبابنا بالدونية أمام بريق تلك الشعارات الإنسانية، فلم يجدوا سبيلاً غير الإلتحاق بموجة الإلحاد، ظناً منهم بأن للإلحاد صلة قوية وحتمية بتلك الشعارات، فكان من الضروري التفكيك بين هذه القيم وبين الإلحاد؛ لأن المؤمن أيضاً يتبنى تلك الشعارات، وحينها يجب أن تكون المقارنة بينهما بما يقدمه كل تصور من علاقة ضرورية وحتمية بين متبنياته الفلسفية وبين تلك القيم الإنسانية.

رؤية الإلحاد إلى الإنسان تبدأ منذ أن كان خلية واحدة في ماء آسن منذ ملايين السنين، ولا نعلم ولا يعلمون من أين أتت هذه الخلية وكيف حصلت على الحياة؟ وأن المادة الميتة كيف يمكنها أن تهب الحياة لغيرها؟ كل ذلك لا يهم وإنما المهم عندهم أنها وجدت والسلام، ثم تطورت ومرت تلك الخليلة بمراحل مختلفة وتكاثرت حتى أصبحت اساساً لكل اشكال الحياة على كوكب الأرض.

 أما الإنسان كيف ظهر على مسرح الحياة ضمن هذه النظرية؟ نجد أن التاريخ الحقيقي للتحول الإنساني قد بدأ مع مرحلة الثدييات، والتي تمثل في الواقع الجد الأوسط للإنسان بعد مرحلة الخلية الواحدة التي هي الجد الأعلى للإنسان، ومن بين تلك الثدييات كان هناك طور انفرد بأن يكون جداً حصرياً للإنسان والقرد معاً دون غيرهم من الثدييات، ثم شق كل من الإنسان والقرد طريقه في التطور حتى أصبح هذا الإنسان الذي نعرفه وذاك القرد الذي مازال قرداً يعيش في الغابة.

 وكل هذه العملية التطورية لا يحكمها إلا قانون واحد وهو قانون (اصطفاء الأصلح) أو (البقاء للأفضل)، وقد نال هذا القانون شرحاً مفصلاً من علماء الأحياء فيما يخص البيئة الطبيعية للحياة وتأثيرها في الكائنات، ثم عدل هذا القانون في بعض أجزائه من قبل أنصار الداروينية لكي يتجاوزوا به التباين الكبير بين بعض مراحل التطور فأضيف إليه قانون (التحولات المفاجئة).

وهكذا تحقق التطور ضمن عملية كيميائية معقدة، إلا إن المادة لم تكن واعية لكل هذه الحركة التطورية، والأمر الذي تم إهماله هو كيف اكتسبت هذه المادة هذا الوعي الذي نجده في مرحلة الإنسان؟

 وما يهمنا هنا ليس نقاش هذه النظرية إثباتاً أو نفياً، لأن ذلك ميدان خاص بعلماء الأحياء والبيولوجيا، كما أن دخولنا في هذه المباحث هو الفرصة التي يبحث عنها الإلحاد لممارسة خدعته المشهورة حيث يجر الخصم الى نقاش علمي النتيجة فيه محسومة لصالح العلم، في حين أن النقاش مع الإلحاد هو نقاش في الفلسفة وليس العلم، وما ذكره فيلو في كتابه (هناك إله) خير دليل على ذلك، يقول: "في عالم 2004م، قلت بأن أصل الحياة لا يمكن تفسيره إذا بدأنا بالمادة فقط. رد المنتقدون بروح المنتصر قائلين بأنني لم أقرأ قط مقالاً في مجلة علمية ولا تابعت التطورات العلمية الحديثة المتعلقة بالتولد التلقائي (التولد الذاتي من كائنات غير حية). هم بهذا النقد لم يفهموا الهدف الرئيسي من كلامي، فاهتمامي لم يكن منصباً على هذه الحقيقة أو تلك في الكيمياء أو في علم الجينات، بل كان اهتمامي منصباً على السؤال الرئيسي عن معنى أن يكون شيء ما حياً، وما علاقة ذلك بالحقائق الكيميائية والجينية ككل. أن تفكر على هذا المستوى، فأنت تفكر كفيلسوف"[1]  

وبالتالي الذي يهمنا هو الوصف الذي قدمه الإلحاد لطبيعة الإنسان، ومن ثم ما علاقة ذلك بما يحمله الإلحاد من شعارات تتحدث عن قيمة الإنسان؟ وما هو الرابط بين المادة وبين حقائق كالمعنى، والقيمة، والأخلاق، والفهم، والإدراك؟

الإنسان بين الروح والمادة

سوف نفترض صحة النظرية التطورية ونسلم بأن الإنسان هو نتاج الطبيعة، إلا أن هذه النظرية قد تفسر لنا الجانب الطبيعي والمادي للإنسان، فنتيجة تفاعلات كيمائية وفيزيائية موجودة في المادة تحقق البعد المادي في الإنسان، إلا انها لا يمكن أن تفسر الجانب الروحي فيه، وتجاهل هذا الجانب والتنكر له لا يمنع من شعور الإنسان به وتفاعله معه.

 فمن يؤمن بالروح لا ينفي الجسد الذي يربطه كإنسان بعالم المادة والطبيعة، أما الذي يرفض الروح كيف يمكنه أن يرتبط بعالم المعنى والقيم وكل المطلقات؟

وقد يغالط بعض الملحدين بأنه لا حاجة لهم للإيمان بالروح حتى يؤمنوا بهذه الحقائق، فإلحادهم لا يمنعهم من الإيمان بوجود الفهم، والوعي، والإدراك، والتأمل، والشعور، والحب، والجمال، والأخلاق.. إلا أن مجرد اعتراف الملحد بتلك الحقائق ليس دليلاً على كون هذه الحقائق صنيعة المادة، بل قد يكون دليلاً على أصالة الروح في الإنسان سواء آمن بها أو كفر، فالإلحاد الذي لا يجد تفسيراً للتحول الذي جعل المادة مصدراً لتلك الحقائق ليس في وسعه الإيمان بها قبل الإيمان بالروح ومن ثم الإيمان بالله.

 فلا وجود لأي صلة واضحة بين المادة العمياء الصماء، وبين عالم العقل والمعاني، ففهم الحقائق والشعور بالأشياء شعوراً إدراكياً وقيمياً من سنخ عالم الروح وليس المادة.

والإلحاد بهذا التصور الموغل في المادية يحمل في طياته بذور موته، ما يكاد يولد ليموت في لحظة ولادته، إذ كيف يكون الفكر دليل على الإلحاد والمادة لا تنتج فكراً؟، ولو كان لها ذلك كيف نثق به؟، أو كما يقول المفكر الأيرلندي كليف لويس C. S. Lewis: "لنفترض أنها مجرد ذرات داخل جمجمتي تُعطي ناتج ثانوي يسمى فكر، إذا كان الأمر كذلك كيف أثق أن تفكيري صحيح؟ إنه مثل إبريق الحليب الذي عندما تخضه تأمل أن الطريقة التي تتناثر فيها بقع الحليب ستعطيك ذاتها خريطة لمدينة لندن، ولكن إذا لم أستطع أن أثق بتفكيري ولا أستطيع أن أثق في الحجج التي تؤدي إلى الإلحاد وبالتالي لا يوجد سبب لأكون ملحد أو أي شيء آخر، إلا إذا كنت أؤمن بالله، لا أستطيع أن أؤمن في الفكر: بحيث لا يمكن أبدًا أن أستخدم الفكر لعدم الإيمان بالله."[2] 

 فهناك شعور بالجسد يجده كل إنسان، ويقابله شعور آخر وهو شعور الإنسان بروحه، ولا يمكن مصادرة هذا الشعور والتنكر عليه، لكونه واقعاً يتفاعل معه الإنسان يومياً، فعندما يتأمل الإنسان ويغوص في عالم الفكر، أو عندما يستشعر الجمال ويسترسل فيه، أو عندما يعيش حلماً جميلاً في يقظته، أو عندما ينجذب كما ينجذب الصوفي الولهان، لا يكون حينها وهو يعيش هذه الحالة مجرد مادة صماء، بل حتى عندما يعيش الإنسان في عالم الخيال والوهم ويستغرق فيه لا يكون عايشاً فيه بجسده.

 كل ذلك لا يمكن تفسيره مادياً سواء كان كيميائياً أو فيزيائياً، فالوعي والإدراك والفهم ليست من خصائص المادة، والمغالطة التي يعتمدها الإلحاد في إرجاع كل ذلك لطبيعة المادة مغالطة غير مفهومة، لأننا لا نختلف معهم على وجود نشاط كيميائي في الجسم عندما يفكر الإنسان أو يشعر، وإنما نختلف معهم في الفهم بما هو فهم كيف يكون مادي؟

والقيمة بما هي قيمة كيف تكون حسية؟، والوعي بما هو وعي كيف يكون كيميائي؟ فعلمنا مثلاً بتركيبة العين ووظائف كل جزء منها في عملية الإبصار، لا يجعل البصر بما هو بصر حالة مادية، وإلا كيف يبصر الإنسان وبوضوح تام بدون عين، وكيف يسمع ويميز الأصوات بدون أذن، وكيف يتكلم بأفصح العبارات بدون لسان، وكيف يفرح ويحزن ويضحك ويبكي ويتألم وهو في عالم النوم؟

 مهما ينجح الإلحاد في إيجاد تفسير لهذه الحقائق، إلا أنه لن ينجح أبداً من منع شعور الإنسان بروحه، ومهما امتلك من أدلة على نظرية التطور إلا أنه لن يستطع أن يمنع الإنسان من التطلع نحو الغيب والتقرب منه، ومهما كانت المادة متحكمة لا يمكنها أن تمنع الروح من البحث عن المناقب والقيم والكمال، فكما أن المادة هي مصدر غذاء الجسد فإن الغيب هو مصدر غذاء الروح، واهمال هذا البعد الأصيل في الإنسان تشويه لحقيقته وطمس لإنسانيته، ومن هنا لم يكن الإلحاد إلا صورة مشوهة للإنسان.

فالناتج الطبيعي الذي يتناسب مع فلسفة الإلحاد المادية هو أن يعيش الإنسان محبطاً قلقاً كما عبر كثير من فلاسفة الإلحاد عن هذا الهاجس، ولا يناسبه أيضاً أن يكون هناك تفكير عن قيمة للإنسان فرداً كان أو جماعة؛ لأن الكلام عن القيمة لا يستقيم له معنى مالم يكن هناك كلام عن الغاية السامية التي يسعى لها الإنسان، فالذي كان مجيئه من العدم وذهابه الي العدم فقيمته العدم ايضاً.

ولذا تنبه بعض فلاسفة المدرسة النفعية لأهمية الدين في حياة الإنسان أمثال وليم جيمس الذي كان ينبه باستمرار على أهمية الدين في تحصيل السعادة النفسية والروحية، فالدين يمثل ضرورة إنسانية حتى من زاوية المنطلقات النفعية البحتة، بوصفه سبيل للوصول إلى الاستقرار والراحة والطمأنينة في حالات القلق والاضطراب. ينقل الشهيد مطهري عن وليم جيمس في كتابه العدل الإلهي وصفه لشعور بعض الفلاسفة الملحدين بقوله: "إن كلمات مارك أورل ذات مرارة تنبع من جذور الهم والانقباض، وصوته الحزين يشبه صوت الخنزير الذي يضجع تحت السكين. والوضع الروحي لنيتشه وشوبنهاور عابس، ويرى من سلوكهم الخلقي الانحراف ممزوجاً بالمرارة. وصوت هذين الكاتبين يتميز بمرارة يذكرنا بصوت الجرذان وهي في حالة نزاع. ولا يرى المعنى والمفهوم الصافي العذب الذي يعطيه الدين لمشاكل الحياة ومشتقاتها في تضاعيف سطور هذين الكتابين"[3]  

 وفي ختام هذا المقال نشير إلى نتائج دراسة نشرتها مجلة الطب النفسي الامريكية (The American Journal of Psychiatry)  سنة 2004م تثب وجود علاقة بين الإلحاد والانتحار كما أوصت الدراسة بالدين كعلاج لهذه الظاهرة.

1- نسبة الانتحار لدى الملحدين أعلى ما يمكن!

2- نسبة الانتحار كانت أعلى لدى غير المتزوجين!

3- نسبة الانتحار قليلة بين مَن لديهم أطفال أكثر!

4- الملحدون أكثر عدوانية من غيرهم!

5- الإنسان المؤمن أقل غضباً وعدوانية واندفاعاً!

6- الدين يساعد على تحمل أعباء الحياة والإجهادات ويقلل فرص الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة!

7- الملحدون كانوا أكثر الناس تفككاً اجتماعياً، وليس لديهم أي ارتباط اجتماعي لذلك كان الإقدام على الانتحار سهلاً بالنسبة لهم!

8- ختمت الدراسة بتوصية: إن الثقافة الدينية هي علاج مناسب لظاهرة الانتحار!

 

 


[1] - أنتوني فلو، ترجمة صلاح الفضلي، هناك إله، الناشر المترجم دولة الكويت، تاريخ الطبع 2015م ، ص 108

[2] - د هيثم طلعت، اسلام ويب http://articles.islamweb.net/media/index.php

[3] - العدل الإلهي، الشهيد مطهري، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، ص 98

2021/09/14

فرض الإسلام... ليس استبداداً -1-

من قائمة الاحتجاجات التي يطلقها الكثيرون اليوم، الاعتراض على ما قام به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ بعد انتصاره وهيمنته على مكة وعموم الجزيرة ـ من فرض الإسلام على الناس وإلزامهم به ديناً وعقيدة وإلا فهو القتل، واعتبار ذلك تعدياً واضحاً على الحرية الفكرية علاوةً على الشخصية، ولوناً بيّناً من ألوان الاستبداد.

فهل هو كذلك؟

[اشترك]

    شرعية الفرض

لو فحصنا الأطياف الدينية التي تعامل معها النبي محمد (صلى الله عليه وآله) سنجدها تنحصر بالمشركين (عبّاد الأصنام) وهم الغالبية العظمى من سكان الجزيرة، والنصارى واليهود. وسنتناولها تباعاً لنصل، في النهاية، إلى ما يدفع عن رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) تهمة التعدي وينفي عن ساحته المقدسة صفة الاستبداد.

المشركون

يتلخص الاعتراض، مع هذه الطائفة، في أنها فئة ذات عقيدة ولابد أن تحترم لما يفرضه الواقع الإنساني من ضرورة الالتزام بالتعددية واحترام العقائد المغايرة. فلا يجوز للنبي (صلى الله عليه وآله) إكراههم على اعتناق دينه فضلا عن تهديدهم بالقتل.

ويتلخص الرد على هذا الاعتراض في النقاط التالية:

1.إن عقيدة عبادة الأصنام تعبّر في واقعها الفعلي عن انحطاط هائل في العقل والوجدان الانسانيّين. وهي دافع وانعكاس في الوقت نفسه للواقع الاجتماعي المفزع الذي كان يعيشه سكان الجزيرة العربية من تقاتل وتناحر وقبلية وجهل وتخلف[1].

ولعل في كلام الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب (رضوان الله عليه) مع نجاشي الحبشة بياناً واضحاً عن ذلك الواقع "أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك.."[2]

وعليه فإن عملية الإصلاح لا يمكن أن تتم في المجتمع الجاهلي إلا بالقضاء على هذه العبادة التي تأخذ بعقل الإنسان إلى مهاوٍ سحيقة حيث يصنع الصنم من الطين بيده ثم يضعه عند باب الخيمة في المساء ليجده في الصباح وقد بالت عليه الكلاب فينظفه ويعكف على عبادته، وإلى الاعتقاد بقدرته في التحكم بمقادير هذا الكون الشاسع. وهذا ما يؤكده علم الاجتماع الحديث في تعليله للأديان الوثنية القائمة على أساس الطوطم والخرافة بأنها انعكاس لمجتمع متخلف ولابد في عملية الإصلاح من حركة تنويرية تقضي على هكذا عقائد.

ثم ألا ينطلق الخط الإلحادي الداعي لاجتثاث الدين من أن العقيدة الدينية تمثل الحاضنة الخصبة لنمو كل ما هو متخلف يعيق عملية الإصلاح والتنوير؟

 


[1] انظر سيد المرسلين ج1 ص43 ـ 96  والسيرة النبوية عصرماقبل الهجرة \ عباس زرياب خوئي      

[2] سيرة بن هشام ج2 ص 337

 

2021/09/12

هل للمسلمين مناهج علمية؟

يُعاب علينا بأننا لا نمتلك منهجاً علمياً له جذور سليمة فلماذا؟

إن المناهج العلمية ليس لها دين أو مذهب وإنما هي جهد عقلي تسالم عليه جميع العقلاء، وبالتالي الباب مفتوح أمام الجميع في الاستفادة من هذه المناهج.

[اشترك]

وقد ساهم المسلمين في طول تاريخهم في صناعة هذه المناهج  بل كانوا متقدمين على غيرهم في هذا الباب، فالإبداع الذي قدموه في كثير من المجالات العلمية كان متميزاً، فالمنطق التجريبي، ومناهج التاريخ، وعلم الأصول، تعدُّ من المناهج التي ولدت مع المسلمين، هذا مضافاً إلى أنهم ساهموا في إعادة إنتاج كثير من المناهج الفلسفية، فالفارابي وابن سينا وابن رشد وصدر الدين الشيرازي لهم اسهاماتهم المميزة في بلورة المناهج الفلسفية، كما أن حضارة المسلمين في الأندلس ساهمت في نقل المناهج العلمية إلى الحضارة الغربية، فمثلاً ديكارت الذي يعد من المؤسسين لمناهج البحث وله يعود الفضل في بداية عصر الأنوار، وبخاصة كتابه (مقال عن المنهج) الذي نشر سنة 1637م. والذي يعد اسهاماً مهماً في تأسيس المناهج الغربية، إلى درجة أنه أحدث تموجاً كبيراً في الساحة الفكرية والثقافية، نجد أن أهم ما عالجه ديكارت في هذا الكتاب هو مشكلة الشك كمنطلق للوصول للحقيقة، وهو الشك العلمي الذي يشك في كل شيء من أجل تقييمه بمنظور جديد.

 ومع أن ديكارت له مساهمات منهجية واضحة إلا أن أساس ما قاله يرجع إلى تأسيسات المسلمين، فقد ذكر الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه (المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت) الذي صدر 1973م[1]، يقول فيه: "وقد أثبت هذا البحث بالنصوص القاطعة التطابق الواضح بين المنهج الفلسفي لدى كل من الغزالي وديكارت، والمنهج المعروف بالشك المنهجي. وقد أشرف على هذه الرسالة الأستاذ راينهارد لاوت، وهو من أشد المعجبين بفلسفة ديكارت، وكان يعلن في محاضراته أن الفلسفة الحقيقية قد بدأت بديكارت... وقد كان أمراً مفاجئاً للأستاذ المشرف – بطبيعة الحال – أن يرى أن الغزالي قد سبق ديكارت إلى اكتشاف واستخدام الشك المنهجي... وفي سنة 1992م قامت بنشرها دار نشر كبرى، وتناول الرسالة بعض الباحثين الغربيين واشادت بها الصحيفة السويسرية اليومية في مقال كتبه (كريستوف فون فولتسوجن) تحت عنوان (هل كان الغزالي ديكارتا قبل ديكارت؟)، وأشار الكاتب إلى أهمية الكتاب بوصفه عملا علميا جديراً بالإعتبار، مبينا أنه قد كشف عن حقيقة مفادها أن الشك المنهجي الذي يعد عملا تأسيسيا حاسما في الفكر الغربي، مرتبط بالفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر، أي قبل ديكارت بأكثر من خمسة قرون"[2]

"وقد أكد أحد الباحثين في عام 1976م، تأكيداً قاطعاً اطلاعه على دليل مادي في مكتبة ديكارت يثبت تعرف ديكارت على فكر الغزالي وتأثره به عن طريق ترجمة لكتاب (المنقذ من الضلال) للغزالي. وقد ضمن هذا الباحث وهو المؤرخ التونسي المرحوم عثمان الكعاك هذه الأقوال في بحثه الذي قدمه إلى ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر عام 1976م" [3]

والدليل المادي الذي أشير إليه في المقطع السابق هو أنه عثر هذا الباحث على نسخة من كتاب المنقذ من الضلال للإمام الغزالي، مترجمة إلى اللاتينية، في مكتبة ديكارت الخاصة بمتحفه في باريس، وفي إحدى صفحاتها إشارة بالأحمر تحت عبارة الغزالي الشهيرة «الشك أولى مراتب اليقين»، وعليها حاشية بخط يد ديكارت بعبارة «تُنقل إلى منهجنا»[4]

والشواهد كثيرة التي تدل على مساهمة المسلمين في بناء المناهج العلمية، وعليه من الإجحاف مصادرة كل هذه الجهود بكلمات ليس لها أي رصيد علمي، صحيح أن المسلمين اليوم في حالة من الركود الفكري، إلا أن ذلك لا يعد شاهداً على فقرهم المنهجي.


الهوامش:

 [1] - كان هذا الكتاب في الأساس رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ميونخ بألمانيا 1968م.

[2] -  ذقذوق محمود حمدي، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، دار المعارف القاهرة، ص 11- 12

[3] - محمود حمدي زقزوق، دور الإسلام في تطوير الفكر الفلسفي، جامعة قطر، حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، العدد الثالث، 1984م، ص 65.

ـ [4] http://thaqafat.com/2016/03/30348

2021/09/09

’الغيب’ يتفق مع العقل والمنطق.. اسألوا الطبيب!

الغيب والعقل

يعاني الغيب، وهو العنصر المشترك بين جميع الأديان والمعتقدات، من مشكلة التمييز بينه وبين القضايا الحسية، من حيث أن الأخيرة موضع اتفاق لدى جميع الناس كون صدقها يعتمد الدليل الحسي الذي لا لبس فيه، فيما يعتمد الغيب الدليل العقلي الذي اختلف فيه الفلاسفة بالإضافة الى التعارض الواضح في كثير من مسلمات الكثير من الاديان الغيبية والعقل والمنطق.. حتى لكأن الغيب أو الدين بشكل عام هو موضوع كائن قبالة العقل.

[اشترك]

ومشكلة الغيب متأتية ـ بشكل أساس ـ من الجهات السلطوية التي سعت على مر التاريخ في البحث عما يمكنها من تمرير أوامرها وتعليماتها للناس من دون أية معارضة أو اعتراض مهما كانت تلك التعليمات، فبرز الكاهن أو رجل الدين المنحرف بشكل عام، لينصب نفسه ترجمانا للناس يتحدث بلسان الآلهة.. مستغلا الغيب من جهتين:

الاولى: تصوير الأذى والألم في الحياة الدنيا وكأنه من ذاتياتها، وهو مشيئة الله التي على الإنسان أن يرضخ ويقبل بها، ليستحق الجنة والنعيم الأخروي الغيبي، وذلك ليزرع في الناس روح الرضوخ لما ينتج عن تسلطها وهيمنتها من أذى وجور للرعية.

الثانية: تصوير الغيب وكأنه قبالة العقل ويتم الأخذ به عن طريق الإيمان والتسليم. أي أن الغيب كائن لا يخضع لقوانين العقل والمنطق.

وفي معرض الرد والتوضيح، علينا أن نفرق أولا بين الأديان البشرية التي يصنعها الانسان لغاياته كالوثنية وغيرها، وفيها يمتاز صانعوها بالفقر والحاجة ونسبية القعل والتفكير، وبين الدين الحق الصادر من الإله الحق، الذي يتصف بالغنى والحكمة المطلقين. فيكون ما في الدين الحق من تعاليم وحقائق إنما هي لخدمة الإنسان حيث أن الله غني مطلق لا يدفعه لبث تعاليمه وإرشاداته غير لطفه المطلق بالناس، والغيب مع الدين الحق يتماشى مع العقل والمنطق، حيث أن الله لمطلقيته مطلع على الحقيقة المطلقة التي يقصر عن ادراكها الانسان، فتكون شريعته بما فيها من إخبار وأوامر إنما تستمد من واقع الحقيقة المطلقة، والإنسان النسبي إنما يتمكن في تلك الشريعة من فهم جزء يسير من ملاكاتها وعللها ويقصر عن فهم البقية، بمعنى أن البقية لا تعنى أنها خلاف العقل بل أن عقل الانسان قاصر عن ادراك ما فيها من عقلانية.. وهنا لابد من التسليم..

وهذا النوع من التسليم، إنما يمارسه الانسان في حياته اليومية بشكل عادي.. فحين يمرض ويكون بحاجة الى الطبيب للعلاج.. فإنما يكون إزاء مرحلتين.. الاولى تتعلق بعقله حيث يشرع بالبحث عن الطبيب الملائم الذي يثق بقدرته على تشخيص المرض ووصف الدواء له، عن طريق السؤال عن شهادته العلمية أو شهادة الناس له بالخبر والمهارة، فإذا ما تم له ذلك بدأت المرحلة الثانية وهي التسليم لما يقوله ذلك الطبيب، لأن الإنسان قاصر عن الإلمام بما يعلمه الطبيب في علم الطب. ولو قدر له ان يتعرف على ما يعرفه الطبيب لما اصبح ثمة تسليم وانقياد، بل امر قائم على المنطق والعقل.

إن الغيب لدى الاديان المصنوعة من قبل الانسان إنما تريد ـ كما في مثالنا ـ فرض شخص غير مؤهل لممارسة الطب على ان يتم التسليم له.

2021/09/02

تفسيرات في جذور الحرب... هل هي حالة فطرية في الإنسان؟

كتب مصطفى الهادي: الحرب هل هي حالة فطرية

إن مجرد التفكير بالقتال وخطر الاقتتال يجعل الإنسان يعيش في دوامة من القلق، وأن إعلان حالة الاقتتال هو الأكثر شؤماً على المجتمعات، لأن فيه نذر الفناء للطاقات ولما تبنيه هذه المجتمعات.

[اشترك]

ويذهب كثيرون بأن القتال أمر لا مفر منه، ويقولون بأنه لا يُمكن القضاء على فكرة القتال إطلاقا، لأنه أمر متأصل في الغريزة البشرية حيث تنبت العوامل المساعدة على القتل في طبيعة الإنسان. وفي ذلك إشارة إلى الجانب البهيمي عند الإنسان ومما لا شك فيه أبدا أن السلوك العدواني هو السائد في مملكة الحيوان وليس في عالم الإنسان.

وليس بالضرورة أن نجزم على أن السلوك العدواني لدى الإنسان فطري.

وهؤلاء الذين يجزمون بأن السلوك العدواني فطري عند الإنسان، إنما اعتمدوا على ما قاله بعض علماء الأجناس الغربيين.

يقولون إن الجانب الحيواني باق في الإنسان يسايره جنباً إلى جنب مع آدميته، وهو ضروري لديمومة روح العمل عند الإنسان فبالقوى الحيوانية تدوم الحياة المادية.

وفي زعمهم أن القتال والعدوانية إنما تنطلق من الجانب الحيواني البهيمي عند الإنسان نابع من هذا الأساس.

 

ويرى فريق آخر من الباحثين من أن حالة القتل العدوانية بعيدة جدا عن أن تكون طبيعية في نفس الإنسان، وقد أثبت هؤلاء الباحثون من أن الكثير من القبائل لا تعرف الاقتتال، وأن هذه الحالة كانت غريبة عنهم، ومن هذه القبائل (الأسكيمو) في الشمال الكبير.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى المجتمعات البدائية والشعوب البسيطة التي لم تكن محاربة حيث أنها لم تكن تُقدم على الحرب العدوانية وكانت قليلة الاستعداد للانخراط في أي حرب دفاعية. فكانت أغلب حالات القتال التي تقع بسيطة ولربما تنشأ جراء سرقة أغنام القبائل فيما بينها أو خطف النساء لغرض الزواج.

ولكن عندما تبلغ الثقافة درجة من التعقيد وتتوسع مواردها الاقتصادية وتتطور عقائدها الدينية فإن الحرب والاقتتال سيكون لها موضع قدم في هذه الثقافة.

وهذه الحالة يمكن أن تتغير، بأشكال مختلفة، تبعا لهذه الثقافة أو تلك؛ فقد تعلن الحرب بقوة رهيبة في أحد المجتمعات ولكن قد تكون شبه مفقودة في غيرها من المجتمعات، فعلى سبيل المثال كان الوطن والعرق يُقدس بصورة تكاد تكون دينية حيث كان يرافق هذه العاطفة اندفاع نحو القتال كما حدث بين روما وإسبرطة أو الحروب الصليبية على فلسطين قديما والدول النازية والفاشية وغيرها حديثا.

وهذا لا يعني أبدا من أن عوامل الحرب متأصلة في الإنسان أو غريزته، وإلا لم يمضي أكثر الناس إلى القتال مكرهين ولربما أٌرغم الناس على القتال إرغاماً. وكثيرا ما كنا نسمع عن فِرَق الإعدام التي تبقى في الخطوط الخلفية لدفع المقاتلين إلى القتال. ولربما قام الجنود بعملية تسليم طوعية إلى العدو لأسباب قد تكون مختلفة ولكن يبقى أهمها عدم الرغبة في قتل الآخرين.

وقد كان الكثير من الملوك والخلفاء والأباطرة يُكرِهون الناس على القتال في الحروب ومن ذلك أنهم كانوا ينادون في الأسواق والشوارع بالخروج إلى المعسكر خارج المدينة ولمدة ثلاث أيام، ومن لم يخرج للحرب فقد أباح دمه.

ولكن يبقى أمر هام وهو أن الإنسان عرف الحرب والقتال منذ أن سكن هذه الأرض فليس العامل الحيواني وراء الحروب، فقد كان للغرائز البشرية مثل الحسد وحب السيطرة وقهر الآخرين أمرا مهمّا في إشعال نيران الحروب بين بني البشر. (1)

فبعد أن كان القتال في بدايته فرديا قد يقع بين الأفراد. تطور شيئا فشيئا حتى أصبح قتالا جماعيا يقع بين القبائل والأُسر فكان على هؤلاء أن يختاروا المقاتلين الشجعان والأقوياء وإعداد القادة الذين يطيعون أمرائهم طاعة عمياء وهكذا ظهرت الحرب التي خلقت الزعيم والرئيس والملك وأصبحت حربا بين المدن والمقاطعات ثم إلى حرب شاملة امتدت إلى جميع القارات كما حدث في الحربين العالميتين في القرن العشرين، والقادم اسوأ.

_________

توضيحات:

1- الغريب أن رؤية اليهود للقتل تقول بأن طبيعة الإنسان هي طبيعة الله لان الله خلقه على صورته أي شبيه له ولذلك فإن في الجانب الإلهي غضب وقسوة، فتنسب سفك الدم لله فتقول في سفر التكوين 9: 6 (سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان).

أي أنه يحمل الروح الإلهية بين جنبيه بما فيها الغضب والقسوة وسفك الدماء، لأن الله يحب منظر الدماء ولذلك يطلب دائما أن نُقدم له الاضاحي. والأغرب من ذلك أن المفسر المسيحي يقول بأن الحيوانات كانت مسالمة ولا تعرف القتل والشر والافتراس ولكنها تعلمت الشر والافتراس من الانسان كما نقرأ في تفسير القس انطونيوس فكري في تفسيره للنص أعلاه فيقول : (وحشية الإنسان انعكست على الحيوان فصارت بعض الحيوانات متوحشة وصارت بعض الطيور متوحشة وهكذا الأسماك، طبع الإنسان الوحشي انعكس على الحيوان، ومن أجل أن لا يأكل الانسان لحم أخيه الإنسان سمح له أن يأكل لحوم الحيوانات).

 

2021/08/30

تُهمة جديدة: فيلم الرسالة صناعة ’شيعية’ خبيثة!

نُشر شريط فيديو على اليوتيوب، متبنى من قبل جهة سلفية، حيث نكون فيه امام تعليق صوتي يدين الفلم الاسلامي الرسالة للمخرج العالمي مصطفى العقاد، واصفا إياه بأنه خدعة شيعية خبيثة، ومبرهنا على زعمه بملاحظات، تصحب التعليق الصوتي، بعض المشاهد الصورية ـ من الفلم ـ والتي تعد شواهد لما ذكره من نقاط.

[اشترك]

ومن هذه النقاط:

1ـ إغفال الفلم لدور ابي بكر وعمر وهما من هما في مسيرة الإسلام.

2ـ ما جاء على لسان ابي سفيان من الله في بيته وفي الطائف وفي كل مكان.. وهذه فكرة شيعية حيث ان الفكرة الحقة هي ما تقول به اهل السنة والجماعة من الله على العرش استوى.

3ـ اتهام هند بالفرية الباطلة في حقها رضي الله عنها وهي استخدام وحشي لقتل حمزة رضوان الله عليه ومن ثم اكله كبده

4ـ اظهار ابي طالب رضوان الله عليه وكأنه كان مسلما في حين انه لم يسلم.   

لن اناقش هذه النقاط في محتواها الفلسفي والتاريخي حيث انه حوار قائم لن أغنى فيه شيئا كتبت ما كتبت.. ولكني سأناقشه من البعد الفني... وعلى وجه الخصوص عبارة خدعة شيعية خبيثة.

1ـ الشخص الاول في الفلم وأعني المخرج مصطفى العقاد الذي تبنى الفلم من اوله الى اخره.. سني سوري قضى حياته في هوليود.. فما علاقة شخص كهذا بالتشيع؟!

2ـ كتّاب الفلم.. توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد علي ماهر .. مصريون سنة لا علاقة لهم بالتشيع وقد كتبوا الفلم اعتمادا على مصادر سنية.

3ـ الفلم كان بمتابعة واشراف الازهر في مصر.. وقد عرض على المجلس الشيعي الاسلامي الاعلى في لبنان لبيان رايه فيما يمكن ان يعترض عليه.. اي ان المجلس لم يكن مقررا لما جاء في الفلم.

4ـ انتاج الفلم عام 73ـ 74 ويومها لم يكن للتشيع جهة سلطوية يمكن ان تتبنى فكرة انتاج ضخم كفلم الرسالة لتمرير افكارها.

5ـ المفروض بهذه الجهة ان تتولى مهمة تمويل الفلم.. والحال ان التمويل جاء من دول ثلاث لا علاقة لها بالتشيع وهي الكويت وليبيا والمغرب.

6ـ المفروض بهذه الجهة ان تكرس الفلم لافكارها ومتبناها العقائدي.. والحال ان الفلم يوازن في استعراض دور الصحابة الخلفاء بشكل متساو.. فهناك مشهدان فقط لابي بكر.. يستعرض المشهد الاول ما كان يقوم به ابو بكر من شراء للعبيد المؤمنين واطلاق سراحهم عن طريق شراءه لبلال وهو يعذب ثم تقول هند (ابو بكر هذا يعني محمد)، والاخرى في مصاحبة ابي بكر للنبي ص في الغار. وهذا نفسه بالنسبة للإمام علي (ع) حيث يقتصر ما ظهر فيه على مشهدين، نومه في فراش النبي (ص) وقول ابي سفيان (هذا الفتى يفتديه ابي سفيان اي اناس تحارب). اضافة الى الاشارة لدوره البطولي في حماية الاسلام حيث يقول حمزة في مشهد من الفلم سيف علي اول سيف في الاسلام.

7ـ الفتاوى الدينية في ذلك الوقت بمنع ظهور هذه الشخصيات هو ما جعل التوسع بدورها غير ممكن.. وليس الاغفال المتعمد لدور الصحابة.. فقد تمت المعالجة الدرامية من خلال اظهار الشخصيات المسموح بظهورها كحمزة وعمار وبلال وجعفر.

8ـ عشرات الاعمال الدرامية من افلام ومسلسلات.. مصرية وغير مصرية، تناولت قصة الاسلام والنبي الاكرم (ص) وقد ذكرت نفس النقاط حيث اظهرت دور ابي طالب في حماية الاسلام والنبي ص وقتل هند لحمزة رضوان الله عليه.. فهل كل هذه الاعمال كانت خطة شيعية خبيثة؟!

9ـ لقد كان فلم الرسالة اول خطاب اعلامي ضخم يوصل قصة الاسلام الى الغرب، وقد تعمد المخرج مصطفى العقاد ان يشير بشكل مكثف الى دلائل السلام والانسانية في المحتوى الاسلامي، من خلال معالجات منها:

ـ قول جعفر بن ابي طالب (رض) لملك الحبشة (كنا اهل جاهلية يأكل القوي منا الضعيف.... حتى بعث الله لنا) وفي في تلك المقالة بيان شامل لما جاء به الاسلام من ارساء لمكارم الاخلاق ومكانة المرأة وقوانين حضارية ترقى بالمجتمع.

 ـ قول ملك الحبشة له (الحق الحق اقول لكم ان ما بين ديننا (المسيحي) ودينكم ليس أكثر من هذا الخط).

ـ ظهور بلال الاسود واقفا على اكتاف عمار الابيض الحر في بناء المسجد، للدلالة على ان البناء الاسلامي يقوم على رفض التمييز العنصري والعرقي.

ـ إظهار مسألة تمسك النبي (ص) بالسلام؛ حيث انه استمر في رفض القتال رغم ما واجهه به حمزة (رض) من طلب للقتال، وحين وافق على خوض معركة بدر كان البيان القراني المعلل لها هي قوله الذي صرح به زيد بن حارثة في الفلم (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا)

إن هذه المعالجات هي بالضبط ما أغاظ الجهة السلفية التي طالما تبنت التطرف الديني ومشاريع الإرهاب.

 

2021/08/24

الكون صُدفة.. ’الملحد’ لا يحترم عقله ويخّنع لنفسه!

هناك فرق بين تقديس العقل وتقديس النفس ورغباتها، ومشكلة الملحدين ليست في السماح للعقل في التفكير بحرية، وإنما في تحجيمهم للعقل من خلال السماح لهيمنة الشهوات.

[اشترك]

ومن هنا تحدثت آيات القرآن عن الكفر بوصفه مشكلة نفسية وليست عقلية، فنجدها وصفت الكافرين بأنهم قوم لا يعقلون، قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (171 البقرة)، وعلى هذا لا يعاني الإيمان من مشكلة إذا فُتح الطريق أمام العقل والتعقل، بينما قد يعاني الإيمان من مشكلة إذا فتح الطريق أمام هوى النفس وشهواتها، ومن هنا جاز لنا أن نقول إن إشكالية المعرفة في منظور القرآن نفسية وليست عقلية؛ لأن النفس إذا استأثرت بإرادة الإنسان عملت على توجيهه نحو الأهواء والشهوات، وعندها تتعطل قدرة الإنسان على التفكير والتقييم الموضوعي للحقائق.

وعليه فإن تقديس العقل لا يعني إنكار الحقائق الثابتة بالبرهان، وإنما تقديسه يكون عبر الالتزام بضوابط التفكير المنطقية، وإنكار الملحدون لما يشاءون يدل على رغبتهم في الإنكار ولا يدل ابداً على تقديسهم للعقل، فالذي يؤمن بوجود الكون بدون علة كيف يزعم أنه يقدس العقل أو يحترمه؟ وبالتالي قناعات الإنسان وافكاره لا تعود إلى الإنسان بوصفه عاقلاً فقط وإنما بوصفه صاحب أهوى ومصالح ذاتية أيضاً، فبمقدار ما للعقل من أفكار للنفس افكارها الخاصة ايضاً، ونتيجة لعدم القدرة على التمييز بين الفكرتين يظن البعض أن أفكار الإلحاد عقلية في حين أنها نفسية بامتياز، ومن هنا يحدث الخلط بين الفكرة القائمة على رؤية موضوعية وبين الفكرة القائمة على رؤية ذاتية، والإسلام كدين يقوم بدور تزكية النفس وتهذيبها حتى يتمكن الإنسان من التفكير بعقل مجرد بعيداً عن الأهواء والشهوات.

أما حدود العقل، فيمكننا أن نقول وباختصار: بإن العقل يتحرك في دائرة الشهود من خلال الحواس الخمس، أي أن كل ما هو موجود في عالم المخلوقات المادية يمكن للعقل إدراكه والتفكير فيه وبكل الوسائل الممكنة، أما ما هو خارج عن حدود الحواس والمادة فإن العقل لا يدركه إدراك احاطة تفصيلية، وإنما يتعرف عليه من خلال آياته وعلاماته، وهنا يأتي دور المنهج العلمي الذي يوفر للعقل الطرق الصحيحة للاستنتاج والاستنباط.

2021/07/31

لا اكتشافات ولا اختراعات.. ماذا قدّم ’رجال الدين’ للعالم؟ (فيديو)

يجيب سماحة الشيخ أحمد سلمان عن سؤال فيه "مغالطة كبيرة" على حد تعبيره.

[اشترك]

إذ يعتبر الدين من العلوم الإنسانية وليس معنياً بالاكتشافات والاختراعات على مستوى العلوم التجريبية الأخرى.

تفاصيل أكثر في الفيديو أدناه:

2021/07/31

’موتُ الفجأة’.. عقوبة أم رحمة وما علاقته بـ ’علامات الظهور’؟

هل موتُ الفجأة رحمةٌ للإنسان أو عقوبةٌ له؟ وهل ثمة من دعاء ينجينا من موت الفُجأة؟ وهل كثرةُ موتُ الفجأة من علامات الظهور؟

[اشترك]

ورد في العديد من الروايات أنِّ موت الفُجأة راحةٌ أو رحمةٌ للمؤمن وأخذةُ أسفٍ على الكافر. أمَّا أنَّه راحةٌ للمؤمن فلأنَّه عُوفي من مُقاسات الأمراض المُزمنة، وأمَّا أنَّه أخذةُ أسفٍ على الكافر فلأنَّه مات ولم يستوفِ من الدنيا أملَه، ولأنَّه لا ينتظرُ في الآخرة نعيماً، فشأنُه الحسرةُ على ما خلَّف وما كان قد فاته من حُطام، وهو في ذات الوقت قادمٌ على ما لا يُرجى معه التدارُك.

فمِن الروايات التي أفادت هذا المعنى مارواه الصدوق عن الرسوال (ص) أنَّه قال: "ياعلي موتُ الفُجأة راحةٌ للمؤمن وحسرةٌ للكافر"(1).

ومنها: ما رواه في بصائر الدرجات عن أبي جعفر (ع) قال: قال عليُّ بن الحسين (ع): "موتُ الفُجأة تخفيفٌ على المُؤمن وأسفٌ على الكافر"(2).

ومنها: ما رواه في الكافي بسنده عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال رسول الله (ص): " إنَّ موتُ الفجأة تخفيفٌ على المُؤمن وأخذةُ أسفٍ عن الكافر"(3).

وروى الصدوق قال: قال رسول الله (ص): "إنَّ موت الفُجأة تخفيفٌ على المؤمن وراحةٌ، وأخذةُ أسف ٍعلى الكافر"(4).

ومنها: ما رواه الراوندي قال: وقال النبيُّ (ص) "موتُ الفُجاة رحمةٌ للمؤمنين وعذابٌ للكافرين"(5).

نعم شيوعُ موت الفُجأة في أوساط المجتمع قد يكون منشأه عقوبةً لذنبٍ شاع إرتكابُه بينهم, وحينئذٍ يقعُ ذلك على المؤمن كما يقعُ على غيره، فإنَّ البلاء إذا وقع فإنَّه قد يعم، فتكون إصابةُ المؤمن به تكفيراً لذنوبِه أو رفعاً لدرجتِه، ويكون وقوعُه على غير المؤمن عقوبةً وجزاءً على سوءِ فعله.

وقد ورد في أكثر من رواية أنَّ شيوع موت الفجأة ينشأ عن شيوع الزنا.

فمِن هذه الروايات ما رواه في الكافي بسندِه عن أبي جعفر (ع) قال: "وجدنا في كتاب رسول الله (ص) إذا ظهر الزنا من بعدي كثُر موتُ الفُجأة" (6).

وليس معنى ذلك أنَّ موت الفُجأة لايُصيب المتحرِّز عن الزنا بل معنى ذلك إنَّ الزنا إذا ظهر بين الناس وشاع إرتكابُه فإنَّ منأثرَه إبتلاء الناس بموت الفجأة، فيُصيب هذا البلاء المُرتكب للزنا وغيره.

وأمَّا ما يدفع مِن موت الفُجأة على المستوى الشخصي فورد في بعض الروايات أنَّ قراءة سورة التغابن يدفعُ موتَ الفجأة عن المداوم على قرائتها.

ففي مستدرك الوسائل عن الرسول (ص) أنَّه قال: "ومَن قرأ سورة التغابُن دُفع عنه موتُ الفجأة"(7).

وأورد الكافي بسندٍ معتبرعن أبي عبد الله (ع) دعاءً كان يدعو به أبو جعفر الباقر(ع) إِذَا أَصْبَحَ: " بِسْمِ اللَّه وبِاللَّه وإِلَى اللَّه وفِي سَبِيلِ اللَّه وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّه (ص) اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَسْلَمْتُ نَفْسِي وإِلَيْكَ فَوَّضْتُ أَمْرِي وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِحِفْظِ الإِيمَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ومِنْ خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمَالِي ومِنْ فَوْقِي ومِنْ تَحْتِي ومِنْ قِبَلِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه، نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ والْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وشَرٍّ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ومِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ ومِنْ ضِيقِ الْقَبْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ سَطَوَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ورَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ ورَبَّ الْحِلِّ والْحَرَامِ أَبْلِغْ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ عَنِّي السَّلَامَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِدِرْعِكَ الْحَصِينَةِ وأَعُوذُ بِجَمْعِكَ أَنْ تُمِيتَنِي غَرَقاً أَوْ حَرَقاً أَوْ شَرَقاً أَوْ قَوَداً أَوْ صَبْراً أَوْ مَسَمّاً أَوْ تَرَدِّياً فِي بِئْرٍ أَوْ أَكِيلَ السَّبُعِ أَوْ مَوْتَ الْفَجْأَةِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مِيتَاتِ السَّوْءِ ولَكِنْ أَمِتْنِي عَلَى فِرَاشِي فِي طَاعَتِكَ وطَاعَةِ رَسُولِكَ (ص) مُصِيباً لِلْحَقِّ غَيْرَ مُخْطِئٍ أَوْ فِي الصَّفِّ الَّذِي نَعَتَّهُمْ فِي كِتَابِكَ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أُعِيذُ نَفْسِي ووُلْدِي ومَا رَزَقَنِي رَبِّي بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ حَتَّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، وأُعِيذُ نَفْسِي ووُلْدِي ومَا رَزَقَنِي رَبِّي بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ حَتَّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، ويَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّه عَدَدَ مَا خَلَقَ اللَّه والْحَمْدُ لِلَّه مِثْلَ مَا خَلَقَ اللَّه والْحَمْدُ لِلَّه مِلْءَ مَا خَلَقَ اللَّه والْحَمْدُ لِلَّه مِدَادَ كَلِمَاتِه، والْحَمْدُ لِلَّه زِنَةَ عَرْشِه، والْحَمْدُ لِلَّه رِضَا نَفْسِه، ولَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، ولَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّه رَبِّ السَّمَاوَاتِ والأَرَضِينَ ومَا بَيْنَهُمَا ورَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ ومِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ والْوَقْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ والْمَالِ والْوَلَدِ، ويُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ(8).

وأمَّا أنَّ شيوع موت الفُجأة هل هو من علامات الظهور، فقد ورد في الكافي بسندٍ معتبر عن السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: قال النبيُّ (ص) "مِن أشراط الساعة أنْ يفشوَ الفالجُ و موتُ الفجأة"(9).

 

الهوامش:

1- من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق- ج4 / ص363.

2- مختصر بصائر الدرجات -الحسن بن سليمان الحلي- ص91.

3- الكافي -الشيخ الكليني- ج3 / ص112.

4- من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق- ج1 / ص134.

5- الدعوات -قطب الدين الراوندي- / ص242.

6- الكافي -الشيخ الكليني- ج2 / ص374.

7- مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج4 / ص352.

8- الكافي -الشيخ الكليني- ج2 / ص526.

9- الكافي -الشيخ الكليني- ج3 / ص261.

2021/07/17

هل ’المرجعية الدينية’ مؤسسة إدارية تشبه ’الكنيسة’؟!

لا شكَّ أنَّ العملَ المؤسّسيَّ أفضلُ وأكثرُ عائداً على المُجتمعِ منَ العملِ الفرديّ، إذ إنَّ فيهِ تجميعاً للطّاقاتِ، واستقرارا نسبيّاً للعملِ، لكنَّ استجلاب النّموذجِ الكنسيّ للتّطبيقِ على المرجعيّةِ الشّيعيّةِ هل يمكنُ أن يكونَ حلّاً لِما يراهُ السّائلُ مِن سلبيّاتِ العملِ الفرديّ للمرجعيّةِ الشيعيّةِ؟ وهل توجدُ سلبيّاتٌ للتّنظيمِ الكنسي؟

[اشترك]

لمعرفةِ ذلكَ لابدَّ منَ التّعرّفِ على النّموذجِ المطروحِ في سياقِه التّاريخي والحالي وقياس إيجابيّاتِه وسلبيّاتِه، والتّعرّف على ما يمكنُ أن يكونَ أوجهاً للخلافِ بينَه وبينَ النّموذجِ الشيعيّ للمرجعيّة.

منَ المعروفِ أنَّ النّظامَ الكنسيَّ وليدُ المجاميعِ المسكونيّةِ التي كانَت تُعقدُ بدعوةٍ منَ الأباطرةِ، ابتدأت بالمجمعِ المسكونيّ الأوّلِ في نيقية الذي عُقدَ بناءً على تعليماتٍ منَ الإمبراطورِ قسطنطين الأوّلِ لدراسةِ الخلافاتِ في كنيسةِ الإسكندريّةِ بينَ آريوس وأتباعِه مِن جهة وبينَ الكسندروس الأوّلِ وأتباعِه مِن جهةٍ أخرى حولَ طبيعةِ يسوع هل هيَ نفسُ طبيعةِ الرّبِّ أم طبيعةِ البشر؟

أنكرَ آريوس أزليّةَ يسوع فاعتقدَ بأنّهُ كانَ هناكَ وقتٌ لم يكُن يسوعُ موجوداً فيه، واعتبره رفيعاً بينَ مخلوقاتِ اللهِ ومِن صُنعِهِ، كما اعتبر أنَّ الرّوحَ القُدسَ مِن صُنعِ اللهِ أيضاً. بينَما أكّدَ الكسندروس الأوّل (بابا الإسكندريّة) على أنَّ طبيعةَ المسيحِ هيَ مِن نفسِ طبيعةِ اللهِ وتغلّبَ رأيُ الكسندروس الأوّل (بابا الإسكندريّة) بالاقتراع ورفضَ آريوس وإثنانِ منَ القساوسةِ بإصرارٍ التّوقيعَ وحُرقَت كتبُ آريوس وسُمّيَ مذهبُه ببدعةِ آريوس ووُصمَ أتباعُه إلى اليوم بلقبِ أعداءِ المسيحيّة.

وكما هوَ الحالُ في مجمعِ نيقية كانَت تنتهي المجاميعُ دائماً بقراراتٍ تشطبُ مجموعةً منَ الرّؤى بقرارٍ منَ المجمعِ وتُدينُ أصحابَها وتتّهمُهم بالهرطقةِ والزّندقةِ؛ مثلما جرى في مجمعِ افسس الذي إنتهى بتكفيرِ نسطور وكايليستوس.

والذي نريدُ أن نُشيرَ إليهِ أنَّ هذا التّنظيمَ المؤسّسيَّ الحالي، وليدُ شرعيّةِ القوى وليسَ الحقّ، وأدّى إلى وأدِ كثيرٍ مِن أراءِ العُلماءِ التي ربّما كانَت اليومَ في صُلبِ العقيدةِ المسيحيّةِ لولا التّنظيمِ المؤسّسي.

ربّما مِن هُنا تتّضحُ قيمةُ ما أشارَ إليهِ المرجعُ الدّينيُّ السّيّدُ محمّد سعيد الحكيم في سياق جوابِه عنِ المرجعيّةِ المؤسّسيّةِ، حيثُ أشارَ للقيمةِ التي تلعبها المرجعيّةُ الفرديّةُ التي تُعطي حقَّ الاختيار للمؤمنينَ مباشرةً، لاختيار مرجعيّتِهم، حيثُ قالَ في كتابِه المرجعيّةُ الدّينيّةُ وقضايا أخرى ص60-61: 

"وفي الحقيقةِ أنّهُ بعدَ غيابِ القيادةِ المعصومةِ وتعرّضِ القيادةِ للخطأ المُتعمّدِ أو غيرِ المُتعمّدِ ، فالمرجعيُّة الفرديّةُ الحُرّةُ حيثُ تبتني على إيكالِ تشخيصِ مَن هوَ أهلٌ للمرجعيّةِ لعامّةِ النّاسِ مِن دونِ أن يُفرضَ عليهم فرضاً، فهيَ تبتني في الوقتِ نفسِه على أمرينِ مهمّين:

الأوّلُ: رقابةٌ عامّةِ النّاسِ على المرجعِ، فمَن لا يعجبُهم واقعُه وسلوكُه ينكرونَ عليه ـ ولو في أنفسِهم ـ ويُعرضونَ عنهُ ويتّجهونَ إلى غيره.

الثاني: فسحُ مجالِ التّصدّي لأهلِ الإخلاصِ والواقعيّةِ والاستقامة ممَّن يهتمُّ بخدمةِ المبدأ. وحينئذٍ يبقى للحقِّ ولأهلِه صوتٌ ودعوةٌ، وتقومُ بهما على النّاسِ الحُجّة.

كما أنّهُ يمنعُ مِن شدّةِ الانحراف والبُعدِ الكثيرِ عنِ الحقِّ ، لأنَّ وجودَ حقٍّ ظاهرٍ ناطقٍ يفضحُ الباطلَ وينبّهُ الغافلَ عنه، ويمنعُ أهلَ الباطلِ منَ الإغراقِ فيه. أمّا المُنحرفونَ في سلوكِهم فإنّهم لو استطاعوا أن يجمعوا حولَهم النّاسَ ويقنعوهم ـ بطرقِهم الملتويةِ أو بكفاءاتِهم الشخصيّةِ ـ مدّةً منَ الزّمنِ ، إلّا أنَّ الحقَّ بقوّةِ حُجّتِه وبواقعيّةِ حَمَلتِه يُعرّي الإنحرافَ والزّيفَ ، فيتراجعُ إليهِ مَن يستيقظُ ضميرُه وتقومُ الحُجّةُ بهِ على غيره ."

وهذا الأمرُ تؤكّدُه حقيقةُ المُنظّمةِ الكنسيّةِ التي تُعطي العصمةَ للبابا في قضايا العقيدةِ الدّينيّةِ خصوصاً في الكنيسةِ الغربيّةِ، الرّوميّةِ نسبةً لروما إذ يُعتبرُ البابا نائباً عَن بطرس الذي على حسبِ الاعتقاد المسيحيّ أنّهُ وكيلُ المسيحِ في إنشاءِ الكنيسة.

وهذا الأمرُ الذي ربّما سرى على المرجعيّةِ الشيعيّةِ إذا سلكَت نفسَ الطريقِ، حيثُ ستُصبغُ المرجعيّةُ العليا في هذهِ الحالةِ بصبغةِ العصمةِ، الأمرُ الذي يخالفُ اعتقاد الشّيعةِ الذين يعتقدونَ بوجودِ صاحبِ الأمرِ والعصمةِ، ويتطلّعونَ إلى ظهورِه الميمون.

أضِف إلى ذلكَ أنَّ هناكَ نقطةً جوهريّةً يجبُ أن تعالجَ في طريقِنا لاجتراحِ حلولٍ مؤسّسيّةٍ للمرجعيّةِ وهيَ أنَّ المرجعيّةَ قضيّةٌ دينيّةٌ (مِن أجلِ الخروجِ عن عُهدةِ التّكاليفِ الشرعيّةِ، وبراءةِ الذّمّةِ مِنها أمامَ اللهِ تعالى ، وحصولِ العُذرِ بينَ يديهِ يومَ يعرضونَ عليه، ويناقشُهم يومَ الحسابِ ـ فلابدَّ مِن ابتنائها على الأدلّةِ الشرعيّةِ الكافيةِ التي تصلحُ حُجّةً بينَ يدي اللهِ تعالى يومَ العرضِ الأكبر.

والمرجعيّةُ الحُرّةُ ـ حيثُ يفترضُ حريّةُ كلِّ شخصٍ في اختيار المرجعِ الذي يُقلّدُه ويقتنعُ بقيامِ الحُجّةِ الشرعيّةِ عليهِ ـ التي جرى عليها الشّيعةُ هذهِ القرونَ الطويلةَ، مِن عصورِ الأئمّةِ (عليهم السّلام) إلى يومِنا هذا، قد ثبتَت مشروعيّتُها بالأدلَّةِ والبراهينِ الكافيةِ، التي أجهدَ علماؤنا (رضيَ اللهُ عنهم ورفعَ درجاتِهم) أنفسَهم في تشييدِها على خلافٍ منهُم في كثيرٍ منَ الخصوصيّات. المصدرُ 49)

لذلكَ نقلُ هذا النّموذجِ الكنسيّ بتفاصيلِه التي خلقَتها صيرورةُ تراكمِ القوى السياسيّةِ، بعيداً عنِ الموازينِ الشرعيّةِ، يُجابَهُ بعقبةٍ كبيرةٍ في النّظامِ الشيعيّ إذ المطلوبُ إقامةُ أدلّةٍ قطعيّةٍ على النّظامِ الذي يخلقُ المرجعيّةَ المؤسّسيّةَ بتفاصيلِها الكثيرةِ، وإلّا نُقضَ الغرضُ وهوَ الإجماعُ عليها، ففي غيابِ الأدلّةِ القطعيّةِ على هذا النّظامِ، يفتقدُ للشّرعيّةِ التي تُبرئ ذمّةَ المُكلّفينَ مِن جهةٍ ولا يقطعُ النّزاعَ الذي هوَ غرضُ هذهِ الدّعوةِ مِن جهةٍ أخرى.

هذا إن كانَ السّائلُ ناظراً إلى اختيار المرجعيّةِ العُليا على طريقةِ البابا في النّظامِ الكنسيّ، أمّا إن كانَت الدّعوةُ عامّةً لتأسيسِ المؤسّساتِ وتركِ العملِ الفرديّ فإنَّ الأدلّةَ العامّةَ في الشريعةِ تكفي لتُعطي الشرعيّةَ لمثلِ هذهِ الدّعوة.

2021/06/29

عذاب قبل يوم القيامة: هل الجنة والنار مخلوقتان الآن؟!

أوّلاً: مِن عقائدِ الشّيعةِ التي أجمعوا عليها هوَ أنّ الجنّةَ والنّارَ موجودتانِ ومخلوقتانِ الآن، قالَ الشّيخُ الصّدوقُ: واعتقادنا في الجنّةِ والنّارِ أنّهُما مخلوقتانِ، وأنَّ النّبيَّ (ص) قد دخلَ الجنّةَ، ورأى النّارَ، حينَ عُرجَ به. (الاعتقادات للصّدوق ص79).

[اشترك]

وقالَ الشّيخُ المُفيد: إنَّ الجنّةَ والنّارَ في هذا الوقتِ مخلوقتانِ، وبذلكَ جاءَت الأخبارُ وعليهِ إجماعُ أهلِ الشّرعِ والآثار، وقد خالفَ في هذا القولِ المُعتزلة والخوارجُ وطائفةٌ  منَ الزّيديّةِ. (أوائلُ المقالاتِ للمُفيد ص124).

روى الصّدوقُ بسندٍ مُعتبرٍ عَن عبدِ السّلامِ بنِ صالح الهروي - في حديثٍ طويل - عنِ الرّضا عليه السّلام، قالَ: قلتُ لهُ يا بنَ رسولِ اللهِ: أخبِرني عنِ الجنّةِ والنّار، أهُما اليومَ مخلوقتان؟ قالَ: نعَم، وإنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله قد دخلَ الجنّةَ ورأى النّارَ لمّا عُرجَ به إلى السّماءِ، قالَ: قلتُ لهُ إنَّ قوماً يقولونَ إنّهما اليومَ مُقدّرتانِ غيرُ مخلوقتينِ، فقالَ عليه السّلام: ما أولئكَ منّا ولا نحنُ منهم، مَن أنكرَ خلقَ الجنّةِ والنّارِ فقَد كذّبَ النّبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وكذّبنا، وليسَ مِن ولايتِنا على شيءٍ، ويُخلّدُ في نارِ جهنّم ). (عيونُ أخبارِ الرّضا: 1 / 106).

ثانياً: إنّ النّبيّ (ص) قد عرجَ ببدنِه وروحِه الشريفةِ إلى السّماءِ، وهذا أيضاً مِن ضروريّاتِ مذهبنا.

ثالثاً: ثبتَ أنّ النّبيَّ (ص) في رحلةِ المعراجِ قد دخلَ الجنّةَ وأكلَ مِن طعامِها، ورأى بعضَ النّاسِ مُعذّبينَ في النّار.

وعليهِ نقول: نؤمنُ بما رآهُ النّبيّ (ص) في المعراجِ، ولا ننكرُه، مِن بابِ الإيمانِ بالغيبِ وتصديقِ الرّسولِ، قالَ تعالى: (هُدىً للمُتّقينَ الذينَ يؤمنونَ بالغيبِ)، فإنّ نبيّنا (ص) قد أخبرَ عنهُ، وهو صادق.

ونحنُ نعلمُ أنّه أمرٌ ممكنٌ، إذ رؤيتُه للمُعذّبينَ في النّارِ والمُنعّمينَ في الجنّةِ، على الحقيقةِ، ليسَت منَ الأمورِ التي يحيلها العقلُ أو يمنعُها الشّرعُ، كيفَ يحصلُ طيُّ الأرضِ؟! وكيفَ حصلَ إحضارُ عرشِ بلقيس منَ اليمنِ إلى فلسطين بأقلِّ مِن طرفةِ عين؟! وكيفَ كانَ عيسى يُحيي الموتى؟! وكيفَ عُرِجَ بنبيّنا (ص) إلى السّماءِ؟! هذهِ أمورٌ مُمكنةٌ وواقعة.

ولكِن نذكرُ بعضَ الاحتمالات في هذا المجال:

الاحتمال الأوّلُ: أنّ اللهَ تعالى أخرجَ نبيَّه (ص) منَ الزّمانِ الحالي وأدخلَه في الزّمانِ المُستقبلِ، رحلةٌ إلى عالمِ الآخرةِ والقيامةِ، فرأى أهلَ النّارِ وهُم يُعذّبونَ في النّار.

ولعلّهُ أخرجَه منَ الزّمانِ الماضي والحالي والاستقبالي، وأراهُ الأشياءَ مُنسلخةً منَ الزّمان.

فإنّ الماضي والحالي والمُستقبل كلّه حاضرٌ عندَ اللهِ تعالى مُنكشفٌ له، ولا يختلفُ عليهِ الزّمانُ والمكان، وحضورُ الأشياءِ ليسَت زمانيّةً عندَه تعالى، فلعلَّ اللهَ أطلعَ نبيَّه (ص) على الأشياءِ وهيَ حاضرةٌ عندَه تعالى.

وهذا الأمرُ وإن كانَ يصعبُ على العقلِ تعقّلُه، لأنَّ تعقّلنا مقترنٌ بالزّمانِ، ولكنّه أمرٌ ممكنٌ، وليسَ في حيّزِ المُستحيلات.

الاحتمال الثّاني: أن تكونَ رؤيتُه لشاكلةِ الأعمال، فإنّ الأعمالَ تتجسّمُ في عالمِ الملكوتِ والبرزخِ والقيامةِ، فإنّ بعضَ الأعمالِ السّيّئةِ باطنها وحقيقتها نارٌ وعذابٌ وجحيم، كما أنّ بعضَ الأعمالِ الحسنةِ باطنُها وحقيقتُها روحٌ وريحانٌ وجنّةٌ ونعيم، ويمكنُ لبعضِ أولياءِ اللهِ رؤيتُها ببعضِ طبقاتِ وجودِهم.

الاحتمال الثّالثُ: أن يكونَ تجسّدَ لهُ مصيرُ ومستقبلُ هؤلاءِ الرّجالِ والنّساءِ، كما تجسّدَت لهُ الدّنيا على شكلِ امرأة، فيكونُ اللهُ بعدَ أن أرى نبيَّه الجنّةَ والنّارَ، أطلعَه على لوحِ القَدَر، فرأى مصيرَهم ونتائجَ بعضِ أعمالِهم السّيّئةِ في النّار.

الاحتمال الرّابعُ: أن يكونَ رأى مثالَهم وصورَهم التي في السّماءِ، فإنّ لكلِّ إنسانٍ مثالٌ في العوالمِ الفوقانيّةِ، وهناكَ تأثيرٌ وتأثّرٌ وارتباط بينَ البدنِ الأصليّ والمثالِ الفوقيّ، فلعلَّ الإنسانَ إذا قامَ بعملٍ موجبٍ لدخولِ النّارِ، فإنّ مثالَه وصورتَه تتعذّبُ وتتنعّمُ، فيكونُ النّبيُّ (ص) قد رأى صورَهم التي في السّماء.

والاحتمال الأوّلُ أقربُ إلى ظاهرِ النّصوصِ.

والاحتمالات الثّلاثةُ الأخيرةُ مبنيّةٌ على عدمِ رؤيةِ النّبيّ (ص) لذواتِ المُعذّبينَ، وإنّما رأى أعمالَهم المُجسّمةَ، أو مصيرَهم، أو مثالَهم.

2021/06/24

حركات إسلامية بشعارات ’علمانية’.. هل هذه هي نهاية التقاطع؟!

مفاهيم الدولة المدنية والقيم الإسلامية

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

بداية نشير إلى مقدمة نفهم من خلالها خلفيات النزاع الذي تعيشه المجتمعات المسلمة بين هويتها الإسلامية وبين الخيارات الحديثة للدولة، حيث أن الإشكالية لا تختص بالمجتمع العراقي وإنما هي ممتدة عبر معظم المجتمعات الإسلامية.

[اشترك]

والسبب في ذلك يعود إلى الإخفاق السياسي الذي تعانيه تلك الدول، مما فتح الباب واسعاً أمام خيارات سياسية تقوم على استبعاد الدين وقيمه من المشهد السياسي والاجتماعي، ومن المفارقات أن كل الأنظمة التي ورثت نظام الحكم بعد حقبة الاستعمار تقوم على التشبه بالنظم الغربية، ولم تعمل على إيجاد نظامها السياسي الذي يناسب بيئتها وتراثها وقيمها وهويتها الإسلامية، ومع ذلك نجد الدعاية العالمية والمحلية تعمل على تحميل الإسلام مسؤولية كل ما في العالم العربي والإسلامي من كوارث، بل حتى الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية بعد الربيع العربي بدأت ترفع شعارات الدولة المدنية في حالة من الاستسلام الواضح لموجة الخطاب العلماني، وهكذا اصبح الخطاب السياسي المتحكم في المشهد هو الخطاب العلماني الذي يعمل وبشكل مدروس على تفتيت بنية المجتمع الديني واستبداله ببنية علمانية.

  ومن المؤكد أن الصورة غير واضحة ويكتنفها الكثير من الغموض، والشارع العربي والإسلامي اصبح في حالة من الاضطراب حتى فقد القدرة على تحديد خياراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والذي يتحمل مسؤولية ذلك هو الفوضى التي خلقتها النخب المتحكمة في الوضع الثقافي سواء كانت إسلامية أو علمانية، فلو قمنا بمقاربة لإشكالية الإسلام والعلمانية بشكل نظري بعيداً عن معطيات الواقع، لوجدنا من الصعب تقديم خيار العلمانية على خيار الإسلام، فالعلمانية في مفهومها النظري تقوم على تضخيم الجانب المادي على حساب الجانب الروحي، والإسلام يقوم أساساً على خلق توازن بين الجانبين، وبذلك تصبح العلمانية خياراً ناقصاً لا يكتمل إلا بالإسلام، أما إذا قاربنا إشكالية الإسلام والعلمانية على ضوء التجربة العملية، لتمكن البعض من جمع الكثير من الشواهد التي تثبت الطابع السلبي لتجارب الحكم الدينية، في مقابل الكثير من الشواهد الناجحة للدول العلمانية وبخاصة في الدول الاوربية، ويبدو أن هذه المقارنات هي التي تجعل الصورة مشوشة يصعب معها التمييز الموضوعي بين التجربة الدينية والتجربة العلمانية، والتقييم الموضوعي والمحايد يجب أن يقودنا إلى القول: لا التجربة العلمانية تمثل الصورة المثالية لما يطمح له الإنسان، ولا التجارب الدينية تمثل تعبيراً صادقاً عن الدين، ومن هنا نؤكد على أن النقاش العلماني الديني يجب إعادة طرحة بنفس نزيه يبحث عن ما يمثل طموحاً للإنسان، ومن الخطأ البحث عن الطموح الإنساني ضمن المقارنات التنافسية لكونها تمنع الإنسان من التفكير في الخيارات خارج حدود ما هو مجرب بالفعل، فبالقدر الذي يمكن جمع شواهد مشوهة للتجربة الحكم الديني يمكن جمع شواهد أيضاً مشوهة لتجربة الحكم العلماني، وكل ذلك يجعلنا في حالة من الجدل الدائم الذي لا يخدم المصلحة الإنسانية، والخيار العقلاني يوجب إعادة الوعي لمفاهيمنا حول الإنسان والدين والدولة بعيداً عن الاسقاطات السلبية للتجارب التاريخية، وعليه فإن التيار الديني والتيار العلماني يجب أن يرتقي إلى مستوى الهم الإنساني والبحث من جديد من أجل إعادة فهم الإنسان روحياً ومادياً ومن ثم إيجاد النظام الذي يلبي طموحاته بعيداً عن جعل البحث محصوراً بين الخيارات المجربة، وإذا تم فهم الإنسان فهماً حقيقياً وواقعياً على أنه روح وجسد يعيش في الدنيا ويتطلع إلى الأخرة، حينها لا يمكن النظر الي الدين بهذه السطحية المتفشية بين التيارات اللا دينية.

إن إشكالية التوافق بين قيم الدين وبين قوانين الدولة المدنية ليس إلا عرضاً متوقعاً لما يعانيه مجمل الواقع السياسي في البلدان الإسلامية، وكل المعالجات التي تتوجه للأعراض دون الأسباب الحقيقية هي معالجات ارتجالية  تحركها الحمية الدينية، وهي بدورها لا تؤدي إلا إلى مزيد من التصادم بين تيارات الأمة، مما يؤدي إلى اتساع الهوة وزيادة الشرخ الاجتماعي، ومن هنا فإن الحلول الجذرية تستوجب معالجات تمتد إلى البنية الدينية والسياسية والثقافية، فعلى الخطاب الإسلامي أن يرتقي إلى مستوى الهموم الحقيقية للأمة حتى لا يتم عزله ومن ثم تصفيته، وعلى الخطاب العلماني أن يبني خياراته السياسية بما ينسجم مع الإمكانات المحلية بعيداً عن اسقاط نماذج جاهزة فصلت اساساً لتتناسب مع مجتمعات أخرى، وبناء أي دولة لا يكون إلا من خلال مراعاة الإرث التاريخي والحضاري لها، واهمال ذلك لا يؤدي إلا إلى خلق صور مشوهة كما هو الحال في عالمنا الإسلامي، بحيث ضيعت أنظمتنا السياسية قيمنا الدينية كما لم توجد لنا دولاً حديثة، وكما يقال ضيعت المشيتين.

فالسؤال عن مدى حرية المجتمع في خلق أنماط سلوكية لا يمكن تحديده بقرار؛ لأن حركة المجتمع وخياراته السلوكية رهينة بالمتغيرات التي لا يمكن التحكم فيها مالم يتم التحكم في المشهد العام، ولا يمكن جبر المجتمعات على الحفاظ على سلوكها الإسلامي إذا كان الإسلام غير متحكم في المشهد، ومن هنا تتعقد المعادلة وتتشابك الخيوط المؤثرة فيه، وحتى يتمكن الإسلام من فرض خياراته على المجتمع لا بد أن يكون خطابه مقنعاً لهذا المجتمع، وهذا ما يجب أن يشتغل عليه المهتمون بكل جد وإخلاص وتجرد، مضافاً للموضوعية العلمية التي تخاطب العقول وتستثير القيم الفطرية الكامنة في الإنسان بعيداً عن الخطابات العاطفية التي لا تستهدف غير تحريك الغرائز الدينية وبدون أي رؤية واضحة ومدروسة.

2021/06/21

ما الفرق بين ’البدعة’ و ’التجديد’ في الدين؟

*السيد مكي العلوي

البدعة هي الإضافة للدين وقد جاءت في آية من القرآن الكريم في قوله تعالى:

(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [ الحديد].

[اشترك]

ويبدو ان كلمة البدعة من الناحية اللغوية تطلق على الاضافة وليس على النقصان، ولكن اضافة منسوبة الى الدين، تأمل في الحديث الشريف:

(إذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عَلِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ اجمعين).

والحديث مروي في الكافي والمحاسن ودعائم الإسلام، ورغم أن البعض لا يقبل بسنده لكن رواية هؤلاء الأعلام له ومتنه قد يشيران لصحته.

(وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلاَّ تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ، فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، والْزَمُوا الْمَهْيَعَ، إِنَّ عَوَازِمَ الأمُور أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا). نهج البلاغة الخطبة 145

(يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِيَّاكَ أَنْ تَسُنَّ سُنَّةَ بِدْعَةٍ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَنَ‏ سُنَّةَ سَيِّئَةٍ لَحِقَهُ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ). (مكارم الأخلاق ص 454, بحار الأنوار ج 74 ص 104, الوافي ج 26 ص 215

فالذي يظهر من هذه الأحاديث ان البدعة اضافة الى الدين، ولاريب ان تحريم شيء او ايجاب شيء، يعتبر زيادة في الدين، ويلحق بالبدعة.

قال العلامة المجلسي في بيان معنى كلمة البدعة، التي وردت في الأحاديث: البدعة كل رأي، او دين، او حكم او عبادة، لم يرد (نص) من الشارع بخصوصها ولا في ضمن حكم عام.  البحار ج 2، ص 264.

وجاء في حديث شريف عن امير المؤمنين علي عليه السلام في معنى السنة والبدعة (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ السُّنَّةِ وَ الْبِدْعَةِ وَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَ عَنِ الْفِرْقَةِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع السُّنَّةُ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ الْبِدْعَةُ مَا أُحْدِثَ‏ مِنْ‏ بَعْدِهِ‏ وَ الْجَمَاعَةُ أَهْلُ الْحَقِّ وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلًا وَ الْفِرْقَةُ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَ إِنْ كَانُوا كَثِيراً. معاني الأخبار ص : 154

وفي ذلك يقول الكاتب علال الفاسي: ان البدعة الشرعية لا تشمل الا مايقع في امر الدين مع قصد معناها في الشريعة. وعليه فالعاديات (الامور الحياتية المعتادة) ليست من البدع وان كانت واقعة على غير مثال سابق. ((التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده السيد محمد تقي المدرسي ج 2 ص 91 وما بعده)).
 ويضيف الفاسي والغاية من تحريمها هو البعد عن الزيادة في الدين ما ليس منه، وذلك ما شنع الله على الكافرين وروءسائهم حين قال: (ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وان الظالمين لهم عذاب اليم).

ونستفيد هذا المعنى للبدعة من روايات اهل البيت عليهم السلام فقد جاء عن الامام الصادق عليه السلام

عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ كَافِراً قَالَ أَنْ يَبْتَدِعَ‏ شَيْئاً فَيَتَوَلَّى عَلَيْهِ وَ يَبْرَأَ مِمَّنْ خَالَفَهُ. بحار الأنوار (ط - بيروت) / ج‏2 / 301 / باب 34 ص: 283

أما التطور فيمكن ملاحظة مفارقته للبدعة بالآتي:

1- التطور في الوسائل: الدين قيم سامية ثابتة وقد تختلف وسيلة الوصول إليها ونشرها من زمان لزمان فيكون التطور في الوسائل، مثل وسائل الدعوة التي تتطور عبر الزمان من أعواد المنابر إلى الإذاعات إلى الوسائط الإلكترونية.

2- التطور في المناهج الموصلة إلى قيم الدين وأحكامه، مثال نشوء علوم الدراية والرجال، قديما والمناهج الحديثة في التدبر التي أوسعت المجال للقرآن الكريم ليلعب دورا كبيرا في التشريع الإسلامي.

3- التطور الذي يتبع المصاديق، مثل العقود الجديدة مثل التأمين والحقوق الجديدة الملكية الفكرية التي نشأت مع تطور الزمان، والأحوال الجديدة من تطور المدن واختراع الآلات التي فرضت استنباط قوانين جديدة لتنظيمها، وقانون البيئة وغيرها.

2021/06/21

ما معنى العلمانية؟ وما موقف الإسلام منها؟

ما معنى العلمانية؟، وما موقف الاسلام منها؟، وهل يجوز التعامل السياسي مع من يسمون بالعلمانيين؟

[اشترك]

العلمانية مصطلح مفاده فصل الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية، وهو يعبِّر عن اتجاه فكري يقضي باختصاص الدين بالفرد، وانَّ الدين ما هو إلاّ مجموعة معتقدات وطقوس تُحِّدد علاقة الإنسان بربه ولا صلة له بتنظيم شئون المجتمع، وأنَّ علاقة الإنسان بالمجتمع يصوغها الإنسان نفسه.

وعليه فالمرتكزات التي يقوم عليها الاتجاه العلماني هي ما يلي:

الأول: أن المساحة التي يتحرك الدين في إطارها لاتتعدى العلاقة الشخصية بين الإنسان وربه.

الثاني: إن إدارة الدولة بجميع مفاصلها لابدَّ وأن تقوم على أساس الرؤية البشريّة.

الثالث: إن الذي له صلاحية التقنين والتشريع في كل ما يرتبط بالشأن الاجتماعي الخاص أو العام إنما هو الإنسان.

الرابع: إن الولاية والحاكمية في الاتجاه العلماني ليست لله عز وجل ولمن يخوُّله وإنما هي للإنسان ولمن يُخوِّله.

وأما موقف الإسلام فهو على طرفِ نقيض من الاتجاه العلماني.

فالإسلام ليس ديناً فرديّاً يُحدِّد علاقة الإنسان بربه وحسب بل هو بالإضافة إلى ذلك جاء بنظام شامل ومستوعب لجميع مفاصل الحياة الاجتماعية.

فليس ثمة شأن من شئون الانسان الفردية و الاجتماعية مهما حقُر ودقَّ إلا وللإسلام فيه حكم.

قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)(1):

فالإسلام منظومة متكاملة من القوانين والتشريعات ترتبط بالأحوال الشخصية وبالعقود والمعاملات الخاصة والعامة والأحكام الجنائية ومسائل الحرب والسلم وحدود العلاقة مع الآخرين من أصحاب الديانات كما أنه له أحكام ترتبط بالولاية والحاكمية وحدودهما والشروط المعتبرة في التصدي للولاية.

ثم إن الله عز وجل لم يأذن لعباده في اعتماد غير ما جاء به الإسلام وأمر عباده بالتزام أحكامه قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(2)، (.. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(3)، (.. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(4).

وأما التعامل مع العلمانيين فلا بأس به إذا كان في ذلك نفع للمؤمنين ولم يكن التعامل مستلزماً لارتكاب محذورٍ شرعي.

الهوامش:

1- سورة النحل / 89.

2- سورة المائدة / 44.

3- سورة المائدة / 45.

4- سورة المائدة / 47.

2021/06/15

هل يتحمل الدين مسؤولية فشل الحكومات؟

يرتكزُ السّؤالُ على الواقعِ الذي يشهدُ بفشلِ التّجاربِ الإسلاميّةِ في الحُكمِ الإسلاميّ منذُ السّقيفةِ ومروراً بالدّولةِ الأمويّةِ والعبّاسيّةِ ووصولاً إلى الخلافةِ العُثمانيّةِ، فقد عاشتِ الأمّةُ في ظلِّ الخلافةِ الإسلاميّةِ تسعمائةَ سنةٍ وتحتَ إدارةِ قبيلةٍ واحدةٍ وهيَ قريشُ.

[اشترك]

 وفي هذهِ الفترةِ اكتسبت الأمّةُ وعيَها الدّينيَّ وتشكّلَت فيها مفاهيمُها الإسلاميّةُ، ولم يكُن منَ المسموحِ أبداً لهذهِ الأمّةِ أن تُفكّرَ خارجَ حدودِ السّلطةِ الحاكمةِ، فكانَت البيعةُ للخليفةِ فرضاً، والسّمعُ والطّاعةُ لهُ واجباً، ومَن خرجَ على ذلكَ قُتلَ بسيفِ الإسلامِ، كما حدثَ لأهلِ المدينةِ مِن مجازرَ وإستباحةٍ للحُرماتِ، وكما هُدمتِ الكعبةُ على رؤوسِ المُسلمينَ، وكما قُتلَ الحُسينُ بنُ عليٍّ (عليهِ السّلام) في كربلاءَ، وقُتلَ الكثيرُ مِن كبارِ الصّحابةِ صبراً أمثالَ حجرٍ بنَ عديٍّ وسعيدٍ بنِ جُبير وآخرينَ، فلم ينعم المُسلمونَ طوالَ هذهِ الفترةِ الطّويلةِ بإسلامِهم دونَ أن يكونَ على رأسِهم خليفةٌ يسوسُهم وحاكمٌ يتسلّطُ عليهم، فتشبّعَت الأمّةُ بذلكَ ورُبّيَت عليهِ ودرجَت فيهِ حتّى أصبحَ الحالمونَ بحُكمِ الإسلامِ اليومَ لا يرونَ سِوى تلكَ الصّورةِ التي حُشيَت بها كتبُ التّراثِ وتفنّنَ بعضُ الخُطباءِ في نسجِ التّبريراتِ الثّقافيّةِ والفكريّةِ لها، فباتَ منَ الصّعبِ على المُسلمِ أن يُقاربَ الخلافةَ في التّاريخِ مُقاربةً سياسيّةً بعيدةً عنِ الدّينِ والعقيدةِ، برغمِ أنَّ ما حصلَ بالفعلِ هوَ عملٌ سياسيٌّ بامتياز، فلَم تكُن سقيفةُ بني ساعدةَ ولا آخرُ خليفةٍ حكمَ باسمِ الإسلامِ، يُمثّلُ فِعلاً دينيّاً لهُ علاقةٌ بجوهرِ الإسلامِ وتعاليمِه، إنَّما هيَ السّياسةُ التي مُورسَت بكلِّ أشكالِها وأدبياتِها، والسّؤالُ الطّبيعيُّ الذي يفرضُ نفسَه هو: هَل كانَ عصرُ الخلفاءِ فترةَ حُكمٍ دينيٍّ يُعبّرُ عَن روحِ الدّينِ الإسلاميّ، أم أنَّه حُكمٌ سياسيٌّ صرفٌ يُعبّرُ عنِ المصالحِ الدّنيويّةِ لفئاتٍ وأشخاصٍ في تلكَ الفترة؟

 

وبالرّغمِ مِن بداهةِ الإجابةِ على هذا السّؤالِ إلاّ إنَّنا نجدُ أنَّ الوعيَ الذي توارثَتهُ الأمّةُ لا يسمحُ بمُجرّدِ التّشكيكِ في مشروعيّةِ الخِلافةِ الذي بدأهُ كبارُ الصّحابةِ وسارَ عليهِ التّابعونَ، ومِن هُنا نجدُ قياداتِ العملِ الإسلاميّ ترتكزُ عليهِ في مشروعِها السّياسيّ المُعاصر.

وفي مُقابلِ هذهِ التّيّاراتِ التي تشكّلَت ضمنَ التّصوّرِ السّنّيّ للإسلامِ، كانَ هناكَ التّشيّعُ الذي يحتفظُ بقراءةٍ خاصّةٍ وفهمٍ يتجاوزُ الإسلامَ كتصوّرٍ تاريخيٍّ يُرادُ إعادةُ إنتاجُه مِن جديد، لأنّه يرتكزُ على مفهومِ الإمامةِ، وهيَ في نظرِ الشّيعةِ ضمانةٌ إلهيّةٌ لسلامةِ المسيرةِ، وكامتدادٍ حقيقيٍّ للسّلطةِ الإلهيّةِ، فالإسلامُ كدينٍ في التّصوّرِ الشّيعيّ لهُ حقُّ الولايةِ على النّاسِ، وبالتّالي لا يرتقي أحدٌ لهذه الزّعامةِ ما لم يكُن مُمثّلاً فعليّاً لهذهِ الرّسالةِ، سواءٌ كانَ في صورةِ الولايةِ الخاصّةِ التي يُحدّدُها النّصُّ أو الولاية العامّة التي يشترطُ مُحدّداتها النّصُّ نفسُه، فالمجتمعُ الإسلاميُّ في المنظور الشّيعيّ بناءٌ هرميٌّ يكونُ على رأسِه الإمامُ، والولايةُ والموالاةُ هي التي تُحقّقُ التّرابطَ والإنسجامَ الدّاخليَّ لهذا المُجتمعِ، ويكتسبُ هذا المُجتمعُ شرعيّتَه الإسلاميّةَ مِن خلالِ الإمامِ أو مَن ينوبُ عنهُ مِن مرجعيّاتٍ فقهيّةٍ، فالولاءُ في هذا المُجتمعِ ليسَ للنّظامِ السّياسيّ الذي يحكمُ، وإنَّما للإسلامِ الذي يتمثّلُ في الإمامِ أو المرجعيّاتِ، فهوَ مجتمعٌ خاصٌّ يمتازُ عَن غيره بوجودِه في هذهِ الدّائرةِ التي تجعلُ منهُ مُجتمعاً إسلاميّاً، وبهذا تتحقّقُ أوّلُ مفارقةٍ بينَ المُجتمعِ السّنّيّ الذي ينتظمُ ويتّجهُ ولاؤهُ نحوَ النّظامِ السّياسيّ الذي يحكمُ، وبينَ المُجتمعِ الشّيعيّ الذي لا يعترفُ بأيّ نظامٍ وسلطةٍ خارجَ سلطةِ الدّينِ المُتمثّلةِ في الإمام.

فإذا كانَ للسّلطةِ السّياسيّةِ الحاكمةِ وعيُها الخاصُّ بالإسلامِ الذي توارثَتهُ الأمّةُ في صورةِ الإسلامِ السّنّيّ، فإنَّ هناكَ إسلاماً آخر ظلَّ مُغيّباً ومُهمّشاً وهو إسلامُ المعارضةِ، وهوَ الإسلامُ في نسختِه الشّيعيّةِ الذي مثّلَ خطَّ الثّورةِ والمُعارضةِ لكلِّ الأنظمةِ التي حكمَت باسمِ الإسلام.

وأهمّيّةُ هذا الخطِّ في الوقتِ المُعاصر ترجعُ إلى أنَّ خطابَه السّياسيَّ لابدَّ أن يتجاوزَ النّمطَ التّقليديّ لنظامِ الحُكمِ طالما كانَ مُعارضاً لهُ تاريخيّاً، وما حقّقهُ التّشيّعُ مِن قطيعةٍ حقيقيّةٍ معَ النّظمِ السّياسيّةِ التّاريخيّةِ، مكّنَتهُ منَ القطيعةِ معَ النّظمِ السّياسيّةِ المُعاصرةِ، فأوجدَ لنفسِه إطاراً خاصّاً ضمنَ دائرةِ الإسلامِ سواءٌ كانَ حاكِماً أو محكوماً. فبالمقدارِ الذي فُتحَ فيهِ بابُ الإجتهادِ عندَ الشّيعةِ- ولم يُغلَق في أيّ مرحلةٍ مِن مراحلِه التّاريخيّةِ- ظلَّ بذاتِ المقدار مفتوحاً لاجتهاداتٍ سياسيّةٍ. ومِن هُنا يجوزُ لنا أنَّ نتصوّرَ التّشيّعَ المُعاصرَ بوصفِه صاحبَ خلفيّةٍ ثقافيّةٍ تُمكّنَه مِن إيجادِ قراءةٍ تجعلُه أكثرَ حيويّةٍ وتفاعلاً معَ الواقعِ الموضوعيّ، طالما لم يعترِف بالتّجربةِ التّاريخيّةِ كتصوّرٍ نهائيٍّ للنّظامِ الإسلاميّ، وعدمُ إعترافِ الشّيعةِ بالنّماذجِ التاريخيّةِ في الحُكمِ، يرجعُ إمّا لكونِها تُمثّلُ إنحرافاً عنِ المسارِ الرّساليّ للرّسالةِ المُتمثّلِ في إمامةِ أهلِ البيتِ (عليهم السّلام)، وإمّا بوصفِها تجربةً محكومةً بظروفِها التّاريخيّةِ لا يمكنُ تكرارُها، ومِن هُنا يصعبُ علينا إيجادُ مُشتركاتٍ فكريّةٍ تُقرّبُ بينَ الإسلامِ السّياسيّ الشّيعيّ وبينَ إسلامِ الخلافة.

والمفارقةُ الكُبرى بينَ التّصوّرينِ، أنَّ التّشيّعَ لا يعترفُ بأيّ حكمٍ باسمِ الإسلامِ ما لَم يكُن على رأسِه معصومٌ سواءٌ كانَ نبيّاً أو إماماً، وذلكَ لكونِ الحُكمِ الإسلاميّ هوَ الحكمُ الذي يُمثّلُ ما أرادَهُ اللهُ، والمجتمعُ الإسلاميُّ مهمَا كانَ مُنضبِطاً لا يمكنُ أن يكونَ مُعبّراً عنِ اللهِ في كلِّ أفعالِه وأعمالِه، ومِن هُنا يجبُ التّفريقُ بينَ الحكومةِ الإسلاميّةِ التي تحكمُ باسمِ اللهِ، وبينَ الحكومةِ التي يرتضيها المُسلمونَ لأنفسِهم، فالأولى خاصّةٌ بالأنبياءِ والأوصياءِ، والثّانيةُ غيرُ مُعبّرةٍ عنِ اللهِ حتّى لو رفعَت شعارَ الإسلامِ لكونِها خاضعةً للإجتهادِ ونظرةِ القائمينَ عليها، وعليهِ يجوزُ للمُسلمينَ في أيّ بلدٍ منَ البُلدانِ أن يقيّموا حكومتَهُم بما يفهموهُ منَ الإسلامِ مِن دونِ أن يكونَ الإسلامُ كدينٍ مسؤولاً عن إخفاقاتِهم، وفي نفسِ الوقتِ لا يمكنُ نزعُ غطاءِ الإسلامِ عنهُم طالما كانوا يسعونَ في تطبيقِ أحكامِه بقدرِ جهدِهم وطاقتِهم البشريّةِ، فكما أنَّ المُسلمَ العاديّ يُسمّى مُسلِماً حتّى لو صدرَ عنهُ الخطأ فكذلكَ الحالُ في دولةِ المُسلمينَ، وعليهِ فإنَّ حكومةَ المُسلمينَ في حقيقتِها هيَ محاولةُ البعضِ لتطبيقِ قيمِ الإسلامِ ونظامِه التّشريعيّ والأخلاقيّ، وليسَ في الإسلامِ نظامُ حكمٍ خاصٌّ أوجبَه على المُسلمينَ فإذا ما اقاموهُ يتمُّ نسبتُه للهِ، وإنّما هناكَ قيمٌ ومبادئُ عامّةٌ يجبُ الحفاظُ عليها والإلتزامُ بها، أمّا ما يخصُّ نُظمَ الدّولةِ وهيكليّتَها الإداريّةَ فإنّها منَ الجوانبِ المُتغيّرةِ التي لا يحتفظُ الإسلامُ فيها بصورةٍ مُحدّدةٍ، ومِن هُنا ينفتحُ بابُ الإجتهادِ أمامَ العقلِ المُسلمِ مُستفيداً مِن كلِّ التّجاربِ الإنسانيّةِ في الحُكمِ طالما لا تقومُ على مُخالفةِ ما أمرَ اللهُ به. 

وإذا إعتمَدنا هذا الوصفَ الذي تقدّمَ يمكنُنا أن نُعرّفَ الدّولةَ الإسلاميّةَ بأنّها الدّولةُ التي يكونُ فيها الحاكمُ هوَ المُمثّلَ الحقيقيَّ للهِ والمُعبّرَ عَن إرادتِه في الحُكمِ، وكما يمكنُنا تعريفُ دولةِ المُسلمينَ بكونِها الدّولةَ التي يعتمدُ فيها مجموعةٌ منَ المُسلمينَ في دولةٍ ما على النّظامِ القيميّ في الإسلامِ كمبادئ دستوريّةٍ لكلِّ تشريعاتِها وقوانينِها، بحسبِ جهدِهم وإخلاصِهم، وفي هذهِ الحالةِ لا يتحمّلُ الإسلامُ بوصفِه إرادةً ربّانيّةً أيَّ مسؤوليّةٍ جرّاءَ الإخفاقاتِ التي تصيبُها.

 

2021/06/14

بروباغاندا الدراما: ’رجل الدين’ شهواني و ’العلماني’ إنساني!

شاء المبطلون أم أبوا فإن قصة الارهاب الديني المتطرف، الذي أدخل بلداننا الاسلامية نفقا للرعب والموت منذ عقود، تبدأ في افغانستان، حين عكف الجهد الامريكي الهائل على صنع تنظيم القاعدة فيها ومن ثم دعمه بالغالي والنفيس ليكون شوكة تدمي خاصرة الاتحاد السوفيتي أيام الحرب الباردة.  

[اشترك]

وبعد انتهاء الحرب بسقوط الامبراطورية السوفيتية، وانتفاء المسوغ لدى امريكا للاستمرارية في دعم القاعدة، واجهت امريكا مشكلة عويصة تمثلت بتحول ابناء ذلك التنظيم، الذين صنعت منهم الحرب رجالا يعتاشون على القتال ودَفعَهم التثقيف الديني المتوحش ومشهد العنف والدم طيلة أمد الحرب الى مستوى عال من البربرية والعنف. وقد راحوا يعبرون عن وجودهم بمشاغبات جهادية أزعجت السلطات الغربية وحتمت عليها إيجاد حل لها. فكان الجزء الثاني من القصة، أن حوّلت الدول العربية المحيطة باسرائيل الى مجمع للارهاب لصرف نظر القائمين عليه عن أية بقعة أخرى يمارسون فيها انشطتهم، وإشغال الدول العربية عن أي نشاط مضاد لاسرائيل.

وبهذا يكون الاسلام الذي آمنت به الملايين وكان سببا فعالا في انغراس الكثير من قيم السلام والخير في مجتمعاتهم لازمان طويلة، مقطوع الصلة تماما بالايدلوجية الاسلامية التي صنعت خصيصا لفصول تلك القصة.  

وقد ووجه ذلك المد المنحرف، طوال تواجده، في بلداننا الاسلامية وتشكله كظاهرة في غاية الخطورة، باتجاه مضاد عمل على محاربته وتأكيد القطيعة التامة بينه وبين الاسلام، من خلال قنوات شتى، يهمنا منها ـ في هذا المقال ـ القناة الاعلامية التي سجلت من خلال وسائلها المختلفة دلائل مشرفة من العمل الدؤوب والمؤثر.

رغم هذا، فإن ثمة مايمكن أن يقال في مجمل العمل الاعلامي وفي الدراما التلفزيونية على وجه الخصوص. 

إن المتابع لكمّ المسلسلات والافلام التي تناولت موضوع الارهاب والتطرف الدينيين يجدها قد دأبت على تجسيد مشهد العنف والرعب في تنظيم داعش نفسه أوفي تعامله مع ضحاياه.. بالاضافة الى تناول الجانب الفكري والمعني ببيان الانحراف والسوداوية الكامنة في العقيدة الداعشية السلفية ومن ثم بيان القطيعة ما بينها وبين الاسلام أوالانسانية عموما. غير أن هذا الجانب قد حمل في طياته نقاطا مضيئة تنويرية بالفعل ونقاطا أخرى، يمكن وصفها بالطرح الخاطيء ـ أو ربما المغرض ـ لمفهوم  التنوير.. 

فلما كانت الجهات القائمة على صنع تلك الاعمال الدرامية ذات انتماء علماني، كان تجليات الخطأ والانحراف متمثلة بـ 

1ـ رسم النموذج الاسلامي المقابل للنموذج الداعشي، وفق معايير الفهم العلماني للدين.. فلم يظهر الاسلام في نفسه متسامحا وانسانيا. بل هي العلمانية التي على المسلمين أن يعملوا وفق منهجها كي يكونوا متسامحين وانسانيين.

2ـ رجل الدين قد تحول ظلاميا وسيئا وسلبيا بالذات، فهو في جل الاعمال الشخص الشهواني المزيف وقبالته العلماني الذي يحرص على الخير والانسانية. بمعنى انه كان من المفروض إظهار رجل دين سيء وقبالته رجل دين ايجابي خيّر لتظهر القطيعة بين الدين وداعش لا بين الدين والانسانية. ولاشك أن هذه النقطة لها تأثير واضح على تكريه المشاهدين بعامة رجال الدين ووجودهم الاجتماعي.

3ـ تكريس فكرة الدين الطبيعي المقتصر على الاتصال الروحي بالله، ونقاء السريرة . بعيدا عن اية احكام شرعية او شعائر بل إنه بعيد حتى عن الالتزام الايماني والاخلاقي. حتى لنجد من تلك الاعمال من يجعل الفضيلة والخير والايمان النقي لبنات هوى جاعلين منهن رموزا للتنوير

إن هذا المنحى المعمول به في الدراما المرئية بشكل لايمكن انكاره، يحتم التصدي له وتسليط الضوء على مكامن الانحراف فيه لدى المشاهد العربي المسلم.    

وفي هذا الصدد سأكتفي ـ في هذا المقال ـ باعتماد لغة الدراما التلفازية نفسها، وذلك عن طريق التذكير بعدد من المسلسلات الدرامية سيما السورية والمعبّر عنها بالشامية كليالي الصالحية والخوالي وأهل الراية .. تتجلى فيها واقع تلك المجتمعات التي يشكل الدين عنصرا فعالا في خلق ماهم عليه من تلاحم وتوادد والتزام بقيم الخير والفضيلة.. ويظهر فيهم رجل الدين المعلم والمرشد والقدوة الخيرة والحياة والارتباط بالله. 

 

 

           

     

2021/06/09

على هيئة طائر.. هل يزور الميت أهله؟
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الأَوَّلِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الْمَيِّتِ يَزُورُ أَهْلَه؟ قَالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ: فِي كَمْ يَزُورُ؟ قَالَ: فِي الْجُمْعَةِ وفِي الشَّهْرِ وفِي السَّنَةِ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِه فَقُلْتُ: فِي أَيِّ صُورَةٍ يَأْتِيهِمْ؟ قَالَ: فِي صُورَةِ طَائِرٍ لَطِيفٍ يَسْقُطُ عَلَى جُدُرِهِمْ ويُشْرِفُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَآهُمْ بِخَيْرٍ فَرِحَ وإِنْ رَآهُمْ بِشَرٍّ وحَاجَةٍ حَزِنَ واغْتَمَّ"([1]).

[اشترك]

هل الفقرة الأخيرة صحيحة؟ هل يأتي الميِّت أهلَه في صورة طائر؟

الرواية معتبرة من حيثُ السند، وليس معنى يزور أهلَه في صورةِ طائرٍ أنَّه يكون قابلًا للرؤية البصريَّة، فالصورةُ المقصودة من الرواية -ظاهرًا- صورةٌ برزخيَّة غير قابلةٍ للرؤية بالعين الباصرة لأهل هذا العالم، وهذا هو مفاد قوله (ع): "فِي صُورَةِ طَائِرٍ لَطِيفٍ" فإنَّ وصف اللطيف يُطلقُ -فيما يُطلق- على ما رقَّ من الأشياء وما استدقَّ، وذلك في مقابل الثخين والغليظ، ولذلك يُقال للمعاني الدقيقة أنَّها لطائف، ويُعرِّفُ علماءُ الكلام الملائكة بأنَّهم أجسامٌ لطيفة يقصدون مِن ذلك أنَّها مخلوقة من طبيعة وجوهرٍ غيرِ قابلٍ للرؤية البصريَّة.

فالظاهر أنَّ مراد الرواية من وصف الطائر باللطيف هو الإشارة إلى خفائه وعدم قابليته للرؤية البصريَّة.

معنى يزورُ أهلَه فِي صُورَةِ طَائِرٍ:

وأمَّا قوله: يأتيهم "فِي صُورَةِ طَائِرٍ" فالظاهر أنَّ المراد من ذلك هو أنَّه يُمنحُ بفضل الله تعالى القدرةَ على التحليق والطيران فذلك هو منشأ تشبيهه بالطائر لا أنَّه يكون في صورة طيرٍ كالطيور المعهودة عندنا فإنَّ ذلك منافٍ -ظاهرًا- للروايات المستفيضة التي نصَّت على أنَّ الله تعالى إذا قبض روح المؤمن صيَّرها في قالبٍ كقالبه في الدنيا بمعنى أنَّه تعالى يُصيِّرها في صورةٍ مثاليَّة برزخيَّة تُشبه صورة الجسد الذي كان عليه في الدنيا، فالصورة التي يكون عليها في عالم البرزخ تُشبه الصورة التي كان عليها في عالم الدنيا ولكنَّها في عالم البرزخ تكون مناسبة لتلك النشأة وذلك العالم.

فمن الروايات التي نصَّت على ذلك:

ما رواه الكليني بسنده عن يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فَقَالَ: مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: يَقُولُونَ تَكُونُ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): سُبْحَانَ اللَّه الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ، يَا يُونُسُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَتَاه مُحَمَّدٌ (ص) وعَلِيٌّ وفَاطِمَةُ والْحَسَنُ والْحُسَيْنُ (ع) والْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (ع) فَإِذَا قَبَضَه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِه فِي الدُّنْيَا.. فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْقَادِمُ عَرَفُوه بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا"([2]).

فقوله: "صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِه فِي الدُّنْيَا" يعني صيَّرها في قالبٍ يُشبه صورة الجسد الذي كان عليه حين كان في عالم الدنيا، لذلك إذا قدم هذا الميِّتُ على مَن سبقه إلى عالم البرزخ عرفوه بتلك الصورة التي كانوا يرونه عليها حين كانوا في عالم الدنيا.

وقد نفت الرواية ما هو متداول عند أبناء العامَّة مِن دعوى أنَّ أرواح المؤمنين تكون في حواصل طيورٍ خضر، وأفاد الإمام (ع) أنَّ: "الْمُؤْمِن أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ".

ومنها: صحيحة أبي بصير قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن أرواح المؤمنين؟فقال: في الجنَّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلتَ فلان"([3]).

فأرواحهم في تلك النشأة تكون في صورٍ مثاليَّة تُشبهُ صور أبدانهم حتى أنَّه لو رآهم مَن كان يعرفهم لأمكنه تشخيص هويتهم تمامًا كما لو رأى النائم في منامه أحد الأموات من معارفه.

ومنها: صحيحة أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ قُلْتُ لَه: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَرْوُونَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ حَوْلَ الْعَرْشِ؟ فَقَالَ: لَا، الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ ولَكِنْ فِي أَبْدَانٍ كَأَبْدَانِهِمْ"([4]).

أقول: يعني أنَّهم يكونون في أبدانٍ مثاليَّة تُشبه صور الأبدان التي كانت لهم في عالم الدنيا.

ومنها: موثقة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): إِنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَقَالَ: لَا إِذًا، مَا هِيَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ، قُلْتُ فَأَيْنَ هِيَ؟ قَالَ (ع): فِي رَوْضَةٍ كَهَيْئَةِ الأَجْسَادِ فِي الْجَنَّةِ"([5]).

مقتضى الجمع بين الروايات:

فالهيئات التي تُجعل لهم في عالم البرزخ تُشبهُ الهيئات التي كانت لأجسادِهم في الدنيا، والروايات في ذلك مستفيضة، والعديدُ منها معتبرة من حيث السند، ولذلك يتعيَّن حملُ ما ورد من أنَّهم يزورون أهلهم في صورة طائرٍ لطيف على إرادة التشبيه بالطائر من جهة قدرتهم على التحليق والإشراف وسرعة التنقُّل لا أنَّهم يكونون في صورة الطائر المعهود وعلى ذلك يُحمل ما ورد في رواية أخرى لإسحاق بن عمَّار عن أبي عبد الله (ع) أنَّ الميِّت يزور أهله "فِي صُورَةِ الْعُصْفُورِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ"([6]).

فإنَّ التشبيه بالعصفور إنما هو من جهة الخفَّة وسرعة التنقل والقدرة على الإشراف لا أنَّه يكون على صورة العصفور حقيقة كما أفاد ذلك الميرزا أبو الحسن الشعراني (رحمه الله) كما في هامش كتاب الوافي للفيض الكاشاني قال الشعراني (رحمه الله): "قوله (في بعض صور الطير) تشبيه في سرعة الحضور والحركة والاشراف لا أنَّ الأرواح في صورة طيرٍ حقيقةً لأن الإمام (عليه السلام) كذَّب ذلك وقال: إنَّ الأرواح في أبدان كأبدانِهم الدنيويَّة"([7]).

الهوامش:

[1]- الكافي -الكليني- ج3 / ص230.

[2]- الكافي -الكليني- ج3 / ص245.

[3]- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص466.

[4]- الكافي -الكليني- ج3 / ص244.

[5]- الكافي -الكليني- ج3 / ص245.

[6]- الكافي -الكليني- ج3 / ص231.

2021/06/03

رصاصة في الرأس تنهي حياة الإنسان.. هل ’الأجل’ كذبة؟!

لكلِّ إنسان أجلان موقوفٌ ومحتوم

البعضُ يقول عندما يموت شخص بسبب مرضٍ معين أو يموت مقتولاً انَّ اجلَه قد حان أو انتهى وإنَّ الحيَّ لا يموت إلا في وقتِه وساعته. ولكنَّ آخرين يقولون: إنَّ ذلك غير صحيح وإنَّ اجل ذلك الشخص مثلاً لم يحن ولكن بسبب القتل أو المرض مات ذلك الشخص ولو لم يُقتل أو لم يمرض لعاش أكثر من ذلك. فأيُّهما صحيح شرعا.

[اشترك]  

الصحيح كما هو المُستفاد من القرآن الكريم والروايات الواردةِ عن أهل البيت (ﻉ) أنَّ للإنسان أجلين أحدهما عبرَّت عنه الروايات بالأجلِ الموقوف، والآخر هو الأجل المحتوم وهو الذي عبَّر عنه القرآنُ بالأجل المُسمَّى في قولِه تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ)(1) وهو الذي عنتْه الآيةُ المباركةُ من سورة يونس: (إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(2).

الأجلُ الموقوف

هو الذي قدَّره اللهُ تعالى على عبادِه بنحو الإقتضاء، ولهذا قد يتَّفق تقدُّمه نظراً لعروض مانعٍ يحولُ دون استيفاء الإنسان لأجلِه المقدَّر بنحو الاقتضاء. وقد يتَّفق تأخُّره، لأنَّه قد فعل ما يستوجبُ منحَه مِن قبل الله عزَّ وجل عمراً زائداً على ما كان قد قُدَّر له بنحوِ الإقتضاء، فالأجلُ الموقوف إذن هو المدَّة التي قُدَّر أنْ يعيش فيها الإنسانُ في هذه الحياة بشرط عدم طروء ما يمنعُ من استيفائها أو ما يُوجب امتدادها لزمنٍ أطول. فإذا لم يطرأ ما يمنع من الاستيفاء أو ما يُوجب الامتداد كان أجلُ الإنسان هو ما كان قُدَّر له بنحوِ الاقتضاء.

وأمَّا الأجلُ المحتوم

والذي عبَّر عنه القرآنُ الكريم بالأجل المُّسمى فهو الذي لا يتخلَّف، فلا يطرأُ عليه تقديمٌ ولا تأخير.

وبتعبير آخر: هو الأجل الفعلي المُنجَز الذي قضاه اللهُ على عبده لعلمِه بأنَّ شرائط وقوعِه سوف تتحقَّق وموانع حدوثِه ستكونُ مُنتفيه. وهذا النحو من الأجل قد يتَّفق اتحادُه مع الأجل الموقوف، وقد يتقدَّمُه وقد يتأخَّرُ عنه.

الفرق بين الأجلين

ويُمكن التوضيح للفرق بين الأجلين بهذا المثال: وهو أنَّ أحدًا لو كان له مولودٌ وكانت بُنيتُه الجسديَّة والأجواءُ التكوينيَّة المُحيطةُ به مقتضيةً لبقائه مائة سنة، فيُمكن أنْ نفترض أنَّ عمره سيمتدُّ إلى مائة سنة فيكون هذا هو أجلُه الذي قُدَّر له إلا أنَّ هذا الأجل المقدَّر ليس فعليَّا وإنَّما هو اقتضائي، ولذلك فهو مشروطٌ مثلاً بعدم طروء عارضٍ من مرضٍ أو غرقٍ أو قتل، فلو طرأ مثلُ ذلك فإنَّ المدَّة التي قُدَّر له أنْ يبقى فيها حيَّاً سوف تنقص.

وكذلك قد تطول المدَّة عن الأجل المقدَّر اقتضاءً ولكن بشرط أن ينتقل مثلاً إلى أجواءٍ تُضفي على بُنيتِه قوةً تُؤهِّله للبقاء أزيد ممَّا كان قد قُدَّر له.

فالأجلُ الذي افترضناه مائة سنة هو المعبَّر عنه بالأجل الموقوف، والأجل الذي ترتَّب عليه الموت فعلاً هو المعبَّر عنه بالأجل المحتوم والمسمَّى، وكلا الأجلين مكتوبان ومقدَّران إلا أنَّ الأول قد يتخلَّف وأما الثاني فهو لا يتخلَّف، فاللهُ تعالى وإنْ كان قد قدَّر للإنسان عمراً إلا أنَّه يعلم أنَّ هذا الإنسان سوف لن يستوفيَ ذلك العمر المُقدَّر لأنَّه سيُقتل أو أنَّه سيطرأ عليه مرضٌ عارض فيموتُ بسببه، فهذا الموت الإخترامي هو من الأجل المحتوم، وكذلك قد يُوشك الإنسان على استيفاء العمر الذي قُدِّر له فيصل رحِمَه أو يبرُّ والديه فيمدُّ اللهُ في عمره. فالأجلُ المحتوم لهذا الإنسان هو هذا الذي مات بعده والذي هو أطول من الأجلِ الذي كان قد قُدِّر له بنحو الاقتضاء.

وهذا الذي ذكرناه من الفرق بين الأجلين هو المستفاد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ﻉ) والمتصدِّية لبيان معنى قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ)(3).

منها: ما رواه العيَّاشي عن حمران قال: سألتُ أبا عبد الله عن قولِه تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ). قال: فقال: هما أجلان: أجلٌ موقوف يصنعُ الله ما يشاء وأجلٌ محتوم".

وفي رواية: أمَّا الأجل الذي غير مسمَّى عنده فهو أجلٌ موقوف يُقدِّم فيه ما يشاءُ ويؤخِّرُ فيه ما يشاءُ، وأجلٌ محتوم(4).

ومنها: ما ورد في تفسير العيَّاشي أيضاً عن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال: سألتُه عن قول الله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ) قال (ع): المُسمَّى ما سُمِّي لملَك الموت في تلك الليلة، وهو الذي قال الله (إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(5)، وهو الذي سُمِّي لملك الموت في ليلة القدر والآخر له فيه المشيئة، إنْ شاءَ قدَّمه وإنْ شاءَ أخَّره(6).

ومنها: ما ورد في تفسير العيَّاشي(7) أيضاً عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) في قوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ)(8) قال: الأجلُ الذي غيرُ مُسمَّى موقوفٌ يُقدِّم منه ما يشاء ويُؤخِّر منه ما يشاء، وأمَّا الأجل المُسمَّى فهو الذي ينزل ممَّا يريد أنْ يكون من ليلة القدر إلى مثلِها من قابل، فذلك قول الله تعالى: (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(9).

ويُمكن أنْ يُستفاد هذا الفرق الذي ورد بين الأجلين من قوله تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(10) فالمحوُ لا يكون إلا لِما هو مكتوب، والإثبات هو الإبقاء على ما هو مكتوبٌ ثم إنَّ عنده تعالى أمُّ الكتاب والذي فُسِّر في الروايات بالقضاء المحتوم.

ورد في تفسير العيَّاشي عن عمَّار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) إنَّه سُئل عن قول الله تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) قال: "إنَّ ذلك الكتاب كتابٌ يمحو اللهُ فيه ما يشاءُ ويُثبِت، فمِن ذلك الذي يردُّ الدعاءُ القضاءَ، وذلك الدعاء مكتوب عليه: الذي يُردُّ به القضاء حتى إذا صار إلى أمِّ الكتاب لم يغنِ الدعاءُ فيه شيئاً"(11).

كما يمكنُ أنْ يُستدلَّ على أنَّ ثمة أجلين بآياتٍ عديده، فمنها قولُه تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ)(12) فقوله (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) معناه أن لهذا الإنسان عمراً مقدَّراً إلا إنَّه قد أُنقص ممَّا كان قد قُدِّر له من عمر، إذْ لا معنى للإنقاص إلا أن يكون ثمة حدٌ مقدَّر لم يتم استيفاؤه، وقد أفادت الآيةُ أنَّ كلاً من الاستيفاء وعدم الاستيفاء للعمر مكتوبٌ عنده تعالى أي أنَّه مقدَّر عندَه تعالى، غايتُه أنَّ أحدَهما حتميُّ الوقوع وهو المقدَّر- كما في الروايات(13) - في اللوح المحفوظ والآخرُ اقتضائيٌّ قد يتخلَّف وهو المُقدَّر في لوحِ المحوِ والإثبات.

منشأُ جعل الأجلين

وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى ما يُمكن أنْ يكون منشأً لجعل الأجلين، وعموم ما يُعبَّر عنه بالبَداء في القضاء والقدر، فإنَّ منشأ الجعل لذلك يتَّضح بالتأمُّل في الأثر الذي يترتَّب على شعور الإنسان بأنَّ له أجلاً محتوماً سواءً عليه سعى من أجل تغييره أو لم يسعَ، إنَّ شعوراً من هذا القبيل لو انتاب إنساناً فإنَّه سيُصاب باليأس والإحباط، فلو أنَّ هذا الشعور استحكم في نفوس كلِّ الناس فإنَّ الحياة ستُصاب حتماً بالشلل التام، فلا المريض سيسعى من أجل أن يُعافى من مرضه ولن يتصدَّى أحدٌ للبحث عن الأدوية الناجعة لعلاج الأمراض، لأنَّ من غير المُمكن أنْ يتغيَّر واقعٌ عن واقعِه، ولا معنى لأنْ يُراعى الطفل ويُحتضن لأنَّه سوف يستوفي أجلَه على أيِّ تقدير، ولا معنى للبحث عن الرزق فسواءٌ عليه سعى من أجل تحصيلِه أو لم يسعَ فإنَّه لن يحظى بأكثر ممَّا هو مقدَّرٌ له ، فهو لا يزيدُ وإنْ تضاعفَ سعيُه ولا ينقصُ وإن لم يكنْ قد سعى لتحصيلِه أصلاً، وكذلك لا معنى لأنْ يحتمي الإنسانُ من الآفات الكونيَّة ويبتكر ما يُساهم في المزيد لحمايتِه لأنَّ شيئاً لن يحميَه من أجلِه المحتوم.

وهذا على عكس ما لو شعر الإنسان بأنَّ واقعه يمكن تغييره، وإنَّ عناءه يمكن أن يتحوَّل إلى رخاء، وإنَّ عمرَه يُمكن أن يطول، وإنَّ ثمةَ أسباباً تقتضي إطالة العمر لو أخذ بها، وأسباباً تمنعُ من تأثير الآفات المقتضية لبتر العمر فيسعى من أجل تحصيلِها أو ابتداعها فتكتسبُ الحياة بذلك فاعليَّة وحيويَّة. وإذا شعر الإنسان أنَّ اللهَ تعالى سيمنحُه أجلاً طويلاً إذا أحسن لوالديه ووصلَ أرحامَه وقضى حوائج إخوانِه فإنَّ ذلك سيبعثُه نحو المسارعة إلى فعل الخيرات والمبرَّات، وهو ما يُنتج التقويم للبناء الاجتماعي وتقوية أواصره، وهكذا حينما يعلمُ بأنَّ بعض الذنوب تقصمُ العمر وتبترُ الاجل فإنَّه سيُحجِم عن فعلها حرصاً على حياةٍ أطول، ولذلك جاءت الآياتُ والرواياتُ لتؤكِّد هذا الشعور لِما له من أثَرٍ بالغِ الأهميَّة على انتظام الحياة وفاعليتِها وتكاملِ الإنسان فيها.

قال تعالى: (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(14) (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ)(15) فالسيرُ في الأرض والاستفادةُ من تجارب الماضين والإيمانُ والتقوى كلُّ ذلك يُساهمُ في تغيير واقع الإنسان الاقتضائي ويُساهمُ في تنميتِه وتحسينِه.

ورد عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: "يعيشُ الناسُ بإحسانِهم أكثر ممَّا يعيشون بأعمارِهم ويموتون بذنوبِهم أكثر ممَّا يموتون بآجالِهم"(16)

وعن الإمام عليٍّ (ع) انَّه قال: "بالصدقة تُفسحُ الآجال"(17).

الهوامش:

1- سورة الأنعام / 2.

2- سورة يونس / 49.

3- سورة الأنعام / 2.

4- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص355، الفصول المهمة -الحر العاملي- ج1 / ص268.

5- سورة يونس / 49.

6- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص354.

7- تفسير العياشي-محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص354، الفصول المهمة -الحر العاملي- ج1 / ص267.

8- سورة الأنعام / 2.

9- سورة يونس / 49.

10- سورة الرعد / 39.

11- تفسير العياشي-محمد بن مسعود العياشي- ج2 / ص220، الفصول المهمة -الحر العاملي- ج1 / ص268.

12- سورة فاطر / 11.

13- راجع ما نقله الحر العاملي في كتابه الفصول المهمة في اصول الائمة ج1 / ص266، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- في باب البداء والنسخ ج4 / ص92 وباب الآجال ج5 / ص136.

14- سورة الأنعام / 11.

15- سورة الأعراف / 96.

16- الدعوات -قطب الدين الراوندي- ص291، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج5 / ص136.

17- عيون الحكم والمواعظ -علي بن محمد الليثي الواسطي- من اعلام القرن السادس الهجري ص187.

2021/05/15

مع صديقي الملحد.. هل الدين أداة للهيمنة؟

مع صديقي الملحد

سألته عن الاسباب التي جعلته في منأى عن الدين والالتزام بمفردات احكامه وتشريعاته..

قال لي: لماذا تجعل من الالتزام امرا مفروضا، وأن على الانسان بالضرورة أن يلتزم الدين وتشريعاته.. ؟
[اشترك]  

قلت: إن الدين يعنى بالحياتين الدنيا والاخرى.. فالله قد انعم على الانسان نعما لاتحصى والدين يبيّن لك السبيل لشكره على تلك النعم.. كما يبيّن السبيل لما يتكفل بنجاتك من عقاب يوم القيامة في الاخرة.. وشكر المنعم وتوقي العقاب أمران يحتمهما العقل والوجدان

قال: هذا إذا اعتبرنا ان وجود الله أمرا مفروغا منه.. وبالنسبة لي لا أجد قناعة بمايؤكد وجوده.. أنني أطمئن الى الاطاريح الفلسفية القائلة بالإلحاد.. إن العلم التجريبي أثبت قدرة أكبر بكثير من الفكر العقلي المعتمَد في الفكر الميتافيزيقي.

قلت: أولا إن العلم التجريبي بكل طاقاته الهائلة لم ولن يقدر أن يبرهن على عدم وجود الله.. وغاية ماقام به هو تقديم تفسير للنظام الكوني لم يصنعه صانع، وإنما قام من تلقاء نفسه.  

ثانيا: وهذا التفسير، وصولا الى أفضل ماقدمته الفلسفة المادية، مابرح يعاني من تأييد حساب الاحتمال له.. بمعنى إن ما هو مفروغ منه عند علماء الرياضيات وفلاسفة العلم في أن اصغر جزء في النظام الكوني حين نقول بعدم وجود الصانع تكون نسبة احتمال قول كهذا ضئيلة الى درجة لاتصدق.. فكيف بالنظام الكوني ككل؟!!

قال: كيف يرضى هذا الاله الصانع الحكيم بكل هذه الشرور الموجودة في الكون من امراض وحروب وكوارث؟!

قلت: إن غاية مايمكن ان يؤدي بنا وجود الشرور هو وصف الاله الصانع بعدم القدرة التامة وعدم الحكمة من دون الاستدلال على عدم وجوده كما يسعى لذلك الفكر الالحادي، حيث أن الاصالة في الكون للنظام والشرور أمر طارئ.. وهذا يؤدي الى بداهة أن الحكيم المبدع في صنع النظام قادر على تلافي الشرور، أي أن الله الخالق للجسم الانساني في حالته السليمة المتكاملة قادر على منع المرض والتشوهات. وهذا ينقل الاشكال من الطعن في قدرة الله الى الطعن في حكمته. ليأتي الرد على ذلك بـ :

أـ الملحد حين اعترض على ماهو عليه العالم ونعته بأنه ليس أفضل العوالم.. لم يحدد صورة يعتبرها العالم الافضل كيما يقاس على أساسه ، فحتى حينما يصير الحديث عن جنان الخلد التي لاتعب فيها ولاشر وإنما هي نعيم دائم، نرى من الملحدين من يشرقون ويغربون في إدانة عالمها المثالي ذاك بأنها تصوير لإطلاق الشهوات الحيوانية وتدنى بواقع الرقي الانساني.

ب ـ الملحد يتعامل مع الله ـ في هذا الصدد ـ على أساس من جحوده وإنكار تعاليه المطلق، والحال أن على الانسان أن يذعن لإرادة الله سبحانه ومشيئته في إنشاء العالم كما يريد، وذلك بجعله مرحلة مؤقتة لوجود الانسان يختبر فيها بين اختياره الخير أو الشر. فجعل الكون على حالة من الكون والفساد، أي أن الحياة قد أوجدها الله لتتلاشى، وجل الشرور الموجودة في الحياة من حولنا هي أسباب محققة للموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35الانبياء)

ج ـ الملحد يطلق لنفسه العنان في جحود نعم الله وعصيانه، ثم يعترض على مافي الحياة من أسباب الشقاء. لقد خلق الله الكون على أساس يرتبط فيه الجانب المعنوي (الذنب والمعصية) مع الجانب المادي (الشرور)  بشكل يقترب من الآلية المباشرة، أي أن المعصية تكون علة مباشرة لحدوث شر ما. وعليه فجزء كبير من هذه الشرور هي جراء معصية الله ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(41الروم)

وإذا ما كف عن المعصية وآمن وعمل الخير تكون النتيجة أن ينعم بحياة غير هذه. يقول جل وعلا  (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96 الاعراف)

قال: الدين أداة للهيمنة في استغلال القضايا الغيبية وهو بذلك يلغي العقل، وهو اساس لبث الفتنة الطائفية بين بني الانسان. وكذلك هو أداة يفرض بها رجل الدين نفسه على الواقع الاجتماعي من خلال التبرقع بمحاسن الاخلاق

قلت: مادامت نظرية الاحتمالية قد حتمت علينا وجود الصانع فإن الغيب حقيقة واقعة ـ شئت أم أبيت ـ وعليه فإن الايمان بالغيب أمر يتماشى مع العقل ولايتقاطع معه وعلينا هنا أن نفرق بين دين يأمر به الكاهن الوثني الذي يريد فرض هيمنته السياسية من خلال إماتة العقل بقضايا الغيب فيستعين باساطير وخرافات والمفروض بالناس أن تؤمن وتسلم بها وبين الدين الحق الصادر من الله الذي بذل قرآنه الكريم جهدا جبارا في الحث على استخدام العقل والتعقل في قبول المعتقدات ورفضها، حتى لقد كانت القضية الأم في صراع الدعوة الاسلامية بقيادة النبي الاكرم صلى الله عليه واله مع الخط الجاهلي، هي الرفض المطلق للمبدأ الذي يعتمده الجاهليون وهو ( هذا ماوجدنا عليه آباءنا ) وإحلال العقل والتعقل محله  

وبالنسبة للفتنة الطائفية فهي أيضا نابعة من عدم التفريق بين.. دين الكاهن الذي يحامي عن سلطانه بذريعة الدين، كما فعلت الكنيسة لقرون في تأليب الكاثوليك على البروتستات او المسيحيين على المسليمن. أو يروج لافكار تفرق بين ابناء الانسان كفكرة شعب الله المختار عند اليهود.. والدين الحق الذي يلغي الفوارق بين الناس ويجعلهم جميعا على صعيد واحد فهم جميعا لآدم وآدم من تراب كما يقول نبي الاسلام ص أو كما يقول قرانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13الحجرات))   

كما إن هذا الاستغلال السيء ليس مقصورا على الدين، فالمنظومة الالحادية فيها من دعم الحكومات الاستبدادية ووعاظ السلاطين الكثير الكثير.. والقادة الالحاديون تملأ اسماءهم صفحات التاريخ بما جنته يداهم من مجازر وكوارث بشرية.

وبالنسبة لتبرقع رجل الدين فإن الامر لايعدو عن كونه استغلال سيء من قبل الانسان، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإننا لو أمعنا النظر في الامر نرى أنه دليل حي على ماهية الدين الخيّرة، وأنه الوعاء الحاوي على مكارم الاخلاق. ولهذا تبرقع به رجل الدين.          

 

2021/05/13

ما لا يُخالف ’الثوابت’.. لماذا يدعو السيد السيستاني إلى احترام القوانين ’الوضعية’؟

منشأ وجوب احترام القوانين!

يبرز في الفقه الشيعي، وفتاوى الفقهاء والمرجعيّة المعاصرة على الخصوص عنوان:" التقيّد بالأحكام، والقوانين"، والمقصود من الأحكام هنا هي الأحكام الشرعيّة، فيما يراد من القوانين: القوانين الحكوميّة، فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ التقيد يشير للإلزام، فإنّ ما يعنيه العنوان آنفاً هو: عدم جواز مخالفة القوانين الحكوميّة، وحرمة مخالفة الضوابط المرعيّة عند الدولة، والأمر سواء في الدول الإسلاميّة، أو غير الإسلاميّة.

[اشترك]

والسؤال هنا عن مدرك هذا الإفتاء؟ وأساس هذا الإلزام؟! والكلام هنا طبعاً: عن القوانين الحكوميّة التي لا تتنافى وثوابت الشرع.

يستند هذا الحكم على مقولة: وجوب حفظ النظام، وتمثّل هذه المقولة مبدءاً فقهياً تنتج عنه جملة من الأحكام، وغرضاً شرعياً تبتني عليه وتترشح منه العديد من الفتاوى، فهو ليس مجرّد حكم شرعي كسائر الأحكام الشرعيّة، وإنّما هو مبدأٌ عام في الفقه الإسلامي.

وقد قسّم الفقهاء الواجبات الشرعيّة إلى قسمين:

 واجب نظامي، وهو: كلّ ما كان وجوبه لأجل حفظ نظام العباد، كجميع صنوف الصناعات التي يتوقف نظام الناس عليها.

واجب غير نظامي، وهو ما كان وجوبه لأجل غرض عائد إلى الأشخاص غير جهة حفظ النظام، ويشمل هذا: العبادات (ما يجب فيه قصد القربة) و التوصليّات. (انظر مثلاً: تقرير بحث النائيني للآملي،ج1،ص32).

ومن خلال متابعة كلمات الفقهاء واستدلالاتهم، نجدهم يبنون كثيراً على مقولة: (وجوب حفظ النظام، أو على الأقل: حرمة مخالفته)، حتى إذا انتهى طريق الاستدلال إليها؛ كفّوا عن الحديث عنها، وأقفوا الكلام عليها، وكأنّها من القضايا البديهية، وهي كذلك عندهم؛ إذ يستدلون بها، ولا يستدلون عليها، فالمقولة من واضحات الفقه، وبديهياته، لكن مع ذلك: قد أرشد إليها النقل، ودل عليها العقل.

أمّا النقل فكثير جدّاً، فخذ مثلاً مما جاء صريحاً أو شبه صريح في هذا الإطار، ما ورد من وصيّة لأمير المؤمنين لولديه (عليهم السلام): أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم.. (نهج البلاغة،47، ت: صبحي الصالح). وقد جعله في مصاف تقوى الله وتالي تلوه.

أمّا التنبيه أو البرهان العقلي عليها فيمكن إيجازه في مقدمتين:

أولاً- تقرّر في علوم المعقول (كلاماً، وفلسفة، وأصولاً) أنّ العقل يحكم و على نحو مستقل بحسن بعض الأفعال، وقبح بعضها، وأنّ له القابلية على تقييم الأفعال في الجملة، وله اللياقة على اكتشاف شيءٍ من القيم، ومن أوضح الموارد التي يستغني العقل فيها عن غيره في معرفة حسنها أو قبحها بالبداهة هي: إدراكه لحسن العدل وقبح الظلم.

ثانياً- ومن الواضح: أنّ الغاية الداعية للعقلاء الى البناء على مدح فاعل بعض الأفعال وذم فاعل بعضها الآخر، كون العدل مثلاً بعنوانه مما ينحفظ به النظام، وكون الظلم بعنوانه مما يختل به النظام، وانحفاظ النظام هي الفائدة المترقبة من العدل، واختلال النظام هي المفسدة المترتبة على الظلم. (الإصفهاني-نهاية الدراية،ج4،ص40). وهذا يعني أنّ مسألة حفظ النظام أقوى وضوحاً وأكثر ضرورة من حسن العدل وقبح الظلم، وقد ثبت أنّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.

2021/05/10

يوم القيامة: جميع الخلق موتى.. من ينفخ في ’الصور’ إيذاناً بيوم الحساب؟

يوجدُ في هذهِ المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:

[اشترك]

الأوّلُ: أنَّ اللهُ سبحانهُ يُحيي إسرافيلَ (عليهِ السّلامُ) لينفخَ نفخةَ البعثِ في الصّورِ، كمَا ذهبَ إليهِ ابْنُ كثيرٍ في تفسيرهِ، قالَ: (فقولهُ تعالى: "ونُفخَ فِي الصّورِ فصَعقَ مَن فِي السّماواتِ ومَن فِي الأرضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ"، هذهِ النّفخةُ هيَ الثّانيةُ وهيَ نفخةُ الصّعقِ وهيَ التي يموتُ بهَا الأحياءُ مِن أهلِ السّماواتِ والأرضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ كمَا جاءَ مصرّحاً بهِ مفسّراً فِي حديثِ الصّوْرِ المشهورِ ثمَّ يقبضُ أرواحَ الباقينَ حتَّى يكونَ آخرُ مَن يموتُ ملكُ الموتِ وينفردُ الحيُّ القيومُ الذي كانَ أوّلاً وهوَ الباقِي آخراً بالدّيمومةِ والبقاءِ ويقولُ "لمَنِ المُلكُ اليومَ" ثلاثَ مرّاتٍ ثمَّ يجيبُ نفسهُ بنفسهِ فيقولُ "للهِ الواحدِ القهّارِ" أنَا الذِي كنتُ وحدِي وقَد قهرتُ كلَّ شيءٍ وحكمتُ بالفناءِ على كلِّ شيءٍ ثمَّ يُحيي أوّلَ مَن يحيِي إسرافيلَ ويأمرهُ أن ينفخَ في الصّورِ أخرى وهيَ النّفخةُ الثّالثةُ نفخةُ البعثِ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: "ثمَّ نفخَ فيهِ أخرى فإذا هُم قيامٌ ينظرونَ"). [تفسيرُ ابْنِ كثيرٍ 4: 69].

الثّانِي: أنَّ اللهَ سبحانهُ يستثنِي إسرافيلَ (عليهِ السّلامُ) مِنَ الموتِ لينفخَ نفخةَ البعثِ، كمَا يذهبُ إليهِ البعضُ في تفسيرِ قولهِ تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) الزّمرُ: 68. انظُر: تفسيرُ الطّبري ج21 ص 330.

 الثّالثُ: مَا وردَ عَن أئمّةِ أهلِ البيتِ (عليهِمُ السّلامُ) أنَّ الذي يتولّى نفخةَ البعثِ هوَ اللهُ عزَّ وجلَّ، جاءَ فِي تفسيرِ "البُرهانِ": قولهُ تعالى: (ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ). - عليُّ بنُ إبراهيمَ، قالَ: حدّثنِي أبي، عنِ الحسنِ بنِ محبوبٍ، عَن محمّدٍ بنِ النّعمانِ الأحولِ، عَن سلامِ بنِ المستنيرِ، عَن ثويرِ بنِ أبي فاختةَ، عَن عليّ بنِ الحُسينِ (عليهمَا السّلامُ)، قالَ: سُئلَ عَنِ النّفختينِ، كَم بينهمَا؟ قالَ: «مَا شاءَ اللهُ».

فقيلَ لهُ: فأخبرنِي يا ابْنَ رسولِ اللهِ، كيفَ يُنفخُ فيهِ؟ فقالَ: «أمَّا النّفخةُ الأولى، فإنَّ اللهَ يأمرُ إسرافيلَ فيهبطُ إلى الأرضِ ومعهُ الصّورُ، وللصّورِ رأسٌ واحدٌ وطرفانِ، وبينَ طرفِ كلِّ رأسٍ منهمَا ما بينَ السّماءِ والأرضِ، فإذا رأتِ الملائكةُ إسرافيلَ وقَد هبطَ إلى الدّنيا ومعهُ الصّورُ، قالوا: قَد أذنَ اللهُ فِي موتِ أهلِ الأرضِ، وفي موتِ أهلِ السّماءِ، قالَ: فيهبطُ إسرافيلُ بحظيرةِ بيتِ المقدسِ ويستقبلُ الكعبةَ، فإذا رأوهُ -أهلُ الأرضِ- قالوا: قَد أذنَ اللهُ فِي موتِ أهلِ الأرضِ، قالَ: فينفخُ فيهِ نفخةً فيخرجُ الصّوتُ مِنَ الطّرفِ الذي يلي الأرضَ، فلا يبقى فِي الأرضِ ذو روحٍ إلّا صَعقَ وماتَ، ويخرجُ الصّوتُ منَ الطّرفِ الذي يلي السّماءَ، فلا يبقَى ذو روحٍ في السّماواتِ إلّا صعقَ وماتَ إلّا إسرافيلَ».

قالَ: «فيقولُ اللهُ لإسرافيلَ: يا إسرافيلُ مُت فيموتُ إسرافيلُ، فيمكثونَ فِي ذلكَ مَا شاءَ اللهُ، ثمَّ يأمرُ اللهُ السّماواتِ فتمورُ، ويأمرُ الجبالَ فتسيرُ، وهوَ قولهُ تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) يعنِي تنبسطُ وتُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، يعنِي بأرضٍ لم تُكتسَب عليهَا الذّنوبُ، بارزةً ليسَ عليهَا جبالٌ ولا نباتٌ، كمَا دحاهَا أوّلَ مرّةٍ، ويعيدُ عرشهُ على الماءِ كمَا كانَ أوّلَ مرّةٍ، مُستقلّاً بعظمتهِ وقدرتهِ - قالَ -: فعندَ ذلكَ يُنادِي الجبّارُ جلَّ جلالهُ بصوتٍ مِن قبلهِ جهوريّ يسمعُ أقطارَ السّماواتِ والأرضينَ: لِمَنِ الملكُ اليومَ؟ فلا يجيبهُ أحدٌ، فعندَ ذلكَ يجيبُ الجبّارُ عزَّ وجلَّ مجيباً لنفسهِ: للهِ الواحدِ القهّارِ وأنا قهرتُ الخلائقَ كلّهُم وأمَتّهُم، إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلّا أنا وحدي، لا شريكَ لِي ولا وزيرَ، وأنَا خلقتُ خلقِي بيدِي وأنا أمتّهُم بمشيّتِي، وأنَا أحييهِم بقدرتِي، قالَ:

فينفخُ الجبارُ نفخةً فِي الصّورِ، فيخرجُ الصّوتُ مِن أحدِ الطّرفينِ الذي يلي السّماواتِ، فلا يبقَى أحدٌ في السّماواتِ إلّا حييَ وقامَ كمَا كانَ، ويعودُ حملةُ العرشِ، وتعرضُ الجنّةُ والنّارُ، وتحشرُ الخلائقُ للحسابِ». قالَ: فرأيتُ عليّاً ابنَ الحسينِ (عليهمَا السّلامُ) يبكِي عندَ ذلكَ بكاءً شديداً. إنتهى [البرهانُ في تفسيرِ القرآنِ، للسّيّدِ هاشمٍ البحرانيّ  4: 728].

2021/04/21

أول ليلة للميت.. كيف ينجو من ’ضغطة القبر’؟

كتب المرحوم الشیخ عباس القمي في كتابه الشریف «منازل الآخرة»:

[اشترك]

«أحد منازل الآخرة المهولة: القبر، فإنه في كل یوم یقول: أنا بیت الغربة، أنا بیت الوحشة، أنا بیت الدود، ولهذا المنزل عقبات صعبة جداً، ومنازل ضیقة ومهولة، ثم یشیر إلی عدة عقبات، ویقول: العقبة الأولی: وحشة القبر، العقبة الثانیة: ضغطة القبر، والعقبة الثالثة: مسألة منكر ونكیر في القبر».

وقد وردت روایات تصرح بأن منزل القبر صعب جداً، لكنه سهل للمؤمن، وعلی أي حال: في القبر، ظلمة ووحشة، غربة، ضغطة، وأسئلة عقائدیة وسلوكیة صعبة وشاقة للغایة، روي عن أمیر المؤمنين علي(عليه السلام) أنه قال: «يا عباد الله ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت القبر فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته و غربته إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة أنا بيت التراب أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود و الهوام و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار... وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا فينهشن لحمه و يكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة و أجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا...». [1]

لكن المهم أن نعرف أولاً: ما سبب ضغطة أو عذاب القبر؟

وثانیاً: أي الأسباب تنجي من ضعطة وعذاب القبر؟

وثالثاً: عن ماذا یسأل في القبر؟ وبأي كیفیة؟

روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: «أیما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجة وهو یقدر علی قضائها ولم یقضها له سلط الله علیه شجاعاً في قبره ینهش أصابعه».[2]

أسباب ضغطة القبر

أما أسباب ضغطة القبر فهي كالتالي:

1- إضاعة النعم الإلهیة.

2- عدم الاحتراز من البول، والاستخفاف به، یعني استسهاله، وعدم رعایة الطهارة والنجاسة.

3- النمیمة.

4- الغيبة.

5- ابتعاد الرجل عن أهله.

6- سوء الخلق وغلظة القول مع أهله.

أسباب النجاة من عذاب القبر

1- قراءة سورة النساء في كل جمعة.

2- المداومة علی قراءة سورة الزخرف.

3- قراءة سورة القلم في الفریضة أو النافلة.

4- من مات بین زوال الشمس من یوم الخمیس إلی زوال الشمس من یوم الجمعة.

5- صلاة اللیل.

6- وضع جریدتین رطبتین مع المیت (تحت أبط المیت الیمنی والیسری).

7- وردت روایات كثیرة في استحباب رش القبر بالماء بعد دفن الميت و إبقاء القبر رطباً، مادامت الجریدتین رطبتین، فإن الله یرفع عنه العذاب ما دام القبر رطباً.

8- الصلاة عشر ركعات في اول یوم من رجب فكل ركعة فاتحة الكتاب مرة و قل هو الله أحد ثلاث مرات.(منازل الاخرة).

9- الصیام 4 أیام من رجب.

10– الصیام 12 یوماً من شعبان.

11- قراءة سورة «تبارك الملك» فوق قبر الميت.

12- أن یقرأ هذا الدعاء إلی جانبه بعد دفن الميت «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا تُعَذِّبَ هَذَا الْمَيِّتَ إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ»[3]، وروي أنه هذا الدعاء یقرأ ثلاث مرات.

13- صلاة ركعتین في لیلة الجمعة؛ روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنه قال: «من صلی لیلة الجمعة ركعتین یقرأ فیهما بفاتحة الكتاب وإذا زلزلت الأرض زلزالها خمس عشرة مرة آمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال یوم القیامة».[4]

السؤال والجواب في القبر

من المسلمات الاعتقادية في المذهب الشيعي: الاعتقاد بالسؤال والجواب في القبر. روي عن الامام الصادق(ع) قال: «من أنكر ثلاثة أشیاء، فلیس من شیعتنا: 1- المعراج 2- المسائلة في القبر 3- الشفاعة».[5]

ویستفاد من روایات كثیرة: أن الله ینزل علی الانسان بعد الموت ملكین اسماهما ناكر ونكیر أو منكر ونكیر فیسألانه عن أصوله وعقائده، التوحید، النبوة، الولایة، وكیف أنفق ماله، واكتسبه، فإن كان مؤمناً أجاب، فتعمه رحمة الحق ورعایته، وإن لم یكن مؤمناً، صمت ولم یجب، وابتلي بالعذاب الشدید البرزخي في قبره.

وفي روایات أخری: یأتي الملكان منكر ونكیر بهیئة موحشة مرعبة حین یدفن المیت، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فیكون الجواب في تلك الحال صعباً جداً، ولهذا، یستحب تلقین المیت مرتین.

روي: «أن الامام علي بن الحسين (ع) كان یعظ الناس ویزهدهم في الدنیا، ویرغبهم في أعمال الآخرة، بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وحفظ عنه وكتب كان یقول: أیها الناس اتقوا الله وأعلموا أنكم إلیه ترجعون...».[6]

و ورد أیضاً في كلام له علیه السلام إشارة منه إلی مجيء منكر ونكیر إلی المیت في القبر، بشكل مخیف ومرعب، فقال علیه السلام: «أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ وَ عَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ و عَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ وَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ وَ عَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْتَ أَنْفَقْتَهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الِامْتِحَانِ وَ الْمُسَائَلَةِ وَ الِاخْتِبَارِ فَإِنْ تَكُ مُؤْمِناً عَارِفاً بِدِينِكَ مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ وَ أَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ وَ أَحْسَنْتَ الْجَوَابَ وَ بُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَ الْجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ وَ دُحِضَتْ حُجَّتُكَ وَ عَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ وَ بُشِّرْتَ بِالنَّارِ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ».[7]

الهوامش:

[1] (بحار الانوار، ج6، ص 218، باب 8 - أحوال البرزخ والقبر وعذابه).

[2] (بحار، ج 74، ص330).

[3] (ثقة الاسلام حاجي نوري، مستدرك الوسائل ج 2 ص 372 باب 49 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند...).

[4] مصباح المتهجد،ص228.

[5] نتائج الأفكار،السید الگلبایگاني،ج1، ص211.

[6] الكاف،الكلیني،ج8،ص72،ح29.

[7] (الكليني، الكافي ج 8 ص 72 و محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج 6 ص 223 حديث 24).

 

2021/04/05

حقانية الدين أم العصبية الدينية؟!

العصبيّة الدينيّة

إنّ حقيقة العصبيّة هي أن يقدّر المرء ما يتّصف به بأكثر من تقديره، أو يقدّر ما لدى الآخرين بأقلّ من استحقاقه، بحيث يبرّر به سلوكاً خاطئاً.

[اشترك]

فالعصبيّة القوميّة ـ مثلاً ـ هي أن يعتقد الإنسان أنّ قومه أرقى وأعلى وأفضل من قوم آخرين بما يوجب التكبّر عليهم واحتقارهم وهضم حقوقهم. ولكن ليس من هذه العصبيّة أن يشعر الإنسان تجاه قومه بمزيد من الودّ والمحبّة تقديراً للجهة المشتركة من غير أن يحتقر الآخرين ويهمل ما يستوجبونه بجامع الأخوّة الإنسانيّة.

والعصبيّة العشائريّة هي أن يعتقد الإنسان أنّ عشيرته أرقى من غيرها بما يؤدّي إلى احتقار العشائر الأخرى وهضم حقوقهم. ولكن ليس من هذه العصبيّة أن يشعر تجاه عشيرته بخصوصيّة إضافيّة من الودّ والمحبّة لمكان كونهم أرحاماً له يستوجبون لمزيد من التفاعل، ويرغبون بحسب تلك الوشيجة إلى مزيد من التعاون، لضمان المصالح المشتركة من غير ظلم للآخرين وتعسّف تجاههم.

ويتفرّع على هذا الأصل أنّه ليس من العصبيّة شعور الإنسان بمزية يتّصف بها ونعمة كان واجداً لها، إذا لم يخرج بها مخارج التعصّب والازدراء للآخرين، بل من الضروريّ أن يكون الإنسان واجداً لهذا الشعور حتّى يعرف قدر النعمة فيتمسّك بها ولا يهملها فيكون مظنّة لافتقادها.

وعليه فليس من عصبيّة الدين أن تدّعي الرؤية الدينيّة الحقّانيّة لنفسها؛ فإنّ ذلك أمر طبيعيّ لكلّ رؤية في أيّ مجال من مجالات الحياة بل تتقوم الرؤية بادّعائها الحقّانيّة لنفسها، وإلا كانت نظريّة راجحة أو افتراضاً محتملاً؛ وإنما الذي يخلّ بالعدالة نفيُ وجود حرمات للآخرين على سبيل التأصيل العام؛ حيث إنّه يجافي القانون الفطري.

كما إنّه ليس من العصبيّة للدين الحقّ المبني على معرفة ثاقبة بحقائق الحياة وآفاقها أن يعتقد المرء بحقّانيّة هذا الدين وصوابه؛ فإنّ مثل هذا الدين هو واعية الحقيقة في الحياة وندائها، ولن يستطيع المرء الحفاظ عليه إلّا بمعرفة قدره والاقتناع بصوابه والتمسّك به، وهذا شأن سائر العلوم الصائبة والخطيرة؛ فإنّ من الطبيعيّ أن يعتقد أصحابها بحقّانيّتها ويشعرون بالمزية من حيث الاطّلاع عليها.

فالدين الراشد أيضاً يشعر صاحبه بأنّ له مزية من جهة استكماله للرؤية الصحيحة والثاقبة للحياة والإذعان بها، وله فرصة متاحة للعمل الصحيح والصالح وفق مناحي تلك الرؤية واتّجاهاتها.

وليس في ذلك تقديراً للأمور بفوق ما يستحقها ويستوجبها ولا تعسّفاً في حقّ من لم يعتقد بهذا الدين كما هو واضح.

وعلى ضوء ذلك: ينبغي أن يفرّق في منحى التعليمات الدينية ذات العلاقة بذلك بين أن يكون منحى التعليم تذكيرَ من أدرك العقيدة الصحيحة بأهميّة هذا الاعتقاد ـ وهو أمر هامّ وخطير في المنظور الديني طبعاً ـ لزرع الثقة في نفسه باعتقاده، ولئلّا ينصرف عنه بشبهات ضعيفة، وبين أن يكون منحى التعليم تحقيرَ الآخرين وهدرَ حقوقهم.

ولا شكّ في أنّ مثل هذا التفريق ممّا تجده كل جهة عامّة تثقّف المجتمع ـ في اعتقادها ـ بالمبادئ الصحيحة ـ وليكن مثلاً قوانينُ حقوق الإنسان والمواطنة ـ كما تجده أيضاً كلُّ جهة خاصّة كالوالدين في تربيتهم للأولاد، والمعلمين في تربيتهم للتلاميذ، فهم يزرعون الثقة فيهم بمقتضيات التربية الصحيحة.

2021/04/03

جهاز لكشف ’الإله’.. هل يمكن وضع الله في أنبوبة الاختبار؟! (فيديو)

بعض الناس صار يرتكب خطأ عند اعتماده المنهج التجريبي لفهم كل الحقائق في الكون، ويقول إنه لن يصدق إلا ما رآه بعينيه، وأن العلم التجريبي هو مقصده الأوحد للكشف عن أي حقيقة. وهذا القائل يظلم العلم التجريبي، ويسيء فهم دوره من حيث يظن أنه يتبعه وينصره.

[اشترك]

في الفيديو أدناه تشخيص لأهم نقاط الخلل لأصحاب هذا الاعتقاد:

 

2021/03/31