كيف نستعد لشهر رمضان؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:763
مشاركة
A+ A A-

نحن اليوم على مشارف شهر رمضان المبارك، هذا الشهر العظيم شهر الله وشهر الضيافة الإلهية المباركة السخية والمتميزة.

نعم نحن نستقبل شهراً مباركاً كريماً ملؤه الرحمةُ والغفرانُ والخيرُ، شهر تعُمُّهُ الأنوار الإلهية والأجواءُ الروحانيةِ.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

شهر تنهمر السعادة من خلاله على الإنسان المؤمن الصائم الملتزم بتعاليم الله عَزَّ وجَلَّ.

إذاً فينبغي على مَنْ عرِفَ قيمة هذا الشهر المبارك المعطاء، وأراد أن يعيش الحالة الرمضانية ويكون نموذجاً للصائم المُنعم عليه بالقبول والغفران، ويكون له نصيبٌ من بركاته.

ولكي يكون موفقاً في استقباله فلا بُدَّ له من الاستعداد التام قبل حلول هذا الشهر الكريم.

الاستعداد المثالي لشهر رمضان: روحانية لا مادية

الاستعداد لاستقباله والتهيّؤ له لا يكون بادخار الأطعمة والأشربة واحتكارها في المنزل كمن يتخوف المجاعة والقحط، أو التفنن في إبداع الأكلات الرمضانية الشهية، أو بسط الموائد التي تتجاوز الأرقام القياسية في الإسراف والتبذير والترف، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي يمر به شعوب العالم بصورة عامة وبلادنا الإسلامية بصورة خاصة من النقص الحاد في المواد الغذائية الرئيسية، وإنما المقصود هو الاستعداد المعنوي، والتهيؤ الروحي والإيماني بما يتناسب مع أهداف هذا الشهر المبارك.

بداية الاستعداد الروحي: أشهر قبل رمضان

لضمان الحصول على النتائج الكبرى يحبذ أن يبدأ هذا الاستعداد قبل حلول شهر رمضان بأشهرٍ، تماماً كالذي يريد الاشتراك في سباقٍ عالمي مهم يفترض أن يقوم بالاستعداد والتحضير له بفترة تسبقه كافية لأن تؤهله للاشتراك في ذلك السباق، وكذلك فعلى من يريد الفوز بالجائزة الرمضانية الكبرى أن يتحضر لها ويتهيأ لها بصورة كاملة.

فقد روي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه كان إذا رأى هلال شهر رجب قال: "اَللّـهُمَّ بارِكْ لَنا في رَجَب وَ شَعْبانَ، وبَلِّغْنا شَهْرَ رَمَضانَ، واَعِنّا عَلَى الصِّيامِ وَ الْقِيامِ وَ حِفْظِ اللِّسانِ، وَ غَضِّ الْبَصَرِ، وَ لا تَجْعَلْ حَظَّنا مِنْهُ الْجُوعَ وَ الْعَطَشَ".

ولو تأملنا في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) عرفنا بأن من أهم أهداف شهر رمضان التي لا بُدَّ أن نجعلها هدفاً نسعى للوصول إليها هي العبادة الخالصة ومخالفة هوى النفس وكبح جماحها من خلال ضبط اللسان وغَضِّ البصر، وإلا فإن حظنا منه سوف لا يتجاوز الجوع والعطش، وسوف لا نصل إلى الهدف الأم من الصيام الذي هو التقوى.

ورُوي أن الإمام جعفر الصّادق (عليه السَّلام) كان يدعو في آخر ليلة من شعبان وأوّل ليلة من رمضان، ويقول:

اَللّـهُمَّ اِنَّ هذَا الشَّهْرَ الْمُبارَكَ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرآنُ وَجُعِلَ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتِ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ قَدْ حَضَرَ فَسَلِّمْنا فيهِ وَ سَلَّمْهُ لَنا وَ تَسَلِّمْهُ مِنّا في يُسْر مِنْكَ وعافِيَة، يا مَنْ اَخَذَ الْقَليلَ، وَ شَكَرَ الْكَثيرَ، اِقْبَل مِنِّى الْيَسيرَ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَساَلُكَ اَنْ تَجْعَلَ لي إلى كُلِّ خَيْر سَبيلاً، وَ مِنْ كُلِّ ما لا تُحِبُّ مانِعاً، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ...

تصحيح النظرة إلى شهر رمضان: فرصة فريدة لا تعوض

فالاستعداد والتهيوء لاستقبال شهر رمضان إنما يكون بتصحيح نظرتنا إلى هذا الشهر، والتعرف على مكانته الحقيقية بأنه شهر الله وشهر المغفرة الإلهية والرحمة الشاملة، وأنه المدرسة التي أنعم الله تعالى بها علينا لكي نتربى فيها تربية إسلامية إيمانية قرآنية صادقة نتمكن من خلالها من التخلص من الذنوب والمعاصي وكل ما يحط من منزلة الإنسان وقدره، ونتخلق بأخلاق الصائم النموذجي، ونعتبره سُلَّم الرُقي إلى أعلى درجات الكمال.

كما ولا بُدَّ وأن ننظر إلى شهر رمضان المبارك باعتباره فرصة فريدة لا بُدَّ من اغتنامها بصورة جيدة.

فقد روي عن الإمام الصّادق (عليه السلام) انّه قال: "مَنْ لَم يُغفَر لَه في شَهر رَمَضان لَم يُغفَر لَهُ إلى قابِل، اِلاّ أن يَشهَدَ عَرَفَةَ".

خطبة الرسول (ص) في استقبال شهر رمضان: درس متكامل

ومما يساعد الإنسان على اغتنام الفرص الرمضانية المباركة هو الإصغاء إلى خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) والتدبر في بنودها فهي تحتوي على دروس مهمة جداً.

فعَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ، أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ، وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ، وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ، يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ، وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ وَأَنْ لَا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ.

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.

فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ.

أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلَاةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلَا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السَّلام): فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟

فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ".

تحية شهر رمضان: السلام على شهر الله الأكبر وفي الختام نُحييَ شهرَ رمضان بمقاطع من أدعية أهل البيت (عليهم السلام) فنقول:

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ، وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ، وَنُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجَاوِرٍ رَقَّتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَقَلَّتْ فِيهِ الذُّنُوبُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَصَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الْإِحْسَانِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا أَكْثَرَ عُتَقَاءَ اللَّهِ فِيكَ، وَمَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ لَا تُنَافِسُهُ الْأَيَّامُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مَطْلُوبٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَمَحْزُونٍ عَلَيْهِ قَبْلَ فَوْتِهِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَحْرَصَنَا بِالْأَمْسِ عَلَيْكَ، وَأَشَدَّ شَوْقَنَا غَداً إِلَيْكَ.

إن التهيؤ لشهر رمضان لا يقتصر على تأمين الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى التهيؤ الروحي والنفسي والمعنوي. فشهر رمضان فرصة ثمينة للتزود بالتقوى والعمل الصالح وتهذيب النفس وتطهير القلب من أدران المعاصي والذنوب.

الصائم الحقيقي ليس من يجوع ويعطش فقط، بل من يُجوِّع نفسه عن الشهوات ويُعطِش جوارحه عن المحرمات. فالصوم مدرسة متكاملة لتربية النفس وتهذيبها وتزكيتها وتطهيرها من كل ما يُبعدها عن ربها.

إغتنام الفرص الرمضانية: مفاتيح النجاح

لاغتنام شهر رمضان، علينا أن ندرك قيمة كل لحظة فيه، وأن نستثمر ساعاته ودقائقه في طاعة الله تعالى وعبادته. فكل عمل صالح في هذا الشهر له أجر مضاعف، وكل طاعة لها ثوابعظيم.

من الفرص العظيمة في شهر رمضان:

- تلاوة القرآن الكريم وتدبره

- الإكثار من الذكر والدعاء

- الإنفاق والصدقة على الفقراء والمساكين

- صلة الأرحام

- الإصلاح بين الناس

 

مواضيع مختارة