كثيراً ما تتحول لحظة ارتفاع أذان صلاة المغرب من فرحة بانتهاء يوم صيام شاق، إلى بداية لمعركة شرسة تدور رحاها داخل أمعاء الصائم، فالمعدة التي ركنت إلى السكون لساعات طويلة، تجد نفسها فجأة أمام طوفان من الطعام والشراب، مما يعرض الجهاز الهضمي لصدمة مفاجئة تتجلى في نوبات من الحرقة وعسر الهضم، تسرق من الصائم روحانية الشهر وتستبدل النشاط بالخمول والمعاناة.
وفي تشخيص دقيق لهذه الحالة، تضع الدكتورة فاطمة النصار، أخصائية أمراض الجهاز الهضمي، يدها على حقيقة مهمة في هذا الشهر، مؤكدة أن "الهجوم المباغت" على الطعام، والإسراف في التهام الوجبات المشبعة بالدهون والتوابل الحارة فور الآذان، هو المتهم الأول في إشعال فتيل الاضطرابات الصحية، والتي تتصدر قائمتها حرقة المعدة المؤلمة، وارتجاع المريء المزعج، وصولاً إلى حالة عسر الهضم التي تكبل الصائم.
وللخروج من هذا المأزق، ورسم مسار آمن لمائدة رمضانية صحية، تقدم الأخصائية "بروتوكولاً" وقائياً صارماً يضمن سلامة الجهاز الهضمي. تبدأ هذه الاستراتيجية بتهيئة المعدة برفق عبر رشفات من السوائل الدافئة، كطبق شوربة يمهد الطريق لاستقبال الطعام، مع ضرورة اعتماد سياسة التدرج في الأكل لتجنيب المعدة صدمة الامتلاء المفاجئ.
وتشمل الخارطة الصحية إعادة النظر في نوعية "الوقود" الذي يدخل أجسامنا؛ فاللحوم البيضاء كالدواجن والأسماك يجب أن تتسيد المائدة كبديل خفيف عن اللحوم الحمراء الثقيلة، بالتوازي مع تعزيز الحضور النباتي عبر الخضراوات والسلطات الغنية بالألياف والبروتين، والابتعاد قدر الإمكان عن قنابل السعرات الحرارية والحلويات الدسمة التي يفضل تأجيلها أو تجنبها فور الإفطار.
ولا تكتمل هذه المنظومة إلا بإدارة ذكية للسوائل والحركة، إذ يُنصح بشرب ما لا يقل عن لترين من الماء موزعة بذكاء على فترات متقطعة بين الإفطار والسحور، واعتماد وجبات خفيفة صغيرة تملأ الفراغ الزمني بدلاً من الوجبات الكبيرة، مع تخصيص وقت لممارسة تمارين رياضية منزلية خفيفة بعد مرور ساعة أو ساعتين من وجبة الإفطار لتحفيز الحرق.
وفي حال الالتزام بهذا النهج المنضبط، يتحول الصيام من عبء جسدي إلى عملية ترميم شاملة للجهاز الهضمي، حيث تشير الدراسات إلى أن الصيام الصحي كفيل بكنس المشاكل المزمنة، فتختفي الغازات المزعجة، وتهدأ ثورة القولون العصبي، وتستعيد الأمعاء توازن حركتها، مما يخلص الجسم من ثنائية الإسهال والإمساك، ويمنح الصائم جسداً خفيفاً وروحاً صافية.