شهر رمضان
ماهي أفضل الأعمال في شهر رمضان؟

روى الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضا، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس ذات يوم معلناً اقتراب شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. ووصف النبي هذا الشهر بأنه أفضل الشهور عند الله، وأيامه ولياليه وساعاته هي الأفضل على الإطلاق، فهو الوقت الذي دعي فيه المؤمنون إلى ضيافة الله وجعلوا فيه من أهل كرامته.

وتتجلى ميزات هذه الضيافة في أن أنفاس الصائمين تُعد تسبيحاً، ونومهم عبادة، وأعمالهم مقبولة، ودعاءهم مستجاب. لذا، دعا النبي الكريم المسلمين إلى سؤال الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقهم لصيامه وتلاوة كتابه، محذراً من أن الشقي الحقيقي هو من يُحرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. كما نبه إلى ضرورة تذكر جوع وعطش يوم القيامة من خلال تجربة الجوع والعطش في نهار الصيام.

[اشترك]

دستور الأخلاق والترابط الاجتماعي

لم تقتصر الوصايا النبوية على الجوانب العبادية المحضة، بل امتدت لتشمل صياغة سلوك اجتماعي متكامل؛ حيث حث النبي على التصدق على الفقراء والمساكين، وتوقير الكبار، والرحمة بالصغار، وصلة الأرحام. وإذا كانت هذه التعاليم تمثل جوهر الإسلام طوال العام، فإن التقصير فيها خلال شهر رمضان يعد أمراً غير مقبول، نظراً لمضاعفة الثواب فيه.

وفيما يخص صلة الأرحام، شدد النبي على أهميتها القصوى، فالمؤمن الحقيقي لا يسمح لنفسه أن يكون قاطعاً للرحم حتى وإن كان الطرف الآخر هو المخطئ. وتتعدد وسائل الوصل في عصرنا الحالي لتشمل الزيارة المباشرة، أو الاتصال الهاتفي، أو حتى إرسال رسالة نصية للمباركة بالشهر، فهذه الخطوات البسيطة تبرئ ذمة الإنسان أمام الله وتجعله في زمرة الواصلين، بينما يتحمل الطرف الممتنع مسؤولية القطيعة وحده.

سلاح اللسان وعفة السمع والبصر

وضع النبي يده على أحد أهم مواضع التحدي الأخلاقي بقوله: "واحفظوا ألسنتكم". ويعد شهر رمضان الفرصة المثالية لضبط اللسان والابتعاد عن الفحش والسباب والكلمات النابية التي قد تصدر من البعض في لحظات الغضب أو الجدال، خاصة في النقاشات الحادة. فالمؤمن، وإن كان محافظاً على صلاته وصومه، ملزم باختيار كلماته بعناية فائقة وتجنب كل ما يخدش الحياء أو يؤذي الآخرين.

كما تضمنت الخطبة دعوة لغض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وكف الأسماع عما لا يحل الاستماع إليه. ومن ذلك ضرورة الابتعاد عن الغناء الذي قد يسلب البركة من البيوت ويجلب المشاكل، وفق ما تشير إليه بعض الروايات بأن بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة. ويقع على عاتق الوالدين مسؤولية توجيه الأبناء وتربيتهم على تجنب المحرمات السمعية بالكلمة الطيبة والتدريج، ليكون رمضان فرصة حقيقية لترك الآثام.

التحنن على الأيتام وفلسفة العطاء

أكد النبي على قيمة التحنن على أيتام الناس كضمانة إلهية للرحمة بأيتامنا من بعدنا، فالعمار بيد الله، ولا أحد يضمن بقاءه لأهله وأولاده. إن كفالة اليتيم، سواء كانت كلية أو جزئية، تترك أثراً دنيوياً قبل الأجر الأخروي، حيث يسخر الله للأب الذي رحم أيتام غيره من يرحم ذريته ويحنو عليهم. فالله عز وجل كريم، يعطي العبد أكثر مما قدم، ويجازي الإحسان بإحسان أعظم منه.

ساعات استجابة الدعاء وأثر الصلاة

دعا الرسول الأكرم إلى رفع الأيدي بالدعاء، وتحديداً في أوقات الصلوات؛ لأنها أفضل الساعات التي ينظر الله فيها بالرحمة إلى عباده، فيجيب مناجاتهم ويلبي نداءهم. وقد أقسم الله عز وجل بعزته ألا يعذب المصلين والساجدين، وألا يروعهم بالنار يوم القيامة. وهذا القسم الإلهي يمنح المؤمن طمأنينة كبرى بأن ركوعه وسجوده هما حصنه من عذاب الله.

فضل إطعام الصائمين وجبر الخواطر

فتح النبي باباً عظيماً للثواب من خلال الحث على تفطير الصائمين؛ فمن فطر صائماً مؤمناً كان له ثواب عتق رقبة ومغفرة لذنوبه الماضية. وحينما تساءل البعض عن عدم قدرتهم المادية على توفير وجبات متكاملة، أجاب النبي برحمة: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء". فالله يهب هذا الأجر العظيم لمن قدم اليسير إذا كان عاجزاً عن الكثير؛ مما يجعل شهر رمضان فرصة ذهبية للجميع لاستثمار الخير بكل وسيلة ممكنة.

حسن الخلق والرفق بالعمال

ربطت الخطبة النبوية بين حسن الخلق والنجاة يوم القيامة، فمن حسن خلقه في هذا الشهر، ملك جوازاً للمرور على الصراط يوم تزل فيه الأقدام. فالابتسامة في وجوه المؤمنين وضبط النفس عند الغضب هما عملان بسيطان في ظاهرهما، لكن أثرهما الأخروي هائل.

كما دعت الوصايا إلى التخفيف عما "ملكت اليمين"، وهو ما يمكن تطبيقه في عصرنا على العمال المنزليين والسائقين. فتقليل ساعات العمل وتخفيف الأعباء عن هؤلاء الضعفاء خلال شهر رمضان هو سبب لتخفيف الله حساب العبد يوم القيامة. فمن أراد حساباً يسيراً وسهلاً، عليه أن يكون رفيقاً بمن يعملون تحت سلطته وإدارته.

مضاعفة الأجور وقيمة التلاوة

تميزت الخطبة بالتأكيد على مضاعفة الثواب في شهر رمضان؛ فمن أدى فيه فرضاً كان كمن أدى سبعين فريضة في غيره من الشهور. ومن أكثر فيه من الصلاة على محمد وآل محمد، ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين. أما تلاوة القرآن، فلها شأن عظيم، إذ إن تلاوة آية واحدة تعادل ختمة كاملة في بقية الشهور، مما يبرز الكرم الإلهي اللامتناهي في هذا الوقت من العام، حيث يمكن لثوانٍ معدودة من القراءة أن تمنح العبد أجر ختمات طوال.

ذروة العبادة: الورع والترك قبل الفعل

في ختام الخطبة، سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سؤالاً بحثاً عن الأفضل على الإطلاق: "يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟". فأجابه النبي: "يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله".

وهنا يضع النبي القاعدة الذهبية، فبقدر عظمة الصلاة والصدقة والتلاوة، يبقى ترك الذنوب والمعاصي هو الأولوية القصوى والأفضل رتبة. فمن استطاع الإقلاع عن ذنب معين والورع عن محارم الله خلال رمضان، فقد حقق أكبر مكسب ممكن، والجمع بين ترك المعصية والالتزام بالمستحبات هو النور الكامل الذي يخرج به المؤمن من هذا الشهر بصفحة بيضاء.

مقتطف من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/21

موائد فاخرة ومسلسلات: ماذا لو كان هذا «آخر شهر رمضان» في حياتك؟!

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. نحن مقبلون على شهر الله عز وجل، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وهو شهر التغيير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى ومرضاته. في هذه الآية المباركة، يخاطب الله المؤمنين موضحاً أن الهدف الجوهري من صيام شهر رمضان هو بلوغ مرتبة التقوى. وهذا هو المعيار الواضح في حياة المؤمن وسلوكه، فنحن لا نصوم لمجرد الامتناع عن الأكل والشرب، بل نصوم لتزهر التقوى في قلوبنا، وهذا هو المقصد الأسمى من هذا الشهر المبارك.

[اشترك]

الغاية الأسمى: صناعة الإنسان المتقي

ونتحدث هنا عن ثلاث محطات سريعة، المحطة الأولى تتعلق بكون هذا الشهر هو مائدة الله وطاعته ورضوانه، كما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وآله. نحن في هذا الشهر ضيوف على الله سبحانه وتعالى. وفي العرف الاجتماعي، حين يُدعى المرء إلى ضيافة شخصية مرموقة ومهيبة، فإنه يهتم بأدق تفاصيله، من هندامه وملابسه ومظهره. فكيف إذا كانت الضيافة عند ملك الملوك؟

إن شهر رمضان الحقيقي يبدأ حين يتأمل المرء في واقعه قبل دخول الشهر، فينظر في حجابه، وصلاته، ومدى التزامه بصلاة الفجر في وقتها، وكفه عن المعاصي وسماع المحرمات.

المحطة الأولى هي اتخاذ قرار جاد بوقف هذه التجاوزات، فهذا هو جوهر الشهر. أما إذا ظل حال المرء في رمضان كحاله في غيره، في أوقات نومه وصلاته وقضائها، وفي استهتاره بالمحرمات، فهذا في الحقيقة ليس صياماً. لابد أن يكون يومك مختلفاً، كما ورد في الرواية الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي: (ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

فقه الضيافة والاستعداد النفسي

يجب أن نتفكر في أن هذا الشهر قد يكون الأخير في حياتنا، فربما لا نوفق للصيام في العام المقبل، بل ربما لا نتم صيام هذا العام، فالأعمار بيد الله. لذا، ينبغي أن يكون هذا الشهر هو العلامة الفارقة، فإما خروج من الظلمات إلى النور، وإما بقاء في التيه، وهذا يعتمد على قرار الإنسان وتعامله مع شهر رمضان.

التهيئة النفسية باختصار تعني ألا يتكبر المرء على أوامر الله. المسألة ليست بتلك التعقيد، فإذا أمر الله بصلة الرحم، فعلى المرء أن يضغط على نفسه ويصل أرحامه، وإذا حرم الأغاني، فعليه أن يتركها. إنها مجرد قرارات وإرادة. ولابد من الاستعداد الخاص لليالي القدر، ليلة التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والاهتمام بها يبدأ من الآن. ومن المؤسف أن نرى البعض في ليلة الثالث والعشرين يقضون وقتهم في المجمعات والأسواق، بينما هي ليلة ينبغي للمرء أن يحطم فيها قيود نفسه ويقبل على ربه دون فتور. لابد أن نعرف الحقائق كما هي حتى لا نصدم في مآلنا؛ فليست كل المظاهر تعكس الحقيقة، وليست كل القلوب مفعمة بالرحمة.

المحطة الثانية: الألف ركعة!

أنتقل إلى عمل عبادي هام جداً وردت فيه روايات متعددة بأسانيد كثيرة، وهو صلاة الألف ركعة في شهر رمضان، وهي من سنن النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان يقسمها على مدار الثلاثين يوماً وفق الترتيب التالي:

من الليلة الأولى وحتى الليلة العشرين: يُصلي المؤمن كل ليلة عشرين ركعة، فيكون المجموع أربعمائة ركعة. والأفضل -كما ورد عن الفقهاء- أن تُصلى ثماني ركعات بعد صلاة المغرب واثنتا عشرة ركعة بعد صلاة العشاء.

من الليلة الحادية والعشرين وحتى الليلة الثلاثين: يُصلي المؤمن ثلاثين ركعة في كل ليلة، ليصبح المجموع ثلاثمائة ركعة. والأفضل أن تُصلى اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب وثماني عشرة ركعة بعد العشاء.

ليالي القدر الثلاث (التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين): يُصلي المؤمن في كل ليلة منها مائة ركعة، فيكون المجموع ثلاثمائة ركعة.

وبهذا يكتمل العدد إلى ألف ركعة خلال الشهر. ويمكن للمصلي أن يكتفي بقراءة سورة الفاتحة فقط، كما يجوز أداؤها من جلوس، وتُصلى ركعتين ركعتين كصلاة الصبح. إن هذا العمل يعكس مدى حب المرء لرسول الله صلى الله عليه وآله وحرصه على إحياء سننه. وهناك أعمال أخرى مفصلة في كتاب مفاتيح الجنان، كالغسل في الليلة الأولى والأدعية المأثورة، يمكن الرجوع إليها.

المحطة الثالثة: صوم الحواس ومصيدة المظاهر

المحطة الأخيرة تعود بنا إلى الغاية: {لعلكم تتقون}. كلمة "كُتب" تشير إلى أمر أساسي ومثبت في اللوح المحفوظ. إن الصيام الحقيقي لا يقتصر على البطن، بل لابد أن تصوم الجوارح كلها، كما في رواية الإمام الصادق عليه السلام: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك).

المشكلة تكمن في أن الكثيرين حصروا مفهوم الصيام في الامتناع عن الأكل والشرب، بينما يقضون نهارهم وليلهم في مشاهدة المسلسلات، والانغماس في والولائم والضحك والترفيه. كيف استطاع الشيطان أن يقنع الإنسان المؤمن -الذي يوالي علياً والأئمة عليهم السلام- بأن هذا هو شهر رمضان؟ الأئمة عليهم السلام يؤكدون صيام الحواس والحواس كلها.

مرارة الواقع وجوهر التبعية

لقد أفرغ العالم المعاصر شهر رمضان من محتواه، وهو أمر مؤلم يستحق البكاء، فكيف نقنع أنفسنا بأن هذا هو الإيمان؟ هل هذا هو الدين الذي بذل الحسين عليه السلام دمه من أجله؟ إن تحويل رمضان إلى شهر للمسلسلات والأكلات المبتكرة والعزائم الكبرى هو نتاج تراكمي لابتعاد الناس عن النهج الحقيقي للإمام علي عليه السلام منذ يوم السقيفة.

لنتساءل بقرار جريء: هل أمير المؤمنين عليه السلام هو إمامنا فعلاً في سلوكنا؟ الإمام الذي كان يطهر عيون وسمع وألسن أتباعه من الحرام. الواقع التاريخي مرير، فالحسين عليه السلام لم يجد معه إلا سبعين أو ثمانين رجلاً، وأمير المؤمنين عليه السلام طاف بيوت المدينة ومعه الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام يطلب النصرة فلم يجدها. والإمام الحسن عليه السلام تعرض للخيانة من آلاف المقاتلين.

تُروى قصة عن أحد الأئمة -ولعله الإمام الصادق أو الرضا عليهما السلام- حين جاءه رجل يحثه على الثورة بالسيف مدعياً كثرة الشيعة، فأمر الإمام بإيقاد التنور، ثم قال للرجل: "قم فادخل التنور"، فاعتذر الرجل خوفاً. ثم دخل أحد الخواص -وهو هارون المكي- فسلم وأمره الإمام بالدخول فدخل وجلس وسط النار دون تردد. حينها سأل الإمام الرجل: "كم تجد من هؤلاء عندكم؟"، فقال: "والله ولا واحد". فقال الإمام: "نحن أعلم بالوقت". نحن لا نطلب من الناس إلقاء أنفسهم في النار، بل نطلب منهم ترك الأغاني، وتطهير النظر، والتزام النساء بالحشمة وترك الزينة المحرمة. نحن نفشل في هذه الاختبارات البسيطة، فكيف ندعي الجاهزية لما هو أعظم؟

أختم بتكرار الوصية: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك.. ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

من محاضرة لسماحة السيد موسى العلي، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

 

2026/02/18

شروط نبوية للخروج من الذنوب في شهر رمضان

يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: (يا جابر، هذا شهر رمضان، من صام نهاره، وقام ورداً من ليله، وعف بطنه وفرجه، وكف لسانه، خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر). حين نستعرض هذه الوصايا، نجد أن النبي الكريم لم يعدد أموراً معجزة، فالصيام والقيام -ولو بجزء يسير من النافلة- وأكل الحلال وكف اللسان، تبدو في ظاهرها ممارسات يسيرة ومتيسرة.

[اشترك]

وهذا ما دفع جابر بن عبد الله للتعليق بذهول قائلاً: (يا رسول الله، ما أحسن هذا الحديث!)، إذ وجد في التزامها فرصة ذهبية للتطهر الشامل من الذنوب بنهاية الشهر. بيد أن رد النبي (صلى الله عليه وآله) كان حازماً لتوضيح عمق المسؤولية، حيث قال: (يا جابر، وما أشد هذه الشروط!).

وبالنظر في هذه الشروط باختصار، نجد أن الصيام في المنظور القرآني يهدف أساساً لتحقيق التقوى، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالصائم الحقيقي هو من يعيش روح الصوم، حيث يمتنع عن الطعام والشراب في خلوته رغم قدرته عليهما وطول أمد الجوع الذي قد يمتد لاثنتي عشرة ساعة، ليكون الصيام مدرسة لتدريب الإرادة والسيطرة على الغرائز، فمن أحيا هذا الجانب خرج من الشهر متقياً، يفر من الذنب ويقبل على الطاعة بعزم جديد.

أما شرط القيام الوارد في قوله (وقام ورداً من ليله)، فيشير إلى تلك الصلاة التي يشتكي الكثيرون من صعوبة الاستيقاظ لها قبل الفجر. إن التخلي عن اللحاف والفراش والناس نيام لتحقيق الخلوة مع الله هو مجمع الخيرات. وفي يوم القيامة، حيث تتجه الخلائق كلها لطلب شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب الوجاهة العظمى، نجد أن القرآن الكريم يربط مقام النبي المحمود بناشئة الليل في قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}.

 وفي هذا السياق، يذكر السيد الطباطبائي (قدس) أن أستاذه السيد القاضي وضع يده على كتفه يوماً وقال: (يا سيد، إن أردت خير الدنيا فعليك بصلاة الليل، وإن أردت خير الآخرة فعليك بصلاة الليل). فالذي يقيم الليل تتغير روحانيته ويرتقي في مدارج الورع.

[اشترك]

وينتقل الحديث النبوي إلى عفة البطن والفرج وكف اللسان، وهي المداخل الثلاثة لأغلب الذنوب في عصرنا الحالي. فاللسان يحمل آفات السباب والقذف والنميمة والغيبة والافتراء على الله والاستهزاء بالمؤمنين. أما الفرج، فقد أصبح مستهدفاً من قِبل الاستكبار العالمي الذي يسعى لتلويث الفطرة وتدمير إنسانية الإنسان عبر الإثارات الجنسية الممنهجة. وفيما يخص البطن، فإننا نواجه صعوبة بالغة في ضمان الحلال، سواء في مصدر الكسب أو في نوع الطعام نفسه، في ظل وجود منتجات مشبوهة قد تحتوي على محرمات كشحم الخنزير دون الإفصاح عنها.

إن قدرة الإنسان على قصر طعامه على الحلال والسيطرة على نزواته وغرائزه تعني تحطيم مصائد الشيطان، وبذلك لا يبقى للذنب مكان. وترك الذنب في حد ذاته يعد مكفراً لما سبقه، فكلما ارتقى المؤمن درجة روحية، كُفرت عنه ذنوب الدرجة الأدنى، كما يشير بعض العلماء استناداً لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}. فلا يمكن للمرء أن يرتقي وهو لا يزال أسيراً لخطايا مرتبة نازلة، فإذا سيطر على لسانه وبطنه وفرجه، تطهرت نفسه وخرج من ذنوبه مع انقضاء الشهر.

نحن الآن على أعتاب الدخول في ضيافة الله، ونطمح أن يكون خروجنا من الشهر مقترناً بالتطهر التام من الآثام، فلا يتحقق العيد الحقيقي إلا لمن غُفر له وأُعتقت رقبته. لذا، يتعين علينا البدء بعزم صادق، وأن ننتهي بعزيمة أقوى مما انطلقنا بها.

من محاضرة لسماحة الشيخ هاني البنّاء، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/18

وصفة من الإمام الرضا (ع).. كيف تبيّض صحيفتك في شهر رمضان؟

تبرز التحضيرات الرضوية لاستقبال شهر رمضان المبارك كمنهج متكامل يتجاوز المظاهر المادية المعتادة، فبينما ينشغل الناس في بيوتهم بتجهيز المطابخ والمجالس، وتزيين الشوارع بالديكورات والزينات الخاصة بهذا الشهر، وهو أمر جيد وممدوح نسبياً، يوجهنا الإمام الرضا (عليه السلام) إلى ضرورة التجهيز النفسي الذي يرتكز على بناء الذات وتطويرها.

ولعل السائل يبحث عن كيفية هذا البناء، ونجد الإجابة في قول الإمام الرضا (صلوات الله عليه) لأبي الصلت الهروي: (وعليك بالإقبال على ما يعنيك)، إذ ينبغي للمؤمن في هذا الشهر أن ينشغل بما يخص إصلاح شأنه الخاص، بعيداً عن شؤون الآخرين التي لا تنفعه.

[اشترك]

وهنا تبرز مشكلة "هدم الذات"، حيث نجد أشخاصاً يشتكون من تغير أحوالهم الروحية؛ فيتذكر أحدهم كيف كان في مقتبل عمره، حين كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، يجد نفسه منساقاً بتلقائية نحو المساجد والمآتم، نافراً من الكذب ومترفعاً عن الكلمات النابية.

ظاهرة هدم الذات وتحولات العمر

يتساءل المرء: لماذا حين تقدم بي العمر وبلغت العشرين أو الخامسة والعشرين، ثقلت قدماي عن صلاة الجماعة وقل إقبالي على الموكب؟ ويستذكر المتحدث مراسم "التسخين" التي كانت تقام في المواكب قديماً قبل الانطلاق، حيث كان الأطفال يشاركون بعشق فطري، يضربون صدورهم بحماس منذ اللطمة الأولى، بينما نجد الكبار يتهيؤون ببطء. إن سبب هذا التراجع هو ما يسمى "هدم الذات"، فبعد أن بنى الإنسان لبناته الأولى في صغره، عاد وهدمها بكبره حين استسهل المعصية التي كان يراها حراماً ومنكراً في صغره.

إن هذا الهدم ينتج عن إهمال بناء النفس والتركيز الحصري على عيوب الآخرين بدلاً من النظر في العيوب الشخصية والنواقص الروحية. فمن المؤسف أن نجد من بلغ الخمسين من عمره ولم يختم القرآن الكريم ولو لمرة واحدة، ولم يسبق له أن قام لصلاة الليل، بينما يقضي أربعاً وعشرين ساعة في تتبع أخبار الناس وفضائحهم وما فعله فلان أو تركه علان، مهتماً بشؤون الغير على حساب نفسه.

إجازة روحية من فضول الأخبار

يدعونا الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الشهر العظيم لأخذ إجازة من التدخل في شؤون الآخرين؛ فبعد أحد عشر شهراً من الانشغال بالناس، حان الوقت للاهتمام بالنفس فقط، عملاً بقول النبي (صلى الله عليه وآله): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ليكون الهدف هو الوقوف بين يدي الله بصفحة بيضاء.

[اشترك]

وهنا تبرز مشكلة أخرى تتطلب دقة في الملاحظة، وهي اندفاع البعض لخدمة الآخرين عبر الأعمال التطوعية في المآتم والمساجد، مع إغفال الحقوق الشخصية والواجبات المنزلية. فقبل التوجه لخدمة المجتمع، يجب على المرء أن يتساءل: هل أديت ما علي من قضاء صلوات فائتة؟ وهل صمت ما فاتني من أيام شهر رمضان؟ وهل تفقدت احتياجات بيتي وأهلي؟ إن إداء ما على المرء تجاه ربه ونفسه يسبق أداءه لما للآخرين.

الخدمة الاجتماعية كرصيد شخصي للنجاة

حين نطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نقدم الخير للآخرين أم لأنفسنا؟ نجد أن الحقيقة هي أننا نبني رصيداً خاصاً بنا عند الله. فعندما تساعد فقيراً أو تتوجه للحسينية لتجهيزها وتعليق "السواد" إيذاناً ببدء شهر محرم، فأنت في الحقيقة تسعى لنجاة نفسك أولاً، مستلهماً ذلك من دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام): (قوِّ على خدمتك جوارحي)؛ فالمؤمن هو المستفيد الأول من خدمته للناس ليبني له ركيزة يلقى بها ربه يوم القيامة.

أما الانشغال بخدمة الغرباء مع التقصير في حق الله، أو في حق الزوجة والأولاد والأرحام، فهو أمر لا يغني عن المرء شيئاً في الآخرة. وينبغي معاملة الأقربين -في أدنى مستويات التعامل- كالغرباء الذين نسارع لمساعدتهم، فلا يصح إهمالهم بحجة الانشغال بالعمل العام. ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبدأ بقوله: (لا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك)؛ فحق الأهل والأولاد وحق الله في العبادة هو ما "يعنينا" بالدرجة الأولى.

ترتيب الأولويات

من الصور المؤلمة أن نجد شخصاً مرابطاً في المأتم لتجهيزه، بينما هو مضيع لفرائض صلاة الفجر أو الظهر، فبأي حجة سيقابل الله غداً؟ هل سيعتذر بتعليق "السواد" في الحسينية؟ إن الحسينية لا تعطل الفرائض، ويمكن لغير المقصر أن يقوم بهذه المهمة. إن المنهج الرضوي القويم يعلمنا ترتيب الأولويات وفق الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}؛ فالبداية تكون بإصلاح العلاقة بينك وبين الله، ثم إصلاح شأن أهلك وعيالك، ثم الانتقال لخدمة الآخرين.

من محاضرة لسماحة الشيخ ياسين الجمري، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/17

تُخمة وانتفاخ القولون.. كيف تتجنّب المشاكل الصحية في شهر رمضان؟

كثيراً ما تتحول لحظة ارتفاع أذان صلاة المغرب من فرحة بانتهاء يوم صيام شاق، إلى بداية لمعركة شرسة تدور رحاها داخل أمعاء الصائم، فالمعدة التي ركنت إلى السكون لساعات طويلة، تجد نفسها فجأة أمام طوفان من الطعام والشراب، مما يعرض الجهاز الهضمي لصدمة مفاجئة تتجلى في نوبات من الحرقة وعسر الهضم، تسرق من الصائم روحانية الشهر وتستبدل النشاط بالخمول والمعاناة.

وفي تشخيص دقيق لهذه الحالة، تضع الدكتورة فاطمة النصار، أخصائية أمراض الجهاز الهضمي، يدها على حقيقة مهمة في هذا الشهر، مؤكدة أن "الهجوم المباغت" على الطعام، والإسراف في التهام الوجبات المشبعة بالدهون والتوابل الحارة فور الآذان، هو المتهم الأول في إشعال فتيل الاضطرابات الصحية، والتي تتصدر قائمتها حرقة المعدة المؤلمة، وارتجاع المريء المزعج، وصولاً إلى حالة عسر الهضم التي تكبل الصائم.

[اشترك]

وللخروج من هذا المأزق، ورسم مسار آمن لمائدة رمضانية صحية، تقدم الأخصائية "بروتوكولاً" وقائياً صارماً يضمن سلامة الجهاز الهضمي. تبدأ هذه الاستراتيجية بتهيئة المعدة برفق عبر رشفات من السوائل الدافئة، كطبق شوربة يمهد الطريق لاستقبال الطعام، مع ضرورة اعتماد سياسة التدرج في الأكل لتجنيب المعدة صدمة الامتلاء المفاجئ.

وتشمل الخارطة الصحية إعادة النظر في نوعية "الوقود" الذي يدخل أجسامنا؛ فاللحوم البيضاء كالدواجن والأسماك يجب أن تتسيد المائدة كبديل خفيف عن اللحوم الحمراء الثقيلة، بالتوازي مع تعزيز الحضور النباتي عبر الخضراوات والسلطات الغنية بالألياف والبروتين، والابتعاد قدر الإمكان عن قنابل السعرات الحرارية والحلويات الدسمة التي يفضل تأجيلها أو تجنبها فور الإفطار.

ولا تكتمل هذه المنظومة إلا بإدارة ذكية للسوائل والحركة، إذ يُنصح بشرب ما لا يقل عن لترين من الماء موزعة بذكاء على فترات متقطعة بين الإفطار والسحور، واعتماد وجبات خفيفة صغيرة تملأ الفراغ الزمني بدلاً من الوجبات الكبيرة، مع تخصيص وقت لممارسة تمارين رياضية منزلية خفيفة بعد مرور ساعة أو ساعتين من وجبة الإفطار لتحفيز الحرق.

وفي حال الالتزام بهذا النهج المنضبط، يتحول الصيام من عبء جسدي إلى عملية ترميم شاملة للجهاز الهضمي، حيث تشير الدراسات إلى أن الصيام الصحي كفيل بكنس المشاكل المزمنة، فتختفي الغازات المزعجة، وتهدأ ثورة القولون العصبي، وتستعيد الأمعاء توازن حركتها، مما يخلص الجسم من ثنائية الإسهال والإمساك، ويمنح الصائم جسداً خفيفاً وروحاً صافية.

2026/02/15

هل ستشاهد الدراما الرمضانية؟ احذر عقلك يسجل الكوارث دون علمك!

يوجد في داخل كل إنسان عدو مجهول من جهة، وجندي مجهول من جهة أخرى؛ ففي داخل كل واحد الآن عدو خفي يحاربه ويقارعه، ونحن لا نقصد هنا الشيطان أو إبليس، فذاك له بحث آخر، بل نتحدث عن عدو آخر. كما يوجد جندي داخلي يصارع ويقاتل لأجلك، وهو غير الملائكة التي توحي للإنسان بالخير.

ثنائية العقل: الوعي الظاهر والوعي الباطن

لقد ثبت علمياً أن المخ ليس كتلة واحدة تعمل بانسجام تام دائماً، بل هما في الحقيقة "مخان متدافعان". ولا نقصد هنا التقسيم التشريحي المعروف (المخ، المخيخ، جذع الدماغ) أو الفصوص الأربعة (الجبهي، القذالي، الجداري، الصدغي) التي تتحكم في العمليات الإدراكية؛ بل المقصود -حسب علماء الطب النفسي- وجود مستويين من العمل:

  1. المخ الأول: وهو الذي يتحكم في عمليات الوعي الظاهر.
  2. المخ الثاني (الوعي الباطن): أو ما يسمى بمنطقة "اللاوعي".

[اشترك]

كثيراً ما يصدر المخ قرارات معينة، لكن الوعي الباطن يصدر قرارات مضادة. قد تكون هذه القرارات المضادة في طريق الخير، فيكون هذا هو "الجندي الصالح"، وقد تكون في طريق الشر، فيكون هذا هو "الجندي الطالح" أو العدو المجهول الكامن في النفس.

طبيعة الوعي الباطن: الأرشيف الذي لا ينسى

يمكن تعريف منطقة الوعي الباطن بأنها أرشيف ذهني وخزان ضخم يستوعب الملايين من الصور والمعلومات التي يظن الإنسان أنه نسيها. إن المعلومات التي نتلقاها عبر الوعي الظاهر (كالدراسة مثلاً) تتبخر بنسبة كبيرة (تصل إلى 70-90%) بعد فترة وجيزة، وتترسب في منطقة "اللاوعي".

إن اللاوعي لا يمحو شيئاً؛ فمجرد نظرة واحدة لورقة ما تجعل العين تصورها بالكامل وتخزنها في هذا الأرشيف، حتى لو لم يدرك الوعي الظاهر تفاصيلها. ولو قُدّر للإنسان الوصول إلى منطقة اللاوعي، لتدفقت عليه عشرات الألوف من المعلومات المخزنة كالحاسوب.

تأثير اللاوعي على المشاعر والسلوك

يتحكم اللاوعي في مشاعر الإنسان بشكل كبير. على سبيل المثال، قد يرفض العقل الظاهر الخوف من المقابر أو الأموات لأنهم لا يشكلون خطراً مادياً، لكن اللاوعي يرفض ذلك المنطق ويحتفظ بخوف دفين يمنع الإنسان من البقاء مع ميت ليلاً. هذا التأثير يظهر من خلال "كواشف" ذكرها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: "ما أضمر امرؤ شيئاً إلا وظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه"، ومن كواشفه أيضاً: أحلام اليقظة، وحديث النفس، والأحلام التي تعبر عن المخزون العميق للنفس.

خطورة المخزون الباطني: من النطفة إلى الاحتضار

إن اللاوعي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة ومصير الإنسان. فالصور التي يراها الإنسان -حتى لو تاب عنها توبة ظاهرية- تبقى في الأرشيف الذهني. فمن ينظر إلى الحرام (عبر وسائل التواصل أو غيرها)، تتشكل لديه صور تؤثر سلباً حتى على النطفة عند الزواج، والعكس صحيح لمن يملأ نظره بالمشاهد الإيمانية والعبادية.

والأخطر من ذلك هو تأثير هذا المخزون في لحظات الاحتضار، حيث يكون الإنسان في أضعف حالاته والشيطان في أقصى درجات التربص لاغتنام الفرصة الأخيرة. في تلك اللحظات المصيرية، يقفز أرشيف الصور والذكريات (الصالحة أو الطالحة) ليؤثر في خاتمة الإنسان؛ فقد ترجح صورة واحدة كفة الميزان سلباً أو إيجاباً.

مفهوم "الشاكلة" وعلاقتها بالوعي الباطن

في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}، هناك تفسيران:

  1. التفسير القديم: الشاكلة تعني "النية"، فالنية هي المحرك للأفعال خيراً وشراً.
  2. التفسير الحديث: الشاكلة تعني "الوعي الباطن" أو المخزون الذهني. فالإنسان يعمل وفقاً لما اختزنه في عقله الباطن. من سمع كثيراً عن بر الوالدين، يندفع نحوه تلقائياً، ومن امتلأ عقله بغير ذلك، تصرف ببرود تجاههما.

فالشاكلة بهذا المعنى هي الكوابح والقيود الداخلية التي توجه سلوك الفرد، وهي الشخصية التي تبلورت عبر الزمن.

آلية برمجة اللاوعي: التكرار والمخالطة

يتعلم اللاوعي ويتشكل من خلال "التكرار" لا المنطق. لذا يعتمد المضللون على تكرار الأكاذيب حتى يصدقها الناس وتستقر في وعيهم الباطن. ومن هنا جاء النهي القرآني عن مجالسة أهل الباطل أو الفسوق، لأن مخالطتهم تؤدي إلى انطباع سلوكياتهم وصورهم في "اللاوعي" دون أن يشعر الإنسان، مما يكسر قبح المعصية لديه تدريجياً.

شهر رمضان: إعادة برمجة شاملة للوعي

تتجلى الحكمة الإلهية في شهر رمضان المبارك في أنه يتعامل مع كلتا المنطقتين: الوعي الظاهر والوعي الباطن. إذا تعارض "المخان" (الظاهر والباطن) تعثر مسير الإنسان نحو الجنة، كمن يدفع سيارة من جهة ويسحبها آخر من الجهة المعاكسة.

يأتي شهر رمضان ليوحد اتجاه هذين الوعيين من خلال:

  1. العبادات (الوعي الظاهر): قراءة القرآن، الأدعية، الصيام، ومجالس الذكر التي تخاطب العقل والقلب.
  2. الأجواء والمظاهر (الوعي الباطن): تغيير نمط الحياة بالكامل (السحور، الإفطار، الروائح والعطور، اجتماع العائلة، العادات الاجتماعية المحببة كـ"الماجينة" أو "القرقيعان"، الفوانيس). هذه المظاهر تخلق نكهة خاصة وتدخل في عمق اللاوعي منذ الطفولة، ليكون الوعي الباطن مسانداً للوعي الظاهر في التوجه نحو الله.

لذا، يجب الحذر من البرامج والمسلسلات الهابطة التي تحاول تخريب هذه البرمجة الإيمانية وتشتيت الوعي الباطن في هذا الشهر الفضيل.

من محاضرة للسيد مرتضى الشيرازي، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: الشيخ حسين الخشيمي

2026/02/13

أسرار شهر رمضان.. نزول القرآن والكتب السماوية

يتميز شهر رمضان المبارك بمكانة استثنائية في الإسلام، تجعله محطة روحانية فريدة في مسار العام الهجري. فهو ليس مجرد شهر للصيام عن الطعام والشراب، بل هو موسم للتزود الروحي والارتقاء الأخلاقي والنفسي.

إن اختيار هذا الشهر ليكون وعاءً زمنياً للصيام لم يكن اعتباطياً، بل جاء متناسقاً مع خصوصية هذا الشهر وامتيازاته التي لا تتوفر لغيره من شهور السنة.

[اشترك]

 شهر نزول الكتب السماوية

تتجلى مزية هذا الشهر العظيم، كما بيّنها القرآن الكريم، في كونه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فالقرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي يفصل بين الصالح والطالح، ويحدد معالم الطريق نحو السعادة الحقيقية للبشرية، نزل في هذا الشهر المبارك.

وتذهب الروايات الشريفة إلى أبعد من ذلك، حيث تشير إلى أن جميع الكتب السماوية الكبرى قد نزلت في هذا الشهر الفضيل. فقد ورد في وسائل الشيعة أن "التوراة" و"الإنجيل" و"الزبور" و"الصحف" و"القرآن" جميعها أُنزلت في شهر رمضان. وهذا ما يؤكد مكانة هذا الشهر كمحطة تاريخية فاصلة في مسيرة الوحي الإلهي وتطور الرسالات السماوية.

شهر التربية والتعليم

[اشترك]

إن اقتران نزول الكتب السماوية بشهر رمضان يجعل منه بامتياز شهراً للتربية والتعليم. فالتربية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تعليم صحيح يستند إلى أسس متينة. وشهر رمضان بما يتضمنه من منهج تربوي متكامل يتمثل في الصيام، يحتاج إلى أن يكون مصحوباً بوعي عميق مستمد من تعاليم السماء، لكي ينجح في تطهير الإنسان من كل إثم وتزكية نفسه من كل رذيلة.

فالصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات، بل هو مدرسة متكاملة للتربية الروحية والأخلاقية. وهذه المدرسة تحتاج إلى منهج تعليمي واضح يستمد مضمونه من الوحي الإلهي الذي تجسده الكتب السماوية التي نزلت في هذا الشهر الكريم.

خطبة الرسول (ص) في استقبال شهر رمضان

وقد أدرك النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أهمية الإعداد النفسي والروحي لاستقبال هذا الشهر العظيم، فألقى في آخر جمعة من شهر شعبان خطبة بليغة أعدّ فيها المسلمين لاستقبال شهر رمضان المبارك. وهذه الخطبة تمثل خريطة طريق متكاملة للاستفادة القصوى من هذا الشهر الفضيل.

قال فيها (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها النّاس إنّه قد أقبل إليكم شهر اللّه بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند اللّه أفضل الشّهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل اللّيالي، وساعاته أفضل السّاعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة اللّه، وجعلتم فيه من أهل كرامة اللّه. أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب».

[اشترك]

تبرز هذه المقدمة من الخطبة النبوية الشريفة امتياز شهر رمضان على سائر الشهور، فهو أفضل الشهور عند الله، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. وهذه الأفضلية تتجلى في كون هذا الشهر ضيافة إلهية، يُدعى فيها المؤمنون إلى مائدة الرحمة والمغفرة الإلهية.

ثم تتحدث الخطبة عن الامتيازات الروحية لهذا الشهر، حيث تتحول فيه الأعمال العادية إلى عبادات: فالأنفاس تسبيح، والنوم عبادة، والأعمال مقبولة، والدعاء مستجاب. وهذا يعني أن هذا الشهر يمثل فرصة استثنائية للارتقاء الروحي والتقرب إلى الله تعالى.

توجيهات نبوية للاستفادة من شهر رمضان

ويواصل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبته بتوجيهات عملية للاستفادة من هذا الشهر الكريم، فيقول:

«فاسألوا اللّه ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشّقيّ من حرم غفران اللّه في هذا الشّهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم، وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام النّاس يتحنّن على أيتامكم...»

[اشترك]

تتضمن هذه التوجيهات النبوية برنامجاً متكاملاً للاستفادة من شهر رمضان على مختلف المستويات:

1. على المستوى الروحي: الدعاء بنيات صادقة وقلوب طاهرة، وطلب التوفيق للصيام وتلاوة القرآن.

2. على المستوى التأملي: استحضار يوم القيامة من خلال تجربة الجوع والعطش، وهذا يعمق البعد التربوي للصيام ويحوله إلى معراج روحي.

3. على المستوى الاجتماعي: الصدقة على الفقراء والمساكين، وتوقير الكبار، ورحمة الصغار، وصلة الأرحام، والتحنن على الأيتام. وهذه كلها قيم إنسانية نبيلة تعزز التكافل والتراحم في المجتمع.

4. على المستوى الأخلاقي: حفظ اللسان، وغض البصر عما لا يحل، وعدم الاستماع إلى ما لا يجوز. وهذه تمثل صياماً للجوارح يكمل صيام البطن، ويحقق المقصد الأعلى من الصيام وهو التقوى.

شهر رمضان منهج متكامل للتزكية

إن امتياز شهر رمضان يتجلى في كونه منهجاً متكاملاً للتزكية الروحية والأخلاقية والاجتماعية. فهو ليس مجرد شهر للجوع والعطش، بل هو فرصة لتهذيب النفس وتطهير القلب وتقوية الصلة بالله تعالى وبالناس.

واقتران هذا الشهر بنزول الكتب السماوية يؤكد العلاقة الوثيقة بين الصيام كمنهج تربوي والوحي الإلهي كمصدر للتعليم والهداية. فالصيام بدون وعي بالتعاليم الإلهية يفقد بعده العميق ويتحول إلى مجرد طقس خالٍ من الروح.

لذلك، فإن الاستفادة الحقيقية من شهر رمضان تكمن في استثمار كل لحظة فيه للارتقاء الروحي والنفسي، وتجديد العهد مع الله تعالى، والتزود بزاد التقوى الذي يعين المؤمن في مسيرة حياته كلها.

المصدر: وسائل الشيعة، ج 7، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 18، الحديث 16 و20.*

 

2025/03/06

كيف تتحرر من تأثير «الموبايل» في شهر رمضان؟

في خضم الأجواء الرمضانية المفعمة بالدفء العائلي، ثمة ظاهرة بدأت تتسلل إلى حياتنا بصمت، مغيّرة ملامح هذا الشهر الفضيل الذي طالما ارتبط بالتواصل الإنساني الحقيقي والعبادة الخالصة. تأمل معي هذا المشهد المألوف: عائلة تجتمع حول مائدة الإفطار، أطباق شهية تتصاعد منها أبخرة الطعام، وتهاني "صوم مقبول" تتناثر في الأرجاء. لكن هل لاحظت أن الوجوه لم تعد تتلاقى كما كانت؟ فهذا منشغل بالرد على رسائل الواتساب، وذاك يلتقط صورة "مثالية" لطبق الإفطار ليشاركها مع العالم الافتراضي، وثالث غارق في متابعة فيديوهات التيك توك اللانهائية.

[اشترك]

يبدو أن الشاشات أصبحت ضيفاً ثقيلاً على موائدنا الرمضانية، حتى صرنا نستبدل العبادات المتعارفة في هذا الشهر بما يمكن تسميته "عبادة التمرير اللانهائي"! هل فقدنا القدرة على العيش في اللحظة الحاضرة؟ هل استبدلنا التواصل العميق مع من نحب بالتواصل السطحي مع عالم افتراضي؟

رمضان: فرصة لإعادة ضبط البوصلة الروحية والرقمية

لطالما كان رمضان فرصة ذهبية لإعادة ضبط حياتنا بأكملها، ليس فقط من خلال الامتناع عن الطعام والشراب، بل أيضاً من خلال تنقية القلب والروح من الشوائب التي علقت بهما طوال العام. وفي عصرنا الحالي، هل هناك ما هو أكثر إلحاحاً من "السموم الرقمية" التي باتت تسرق أوقاتنا وتشتت انتباهنا وتقلل من جودة علاقاتنا الإنسانية؟

يقول كال نيوبورت، مؤلف كتاب "العمل العميق": "التكنولوجيا أداة رائعة، لكن لا تسمح لها أن تصبح سجّاناً". وهنا يكمن جوهر المشكلة: لقد تحولنا من مستخدمين للتكنولوجيا إلى أسرى لها، نتفقد هواتفنا بشكل قهري، ونشعر بالقلق عندما نبتعد عنها، ونضحي بلحظات حقيقية ثمينة مقابل ساعات من المحتوى الرقمي الذي سرعان ما يُنسى.

الحل في "الصيام الرقمي"!

أولاً: حدد هدفك بوضوح

مثلما أن الصوم عن الطعام والشراب له مقاصد سامية، فإن الصيام الرقمي يحتاج إلى نية واضحة وأهداف محددة. اسأل نفسك:

- هل تريد استعادة الوقت الضائع في التواصل الافتراضي لاستثماره في تواصل حقيقي مع العائلة؟

- هل تسعى لتحقيق تركيز أعمق في العبادة وقراءة القرآن؟

- هل ترغب في تحسين جودة نومك بعد إدمان السهر على مشاهدة المسلسلات؟

إن الأهداف الواضحة هي التي ستبقيك متحمساً ومستمراً عندما تغريك الإشعارات بالعودة إلى العادات القديمة.

ثانياً: استعن بالأدوات المساعدة ولا تعتمد على قوة الإرادة وحدها

قد تكون قوة الإرادة وحدها غير كافية، خاصة مع تصميم التطبيقات الحديثة لإبقائنا متصلين لأطول فترة ممكنة. إليك بعض الاستراتيجيات العملية:

  1. فرض "حظر تجوّل" رقمي في أوقات محددة: خصص الساعات الذهبية الثلاث للانقطاع التام عن الشاشات:

   - ساعة قبل الإفطار للاستعداد الروحي والعبادة

   - ساعة أثناء الإفطار للتواصل العائلي الحقيقي

   - ساعة بعد السحور للقراءة أو الدعاء أو الصلاة

  1. استخدم "حراس الصيام" التكنولوجيين:

   - تطبيق "Forest" الذي يسمح لك بزراعة شجرة افتراضية تنمو كلما ابتعدت عن هاتفك

   - ميزة "الراحة" في آيفون التي تحظر الإشعارات تلقائياً

   - تطبيق "Freedom" الذي يحجب مواقع التواصل الاجتماعي خلال أوقات محددة

ثالثاً: املأ الفراغ ببدائل إبداعية

من أكبر التحديات التي تواجه الصائم رقمياً هو الفراغ الذي يتركه غياب الشاشات. لذا، من المهم إعادة اكتشاف الأنشطة التي طواها النسيان بسبب إدمان التمرير:

- كتابة اليوميات الرمضانية: دوّن مشاعرك وتأملاتك وإنجازاتك اليومية

- إحياء الألعاب العائلية التقليدية: الطاولة، الأحاجي، ألعاب الكلمات

- تعلم مهارة جديدة: حفظ سورة قصيرة، إتقان طبخة رمضانية تقليدية، تعلم فن الخط العربي

رابعاً: حوّل التحدي إلى مشروع جماعي

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والتغيير يصبح أكثر متعة ويسراً عندما نشارك فيه مع الآخرين:

- شجع عائلتك أو أصدقاءك على الانضمام لـ "تحدي الصيام الرقمي"

- أنشئ مجموعة صغيرة (بمفارقة لطيفة، يمكن أن تكون على الواتساب!) لمشاركة الإنجازات اليومية

- نظّم "ليلة عائلية" أسبوعية خالية تماماً من الأجهزة، مع أنشطة بديلة مثل القراءة الجماعية للقرآن أو سرد القصص العائلية من الماضي

خامساً: تعامل مع الصيام الرقمي كماراثون وليس سباقاً سريعاً

كما أن الصيام الرمضاني يتطلب تدريباً وتعويداً للنفس، فإن الصيام الرقمي يحتاج إلى الصبر والتدرج:

- لا تقسُ على نفسك إذا فشلت في اليوم الأول، فحتى التخفيف من الاستخدام يعد إنجازاً

- راقب تقدمك عبر تطبيقات تتبع الوقت مثل "Screen Time" أو جدول بسيط تعلق فيه نجمة ذهبية لكل يوم ناجح

- كافئ نفسك على النجاحات الصغيرة بهدية رمزية: كتاب جديد، زيارة لمكان تحبه، أو حتى طبق حلوى رمضانية مفضل

حقائق مذهلة وتأملات ختامية

هل تعلم أن الإنسان العادي يلمس هاتفه حوالي 2600 مرة يومياً؟ تخيل لو تم استثمار جزء بسيط من هذه اللمسات في تقليب صفحات القرآن، أو في مد يد العون للمحتاجين، أو حتى في تأمل جمال اللحظة الرمضانية بوعي كامل!

رمضان ليس شهر الحرمان كما قد يفهمه البعض خطأً، بل هو شهر التحرر من كل ما يشغلنا عن جوهر وجودنا وإنسانيتنا. وما الفائدة من صيامنا عن الطعام والشراب إذا كنا نلتهم الساعات في عالم افتراضي يبعدنا عن حقيقة الحياة؟

يمكنك البدء اليوم بتحدٍ بسيط: ساعة واحدة فقط دون شاشات أثناء الإفطار. ستلاحظ الفرق سريعاً: الضحكات ستصبح أعلى، والطعام سيكون ألذ، والقلوب ستقترب من بعضها أكثر.

إن كل لحظة تنفصل فيها عن الشاشة هي نصر صغير تُعيد فيه الحياة إلى روح رمضان الحقيقية. الشاشات لن تهرب منك، لكن اللحظات الحقيقية هي التي تفعل ذلك. فهل أنت مستعد لاستعادتها؟

2025/03/06

كيف نستعد لشهر رمضان؟

نحن اليوم على مشارف شهر رمضان المبارك، هذا الشهر العظيم شهر الله وشهر الضيافة الإلهية المباركة السخية والمتميزة.

نعم نحن نستقبل شهراً مباركاً كريماً ملؤه الرحمةُ والغفرانُ والخيرُ، شهر تعُمُّهُ الأنوار الإلهية والأجواءُ الروحانيةِ.

[اشترك]

شهر تنهمر السعادة من خلاله على الإنسان المؤمن الصائم الملتزم بتعاليم الله عَزَّ وجَلَّ.

إذاً فينبغي على مَنْ عرِفَ قيمة هذا الشهر المبارك المعطاء، وأراد أن يعيش الحالة الرمضانية ويكون نموذجاً للصائم المُنعم عليه بالقبول والغفران، ويكون له نصيبٌ من بركاته.

ولكي يكون موفقاً في استقباله فلا بُدَّ له من الاستعداد التام قبل حلول هذا الشهر الكريم.

الاستعداد المثالي لشهر رمضان: روحانية لا مادية

الاستعداد لاستقباله والتهيّؤ له لا يكون بادخار الأطعمة والأشربة واحتكارها في المنزل كمن يتخوف المجاعة والقحط، أو التفنن في إبداع الأكلات الرمضانية الشهية، أو بسط الموائد التي تتجاوز الأرقام القياسية في الإسراف والتبذير والترف، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي يمر به شعوب العالم بصورة عامة وبلادنا الإسلامية بصورة خاصة من النقص الحاد في المواد الغذائية الرئيسية، وإنما المقصود هو الاستعداد المعنوي، والتهيؤ الروحي والإيماني بما يتناسب مع أهداف هذا الشهر المبارك.

بداية الاستعداد الروحي: أشهر قبل رمضان

لضمان الحصول على النتائج الكبرى يحبذ أن يبدأ هذا الاستعداد قبل حلول شهر رمضان بأشهرٍ، تماماً كالذي يريد الاشتراك في سباقٍ عالمي مهم يفترض أن يقوم بالاستعداد والتحضير له بفترة تسبقه كافية لأن تؤهله للاشتراك في ذلك السباق، وكذلك فعلى من يريد الفوز بالجائزة الرمضانية الكبرى أن يتحضر لها ويتهيأ لها بصورة كاملة.

فقد روي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه كان إذا رأى هلال شهر رجب قال: "اَللّـهُمَّ بارِكْ لَنا في رَجَب وَ شَعْبانَ، وبَلِّغْنا شَهْرَ رَمَضانَ، واَعِنّا عَلَى الصِّيامِ وَ الْقِيامِ وَ حِفْظِ اللِّسانِ، وَ غَضِّ الْبَصَرِ، وَ لا تَجْعَلْ حَظَّنا مِنْهُ الْجُوعَ وَ الْعَطَشَ".

ولو تأملنا في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) عرفنا بأن من أهم أهداف شهر رمضان التي لا بُدَّ أن نجعلها هدفاً نسعى للوصول إليها هي العبادة الخالصة ومخالفة هوى النفس وكبح جماحها من خلال ضبط اللسان وغَضِّ البصر، وإلا فإن حظنا منه سوف لا يتجاوز الجوع والعطش، وسوف لا نصل إلى الهدف الأم من الصيام الذي هو التقوى.

ورُوي أن الإمام جعفر الصّادق (عليه السَّلام) كان يدعو في آخر ليلة من شعبان وأوّل ليلة من رمضان، ويقول:

اَللّـهُمَّ اِنَّ هذَا الشَّهْرَ الْمُبارَكَ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرآنُ وَجُعِلَ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتِ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ قَدْ حَضَرَ فَسَلِّمْنا فيهِ وَ سَلَّمْهُ لَنا وَ تَسَلِّمْهُ مِنّا في يُسْر مِنْكَ وعافِيَة، يا مَنْ اَخَذَ الْقَليلَ، وَ شَكَرَ الْكَثيرَ، اِقْبَل مِنِّى الْيَسيرَ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَساَلُكَ اَنْ تَجْعَلَ لي إلى كُلِّ خَيْر سَبيلاً، وَ مِنْ كُلِّ ما لا تُحِبُّ مانِعاً، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ...

تصحيح النظرة إلى شهر رمضان: فرصة فريدة لا تعوض

فالاستعداد والتهيوء لاستقبال شهر رمضان إنما يكون بتصحيح نظرتنا إلى هذا الشهر، والتعرف على مكانته الحقيقية بأنه شهر الله وشهر المغفرة الإلهية والرحمة الشاملة، وأنه المدرسة التي أنعم الله تعالى بها علينا لكي نتربى فيها تربية إسلامية إيمانية قرآنية صادقة نتمكن من خلالها من التخلص من الذنوب والمعاصي وكل ما يحط من منزلة الإنسان وقدره، ونتخلق بأخلاق الصائم النموذجي، ونعتبره سُلَّم الرُقي إلى أعلى درجات الكمال.

كما ولا بُدَّ وأن ننظر إلى شهر رمضان المبارك باعتباره فرصة فريدة لا بُدَّ من اغتنامها بصورة جيدة.

فقد روي عن الإمام الصّادق (عليه السلام) انّه قال: "مَنْ لَم يُغفَر لَه في شَهر رَمَضان لَم يُغفَر لَهُ إلى قابِل، اِلاّ أن يَشهَدَ عَرَفَةَ".

خطبة الرسول (ص) في استقبال شهر رمضان: درس متكامل

ومما يساعد الإنسان على اغتنام الفرص الرمضانية المباركة هو الإصغاء إلى خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) والتدبر في بنودها فهي تحتوي على دروس مهمة جداً.

فعَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ، أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ، وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ، وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ، يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ، وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ وَأَنْ لَا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ.

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.

فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ.

أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلَاةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلَا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السَّلام): فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟

فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ".

تحية شهر رمضان: السلام على شهر الله الأكبر وفي الختام نُحييَ شهرَ رمضان بمقاطع من أدعية أهل البيت (عليهم السلام) فنقول:

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ، وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ، وَنُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجَاوِرٍ رَقَّتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَقَلَّتْ فِيهِ الذُّنُوبُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَصَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الْإِحْسَانِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا أَكْثَرَ عُتَقَاءَ اللَّهِ فِيكَ، وَمَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ لَا تُنَافِسُهُ الْأَيَّامُ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مَطْلُوبٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَمَحْزُونٍ عَلَيْهِ قَبْلَ فَوْتِهِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَحْرَصَنَا بِالْأَمْسِ عَلَيْكَ، وَأَشَدَّ شَوْقَنَا غَداً إِلَيْكَ.

إن التهيؤ لشهر رمضان لا يقتصر على تأمين الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى التهيؤ الروحي والنفسي والمعنوي. فشهر رمضان فرصة ثمينة للتزود بالتقوى والعمل الصالح وتهذيب النفس وتطهير القلب من أدران المعاصي والذنوب.

الصائم الحقيقي ليس من يجوع ويعطش فقط، بل من يُجوِّع نفسه عن الشهوات ويُعطِش جوارحه عن المحرمات. فالصوم مدرسة متكاملة لتربية النفس وتهذيبها وتزكيتها وتطهيرها من كل ما يُبعدها عن ربها.

إغتنام الفرص الرمضانية: مفاتيح النجاح

لاغتنام شهر رمضان، علينا أن ندرك قيمة كل لحظة فيه، وأن نستثمر ساعاته ودقائقه في طاعة الله تعالى وعبادته. فكل عمل صالح في هذا الشهر له أجر مضاعف، وكل طاعة لها ثوابعظيم.

من الفرص العظيمة في شهر رمضان:

- تلاوة القرآن الكريم وتدبره

- الإكثار من الذكر والدعاء

- الإنفاق والصدقة على الفقراء والمساكين

- صلة الأرحام

- الإصلاح بين الناس

 

2025/02/27

الصيام والعرفان

خلق الله الانسان مزيجا من عنصرين. مادي (الجسد) ومجرد (النفس). لكل عنصر خصائصه ومميزاته وانشطته. ففي الجسد الأجهزة المختلفة كالهظم والدوران إضافة الى الحواس، وفي النفس المشاعر المختلفة كالحب والكره وغير ذلك.

[اشترك]

وفي هذا المزيج، ثمة نقطة توقف عندها الكثير من الفلاسفة والعلماء في محاولة تفسيرها والكشف عنها، وهي علاقة التأثر والتأثير المتبادلة بين العنصرين مع عدم السنخية بينهما !!

فمثلا حين يتلقى الانسان نبأ مفجعا، وتأثيره في النفس، نجده يتعرض لأذى مادي مثل السكتة القلبية. وكمثال آخر حركة اليد، وهي تبدأ من فكرة أو إرادة في الذهن المجرد ـ حين يقرر الانسان أن يحرك يده ـ وهذه الارادة تنتقل من الذهن المجرد الى الدماغ المادي فيوعز الدماغ عصبا، وهو أقرب مايكون الى الشحنة الكهربائية، الى اليد دون سائر الاعضاء الاخرى، فتتقلص عضلة اليد بالشكل الذي يتلائم مع الارادة الكائنة في الذهن.

  ومهما قال الفلاسفة والعلماء في صدد هذه العلاقة من تفسير وكشف، فإن مايهمنا هو وجودها على صعيد الواقع.

ذلك الوجود الذي يجعلنا نجد أن تلك النخبة المؤمنة من اهل التصوف الفعليين والعرفاء، في طريقهم الى الارتقاء الى الله عبر رياضاتهم الروحية من صلوات وأذكار، وهي ممارسات من أنشطة النفس، فإنهم يعمدون الى ممارسة أخرى تتعلق بعنصر الجسد ألا وهي قلة الاكل وبساطة أنواعها بل ربما يصل الى الامر الى تعمد الجوع. وذلك لعلاقة التأثر والتأثير بين الجسد والنفس. فالعارف إنما يبذل جهده في سبيل تخفيف الروح لتتمكن من الصعود والارتقاء، والطعام يعرقل هذا الصعود..

هذا بالنسبة للنخبة التي أراد أبناؤها طريق الوصول الى الله والسعادة في حضرة النور الألهي، فتفضل عليهم بالتوفيق والسداد.

فماذا عن السواد الأعظم من الناس الذين تشغلهم الحياة ومطاليب العيش؟!

هؤلاء لم يتركهم الله سبحانه، بل هيأ لهم السبيل الى سعادة الدنو من الحق سبحانه. وذلك عبر برنامج عبادي متميز وهو (صيام شهر رمضان)

حيث منع الطعام والشراب ليساعد الجوع وقلة الاكل على تحفيز ملكات الروح على التحرك والارتقاء.. ثم ميّز العبادة في هذا الشهر من صلاة وأذكار وقراءة للقرآن بأن جعل ثواب القيام بهذا في شهر رمضان مضاعفا.. ليحث الانسان على عدم تفويت الفرصة في القيام بنفس الفعل العبادي الذي يؤديه في غير شهر رمضان، وبثواب مضاعف. هذا مع قلة الاكل. ليكون له، في النهاية، فرصة العمل بعمل العارف الذي يحظى بدرجات عالية من الوصول الى الحق جل وعلا.

2025/02/27

لماذا أخفى الله ليلة القدر؟!

لقد من الله تعالى على الأمة المرحومة بشهر رمضان المبارك، وجعله أفضل الشهور ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وقد جعل في هذا الشهر العظيم ليلة هي أفضل من ألف شهر.

وقد وردت النصوص الشريفة عن المعصومين (صلوات الله عليهم) استحباب إحياء هذه الليلة العظيمة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم وزيارة المشاهد المشرفة لقبور أهل البيت (عليهم السلام) لا سيما قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، ففي الروايات الكثيرة انه اذا كانت ليلة القدر التي يفرق فيها كل امر حكيم، ينادي مناد من بطنان العرش الى السماء السابعة: ان الله عزوجل قد غفر لمن أتى قبر الحسين عليه السلام.

[اشترك]

غير أن هذه الليلة المباركة قد أخفاها الله تعالى، ولذا هي تطلب في ليلتين أو ثلاث ليالٍ، فعن القاسم بن محمد، عن علي، قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير ما الليلة التي يرجى فيها ما يرجى قال في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين. قال فإن لم أقو على كلتيهما قال ما أيسر ليلتين فيما تطلب قال قلت فربما رأينا الهلال عندنا، وجاءنا من يخبر بخلاف ذلك في أرض أخرى فقال ما أيسر أربع ليل تطلبها فيها قلت جعلت فداك، ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني فقال إن ذلك ليقال. قلت جعلت فداك، إن سليمان بن خالد روى في تسع عشرة يكتب وفد الحاج. فقال لي يا أبا محمد، يكتب وفد الحاج في ليلة القدر، والمنايا والبلايا والأرزاق، وما يكون إلى مثلها في قابل، فاطلبها في إحدى وثلاث، وصل في كل واحدة منهما مائة ركعة، وأحيهما إن استطعت إلى النور.

لماذا لم تحدد ليلة واحدة؟

والسؤال هنا لماذا لم يحدد الإمام (عليه السلام) للسائل في أي ليلة من شهر رمضان هي ليلة القدر على الرغم من إلحاح السائل؟

لعلنا نقتنص الإجابة من خلال بعض القرائن التي تحيط بأجواء الروايات الواردة بهذه المسألة فنخرج بنتيجة مفادها:

يمكن أن يكون تعمد الإبهام راجع الى توجيه الناس حول الاهتمام بمجموع تلك الليالي المباركة، مما يعني أنها ستحيا جميعها بالتلاوة والأذكار والصلوات وهي عين ما يطلبه المولى عزوجل حيث دلت آيات الذكر الحكيم على أن العبد لا بد أن يلتجأ الى الله تعالى في السراء والضراء.

وقد يقال مع هذا الذي تقدم إلا أنه ليس سبباً كافياً لإخفاء هذه الليلة، فالدعاء مستحب على أي حال.

يمكن القول إن الله تعالى كما قد أخفى غضبه في مجموعة من المعاصي ليتجنب الناس جميع أنواع المعاصي، حتى ورد (لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت)، وكما أن الأولياء قد أخفاهم الله بين العباد حتى يكون جميع العباد لهم حرمة، وكما أخفى الآجال فلا يدري المرء متى تحين ساعته الغرض منه أن يكون مترقباً للموت في أي لحظة ومكان، فكذلك أخفى تلك الليلة بين مجموعة من الليالي ليطلبها العباد طلباً حثيثاً ويجتهدوا فيها في التلاوة والذكر والصلاة، لأن الناس لو علموا فضل هذه الليلة وأثرها التكويني على مستقبلهم لاستسهلوا طلبها في عموم السنة لا في ليلتين أو ثلاث.

فأما عن الأثر التكويني المترتب على هذه الليلة فقد ورد عن حُمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ (الباقر) (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ...).

قَالَ : "نَعَمْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَ هِيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَلَمْ يُنْزَلِ الْقُرْآنُ إِلَّا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) قَالَ: يُقَدَّرُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ خَيْرٍ وَ شَرٍّ، وَ طَاعَةٍ وَ مَعْصِيَةٍ، وَ مَوْلُودٍ وَ أَجَلٍ أَوْ رِزْقٍ . فَمَا قُدِّرَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَقُضِيَ فَهُوَ الْمَحْتُومُ وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْمَشِيئَةُ ".

قَالَ قُلْتُ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أَيُّ شَيْ‏ءٍ عُنِيَ بِذَلِكَ؟

فَقَالَ: "الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَنْوَاعِ الْخَيْرِ، خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَوْ لَا مَا يُضَاعِفُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَا بَلَغُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ بِحُبِّنَا".

وأما عن فضل العمل فيها فقد ورد عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالُوا قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا سَعِيداً السَّمَّانَ كَيْفَ يَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قَالَ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.

2018/06/06