تبرز التحضيرات الرضوية لاستقبال شهر رمضان المبارك كمنهج متكامل يتجاوز المظاهر المادية المعتادة، فبينما ينشغل الناس في بيوتهم بتجهيز المطابخ والمجالس، وتزيين الشوارع بالديكورات والزينات الخاصة بهذا الشهر، وهو أمر جيد وممدوح نسبياً، يوجهنا الإمام الرضا (عليه السلام) إلى ضرورة التجهيز النفسي الذي يرتكز على بناء الذات وتطويرها.
ولعل السائل يبحث عن كيفية هذا البناء، ونجد الإجابة في قول الإمام الرضا (صلوات الله عليه) لأبي الصلت الهروي: (وعليك بالإقبال على ما يعنيك)، إذ ينبغي للمؤمن في هذا الشهر أن ينشغل بما يخص إصلاح شأنه الخاص، بعيداً عن شؤون الآخرين التي لا تنفعه.
وهنا تبرز مشكلة "هدم الذات"، حيث نجد أشخاصاً يشتكون من تغير أحوالهم الروحية؛ فيتذكر أحدهم كيف كان في مقتبل عمره، حين كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، يجد نفسه منساقاً بتلقائية نحو المساجد والمآتم، نافراً من الكذب ومترفعاً عن الكلمات النابية.
ظاهرة هدم الذات وتحولات العمر
يتساءل المرء: لماذا حين تقدم بي العمر وبلغت العشرين أو الخامسة والعشرين، ثقلت قدماي عن صلاة الجماعة وقل إقبالي على الموكب؟ ويستذكر المتحدث مراسم "التسخين" التي كانت تقام في المواكب قديماً قبل الانطلاق، حيث كان الأطفال يشاركون بعشق فطري، يضربون صدورهم بحماس منذ اللطمة الأولى، بينما نجد الكبار يتهيؤون ببطء. إن سبب هذا التراجع هو ما يسمى "هدم الذات"، فبعد أن بنى الإنسان لبناته الأولى في صغره، عاد وهدمها بكبره حين استسهل المعصية التي كان يراها حراماً ومنكراً في صغره.
إن هذا الهدم ينتج عن إهمال بناء النفس والتركيز الحصري على عيوب الآخرين بدلاً من النظر في العيوب الشخصية والنواقص الروحية. فمن المؤسف أن نجد من بلغ الخمسين من عمره ولم يختم القرآن الكريم ولو لمرة واحدة، ولم يسبق له أن قام لصلاة الليل، بينما يقضي أربعاً وعشرين ساعة في تتبع أخبار الناس وفضائحهم وما فعله فلان أو تركه علان، مهتماً بشؤون الغير على حساب نفسه.
إجازة روحية من فضول الأخبار
يدعونا الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الشهر العظيم لأخذ إجازة من التدخل في شؤون الآخرين؛ فبعد أحد عشر شهراً من الانشغال بالناس، حان الوقت للاهتمام بالنفس فقط، عملاً بقول النبي (صلى الله عليه وآله): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ليكون الهدف هو الوقوف بين يدي الله بصفحة بيضاء.
وهنا تبرز مشكلة أخرى تتطلب دقة في الملاحظة، وهي اندفاع البعض لخدمة الآخرين عبر الأعمال التطوعية في المآتم والمساجد، مع إغفال الحقوق الشخصية والواجبات المنزلية. فقبل التوجه لخدمة المجتمع، يجب على المرء أن يتساءل: هل أديت ما علي من قضاء صلوات فائتة؟ وهل صمت ما فاتني من أيام شهر رمضان؟ وهل تفقدت احتياجات بيتي وأهلي؟ إن إداء ما على المرء تجاه ربه ونفسه يسبق أداءه لما للآخرين.
الخدمة الاجتماعية كرصيد شخصي للنجاة
حين نطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نقدم الخير للآخرين أم لأنفسنا؟ نجد أن الحقيقة هي أننا نبني رصيداً خاصاً بنا عند الله. فعندما تساعد فقيراً أو تتوجه للحسينية لتجهيزها وتعليق "السواد" إيذاناً ببدء شهر محرم، فأنت في الحقيقة تسعى لنجاة نفسك أولاً، مستلهماً ذلك من دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام): (قوِّ على خدمتك جوارحي)؛ فالمؤمن هو المستفيد الأول من خدمته للناس ليبني له ركيزة يلقى بها ربه يوم القيامة.
أما الانشغال بخدمة الغرباء مع التقصير في حق الله، أو في حق الزوجة والأولاد والأرحام، فهو أمر لا يغني عن المرء شيئاً في الآخرة. وينبغي معاملة الأقربين -في أدنى مستويات التعامل- كالغرباء الذين نسارع لمساعدتهم، فلا يصح إهمالهم بحجة الانشغال بالعمل العام. ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبدأ بقوله: (لا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك)؛ فحق الأهل والأولاد وحق الله في العبادة هو ما "يعنينا" بالدرجة الأولى.
ترتيب الأولويات
من الصور المؤلمة أن نجد شخصاً مرابطاً في المأتم لتجهيزه، بينما هو مضيع لفرائض صلاة الفجر أو الظهر، فبأي حجة سيقابل الله غداً؟ هل سيعتذر بتعليق "السواد" في الحسينية؟ إن الحسينية لا تعطل الفرائض، ويمكن لغير المقصر أن يقوم بهذه المهمة. إن المنهج الرضوي القويم يعلمنا ترتيب الأولويات وفق الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}؛ فالبداية تكون بإصلاح العلاقة بينك وبين الله، ثم إصلاح شأن أهلك وعيالك، ثم الانتقال لخدمة الآخرين.
من محاضرة لسماحة الشيخ ياسين الجمري، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي