موائد فاخرة ومسلسلات: ماذا لو كان هذا «آخر شهر رمضان» في حياتك؟!

السيد موسى العلي
زيارات:570
مشاركة
A+ A A-

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. نحن مقبلون على شهر الله عز وجل، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وهو شهر التغيير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى ومرضاته. في هذه الآية المباركة، يخاطب الله المؤمنين موضحاً أن الهدف الجوهري من صيام شهر رمضان هو بلوغ مرتبة التقوى. وهذا هو المعيار الواضح في حياة المؤمن وسلوكه، فنحن لا نصوم لمجرد الامتناع عن الأكل والشرب، بل نصوم لتزهر التقوى في قلوبنا، وهذا هو المقصد الأسمى من هذا الشهر المبارك.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

الغاية الأسمى: صناعة الإنسان المتقي

ونتحدث هنا عن ثلاث محطات سريعة، المحطة الأولى تتعلق بكون هذا الشهر هو مائدة الله وطاعته ورضوانه، كما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وآله. نحن في هذا الشهر ضيوف على الله سبحانه وتعالى. وفي العرف الاجتماعي، حين يُدعى المرء إلى ضيافة شخصية مرموقة ومهيبة، فإنه يهتم بأدق تفاصيله، من هندامه وملابسه ومظهره. فكيف إذا كانت الضيافة عند ملك الملوك؟

إن شهر رمضان الحقيقي يبدأ حين يتأمل المرء في واقعه قبل دخول الشهر، فينظر في حجابه، وصلاته، ومدى التزامه بصلاة الفجر في وقتها، وكفه عن المعاصي وسماع المحرمات.

المحطة الأولى هي اتخاذ قرار جاد بوقف هذه التجاوزات، فهذا هو جوهر الشهر. أما إذا ظل حال المرء في رمضان كحاله في غيره، في أوقات نومه وصلاته وقضائها، وفي استهتاره بالمحرمات، فهذا في الحقيقة ليس صياماً. لابد أن يكون يومك مختلفاً، كما ورد في الرواية الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي: (ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

فقه الضيافة والاستعداد النفسي

يجب أن نتفكر في أن هذا الشهر قد يكون الأخير في حياتنا، فربما لا نوفق للصيام في العام المقبل، بل ربما لا نتم صيام هذا العام، فالأعمار بيد الله. لذا، ينبغي أن يكون هذا الشهر هو العلامة الفارقة، فإما خروج من الظلمات إلى النور، وإما بقاء في التيه، وهذا يعتمد على قرار الإنسان وتعامله مع شهر رمضان.

التهيئة النفسية باختصار تعني ألا يتكبر المرء على أوامر الله. المسألة ليست بتلك التعقيد، فإذا أمر الله بصلة الرحم، فعلى المرء أن يضغط على نفسه ويصل أرحامه، وإذا حرم الأغاني، فعليه أن يتركها. إنها مجرد قرارات وإرادة. ولابد من الاستعداد الخاص لليالي القدر، ليلة التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والاهتمام بها يبدأ من الآن. ومن المؤسف أن نرى البعض في ليلة الثالث والعشرين يقضون وقتهم في المجمعات والأسواق، بينما هي ليلة ينبغي للمرء أن يحطم فيها قيود نفسه ويقبل على ربه دون فتور. لابد أن نعرف الحقائق كما هي حتى لا نصدم في مآلنا؛ فليست كل المظاهر تعكس الحقيقة، وليست كل القلوب مفعمة بالرحمة.

المحطة الثانية: الألف ركعة!

أنتقل إلى عمل عبادي هام جداً وردت فيه روايات متعددة بأسانيد كثيرة، وهو صلاة الألف ركعة في شهر رمضان، وهي من سنن النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان يقسمها على مدار الثلاثين يوماً وفق الترتيب التالي:

من الليلة الأولى وحتى الليلة العشرين: يُصلي المؤمن كل ليلة عشرين ركعة، فيكون المجموع أربعمائة ركعة. والأفضل -كما ورد عن الفقهاء- أن تُصلى ثماني ركعات بعد صلاة المغرب واثنتا عشرة ركعة بعد صلاة العشاء.

من الليلة الحادية والعشرين وحتى الليلة الثلاثين: يُصلي المؤمن ثلاثين ركعة في كل ليلة، ليصبح المجموع ثلاثمائة ركعة. والأفضل أن تُصلى اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب وثماني عشرة ركعة بعد العشاء.

ليالي القدر الثلاث (التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين): يُصلي المؤمن في كل ليلة منها مائة ركعة، فيكون المجموع ثلاثمائة ركعة.

وبهذا يكتمل العدد إلى ألف ركعة خلال الشهر. ويمكن للمصلي أن يكتفي بقراءة سورة الفاتحة فقط، كما يجوز أداؤها من جلوس، وتُصلى ركعتين ركعتين كصلاة الصبح. إن هذا العمل يعكس مدى حب المرء لرسول الله صلى الله عليه وآله وحرصه على إحياء سننه. وهناك أعمال أخرى مفصلة في كتاب مفاتيح الجنان، كالغسل في الليلة الأولى والأدعية المأثورة، يمكن الرجوع إليها.

المحطة الثالثة: صوم الحواس ومصيدة المظاهر

المحطة الأخيرة تعود بنا إلى الغاية: {لعلكم تتقون}. كلمة "كُتب" تشير إلى أمر أساسي ومثبت في اللوح المحفوظ. إن الصيام الحقيقي لا يقتصر على البطن، بل لابد أن تصوم الجوارح كلها، كما في رواية الإمام الصادق عليه السلام: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك).

المشكلة تكمن في أن الكثيرين حصروا مفهوم الصيام في الامتناع عن الأكل والشرب، بينما يقضون نهارهم وليلهم في مشاهدة المسلسلات، والانغماس في والولائم والضحك والترفيه. كيف استطاع الشيطان أن يقنع الإنسان المؤمن -الذي يوالي علياً والأئمة عليهم السلام- بأن هذا هو شهر رمضان؟ الأئمة عليهم السلام يؤكدون صيام الحواس والحواس كلها.

مرارة الواقع وجوهر التبعية

لقد أفرغ العالم المعاصر شهر رمضان من محتواه، وهو أمر مؤلم يستحق البكاء، فكيف نقنع أنفسنا بأن هذا هو الإيمان؟ هل هذا هو الدين الذي بذل الحسين عليه السلام دمه من أجله؟ إن تحويل رمضان إلى شهر للمسلسلات والأكلات المبتكرة والعزائم الكبرى هو نتاج تراكمي لابتعاد الناس عن النهج الحقيقي للإمام علي عليه السلام منذ يوم السقيفة.

لنتساءل بقرار جريء: هل أمير المؤمنين عليه السلام هو إمامنا فعلاً في سلوكنا؟ الإمام الذي كان يطهر عيون وسمع وألسن أتباعه من الحرام. الواقع التاريخي مرير، فالحسين عليه السلام لم يجد معه إلا سبعين أو ثمانين رجلاً، وأمير المؤمنين عليه السلام طاف بيوت المدينة ومعه الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام يطلب النصرة فلم يجدها. والإمام الحسن عليه السلام تعرض للخيانة من آلاف المقاتلين.

تُروى قصة عن أحد الأئمة -ولعله الإمام الصادق أو الرضا عليهما السلام- حين جاءه رجل يحثه على الثورة بالسيف مدعياً كثرة الشيعة، فأمر الإمام بإيقاد التنور، ثم قال للرجل: "قم فادخل التنور"، فاعتذر الرجل خوفاً. ثم دخل أحد الخواص -وهو هارون المكي- فسلم وأمره الإمام بالدخول فدخل وجلس وسط النار دون تردد. حينها سأل الإمام الرجل: "كم تجد من هؤلاء عندكم؟"، فقال: "والله ولا واحد". فقال الإمام: "نحن أعلم بالوقت". نحن لا نطلب من الناس إلقاء أنفسهم في النار، بل نطلب منهم ترك الأغاني، وتطهير النظر، والتزام النساء بالحشمة وترك الزينة المحرمة. نحن نفشل في هذه الاختبارات البسيطة، فكيف ندعي الجاهزية لما هو أعظم؟

أختم بتكرار الوصية: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك.. ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

من محاضرة لسماحة السيد موسى العلي، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

 

مواضيع مختارة