هل ستشاهد الدراما الرمضانية؟ احذر عقلك يسجل الكوارث دون علمك!

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:330
مشاركة
A+ A A-

يوجد في داخل كل إنسان عدو مجهول من جهة، وجندي مجهول من جهة أخرى؛ ففي داخل كل واحد الآن عدو خفي يحاربه ويقارعه، ونحن لا نقصد هنا الشيطان أو إبليس، فذاك له بحث آخر، بل نتحدث عن عدو آخر. كما يوجد جندي داخلي يصارع ويقاتل لأجلك، وهو غير الملائكة التي توحي للإنسان بالخير.

ثنائية العقل: الوعي الظاهر والوعي الباطن

لقد ثبت علمياً أن المخ ليس كتلة واحدة تعمل بانسجام تام دائماً، بل هما في الحقيقة "مخان متدافعان". ولا نقصد هنا التقسيم التشريحي المعروف (المخ، المخيخ، جذع الدماغ) أو الفصوص الأربعة (الجبهي، القذالي، الجداري، الصدغي) التي تتحكم في العمليات الإدراكية؛ بل المقصود -حسب علماء الطب النفسي- وجود مستويين من العمل:

  1. المخ الأول: وهو الذي يتحكم في عمليات الوعي الظاهر.
  2. المخ الثاني (الوعي الباطن): أو ما يسمى بمنطقة "اللاوعي".

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

كثيراً ما يصدر المخ قرارات معينة، لكن الوعي الباطن يصدر قرارات مضادة. قد تكون هذه القرارات المضادة في طريق الخير، فيكون هذا هو "الجندي الصالح"، وقد تكون في طريق الشر، فيكون هذا هو "الجندي الطالح" أو العدو المجهول الكامن في النفس.

طبيعة الوعي الباطن: الأرشيف الذي لا ينسى

يمكن تعريف منطقة الوعي الباطن بأنها أرشيف ذهني وخزان ضخم يستوعب الملايين من الصور والمعلومات التي يظن الإنسان أنه نسيها. إن المعلومات التي نتلقاها عبر الوعي الظاهر (كالدراسة مثلاً) تتبخر بنسبة كبيرة (تصل إلى 70-90%) بعد فترة وجيزة، وتترسب في منطقة "اللاوعي".

إن اللاوعي لا يمحو شيئاً؛ فمجرد نظرة واحدة لورقة ما تجعل العين تصورها بالكامل وتخزنها في هذا الأرشيف، حتى لو لم يدرك الوعي الظاهر تفاصيلها. ولو قُدّر للإنسان الوصول إلى منطقة اللاوعي، لتدفقت عليه عشرات الألوف من المعلومات المخزنة كالحاسوب.

تأثير اللاوعي على المشاعر والسلوك

يتحكم اللاوعي في مشاعر الإنسان بشكل كبير. على سبيل المثال، قد يرفض العقل الظاهر الخوف من المقابر أو الأموات لأنهم لا يشكلون خطراً مادياً، لكن اللاوعي يرفض ذلك المنطق ويحتفظ بخوف دفين يمنع الإنسان من البقاء مع ميت ليلاً. هذا التأثير يظهر من خلال "كواشف" ذكرها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: "ما أضمر امرؤ شيئاً إلا وظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه"، ومن كواشفه أيضاً: أحلام اليقظة، وحديث النفس، والأحلام التي تعبر عن المخزون العميق للنفس.

خطورة المخزون الباطني: من النطفة إلى الاحتضار

إن اللاوعي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة ومصير الإنسان. فالصور التي يراها الإنسان -حتى لو تاب عنها توبة ظاهرية- تبقى في الأرشيف الذهني. فمن ينظر إلى الحرام (عبر وسائل التواصل أو غيرها)، تتشكل لديه صور تؤثر سلباً حتى على النطفة عند الزواج، والعكس صحيح لمن يملأ نظره بالمشاهد الإيمانية والعبادية.

والأخطر من ذلك هو تأثير هذا المخزون في لحظات الاحتضار، حيث يكون الإنسان في أضعف حالاته والشيطان في أقصى درجات التربص لاغتنام الفرصة الأخيرة. في تلك اللحظات المصيرية، يقفز أرشيف الصور والذكريات (الصالحة أو الطالحة) ليؤثر في خاتمة الإنسان؛ فقد ترجح صورة واحدة كفة الميزان سلباً أو إيجاباً.

مفهوم "الشاكلة" وعلاقتها بالوعي الباطن

في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}، هناك تفسيران:

  1. التفسير القديم: الشاكلة تعني "النية"، فالنية هي المحرك للأفعال خيراً وشراً.
  2. التفسير الحديث: الشاكلة تعني "الوعي الباطن" أو المخزون الذهني. فالإنسان يعمل وفقاً لما اختزنه في عقله الباطن. من سمع كثيراً عن بر الوالدين، يندفع نحوه تلقائياً، ومن امتلأ عقله بغير ذلك، تصرف ببرود تجاههما.

فالشاكلة بهذا المعنى هي الكوابح والقيود الداخلية التي توجه سلوك الفرد، وهي الشخصية التي تبلورت عبر الزمن.

آلية برمجة اللاوعي: التكرار والمخالطة

يتعلم اللاوعي ويتشكل من خلال "التكرار" لا المنطق. لذا يعتمد المضللون على تكرار الأكاذيب حتى يصدقها الناس وتستقر في وعيهم الباطن. ومن هنا جاء النهي القرآني عن مجالسة أهل الباطل أو الفسوق، لأن مخالطتهم تؤدي إلى انطباع سلوكياتهم وصورهم في "اللاوعي" دون أن يشعر الإنسان، مما يكسر قبح المعصية لديه تدريجياً.

شهر رمضان: إعادة برمجة شاملة للوعي

تتجلى الحكمة الإلهية في شهر رمضان المبارك في أنه يتعامل مع كلتا المنطقتين: الوعي الظاهر والوعي الباطن. إذا تعارض "المخان" (الظاهر والباطن) تعثر مسير الإنسان نحو الجنة، كمن يدفع سيارة من جهة ويسحبها آخر من الجهة المعاكسة.

يأتي شهر رمضان ليوحد اتجاه هذين الوعيين من خلال:

  1. العبادات (الوعي الظاهر): قراءة القرآن، الأدعية، الصيام، ومجالس الذكر التي تخاطب العقل والقلب.
  2. الأجواء والمظاهر (الوعي الباطن): تغيير نمط الحياة بالكامل (السحور، الإفطار، الروائح والعطور، اجتماع العائلة، العادات الاجتماعية المحببة كـ"الماجينة" أو "القرقيعان"، الفوانيس). هذه المظاهر تخلق نكهة خاصة وتدخل في عمق اللاوعي منذ الطفولة، ليكون الوعي الباطن مسانداً للوعي الظاهر في التوجه نحو الله.

لذا، يجب الحذر من البرامج والمسلسلات الهابطة التي تحاول تخريب هذه البرمجة الإيمانية وتشتيت الوعي الباطن في هذا الشهر الفضيل.

من محاضرة للسيد مرتضى الشيرازي، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: الشيخ حسين الخشيمي

مواضيع مختارة