تتمحور أسباب زيادة الرزق والخير في حياة الإنسان حول جملة من المفاهيم الشرعية التي تستدعي وقفتين تمهيديتين، الأولى هي اليقين الراسخ بأن الرزق بيد الله تبارك وتعالى وحده، ولا يُنال بمجرد الحيلة أو الشطارة الشخصية. فالإنسان وإن وجب عليه السعي، إلا أن النتيجة مرتهنة بمشيئة الخالق.
ومن الشواهد الملحوظة في واقعنا أننا قد نرى رجلاً يعمل بكد ومشقة من الصباح إلى المساء، ومع ذلك يظل رزقه يسيراً، بينما نجد آخر قد لا يمتلك ذكاءً أو فهماً، وربما يكون فاقداً للعقل تماماً، ومع ذلك تساق إليه الأرزاق والرواتب الشهرية، وقد يملك في حسابه البنكي مبالغ ضخمة تصل إلى خمسين أو ستين ألف دينار دون أدنى عناء.
وهذا المعنى تؤكده رواية الإمام الصادق (عليه السلام) التي أوردها الشيخ الكليني في فروع الكافي، حيث قال: (إن الله تعالى وسع في أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أن الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة).
إن الحكمة من توفير الرزق لمن لا يملك وسيلة التدبير هي تنبيه العقلاء إلى أن الرزق عطاء إلهي محض. ومن باب الطرفة التوضيحية، تُروى قصة بائعي مواد غذائية في متجرين متجاورين، أحدهما يشهد ازدحاماً هائلاً بينما الآخر لا يقصده أحد رغم تماثل البضاعة. وحين سُئل أحد الزبائن المنتظرين في الطابور الطويل عن سبب وقوفه رغم توفر السكر في المتجر الخالي، أجاب باقتناع قلبي غريب: "إن السكر في هذا المتجر أحلى مذاقاً"، وهو تعبير عن توفيق الله لتاجر دون آخر رغم تطابق الظروف المادية.
السعي والعمل كطاعة وقربة
الملاحظة الثانية تؤكد أن ذكر أسباب الزيادة الغيبية لا يبرر ترك العمل، فالشريعة تحث بقوة على طلب الرزق، وقد وصف النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية العلامة المجلسي (الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله).
ويذكر الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد قصة محمد بن المنكدر -وهو رجل عرف بالتصوف والعبادة من مذهب آخر- حين رأى الإمام الباقر (عليه السلام) في حر الظهيرة يعمل متسانداً على عبدين أسودين له، فأراد أن يعظه ظناً منه أن الإمام يركض خلف الدنيا، فقال له: "شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة من الظهيرة وأنت في طلب الدنيا! ماذا تفعل لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة؟".
فأجابه الإمام الباقر (عليه السلام) وهو يتصبب عرقاً: (والله لو جاءني الموت وأنا على هذه الحالة، لجاءني وأنا على طاعة من طاعات الله تبارك وتعالى، أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وكنت أخاف لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله تبارك وتعالى). فالسعي لكسب الرزق وصيانة الوجه عن سؤال الناس هو في حقيقة الأمر عبادة وقربة يمكن للمؤمن أن ينوي بها التقرب إلى الله في كل يوم عمل أو دوام وظيفي.
الصدقة ومضاعفة الرصيد المالي
يعد الأمر الأول والمفتاح الأساسي لزيادة الرزق هو الصدقة، وقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة)، والإملاق هو الفقر الشديد. وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يطبق هذا المبدأ بقوله: (إني لأملق أحياناً فأتاجر الله بالصدقة). ورغم أن المنطق الرياضي الظاهري يوحي بأن إخراج دينار من عشرة ينقصها، إلا أن الحقيقة الشرعية تؤكد أن هذا الإنفاق ينمي المال ويعوضه.
ويروي الشيخ الكليني في فروع الكافي قصة للإمام الصادق (عليه السلام) مع ولده محمد -وهو أخ لإسماعيل وعبد الله والإمام موسى بن جعفر، وكان قد ادعى الإمامة لاحقاً وحذره الإمام الرضا عمه من تكذيب أبيه وأخيه- حين سأله الإمام عن المتبقي من نفقتهم، فأجابه بأنها 40 ديناراً ذهبياً، فأمره الإمام بالتصدق بها كاملة. وحين اعترض الابن بأنها كل ما يملكون، قال الإمام: (نعم، أعطها، فإن الله تعالى سيخلفها، أما علمت أن مفتاح الرزق في الصدقة؟). وبالفعل، لم تمضِ عشرة أيام حتى جاء للإمام رزق من موضع آخر مقداره 4000 دينار، أي بزيادة بلغت عشرة أضعاف، فقال الإمام لولده: (يا بني، أعطينا لله أربعين ديناراً، فأعطانا الله أربعة آلاف دينار). لذا، فإن التجربة والواقع يثبتان أن العطاء للمحتاجين، ولا سيما المتعففين، يستجلب الأرزاق أضعافاً مضاعفة كالحبة التي أنبتت سبع سنابل.
بر الوالدين وأثره في سعة العيش
الأمر الثاني هو بر الوالدين، وله تأثير مباشر في نفي الفقر وزيادة العمر، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في كتاب الخصال. ومن القصص الواقعية في هذا السياق، قصة رجل خدم والدته ليلة كاملة في المستشفى بعد أن احتاجت لعلاج عينها في وقت المغرب، وبقي معها لعدة ساعات وسط الزحام حتى عاد بها إلى البيت في الساعة الحادية عشرة ليلاً. وبينما هو يهم بتناول عشائه المتأخر، تلقى اتصالاً يعرض عليه القيام بحجة نيابية مقابل مبلغ 2000 دينار، فاستشعر يقيناً أن هذا الرزق السريع كان ببركة تلك الساعات التي قضاها في خدمة أمه.
بركة وقت ما بين الطلوعين
الأمر الثالث هو الجلوس بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وهو وقت تقسيم الأرزاق، فالنوم فيه يسبب ضياع الرزق، بينما الجلوس للذكر والعبادة يعد أنفذ في طلب الرزق من ركوب البحر للتجارة. وقد أورد الإمام الصادق (عليه السلام) في فروع الكافي أن من كانت له حاجة يخشى فوتها، يمكنه المضي إليها مع الحفاظ على وضوئه وذكر الله، وسيظل في حكم "المعقب" الذي يطلب الرزق. ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة أن طلب الرزق في هذا الوقت أسرع من الضرب في الأرض يميناً وشمالاً.
الأدعية المخصوصة لجلب الرزق
وردت جملة من الأدعية المجربة لزيادة الرزق، منها دعاء يُقرأ بعد صلاة العشاء رواه الكفعمي في المصباح، ونصه: (اللهم إنه ليس لي علم بموضع رزقي، وإنما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي، فأجول في طلبه البلدان، فأنا فيما أنا طالب كالحيران، لا أدري أفي سهل هو أم في جبل، أم في أرض أم في سماء، أم في بر أم في بحر، وعلى يدي من، ومن قبل من، وقد علمت أن علمه عندك، وأسبابه بيدك، وأنت الذي تقسمه بلطفك، وتسببه برحمتك. اللهم فصلِّ على محمد وآله، واجعل يا ربي رزقك لي واسعاً، ومطلبه سهلاً، ومأخذه قريباً، ولا تعنني بطلب ما لم تقدر لي فيه رزقاً، فإنك غني عن عنائي وأنا فقير إلى رحمتك، فصلِّ على محمد وآله، وجد على عبدك بفضلك، إنك ذو فضل عظيم).
كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية زيد الشحام (أصول الكافي) ضرورة الدعاء في السجود أثناء الصلاة الواجبة، دون تحديد للسجدة الأخيرة، بقول: (يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين، ارزقني وارزق عيالي من فضلك الواسع، فإنك ذو الفضل العظيم).
الدعاء بظهر الغيب والاستغفار
الأمر السادس هو الدعاء للأخ المؤمن بظهر الغيب، حيث تخلُص النية من الرياء والمصلحة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن هذا الدعاء يدر الرزق ويدفع المكروه. ويتبع ذلك الاستغفار الدائم، استناداً للآية القرآنية التي تصف أثر الاستغفار في إرسال السماء مدراراً والإمداد بالأموال والبنين.
إطعام الطعام وفضل الحج والعمرة
يعد إطعام الطعام للمؤمنين -فقراء كانوا أو أغنياء- من أقوى أسباب جلب الرزق؛ حيث يشبه النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية البرقي سرعة وصول الرزق للمطعم بسرعة السكين في شحم سنام الإبل لسهولة نفاذها. كما يبرز الحج والعمرة كأسباب للاستغناء المادي؛ فبرغم التكاليف الظاهرية، إلا أن الله يخلف ما أنفق العبد. ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): (حجوا تستغنوا)، ويؤكد الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن الحج والعمرة يصحان الأبدان ويتسعان بالأرزاق ويكفيان مؤونة العيال.
اجتناب الذنوب كمزيل للموانع
الأمر الأخير والحيوي هو ترك الذنوب والمعاصي؛ لأنها تشكل حاجزاً يمنع وصول الأرزاق المقدرة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب)، وفي حديث آخر أن الذنب "يزوي" الرزق عن العبد، أي يصرفه عنه بعد أن كان في طريقه إليه.
وفي الختام، يجب إدراك أن الرزق مفهوم شمولي، فالمال نوع منه، ولكن العافية والذرية الطيبة، واليقين بالله، وحب أهل البيت (عليهم السلام)، والتوفيق لحضور المجالس الحسينية والمساهمة في نصرة قضية الإمام الحسين، كلها أرزاق معنوية عظيمة تفوق في قيمتها الأموال المادية.
من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي