توضح دراسة شروط استجابة الدعاء كثيراً من الحقائق في مسألة الدعاء، وتبين آثاره البناءة؛ إذ تذكر الروايات الإسلامية شروطاً عدة للاستجابة، منها:
ينبغي للداعي أن يسعى أولاً لتطهير قلبه وروحه، والتوبة من الذنب، والاقتداء بسيرة القادة الإلهيين.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إياكم أن يسأل أحدكم ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله، والمدحة له، والصلاة على النبي وآله، والاعتراف بالذنب، ثم المسألة» [12].
أن يسعى الداعي إلى تطهير أمواله من كل غصب وظلم، وألا يكون طعامه من حرام.
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من أحب أن يُستجاب دعاؤه فليُطِب مطعمه ومكسبه» [13].
ألا ينفصل الدعاء عن السعي المستمر لمواجهة ألوان الفساد؛ لأن الله لا يستجيب ممن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم» [14].
إن ترك هذه الفريضة الإلهية (المراقبة الاجتماعية) يؤدي إلى خلو الساحة من الصالحين وتخليتها للمفسدين، وحينئذ يفقد الدعاء أثره؛ لأن هذا الوضع الفاسد نتيجة حتمية لأعمال الإنسان نفسه.
العمل بالمواثيق الإلهية؛ فالإيمان والعمل الصالح والأمانة والصلاح من شروط استجابة الدعاء، ومن لم يَفِ بعهده لبارئه لا ينبغي له أن يتوقع من الله إجابة دعائه.
جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وشكا إليه عدم استجابة دعائه، فقال الإمام:
«إن قلوبكم خانت بثمانِ خصال:
أولها: أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئاً.
والثانية: أنكم آمنتم برسوله ثم خالفتم سنته وأمتم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم؟!
والثالثة: أنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به، وقلتم سمعنا وأطعنا ثم خالفتم!
والرابعة: أنكم قلتم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمون إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم؟!
والخامسة: أنكم قلتم ترغبون في الجنة، وأنتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها؟!
والسادسة: أنكم أكلتم نعمة المولى فلم تشكروا عليها!
والسابعة: أن الله أمركم بعداوة الشيطان، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾، فعاديتموه بلا قول وواليتموه بلا مخالفة.
والثامنة: أنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحق باللوم منه؛ فأي دعاء يُستجاب لكم مع هذا وقد سددتم أبوابه وطرقه؟! فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وأخلصوا سرائركم، ومُرُوا بالمعروف وانهَوا عن المنكر فيستجيب الله لكم دعاءكم» [15].
يؤكد هذا الحديث صراحة أن الوعد الإلهي باستجابة الدعاء مشروط بتنفيذ المواثيق الإلهية لا مطلق؛ فإن وفى الإنسان بهذه الشروط الثمانية كان له أن يرجو الإجابة، وإلا فلا. والعمل بهذه الخصال كافٍ لبناء شخصية الإنسان واستثمار طاقاته في طريق مثمر وبنّاء.
العمل والسعي؛ فعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر» [16]. فالوتر بدفعه السهم نحو الهدف يمثل حقيقة اقتران العمل بالدعاء.
ويتحصل من مجموع الشروط المذكورة أن الدعاء لا يعطل الأخذ بالأسباب الطبيعية، بل يدفع الإنسان إلى استيفاء شروط الاستجابة في ذاته وسلوكه، مما يُحدث تغييراً جذرياً في مسيرته وإصلاحاً لنواقصه.
=============
الهوامش والمصادر:
[12] سفينة البحار، ج 1، ص 448 - 449.
[13] المصدر نفسه.
[14] المصدر السابق نفسه.
[15] المصدر نفسه.
[16] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 337.