الأخلاق
كيف نكون من أنصار الإمام المهدي (ع) في زمن الغيبة؟.. السيد السيستاني يُجيب

يقول السيد علي الحسيني السيستاني دام ظلّه في توجيهاته للمؤمنين في عصر غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه): «وليسعَ كل امرئ منهم أن يكون بسلوكه وأخلاقه وهديه زينًا لهم، ولا يكون شينًا عليهم».

 

ويقول أيضًا: «فإن طاعته هي طاعة الله سبحانه، ورضاه من رضاه تعالى».

 

ثم يبيّن سماحته طريق ذلك، فيقول: «وإنما تحصل طاعته (عليه السلام) بالحفاظ على الإيمان والاعتقاد الحق، وتعلّم الوظائف الشرعية التي أمر بها الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) من آبائه، ثم العمل بها والمواظبة عليها، وتزكية النفس وتهذيبها وفق ما جاء عنهم، والاتعاظ بمواعظهم والاهتداء بهديهم».

[اشترك] 

ومن جملة ما يوصي به في تهذيب الأخلاق: «الصدق وحسن الخلق، وكف الأذى عن الآخرين، والعفاف في القول والمظهر والسلوك، وإعانة الضعفاء والفقراء واليتامى والمضطرين، والإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام».

 

ويضيف سماحته: «وليتعاون المؤمنون في زمان الغيبة بما يقتضيه الولاء فيما بينهم بالبر والتقوى، وليتواصوا بالحق والصبر، وليحذروا عن التشتت والتفرقة والتباغض».

 

المصدر: مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظلّه)

2026/08/16

فوائد المواظبة على قراءة «زيارة عاشوراء»

زيارة عاشوراء هي الزيارة الوحيدة التي ورد عن الأئمة المعصومين، عليهم السلام، الحث الأكيد على المواظبة عليها بشكل يومي. وفي هذا السياق، يقول الإمام الباقر، سلام الله عليه: «فإن استطعتَ أن تزورَه بها في كل يومٍ من أيام دهرك فافعل».

وهي الزيارة الفريدة التي جاء التوجيه بقراءتها مرة كل يوم، ويتجلى من سيرة العلماء الأعلام أنها تُقرأ مرة على الأقل يومياً، إذ يُنقل عن العارف الكبير السيد القاضي أن أحد المؤمنين رآه في عالم الرؤيا بعد وفاته، فسأله قائلاً: "يا سيدنا، هل ندمت على شيء في دار الدنيا كنت تود لو أنك فعلته؟"، فأجابه السيد القاضي: "لقد ندمت على أنني لم أكن أقرأ زيارة عاشوراء في اليوم إلا مرة واحدة، فليتني قرأتها أكثر من ذلك".

[اشترك]

أما في الرواية الواردة عن الإمام الصادق، عليه السلام، ففي ختامها نص طويل يمتد لنحو صفحة كاملة. ويؤكد هذا النص بوضوح على كثرة قراءة هذه الزيارة والمواظبة المستمرة عليها، كما يشدد على أن هذه الزيارة تمثل حديثاً قدسياً.

ولتوضيح هذا المفهوم، فإن النصوص الدينية تصنف إلى قرآن كريم، وحديث قدسي، ورواية شريفة؛ وتتبوأ زيارة عاشوراء منزلة فريدة تقع فوق الرواية ودون القرآن، فهي حديث قدسي بامتياز. ويتضح هذا المعنى بجلاء حين نقرأ نص الرواية وسنشير إليه بالتفصيل.

يقول الإمام الصادق، عليه السلام، لراوي الحديث صفوان: «يا صفوان، وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن أبي» -أي الإمام الباقر- «وأبي عن أبيه» -الإمام علي بن الحسين، سلام الله عليهما- «مضموناً بهذا الضمان، والحسين عن أخيه الحسن مضموناً بهذا الضمان، والحسن عن أبيه أمير المؤمنين مضموناً بهذا الضمان، وأمير المؤمنين عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، مضموناً بهذا الضمان، ورسول الله، صلى الله عليه وآله، عن جبرائيل، عليه السلام، مضموناً بهذا الضمان، وجبرائيل عن الله عز وجل مضموناً بهذا الضمان».

بناءً على ذلك، يتضح أن زيارة عاشوراء ليست مجرد رواية عادية، وإن جرت صياغتها باللفظ وظهرت للعلن على لسان الإمام الباقر وخط يده الشريفة، ثم رواها الإمام الصادق، عليهما السلام، إلا أنها كانت قبل ذلك مصونة في الخزائن والكنوز الإلهية، واقتضت المصلحة الربانية إظهارها في ذلك وقت محدد، مما يؤكد صفتها كحديث قدسي.

وقد ورد في الرواية أن الملك جبرائيل نزل بهذه الزيارة وقال لرسول الله، صلى الله عليه وآله: "لقد أرسلني الله سبحانه وتعالى إليك سروراً وبشرى لك، وسروراً وبشرى لعلي وفاطمة والحسن والحسين، وإلى الأئمة من ولدك إلى يوم القيامة، وقد سمح الله تبارك وتعالى للمؤمنين بقراءة هذا النص وهذه الزيارة، فدام يا محمد سرورك، وسرور علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة وشيعتكم إلى يوم المبعث".

[اشترك]

وفي هذا إشارة بليغة إلى أن جبرائيل، عليه السلام، كان يبارك للنبي الأكرم بهذه الهدية الربانية العظيمة.

وعندما نسعى للتعامل مع زيارة عاشوراء وبناء تصور واضح عن عظيم فضلها، يجدر بنا الانتباه إلى أن هذه الزيارة كانت ولا تزال الورد اليومي الراتب للمؤمنين، ولأكابر علمائنا وفقهائنا عبر القرون الطويلة، فكانت الورد الأبرز الذي لا يغيب عن برنامج خيار المؤمنين.

وإذا ما أردنا الوقوف عند تأكيدات كبار العلماء وتوجيهاتهم بشأن هذه الزيارة، فإن من أبرز ما يسترعي الانتباه في هذا الصدد هو كلام آية الله الملكي التبريزي، صاحب المصنفات الأخلاقية الشهيرة مثل كتاب "المراقبات"، وكتاب "السير إلى الله"، وكتاب "أسرار الصلاة". ففي كتابه "السير إلى الله" يذكر مبيناً قاعدة بالغة الأهمية وعميقة الدلالة حول زيارة عاشوراء، إذ يصفها بأنها «مرشد من لا مرشد له»، أي بمنزلة الأستاذ والمربي لمن يفتقر إلى وجود أستاذ معلّم. ويعني ذلك أنه إذا تعذر على السالك العثور على أستاذ يتولى تربيته الأخلاقية والسلوكية، فإن المواظبة على زيارة عاشوراء تنوب مناب هذا الأستاذ.

وتفسير ذلك يكمن في التساؤل: لماذا يعجز الإنسان عن إدراك الحقائق الروحية؟ والجواب هو أن الذنوب هي التي تعمي القلوب الكامنة في الصدور، فإذا زالت المعاصي تلاشت معها الحجب الروحية وزال الرين عن القلب، فيغدو الإنسان مبصراً للحقائق. وتتناسب قوة الرؤية طردياً مع زوال هذه الحجب، حتى تصل إلى البصيرة التامة المكتملة. من هنا، فإن زيارة عاشوراء تؤدي دور الأستاذ في تشخيص وعلاج أمراض القلوب وأدوائها، ومثلما يلحظ الأستاذ مواطن النقص لدى تلميذه ليوجه عنايته إليها ويلفت نظره نحوها، فإن زيارة عاشوراء تمتلك هذه القدرة التنظيرية العالية، فهي تكشف مكامن الخطأ وتعمل على تقويمها، وتعد بمثابة جهاز تنظير وتشخيص روحي متكامل.

[اشترك]

وكثيراً ما يستغل الشيطان رغبتنا الروحية ليدخل إلينا من باب الشكوى والتحجج، فيقول المرء: "أنا أرغب حقاً في السير على النهج الصحيح، ولكن ليتني أجد أستاذاً معلماً يرشدني". والحقيقة أن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب الأستاذ المربي، بل في عدم العمل بما نعلم وتطبيقه. وفي هذا السياق، يُذكر أن رجلاً سأل العالم الجليل الشيخ بهجت عما ينبغي له فعله، فأجابه الشيخ قبل أن يكمل السائل سؤاله قائلاً: "اعمل بما تعلم أولاً، ثم نتحدث بعد ذلك؛ فهل تلتزم بتطبيق ما تعرفه؟". إن جميعنا يعلم يقيناً أن الغيبة محرمة، فلنبدأ أولاً بالامتناع عن الغيبة ثم نتطلع لما يليها.

هذه المنهجية الروحية هي السبيل الحقيقي للوصول. كما يعلم الجميع أن الغضب والانفعال الحاد يسممان الروح والبدن ويفسدان النفس، فلندرب أنفسنا على كظم الغيظ والتعامل مع المشكلات بهدوء وتؤدة. قد تبدو الخطوة الأولى صعبة، لكن الباري عز وجل الذي أخبرنا بقدرتنا على ذلك، والذي لا نتنفس إلا بحوله وقوته، مستعد لإمدادنا بالقوة وتوفيقنا للصبر، شريطة أن نخطو الخطوة الأولى ونحاول بصدق.

[اشترك]

وعليه، فإن زيارة عاشوراء هي الأستاذ الحقيقي لكل من يبحث عن مرشد أخلاقي، داحضة بذلك حجة الشيطان الذي يحاول إقناع الإنسان بأنه معذور لعدم وجود مربٍّ يوجهه. هذا هو الأستاذ المتاح بين أيدينا، فلنواظب على قراءتها بوعي ومعرفة بكيفية تلاوتها ومقاصدها.

وفي شأن بركات هذه الزيارة، تبرز القصة الشهيرة التي ينقلها أحد علمائنا الأجلاء عن رجل من أهل مدينة يزد؛ إذ يروي هذا الرجل أنه كان مجاوراً لإحدى المقابر، فرأى في منامه صديقاً له قد توفي منذ زمن طويل، ولم يكن هذا الصديق معروفاً بالتدين والصلاح في حياته الدنيا، غير أنه رآه في الرؤيا يرتدي ثياباً بيضاء ناصعة وتبدو عليه علامات الراحة والنعيم. فقال له متعجباً: "كيف نلت هذه المنزلة المريحة وأنت لم تكن في حياتك من أهل التقوى والعبادة؟"، فأجابه المتوفى: "إن ما تقوله صحيح، فقد كنت أعاني من العذاب الشديد منذ وفاتي وحتى قبل يومين فقط؛ حيث دُفنت في هذه المقبرة زوجة أشرف الحداد، وفي ليلة دفنها تشرفت المقبرة بزيارة الإمام الحسين، عليه السلام، ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة أمر سلام الله عليه برفع العذاب عن جميع الموتى المدفونين في هذه المقبرة إكراماً لمقام هذه المرأة الشريفة".

استيقظ الرجل المؤمن وهو يتساءل عن مدى صحة هذه الرؤيا، فقرر التحقق بنفسه؛ وبما أن المتوفى في الحلم ذكر اسم زوجة "أشرف الحداد" التي فارقت الحياة قبل يومين، فقد توجه الرجل إلى سوق الحدادين في مدينة يزد للبحث عن شخص بهذا الاسم. وسأل المارة حتى أرشدوه إلى دكان أشرف الحداد، فقصده وسلم عليه قائلاً: "يا حاج، هل تأذن لي بطرح بعض الأسئلة؟"، فأجابه بالترحاب. فسأله: "هل كنت متزوجاً؟", فقال: "نعم، ولكن زوجتي توفيت قبل يومين". فزاد اهتمام السائل وأردف قائلاً: "هل كانت زوجتك الراحلة قارئة للمجالس الحسينية؟"، فأجاب: "لا". فسأله: "هل كانت تقيم مجالس العزاء بكثرة في بيتها؟"، فأجاب: "لا". فتابع سائلاً: "هل كانت تكثر من السفر والترحال إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء؟"، فقال: "لا، ولكن لمَ هذه الأسئلة؟"، فقص عليه الرائي تفاصيل الرؤيا العجيبة، وعندها قال الحداد: "لقد كانت زوجتي مواظبة باستمرار وبشكل يومي على قراءة زيارة عاشوراء".

وهنا نتساءل: من ذا الذي يكون أكرم من الإمام الحسين، سلام الله عليه؟ ويُروى في هذا الصدد أن مؤمناً رأى الإمام الحسين في منامه وسأله: "يا سيدي، لقد رُوي عنكم حديث مفاده أن من زاركم في حياته زرتموه عند مماته، فهل هذا الحديث صحيح؟"، فأجابه سيد الشهداء: "نعم، هو صحيح، وحتى لو وجدته في النار لأخرجته منها". فحينما نستمع إلى هذه الروايات والوقائع، وكيف أن الإمام زار تلك المرأة الشريفة ثلاث مرات في ليلة دفنها، يترسخ اليقين في نفس المؤمن بأن من يقضي عمره لاهجاً بذكر الحسين ومنادياً باسمه، لا يمكن للإمام الحسين أن يتركه وحيداً أو ينساه في لحظات الشدة ووحشة القبر؛ وحاشا لسيد الشهداء أن يفعل ذلك، حاشا وكلا.

لذلك، فإن زيارة عاشوراء التي تُمثّل الورد اليومي للمؤمنين، تستدعي منا معرفة خصوصياتها وآثارها التي حددها وبينها العلماء. وينبغي لنا الحرص الأكيد على توثيق صلتنا بسيد الشهداء، سلام الله عليه، بشكل يومي وبأي نحو مستطاع، وتظل زيارة عاشوراء هي القناة الأفضل والأكمل لبناء هذه العلاقة وصيانتها.

[اشترك]

وفي هذا المضمار، يوجهنا العالم الرباني الشيخ بهجت قائلاً: «إذا استطعت أن تبكي على سيد الشهداء يومياً فافعل». فليس من المنطقي ولا من المألوف أن يواظب المرء على ذكر الإمام الحسين في كل يوم ثم تكون عاقبته سيئة أو غير محمودة. ومن هنا يتعين علينا الحرص على قراءة مجالس العزاء واستذكار المصاب، وأن نعلم أنفسنا وأبناءنا هذا المنهج. وإذا حفظ المرء ولو بيتاً واحداً من الشعر الفصيح في التوسل، كقول الشاعر:

إني أريد أماناً يا ابن فاطمةٍ.. مستمسكاً بيدي من طارق الزمنِ

وهذا البيت بالتحديد هو الذي توسل به وكيل المرجع الراحل السيد محسن الحكيم، حينما ذهب إلى بلدة عراقية تفشى فيها الوباء، وبينما كان نائماً على سطح منزله وبدأت أعراض المرض تظهر عليه، توجه بالتوسل الصادق إلى سيد الشهداء، فرآه في المنام يوجهه قائلاً: "اكتبوا هذا البيت من الشعر على أبواب بيوتكم واحملوه معكم: إني أريد أماناً يا ابن فاطمةٍ مستمسكاً بيدي من طارق الزمنِ".

ومع هذا، فمن المستحيل أن يستقيم سعي الإنسان نحو بناء علاقة حقيقية وصادقة مع سيد الشهداء، سلام الله عليه، وهو يقترف أمرين مهلكين:

الأول: الخصومة والعداوة مع الأرحام وإيذاء المحيطين به؛ إذ يمثل هذا السلوك الخلق "اليزيدي" القائم على النكد وبث الأذى والقطيعة مع الأقارب والآخرين، والتكبر عن الحديث معهم. وعلى من يرغب في القرب من الإمام الحسين أن يبادر فوراً لإزالة هذا الحاجز السلوكي السيئ وهدم هذه الجدران التي تفصله عن شمس الهداية الحسينية.

الثاني: عدم الاكتراث بقضايا الأمة، واللامبالاة تجاه هموم الإسلام والمسلمين. فكيف يطيب خاطر المرء وهو يرى ما يجري لإخوانه المستضعفين في بورما من حرق وتنكيل، وما يقع في اليمن من مآسٍ نراها رأي العين عبر الصور والأخبار، ثم يقف متفرجاً كأن الأمر لا يعنيه؟ إن مشهد الأطفال المعذبين وحده كفيل بسلب الاستقرار والقرار من قلب كل ذي مروءة. فكيف يتطلع المرء ليكون من خاصة الإمام الحسين وهو لا يحمل هم الجهاد والمجاهدين في سبيل الحق؟ إن هذا التناقض لا يستقيم أبداً.

إن البوابة الحقيقية لكي تسجل الملائكة أسماءنا في سجلات المسلمين الصادقين هي الاهتمام الجاد بأمور الأمة وشؤون المسلمين؛ انطلاقاً من التوجيه النبوي الشريف: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».

من محاضرة بعنوان: (أسرار زيارة عاشوراء والمواظبة عليها – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله) قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/07/14

نداء لزوار قبر الحسين (عليه السلام) يوم عرفة.. الثواب عظيم!

تحظى زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عرفة بمكانة استثنائية عجيبة في المنظومة العبادية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تضافرت النصوص الروائية في بيان مقامات الزائرين وما يترتب على هذه الزيارة من آثار تكوينية وتشريعية.

يمكننا تبويب هذه المقامات، استناداً إلى المصادر الحديثية، وفق المحاور الآتية:

أولاً: العناية الإلهية والتجلي

تُقَرِّر النصوص أن الله سبحانه يخص زوار قبر الحسين (عليه السلام) عشية يوم عرفة بنظرة الرحمة قبل أهل الموقف في جبل عرفات. فقد روى عبد الله بن مسكان عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: "إن الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار قبر الحسين (عليه السلام) قبل أهل عرفات، ويقضي حوائجهم ويغفر ذنوبهم ويُشَفِّعهم في مسائلهم، ثم يُثَنِّي بأهل عرفات يفعل ذلك بهم" (كتاب ثواب الأعمال ص 116؛ ووسائل الشيعة ج 14، ص 465).

[اشترك]
ثانياً:المضاعفة العظيمة للأجر مقارنة بالحج والعمرة

وردت روايات شريفة تبين أن من زار الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة كُتِبَت له حِجَج وعُمَر وغزوات تتضاعف تبعاً لمعرفة الزائر.

روى بشير الدهان عن أبي عبد الله (عليه السلام): "يا بشير، إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، واغتسل بالفرات، ثم توجه إليه، كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها... ولا أعلمه إلا قال: وغزوة"، وفي بعض النصوص: "وعمرة وغزوة" (كتاب ثواب الأعمال ص 115؛ مرآة العقول ج 18، ص 307؛ وسائل الشيعة ج 14، ص 459 - 461).

وفي رواية يونس بن ظبيان ترتقي المراتب لتبلغ: "ألف ألف حجة مع القائم (عليه السلام)، وألف ألف عمرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعتق ألف نسمة، وحُملان ألف فرس في سبيل الله..." (وسائل الشيعة ج 14، ص 460).

وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام): "من زار الحسين (عليه السلام) يوم عرفة عارفاً بحقه، كتب الله له ألف حجة مقبولة وألف عمرة مبرورة" (وسائل الشيعة ج 14، ص 463)، ويضاف في موضع آخر: "ألف غزوة مع نبي مرسل" (وسائل الشيعة ج 14، ص 467).

ثالثاً: طهارة الصحيفة واستئناف العمل

تعد الزيارة المخصوصة في هذا اليوم وسيلة لتطهير الصحيفة من الذنوب. ويعبر عن ذلك حنان بن سدير بروايته عن أبي عبد الله (عليه السلام): "يا حنان، إذا كان يوم عرفة اطلع الله على زوار الحسين (عليه السلام) فقال لهم: استأنفوا فقد غُفِرَ لكم" (وسائل الشيعة ج 14، ص 462).

وفي نص عمر بن الحسن العرزمي ضمانة إضافية: "إذا كان يوم عرفة نظر الله تعالى إلى زوار قبر الحسين (عليه السلام) فقال: ارجعوا مغفوراً لكم ما مضى، ولا يُكْتَب على أحد منكم ذنب سبعين يوماً من يوم ينصرف" (وسائل الشيعة ج 14، ص 463).

رابعاً: انشراح الصدر وقضاء الحوائج

يورث الحضور في هذا المشهد أثراً نفسياً عبرت عنه الروايات بـ (ثَلْج الفؤاد). فقد روى داود الرقي أنه سمع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يقولون: "من أتى قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) بعرفة أَقْلَبَه الله ثَلْج الوجه"، وفي رواية: "ثَلْج الفؤاد" (وسائل الشيعة ج 14، ص 464 - 465؛ ثواب الأعمال ص 115 - 116).

وروي عن بشير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "من أتى قبر الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، بعثه الله يوم القيامة ثَلْج الفؤاد" (وسائل الشيعة ج 14، ص 463).

وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "من عَرَّفَ عند قبر الحسين (عليه السلام) لم يرجع صِفْراً، ولكن يرجع ويداه مملوءتان" (وسائل الشيعة ج 14، ص 464).

خامساً: الدفع للآفات والشرور

تُنتج الزيارة أثراً في حفظ الزائر من البلايا في تلك السنة. روي عن ابن ميثم التمار عن الباقر (عليه السلام): "من زار ليلة عرفة أرض كربلاء، وأقام بها حتى يُعَيِّد ثم ينصرف، وقاه الله شر سنته" (وسائل الشيعة ج 14، ص 464).

سادساً: التعويض للمُعْسِر ومضاعفة الفضل للموسر

طرحت الروايات الزيارة كتعويض إلهي لمن ضاق به الحال عن الحج. قال أبو عبد الله (عليه السلام) لبشار: "من كان مُعْسِراً فلم يتهيأ له حجة الإسلام، فليأتِ قبر الحسين (عليه السلام) فَلْيُعَرِّف عنده، فذلك يجزئه عن حجة الإسلام".

أما الموسر الذي أدى فرضه وأراد التطوع فمنعه عائق، وأتى الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، قال الإمام: "أجزأه ذلك من أداء حجته، وضاعف الله له بذلك أضعافاً مضاعفة"، وحين سُئِل الإمام هل تعدل مائة أو ألفاً، أجاب: "وأكثر"، ثم قال: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (وسائل الشيعة ج 14، ص 461).

ويُذْكَر كإضاءة إضافية لفضل الزيارة المخصوصة؛ أن من يجمع بين زيارة الحسين (عليه السلام) في ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة، كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقُضِيَت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة (وسائل الشيعة ج 14، ص 475 - 476).

2026/05/26

3 أمور يحتاجها الإنسان المؤمن!

يقول الفقيه آية الله السيد موسى الشبيري الزنجاني [دام ظله]:

في سيرة أولياء الله وتوصياتهم، يحتل التعالي والنمو المعنوي والروحي الدور الرئيسي والاستراتيجي. ويتجلى هذا التوجه بشكل خاص في کلام حضرت الإمام الجواد (عليه السلام) من خلال النصائح التي تؤدي -في البعد الاجتماعي- إلى رقي العباد وتقربهم إلى الله وإصلاح العلاقات بين الأفراد".

[اشترك]

ومن هذه الموارد، الفضيلة البالغة الأهمية والتأثير وهي (طلب النصيحة وقبول النقد)؛ وتصل أهمية هذا التوجه إلى الحد الذي يصف فيه هذا الإمام الهمام قبول نصيحة الناصحين والناقدين بأنه أحد الاحتياجات الثلاثة الأساسية للإنسان المؤمن. ففي الحديث المأثور عن حضرت الإمام الجواد (عليه السلام) قال: «الْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ، وَوَاعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَبُولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ»".

يحتاج المؤمن إلى ثلاثة أشياء:

1- التوفيق الإلهي: لكي يسير بأعماله إلى الأمام على خير وجه.

2- الواعظ الداخلي: الذي يعظه وينذره في كل لحظة.

3- قبول النصيحة: من الشخص الذي يقدم له النصح والموعظة.

وفي هذا المكتوب، يتم التطرق باختصار إلى هذه الكرامة الأخلاقية والتربوية".

أهمية روحية نقد الذات لدى النخب الثقافية

على الرغم من أن أصل مسألة النقد وقبول الانتقاد يعد من لوازم الحياة الأخلاقية والإصلاحية لكل إنسان مؤمن، إلا أن الحاجة إلى هذه الروحية تتضاعف وتكتسب درجة أعلى من الأهمية لدى بعض الفئات في المجتمع؛ ومنهم أولئك الذين يضعون أنفسهم في موقع التعليم والتربية وإصلاح أفراد المجتمع، ويحملون صبغة ثقافية وتربوية".

فهؤلاء -بحكم طبيعة عملهم- يتعاملون مع شرائح من الناس ذات أذواق ونفسيات متفاوتة، وهذا الأمر قد يؤدي في بعض الحالات إلى عدم امتلاكهم الوعي الكافي ببعض جوانب الأمور، أو اتخاذ القرارات دون إحاطة كاملة بالواقع. ويمكن أن يظهر هذا الأمر ويتجلى في طريقة أداء الواجب التربوي والثقافي، أو في مدى مراعاة العادات والتقاليد المختلفة للأفراد المتنوعين؛ وربما يؤدي عدم الانتباه وغياب الوعي في بعض الحالات إلى شعور الناس بالإحباط والنفور من الدين!.

[اشترك]

وهنا تبرز مسألة النقد الخیرخواه (النقد البناء الصادق) وتتجلى الأهمية الخاصة لامتلاك روحية قبول النقد في المعارف الإسلامية؛ فبناء على التعاليم الدينية، المؤمنون إخوة ومرآة لبعضهم البعض، حيث ينبه كل منهم الآخر على محاسنه وعيوبه بكل أخوة، وصدق، ونوايا طيبة".

•••••••••••

المصدر: الموقع الرسمي - نقلاً عن رياض العلماء 

2026/05/18

خصلة ملعونة في التاجر تجعله مع الزاني وشارب الخمر!

يقول آيَةِ اللهِ سماحة الشيخ المَظَاهِرِيِّ: "أحدُ الذنوبِ العظيمةِ، وأحدُ أهمِّ مصاديقِ حقِّ الناسِ الماليِّ، هو الاحتكارُ.

الاحتكارُ -بتعبيرِ أميرِ المؤمنينَ (سلامُ اللهِ عليه) النورانيِّ- هو خصلةُ الفجارِ، وعاملُ حرمانِ فئاتٍ من الناسِ.

والمحتكرُ في الرواياتِ عُدَّ خاطئاً ومن أهلِ المعصيةِ، وقد اعتبرَهُ رسولُ اللهِ (ص) بعيداً عن الرحمةِ الإلهيةِ بقولِهِ: (المحتكرُ ملعونٌ).

الاحتكارُ يعني أنْ يحبسَ الإنسانُ شيئاً يحتاجُ إليه أتباعُ الإسلامِ، ولا يعرضَهُ للبيعِ. قال الإمامُ الصادقُ (ع): الاحتكارُ هو أنْ يشتريَ الإنسانُ الأرزاقَ العامةَ، وفي حينِ لا يوجدُ غيرُها في المدينةِ، يقومُ بخزنِ ما اشتراهُ ولا يبيعُهُ.

[اشترك]

مثلُ هذا العملِ القبيحِ نُهِيَ عنه بشدةٍ في أحاديثِ أهلِ البيتِ (سلامُ اللهِ عليهم)، ذُكِرَتْ له عواقبُ قاسيةٌ؛ ففي روايةٍ نقرأُ أنَّ جبريلَ الأمينَ قال للنبيِّ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله وسلم): نظرتُ إلى جهنمَ فرأيتُ فيها وادياً يغلي، قلتُ: لِمَنْ هذا الوادي؟ قال مأمورُ العذابِ: لثلاثِ فئاتٍ (المحتكرونَ، ومدمنو الخمرِ، والدلالونَ للزنا).

ورغمَ أنَّ الاحتكارَ اشتهرَ أكثرَ في أصنافٍ مثلِ القمحِ والشعيرِ، إلا أنه يجبُ العلمُ بأنه لا ينحصرُ فيها، بل يصدقُ الاحتكارُ في كلِّ شيءٍ، حتى في النقودِ، أو المسكوكاتِ، أو الذهبِ، أو الفضةِ".

المصدر: مقتبسٌ من كتابِ (حقُّ الناسِ) - نقلاً عن رياض العلماء

2026/05/06

خطورة ترك العفو عند المقدرة

قال الإمامُ عليٌّ (عليه السلامُ): (إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ، فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ).

يقولُ السيدُ محمد صادق الخرسان [دامت بركاتهُ]:

الدَّعوةُ إلى العفوِ عند المقدرةِ، وتغليبُ الوئامِ على الانتقامِ؛ لأنَّ الظفرَ بالعدوِّ نعمةٌ، لا بدَّ من شكرِها لتدومَ، فعلى العاقلِ أنْ يبرزَ شكرَهُ عملياً للهِ تعالى الذي أنعمَ عليهِ بذلكَ، ويعفوَ عن عدوِّهِ؛ لينالَ جزاءَ الشاكرينَ والعافينَ؛ قالَ تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾.

[اشترك]

في العفوِ تغليبٌ للغةِ العقلِ على العاطفةِ، وهو من مواطنِ اختبارِ الإنسانِ في الحياةِ، وأنهُ هل ينجحُ في تغليبِ لغةِ العقلِ على العاطفةِ، التي تستثيرُ حماسَ الظافرِ بأنْ يأخذَ الثأرَ، ولا يستجيبُ لدعواتِ الصلحِ، التي يُطلقُها العقلاءُ لاحتواءِ الأزمةِ، وتطويقِ النارِ عن أنْ تسريَ في الأخضرِ واليابسِ، بما لا يمكنُ معهُ تحجيمُ آثارِهِ في النفوسِ والأموالِ.

تَبِعَاتُ تَرْكِ العَفْوِ عِنْدَ القُدْرَةِ

الأمورُ بإظهارِ الشماتةِ والتنكيلِ بالعدوِّ أو التبكيتِ لهُ على سوءِ فعلِهِ، فيساويهِ في الظلمِ أو متابعةِ الهوى الغلابِ، الذي يقودُهُ إلى حيثُ الندمُ، بعد الإدانةِ الجنائيةِ، والمطاردةِ القانونيةِ أو العشائريةِ، التي قد تمتدُّ إلى استنزافِ الطاقاتِ، وانهيارِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ.

المصدر: أخلاق الإمام علي (عليه السلام) - نقلاً عن رياض العلماء

2026/05/05

هندسة الرزق: هل تخاف من الفقر في المستقبل؟!

ينطلق هذا البحث من نص محوري لأمير المؤمنين (عليه السلام) يشخص فيه آفتين من أخطر الآفات الفاتكة بالبناء النفسي والروحي للإنسان، حيث ورد عنه (عليه السلام): أهلك الناس اثنان: طلب الفخر، وخوف الفقر.

وقد أورد الشيخ الصدوق هذا الحديث في كتابه (الخصال، الجزء الأول، صفحة 39، باب الاثنين).

من الناحية اللغوية، فإن كلمة (الناس) هنا مفعول به مقدم، و(اثنان) فاعل مؤخر، و(طلب الفخر وخوف الفقر) تفسير وتفصيل لهذا الفاعل. وهذا التقديم والتأخير يفيد الاهتمام والحصر، لبيان شدة تأثير هاتين الخصلتين في إيقاع الهلاك والشقاء.

سراب التفاخر: كيف يستنزف الكِبر أعمار الطامحين للوجاهة؟

تتجلى الخصلة الأولى المهلكة في (طلب الفخر). والهلاك هنا لا يقتصر على البعد الأخروي، بل يشمل الاستنزاف النفسي والجسدي المستمر في دار الدنيا؛ إذ يشقى الإنسان طوال عمره ليتباهى أمام الآخرين، فيعيش مثقلاً بالديون والأزمات ليظهر بمظهر يفوق حقيقته الموضوعية، من خلال استهلاك ما لا يطيق ثمنه لمجرد إشباع غريزة التفاخر.

[اشترك]

وإلى جانب هذا الإرهاق الدنيوي، يقود طلب الفخر إلى محاذير أخلاقية وعقدية خطيرة، أبرزها تولد (الكِبر). فالمفتخر يبعث برسالة مبطنة تدعي الأفضلية المطلقة، مما يدفعه للمطالبة باحترام وطاعة استثنائيين بناء على هذا الوهم. أما العاقبة الأخروية، فقد تواترت الروايات في أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صور الذر (وهو صغار النمل أو الغبار الدقيق المتطاير)، يطؤهم الناس بأقدامهم تحقيرا لشأنهم، كما ورد في (الكافي، للشيخ الكليني، الجزء الثاني، صفحة 311)، وهذا هو الهلاك الماحق لمن سلك طريق الفخر.

وهم المستقبل: حذر من العوز أم رهاب نفسي؟!

أما الخصلة الثانية فهي (خوف الفقر). ويقتضي التحقيق هنا التمييز الدقيق بين أصل الفقر وبين خوفه. فالفقر كحالة مادية موضوعية ليس مهلكا بالضرورة، بل إن المؤمن مكلف بالسعي في مناكب الأرض لكسب رزقه وتحسين واقعه وفق السنن الكونية.

المهلك الحقيقي هو (خوف الفقر) وتحوله إلى رهاب مسيطر. فترى المكلف مقتدرا ماليا، لكنه يعيش رعبا مستقبليا وتوجسا من العوز. هذا الخوف المستمر هو المهلك لكونه يضرب في صميم العقيدة.

هندسة الرزق.. توكل أم تخطيط؟

إن خوف الفقر يناقض أصل التوكل واليقين بالرزاقية الإلهية. فكيف يتصور المكلف أن رزقه خارج عن التدبير الإلهي، والنص القرآني صريح في قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)؟ إن الخالق الذي تكفل بتدبير شؤون الإنسان وهو جنين فاقد للحول والقوة، لا يعجزه رزقه في مقبل أيامه.

إن الطاقات والقدرات التي يمتلكها المكلف للعمل هي محض عطاء إلهي، فضلا عن الرزق غير المحتسب الذي يفوق غالبا نطاق التخطيط البشري. والمطلوب شرعا وعقلا هو التخطيط المقرون باليقين، مصداقا للمضامين الواردة في أدعية الصحيفة السجادية من الإقرار بالضعف المطلق أمام القدرة الإلهية. أما الاغترار بالجهد الشخصي على طريقة قارون (قال إنما أوتيته على علم عندي)، فهو طريق مباشر لسلب النعمة.

كيف تسرق الوساوس أموال الحقوق الشرعية؟

يعد خوف الفقر من أبرز مكايد إبليس لجر الإنسان نحو الشح والبخل، مصداقا لقوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء). وفي المقابل، نجد الوعد الإلهي بالخلف والسعة: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله). والمؤمن المتفقه لا يغتر بخداع الشيطان، بل يثق بوعد الله الواسع.

ومن أخطر التجليات الفقهية لهذا الرهاب، امتناع البعض عن أداء الحقوق الشرعية الواجبة كـ(الخمس) و(الزكاة). فالشيطان يوهم المكلف بأن إخراج هذه النسبة سيعيق تأمين مستقبله، متجاهلا أن أداء الحقوق هو عين النماء، وأن خزائن الله لا تنفد. وقد ورد في الروايات المعتبرة ما يؤصل لهذا المعنى، كقول الإمام الصادق (عليه السلام) المروي في (الكافي، الجزء الثاني، صفحة 62): من أيقن بالخلف جاد بالعطية. فاليقين بالخلف الإلهي وعدم نفاذ خزائن الخالق هو العاصم من بخل النفس.

معادلة الدنيا والآخرة

يؤدي الانشغال المفرط بهاجس الفقر إلى طغيان هم الدنيا على حساب الآخرة. ففي حين يستنزف الإنسان جُل وقته في الكسب المادي، يغفل عن أداء فرائضه وتكاليفه العبادية. هذا الخلل يتعارض مع الغاية الأساسية للخلق (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).

يقدم القرآن الكريم المعادلة للتوازن: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا). فالمطلوب هو جعل الآخرة محورا للمقاصد، مع إعطاء الدنيا نصيبها من الجهد بما يحقق الكفاية والعفة. بل إن الفقه الإسلامي يقرر إمكانية تحويل الأفعال المباحة كالاكتساب والزواج إلى طاعات يثاب عليها المكلف، إذا ما اقترنت بنية القربة والتعفف.

ويتضح من هذا العرض أن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يمثل قاعدة في علم النفس الإسلامي والأخلاق. فـ(طلب الفخر) يفسد علاقة الإنسان بالمجتمع ويورث الكبر الماحق، و(خوف الفقر) يفسد علاقة الإنسان بخالقه ويضرب جذور التوحيد الأفعالي والتوكل. وعلاج هاتين الآفتين يكمن في ترسيخ المعرفة بعظمة الخالق، واليقين التام بأن الرزق والمنزلة بيده وحده، مما يحرر المكلف من قيود التصنع ورهاب المستقبل، ويوجهه نحو عمارة الدارين باتزان وبصيرة.

من محاضرة لسماحة الشيخ فوزي آل سيف، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/03/30

أسرار وفرة المال.. هل تشعر بـ «الحيرة» في طلب الرزق؟!

تتمحور أسباب زيادة الرزق والخير في حياة الإنسان حول جملة من المفاهيم الشرعية التي تستدعي وقفتين تمهيديتين، الأولى هي اليقين الراسخ بأن الرزق بيد الله تبارك وتعالى وحده، ولا يُنال بمجرد الحيلة أو الشطارة الشخصية. فالإنسان وإن وجب عليه السعي، إلا أن النتيجة مرتهنة بمشيئة الخالق.

ومن الشواهد الملحوظة في واقعنا أننا قد نرى رجلاً يعمل بكد ومشقة من الصباح إلى المساء، ومع ذلك يظل رزقه يسيراً، بينما نجد آخر قد لا يمتلك ذكاءً أو فهماً، وربما يكون فاقداً للعقل تماماً، ومع ذلك تساق إليه الأرزاق والرواتب الشهرية، وقد يملك في حسابه البنكي مبالغ ضخمة تصل إلى خمسين أو ستين ألف دينار دون أدنى عناء.

[اشترك]

وهذا المعنى تؤكده رواية الإمام الصادق (عليه السلام) التي أوردها الشيخ الكليني في فروع الكافي، حيث قال: (إن الله تعالى وسع في أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أن الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة).

إن الحكمة من توفير الرزق لمن لا يملك وسيلة التدبير هي تنبيه العقلاء إلى أن الرزق عطاء إلهي محض. ومن باب الطرفة التوضيحية، تُروى قصة بائعي مواد غذائية في متجرين متجاورين، أحدهما يشهد ازدحاماً هائلاً بينما الآخر لا يقصده أحد رغم تماثل البضاعة. وحين سُئل أحد الزبائن المنتظرين في الطابور الطويل عن سبب وقوفه رغم توفر السكر في المتجر الخالي، أجاب باقتناع قلبي غريب: "إن السكر في هذا المتجر أحلى مذاقاً"، وهو تعبير عن توفيق الله لتاجر دون آخر رغم تطابق الظروف المادية.

السعي والعمل كطاعة وقربة

الملاحظة الثانية تؤكد أن ذكر أسباب الزيادة الغيبية لا يبرر ترك العمل، فالشريعة تحث بقوة على طلب الرزق، وقد وصف النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية العلامة المجلسي (الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله).

ويذكر الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد قصة محمد بن المنكدر -وهو رجل عرف بالتصوف والعبادة من مذهب آخر- حين رأى الإمام الباقر (عليه السلام) في حر الظهيرة يعمل متسانداً على عبدين أسودين له، فأراد أن يعظه ظناً منه أن الإمام يركض خلف الدنيا، فقال له: "شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة من الظهيرة وأنت في طلب الدنيا! ماذا تفعل لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة؟".

فأجابه الإمام الباقر (عليه السلام) وهو يتصبب عرقاً: (والله لو جاءني الموت وأنا على هذه الحالة، لجاءني وأنا على طاعة من طاعات الله تبارك وتعالى، أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وكنت أخاف لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله تبارك وتعالى). فالسعي لكسب الرزق وصيانة الوجه عن سؤال الناس هو في حقيقة الأمر عبادة وقربة يمكن للمؤمن أن ينوي بها التقرب إلى الله في كل يوم عمل أو دوام وظيفي.

الصدقة ومضاعفة الرصيد المالي

يعد الأمر الأول والمفتاح الأساسي لزيادة الرزق هو الصدقة، وقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة)، والإملاق هو الفقر الشديد. وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يطبق هذا المبدأ بقوله: (إني لأملق أحياناً فأتاجر الله بالصدقة). ورغم أن المنطق الرياضي الظاهري يوحي بأن إخراج دينار من عشرة ينقصها، إلا أن الحقيقة الشرعية تؤكد أن هذا الإنفاق ينمي المال ويعوضه.

ويروي الشيخ الكليني في فروع الكافي قصة للإمام الصادق (عليه السلام) مع ولده محمد -وهو أخ لإسماعيل وعبد الله والإمام موسى بن جعفر، وكان قد ادعى الإمامة لاحقاً وحذره الإمام الرضا عمه من تكذيب أبيه وأخيه- حين سأله الإمام عن المتبقي من نفقتهم، فأجابه بأنها 40 ديناراً ذهبياً، فأمره الإمام بالتصدق بها كاملة. وحين اعترض الابن بأنها كل ما يملكون، قال الإمام: (نعم، أعطها، فإن الله تعالى سيخلفها، أما علمت أن مفتاح الرزق في الصدقة؟). وبالفعل، لم تمضِ عشرة أيام حتى جاء للإمام رزق من موضع آخر مقداره 4000 دينار، أي بزيادة بلغت عشرة أضعاف، فقال الإمام لولده: (يا بني، أعطينا لله أربعين ديناراً، فأعطانا الله أربعة آلاف دينار). لذا، فإن التجربة والواقع يثبتان أن العطاء للمحتاجين، ولا سيما المتعففين، يستجلب الأرزاق أضعافاً مضاعفة كالحبة التي أنبتت سبع سنابل.

بر الوالدين وأثره في سعة العيش

الأمر الثاني هو بر الوالدين، وله تأثير مباشر في نفي الفقر وزيادة العمر، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في كتاب الخصال. ومن القصص الواقعية في هذا السياق، قصة رجل خدم والدته ليلة كاملة في المستشفى بعد أن احتاجت لعلاج عينها في وقت المغرب، وبقي معها لعدة ساعات وسط الزحام حتى عاد بها إلى البيت في الساعة الحادية عشرة ليلاً. وبينما هو يهم بتناول عشائه المتأخر، تلقى اتصالاً يعرض عليه القيام بحجة نيابية مقابل مبلغ 2000 دينار، فاستشعر يقيناً أن هذا الرزق السريع كان ببركة تلك الساعات التي قضاها في خدمة أمه.

بركة وقت ما بين الطلوعين

الأمر الثالث هو الجلوس بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وهو وقت تقسيم الأرزاق، فالنوم فيه يسبب ضياع الرزق، بينما الجلوس للذكر والعبادة يعد أنفذ في طلب الرزق من ركوب البحر للتجارة. وقد أورد الإمام الصادق (عليه السلام) في فروع الكافي أن من كانت له حاجة يخشى فوتها، يمكنه المضي إليها مع الحفاظ على وضوئه وذكر الله، وسيظل في حكم "المعقب" الذي يطلب الرزق. ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة أن طلب الرزق في هذا الوقت أسرع من الضرب في الأرض يميناً وشمالاً.

الأدعية المخصوصة لجلب الرزق

وردت جملة من الأدعية المجربة لزيادة الرزق، منها دعاء يُقرأ بعد صلاة العشاء رواه الكفعمي في المصباح، ونصه: (اللهم إنه ليس لي علم بموضع رزقي، وإنما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي، فأجول في طلبه البلدان، فأنا فيما أنا طالب كالحيران، لا أدري أفي سهل هو أم في جبل، أم في أرض أم في سماء، أم في بر أم في بحر، وعلى يدي من، ومن قبل من، وقد علمت أن علمه عندك، وأسبابه بيدك، وأنت الذي تقسمه بلطفك، وتسببه برحمتك. اللهم فصلِّ على محمد وآله، واجعل يا ربي رزقك لي واسعاً، ومطلبه سهلاً، ومأخذه قريباً، ولا تعنني بطلب ما لم تقدر لي فيه رزقاً، فإنك غني عن عنائي وأنا فقير إلى رحمتك، فصلِّ على محمد وآله، وجد على عبدك بفضلك، إنك ذو فضل عظيم).

كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية زيد الشحام (أصول الكافي) ضرورة الدعاء في السجود أثناء الصلاة الواجبة، دون تحديد للسجدة الأخيرة، بقول: (يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين، ارزقني وارزق عيالي من فضلك الواسع، فإنك ذو الفضل العظيم).

الدعاء بظهر الغيب والاستغفار

الأمر السادس هو الدعاء للأخ المؤمن بظهر الغيب، حيث تخلُص النية من الرياء والمصلحة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن هذا الدعاء يدر الرزق ويدفع المكروه. ويتبع ذلك الاستغفار الدائم، استناداً للآية القرآنية التي تصف أثر الاستغفار في إرسال السماء مدراراً والإمداد بالأموال والبنين.

إطعام الطعام وفضل الحج والعمرة

يعد إطعام الطعام للمؤمنين -فقراء كانوا أو أغنياء- من أقوى أسباب جلب الرزق؛ حيث يشبه النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية البرقي سرعة وصول الرزق للمطعم بسرعة السكين في شحم سنام الإبل لسهولة نفاذها. كما يبرز الحج والعمرة كأسباب للاستغناء المادي؛ فبرغم التكاليف الظاهرية، إلا أن الله يخلف ما أنفق العبد. ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): (حجوا تستغنوا)، ويؤكد الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن الحج والعمرة يصحان الأبدان ويتسعان بالأرزاق ويكفيان مؤونة العيال.

اجتناب الذنوب كمزيل للموانع

الأمر الأخير والحيوي هو ترك الذنوب والمعاصي؛ لأنها تشكل حاجزاً يمنع وصول الأرزاق المقدرة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب)، وفي حديث آخر أن الذنب "يزوي" الرزق عن العبد، أي يصرفه عنه بعد أن كان في طريقه إليه.

وفي الختام، يجب إدراك أن الرزق مفهوم شمولي، فالمال نوع منه، ولكن العافية والذرية الطيبة، واليقين بالله، وحب أهل البيت (عليهم السلام)، والتوفيق لحضور المجالس الحسينية والمساهمة في نصرة قضية الإمام الحسين، كلها أرزاق معنوية عظيمة تفوق في قيمتها الأموال المادية.

من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/17

نصائح مهمّة: كيف تجعل صلاتك مقبولة؟

هناك فرق جوهري بين صحة الصلاة وقبولها، إذ قد يؤدي الإنسان صلاة صحيحة لكنها لا تبلغ مرتبة القبول عند الله عز وجل. فالمقصود بصحة الصلاة هو وقوعها مستوفية لشرائطها وأركانها من طهارة وقبلة وأفعال، مما يجعلها مبرئة للذمة ومسقطة للقضاء، فلا يُطالب المرء بإعادتها.

أما القبول، فهو درجة أرفع ترتبط بالرضوان الإلهي والثواب الجزيل، وهي منزلة قد يمنحها الله للعبد أو يحجبها عنه وفقاً لظروف العمل وحال العامل.

[اشترك]

ولتقريب الفكرة، يمكن ضرب مثال توضيحي -مع الفارق- بحال خادم في منزل طُلب منه إحضار قدح من الماء، فأحضره وأداه كما طُلب منه تماماً، فهنا يُعد عمله صحيحاً وأدى ما عليه ويستحق أجره، لكن رب المنزل قد لا يكون راضياً عنه أو قابلاً لفعله مودةً بسبب تقصير سابق أو خطأ ارتكبه الخادم في موضع آخر، فالفعل في ذاته صحيح ومجزٍ، لكن القبول والرضا مرتبة نفسية وعلوية مغايرة. وبذات المنطق، فإن الصلاة قد تفرغ الذمة وتصح، لكنها قد لا ترتقي بالضرورة إلى درجة القبول الإلهي العالية.

تعقيبات مباركة: تسبيح الزهراء وآية الكرسي

هناك أربعة أمور رئيسة تساهم في نيل مرتبة القبول، أولها تسبيح السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) عقب الصلاة، فهو من أهم التعقيبات التي ترفع العمل وتؤدي إلى قبوله إن شاء الله. والأمر الثاني هو قراءة آية الكرسي بعد الصلاة مباشرة، فعلى الرغم من أنها ليست من الواجبات، إلا أنها من التعقيبات التي تحمل ثواباً عظيماً، ومن آثارها الثابتة أنها تسبب قبول الصلاة وتضاعف أجرها.

حضور القلب

يتمثل الأمر الثالث الذي يرفع الصلاة إلى مدارج القبول في التوجه والإقبال على الله عز وجل، ويقصد بالتوجه والخشوع هنا أن يلتفت المصلي إلى معاني الكلمات التي ينطق بها. فكثيراً ما يقرأ الإنسان سورة الحمد أو السور القصيرة دون تدبر، فيكون فكره شارداً في ملكوت الدنيا، وهذا يعد فاقداً للتوجه. أما من يتدبر في قوله (اهدنا الصراط المستقيم) ويتمثل معناها، أو يستحضر عظمة الخالق عند قوله (سبحان ربي العظيم وبحمده)، فإنه يحقق صفة الإقبال والخضوع.

وفي هذا السياق، يبرز حديث شريف عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يوضح هذه القاعدة بقوله: (إن العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه). وهذا يعني أن مقدار القبول يتناسب طردياً مع مقدار الحضور، فإذا كان المصلي حاضراً بذهنه في نصف صلاته، قُبل منه ذلك النصف، وإذا ارتفعت النسبة إلى ثمانين بالمائة، كان القبول على قدرها، وهكذا يُحاسب الإنسان ويُثاب بمقدار التفاتته وتوجهه القلبي.

النوافل: جبر النقص وتتميم العمل

أما الأمر الرابع فهو أداء النوافل، وهي الصلوات المستحبة التي شرعها الله لتكون جابرة للنقص الحاصل في الفرائض. فقد يقع الإنسان في سهو أو عدم توجه أثناء صلاة الظهر مثلاً، وهنا تأتي نافلة الظهر لتعوض ذلك الخلل وتتمم ما نقص من خشوع، مما يؤدي في النهاية إلى قبول الفريضة ببركة النافلة.

ويؤكد هذا المعنى تكملة الحديث السابق للإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فحين سمع الراوي قول الإمام إن الصلاة لا يقبل منها إلا ما أقبل عليه العبد بقلبه، صرخ فزعاً: "هلكنا!"، وذلك لصعوبة تحقيق التوجه الكامل في كل وقت، فأجابه الإمام مبيناً رحمة الله: (كلا، إن الله عز وجل متمم ذلك بالنوافل). وبناءً على ذلك، فإن من أعظم فوائد نافلتي المغرب والعشاء وغيرهما من النوافل اليومية أنها تجبر النقص الناتج عن شرود الذهن وتضمن قبول الفريضة.

التقوى ومنظور الشمول في القبول

وإضافة إلى ما سبق، يوجد سبب خامس عام يشمل الصلاة وغيرها من العبادات، وهو التقوى؛ استناداً لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. فالإنسان الذي يتقي الله ويجتنب المعاصي والآثام يمهد الطريق لعمله كي يكون مقبولاً، فالتقوى هي الوعاء الحاضن لكل الأعمال العبادية، وبدونها قد يُحرم المرء من ثمار عباداته وإن صحت في ظاهرها.

توضيح

في الختام، لا بد من إزالة الخلط الشائع لدى البعض بين الصحة والبطلان وبين القبول وعدمه. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك ما ورد في الروايات بشأن شارب الخمر -أعاذكم الله- حيث لا تُقبل صلاته أربعين يوماً. وهنا يخطئ البعض حين يظن أن عدم القبول يعني ترك الصلاة أو بطلانها، وهذا فهم قاصر يقود المرء للوقوع في فخ الشيطان مرتين: مرة بارتكاب المعصية، ومرة بترك الفريضة.

إن الصلاة في هذه الحالة تظل واجبة ويجب أداؤها، وتكون "صحيحة" إذا استوفت شروطها بحيث تبرأ بها الذمة ولا يجب قضاؤها مستقبلاً، ولكنها تكون محرومة من "القبول" والرضوان الإلهي والدرجات العالية لمدة أربعين يوماً عقوبةً على ذلك الذنب. لذا، يجب أن نفرق دائماً بين الصحة التي تعني مطابقة العمل للشريعة وسقوط التكليف، وبين القبول الذي يعني بلوغ مرتبة الرضا والقرب من الخالق عز وجل.

من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/16

إذا ضاع منك أكثر شعبان.. الإمام الرضا (ع) يهديك «طوق النجاة»!

ونحن نعيش في آخر أيام شهر شعبان، وفي أيام استقبال شهر الله، يأتي حديثنا اليوم كتذكرة، وهو عبارة عن رواية نقرأها في كل عام، تحمل في طياتها نصائح ثمينة مروية عن إمامنا الرضا (عليه السلام).

الرواية عن عبد السلام بن صالح الهروي (أبي الصلت) أنه قال: "دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شعبان". وهنا نلاحظ أن الإمام هو من بادر بالكلام رحمةً منه، ليرشدنا إلى كيفية استثمار شهر الضيافة، فقال: "يا أبا الصلت، إن شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه".

[اشترك]

يريد الإمام (عليه السلام) أن يبين أن العبرة ليست بكثرة الوقت المتبقي، بل بجديته؛ فلو كانت المسألة تعتمد على طول المدة لقال له "فات زمان التدارك"، ولكن الأيام القليلة المتبقية كافية لمن جدّ واجتهد. فالتوبة مع الله ليست مجرد تصفير للذنوب، بل قد تتبدل السيئات إلى حسنات بفضل الله.

الإقبال على ما يعني وترك اللغو

ثم بين الإمام طريقة التدارك قائلاً: "وعليك بالإقبال على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك". وهنا لم يتحدث الإمام عن الحرام فقط، بل عن ترك ما لا يهم الإنسان، لأن الانخراط في غير المهم قد يكون مقدمة للوقوع في الحرام. وكما ورد في صفات المؤمنين المفلحين: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فلا فلاح دون إعراض عن اللغو.

إن القلب هو مركز القرارات، واللغو -سواء بالكلام أو السمع أو النظر- يملأ القلب هراءً ويورث الغفلة التي تجعل للشيطان سبيلاً على الإنسان. ونحن اليوم نعاني من مشكلة "الإدمان الرقمي"، حيث تضيع الأعمار في متابعة ما لا ينفع عبر وسائل التواصل، مما يخلق أنساً بما يشغل عن الله، وتطبيعاً مع المعاصي، وانحرافاً للفطرة والقيم.

الإكثار من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن

وأوصى الإمام قائلاً: "وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن". فالدعاء ليس مجرد طلب، بل هو ممارسة للخضوع وإظهار الفقر لله، وتلاوة القرآن تجلي القلوب من الرين. أما الاستغفار، فله شأن عظيم في إحباط كيد الشيطان. فقد ورد أن إبليس جمع عفاريته حين نزلت آية التوبة والاستغفار {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}، متسائلاً عمن يبطل مفعولها، فتصدى لها "الوسواس الخناس" بخطة "التسويف والإنساء"، أي أن يمني العبد بالمعصية ثم ينسيه الاستغفار بعدها. لذا فإن عدم الاستغفار يراكم السواد في القلب ويهيئ الإنسان لذنوب أكبر.

ضرورة التوبة قبل دخول الشهر

ثم قال (عليه السلام): "وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله إليك وأنت مخلص لله عز وجل". إننا بحاجة ماسة للتوبة قبل رمضان لعدة أسباب:

  1. أدب الضيافة: شهر رمضان هو شهر ضيافة الله، ولا يليق بالضيف أن يدخل على أكرم الأكرمين بوعاء (قلب) ملوث بالذنوب، بل يجب تنظيف الوعاء ليتلقى النفحات والرحمات.
  2. التوفيق للطاعات: الذنوب تقيد الإنسان وتحرمه من العبادة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للرجل الذي حُرم صلاة الليل: "أنت رجل قد قيدتك ذنوبك". فمن أراد التوفيق للأعمال المضاعفة في رمضان عليه برفع الموانع.
  3. قبول الأعمال: الأعمال بلا قبول لا تثمر، والذنوب تمنع القبول، كما أنها تحرم العبد من لذة المناجاة والخشوع في الصلاة.
  4. استجابة الدعاء: شهر رمضان هو شهر الدعاء {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}، والذنوب قد تحجب الدعاء وتمنع صعوده، فنحتاج للتوبة لرفع هذا الحجب.
  5. توفر العناصر المساعدة: شهر رمضان بيئة مثالية للتوبة؛ فالشياطين مغلولة، والشهوات تضعف بقلة الطعام، والعبادات تنهى عن الفحشاء، مما يساعد على استمرارية التوبة.

أداء الأمانات ورد الحقوق

وتابع الإمام وصاياه: "ولا تدعنّ أمانة في عنقك إلا أديتها". التوبة لا تقتصر على الاستغفار اللفظي، بل تشمل قضاء الفوائت ورد حقوق الناس المالية وغيرها. ولا ينبغي للحياء أن يمنع الإنسان من إبراء ذمته، فبإمكانه إيصال الحقوق لأصحابها حتى بطرق غير مباشرة أو بستر، المهم أن لا يبقى حق في ذمته، لأن هذه الحقوق لا تسقط حتى بموت صاحب الحق، بل تنتقل لورثته.

تطهير القلب من الحقد

وقال (عليه السلام): "ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلا نزعته". الحقد يلوث القلب ويجر الإنسان إلى معاصٍ أخرى كالحسد والشماتة، ويفسد الروح. حتى لو كان المؤمن الآخر مخطئاً في حقك، فإن التسامح ونزع الغل مطلوب لسلامة قلبك أنت ولتهيئته لاستقبال فيوضات الله. المؤمن لا يحمل الحقد دهره كما يفعل المنافق، بل يتغافل ويسامح.

الإقلاع عن الذنوب والتقوى والتوكل

وأضاف الإمام: "ولا ذنباً أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه". الإقلاع يعني العزم على عدم العود، أما من يترك الذنب مؤقتاً بنية العودة إليه فهذا "إصرار" على المعصية. ثم أوصى بتقوى الله، وهي أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك، فخير التقوى في الدنيا والآخرة. وأردف ذلك بالتوكل على الله في السر والعلن، والرضا بما يقدره مع الأخذ بالأسباب.

دعاء خواتيم شعبان

وختم الإمام الرضا (عليه السلام) بتعليمنا دعاءً نكثر منه في ما بقي من هذا الشهر: "اللهم إن لم تكن قد غفرت لنا فيما مضى من شعبان، فاغفر لنا فيما بقي منه". فإن الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان.

من محاضرة لسماحة الشيخ هاني البنّاء، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر، حسين الخشيمي

2026/02/16

آية الله الإيرواني يستبق شهر رمضان بوصايا و«صفقة رابحة» مع الزهراء (ع)

قبل أن أختم هذه المحاضرة، أود التذكير بأن شهر رمضان المبارك قد أقبل علينا، ولا بد لنا -نحن طلاب العلم- أن نغتنم هذا الشهر ونستفيد منه.

ومن الطبيعي أن تكون الاستفادة من خلال قراءة القرآن الكريم. ولكن السؤال هنا: لمن تقرأ القرآن؟ البعض يقرأ القرآن لنفسه، أما أنا شخصياً فلا أقرؤه لنفسي، بل أهدي ثواب قراءتي للسيدة فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها).

[اشترك]

دعونا نجعل قراءتنا مهداةً إليها (عليها السلام)، أما ثواب العمل فيمكنكم إهداؤه إلى والديكم، أليس هذا أفضل؟ ليكون الإهداء أولاً لفاطمة الزهراء، ثم تقولون: يا رب إن كان لي ثواب فاجعله لوالديّ. لنصنع هكذا، عسى أن تقف لنا مولاتنا (صلوات الله وسلامه عليها) في ذلك اليوم.

هذا فيما يخص قراءة القرآن، أما مقدار الوقت الذي تقضونه في القراءة فهو شأنكم، وكلما أكثرتم كان خيراً لكم.

وعليكم أيضاً بالعمل والاجتهاد في شهر رمضان، فلا ينبغي أن يكون عندنا عطلة؛ أنا شخصياً لا أتوقف عن العمل، وأريدكم كذلك. لقد أنعم الله عليّ بأنني لا أستطيع الجلوس بلا عمل، فكتبي بجانبي دائماً. في وقت الفجر، أقرأ نصف جزء من القرآن وأهديه لفاطمة الزهراء (عليها السلام) يومياً، مع الالتزام بالتسبيح والصلوات. والله يشهد عليّ، إنما أذكر لكم هذا لأنني أحب أن تفعلوا الشيء نفسه، وعسى أن أنال ثواباً بذلك، فافعلوا ذلك.

وبما أن هذه الفترة تُعد فترة توقف للدروس، فاختاروا موضوعاً فقهياً أو أصولياً وحاولوا الكتابة عنه. انتخبوا مثلاً موضوعاً مثل "أصل الطهارة"، وليكن موضوعاً ليس بالطويل، لأن المواضيع الطويلة كـ "الاستصحاب" ستكون واسعة ومتشعبة.

اختاروا عنواناً لا يطول الكلام فيه، وراجعوا الكتب المتوفرة في هذا المجال، ثم اكتبوا ما استفدتموه ودونوا آراءكم بعد التفكير والتأمل. إن هذا الأسلوب سيطوركم علمياً؛ فبذلك تكونون قد راجعتم كتباً علمية، ومارستم الكتابة، وتعلمتم كيفية الدخول في الموضوع والخروج منه، مما سيزيد من سعة اطلاعكم.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم خير الدنيا والآخرة، وأن يدفع عنا جميعاً شر الدنيا والآخرة، بحق محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.

  • النص الكامل موعظة لسماحة الشيخ الإيرواني حفظه الله لهذا اليوم الأربعاء 22/ شعبان / 1447هـ ق الموافق 11/ 02/ 2026م
2026/02/11

القهقهة من الشيطان: كيف كان ضحك النبي (ص)؟

من اللطائف التي تستوقف المتأملين في سيرة النبي الكريم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) طريقة ضحكهم وكيفية تعبيرهم عن السرور والبهجة. فهل كانوا يكتفون بالتبسم الهادئ، أم كانوا يقهقهون كما يفعل عامة الناس؟

يبدو من استقراء النصوص والروايات أن النبي الكريم (ص) وأهل بيته (ع) وإن كانوا دائمي البُشْر والتبسم، إلا أنهم لم يكونوا يقهقهون في ضحكهم. فالضحك له مراتب متعددة، وأعلاها القهقهة التي تتضمن رفع الصوت وتكراره. أما التبسم بمختلف درجاته فهو أيضاً يندرج ضمن الضحك، كما أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا…﴾.

ويؤكد هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين علي (ع) حين قال: “خيرُ الضحكِ التبسُّم”، فقد عدّ التبسم ضمن مراتب الضحك، بل اعتبره أفضلها وأكملها.

لماذا التبسم لا القهقهة؟

تتضافر عدة أدلة تؤكد أن النبي (ص) وأهل بيته (ع) كانوا يلتزمون التبسم دون القهقهة، ويمكن تصنيف هذه الأدلة إلى مجموعتين:

الطائفة الأولى: روايات ذم القهقهة

وردت روايات معتبرة تذم القهقهة وتبين أن ضحك المؤمن هو التبسم، منها:

- ما رواه الحلبي عن الإمام الصادق (ع) قوله: “الْقَهْقَهَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ”. وهذه الرواية واضحة في أن القهقهة مما يوحي به الشيطان، فكيف يُتصور صدورها ممن عصمهم الله تعالى من كل ما يوسوس به الشيطان؟

- في معتبرة جراح المدائني عن الإمام الصادق (ع): “إذا أصبحتَ صائماً فليصمْ سمعُك وبصرُك من الحرام… وإيّاك والمباشرةَ والقُبَل والقهقهةَ بالضحك فإنَّ اللهَ مقَت ذلك”. فالرواية تصرح بأن القهقهة ممقوتة عند الله تعالى.

- وفي معتبرة خالد بن طهمان، عن الإمام الباقر (ع): “إذا قهقهتَ فقل حين تفرغ: اللهمَّ لا تمقتني”. وهذا يشير بوضوح إلى أن القهقهة مما قد يستجلب المقت الإلهي.

الطائفة الثانية: روايات تصف ضحك النبي وأهل البيت (ع)

أما الطائفة الثانية من الروايات فتنص صراحة على أن ضحك النبي (ص) وأهل بيته كان تبسماً:

- روى الحسن بن محمد الطوسي بسنده عن الإمام الصادق (ع) عن آبائه، عن الإمام علي (ع) قوله: “كان ضحكُ النبيِّ (ص) التبسُّم”. ويضيف أن النبي (ص) مر ذات يوم بجماعة من الأنصار وهم يضحكون ملء أفواههم، فزجرهم وذكّرهم بالموت.

- وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: “ما رأيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضاحكاً حتى أرى منه لهواتِه، إنما كان يتبسم”.

- وعن الإمام الرضا (ع)، روى الشيخ الصدوق بسند معتبر عن إبراهيم بن العباس قوله: “ما رأيتُ أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلمةٍ قط… ولا رأيتُه يقهقهُ في ضحكِه قط، بل كان ضحكُه التبسُّم”.

وتؤكد الروايات أن الاقتصار على التبسم في مقام الضحك من سمات المؤمن الكامل:

- في رواية عن رسول الله (ص): “لا يُكمِل المؤمنُ ايمانَه حتى يحتوي على مائة وثلاث خصال…” وذكر منها: “ضحكُه تبسُّماً”.

- وعن الإمام الصادق (ع): “ضَحِكُ الْمُؤْمِنِ تَبَسُّمٌ”.

- وفي خطبة أمير المؤمنين (ع) في صفات المتقين: “إنْ صمتَ لم يغمُّه صمتُه، وإنْ ضحِك لم يعلُ صوتُه”.

نستخلص من مجموع هذه الروايات أن النبي الكريم (ص) وأهل بيته (ع) كانوا يلتزمون بالتبسم في مقام الضحك، ولم تثبت عنهم القهقهة، وذلك لعدة اعتبارات:

1. كونهم في أعلى مراتب التقوى والإيمان، وقد عُدّ التبسم من صفات المؤمن الكامل.

2. مخالفة القهقهة للوقار الذي كان أهل البيت (ع) في أعلى درجاته.

3. وصف القهقهة في الروايات بأنها “من الشيطان” و”ممقوتة عند الله”، فلا يُتصور صدورها ممن كانوا يعظون الناس بتجنبها.

4. الشهادات المباشرة من الرواة الذين عاصروهم وأكدوا أنهم لم يروهم يقهقهون.

وبهذا يتضح أن ما ورد في بعض الروايات من أن النبي (ص) وأهل بيته (ع) قد “ضحكوا” في مواقف معينة، ينبغي حمله على الضحك بنحو التبسم، فالتبسم نوع من الضحك كما هو مقتضى الآية الكريمة والفهم العرفي واللغوي.

2025/08/22

سلاح المؤمن: ما هي عقيدة الشيعة بالدعاء؟

قال النبي (صلّى الله عليه وآله): «الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السموات والاَرض»1وكذلك هو، أصبح من خصائص الشيعة التي امتازوا بها، وقد ألّفوا في فضله وآدابه، وفي الاَدعية المأثورة عن آل البيت ما يبلغ عشرات الكتب؛ من مطوّلة ومختصرة، وقد اُودع في هذه الكتب ما كان يهدف إليه النبي وآل بيته صلى الله عليهم وسلّم من الحث على الدعاء، والترغيب فيه، حتى جاء عنهم: «أفضل العبادة الدعاء»2 و«أحب الاَعمال إلى الله عزّ وجّل في الاَرض الدعاء»3.

[اشترك]

بل ورد عنهم: «إن الدعاء يردّ القضاء والبلاء»4 وأنّه «شفاء من كل داء»5.

وقد ورد أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان رجلاً دعّاءً 6 أي كثير الدعاء، وكذلك ينبغي أن يكون وهو سيِّد الموحِّدين، وإمام الالهيين.

وقد جاءت أدعيته كخطبه آية من آيات البلاغة العربية، كدعاء كميل ابن زياد المشهور 7، وقد تضمَّنت من المعارف الالهية، والتوجيهات الدينية ما يصلح أن تكون منهجاً رفيعاً للمسلم الصحيح.

وفي الحقيقة، إنّ الاَدعية الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام خير منهج للمسلم إذا تدبَّرها؛ تبعث في نفسه قوّة الايمان والعقيدة، وروح التضحية في سبيل الحق، وتعرِّفه سرَّ العبادة، ولذّة مناجاة الله تعالى والانقطاع إليه، وتلقِّنه ما يجب على الانسان أن يعلمه لدينه، وما يقرِّبه إلى الله تعالى زلفى، ويبعده عن المفاسد والاَهواء والبدع الباطلة.

وبالاختصار؛ إنّ هذه الاَدعية قد أُودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الاسلامية، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية، والمباحث العلمية في الالهيات والاخلاقيات.

ولو استطاع الناس ـ وما كلهم بمستطيعين ـ أن يهتدوا بهذا الهدى الذي تثيره هذه الاَدعية في مضامينها العالية، لما كنت تجد من هذه المفاسد ـ المثقلة بها الارض ـ أثراً، ولحلَّقت هذه النفوس المكبَّلة بالشرور في سماء الحق حرّة طليقة، ولكن أنّى للبشر أن يصغي إلى كلمة المصلحين والدعاة إلى الحق، وقد كشف عنهم قوله تعالى:﴿ ... إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ... ﴾ 8 ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ 9.

نعم، إنّ ركيزة السوء في الانسان اغتراره بنفسه، وتجاهله لمساوئه، ومغالطته لنفسه في أنّه يحسن صنعاً فيما اتّخذ من عمل، فيظلم ويتعدّى، ويكذب ويراوغ، ويطاوع شهواته ما شاء له هواه، ومع ذلك يخادع نفسه أنّه لم يفعل إلاّ ما ينبغي أن يفعل، أو يغضّ بصره متعمداً عن قبيح ما يصنع، ويستصغر خطيئته في عينه.

وهذه الاَدعية المأثورة التي تُستمدّ من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الانسان على الاختلاء بنفسه، والتجرّد إلى الله تعالى، لتلقّنه الاعتراف بالخطأ، وأنّه المذنب الذي يجب عليه الانقطاع إلى الله تعالى لطلب التوبة والمغفرة، ولتلمّسه مواقع الغرور والاجترام في نفسه، ومثل أن يقول الداعي من دعاء كميل بن زياد:

«إلهي ومَولاي! أجْريتَ عليَّ حُكماً اتَّبعتُ فيهِ هوى نفسِي، وَلمْ أحتَرسْ فيهِ منْ تَزْيينِ عدوِّي، فغرَّني بِما أهوى، وَأسعدهُ على ذلكَ القضاءُ، فتجاوزتُ بما جرى عليَّ منْ ذلك بعضَ حدودِكَ، وخالفتُ بعضَ أوامرِكَ»10.

[اشترك]

ولا شك أنّ مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الانسان من الاعتراف علانية مع الناس، وإن كان من أشق أحوال النفس أيضاً، وإن كان بينه وبين نفسه في خلواته، ولو تم ذلك للانسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء نفسه الشريرة، وترويضها على طلب الخير.

ومن يريد تهذيب نفسه لا بدَّ أن يصنع لها هذه الخلوة، والتفكير فيها بحرية لمحاسبتها، وخير طريق لهذه الخلوة والمحاسبة أن يواظب على قراءة هذه الاَدعية المأثورة التي تصل بمضامينها إلى أغوار النفس؛ مثل أن يقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي  رضوان الله تعالى عليه:

«أيْ ربِّ! جلّلني بسترِكَ، واعفُ عنْ توبيخِي بكرم وجهِكَ!».

فتأمّل كلمة «جلّلني..»؛ فإنّ فيها ما يثير في النفس رغبتها في كتم ما تنطوي عليه من المساوئ؛ ليتنبّه الانسان إلى هذه الدخيلة فيها، ويستدرجه إلى أن يعترف بذلك حين يقرأ بعد ذلك:

«فلو اطّلعَ اليومَ على ذنبِي غيرُكَ ما فعلتُه، ولو خفتُ تعجيلَ العقوبةِ لاجْتنبتُه».

وهذا الاعتراف بدخيلة النفس، وانتباهه إلى الحرص على كتمان ما عنده من المساوئ يستثيران الرغبة في طلب العفو والمغفرة من الله تعالى؛ لئلاّ يُفتضح عند الناس لو أراد الله أن يعاقبه في الدنيا أو الآخرة على أفعاله، فيلتذ الانسان ساعتئذٍ بمناجاة السر، وينقطع إلى الله تعالى، ويحمده أنّه حلم عنه وعفا عنه بعد المقدرة فلم يفضحه؛ إذ يقول في الدعاء بعدما تقدّم:

«فَلكَ الحمدُ على حلمِكَ بعدَ علمِكَ، وعلى عفوِكَ بعدَ قُدرتِكَ»

ثمّ يوحي الدعاء إلى النفس سبيل الاعتذار عمّا فرط منها على أساس ذلك الحلم والعفو منه تعالى؛ لئلاّ تنقطع الصلة بين العبد وربّه، ولتلقين العبد أنّ عصيانه ليس لنكران الله واستهانة بأوامره؛ إذ يقول:

«ويحملُني ويجرِّئني على معصيَتكَ حلمُكَ عنّي، ويدعوني إلى قلّةِ الحياءِ سترُكَ عليَّ، ويسرِّعني إلى التوثُّبِ على محارمِكَ معرفَتِي بسَعِة رحمتِكَ وعظيمِ عفوِكَ».

وعلى أمثال هذا النمط تنهج الاَدعية في مناجاة السرّ؛ لتهذيب النفس، وترويضها على الطاعات، وترك المعاصي.

ولا تسمح الرسالة هذه بتكثير النماذج من هذا النوع، وما أكثرها.

ويعجبني أن أورد بعض النماذج من الاَدعية الواردة باسلوب الاحتجاج مع الله تعالى لطلب العفو والمغفرة، مثل ما تقرأ في دعاء كميل بن زياد:

«وليتَ شِعري يا سيّدِي ومولايَ، أتسلِّطُ النارَ على وجوهٍ خرَّتْ لعظمتِكَ ساجدةً، وعلى ألسُنٍ نطقتْ بتوحيدِكَ صادَقةً، وبشكرِكَ مادِحةً، وعلى قلوبٍ اعترفَتْ بالهيّتِك محقِّقةً، وعلى ضمائِرَ حوتْ مِنَ العلمِ بكَ حتّى صارتْ خاشعَةً، وعلى جوارحَ سعَتْ إلى أوطانِ تعبُّدِكَ طائعةً، وأشارتْ باستغفارِكَ مذعنةً؟! ما هكذا الظنُّ بكَ، ولا اُخبرنَا بفضلِكَ».

كرّر قراءة هذه الفقرات، وتأمِّل في لطف هذا الاحتجاج وبلاغته وسحر بيانه؛ فهو في الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها وعبودّيتها، يلقِّنها عدم اليأس من رحمة الله تعالى وكرمه، ثم يكلِّم النفس بابن عم الكلام، ومن طرف خفي؛ لتلقينها واجباتها العليا؛ إذ يفرض فيها أنّها قد قامت بهذه الواجبات كاملة، ثمّ يعلِّمها أنّ الانسان بعمل هذه الواجبات يستحق التفضل من ألله بالمغفرة، وهذا ما يشوِّق المرء إلى أن يرجع إلى نفسه فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤدّ تلك الواجبات.

ثمّ تقرأ اسلوباً آخر من الاحتجاج من نفس الدعاء:

«فهبنِي يا إلهي وسيِّدي وربِّي صبرْتُ على عذابِكَ فكيفَ أصبرُ على فراقِكَ! وهبْني يا إلهي صبرْتُ على حرِّ نارِكَ فكيفَ أصبرُ عن النظرِ إلى كرامَتِكَ!».

وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى، ومشاهدة كرامته وقدرته؛ حبّاً له، وشوقاً إلى ما عنده، وبأنّ هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحرّ النار، فلو فرض أنّ الانسان تمكَّن من أن يصبر على حر النار فإنّه لا يتمكَّن من الصبر على هذا الترك، كما تُفهمنا هذه الفقرات أنّ هذا الحب والالتذاذ بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع للمذنب عند الله لاَن يعفو ويصفح عنه.

[اشترك]

ولا يخفى لطف هذا النوع من التعجُّب والتملُّق إلى الكريم الحليم قابل التوب وغافر الذنب.

ولا بأس في أن نختم بحثنا هذا بإيراد دعاء مختصر جامع لمكارم الاَخلاق، ولما ينبغي لكلّ عضو من الانسان وكلّ صنف منه أن يكون عليه من الصفات المحمودة:

«اللّهُمَّ ارزُقنا توفيقَ الطاعةِ، وبعدَ المعصيةِ، وصدقَ النيِّةِ، وعرفانَ الحرمةِ.

وأكرِمْنا بالهدَى والاستقامِة، وسدِّد ألسنتَنا بالصواب والحكمة، واملاَ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهِّر بطوننا من الحرام والشبهةِ، واكفُفْ أيديَنا عنْ الظلم والسرقِة، واغضضْ أبصارَنا عنْ الفجورِ والخيانةِ، واسدُدْ أسماعَنا عنْ اللغوِ والغيبةِ.

وتفضِّلْ على علمائِنا بالزهدِ والنصيحةِ، وعلى المتعلِّمينَ بالجُهدِ والرغبةِ، وعلى المستمعينَ بالاتِّباع والموعظةِ.

وعلى مرضَى المسلمينَ بالشفاءِ والراحةِ، وعلى موتاهُمْ بالرأفةِ والرحمةِ.

وعلى مشايخِنا بالوقارِ والسكينةِ، وعلى الشباب بالاِنابةِ والتوبةِ، وعلى النساءِ بالحياءِ والعفَّةِ، وعلى الاَغْنياءِ بالتواضُعِ والسعَةِ، وعلى الفقراءِ بالصبرِ والقناعةِ.

وعلى الغزاةِ بالنصرِ والغلبةِ، وعلى الاُسَراءِ بالخلاصِ والراحَةِ، وعلى الاُمَراءِ بالعدلِ والشفقَةِ، وعلى الرعيّةِ بالاِنصافِ وحسنِ السيرةِ.

وباركْ للحجَّاجِ والزوَّارِ في الزادِ والنفقةِ، واقضِ ما أوجبْتَ عليهِمْ منَ الحجِّ والعمرةِ.

بفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمينَ»12.

وإنّي لموص اخواني القرّاء ألاّ تفوتهم الاستفادة من تلاوة هذه الاَدعية، بشرط التدبُّر في معانيها ومراميها، وإحضار القلب والاِقبال والتوجه إلى الله بخشوع وخضوع، وقراءتها كأنّها من إنشائه للتعبير بها عن نفسه، مع اتّباع الآداب التي ذكرت لها من طريقة آل البيت؛ فإنّ قراءتها بلا توجّه من القلب صرف لقلقة في اللسان، لا تزيد الانسان معرفة، ولا تقرِّبه زلفى، ولا تكشف له مكروباً، ولا يُستجاب معه له دعاء.

«إن الله عزّ وجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن بالاجابة»13 14.

الهوامش:

1. الكافي: 2|339 ح1.

2. الكافي: 2|338ضمن الحديث 1.

3. الكافي: 2|339 ح8.

4. انظر: الكافي: 2|341 ح1ـ 8.

5. الكافي: 2|341 ح1.

6. الكافي: 2|339 ذيل الحديث 8.

7. أي الدعاء الذي علمه أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي رحمه الله. وهو الدعاء المسمى بدعاء الخضر (عليه السلام)، وسمي بدعاء كميل لاَنّ كميل بن زياد ـ الذي هو من خواص الامام أمير المؤمنين وخواص الامام الحسن (عليه السلام) ـ هو الذي رواه عن الاِمام علي (عليه السلام)، وقال أنّه كان يدعو به ساجداً في ليلة النصف من شعبان. ويستحب قراءة هذا الدعاء في كل ليلة جمعة، أو في الشهر مرة، أو في السنة مرة، أو في العمر مرة.راجع: مصباح المجتهد: 844، المصباح للكفعمي: 2/ 282.

8. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 53، الصفحة: 242.

9. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 103، الصفحة: 247.

10. مصباح المتهجد: 844 ـ دعاء كميل بن زياد.

11. وهو الدعاء الذي رواه ابو حمزة الثمالي عن الامام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، حيث قال: إنّه كان يصلي عامّة الليل في شهر رمضان فإذا كان السحر دعا بهذا الدعاء.مصباح المتهجد: 582، المصباح للكفعمي: 2|345.

12. البلد الاَمين: 349.

13. الكافي: 2|343 ح1.

14. المصدر: كتاب عقائد الإمامية، للشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله.

2025/06/21

لماذا يضيق الله الرزق أحياناً؟!

الآن الساعة تشير إلى الثانية فجراً، ولا يزال محمود غارقاً في تفكير عميق يمزقه من الداخل. في الثانية والعشرين من عمره، يشعر وكأن الحياة قد أغلقت في وجهه جميع الأبواب.

كل فرصة عمل تلوح في الأفق تختفي كالسراب. حتى الأعمال البسيطة التي يحاول أن يبدأ بها تواجه عقبات غريبة وغير مبررة. الأمر الذي يزيد من حيرته أنه يتأكد دائماً من أن كل ما يقوم به حلال ومشروع، فلا يمكن أن يكون السبب في معصية أو حرام.

يعيش كثير من الشباب أزمة حقيقية مع الرزق. ليست مجرد أزمة مالية عابرة، بل شعور عميق بأن الحياة تقف ضدهم، وأن كل جهودهم تذهب أدراج الرياح دون نتيجة.

[اشترك]

هذا ما عبر عنه شاب في الثانية والعشرين من عمره عندما توجه بسؤاله المؤثر: "أُعاني من الرزق المسدود، أي عمل أفكر به فيه مصلحة لي لا تتحقق، وبعد أن أتأكد من سلامة العمل بأنه حلال. علماً أنني عملت الكثير من الختومات القرآنية ولكن لا فائدة!".

ونحن هنا نصيغ السؤال بطريقة أخرى، ونقول: لماذا يواجه إنسان مؤمن، يحرص على الحلال ويبتعد عن الحرام، مثل هذه الصعوبات في الرزق؟

رغم أن قراءة القرآن والختومات عمل مبارك ومستحب، إلا أن هناك أعمالاً أخرى لا تقل أهمية عن القراءة، بل قد تكون أكثر تأثيراً في فتح أبواب الرزق.

أولاً: الصلوات في أول أوقاتها

ليس المقصود هنا مجرد أداء الصلاة، بل الحرص على أدائها في بداية وقتها المحدد شرعاً. هذا الالتزام بالمواعيد الإلهية يعكس جدية المؤمن في علاقته مع ربه، ويفتح بركات لا يمكن تصورها.

ثانياً: المواظبة على النوافل

النوافل هي الجسر الذي يصل بين الفرائض والقرب الإلهي. عندما يحافظ المؤمن على الصلوات المستحبة، فإنه يبني علاقة أعمق مع الله، وهذا ما يفتح أبواب الرحمة والرزق.

ثالثاً: صلاة الليل تحديداً

تأتي صلاة الليل في مقدمة النوافل المؤثرة على الرزق. في سكون الليل وهدوئه، عندما ينقطع الإنسان عن شواغل الدنيا ويتوجه بكليته إلى خالقه، تحدث معجزة روحية تنعكس على جوانب حياته المختلفة، وفي مقدمتها الرزق.

رابعاً: زيارة عاشوراء

هذا العمل المبارك له خصوصية فريدة في التأثير على الرزق. زيارة الإمام الحسين عليه السلام خاصة، تحمل بركات عظيمة تشمل جوانب الحياة المختلفة.

خامساً: قراءة القرآن المستمرة

وهنا يأتي دور القرآن ليس كعمل منفرد، بل كجزء من منظومة عبادية شاملة. القراءة المستمرة والتدبر في آيات الله تفتح آفاقاً جديدة في الفهم والرزق.

لماذا يضيق الله الرزق أحياناً؟

الجزء الأعمق في الإجابة يكشف عن حقيقة مهمة غالباً ما يغفل عنها الناس: "إن الله تبارك وتعالى قد يرى مصلحة عبده في التقتير عليه في الرزق، ويرى أن زيادة رزقه قد توجب انحرافه عن الصواب".

هذا المفهوم يقلب نظرتنا للرزق رأساً على عقب. فليس كل ضيق في الرزق عقوبة أو إهمالاً إلهياً، بل قد يكون رحمة خفية وحماية من انحرافات محتملة. الله يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى من عواقب الأمور.

لكن هذا الفهم لا يعني الاستسلام والتوقف عن السعي. هذا لا يمنع من أن يطلب العبد من الله تعالى التوسعة عليه في الرزق الحلال الطيب ما يغنيه عن تكلف ما في أيدي الناس.

هنا نجد التوازن المطلوب: الإيمان بحكمة الله والرضا بقضائه، مع الاستمرار في الدعاء والعمل والسعي لتحسين الأحوال.

2025/06/03

هل تشكو قلة الرزق؟! 6 أعمال تمارسها يومياً قد تكون السبب

تتأخر لحظة استجابة دعائك، يضيق رزقك رغم سعيك، وتبدو السماء مقفلة أمام رغباتك... قد يكون السبب في ذلك أعمالاً يومية تمارسها دون انتباه، ذنوباً صغيرة في نظرك، لكنها - وفق التراث الإسلامي - لها تأثير كبير على مسار رزقك ونصيبك في الحياة.

[اشترك]

فقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أحاديث مفصلة تشرح الأسباب الروحية والأخلاقية التي قد تؤدي إلى حجب البركة وتضييق سبل العيش.

الأعمال الستة التي تحجب الرزق وفق الإمام زين العابدين

في رواية مهمة نقلها عبد الله بن الفضيل عن أبيه، قال سمعت أبا خالد الكابلي يقول: سمعت زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام يذكر أن هناك ذنوباً محددة تمنع وصول القِسَم (أي الأرزاق والنصيب) إلى العبد. وقد حددها الإمام بخمسة أمور رئيسية:

إظهار الافتقار

يشير هذا السلوك إلى التظاهر بالفقر والتذمر من الحاجة أمام الناس، حتى مع وجود النعم. وهو سلوك يتنافى مع الشكر والرضا، ويعكس عدم الثقة بوعد الله بالرزق.

النوم عن العتمة

المقصود هنا هو التهاون في أداء صلاة العشاء، إما بتأخيرها عن وقتها أو بالنوم عنها. وهي من الصلوات التي يكثر التهاون فيها بسبب التعب اليومي وانشغال الناس في المساء.

النوم عن صلاة الغداة

يشير إلى التهاون في أداء صلاة الفجر، وهي من أثقل الصلوات على النفس لارتباطها بوقت النوم العميق. وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد على فضلها وخطورة تركها.

استحقار النعم

يتمثل هذا في عدم تقدير نعم الله مهما كانت صغيرة، والتقليل من شأنها، وعدم الشكر عليها. وهو سلوك يدل على الجحود، ويؤدي إلى زوال النعمة وفق المنظور الإسلامي.

شكوى المعبود عز وجل

وهو التذمر من قضاء الله والشكوى من الأقدار التي كتبها، وعدم الرضا بما قسمه الله تعالى، مما يعكس ضعف الإيمان بحكمة الله وعدالته.

الزنا وأثره على الرزق

وفي رواية أخرى، نقل عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قوله: "الذنوب التي تحبس الرزق الزنا". وهو تأكيد صريح على أن الفاحشة لها تأثير مباشر على انقطاع البركة وحبس الرزق، وهو ما يتوافق مع الكثير من النصوص الدينية التي تحذر من الآثار السلبية للمعاصي على الحياة المادية للإنسان.

الأبعاد الروحية والاجتماعية لهذه المفاهيم

تتجاوز هذه التعاليم البعد الديني لتشمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة. فإظهار الافتقار يضعف الثقة بالنفس ويؤثر على نظرة المجتمع للشخص، كما أن الاستهانة بالصلوات تؤثر على انضباط الإنسان ونظامه اليومي، بينما يؤدي استحقار النعم إلى حالة من السخط الدائم وعدم الرضا.

هذه الأحاديث تقدم منظوراً متكاملاً عن علاقة السلوك الأخلاقي بالوضع المادي للإنسان، وتدعو إلى التفكر في الأسباب العميقة للصعوبات المادية التي قد يواجهها المرء، متجاوزة التفسيرات المادية البحتة.

2025/04/19

زهد وصحة: كيف حارب أهل البيت (ع) عبودية البطن؟

جلس محمد أمام الطاولة في مطعم فاخر يعج بأصناف الطعام، يتصفح هاتفه بينما ينتظر وجبته الضخمة. لم يكن جائعاً تماماً، لكنه اعتاد أن يملأ وقت فراغه بتناول الطعام. تقدمت نحوه صينية محملة بثلاثة أطباق رئيسية وخمسة أطباق جانبية، ومع كل لقمة كان يشعر بثقل متزايد وخمول يتسلل إلى جسده.

[اشترك]

في الطاولة المجاورة، جلس شيخ مسن يكتفي بطبق متواضع من الأرز واللبن، يتناوله ببطء ويتوقف قبل الشبع. لاحظ محمد نشاط الشيخ وحيويته رغم تقدمه في السن، وعندما التقت أعينهما، ابتسم الشيخ قائلاً: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء".

هذا المشهد البسيط يجسد مفارقة عصرنا: وفرة في الطعام وندرة في الحكمة، ويدفعنا للتأمل في منهج المعصومين (عليهم السلام) في التعامل مع الطعام والشراب، وما يمكننا أن نستفيده منه في زمن أصبحت فيه أمراض التخمة وباءً عالمياً.

الموقف الأساسي: قلة الطعام قوة لا ضعف

عند النظر في سيرة المعصومين (عليهم السلام)، نجد موقفاً متسقاً في تعاملهم مع الطعام والشراب: معارضة الإفراط والتخمة. فأبرز صورة للزهد وترك الدنيا تتجلى في موقفهم من مطالب البطن وضغوطه. وبينما كانوا يعتنون بمظهرهم الخارجي كونه واجهة اجتماعية، كان تعاملهم مع الطعام شأناً شخصياً يعكس حقيقة زهدهم.

يقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) نموذجاً للمؤمن الحقيقي بقوله: "كان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد". وهذا لا يعني تحريم الطيبات، بل تحريراً للإنسان من عبودية بطنه، فهم لم يكونوا يعيشون ليأكلوا بل يأكلون ليعيشوا.

ولعل المقارنة التي عقدها الإمام علي (عليه السلام) بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنبياء آخرين كموسى وداود وعيسى (عليهم السلام) توضح هذا المنهج. فقد كان موسى يأكل بقلة الأرض، وداود يعمل سفائف الخوص ويأكل قرص الشعير من ثمنها، وعيسى يتوسد الحجر ويأكل الجشب وإدامه الجوع.

[اشترك]

بين التشريع والممارسة: تنوع أساليب الأئمة

لم يكن موقف المعصومين من الطعام متصلباً أو متشدداً، بل متوازناً بين التعليم والتطبيق. فمن جهة، كانوا يأكلون الطيبات أحياناً للتشريع وتوضيح الحكم الشرعي، مثلما فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أُتي بالفالوذج فأكل منه.

ومن جهة أخرى، تعددت أساليبهم لتتسع الأمة في الخيارات المباحة. فقد روي عن مسروق أنه دخل يوم عرفة على الإمام الحسين (عليه السلام) فوجده صائماً يكتفي بقدح سويق، بينما وجد الإمام الحسن (عليه السلام) يقدم الطعام الطيب. وعندما سأل عن هذا الاختلاف، أجابه الإمام الحسن: "جعلني الله مقتدى المفطرين وجعل أخي مقتدى الصائمين لتكونوا في سعة".

ميراث البطنة: آثار الإفراط في الطعام

حذّر أهل البيت (عليهم السلام) من خمسة آثار خطيرة للإفراط في الطعام:

أولاً: قلة الفاعلية والكسل عن الطاعة

يؤدي الإكثار من الطعام إلى الثقل والتكاسل. يقول المسيح (عليه السلام): "يا بني إسرائيل لا تكثروا الأكل فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم ومن أكثر النوم أقل الصلاة ومن أقل الصلاة كُتب من الغافلين".

ثانياً: سوء الصحة وسقم البدن

ينصح الأئمة والأطباء معاً بالاعتدال في تناول الأطعمة. يقول الإمام الكاظم (عليه السلام): "لو أن الناس قصدوا في الطعام لاعتدلت أبدانهم". وحذر أمير المؤمنين من إدمان الشبع "فإنه يهيج الأسقام ويثير العلل".

ثالثاً: خمود الإبداع والحكمة

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تشبعوا فيطفئ نور المعرفة من قلوبكم". ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تجتمع الفطنة والبطنة". فعندما تمتلئ المعدة، تنام الفكرة.

[اشترك]

رابعاً: استعباد البطن لصاحبه

يصور الإمام علي (عليه السلام) من يسعى فقط لإشباع بطنه كـ"البهيمة المربوطة همها علفها". وفي التاريخ نماذج مثل قاضٍ باع دينه بأكلة على مائدة المهدي العباسي.

خامساً: قسوة القلب وهيجان الشهوة

الشبع والبطنة تقوي الغريزة وتقسي القلب، بينما يرتبط الاعتدال بلين القلب وضبط الشهوات.

نحو منهج متوازن: بين الاعتدال والجوع المضعف

ميز أهل البيت (عليهم السلام) بين نوعين من الجوع: جوع معتدل ينشط العقل والروح، وجوع مضعف يعيق النشاط والفكر. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن أجهده الجوع قعد به الضعف وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد".

لذا ينبغي النظر إلى التعاليم الإسلامية حول الطعام بعين الاعتدال: لا التفريط المضعف ولا الإفراط المرهق.

آداب الطعام: تحويل الأكل إلى عبادة

أحاط الإسلام الطعام بآداب متعددة تحوله من مجرد تلبية حاجة جسدية إلى فرصة للعبادة والارتقاء:

آداب عبادية: كالنية، والبسملة، والحمد، وتذكر نعمة الله.

آداب اجتماعية: كتجنب الروائح الكريهة عند لقاء الناس، وتجنب الأكل في السوق، وعدم النظر إلى طعام الآخرين.

آداب حياتية: كغسل اليدين، وتجويد المضغ، والاعتدال في الأكل، وتخليل الأسنان.

وقد لخص الإمام الحسن (عليه السلام) آداب المائدة بقوله: "في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها: أربع منها فرض، وأربع منها سنة، وأربع منها تأديب".

2025/04/13

أسرار وخفايا: لماذا ترفض الملائكة دخول بعض البيوت؟!

خطوات خفيفة تسير في الهواء، أجنحة شفافة تخفق بصمت، ونور يتسلل من بين طيات الظلام. قد تكون على هذه الهيئة هي الملائكة التي تزور بيوتنا دون أن نراها، تحمل البركة والرحمة، وتشهد على أعمالنا.

[اشترك]

لكن هل تعلم أن هناك بيوتاً تمتنع الملائكة عن دخولها؟ وأن ممارسات بسيطة قد تحرم منزلك من زيارة هؤلاء الرسل السماويين؟ في تراثنا، وردت إشارات دقيقة تحدد شروط استقبال الملائكة، وتكشف عن الأسباب التي تجعلها تتردد على عتبات بعض البيوت وتأبى الدخول إلى أخرى.

أشارت الروايات الشريفة إلى الأماكن التي ترفض الملائكة دخولها. فقد وردت روايات عديدة تشير إلى أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو تماثيل مجسمة لذوات الأرواح.

كما أشارت أيضاً إلى أن الملائكة تتجنب البيوت التي يُشرب فيها الخمر، أو تُعقد فيها مجالس الغناء، أو تُستخدم فيها أدوات اللهو كالنرد والطنبور، أو تُخزن فيها هذه الأدوات. وأضافت الروايات أن وجود إناء يُبال فيه يمنع كذلك دخول الملائكة إلى البيت.

نقل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ جبرئيل أتاني فقال: إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد ولا إناء يُبال فيه". ولعل المقصود من الجزء الأخير أن الملائكة تتجنب الأماكن التي تحتوي على النجاسات والقذارات، أو المواضع التي تُترك فيها هذه النجاسات.

 

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): "بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة، ولا تُجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملَك". وفي رواية ثالثة عنه أيضاً: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دف أو طنبور أو نرد، ولا يُستجاب دعاؤهم، وتُرفع عنهم البركة".

كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: "وكل بيت لا يدخل فيه الضيف لا يدخله الملائكة"، في إشارة إلى أهمية الكرم وحسن الضيافة في الثقافة الإسلامية.

2025/04/05

نظرات قاتلة وقلوب حاقدة.. ما الفرق بين العين والحسد؟!

كان يقف في سوق المدينة شاب وسيم، يبيع من محصول أرضه الذي بارك الله فيه هذا العام. تألقت بضاعته بين الباعة، وأقبل الناس عليه بإعجاب. لكن بائعاً آخر في الجوار كان يرمقه بنظرات حادة، يكاد يحرقه بها. لم يكن راضياً عن نجاح جاره الشاب، بل كان يتمنى في قرارة نفسه لو أن محصوله يفسد، أو يصاب بآفة، أو تنفر منه القلوب.

[اشترك]

وبينما كان الشاب يعد نقوده في نهاية اليوم، شعر فجأة بدوار شديد، وسقط على الأرض مغشياً عليه. هرع الناس إليه، وهمس بعضهم: "أصابته العين... لا شك أن أحدهم حسده على رزقه!"

هذه القصة البسيطة تلخص ظاهرتين اجتماعيتين ونفسيتين عميقتي الجذور في الثقافة العربية والإسلامية: الحسد والعين. فما حقيقتهما؟ وما الفرق بينهما؟ وكيف نقي أنفسنا من شرورهما؟

الحسد في اللغة والاصطلاح

الحسد في أصله اللغوي هو تمني زوال نعمة المحسود وانتقالها إلى الحاسد. وقد عرّفه بعض علماء اللغة بأنه: "أن تغتاظ مما رزقه غيرك، وتود أنه زال عنه وصار إليك". وهذا يعني أن الحسد ليس مجرد الإعجاب بما عند الآخرين، بل هو شعور سلبي عميق يتمنى صاحبه سلب النعمة من الآخر.

هناك أيضاً رأي يقول: إن إرادة زوال نعمة فيها صلاح صاحبها تُعتبر حسداً أيضاً. فإذا تمنيت مثلاً أن يفقد شخص ماله معتقداً أن ذلك سيصلحه، فهذا أيضاً نوع من الحسد وإن كان بنية التصحيح.

الفرق بين الحسد والغبطة

يميز علماء الأخلاق بين الحسد والغبطة. فالغبطة هي أن تتمنى لنفسك مثل ما عند غيرك من النعم، دون أن تتمنى زوالها عنه. كأن ترى شخصاً متفوقاً في علمه، فتتمنى أن تكون مثله متفوقاً، دون أن تتمنى تراجعه أو فقدانه لعلمه.

ولهذا قيل: "الغبطة ألا تغتاظ ولا تود زواله عنه، وإنما تود أن ترزق مثله". والغبطة ليست مذمومة، بل قد تكون محمودة إذا كانت في الخير.

عبّر الشعراء عن الحسد ببلاغة تكشف عمق هذه الظاهرة في المجتمعات البشرية. يقول الشاعر:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ***** فالكل أعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها ***** - حسدا وبغيا - إنه لدميم

[اشترك]

في هذه الأبيات تشبيه بليغ، حيث شبّه الشاعر الحاسدين بالضرائر (زوجات الرجل الواحد) اللاتي ينظرن إلى الزوجة الجميلة بينهن، فيقلن عن وجهها الجميل إنه قبيح، من شدة الحسد والبغي. وفي هذا إشارة إلى أن الحسد يعمي صاحبه عن رؤية الحقيقة، بل ويقلبها في عينيه.

العين: السهم الخفي

العين في المفهوم الإسلامي هي قوة مؤثرة بالشر لدى بعض الناس، يحصل أثرها حال التعجب من شيء أو صفة. وهي قديمة قِدم البشرية، عرفتها الأمم والحضارات المختلفة.

روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر". وفي هذا الحديث تعبير مجازي بليغ عن قوة تأثير العين، فهي تستطيع أن تؤدي بالإنسان إلى الموت (القبر)، وبالجمل القوي إلى أن يُذبح ويُطبخ (القدر).

[اشترك]

الوقاية من العين

نقل عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "العين حق، ولست تأمنها على نفسك ولا منك على غيرك". وهذا يؤكد خطورة العين وضرورة الاحتراز منها، سواء كنت معرضاً للإصابة بها، أو كنت ممن قد يصيب غيره بها دون قصد.

وقد أرشد الإمام إلى طريقة للوقاية، فقال: "فإذا خفت ذلك فقل ثلاثا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم". وهذا الذكر يجدد في النفس الإيمان بأن كل شيء بمشيئة الله تعالى، وأن القوة كلها لله وحده، فيكون حصناً من الآفات.

الحسد والعين.. التداخل بين المفهومين

رغم الاختلاف في المعنى اللغوي بين الحسد والعين، إلا أن العرف الشعبي جرى على استخدامهما بشكل متداخل، حتى صارا كالمترادفين. فيقال: "فلان حسد فلاناً" بمعنى أصابه بالعين، مع أن الحسد في أصله تمني زوال النعمة.

ويمكن تفسير هذا التداخل بأن العين غالباً ما تنبع من الحسد، فالشخص الحاسد قد تكون لديه قوة في عينه تؤثر فيمن يحسده، فتصيبه بالضرر. ولهذا صار الناس يسمون الإصابة بالعين حسداً، من باب إطلاق السبب على المسبب.

2025/04/03

مفاتيح وأسرار.. وصفة لفتح أبواب الرزق المغلقة!

توكّل على الله تعالى، وتوسّل بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام، واستمر في الدعاء، وقد يفيدك ما ورد في بعض الروايات من أعمال وأدعية وسور، لا بأس بالعمل بها رجاءً لترتب الأثر:
١- المباكرة في طلب الرزق، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «اللهم بارك لاُمّتي في بكورها ويوم سبتها وخميسها»، وعن الصادق عليه السلام: «إذا كانت لك حاجة فاغد فيها، فإنّ الأرزاق تقسّم قبل طلوع الشمس وإنّ الله تبارك وتعالى بارك لهذه الأمور في بكورها».

[اشترك]
٢- الاستغفار، قال الله تعالى: «استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السماءَ عليكم مدراراً».
٣- ذكر «لا إله إلّا الله الملك الحقّ المبين» مائة مرة.
٤- أن ينقش على الخاتم: ما شاء الله، لا قوة إلّا بالله، استغفر الله.
٥- الإكثار من قول: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله».
٦- ادع في الصلاة الواجبة وأنت ساجد: «يا خير المسؤولين وياخير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك الواسع، فإنّك ذو الفضل العظيم».
٧- الصدقة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «استنزلوا الرزق بالصدقة»، وورد أيضاً: «مفاتيح الرزق الصدقة».
٨- صلة الرحم، ففي الحديث عن الباقر عليه السلام: «صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى».
٩- غسل اليد قبل الطعام وبعده، فإنّه يزيد من الرزق.
١٠- حُسن الجوار، فإنّه يزيد في الرزق.
11- التعقيب بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
12- الإدمان على الطهارة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: «أدم الطهارة يدم عليك الرزق».
13- نافلة العشاء ركعتين من جلوس وتسمّى بالوتيرة، فعن أبي عبد الله عليه السلام: «لا تتركوا ركعتين بعد عشاء الآخرة، فإنّها مجلبة للرزق».
14- قراءة سورة إذا وقعت الواقعة في كلّ ليلة، خصوصاً في إحدى ركعتي الوتيرة.
15- السراج قبل مغيب الشمس، فإنّه ينفي الفقر ويزيد في الرزق.
16- قراءة سورة الصافّات يوم الجمعة.
17- تقدير المعيشة وعدم التبذير والإسراف، ففي حديث: «من قدّر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرّمه الله».
18- حُسن الخلق، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: «في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق».
19- عن أبي بصير قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام الحاجة، وسألته أن يعلّمني دعاء في الرزق، فعلّمني دعاء ما احتجت منذ دعوت به، قال عليه السلام: قل في صلاة الليل وأنت ساجد: «يا خير مدعوّ ويا خير مسؤول ويا أوسع من أعطى، يا خير مرتجى ارزقني وأوسع عليّ من رزقك، وسبّب لي رزقاً من قبلك، إنّك على كلّ شيء قدير».
20- أن يقرأ: «يا رازق المقلّين، ويا راحم المساكين، ويا وليّ المؤمنين، ويا ذا القوة المتين، صلّ على محمد وأهل بيته، وارزقني وعافني واكفني ما أهمّني».
21- تعقيب صلاة العشاء: «اللهم إنّه ليس لي علم بموضع رزقي، وانّما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي، فأجول في طلبه البلدان، فأنا فيما أنا طالب كالحيران، لا أدري أفي سهل هو أم في جبل أم في بحر، وعلى يد من، ومن قبل من، وقد علمت أنّ علمه عندك، وأسبابه بيدك، وأنت الذي تقسمه بلطفك، وتسبّبه برحمتك، اللهم فصلّ على محمد وآله، واجعل يا ربّ رزقك لي واسعاً، ومطلبه سهلاً، ومأخذه قريباً، ولا تعنّي بطلب ما لم تقدر لي فيه رزقاً، فانك غنيٌّ عن عذابي (عن عنائي) وأنا فقير إلى رحمتك، فصلّ على محمد وآله، وجد على عبدك بفضلك، إنّك ذو فضل عظيم».
22- وهناك بعض الصلوات المستحبة لأجل الرزق، منها: ركعتان تقرأ في الأولى الحمد مرّة واحدة، و «إنّا أعطيناك الكوثر» ثلاث مرّات، وفي الثانية الحمد مرّة واحدة وكلّ من سورة الفلق والناس ثلاث مرّات.

2025/03/15

علاقة الحج وشهر رمضان في أدعية أهل البيت

المقدمة

إذا راجعنا الادعية الرمضانية نجد أن أهل البيت (عليهم السلام) جهدوا في تركيز العديد من الأدعية الرمضانية على طلب التوفيق لأداء فريضة الحج، كما في الدعاء المعروف: ((اللهم ارزقني حجّ بيتك الحرام في عامّي هذا وفي كلّ عام)) (1).

وذلك لأننا عندما نتحدث عن علاقة الحج وشهر رمضان في أدعية أهل البيت، ندخل في عالم من الروحانية والتأمل، حيث تتجلى عظمة الإسلام في تلك اللحظات المقدسة. فالحج هو ركن من أركان الإسلام، وشهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن، وكلاهما يحملان بالنسبة لأهل البيت (عليهم السلام) أهمية خاصة.

[اشترك]

علاقة الحج وشهر رمضان في أدعية أهل البيت(عليهم السلام):

يعتبر الحج من أهم الشعائر الإسلامية التي ينبغي على كل مسلم أداؤها مرة واحدة في العمر، إذ يعتبر ركنًا من أركان الإسلام الخمسة. ولأهل البيت، يمثل الحج فرصة للتوبة والغفران، والامتنان لنعمة الله التي لا تُحصى. ومن أدعية أهل البيت (عليهم السلام) في الحج.

فقد ورد في الدعاء الشريف (اللهم ارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام في يسر منك وعافية وسعة رزق) (2)، وهذ الحديث هذا الدعاء الشريف الوارد عن الإمامين الصادق والكاظم صلوات الله وسلامه عليهما والذي وكذا الدعاء (اللهم إني أسألك فيما تقضي وتقدر من الامر المحتوم في ليلة القدر، من القضاء الذي لا يرد ولا يبدل، ان تكتبني من حجاج بيتك الحرام، المبرور حجهم، المشكور سعيهم) (3)، ورد التأكيد على استحباب قراءتهما في كل فريضة بعد كل فريضة من فرائض شهر رمضان طرحنا تساؤلا يتعلق بهذا الحديث وأجبنا عنه التساؤل الآخر الذي يطرح نفسه من خلال هذا الدعاء هو أننا عندما ندقق في الأدعية الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في شهر رمضان المبارك نجد أن أغلب الأدعية اليومية وغير اليومية تركز على طلب التوفيق لفريضة الحج هذه ظاهرة يلمسها كل من يقرأ أدعية شهر رمضان يجد بأن أدعية أهل البيت تركز تركيزا بالغا على طلب التوفيق لفريضة الحج هنا يطرح التساؤل نفسه ما هو وجه تركيز أدعية شهر رمضان على فريضة الحج دون غيرها من الفرائض ما هو وجه الارتباط والعلاقة بين فريضة الصيام وبين فريضة الحج الجواب عن هذا التساؤل هناك علاقتان بين فريضة الحج وبين فريضة الصيام العلاقة الأولى العلاقة التكوينية ومرادنا من العلاقة التكوينية أن العلاقة بين فريضة الصيام وفريضة الحج أشبه بعلاقة العل والمعلول وعلاقة المؤثر والأثر وعلاقة السبب والمسبب كيف هنا مقدمات ثلاث لا بد من الالتفات إليها:

المقدمة الأولى: إن شهر رمضان المبارك هو الوعاء الزماني لليلة القدر المباركة ليلة القدر نجزم بأنها تقع في شهر رمضان هذا من خلال ضم آيات القرآن إلى بعضها البعض نحن نقرأ في آية قرآنية مباركة (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)(4)، هذه آية، وآية أخرى نقرأها (إنا أنزلناه في ليلة القدر)(5)، إذن الآية الأولى تقول بأن شهر رمضان هو وعاء نزول القرآن والآية الثانية تقول بأن وعاء نزول القرآن ليلة القدر إذن ليلة القدر لا بد أن تكون من ليالي شهر رمضان نزول القرآن في ليلة القدر ووعاء ليلة القدر هو شهر رمضان هذه نتيجة نخرج بها إذا ضممنا الآيات القرآنية إلى بعضها البعض هذه مقدمة.

المقدمة الثانية: متى تقع ليلة القدر في شهر رمضان أي ليلة من ليالي شهر رمضان تقع ليلة القدر هناك خلاف بين الفقهاء سيد علماء العالم السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه يذهب الى أن ليلة القدر تقع في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان وهذا هو المعروف عندنا(6)، وأما رأي المرجع الأعلى للشيعة السيد السيستاني دام ظله يرى ويميل إلى أن ليلة القدر تقع في احدى الليلتين الليلة الواحدة والعشرين أو الليلة الثالثة عشر من شهر رمضان(7)، وهذا رأي من لو تسأل من السيد الخوئي قدس الله عندما تقول بأن ليلة القدر في الليلة الثالثة والعشرين هذا على نحو القطع واليقين لأجاب بالقول لا هذا اقوى الاحتمالات يحتمل ان تكون ليلة القدر في الليلة الواحدة والعشرين يحتمل ان تكون ليلة القدر في الليلة التاسعة عشر  يحتمل ان تكون في غير ذلك، فأقوى الاحتمالات انها في الليلة الثالثة والعشرين، ايضا لما نتوجه السؤال للسيد السيستاني دام ظله انت لماذا تميل الى ان ليلة القدر هي ليلة واحدة وعشرين فهل تقطع بذلك وتتيقن بذلك فنجده أنه يقول لك لا هذا اقوى الاحتمالات، لماذا لأنه توجد عندنا احتمالات متعددة وانتم عندما ترجعون الى الرسالة الشريفة رسالة ليلة القدر للعلامة الحج الشيخ فرج العمران طيب الله ثراه في بداية الرسالة يذكر الآراء في تعيين ليلة القدر فيذكر اراء متعددة من الآراء المعروفة والتي يقول بها بعض العلماء ان ليلة القدر محتملة في كل ليلة من ليالي شهر رمضان يعني ابتداء من اول ليلة الى اخر ليلة، فليلة القدر من محتمل ان تكون في اول ليلة ويمكن ان تكون في الليلة الواحد والعشرين ويمكن ان تكون في اخر الشهر، لكن اقوى الاحتمالات انها اما في الواحد والعشرين او في الثالث والعشرين اذاً ليلة القدر ليلة غير معينة على سبيل القطع واليقين بل هي احتمالات تتفاوت قوة وضعفا.

المقدمة الثالثة: لماذا سميت ليلة القدر بليلة القدر لأنها ليلة التقدير فيها تقدر الامور، فقد ورد عن الامام الصادق × عندما سئل عن قوله تعالى: (إِنَّآ أَنزَلنَٰهُ فِي لَيلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ (4)) (8)، فهي ليلة التي تحدد فيها وتقدر فيها الامور وواحد من جملة هذه الامور التي تقدر في ليلة القدر هو أن يقدر للحج الى بيت الله سبحانه وتعالى فالإمام الصادق × لما يسأل عن الآية يقول هي ليلة القدر فيها يقضى كل امر من السنة من حج او عمرة  الحجاج في ليلة القدر يقدرون والزوار في ليلة القدر يقدرون والمعتمرون في ليلة القدر يقدرون وتوزع صكاك الحج على الحجاج في ليلة القدر كل واحد من الحجاج عنده صك يوزع عليه من قبل الله وتوزيع الصكوك في ليلة القدر، اذاً ليلة القدر ليلة التقدير، ويقدر فيها الحجاج في تلك الليلة هذه مقدمات ثلاث. (واحد ليلة القدر في شهر رمضان، الثانية ليلة القدر على سبيل الجزم والقضع واليقين لا يعلم بانها في اي ليلة بالليالي شهر رمضان، الثالثة ليلة القدر يقدر فيها للحجاج حجهم).

[اشترك]

تأثير علاقة الحج وشهر رمضان على أدعية أهل البيت(عليهم السلام):

تأتي علاقة الحج وشهر رمضان في أدعية أهل البيت لتعزز من حالة الروحانية والتقوى لدى المسلمين. فالحج يمثل الفرصة للتوبة والاستغفار والتقرب إلى الله، بينما يعتبر شهر رمضان فترة من الصوم والقيام والدعاء. وعندما يجتمع هذان العاملان، يتضاعف تأثيرهما على أدعية أهل البيت، حيث يزيدون من إيمانهم وتقواهم وتواصلهم مع الله.

من هنا نفهم لماذا جاءت ادعية شهر رمضان تركز على طلب التوفيق لفريضة الحج في كل يوم وليلة من شهر رمضان لان التقدير يكون في ليالي شهر رمضان فيطلب من الانسان الداعي ان يدعو مكررا حتى يقدر في ليلة القدر من حجاج بيته اذا فريضة الحج مسبب عن التقدير بالدعاء في ليالي شهر رمضان عندما الانسان في ليلة القدر يكتب حاجا ويستجاب دعاءه حينئذ يوفق لحج بيت الله.

 العلاقة الأولى: العلاقة بين فريضة الصيام وبين فريضة الحج هي اشبه بعلاقة السبب والمسبب وبعلاقة الأثر والمؤثر وبعلاقة العلة والمعلول، فدعاؤك في شهر رمضان يوفقك لحج بيت الله سبحانه وتعالى في شهر الحج؛ اذاً العلاقة بينهما علاقة تكوينية.

العلاقة الثانية: بين فريضة الصيام وبين فريضة الحج علاقة تكاملية كيف يعني علاقة تكاملية إن العبادات التي نحن نتعبد الله سبحانه وتعالى من صلاة من صيام من خمس من زكاة من حج كل هذه العبادات تشكل حلق مترابطة ومنظومة متكاملة بينها ترابط وانسجام وتلاحم انما قد لا يدرك الانسان حقيقة بين فريضة الصيام وفريضة الحج يوجد علاقة تكاملية.

علماء الاخلاق وعلماء العرفان يقولون ان النفس البشرية من اجل ان تتكامل لابد ان تمر بمراحل ثلاث هذه نفس الانسان لا تتكامل الا إذا طويت ثلاث مراحل:

المرحلة الاولى: مرحلة التخلي

 المرحلة الثانية: مرحلة التحلي.

المرحلة الثالثة: مرحلة التجلي.

ومرحلة التخلي والتحلي مرحلتان مرتبطتان بفعل الانسان نفسه ومرحلة التجلي مرحلة مرتبطة بفعل الله سبحانه وتعالى.

يعني أن مرحلة تخلي وتجلي اولا مرحلة التخلي هي عبارة عن مرحلة تخلية النفس من الرذائل. هذه النفس البشرية كيف تتكامل؟ كيف نكون النفس طاهرة مهذبة كما هي نفوس اولياء اولياء الله وعباد الله الصالحين.

النفس تتكامل كما وصفها الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (۹) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) )(9)، لما للقرآن يقول: تزكية النفس تهذيبها ترقيتها تكاملها:

اولا بتخليتها من الرذائل: كل نفس بشرية ما عدا النفوس الطاهرة ملوث ببعض الرذائل. واحد نفسه ملوث برذيلة الحسد، اخر نفسه ملوث برذيلة الغرور، ثالث نفسه ملوث برذيلة الكبر. رابع نفسه، ملوث برذيلة الحقد.

وهكذا النفوس البشرية ملوث برذائل اخلاقية. وهناك بعض النفوس البشرية تجتمع فيها رذائل اخلاقية متعددة. تعيش عدة رذائل اخلاقية في واقعها.

النفس إذا لم يهذبها الانسان من رذائل الاخلاق ويطهرها من الحسد ومن الغرور ومن الكبر ومن الرياء وما شاكل ذلك من الاخلاق السيئة يستحيل ان ترتقي نفس الانسان وتتكامل، ولذلك هذه تعتبر أصعب المراحل التي يحتاجها الانسان في مقام تهذيب النفس تخليتها من رذائلها هذه مرحلة اولى وهي مرحلة شديدة وخطيرة ولكن الانسان بإمكانه ان يطويها إذا سعى وبذل جهده.

مرحلة اخرى وهي مرحلة التحليل. إن النفس قبل ان نقوم بتخليتها من الرذائل كانت مملوء بالرذائل. فاذا كانت مملوء بالرذائل لا يمكن تحليتها بالفضائل، (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)(10).

فالنفس إذا كانت مملوءة بالرذائل لا يمكن تحليتها من فضائل إلا أن يعمل الانسان على تخليتها من الرذائل وعندها نكون جاهزة الى التحلية.

فبتخليتها من رذيلة الكبر يحليها حينئذ بفضيلة التواضع. وبتخليتها من رذيلة الحسد بعد ذلك يستطيع تحليتها بفضيلة محبة الاخرين. وهكذا مرحلة التحلي تأتي بعد مرحلة التخلي.

وهتان المرحلتان كما ذكرنا مرتبطتان بفعل الانسان نفسه.

وبعد ان يمر الانسان بهاتين المرحلتين تأتي

المرحلة الثالثة وهي مرحلة التجلي.

مرحلة التجلي ماذا تعني؟ تعني ان الله سبحانه وتعالى يتجلى لعبده بفيوضاته ونعمه فيفض على الانسان ما شاء بمقدار استعداد الانسان وبمقدار اهليته. فالقرآن يتحدث عن هذا: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(11).

جاهدوا فينا بان طهروا أنفسهم. وهذبوا أنفسهم. جاهدوا أنفسهم.

جاهدوا فينا بالتخلي والتحلي. هؤلاء المجاهدون ما هو جزاءهم، (لنهدينهم سبولنا). يتجلى الله لعباده فيفض عليهم بنعمه وتوفيقاته وعطاياه ومواهبه الى ما يشاء سبحانه وتعالى.

إذاً هذه مرحلة التجلي مرحلة اتصال العبد بالله ومرحلة افاضة الله على عبده ما شاء من العطايا والمواهب.

إذاً عندنا ثلاث مراحل لتكامل النفس. إذا عرفنا هذه المراحل الثلاث نأتي الى العلاقة بين فريضة الصيام وبين فريضة الحج.

لماذا ادعية شهر رمضان تركز على طلب فريضة الحج؟ لان العلاقة بين الفريضتين علاقة تكامل.

كيف تكون علاقتهما علاقة تكامل؟

فريضة الصيام ما هو أثرها؟ فريضة الصيام تنمي ملكتا التخلي عن الرذائل.

شهر الصيام ما هو، لو ذهبنا الى كلمات الفقهاء لوجدناهم يقولون الصيام كف النفس عن المفطرات المعروفة.

او بعض الفقهاء يعرف الصيام الامساك عن بعض المفطرات المعروفة. الصيام امساك. الصيام كف للنفس.

هذا الكف عملية تخليه. الانسان من خلال الصيام يربي نفسه على التخلي عن الرذائل.

والتخلي عن المعاصي. والتخلي عما تهواه النفس. لذلك شهر الصيام شهر التوبة شهر الانابة الى الله شهر طلب المغفرة من الله شهر الرجوع الى الله شهر العودة الى الله في شهر الصيام يقوم الانسان بتخلية نفسه بين يدي الله من معاصيه من سيئاته من رذائله فلا يخرج شهر رمضان الا وقد عاش الانسان عملية التخلي عن الرذائل والمعاصي من خلال عملية الصيام لما عاش مرحلة التخلي بعد شهر رمضان تأتي مرحلة التحلي. فالإنسان الذي تاب الى الله في شهر رمضان وتخلى عن رذائله يبدأ بتحلية نفسه بالفضائل حتى إذا ما جاء شهر الحج يصل الانسان الى مرحلة التجلي. في شهر الحج يتجلى الله لعباده.

وعندنا رواية متفق عليها بين الفريقين. ان الله تعالى في يوم عرفه يتجلى لعباده. الله تعالى في يوم عرفه يتجلى للعباد هي المسألة مسألة تكامل بين فريضة الصيام وفريضة الحج.

فريضة الصيام تؤسس مرحلة التخلي ما بعد شهر الصيام يؤسس مرحلة التحلي حتى اذا ما وصل الانسان الى شهر الحج بدأ يعيش مرحلة التجلي يتجلى الله لعباده في يوم عرفه. وكل يتجلى له بحسبه. كل واحد يتجلى له بمقدار استعداده.

وبمقدار ما يحتاج. فتفاض النعم على العباد في يوم عرفه. وهذه التجليات عامة للأشخاص الذين هذبوا نفوسهم.

وتجليات خاصة في شهر الحج. هذه لا تكون لكل أحد. تكون لبعض الاشخاص.

يا ابا عبد الله حل من احرامك. هذا التجلي للحسين فقط. يا ابا عبد الله حل من احرامك فان القوم قد عزموا على قتلك ولو كنت متعلقا بأستار الكعبة.

فوائد علاقة الحج وشهر رمضان في أدعية أهل البيت (عليهم السلام):

[اشترك]

تعزيز الروحانية والتقوى

زيادة التواصل مع الله والتفرغ للعبادة

تحفيز للتوبة والاستغفار

تعزيز الإيمان والثقة بالله

حضور الإمام الحجَّة في موسم الحج

حضور الإمام الحجَّة (عليه السلام) في موسم الحج

الذي يظهر من مطالعة الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) يحضر كلَّ موسم حجٍّ فيؤدِّي مناسك الحج ويرى الناس ويرونه ولكن لا يعرفونه.

فمن ذلك ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه"(12).

ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن محمد بن عثمان العمري قال: "سمعته يقول والله إن صاحب هذا الامر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه"(13).

كما اشارت آيات سورة الحج إلى بعض الحِكم التي تتحقق للحاج من حجه، ومن ذلك أن الحاج يشهد منافع له في الحج، يقول تعالى: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(14)، وأنه من الآثار الإيجابية المترتبة على الحج رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) في الحج، فمن تلك المنافع التي يشهدها الحاج هي رؤية الإمام (عليه السلام)، إذ فسرتها الروايات بانها واحدة من مصاديق ذلك، فالحج يُعد فرصة لرؤية الإمام (عليه السلام) لمن لا يعيش معه في نفس المكان، ولذا نجد بعض الروايات فسرت قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) برؤية إمامهم، فعن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: « قلت لأبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) قال: هو لقاء الإمام (عليه السلام) (15).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس، ص٧٩.

(2) إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس، ص٧٩.

(3) إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس، ص145.

(4) البقرة: 183.

(5) القدر:1.

(6) استفتاء حول ليلة القدر موقع مؤسسة السيد الخوئي/ https://www.al-khoei.us/fatawa1/?id=319.

(7) استفتاء حول ليلة القدر موقع المرجع الاعلى السيد السيستاني https://www.sistani.org/arabic/archive/25652/.

(8) الدخان: 3-4.

(9) الشمس: 9-10.

(10) يوسف: 53.

(11) العنكبوت: 69.

(12) كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق- ص 346. الكافي - الكليني- ج 1/ 338.

(13) كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق- ص 440.

(14) الحج: 29.

(15) جامع أحاديث الشيعة ج12 ص 156.

2025/03/12

ما هو الفرق بين الذنب والإثم؟

يختلط على كثير من المؤمنين الفرق بين مصطلحي "الذنب" و"الإثم". ورغم شيوع استخدامهما في الخطاب الديني والأخلاقي، إلا أن لكل منهما معنى دقيقاً ومقاماً خاصاً، فالذنب هو الفعل المخالف لأمر الله تعالى، أما الإثم فهو الأثر المترتب على ذلك الفعل.

ولعل في فهم هذا الفرق الدقيق ما يعين المؤمن على محاسبة نفسه وتقويم سلوكه في مسيرته نحو رضا الله تعالى. من هنا ينشر موقع الأئمة الاثني عشر إجابة سماحة الشيخ محمد صنقور عن الفرق بينهما وهو كما يلي:

ما هو الفرق بين (الذنب) و (الإثم)؟.. ومتى يُطلق على الإنسان المخطئ هذا (مذنب) أو هذا (آثم)؟

[اشترك]

الجواب: الذنب هو المخالفة لأمر الله تعالى أو نهيِّه الإلزاميين وأمَّا الإثم فهو الأثر المُتَرتِب على الذنب بمعنى انَّه إذا اجترح الذنب وفعله أصبح آثمًا.

فكلُّ مَن أذنب فهو آثم أي كلُّ مَن ارتكب الفعل المخالف لأوامر الله ونواهيه فقد أصبح مُستحقًا للإدانة مِن قِبَلِ الله تعالى وهو معنى الإثم.

فالإثم هو الاستحقاق للإدانة المسبَّبة عن الذنب. وبذلك يَتضح انَّ الذنب فعلٌ اختياريٌ للإنسان والإثم نتيجته.

وهو بيدِ الله تعالى بمعنى انَّه قد يَضع الإثم على الإنسان المذنِب وقد يرفعه عنه.

2025/02/19

للعمل وكسب المال.. نصائح من السيد السيستاني للشباب

مع تعدد سبل الكسب في زماننا، تأتي أهمية معرفة الرؤية الإسلامية في هذا الصدد، ومن هنا يعيد موقع الأئمة الاثني عشر نشر نصائح سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) للشباب المؤمن ونقتطف منها ما يخص نصائح العمل والمهنة.

[اشترك]

السعي في إتقان مهنة و كسب تخصّص، وإجهاد النفس فيه، والكدح لأجله، فإنّ فيه بركات كثيرة يشغل به قسماً من وقته، وينفق به على نفسه وعائلته، وينفع به مجتمعه، ويستعين به على فعل الخيرات، ويكتسب به التجارب التي تصقل عقله وتزيد خبرته، ويطيب به ماله، فإنّ المال كلّما كان التعب في تحصيله أكثر كان أكثر طيباً وبركة، كما أنّ الله سبحانه وتعالى يحبّ الإنسان الكادح الذي يجهد نفسه بالكسب والعمل، ويبغض العاطل والمهمل ممّن يكون كلاّ ً على غيره، أو يقضي أوقاته باللهو واللعب، فلا ينقضينَّ شباب أحدكم من دون إتقان مهنة أو تخصّص ٍ فإنّ الله سبحانه جعل في الشباب طاقات ٍ نفسيّة ً و جسديّة ً ليكوّن المرء من خلالها رأس مال ٍ لحياته، فلا يضيعنّ بالتلهّي والإهمال.

[اشترك]

وليهتم كلّ واحدٍ بمهنته وتخصّصه حتى يتقنها، فلا يقولنّ بغير علم ولا يعملنّ على غير خبرة، بل يعتذر فيما لا يستطيعه أو يعلمه أو فليرجع إلى غيره ممن هو أخبر منه، فإنّه أزكى له وأجلب للوثوق به، وليعمل عمله ووظيفته بنَفَسٍ واهتمام، وتذوّقٍ وإقبال، فلا يكون همّه مجرّد جمع المال ولو من غير حلّه، فإنّه لا بركة في المال الحرام، ومن جمع مالاً من غير حلّه لم يأمن من أن يفتح الله عليه من البلاء ما يضطرّ إلى إنفاقه فيه مع مزيد عناءٍ وابتلاء، فلا غنى به للمرء في الدنيا، وهو وبال عليه في الآخرة.

وليجعل نفسه ميزاناً بينه وبين غيره فيكون عمله لغيره على نحو ما يعمله لنفسه، ويحبّ أن يعمله له الآخرون، وليحسن كما يحب أن يُحسن الله سبحانه إليه، وليراع أخلاقيات المهنة ولياقاتها، فلا يتشبث بالطرق الوضيعة التي يستحي من أن يعلنها، وليعلم أن العامل والمتخصّص مؤتمن على عمله من قِبَل من يعمل له ويرجع إليه، فليكن ناصحاً له، وليحذرن خيانته من حيث لا يعلم، فإنّ الله تعالى رقيب عليه وناظر إلى عمله، ومستوفٍ منه إن عاجلاً أو آجلاً، وأنّ الخيانة والغدر لهما أقبح الأعمال عند الله سبحانه وأخطرها من حيث العواقب والآثار.

[اشترك]

وليهتمّ الأطباء بين أهل المهن بمزيد اهتمام بهذه النصائح لأنهم يتعاملون مع نفوس الناس وأبدانهم، فليحذرن كل الحذر من تخطّى ما تقدّم فإنّه يؤول إلى سوء العاقبة وإنّ غداً لناظره قريب.

وقد قال سبحانه عزّ من قائل: [وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ]، وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (إنّ الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وليهتم طلاّب العلم الجامعي والأساتذة فيه بالإحاطة بما يتعلّق بمجال تخصّصهم مما انبثق في سائر المراكز العلمية وخاصّة علم الطب حتّى يكون علمهم ومعالجتهم لما يباشرونه في المستوى المعاصر في مجاله، بل عليهم أن يهتمّوا بتطوير العلوم من خلال المقالات العلمية النافعة والاكتشافات الرائدة، ولينافسوا المراكز العلمية الأخرى بالإمكانات المتاحة، وليأنفوا من أن يكونوا مجرّد تلامذة لغيرهم في تعلّمها ومستهلكين للآلات والأدوات التي يصنعونها، بل يساهموا مساهمة فعّالة في صناعة العلم وتوليده وانتاجه، كما كان آباؤهم روّاداً فيها وقادةً لها في أزمنة سابقة، وليست أمة أولى من أمة بذلك، وعليكم برعاية القابليّات المتميّزة بين الناشئين والشباب ممّن يمتاز بالنبوغ ويبدو عليه التفوّق والذكاء حتّى إذا كان من الطبقات الضعيفة وأعينوهم مثل إعانتكم لأبنائكم حتّى يبلغوا المبالغ العالية في العلم النافع، فيكتب لكم مثل نتاج عملهم وينتفع به مجتمعكم وخلفكم.

[اشترك]

المصدر: موقع مكتب السيد السيستاني - نصائح سماحة السيد (دام ظلّه) للشباب المؤمن

2025/02/15

لماذا يعتبر شعبان فرصتك الأخيرة؟!

من الأمورِ الأساسيةِ والمهمةِ طوالَ العامِ للمؤمنين، اغتنامُ شهرِ شعبان - شهرٌ تتشعبُ فيه الخيرات. أنتم تعرفون أنَّ هذا الشهرَ، شهرَ شعبان، مرحلةٌ وسطيةٌ بين شهرِ رجبٍ وشهرِ رمضانَ المبارك.

[اشترك]

رأيتم طلابَ المدارسِ عندما يقتربُ منهم موعدُ الامتحان؟ قبلَ شهرين يصيبُهم اضطراب، وما قبلَ الشهرِ يزدادُ اقترابُهم، وقبلَ أسبوعٍ يزدادُ أكثر. هكذا المؤمنُ عندما يدخلُ شهرَ شعبان، حقيقةً يعيشُ هذا الهاجسَ أنه لم يبقَ من شهرِ رمضانَ المباركِ إلا شهرٌ واحد. وكما مضى شهرٌ بسرعة، كذلك شهرُ شعبانَ يمضي عليه.

مَن لم يُتقِن العملَ في شهرِ رجب - وكم من المحطاتِ العباديةِ فيه: ليالي البيض، المبعثُ الشريف، أعمالُ أمِّ داود وغيرها - ومَن لم يعملْ شيئاً في شهرِ رجب، فلن يعملَ شيئاً في شهرِ شعبان؛ إذ موجباتُ الكسلِ هي هي. ومَن لم يُوفَّق في شهرين كاملين، فإنَّ شهرَ رمضانَ أيضاً سيمضي كما مضى الشهران، وسيُفاجَأُ بعيدِ الفطرِ ويدُهُ خاليةٌ.

[اشترك]

فماذا نصنع؟ كما أوصينا، عادةً اليومُ والليلةُ الأولى متميزةٌ في الأشهرِ الثلاثة. حاوِلْ أن تغتنمَ الفرصةَ في الليلةِ الأولى وفي اليومِ الأول، هذا مفروغٌ منه. ليالي البيضِ من شهرِ شعبانَ مشهورةٌ، وشهرُ رمضانَ المباركُ أيضاً قمةُ المناسبات. ويبدو أنَّ أفضلَ ليلةٍ بعد ليالي القدرِ - وتُكتَبُ فيها المقدَّراتُ إجمالاً - هي ليلةُ النصفِ من شهرِ شعبان، قمةُ العطاءِ في هذا الشهرِ المبارك.

الآن، كما قلنا، ماذا نعمل؟ النظافةُ مستمرة. رأيتم المستشفياتِ؟ أرقى المستشفياتِ هكذا دائماً: التنظيفُ والتعقيم، وخاصةً إذا كان المريضُ مبتلىً بوباءٍ. نعم، الأرضُ والسقفُ والحيطانُ تُعقَّم، ويبلغُ التعقيمُ قمتَه - كما تعلمون - في غرفةِ العمليات، أجارنا اللهُ وإياكم من كلِّ سوء.

[اشترك]

فالأشهرُ الثلاثةُ المباركةُ، عقِّمْ يومَك وليلتَك. بأيِّ شيءٍ؟ بما ذكرناه: بالاستغفار. شهرُ رجب من أهمِّ معالمِه الاستغفار، وفي شهرِ شعبانَ أيضاً في كلِّ يومٍ استغفرِ اللهَ سبعين مرة. هناك صيغتان: "أستغفرُ اللهَ وأسألُه التوبة"، والصيغةُ الأخرى: "أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو، الرحمنُ الرحيمُ، الحيُّ القيومُ وأتوبُ إليه".

الترتيبُ فيه غيرُ متعارَفٍ، عليك الالتزامُ بما أُمِرنا. طبعاً عندما نقولُ سبعين مرة، ما رأيتُ أحداً يقولها في مجلسٍ واحد. البعضُ يستكثرُ أو يتكاسل، فما المانعُ أن يقولَها متفرقةً من الصباحِ إلى الليل؟ لو استغفرَ سبعين مرةً بتوجُّهٍ، موزَّعةً على صلاةِ الظهرِ والعصر، قبلَها وبعدَها، وقبلَ الغروب. المهمُّ أن يكونَ الاستغفارُ بتوجُّهٍ لا لقلقةَ لسان.

[اشترك]

هناك عملٌ مهمٌ سنذكرُه - بإذنِ الله - شرحاً لاحقاً: المناجاةُ الشعبانية. بعضُ المؤمنين ينتظرُ شهرَ شعبانَ ليُنادي بهذه المناجاةِ الراقية، وهي مناجاةُ عليٍّ وذريتِه. نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يرزقَك زيارةَ أميرِ المؤمنين لتتلوَ هذا الدعاءَ وأنت بجوارِ قبرِه الشريف. يا لها من مناجاةٍ عندَ صاحبِها!

2025/02/01

هل «العُزلة» أمر إيجابي؟

أود أن أسأل سماحتكم عن العزلة والخلوة الشرعية والاختلاء بالنفس، والتأمل في قدرة الله، عن فضلها وأثرها وكيفية أدائها بالشكل الصحيح، وكيفية الخشوع المطلوب؟ علماً بأنني فتاة لي من العمر 17 عاماً.

أفيدونا جزاكم الله خيراً وثبتنا الله وإياكم على الحق دائماً..

[اشترك]

الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي (ره):

لقد حث القرآن الكريم على التفكر والتدبر في آيات الله، وفي عجائب خلقه وصنعه، في موارد كثيرة، ومنها قوله تعالى: {..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * في الدنيا والآخرة}..[1].

وقال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}[2].

وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[3].

ووردت روايات تحث على التفكر والتدبر أيضاً، منها: ما رواه الكليني رحمه الله، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «نبِّه بالفكر قلبك، وجاف عن الليل جنبك، واتق الله ربك»..[4].

وعنه (عليه السلام): «التفكر يدعو إلى البر والعمل به»..[5].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان أكثر عبادة أبي ذر التفكر والاعتبار»..[6].

وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، إنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله»..[7].

والروايات في ذلك كثيرة جداً[8]، غير أنه لا بد من لفت النظر إلى أمرين:

أحدهما: أن التفكر يفرض تزويد الفكر بأدوات ووسائل ومواد يتصرف فيها، ويرتِّبها وفق معايير وضوابط، ليصل من خلالها إلى نتائج جديدة، لم يكن ليحصل عليها، لولا هذا التصرف فيما توفر لديه من معلومات..

ثم ينتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة الاعتبار، الذي يتمثل في إفساح المجال لما حصل عليه من معارف من خلال ذلك التفكر والتدبر، ليدخل إلى آفاق النفس، ويثير فيها حالة من الانفعال الإيجابي، المؤثر في إيجاد الحوافز للمبادرة إلى التحرز مما تفرض الحكمة التحرز منه، والاندفاع لتهيئة الوسائل والأدوات التي تصله وتوصله إلى ما يتحتم عليه الاتصال به، والوصول إليه..

ولا شك في أن الحصول على رضا الله سبحانه يأتي في المقام الأول في هذا السياق، ولعل هذا هو ما يقصده المحقق الطوسي حين قال: «التفكر سير الباطن من المبادي إلى المقاصد»..

وهذا معناه.. أنه لا بد من تغذية الفكر بالمعارف الحقة، والصحيحة، بالاعتماد على هدي القرآن، والاستفادة من مضامين الأحاديث الشريفة، الواردة عن أهل بيت العصمة بما في ذلك مضامين الأدعية والزيارات المرسومة، وخطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وغير ذلك..

ولا يكون التفكر مجرد حالة صمت، وإيحاء للنفس بالخوف والرهبة، بل مبدأ التفكر هو التدبر في آيات الله، والاطلاع على حقائق التكوين، وأسرار التشريع، وروائع الحِكَم التي زخرت بها المجاميع الحديثية عن أهل البيت عليهم السلام..

الثاني: قد ورد عنهم عليهم السلام النهي عن التفكر في ذات الباري جل وعلا. وقد عقد العلامة المجلسي في بحار الأنوار باباً لبيان هذا الأمر..[9].

وقد روي أن رجلاً قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل تصف ربنا، نزداد له حباً، وبه معرفة؟

فغضب، وخطب الناس، فقال فيما قال: «عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدسك فيه الرسول من معرفته، فائتم به، واستضئ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت، وكن من الشاكرين.

وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول، وأئمة الهداة أثره، فكل علمه إلى الله. ولا تقدر عليه عظمة الله على قدر عقلك، فتكون من الهالكين»[10].

فأمير المؤمنين (عليه السلام) يأمرنا بأن نأخذ بما ورد في القرآن، وعن الرسول صلى الله عليه وآله، والأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك يفرض علينا المبادرة إلى تعلم ذلك، وفهمه.. وأن لا نجعل للشيطان علينا سبيلاً، بالدخول في مداخل قد نضيع فيها، حيث لا يكون لدينا نور هداية، أو سبيل نجاة، من أعلام الهدى، وسفن وسُبُل النجاة..

 الهوامش:

[1] الآيتان 219 و220 من سورة البقرة.

[2] الآية 191 من سورة آل عمران.

[3] الآية 21 من سورة الروم.

[4] وسائل الشيعة ط (الإسلامية) ج11 ص153 ومعدن الجواهر ص32.

[5] سفينة البحار ج7 ص144.

[6] البحار ج22 ص431 عن الخصال.

[7] البحار ج75 ص373، وج68 ص325.

[8] راجع: البحار ج68 ص318 ـ 328 وغير ذلك.

[9] راجع: البحار ج3 ص257 ـ 267.

[10] تفسير العياشي ج1 ص163.

2025/01/19

فخّ تنبؤات آخر السنة: كيف يخدعك المنجمون؟!

يقول كثير من الناس: "خذ لي خيرة" حتى إن بعض النساء عندما ترى أمراً ما وتنظر في قضية ما، تكتشف أنه يريد كشف الغيب. والحق أننا في الشريعة الإسلامية ليس لدينا ما يكشف الغيب - لا منام يكشف الغيب. هؤلاء بعض الناس الذين يعتمدون على الأحلام، يقولون: "رأيت حلماً، وبالتالي سيحدث كذا". لا يوجد شيء اسمه "سيحدث كذا" في الغيب المستقبلي، إلا إذا كان عندك إمام معصوم.

[اشترك]

والإمام الآن غائب - إمامنا عجل الله فرجه الشريف -. لو كان حاضراً، لذهبنا إليه وسألناه: "يا ابن رسول الله، ماذا سيحدث غداً؟". لكن الآن، أي شخص يقول لك إنه يكشف الغيب المستقبلي، اعلم أنه يكذب.

لا منام يكشف الغيب المستقبلي، ولا الخيرة تكشف عن الغيب المستقبلي.

شاهدنا في الأيام الماضية المنجمين والعرافات، وكلما وقع حدث قالوا: "فلانة تنبأت بهذا الحدث".

هذا كلام باطل شرعاً، لا يجوز.

الرواية تسمي هؤلاء "العرافين"، وتقول: "من ذهب إلى عراف وصدق قوله، فقد برئ مما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم".

الإنسان الواعي والعاقل يدرك أن هؤلاء الدجالين لديهم عادة: في نهاية شهر ديسمبر وبداية السنة الجديدة، يجلس هذا الشخص على القناة الفضائية ويبدأ بذكر عناوين عامة: "خلال السنة ستموت شخصية كبيرة". أسألكم بالله، هل هناك سنة تمر دون موت شخصية كبيرة؟ كل سنة هناك شخصية لابد أن تموت.

عندما يقع حدث ما، يقولون: "ألم تسمع؟ فلانة تنبأت!" وهم يلعبون على وتر معين، ويصطادون بعض الناس المساكين. يقول أحدهم: "أنت مريض"، "لديك حالة صحية". من منا ليس مريضاً؟ من منا لا توجد لديه مشكلة؟

يأخذ السذج ويقول له: "لديك مشاكل عائلية، لديك أمراض"، ويأتي ليحل له مشاكله، ويعيش على هذه الأكاذيب.

دورنا يكمن في عدم تصديق هؤلاء الأشخاص. أكرر: لا منام، لا كشف على قولهم، لا عمل، ولا أي شيء. وكذلك الخيرة لا تكشف عن الغيب الواقعي، وإنما تحدد لك: هل تفعل أم لا تفعل.

مقتطف من فيديو لسماحة السيد حسين شبّر

2024/12/22

كيف تنجو بنفسك يوم القيامة؟ .. الجواب من آية الله الإيرواني

قال تعالى:- ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[1].هذا الدعاء من الادعية القرآنية، ويقال إنه من أدعية إبراهيم عليه السلام، وقد كان عندنا شخص في الكاظمة له كتاب جمع فيه الادعية القرآنية وسمّاه باسم ( الأدعية القرآنية ) وهو كتاب لا بأس به.

[اشترك]

وكما قلنا إنَّ هذا من أدعية إبراهيم عليه السلام، والحق أنه خزي عظيم أن يكون شخص فيه ملامح الصلاح في الدنيا ولكن لا يكون الأمر كذلك في الآخرة فإنَّ هذا خزي عظيم، فإنَّ الناس يعتقدون بنا خيراً، وعليه فلابد وأن يكون هذا الاعتقاد يطابقه ما في ذلك اليوم، اللهم اجعلنا كما يظن الناس بنا.

وفي ذلك اليوم العظيم كما نعرف لا ينفع شيئاً لا وجاهة ولا تدريس ولا شيخ فلان ولا غير ذلك وإنما الذي ينفعنا هو شيء واحد وهو العمل الصالح، وبتعبير آخر إنَّ الذي ينفع هو التقوى، فإن كانت موجودة فسوف يكون الإنسان من الآمنين، والمؤمن لكي يحقق هذه القضية - وهي عدم الخزي يوم البعث - يحتاج إلى أمرين، الأول التصميم على أن نسير بخط مستقيم، وأن نكون متدينين ونسير بالسيرة الإسلامية، فإنَّ البعض لا يوجد عنده مثل هذا التصميم، فمثلاً يجلس هنا يستغيب ويجلس هناك ويفعل شيئاً آخر.

ومن المعلوم أنَّ التصميم ليس بالأمر السهل وليس هو في اللسان فقط بل هو تصميم حقيقي من القلب على أن يسير سيرة مستقيمة. 

والثاني هو طلب التسديد والتوفيق من الله عزَّ وجل وعليه أن يكرر هذا الدعاء دائماً ويقول ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً وخذ بيدي في جميع اموري ).

اللهم بحق محمد وآل محمد لا تكلنا إلى أنفسنا طرف عين ابدا وخذ بأيدينا إلى رضاك، وأدخلنا الجنة بغير حساب مع النبي وأله الاطهار عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

 الهوامش:

الموعظة الأسبوعية لسماحة الشيخ الإيروانب ليوم الأربعاء :- 09 / جمادي الاخرة / 1446هـ ق  الموافق 11 / 12 / 2024م

[1] سورة الشعراء، ألآية 78، 88، 89.

 

 

2024/12/11

2024/12/07

حقيقة أم خرافة: ما هو موقف أهل البيت (ع) من الجن؟!

السؤال: ماهو موقف أهل البيت (ع) من الجن؟ ومن الذين يقولون إنهم تلبسهم جن وهل هناك كتب فى الرد على هولاء؟

 [اشترك]

الجواب من السيد عادل العلوي (رض):

بسم الله الرحمن الرحیم

ما يتلبس بهؤلاء هو الأوهام و ما يسمى في المنطق بالعلم الوهمي فانه ربما يتغلّب على ضعاف النفوس متى يتصوّر له الأشباح فيتخيلها أنها الجن.

و هذا لا يعني أنا ننكر الجن فلقد  صرّح القرآن الكريم بحقيقتهم إلا أنهم لا قدرة لهم للتسلط على الإنسان (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ...) ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ ).

راجع الكتب التالية :

1- مراتب و عجائب الجن كما يصوره القرآن و السنة : وجد الدين الشبلي من اعلام القرن الثامن

2- اللؤلؤ و المرجان في احكام الجان : لجلال الدين السيوطي

3- الجن بين الحقائق و الأساطير : علي الجندي

4- عالم الجن و الملائكة : عبد الرزاق النوفل

5- عالم الجن و الشياطين : عمر الأشهر ...

6- رسالة في ترجمان الجن : يوسف الخونساري

2024/10/21

منطقهم الصَّواب!

في خطبة المتّقين المعروفة والتي رواها الصَّدوق (ره) في الأمالي وصفات الشيعة، وغيرُه، وصف أمير المؤمنين (عليه السّلام) المتّقين بوصف لافت، قال فيه: «مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ». وهذا التوصيف للمتّقين بصوابيّة المنطق، وجعله أوّل فضائلهم دون الصّدق ملفت للنظر.

[اشترك]

وقد ذكروا أنّ الصّواب أخصُّ من الصّدق؛ لأنّ الصّواب هو أن لا يسكت عمّا ينبغي أن يقال، فلو سكت صار تفريطاً، وأن لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فلو نطق كان إفراطاً، بل يضع الكلام في موضعه اللّائق به، ويكون السّكوتُ كذلك في موضعه المناسب واللّائق به. ولذا صار الصّوابُ أخصَ من الصّدق لأنَّ الصّدق هو مطابقة الخبر للواقع دون النظر إلى زوايا أخرى من اللّياقة وعدمها، فقد يصدق الإنسان بالحديث ولا يكون كاذباً لكن الصّدق منه في هذا الموضع لا ينبغي، بمعنى أن الصّواب هو النطق بالصّدق في موضعه المناسب له، فإذا لم يكن الموضع مناسباً لم يكن الإنسان مصيباً، وإن كان صادقاً في قوله.

 

وهذا معناه أن المتّقين لا يكتفون بإحراز مطابقة كلامهم للواقع (الصّدق)، بل يلاحظون ما يستوجبه الظرف والحال، والحيثيّات والزوايا المختلفة، والمصلحة والمفسدة، قبل إلقائهم الصّدق والنطق به، فرُبَّ صدقٍ لا مصلحة في الثرثرة به، فالمتّقون لا يتكلّمون إلّا في موضع يتطلّب الكلام، وفي موضع يكون إلقاء الصّدق فيه مناسباً له.

 

وربطاً بهذا فأولى فضائل المتّقين وصفاتهم ليست هي الصّدق (إذ من دون صدق الحديث لا تتحقّق التّقوى، فكيف يكون الإنسان متّقياً ولا يكون صادقاً!) بل فضيلتهم أكبر من الصّدق، وهي الصّواب.

 

لذلك يُفترض بأهل الإيمان قبل الكلام والحديث التأنّي والرويّة، وأن يفكّر الواحدُ منهم ويلاحظ سائر الحيثيّات والجهات قبل نطقه بالصّدق (لا أن ينطق بالكذب، أو بغير حجّة) ليكون منطقه الصّواب، ويكن من أهل الفضائل. أما لو اختار أن ينطق بالصّدق (على افتراض صدقه) دونما نظر إلى سائر الحيثيّات والظروف والأحوال، فوقتئذٍ يكون صادقاً لكنه مع ذلك يصير نزقاً طائشاً وخارجاً عن اللّائق!

2024/10/21

تزكية النفس عبر الدعاء.. خطوات عملية

يمكن أن نحصر القول في أمرين: الأول: الانشغال بجمال وجلال المولى جل وعلا: إن الدعاء هو عبارة عن استحضار للمدعو في نفس الإنسان، فهو لا يدعو فراغاً أو مجهولاً.. بل يدعو جهة معينة ثابتة مشخصة في الفؤاد، وهو يتوجه إلى الله تعالى.. وبالتالي، فإن رب العالمين يتوجه إليه أيضاً، فيكون قلبه مهبطا للتجليات الإلهية، فالذي يدعو سوف يرى بعد فترة من المواصلة شيئاً فشيئاً، من آثار هذا الجمال الإلهي المودع في هذا الوجود.
إن الله سبحانه وتعالى تجلى بشيء من جماله، فخلق الورد، وخلق هذه الصور الحسان في عالم الخلقة، التي يعبر عنها البعض -كما نعلم- بملكة جمال الكون في عالم الصحف وغيره. فهو بإرادته رسم تلك الصور الجميلة التي تذهل الألباب.. فكيف بمن رأى تلك اليد التي ترسم هذه الصور الجميلة في عالم الطبيعة!.. وكيف بمن يريد أن يتجلى بشيء من هذا الجمال في ذاته، لا في طبيعته، ولا في بره وبحره!..
فإذن، إن الدعاء هو الالتفات إلى المدعو بجلاله وجماله، فمن التفت إلى هذا الجمال؛ زهد في كل جمال يزاحمه ولا يطابقه.
الثاني: الدعاء من مصاديق تصفية الذات: لا شك في أن من طلبات المؤمن الكبرى في دعائه، هو أن يزكي ذاته، فبإمكانه أن يروض نفسه، ويصل إلى مبتغاه بالسبل المشروعة، لا كما يفعل المرتاض في الهند في صومعته المزعجة، حيث يقف على الزجاج والشوك وما شابه ذلك.. أو يضع بذرة في التراب، ويقف في الشمس حتى تنمو هذه البذرة!.. إن الإنسان المؤمن في مكان مريح؛ يحصل على ما يريد.. فهذا موسى(ع) {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ويطلب من ربه شرح الصدر: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.
لو أن هذه الآية: -{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}- تحققت في حق مؤمن، لانتهت كل موجبات القلق في حياته، واندفع دفعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه، بدون أدنى مجاهدة.. وأيضاً هو لا يرى ميلاً إلى الحرام، ولا غرابة في ذلك؛ لأنه قد حظي بعناية المولى جل وعلا، فحبب إليه الطاعة وكرهه في المعصية.
فمن المعلوم أن رب العالمين يوم القيامة، قبل أن يدخل المؤمنين الجنة، ينزع ما في قلوبهم من حقد وحسد.. كما قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، فما المانع أن يسعى الإنسان إلى هذا الأمر وهو في الحياة الدنيا، فليس ذلك بعزيز على الله تعالى، أن يصفي قلب عبده المؤمن من كل الشوائب المانعة من الوصول إليه.

2024/10/12

زوجي مات.. هل يشعر بي إذا كلّمته؟!
بعد وفاة زوجي عفت الدنيا!.. فهل حرام أن أدعو بأن يلحقني به الله تعالى؟.. وهل حرام أن أدعو له دعاء كميل، وأكلمه كأنه معي؟.. وهل يشعر بي زوجي إذا كلمته؟ الجواب من سماحة الشيخ حبيب الكاظمي:

أولا لا بد من أن نسجل هنا نقطة إكبار لهذا الإحساس والوفاء الزوجي!.. ولا شك أن هذه من بركات الإسلام الذي يربي أتباعه على المحبة والألفة والوفاء، حتى أن ذلك يمتد أثره للمراحل الأخرى من الحياة بما يشمل البرزخ أيضا.. ومن الواضح أن هذه الروحية في التعامل نفتقدها في الاتجاهات المادية، التي ترى انقطاع الحياة مطلقا بانتهاء هذه الأيام القصيرة. 

وأما بالنسبة إلى ما تعيشينه من المشاعر، فإنني أدعوكم إلى التوسط في مجمل حركة الحياة، فإن الإفراط والتفريط كلاهما طرفان مجانبان للحكمة في السلوك العملي والشعورى.. إنا لا ندعو إلى عدم الحزن على فقد الزوج، بل إن هذه الحركة حركة مأجورة عند الله تعالى، فإن المؤمن وجود عاطفي كما هو واضح.. ولكن لا بد من صب هذه الحركة العاطفية في قالب منطقي، فمن ناحية لا بد من الاعتبار بالموت، وكيف أن الإنسان سيفارق حبيبه يوما ما، وهذا بدورة مدعاة إلى التعلق القلبي بالحي الذي لا يموت.. 

ومن ناحية أخرى فإننا نعتقد أن إهداء الأعمال الصالحة للميت، مما سيصل إليه قطعا لو قام بها العبد بشرائطها، فإن الله تعالى لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، وسواء كان العمل يراد به النفس أو الغير، فإن شرف العمل عند الله تعالى، يلازم وصول آثاره إلى العبد حيا كان أو ميتا.. ومن أفضل ما يسعد الميت في حياته البرزخية، هو القيام بصدقة جارية له من: بناء مسجد، أو طبع كتاب نافع، أو ما شابه ذلك. 

وأخيرا: ننصحكم بالابتعاد عن بعض الممارسات التي لم يرد بها أمر شرعي في زيارة الموتى.. وإن كنا نعتقد أنه لو ارتكب الحي خطأ في هذا المجال، فلا معنى للقول أن الميت يعذب بخطأ الحي، عملا بقاعدة: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

2024/06/30

كيف نستعدّ لـ «يوم عرفة»؟
ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ليالي القدر على أنها محطة للتكامل والتغيير الباطني، لأن ثواب ليلة تُعادل ثواب العمل في أكثر من ألف شهر.

[اشترك]

إن الإنسان الذي ينفرد في قمة جبل ليتفرغ للعبادة ثم يعبد الله في تلك الحال أكثر من ثمانين سنة وهي ألف شهر؛ لبلغ مقاما شامخا. أليست هذه السنوات الثمانين قد اختصرها سبحانه لنا في ليلة واحدة؟ أكثر من ثمانين سنة من العبادة الخالثة؛ فلا يتخلل هذه السنوات أكل ولا شرب ولا نوم ولا ما شابه ذلك. فلو اغتنم المؤمن هذه الليالي، ألا يصل إلى المقامات العالية؟ وقد يسأل سائل فيقول: أيعقل أن ينال الرجل في ليلة ما يناله العابد في سفح جبل في أكثر من ثمانين سنة؟ وأقول: نعم، يُعقل هذا. لأن الأول يتكل على جهده وصاحب ليلة القدر يتعرض إلى الفضل الإلهي. فالذي يُعطيك بأقل الأعمال جنة عرضها السماوات والأرض، يُعطي العباد مقام ألف شهر في ليلة واحدة.

إن يوم عرفة يشبه ليلة القدر في تفضل الله فيه على العباد. فمن فاتته ليلة القدر أو لم يُحيها كما ينبغي، فعليه أن يغتنم يوم عرفة الذي لم يُرى الشيطان في يوم ذليلا حقيرا كمثله. ولا ينبغي أن يقول قائل: إنني بحمدالله أديت ما علي في ليلة القدر، فتفوته فرصة يوم عرفة. لا نجد مؤمنا لا يدعو الله عز وجل في ليلة القدر ومع ذلك نرى الكثير من المؤمنين يشعرون بأنهم مقصرون وأنهم لم يُعطوا ليالي القدر حقها، ولذلك أعينهم شاخصة نحو هذا اليوم.

كيف نستعد لاغتنام الفرصة في يوم عرفة؟

فمن أيقن بعظمة يوم عرفة استعد له قبل مجيئه. إن من يُريد السفر، يشتري التذكرة ويحجز مكانا ويجدول سفره ذهابا وإيابا وإلى آخر ذلك. إننا نتهيئ لاستقبال شهر رمضان المبارك من خلال ما نقوم به من الأعمال في شهري رجب وشعبان ونستعد لليالي القدر في الأيام التي تسبق هذه الليلة من شهر رمضان المبارك. وينبغي أن نتهيأ لهذا اليوم كما هيأ الله موسى (ع) حيث وعده ثلاثين ليلة وهي الليالي الثلاين من شهر ذي العقد وأتممها بعشر وهي الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة كما ذهب إلى ذلك الكثير من المفسرين. وينبغي أن يلتزم المؤمن بصلاة بين المغرب والعشاء في العشرة الأولى من شهر شي الحجة يقرأ فيها بالإضافة إلى سائر التفاصيل التي ذكرتها كتب الدعاء قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)[١].

كان يتحسر على الحج، فقلت له: أين أنت عن زيارة الحسين (ع)؟!

لقد رأيت ذات يوم رجل في مشهد أمير المؤمنين (ع) يتحسر على الحج كثيرا وكان يحاول بشتى الطرق أن يجد للحج سبيلا. فقلت له: لماذا تتألم وباستطاعتك زيارة الحسين (ع)؟ هل الذي يزور الحسين (ع) مغبون أو خاسر؟ إن على المؤمن أن يسعى للحج الواجب بكل ما أوتي من مال وقوة حتى إن اضطر إلى أن يبيع بعض ما يملك إسقاطا للتكليف ولكن إن لم يُوفق لذلك فليكثر من الدعاء الذي نلهج فيه في شهر رمضان والذي نطلب فيه من الله حج بيته الحرام.

لقد كنا في مرات كثيرة في الحج يوم عرفة، وهو يوم تكتظ فيه الخيام ودرجة الحرارة عادة ما تكون مرتفعة ولا يوجد ظل أحيانا يُستظل به، ناهيك عن كثرة الضجيج والإزعجات والتقييد الذي يفرضه الإحرام وإلى آخر ذلك. ولكن الأمر يختلف عند الحسين (ع)؛ حيث الأجواء مهيئة وليس ثمة مزعج، ولا مزاحم، وهناك من يقرأ دعاء عرفة من أوله إلى آخره، وهو ملتصق بضريح الحسين (ع)  صاحب الدعاء. فهل تظن أن مقامك هذا مقام هين؟ إن هذا الإنسان جدير بأن يغبطه المؤمنون. فإذا فاتك الحج؛ لا تفتك زيارة الحسين (ع) في يوم عرفة. وقد تعطى عند الحسين (ع) ما لا تعطى عند غيره، لما روي عن الإمام الصادق (ع): (إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَبْدَأُ بِالنَّظَرِ إِلَى زُوَّارِ قَبْرِ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ)[٢].

هؤلاء يفضلهم الله على زوار بيته

وقد يعجب البعض من هذه الرواية ويعدها مبالغة وليس في الأمر مبالغة. تصور أنك دعوت أنا إلى منزلك ليلة، وهم ضيوفك، وأعزاء عليك، تُكرمهم وتُحسن وفادتهم. ولكن في الأثناء يُصاب ولدك بحادث سير فينزف دما وهو على وشك الهلاك؛ فيأتيه طبيب ويقف عليه ويأخذه إلى المستشفى ويهتم لك بعلاجه، ويرجعه لك حياً. في مثل هذه الحالة؛ هل تستقبل الطبيب أولا وبحرارة بالغة أم تستقبل زوارك؟ بالتأكيد تستقبل الطبيب، لأنه أنقذ ولدك. إن الحسين (ع) هو الذي نقرأ عنه في الزيارة: (اِسْتَنْقَذَ عِبَادَكَ مِنَ اَلْجَهَالَةِ وَحَيْرَةِ اَلضَّلاَلَةِ)[٣]. لقد خرج الحسين (ع) لطلب الإصلاح في أمة جده (ص)، ولولا الحسين (ع) لما بقي من الإسلام إلا اسمه. كيف لا وهو قد وقف أمام من كان يقول:

لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل

أين أنت عن هذا الكتاب؟

وهناك أعمال كثيرة في ذي الحجة وفي يوم عرفة؛ يجدر بالمؤمن أن يراجع كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس للوقف عليها، بغض النظر عن الأعمال التي وردت في كتب أخرى ككتاب مفاتيح الجنان وضياء الصالحين. إنه كتاب قيم لصاحبه الذي عُرف عنه أنه كان ممن يتشرف بلقاء الإمام المهدي (عج). لو أحصينا في تاريخ الغيبة الكبرى الشخصيات المعدودة التي تشرفت بلقاء إمام زمانها؛ لكان هذا السيد الجليل أحدهم، وكان يُلقب بسيد المراقبين، وجمال السالكين.

ورد في الإقبال؛ أن من يريد يوم عرفة مميز، فلابد وأن يهيأ نفسه من أول النهار. إذا انشغل المؤمن أول النهار بالقيل والقال وبالسوق والعمل؛ كيف يُقبل في دعائه؟ يأخذ الكثير إجازة لأسبوع أو أسبوعين، من أجل الاصطياف في الجبال العالية  والوديان السحيقة، والأجدر بهؤلاء أن يُخصصوا بعض هذه الإجازات لأيام العبادة كالعشرة الأولى من شهر ذي الحجة. إن يد الشيطان مغلولة في شهر رمضان المبارك، والمؤمن في ضيافة الله سبحانه، أنفاسه تسبيح ونومه عبادة؛ ولكن الشيطان لا يدعه وهذا المكاسب وإنما يُحاول النتقام منه في أول أسبوع من شهر شوال، فإن فلت منه في تلك الأيام، تربص به في يوم عرفة ليرحمه الدعاء والمناجاة.

يا حذار من العقاب في يوم عرفة

ألسنا نقرأ في دعاء أبي حمزة: (اَللَّهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ وَقُمْتُ لِلصَّلاَةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاساً إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ)[٤]. فقج تفتح في يوم عرفة كتاب المفاتيح؛ فيلقى عليك النعاس، وتبتلى بقسوة القلب. إن رجلا شكا إلى أمير المؤمنين (ع) أنه لا يقوم لصلاة الليل، فقال له (ع): (احدنا يشتري منبهة، ساعة، يوصي أهله ليوقظوه، لا ينفع الجثة الهامدة، الامام ذكر السبب؛ قال: (أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ قَيَّدَتْكَ ذُنُوبُكَ)[٥]. قد تشتري أفضل المنبهات وتوصي أهلك أن يوقظوك لصلاة الليل مثلا وقد تنام باكرا ومع كل ذلك لا تستيقظ، لأن الله سبحانه يريد أن يعاقبك.

فاحذر العقاب في يوم عرفة أيضا. إنني كنت أرى في بعض الخيام في الحج من الحجاج من جاء إلى الحج، ودفع الأموال، وهو ينتظر لسنوات، وفي يوم عرفة وقت الزوال، يصلي صلاة سريعة؛ لئلا يفوته طعام الغداء…! ثم يكثر من الطعام فيثقل ويستلقي في زاوية الخيمة، ثم يدعو وهو مستلق على الأرض أو يسمع دعاء الآخرين. ثم بعد ذلك يؤذن المؤذن ويذهب إلى مزدلفة. إن هذا الرجل لم يُكرمه الله عز وجل ولم يدعوه إلى بيته وإنما أتى إسقاطا للتكليف. فإذا أردنا ألا نُبتلى بذلك؛ فينبغي لنا الاستعداد ومراقبة القول والنظر فضول الكلام، والهذر، والنظرة المحرمة، وإلى آخر ذلك.

من أهم التهليلات في أيام ذي الحجة

وما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام؛ أيام عشرة ذي الحجة، وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي اَلْحِجَّةِ يَقُولُ هَذِهِ اَلْكَلِمَاتِ عَشْرَ مَرَّاتٍ عِنْدَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا: لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ اَللَّيَالِي وَاَلدُّهُورِ لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ أَمْوَاجِ اَلْبُحُورِ لاَ إله إلا اَللَّهُ رَحْمَتُهُ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ  لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ اَلشَّوْكِ وَاَلشَّجَرِ لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ اَلشَّعْرِ وَاَلْوَبَرِ لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ اَلْحَجَرِ وَاَلْمَدَرِ لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ لَمْحِ اَلْعُيُونِ لاَ إله إلا اَللَّهُ فِي اَللَّيْلِ إِذٰا عَسْعَسَ، وَفِي اَلصُّبْحِ إِذٰا تَنَفَّسَ، لاَ إله إلا اَللَّهُ عَدَدَ اَلرِّيَاحِ فِي اَلْبَرَارِي وَاَلصُّخُورِ لاَ إله إلا اَللَّهُ)[٦].

وهي تهليلات منعشة لو تأمل فيها الإنسان. وإن البعض ليعجب من الأعداد الهائلة النجومية، وعدد الشعر والوبر، ويقول: كم على الأرض من الدواب؟! وكم من الأمواج؟! وكم هي لمح العيون في كل يوم لمليارات البشر؟ لو جمعت هذه الأعداد لتجاوزت مليارات المليارات، فكيف يُعطي الله سبحانه هذا الأجر على هذه الكلمات البسيطة؟ نعم، يُمكن لرب العالمين في مجلس واحد أن يعطيني هذا الأجر العظيم.

لماذا تستغرب من عطاء الله؟

ولا تستغرب من عطاء الله هذا. لقد سبق أن عامل رب العالمين المؤمنين بهذه المعاملة. إن المؤمن يعبد الله ستين سنة ناقصا منها أيام البلوغ، وأيام الجاهلية وساعات الأكل والشرب والنوم؛ فيُعطيه الله سبحانه أبد الآبدين ويبقى في الجنان إلى ما شاء الله. إن الرب الذي يعطيك الخلود بعمر قصير؛ ما المانع من أن يعطيك هذا الأجر العظيم بهذه الكلمات؟ فكما يقول العلماء: لا فرق عند صاحب الإرادة الخلاقة؛ بين الصغير والكبير. قد تتمنى المرأة قطعة من الذهب صغيرة فيشتريها لها زوجها ولكنه إن أرادت صحنا ذهبيا قد لا يُمكنه ذلك. إنك تستطيع أن تقول لها: تخيلي صحنا من ذهب أو فضه وهي تتخيل ذلك؛ فالتخيل سهل ولكن الإرادة والشراء صعب. إلا أن الله سبحانه إرادته واقعية، فإذا أراد شيئا يكون، ولا فرق في ذلك بين الصغير والكبير. إن إرادتك خيالية، وإرادة رب العالمين إرادة واقعية.

إن قوام التسبيحات؛ التهليل، فما هو التهليل؟

لا إله إلا الله تعني: يا رب، لا إله غيرك ولا مؤثر في الوجود إلا أنت. لقد انتهى ذلك الزمن الذي تُعبد فيه اللات والعزى وانتهى زمن الأصنام. وإنما ينبغي ألا يعتقد المؤمن في قرارة نفسه؛ أنه لأحد غير الله تأثير في هذا العالم. اذهب إلى الطبيب، وليقم لك بالعملية المطلوبة؛ ولكن قبل أن تدخل غرفة العمليات، قل: يا رب، أنت الشافي، وأنت الكافي؛ فقد يخون هذا الطبيب العلاج. وتقدم لخطبة من تريد، ولكن قل: يا رب، إن قلوب العباد بيديك، وما علي إلا أن أتقدم؛ فلين قلبها لي. وإذا لم يلن قلبها، فاشكر الله عز وجل على أنه لم يُردها لك زوجة لأنها لا تناسبك. فبعض الشباب يصر على امرأة وهو لا يعلم صلاحه، والأجدر به أن يوكل الأمر إلى من يعلم مصالحه ويأخذ بيده إلى مراشده.

الهوامش: [١] سورة الأعراف: ١٤٢. [٢] كامل الزيارات  ج١ ص١٧٠. [٣] المزار الکبير  ج١ ص٤١٧. [٤] البلد الأمین  ج١ ص٢٠٥. [٥] الکافي  ج٣ ص٤٥٠. [٦] إقبال الأعمال ج١  ص٣٢٤.
2024/06/15