بالفيديو: للذين تحكمهم هذه العقدة النفسية... نهديكم «بيضة كولمبوس»!!

كتب المؤرخ الإيطالي "جيرولامو بينزوني" في كتابه تاريخ العالم الجديد أنه: 
كان كولومبوس يتناول العشاء مع عديد من النبلاء الأسبان عندما قال أحدهم: "سيد كريستوفر، حتى إذا لم يكتشف أسطولك الأمريكتين فإنه سيكون هنا في اسبانيا -والتي هي بلد مليئة بالعديد من الرجال الخبراء في علم الملاحة والأدب- على الأقل رجل والذي سيُطلق رحلة مماثلة ويجني نفس النتائج". 

آنذاك لم يرد كولومبوس، وطلب أن يُحضر إليه بيضة. ثم وضعها على المنضدة أمامه وقال: "سادتي، سوف أتحدى أيا منكم بأنكم غير قادرين على جعل هذه البيضة تقف على طرفها مثلما سأفعل بدون أي وسيلة عون أو مساعدة".

تعرّف على باقي تفاصيل القصة من خلال هذا الفيديو الذي اعده «فريق أبعاد الإعلامي»

2018/06/26

غيرة الرجل على زوجته: مذمومة أم ممدوحة؟! (فيديو)

إن هناك قسماً من المحرمات ينافي الفطرة، فحتى الإنسان السليم السوي ولو من غير دين، يرفض هذا الحرام؛ كالاعتداء على الغير بسرقة الأموال، وغيرها من الذنوب.. ومن هنا فإن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يخاطب أعداءه يوم عاشوراء قائلاً: (ويحكم ياشيعة آل أبي سفيان!.. إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم)!.. فبعض الأمور حتى غير صاحب الدين يلتزم بها.. لذا، فإن من يخالف هذا الأمر الوجداني كأن له عقوبة مغلظة، يقول تعالى في سورة "الفرقان" واصفاً عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا).. ومن تلك الأمور الوجدانية؛ غيرة الإنسان على زوجته.

أولاً: إن هناك قسماً من الناس لا يشعر بالغيرة على زوجته، وكأنه لا يرى لها اختصاصاً بالنسبة له؛ وهذا الأمر من سلبيات هذا العصر الذي ظهر فيه الفساد في البر والبحر!.. فبعض الناس يرتاح عندما يرى الآخرين ينظرون إلى زوجته بريبة أو بشهوة؛ ويفرح في قرارة نفسه؛ لأنه يظن -حسب منطقه- أن ذلك يكشف عن إعجاب الناس، وهذه التي يُعجب بها الناس: هي زوجته، وهي له، وهي ملكه!.. والحال بأن هذه الصفة من أقبح الصفات في الإنسان، هذا يُسمى في الاصطلاح الفقهي بـ"الديوث"؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله،: "إنَّ الجنَّة ليوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجدها: عاق، ولا ديوث.. قيل: يا رسول الله، وما الديوث؟.. قال: الذي تزني امرأته وهو يعلم بها".. هذه مصيبة كبرى، بعض الناس -مع الأسف- ولعله من المسلمين ومن أنصاف المؤمنين؛ يرى زوجته في محل تجاري وهي معه، تفاكه البائع وتمزح معه بشكل لا يليق، من أجل أن يخصم لها ديناراً أو دينارين.. وهذا أيضاً قريب من المعنى؛ لأن الزنا له درجات، فحتى العين تزني في بعض الأوقات.. وعليه، فإن الزوج الذي يرى زوجته تتكلم مع الرجال كلاماً غير شرعي؛ هذا ديوث صغير -إن صح التعبير-!..

ثانياً: إن الغيرة ممدوحة عموماً، ولكن هناك غيرة مذمومة، ومنها:

1. غيرة النساء: إن غيرة النساء -في بعض الحالات- تكون في غير محلها، فإذا قام الزوج بأي عمل؛ يفسر تفسيراً غير شرعي.. هذا المعنى موجود في عامة النساء، من باب حب التفرد.. ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغْيْرَةُ الرَّجُلِ إيمَانٌ"؛ فهي بعض الأوقات تطلب من الرجل ما يتجاوز الحكم الشرعي.. إذن، هذه غيرة مذمومة.

2. غيرة الرجل من دون سبب: إن هذه الحالة عند الرجال، هي من الغيرة المذمومة أيضاً.

أ- عن رسول الله، صلى الله عليه وآله،: "من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله.. فأما ما يحب؛ فالغيرة في الريبة.. وأما ما يكره؛ فالغيرة في غير ريبة".. الرواية جداً صريحة وجميلة، فروايات أهل البيت (عليهم السلام) تقسم الأمور تقسيماً جميلاً..

- "فأما ما يحب؛ فالغيرة في الريبة".. أي إذا كان هناك حركة غير طبيعية، مشكوك فيها، أو إذا كان هناك أمر مريب؛ هنا يجب على الإنسان أن يغار.. كأن يرى ابنته -مثلاً- تحدث شاباً!. عندئذ يشك في الأمر، فيسألها عنه وعن صلتها به.

- "وأما ما يكره؛ فالغيرة في غير ريبة".. مثال ذلك: كأن يمشي الرجل مع زوجته في مكان عام، وإذا به يقول لها: لماذا تنظرين إلى الرجال؟.. من أين علم أن هذه الزوجة المؤمنة تنظر نظرة محرمة؟.. فالإنسان عندما ينظر في مكان مفتوح، يمكن أن يحدق في حرام، ويمكن أن ينظر بشكل عام.. فإذن، إذا الجو لم يكن فيه ريبة، لا معنى لهذه الغيرة!.

ب- يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، في وصيته لابنه الحسن، عليه السلام: "إياك والتغاير في غير موضع الغيرة!.. فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم".

- "إياك والتغاير في غير موضع الغيرة"!.. التغاير يعني بذل الغيرة في غير موضع الغيرة.

- "فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم".. عندما يلقن الزوج زوجته بأنها غير عفيفة -وهي بريئة-؛ فإن هذه المرأة بعد فترة يذهب حياؤها.. فيكون هو -من دون أن يشعر- قد لقنها ذلك؛ عندئذ من الممكن أن ترتكب الحرام.. لأن الشيطان يدخل على الخط، فتقول بلسان حالها: مادام الزوج يشك فيك، ولا يرى لك عفة؛ فافعلي ما تشاءين! بعض الأوقات الإنسان بسوء تصرفه، يحول زوجته أو ابنته إلى سقيمة.

ثالثاً: يقول الإمام علي، عليه السلام: "ألا تستحيون أو تغارون؛ فإنه بلغنى أن نساءكم يخرجن فى الأسواق، يزاحمن العلوج".. إن ما يحصل -هذه الأيام- في الأسواق والأعراس، يجعل المؤمن له الحق في أن يغار!.. فعندما يأخذ الإنسان زوجته إلى السوق، عليه أن يجعلها في حمايته، مثلما يفعل في الطواف، حيث تكون عينه على زوجته؛ لئلا يصطدم بها أحد.. أسواقنا

هذه الأيام، أشد ازدحاماً من الطواف في بعض الحالات، وشتان ما بين أجواء الطواف وأجواء الأسواق!.

- "ألا تستحيون أو تغارون".. الشيعي، الموالي، المسلم، الإنسان عليه أن يستحي!.

- "فإنه بلغنى أن نساءكم يخرجن فى الأسواق، يزاحمن العلوج".. بعض الأوقات عندما تذهب المرأة لتشتري من السوق، فإنها قد تصطدم بالرجال عشرات المرات، بالإضافة إلى الشباب الذين يكونون في المنعطفات وينظرون إليها نظرة غير شرعية.. فإذن، الأسواق من مواطن الغيرة بالنسبة للرجل.. حتى أن هناك بحثاً فقهياً في بحث الحج والعمرة: هل يحسن الطواف المستحب للمرأة إذا كان هناك ازدحام، أم أنه يفضل أن تجلس وتصلي وتقرأ القرآن في المسجد الحرام؟!.. البعض يقول: لا رجحان لهذا الطواف المستحب، إذا كان يلازم الالتصاق بالرجال وغيره.. فإذن علينا أن نرعى هذا المعنى.

رابعاً: إن الأئمة، عليهم السلام، أكدوا على موضوع الغيرة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "كانَ إبراهيمُ أبي غَيوراً وأنا أغيَرُ مِنهُ، وأرغَمَ اللَّهُ أنفَ مَن لا يَغارُ مِن المؤمنين".

2018/06/06

المرجعية العليا: ثلاثة أركان للإصلاح في العراق

كيف تعاملت الأمم والشعوب مع هذه الحركة الإصلاحيّة؟ وما هو السبيل الصحيح والتعامل الصحيح مع هذه الحركة الإصلاحيّة؟ من أجل أن نجني ثمار هذه العمليّة في إصلاح المجتمع وإصلاح أنفسنا والوصول الى النتيجة النهائيّة من سعادة الفرد والمجتمع وكماله.

قد يقول قائل: ما هو الهدف أن نتعرّض الى بيان الحركة الإصلاحيّة للأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) فالأنبياء رحلوا والأئمّة (عليهم السلام) رحلوا، لكنّ الإمام الغائب موجود، الإمام المعصوم حجّة الله في الأرض موجود الى يوم القيامة، ما هو الغرض في الوقت الحاضر؟! نحن نريد أن نربط الماضي مع الحاضر، ونستفيد من تلك التجارب التي مرّت بها الأمم والشعوب في كيفيّة تعاملها مع قادة الحركة الإصلاحيّة الحقيقيّة، وكيف نكون من تلك الفئة التي تعاملت وفق المنهج الإلهي مع تلك الحركة الإصلاحيّة، ولا نكون من أولئك الذين وقفوا ضدّ هذه الحركة الإصلاحيّة أو لم يتعاملوا معها التعامل الصحيح، نبيّن ما هو الوجه في ذلك؟

إنّ حركة الإصلاح في المجتمع هي جوهر ومحور حركة الأنبياء وحركة الأئمّة، تأمّلوا في الآيات القرآنية التي من خلالها بيّن الأنبياء(عليهم السلام) لمجتمعاتهم وأممهم ما هو الغرض من بعثتهم الى تلك الأمم والشعوب، وكذلك الأئمّة(عليهم السلام) ساروا على ذلك المنوال، أذكر آيةً واحدة من الآيات الكثيرة التي بيّن فيها الأنبياء ما هو غرضهم من هذه البعثة، وما هو غرضهم من دعوتهم، كما ورد في سورة هود الآية الثامنة والثمانون: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ...) لاحظوا العبارة، وما هو الغرض وما هو الهدف وما هو المقصد (...إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

هناك صلاحاً وهناك إصلاحاً، فرقٌ بين الأمرين، الصلاح طبعا ينتج من حركة الإصلاح صلاح الفرد لذاته، الإصلاح حركة في المجتمع يُراد منها إصلاح جميع الأحوال وجميع شؤون الحياة للمجتمع، في مختلف المجالات العقائديّة الفكريّة الثقافيّة الاجتماعيّة التربويّة السياسيّة وجميع المجالات التي يحتاج اليها المجتمع، هذه نقطة. النقطة الثانية أنّ المجتمعات في مختلف الأزمنة والأمكنة منذ عهد البشريّة الأولى الى يوم القيامة، هناك فساد هناك انحراف وهناك ضلال هناك باطل هناك رذيلة، في مقابل ذلك هناك حقّ وهناك صلاح وهناك خير وهناك فضيلة لابدّ أن تكون هناك حربٌ طالما هذه الأمور موجودة، وهذا الفساد والانحراف والضلال يقود الى هلاك المجتمع وتعاسته في الدنيا والآخرة، فلابدّ ومن الضروري أن تكون حركة الإصلاح مستمرّة لا تتوقّف ولا تبقى مرهونة بعهد الأنبياء والأئمّة، الله تعالى جعل في كلّ زمان هناك حجّة له في الأرض هو يقود حركة الإصلاح، فإذن نحن مع مرور الأزمنة منذ عهد الأنبياء الى يوم القيامة هناك صراع بين الفساد والصلاح وبين الحقّ والباطل وبين الفضيلة والرذيلة وغير ذلك، هذه الحركة الإصلاحيّة ضروريّة لأنّ سعادتنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة تتوقّف عليها، فلابدّ لهذه الحركة أن تستمرّ والمهمّ هو كيف نتعامل معها.

بعد هذه المقدّمة نبيّن ما هي الأركان والأسس للعمليّة الإصلاحيّة عند الأنبياء وعند الأئمّة وفي الوقت الحاضر، التي لو اجتمعت أمكن أن نحقّق النتائج، أنّه نحن نسعى، نصلح، نحقّق الحياة التي نرجوها، ثلاثة أركان، الشيء الأوّل توفّر النتائج الكاملة للحياة في جميع شؤونها، عقائدية فكرية ثقافية اقتصادية اجتماعية مالية تربوية، جميع شؤون الحياة وجميع احتياجات حياة الإنسان، المنهاج الذي يعالج مشاكل وأزمات الإنسان، المنهاج الذي يتوافق ويتّسق مع فطرة الإنسان، هذا واحد. الشيء الثاني القادة المصلحون قادة الحركة الإصلاحيّة، هؤلاء ليس كلّ من يدّعي، قادة الإصلاح يجب أن تتوفّر فيهم صفات حتّى يتمكّنوا من قيادة الحركة الإصلاحيّة، تبليغ الناس بهذا المنهاج المتكامل للحياة، تطبيق المنهج الإصلاحيّ بتمامه على أنفسهم، توفّر الصفات الفضلى من الورع والتقوى وغيرها ممّا يجعلهم قادة قادرين على حركة الإصلاح، وتوفّر مقوّمات القيادة أن يقودوا المجتمع لحافّة الإصلاح.

 

الركن الثالث الذي سنركّز عليه، وهو مسألة الاستجابة والوعي والتفهّم والانقياد والطاعة من قبل شرائح المجتمع المراد إصلاحها لقادة الإصلاح، -التفتوا- قادة الإصلاح مَنْ تتوفّر فيهم الصفات التي ذكرناها، وإنّ المجتمع المراد إصلاحه لأنّ فيه الفساد فيه القلق وفي كلّ مجتمع هناك هذه الأمور، هذه الشرائح بأجمعها لابدّ أن تستجيب وأن تبقى تطيع قائد الإصلاح في جميع ما يأمر به وجميع ما يوجّه اليه، الآن ما يهمّنا التركيز عليه هو الركن الثالث من مقوّمات وأسس الإصلاح، لماذا؟ نحن لدينا اطمئنان أنّ الركن الأوّل متوفّر وهو المنهاج المتكامل للحياة، والركن الثاني متوفّر، النبيّ والإمام والعلماء المصلحون الذين جُعلوا حججاً في الأرض، قادة الإصلاح الحقيقيّون موجودون في كلّ زمان، الإمام غائب عن أعيننا وجعل هناك نظاماً، علماءٌ صالحون تتوفّر فيهم صفات القيادة للحركة الإصلاحيّة، ما يهمّنا في الوقت الحاضر هو توفّر الركن الثالث وهو الاستجابة والانقياد والطاعة للمنهاج الذي يضعه القائد -قائد الإصلاح-.

الآن فلنتأمّل الآيات القرآنيّة، حركة التاريخ التي مضت عبر الأزمنة بتمامها، كيف تعامل الناس مع الحركة الإصلاحيّة؟ بيّنت الآيات القرآنية والتاريخ أنّ الناس على ثلاث فئات، فليلتفت أحدكم -والجميع مخاطبون- أن لا يكون أحدٌ من هذه الفئات الثلاثة التي تعاملت بالضدّ مع الحركة الإصلاحيّة، ونذكر هذه الفئات الثلاثة بالتوالي، الأولى وهي الطبقة المتنفّذة في المجتمع بسبب تنفّذها وتسلّطها في المجتمع، إمّا بسبب موقعها السياسيّ أو المالي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الإعلامي والتي بسبب ذلك تسلّطت على مختلف شؤون الحياة للناس، وهذه الطبقة هي الأكثر تمرّداً ورفضاً، وهذا ندرسه من خلال بعض الآيات القرآنيّة وكيف كان التعامل مع الأنبياء في بعض الحركات الإصلاحيّة، هذه الطبقة هي الأكثر تمرّداً ورفضاً للحركة الإصلاحيّة بسبب استكبارها وخشيتها من فوات مصالحها السياسيّة أو مصالحها الدنيويّة، وأنفتها واستعلائها على الحركة الإصلاحيّة، وهي الطبقة الأكثر خطراً على الحركة الإصلاحيّة والأكثر ضرراً بالحركة الإصلاحيّة، حينما يطرح القرآن الكريم قصص الأنبياء في قيادة حركتهم الإصلاحية للمجتمع، كيف كان الناس يتعاملون مع الأنبياء في حركتهم الإصلاحية، الكثير من الآيات القرآنية تذكر صفة وهي قضيّة الاستكبار والاستعلاء والأنفة والرفض لهذه الحركة الإصلاحية، سأذكر آية واحدة وأنتم لو تأمّلتم ستجدون الكثير من الآيات تذكر هذه الصفة، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ) هذه الطبقة الأولى.

الطبقة الثانية وهي الطبقة الجاهلة أو غير الواعية، التي ليس لديها الوعي الكافي أو النضج الكافي بالحركة الإصلاحيّة وبالأجواء التي تُحيط بها، وهؤلاء الذين ينساقون ويسيرون وينعقون خلف كلّ ناعق، خصوصاً مع وجود الوسائل الإعلاميّة القادرة على التضليل والتجهيل، هؤلاء بسبب قلّة وعيهم وعدم نضجهم وعدم دراستهم لحقائق الأمور يسيرون خلف كلّ جهة، خصوصاً تلك الجهات التي تملك التأثير الإعلاميّ الواسع وتنهج نهج التضليل والتجهيل، وهؤلاء هم الذين يقفون ضدّ الحركة الإصلاحيّة، أمّا الطبقة الثالثة هي الطبقة التي تتحكّم بها الأهواء والشهوات والأمزجة الشخصيّة، وهذه الطبقة أحياناً تسير خلف نزعاتها القوميّة أو العشائرية، أو تلك الطبقة التي تكون أسيرةً لفكرها في الماضي ولا تقبل أيّ نقاش في هذا الإرث الفكري الماضي لها، هذه الثلاث طبقات التي يكون موقفها سلبيّاً تجاه الحركة الإصلاحيّة، هؤلاء جميعاً يقعون في العمى القلبي والنفسي الذي يجعلهم يرفضون دعوة الإصلاح، ويكون موقفهم سلبيّاً تجاه حركة الإصلاح ويمنعهم بالتالي هذا العمى القلبيّ الناتج من هذه الأمور يمنعهم من رؤية الحقّ واتّباعه.

أشير الى نقطة مهمّة، كما ورد في الكثير من الآيات القرآنيّة، وهي كيف أنّ تلك الطبقة المتنفّذة في المجتمع والمتسلّطة على شؤون المجتمع، كانت تحاول أن تثني الناس عن الأنبياء والانقياد اليهم، باتّهام الأنبياء بمختلف الاتّهامات، تارةً هذا النبيّ على ضلال، وتارةً يضلّل الناس، وتارةً يتّهمونه بالسحر والكهانة والكذب والافتراء، وتارةً يحاولون تسقيط شخصيّته الاعتباريّة والاجتماعية من أجل أن يُبعدوا الناس عن القائد -قائد الحركة الإصلاحية- ولا يتّبعوه،  إنّ هذه الطبقة لا تعتمد نفس العناوين التي كانت توجّهها الى الأنبياء والمصلحين، وإنّما تختار عناوين بحسب الأمكنة والأزمنة، ففي كلّ زمان ومكان يختارون عنواناً يستطيعون من خلاله النفوذ الى عقول وعواطف وقلوب البسطاء من الناس، لكي يحرفوهم ويمنعوهم عن اتّباع قائد الحركة الإصلاحيّة واتّباع منهجه، وأقول هنا: وهذا يجري حتى في هذه الأزمنة، فإذا تصدّى العالم الدينيّ لإصلاح جانب ممّا فسد من أمور المسلمين، فتارةً تشكّك في أهليّته في التصدّي للإصلاح، وتارةً تحاول إبعاده عن قلوب الناس بمختلف الشبهات والتشكيكات لتحطّ من مكانته الاجتماعيّة ليقلّ تأثير كلامه في المجتمع، ولكن في مقابل ذلك -نأمل ونسأل الله تعالى أن تكونوا من هذه الطبقة التي سنذكرها الآن-، واحذروا أن لا يكون الواحد منكم من تلك الفئات الثلاث والخطاب للجميع، بل يكون الواحد منكم من هذه الفئة، وفي مقابل ذلك نجد الطبقة المؤمنة والواعية تلتزم بالتوجيه الإلهيّ لتقويم وتسيير العمليّة الإصلاحيّة في المجتمع لتأخذ دورها الحيويّ، وقد بيّنت الآيات القرآنيّة الموقف الصحيح للتعامل مع أيّ حركة إصلاحيّة وهو الاتّباع والانقياد، ما دامت القيادة صالحة لذلك.

وهنا أشير الى دور المرجعيّة الدينيّة العُليا الإصلاحيّ، فقد عملت على مراقبة حركة المجتمع في جميع مجالاته، وكانت تلاحق تحوّلاته وتطوّراته، وتضع دائماً ومع كلّ ما تشعر أنّه سيهدّد المجتمع تضع برنامجاً سواءً كان من خلال الفتاوى أو البيانات أو خطب الجمعة، لإرشاده الى ما فيه صلاحه واستقامته، وحينما حصلت التحوّلات السياسيّة في عام (2003م) وكان العراق في وقتها يمرّ بمنعطفٍ تاريخيّ خطير، فقد أخذت بنظر الاعتبار وضع المنهاج الشامل الذي يرسم ملامح النظام السياسيّ للعراق، مراعيةً تركيبته الدينيّة والمذهبيةّ والاجتماعيّة والمعطيات التأريخية الماضية والقريبة لهذا العصر، وتأثيرات الأوضاع الخارجية وغيرها، وفي نفس الوقت لم تترك مراقبة ومتابعة وملاحقة مسار العمليّة السياسية وما شابها من أخطاء وتعثّرات، أثّرت بشكل كبير على الأوضاع في العراق، فكانت تنصح وترشد بلغة مناسبة وتبيّن مكامن الخطأ ومواضعه وكيفيّة تصحيحه، كما لاحظت بدقّة التركيبة المذهبيّة للمجتمع العراقي وحرصت في جميع مواقفها على الحفاظ على التعايش السلمي بين مكوّنات الشعب العراقيّ، وصبرت على كلّ ما جرى من أعمال إرهابيّة استهدفت المدنيّين بالسيارات المفخّخة ونحوها، كلّفت العراق دماء عزيزة، ولكن كانت ثمرة الصبر والتحمّل أغلى وأهمّ وهي الحفاظ على وحدة العراق، ولا ننسى ذلك المنعطف التاريخي الخطير ليس على العراق وحسب بل على المنطقة بأسرها، حينما تهاوت كافة الدفاعات أمام عصابات داعش وسيطرت على ثلث العراق، وكان الناس في ذهول وحيرة حتّى بلغت القلوبُ الحناجر وجاءت فتوى الدفاع المقدّس مدويّةً، فهبّ مئات الآلاف من العراقيّين للدفاع عن بلدهم الى أن تحقّق النصر المؤزّر على الدواعش ولم تبقَ إلّا فلولهم هنا وهناك، والغرض أنّ المرجعيّة الدينيّة العُليا لم تترك المنعطفات الخطيرة والحسّاسة التي مرّ بها العراق وشعبه إلّا ووضعت له منهجاً صالحاً وتوجيهات مناسبة، ولكن عمليّة الإصلاح ترتبط بعوامل كثيرة وقد تتعثّر لأسباب هي خارج إرادة المصلحين، وربّما تحتاج الى فترة زمنيّة طويلة، وهذه هي السنن التاريخية لدى الشعوب في عمليّة الإصلاح، ولابُدّ من شعور الجميع بالمسؤولية في إجراء التغيير وتحمّلهم لوضع المسار على السكّة الصحيحة والصبر والجلادة في مسيرة الإصلاح.

*مقتطف من خطبة الجمعة الأولى في 17 شعبان 1439هـ الموافق 4 /5 / 2018 م 

2018/05/05

ما يريده الإمام الحسين (ع).. إصلاح سياسي أم اجتماعي؟!

في هذه الأيّام من شهر شعبان المعظّم الذي تصادف فيه ولادات الأئمة الاطهار عليهم السلام، يبرز السؤال التالي: "كيف نُحيي الولادة؟ ماذا يريد منّا الإمام الحسين (عليه السلام) –كأحد الأئمة المولودين في هذا الشهر المبارك-  بإحياء ذكرى ولادته؟ وماذا تريد منّا كربلاء برمزيّتها بقدسيّتها بقوّتها الجاذبة لعشرات الملايين من شرق الأرض وغربها؟

ولابدّ هنا أن نتعرّف على كيفيّة إحياء هذه الذكرى، ما هو جوهر وروح القضيّة الحسينيّة؟ ماذا أراد الإمام الحسين (عليه السلام) منّا؟ فنحن نقول: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وراث الأنبياء، أليس في زيارة وارث نعدّد الأنبياء ابتداءً من آدم (عليه وعلى نبّينا وآله أفضل التحية والسلام)، السلام عليك يا وارث آدم، السلام عليك يا وارث نوح، السلام عليك يا وارث إبراهيم، وهكذا نعدّد الأنبياء أولي العزم، فهو وارث الأنبياء، ما هو جوهر الوراثة من الحسين للأنبياء(عليهم السلام)، تأمّلوا في بعض الآيات القرآنية التي بيّنت جوهر وروح الحركة النبويّة وجوهر وروح الدعوة الإلهيّة التي حملها الأنبياء الى أممهم، نجد عدداً من الآيات القرآنيّة لعددٍ من الأنبياء تبيّن هذا المعنى وهذا المضمون، (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ).

الإصلاح أولاً..

وكذلك عندما نقرأ قصص بعض الأنبياء التي بيّنها القرآن بالتفصيل لا على نحو الإجمال، النبيّ هكذا يبتدئ أمّته يقول لهم: هدفي وغايتي ومنهجي إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، والإمام الحسين(عليه السلام) أيضاً في بيانه الأوّل الذي بيّن فيه للأمّة لماذا وما هي الغاية أن أخرج وأضحّي بنفسي وأهل بيتي، على الرغم من أنّ بعضاً من علية القوم نصحوه بعدم الخروج قال: "لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن أأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

فالإمام عليه السلام يؤكد أن جوهر خروجه وكل تضحياته من أجل إصلاحكم ومن أجل إصلاح هذه الأمّة ومن أجل أداء هذه الواجبات الأساسيّة، ولكن هناك خصوصيّة في القضيّة الحسينيّة علينا أن نلتفت اليها ونعيها حقّ وعيها، لكي نعطيها حقّها من الفهم والوعي والتطبيق، الأحاديث التي وردت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل البيت بكثرتها في خصوص الإمام الحسين (عليه السلام) نربطها مع البيان الأوّل للإمام الحسين (عليه السلام)، نجد أنّ في القضيّة الحسينيّة هناك عاطفة وهناك إصلاحاً، لابُدّ من الاقتران والتصاحب بين العاطفة مع ظلامة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركته، هذه العاطفة تقترن وتتصاحب مع حركة الإصلاح، ولكن أيّ عاطفة أرادها الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهنا ينبغي أن يسأل كل واحد منّا انه، هل عاطفتنا هل بكاؤنا هل حضورنا الى المجالس هل زياراتنا تتطابق مع حركة الإصلاح التي أرادها الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وسنذكر أمثلةً لذلك.

العاطفة الحقيقية

العاطفة المحرّكة للضمير والوجدان اللذين يتفاعلان مع المظلوم في قضيّته، العاطفة المحرّكة للضمير والوجدان اللذين يتفاعلان مع المصلح في حركته ضدّ الفساد، العاطفة المحرّكة للضمير والوجدان اللذين يتفاعلان مع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ضدّ الذي يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، العاطفة التي تحرّك الضمير والوجدان اللذين يتفاعلان مع صاحب الأخلاق الحميدة ضدّ صاحب الأخلاق المنحرفة، هذه هي العاطفة الحقيقيّة التي تحرّك الضمير والوجدان، أنّ المصلح إذا نادى في الأمّة أن هبّوا للدفاع عن الدين والوطن والمقدّسات حرّك هذا ضمير الإنسان لكي يضحّي بنفسه وأهله وماله في سبيل أن يحفظ الدين والوطن والمقدّسات، نوضّح أكثر بالأمثلة.. إذا حضرتُ مجلساً وبكيت وحزنت مع الإمام (عليه السلام)، والإصلاح طلب منّي أن أترك المعاملة الربويّة وإن خسرت الكثير من المال فعليّ أن أكون على استعداد لذلك، المجلس الذي أحضر فيه للبكاء والإصلاح يناديني أن أترك المعاملات المحرّمة وإن خسرت الكثير من المال فعليّ أن أكون على استعداد لذلك، المجلس الذي يحضر فيه رجل ثمّ إذا عاد الى بيته لم يظلم ولم يؤذِ أهله وزوجته وأولاده، المجلس الذي تحضر فيه المرأة المؤمنة فتبكي حتى إذا خرجت الى السوق كانت عفيفةً في حجابها وكلامها وسيرتها، وهكذا في بقيّة الأمثلة، العاطفة التي تحرّك الضمير والوجدان أنّ الإنسان يكون على استعداد للتضحية بالدنيا والمنصب والمكاسب الدنيويّة في سبيل أن يقف مع المصلح.

أمّا إذا حضر هذا الإنسان وبكى وحزن للإمام الحسين (عليه السلام) ولكنّه خرج الى السوق ولم يكن على استعداد ليترك الرّبا والغشّ والكذب والظلم، فإنّه ليس بتلك العاطفة الحسينيّة وهو ضدّ حركة الإصلاح، الإنسان الذي يحضر المجلس ويبكي لكن إذا عاد الى بيته ظلم زوجته وأهله وأولاده فليس هو بتلك العاطفة الحسينيّة، المرأة التي تحضر المجلس وتبكي الحسين ولكنّها إذا خرجت الى السوق خرجت سافرة متبرّجة، المجلس الذي يحضر فيه المؤمن ولكنّه إذا خرج الى عمله ودائرته سرق من المال العام وقصّر في وظيفته وعمله فليس هو بالذي يتعاطف مع القضيّة الحسينيّة، وهكذا في بقيّة الأمثلة.

هنا حينما تكون هذه العاطفة المجرّدة عن التفاعل مع حركة الإصلاح للإمام الحسين (عليه السلام)، كأنّ هذا الذي يبكي يقول للإمام الحسين (عليه السلام) إنّي على استعداد أن أبكي عليك يا أبا عبدالله، وعلى استعداد أن أحضر المجلس، ولكنّك إذا دعوتني الى ترك الربا والغشّ والمعاملات المحرّمة ودعوتني الى ترك الكذب والظلم والبهتان والافتراء فأنا لست على استعداد أن أترك هذه الأمور، أنا على استعداد يا أبا عبد الله أن أبكي عليك وأتفجّر حزناً على ظلامتك، ولكن لست على استعداد أن أقف مع المظلوم في قضيّته ضدّ الظالم سواءً كان هذا الظالم حاكماً أو إنساناً عاديّاً، أنا على استعداد أن أبكي عليك يا أبا عبد الله ولكن إذا رأيت منكراً يُعمل به ومعروفاً لا يُعمل به فأنا لست على استعداد أن أأمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر، لأنّي سأخسر منصباً وأخسر مكسباً دنيويّاً، حينئذ يقول له: ما حاجتي اليك وما حاجتي الى بكائك هذا؟! الإمام يقول وهذه دعوة: إنّما خرجتُ لغاية، هدفكم في الحياة وغايتكم في الحياة، إنّما خرجت لطلب الإصلاح نعم الغاية، و(إنّما) أداة حصر، ما هي غايتي؟ ما هو هدفي؟ ما هو منهجي؟ إنّما خرجت لهذه الغاية، هدفكم غايتكم عملكم في الحياة هو إصلاح الأنفس، إصلاح الأخلاق إصلاح العمل إصلاح الأسرة الإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي.

هذا هو الهدف والبكاء هو كي تتفاعلوا مع قضيّتي كمظلوم مع قضيّتي كمصلح، هذا هو الهدف الأساسي وسيلة، للوصول الى هذا الهدف أنت تبكي عليّ في المجلس، ولكنّك إذا كنت خارج المجلس ترتكب المحرّمات ولست على استعداد أن تقف مع المظلوم في قضيّته أو مع المصلح في قضيته أو مع الآمر بالمعروف في قضيّته أو مع صاحب الأخلاق الحميدة في قضيّته، أنت ما صلتُك بي حينئذ؟! هل صلتك بي أن تبكي فقط وأنا خرجت لطلب الإصلاح؟! خرجت لإصلاح أنفسكم وإصلاح أخلاقكم وإصلاح اجتماعكم وإصلاح سياستكم، إنّما هذا هو الهدف والغاية والذكرى إنّما يكون بهذه الأمور، لذلك لابُدّ أن يتقارن لابُدّ أن يكون لدينا وعي، هذا التقارن هذا التصاحب هذا التلازم بين العاطفة الجيّاشة للإمام الحسين(عليه السلام) أن أبكي لظلامته لكي يتحرّك ضميري ويتحرّك وجداني، أن أقف مع المظلوم لا في ظلامته فقط بل في قضيّته في مبادئه وأنصره وأقف معه، في زماني حينما يكون هناك مصلح يدعو للإصلاح السياسي الى الإصلاح الاجتماعي الى الإصلاح الأخلاقي الى الدفاع عن الوطن والدين عليّ أن أكون على استعداد أن أقف معه ولا أتركه لوحده، هذا هو جوهر القضيّة الحسينيّة أن أقف مع المظلوم مع المصلح مع الآمر بالمعروف في قضيّته وأنصره، وعلى استعداد أن أضحّي من أجل هذه النصرة وهذا الموقف بحياتي ودنياي وبمكاسبي ومناصبي ومالي وغير ذلك من هذه التضحيات، عاطفة تحرّك الضمير والوجدان لكي يتفاعل هذا الإنسان الحسينيّ الحقّ يتفاعل مع صاحب المبدأ مع صاحب القضيّة.

كربلاء بعظمتها بجذبها العظيم لهذه الملايين إنّما نبعت من عظم هذه المبادئ وعظم هذه القضيّة لما فيها من ظلامة، لذلك أن يكون لدينا وعي وفهم حقيقيّ لهذه العاطفة التي لابدّ أن تقترن وتتصاحب في كلّ يوم وكلّ ساعة أن نكون مع صاحب المبادئ والقضيّة، في كلّ زمان هنالك مصلح من خلاله تمتدّ الحركة الحسينيّة والنهضة الحسينيّة والعاطفة الحسينيّة، في المجالس والبكاء الصادق هو الذي يقترن بالتحرّك لنصرة هذا المصلح والوقوف معه في جميع مجالات الإصلاح لا أن نبعّض هذه المجالات، فبعضها نقف معه وننصره وفي بعضها الآخر متى ما اقتضت أهواؤنا وأمزجتنا نتركه، لأنّنا لا نعتقد بهذه المسألة، بل نقف معه في جميع مجالات إصلاحه هذا هو جوهر القضيّة الحسينيّة.

إصلاح سياسي أم اجتماعي؟!

المبدأ الثاني الذي يجب أن نحييه من خلال إحياء ذكرى هذه الولادة هو الإصلاح الشامل، فالكثير يركّز اهتمامه وكلامه ورأيه ومداولاته وحركته ويعطي أهمّية كبيرة في الإصلاح السياسيّ، نعم هو مهمّ وأساس مهمّ في الإصلاح، كما ورد في الحديث "صنفان من الناس إن صلحا صلح العالم وإن فسدا فسد العالم، العلماء والأمراء" صحيح ولكنّ الإصلاح الحسينيّ هو الإصلاح الشامل والإصلاح الذي يبدأ من الفرد بنفسه، ابدأ بنفسك ابدأ بباطنك بقلبك بمشاعرك، ماذا تحمل في قلبك تجاه الآخرين؟! هل تحمل إليهم المودّة والاحترام والتقدير والتعايش معهم بروح الأخوّة؟ أم تحمل في قلبك الحسد والغيرة والعداوة والبغضاء والنفاق وغير ذلك من الصفات التي هي من أخلاق اعداء الحسين(عليه السلام)؟ ابدأ بإصلاح أسرتك المحيط الأصغر، لدينا محيط أكبر ومحيط أصغر، ابدأ بإصلاح هذا المحيط الأصغر كي تنتقل الى الإصلاح الأكبر، ابدأ بالإصلاح في مدرستك في دائرتك في مقرّ عملك في السوق ثمّ انتقل الى الإصلاح الأكبر، الإصلاح الأخلاقي الإصلاح الاجتماعي الإصلاح الإداري الإصلاح الوظيفي، علينا أن نُعطي لهذه المجالات المتعدّدة من الإصلاح اهتمامنا وتوجّهنا وقراءتنا وحركتنا، هذه حينما تجتمع تؤدّي الى الإصلاح الأعمّ والأشمل، وأيضاً علينا أن نجمع بين الإصلاح النظري والإصلاح العمليّ، الكثير يخرج عبر وسائل الإعلام ويكتب ويتحدّث عن نظريات كثيرة ومناهج ولكنّه في مجال العمل والتطبيق تجده بعيداً، الإمام الحسين(عليه السلام) ليس بحاجة الى شعارات تُرفع ونظريات تُطرح كتابةً في كتاب أو في وسائل التواصل أو في وسائل الإعلام وغيرها، بل بحاجة الى النظريّات القليلة والكلام القليل لكن الذي يصاحبها هو التطبيق من قِبَل من ينادي بها، لذلك على الواحد منّا حينما يطرح فكرة وشعاراً ونظريّة ومنهجاً عليه أن يبدأ بتطبيق هذه النظرية وهذا المنهج.

المبدأ الآخر اغتنام الفرصة بوجود المصلح لاحظوا على مرّ التاريخ الله تعالى يهيّئ المصلحين للأمم التي تنحرف عن مسارها، فإن اغتنمت الفرصة -فرصة وجود هذا المصلح- واتّبعته وأطاعته وكانت على استعداد أن تقف معه وتنصره وتضحّي من أجله، لأنّه يحمل المنهج العادل منهج الصلاح للأمّة، حينئذٍ ستفوز بالسعادة والاستقرار والهناء في الدنيا والآخرة، وإن فوّتت على نفسها هذه الفرصة لأنّها آثرت الدنيا ومكاسب الدنيا والمناصب وغير ذلك من الأمور الدنيويّة، حينئذٍ ستخسر وتشقى، وفي كلّ زمانٍ حينما ينحرف المسار ليس فقط في زمن الأنبياء وزمن الإمام الحسين(عليه السلام)، بل ببقيّة الأزمنة الله تعالى يهيّئ قادة مصلحين يعيشون هموم الأمّة ويفهمون التحدّيات والمشاكل والمصائب والمخاطر التي تمرّ بها الأمّة، وهو في منهجهم منهج الأنبياء والأئمّة، يهيّئ فرصة لهذه الناس ويهيّئ هذا المصلح فإن اغتنموا الفرصة وأطاعوه ووقفوا معه وناصروه في كلّ ما يدعو اليه من منهج، ليس فقط في المنهج الفقهيّ والدينيّ بل في بقيّة مناهج الحياة، حينئذٍ نالوا وفازوا بالسعادة في الدنيا والآخرة، وإن تركوه لوحده ولم ينصروه ونصروه في بعض المواطن وتركوه في مواطن أخرى حينئذٍ لا يكون لهم إلّا التعاسة والشقاء، كذلك هذا الذي نستنتجه من الموقف مع الإمام الحسين(عليه السلام)، أيضاً النفس الطويل، الإصلاح لا يأتي بسنة أو سنتين، لابُدّ أن يكون هناك ثبات، لابدّ أن يكون هناك صبر، لابدّ أن تكون هناك معارك متعدّدة، معركة تارةً مع المفسدين وتارةً مع الإرهابيّين، معركة مع النفس معركة للإصلاح الاجتماعي للإصلاح الأخلاقي للإصلاح الأسري للإصلاح الوظيفي وهكذا، هذه المجالات المتعدّدة تحتاج الى وقت طويل وربّما البعض يضعف ويصيبه الوهن ويتراجع ولا يكمل المسيرة، هنا نحتاج في مثل هذا الإصلاح الطويل الى الثبات، نحتاج الى النفس الطويل الى الصبر الى التحمل الى المواصلة الى الأمل المتجدّد دائماً أنّ الله تعالى سيقف مع عباده، هذا أيضاً ما نستنتجه من القضيّة الحسينيّة وهذه بعض الأمور التي يمكن أن تكون مذكّرة للإخوة وننتفع منها في وقتنا الحاضر.

*مقتطف من الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 3/شعبان/1439هـ الموافق 20 /4/ 2018م

 

2018/04/24

الشيعي من يراقب سلوكه وتصرفاته

ذكرنا في مقال سابق انه في زمن الائمة عليهم السلام وجدوا أن بعضاً من شيعتهم يشكون -لعله- من قلة وعي بحقيقة وجوهر التشيّع او سوء فهم او غفلة او اشتباه او سوءً في التطبيق.

هذه الامور ان تُركت ستشكل خطراً على صيانة وحفظ جوهر وحقيقة مذهب اهل البيت لذلك كانوا كثيراً ما ينبهون شيعتهم واتباعهم الى بيان حقيقة وجوهر التشيّع، ما هو التشيّع في حقيقته وجوهره، وبيّنا ان هناك مقومات اربع لابد من الجمع بينها جميعاً وهو العقيدة الصحيحة والعبادة المشروعة والشعائر المأثورة والعمل الصالح والاخلاق الفاضلة، اربعة امور، هذه نستفيدها من خلال احاديث اهل البيت عليهم السلام ان من جمع بين هذه الامور الاربع صح ان يطلق عليه انه شيعي صادق في اتباعه لأئمة اهل البيت وان اخلّ بواحد منها فهناك خلل في حقيقة تشيّعه وجوهر اتبّاعه لأهل البيت عليهم السلام، لذلك وردت الاحاديث الكثيرة خصوصاً عن الامام الباقر والصادق عليهما السلام فَهُم ينبّهون في احاديثهم الى اهمية الالتفات والوعي لحقيقة وجوهر مذهب اهل البيت وما هو الاتباع الصادق لأئمة اهل البيت عليهم السلام.

ونحن ذكرنا بعض المقومات والمؤشرات التي تدل على ذلك ونذكر هنا بعضاً آخر ونلتفت الى:

اهمية انعكاس السمعة الحسنة للعنوان العام والحذر من السلوكيات المنحرفة

فتارة يرتكب الانسان فعلا ً سيئاً كلاماً غير مقبول. وهذا ينعكس عليه شخصياً ويضره هو، وتارة ربما يرتكب تصرفاً او سلوكاً مشيناً او كلاماً غير مقبولاً ينعكس ويضرّ بالعنوان العام ويضر بجميع اتباع العنوان العام وهذا خطير جداً.

نحن اتباع اهل البيت في اغلب المجتمعات التي يعيشون فيها ويتعاشرون فيها يعيشون مختلطين مع اصحاب مذاهب اخرى واصحاب ديانات اخرى والغالب من الناس انما يجدون ان تصرفات وسلوكيات واخلاق وكلام هؤلاء الاتباع مرآة عاكسة لما أدّب به ائمة هذا المذهب اتباعهم.

تارة الانسان يأتي الى هذا الفكر والى هذا الدين يقرأ افكاره ومنهجه وما فيه من مناهج للحياة ويحكم على ضوء قراءته لهذه الافكار والمناهج مع غض النظر عن سلوكيات اتباع هذا المنهج سواء احسنوا او اساءوا. ولكن الغالب من الناس لا يأتون الى نفس المذهب والدين والفكر لكي يحاكموا هذه الافكار والمناهج ويقولون هذا حق وهذا باطل وهذا صحيح وهذا خطأ انما يأتون الى السلوكيات والتصرفات لنفس الاتباع ويجعلون هذه السلوكيات والاخلاق هي المرآة التي تعكس ادب واخلاق ومنهج قادة هذا المذهب.. هنا نأتي ونطبّق هذا المعنى بالنسبة الى سلوكيات واخلاق وتصرفات اتباع اهل البيت.

مراقبة السلوك والتصرفات

كان من الضروري جداً لأتباع ائمة اهل البيت عليهم السلام ان يكونوا على حذر ومراقبة لأي تصرف او سلوك او ممارسة او كلام يعتبره الاخرون شيئاً وعيباً ومثلمة في مذهب اهل البيت (عليهم السلام) او يكون سبباً لبغض وكراهية ائمة المذهب وينعكس سلباً – بالتالي- على العنوان العام (أي الائمة والمذهب معاً) وبالتالي فان رضى الاخرين ومقبولة التصرفات والسلوكيات والكلام الصادر من اتباع اهل البيت عليهم السلام لديهم امر مطلوب اجتماعياً وضمن الاطر العامة التي يرتضيها العرف الاجتماعي.

ولذلك نجد اهل البيت عليهم السلام قد حذروا شيعتهم من أي تصرف او سلوك اجتماعي او ممارسات غير اخلاقية او كلام يسيء للآخرين ورموزهم ومقدساتهم لان انعكاس ذلك لا يقتصر على نفس الاشخاص المرتكبين لهذه التصرفات بل للعنوان العام أي للائمة (عليهم السلام) وللمذهب برمته.. ويعني ذلك ان قادة المذهب بدلا من ان يكونوا في موقع المحبة والاحترام لدى الاخرين وان عنوان المذهب بكل اتباعه يكون كذلك سيتحول الجميع الى موقع البغضاء والعداوة والكراهية بل ربما السب والشتم والإساءة.

وعلى العكس من ذلك فإن معاشرة الاخرين من قبل اتباع اهل البيت عليهم السلام بالأخلاق الحسنة والمعاشرة الطيبة والكلام السليم من الجرح والاذى والشتم والسب والاتهام سيجلب المحبة والاحترام لأهل البيت عليهم السلام ولعنوان المذهب بصورة عامة ويكون ذلك سبباً لجذب الاخرين لفكر المذهب وتعايشهم السلمي معهم بالاحترام والتقدير والتعاون وهو ما يجلب الخير للجميع..

وقال الامام الصادق (عليه السلام): فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدق الحديث وادى الامانة وحسَّن خلقه مع الناس قيل هذا جعفري فيسرنّي ذلك ويدخل عليَّ منه السرور وقيل هذا ادب جعفر، واذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره وقيل هذا ادب جعفر.

عن الامام الصادق (عليه السلام): إياكم ان تعملوا عملاً يعيّرونا به فإن ولد السوء يُعيّر والدهُ بعمله، و كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا صلّوُا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير فأنتم أولى به منهم.

ثم ايضاً من الامور المهمة في مقومات التشيّع الحقيقي والاتباع الصادق هو مسألة التكافل الاقتصادي والمعيشي وعدم السماح بحصول التفاوت الطبقي:

لاحظوا اخواني الامام الصادق (عليه السلام) يسأل حيث يأتونه من مختلف المناطق من الكوفة ومن بقية المناطق فالامام (عليه السلام) يسأل حيث ورد عن محمد بن عجلان قال كنت عند ابي عبدالله جعفر الصادق عليه السلام فدخل رجل فسلّم، فسأله: كيف خلّفت من إخوانك؟، فأحسن الثناء وزكّى وأطرى – أي انه تكلم عنهم بصفات حسنة ومدحهم-

فقال (عليه السلام): كيف هي عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟

قال: قليلة

قال (عليه السلام): كيف هي مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم

قال: قليلة

قال (عليه السلام) : فكيف صلة اغنيائهم لفقرائهم في ذات ايديهم

قال: قليلة

الامام (عليه السلام) لم يسأل الامام ويقول له الفقراء عندكم اذا جاؤوا الى الاغنياء وطلبوا منهم حاجة فقضوا حاجتهم واعطوهم من المال، لم يسأل الامام (عليه السلام) هذا السؤال وانما قال: الاغنياء كيف هي عيادتهم وصلتهم بالفقراء؟

يعني هل ان الاغنياء هم يبادرون ويأتون الى الفقراء ويسألونهم فإن كانت لهم حاجة ابتدأوا وسارعوا الى قضاء حوائجهم، فهناك فرق بين الأمرين. الامام (عليه السلام) ينبّه الى هذه النقطة يريد ان يحفظ ماء الوجه ويريد ان يحفظ كرامة الفقير.

وهذا هو المعيار الذي نختبر به انفسنا نحن اتباع اهل البيت وغيركم الله تعالى فضل البعض على البعض، فالبعض متمكن وعنده رزق ومال وفير ومنعمّ ومرفه وتجد الاثنان يعيشان متجاوران سوية، ينتج عن هذا التفاوت الطبقي الذي يشعر فيه المحرومون بالغبن والظلم وعدم اهتمام الاخرين مما ينتج عنه وهذه النقطة المهمة حيث ينتج حالة من العداوة والبغضاء والشعور بالظلم الذي يؤدي بالشعور بالظلم الذي ينتج حالة من الصراع والإحن بين المجتمع ولذلك الامام (عليه السلام) ينبّه : (كيف تزعم ان هؤلاء شيعة) كأنه يريد ان يقول للرجل ارجع اليهم وقُل لهم امامي يقول هذه اخلاق شيعي التفتوا اليها وتنبهوا اليها وتحلوا بهذه الاخلاق لكي نصل الى منظومة التكافل الاجتماعي يعني المجتمع بعضه يكفل بعضاً..

*مقتطف من الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 3/شعبان/1439هـ الموافق 20 /4/ 2018م

 

2018/04/21

أيها الشباب! قبل الوظيفة.. اكتشفوا وابحثوا ثم اعملوا

كل انسان منّا يمتلك طاقة، وهذه الطاقة إذا ما استثمرها استطاع ان يبني بها شخصية ومن خلالها يستطيع أن يبني مستقبله ومجتمعه أيضاً، فكل واحدٍ منّا ادّخره الله لأن يبني المجتمع الإنساني والحضارة، لذلك المفروض على كل إنسان أن يكتشف -كخطوة أولى-  طاقته قبل الدخول في التخصص، أو الحصول على الوظيفة لضمان الراتب الشهري أو المنصب.

الخطوة الأولى..

ذلك أن الذي يقودك إلى التخصص أو الوظيفة أو غيرها من سائر الامتيازات هي طاقتك التي لم تكتشفها بعد فهي التي سوف تقودك إلى العملقة والتفوق.

ومن هنا ينبغي أن يحاول كل إنسان الاشتغال باكتشاف هذه الطاقة من خلال دورانه على التخصصات المختلفة أو من خلال المطالعة والقراءة عنها على مواقع الانترنت، حيث يستشعر كل واحد مع أي تجاه يميل أكثر، ولا يعتمد دخول تخصص يرضي الأسرة أو الأصدقاء أو حتى يرضي هواه الشخصي، وإنما يدخل ذلك التخصص الذي يستثمر طاقته ويساعده على الابداع والعطاء، من هنا الخطوة الأولى.. اكتشف طاقتك.

ثم اعمل وابحث عن مكامن الابداع والإنتاج، يقول تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة - 105)، إذ المراد بالعمل بمراحله، فلا بد أولاً ان يعمل على اكتشاف الطاقة وثم العمل ثانياً بحثاً عن التخصص المناسب لطاقته ومن ثم يستثمر ثالثاً هذ التخصص في بناء المجتمع.

بناء المجتمع

هناك بعض التخصصات التي دخلها كثيرون وأصبحت مستهلكة، وهناك أيضاً تخصصات فريدة ومميزة، وعلى الشاب أن يحاول دائماً اقتحام هذا النوع من التخصصات بكل جدارة وثقة بالنفس وبكل ما أوتي من ثقل لكي ينمي ويبني ويقدم للمجتمع عطاءً جديداً لم يقدمه غيره.

فالإنسان جزء من هذا المجتمع، وعنصر أساسي في هذا النسيج والكيان، ولا بد أن يختار تخصصاً ينسجم مع طاقتي وله القدرة على العطاء الجديد يعمر هذا المجتمع ويبنيه لأن كل إنسان مسؤول عن هذه الأرض وفضائها وطاقات أبنائها، والجميع ينبغي أن يحمل على عاتقه وعلى سواعده بناء هذا المجتمع.

إن أهم ما يجب التركيز عليه من قبل الشباب هو السعي لاكتشاف الطاقة وإيجاد التخصص المناسب المعطاء المنتج، السعي في الشرق والغرب، في البر والبحر من أجل البناء، يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15)

 

 

2018/04/15

ما هي أركان التشيّع الأربعة؟ تعرّف عليها...

يجد المتتبع والمتأمل للكثير من الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) خصوصاً عن الباقر والصادق (عليهما السلام) اهتمامهم الشديد بتوعية اتباعهم بحقيقة وجوهر التشيّع وذلك حرصاً على الحفاظ على المنهج المتكامل لمذهب أهل البيت وصيانته من حصول سوء الفهم او الاشتباه او الغفلة او التطبيق السيء له مما يحرفه عن وجهته الاصيلة التي تمثل الوعاء العلمي والعملي الكامل لمنهج القرآن الكريم والنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

حيث وجد الأئمة في بعض شيعتهم مصاديق لذلك من خلال رؤيتهم الدقيقة للواقع المعاش لشيعتهم وترك هذه الظواهر في خضم التحديات الفكرية والاخلاقية والشعائرية التي يمر بها اتباعهم وفي ظل المعترك الفكري والحضاري مع مذاهب وديانات اخرى سيشكل تهديداً خطيراً على هوية وجوهر التشيع..

لذلك تصدى الائمة (عليهم السلام) بكل قوة للحفاظ على المقومات الاساسية للتشيّع المتمثلة بالعقيدة الصحيحة والعبادات المشروعة والشعائر المأثورة والعمل الصالح والاخلاق الفاضلة..

وحيث اننا نعيش تحديات صعبة في وسط قد يغلب فيه قلة الوعي وعدم الفهم الصحيح لما أراده أئمة اهل البيت (عليهم السلام) نجد لزاماً التذكير دائماً بتلك الروايات وما هي مضامينها ومقاصدها..

ويمكن ان نستقرئ مجموعة من تلك المقاصد (وليست جميعها) من خلال المؤشرات التالية:

1-  تطابق العمل مع العلم والعقيدة:

فنجد في بعض الروايات تحديداً دقيقاً من الائمة (عليهم السلام) لمواصفات شيعتهم ومقومات التشيع الصادق ووضعوا معايير للولاء الحقيقي لهم، فالبعض قد تلتبس عليه الامور فيعتبر ان التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) هو ان يعتقد الشخص بإمامتهم ومنزلتهم ومقامهم عند الله تعالى او ان التشيع يعني اظهار المحبة والمودة هلم او اظهار الفرح والحزن في مناسباتهم من الوفيات والولادات او الاكثار من زياراتهم وإقامة المجالس كافٍ في إظهار قوة الولاء لهم..

نحن نلفت النظر الى هذه النقطة..

لا يُنكر ان هذه الامور مهمة ومطلوبة في إبراز حقيقة وجوهر التشيّع لكنها لا تمثل كل المذهب في جوهره وحقيقته كما سنبينه في الروايات التي وردت عن الائمة عليهم السلام بل لابد من الجمع بين العلم والعقيدة والعمل والشعائر والعبادة الصحيحة وبقية الامور التي بيّنها الائمة (عليهم السلام)..

ويمكن هنا ان نتمثل هذه الاركان ونركزّ عليها أي اركان ومقومات اهل البيت (عليهم السلام):

أولا ً: العقيدة الصحيح الخالية من الخطأ والاشتباه وسوء الفهم.

ثانياً: العبادات المشروعة التي تتطابق مع الاحكام الشرعية المأخوذة من محالها ومن المرجع الذي يصح تقليده.

ثالثاً: الشعائر المأثورة.

رابعاً: العمل الصالح والاخلاق الحميدة.

اربعة امور ان جمعنا بينها تمثّل فينا جوهر التشيّع وصدقه وصدق الاتبّاع لأهل البيت، الإخلال بواحد منها يمثل نقصاً جوهرياً في حقيقة التشيّع.

ربما ولعله مثل حال اركان الصلاة فكما ان الصلاة لها اركان لا تتقوم في حقيقتها الا باجتماع هذه الاركان فكذلك التشيع لأهل البيت (عليهم السلام).

روي عن الامام الصادق (عليه السلام): (ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في اعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتّبع آثارنا وعمل بأعمالنا اولئك شيعتنا).

وروي عن الامام العسكري (عليه السلام) في جوابه لسائل عن الفرق بين المحب والشيعي، فأجابه (عليه السلام): (الفرق ان شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا ويطيعونا في جميع اوامرنا ونواهينا، فاولئك شيعتنا،فأما من خالفنا في كثير مما فرض الله عليه فليسوا من شيعتنا).

[ذات صلة]

وعن الامام الباقر (عليه السلام): (لوْ أُتيتُ بشابٍّ من شبَاب الشيعةِ لا يَتفقَّهُ في الدِّينِ لأوْجَعْتُهُ).

والتفقه هو الفهم العميق فالمطلوب من كل منا ان يكون فهمه للدين عميقاً لا سطحياً، والفهم العميق للدين انما يتأتى من اخذ مصادر الدين والاحكام الشرعية من مصادرها الصحيحة لا المصادر المُضللة التي تدعي بهتاناً وزوراً مقاماً دينياً وعلمياً لها وهي لا تستحقه..

وعن الامام الرضا (عليه السلام): (رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقال الهروي: وكيف يحيي امركم؟ قال (عليه السلام): يتعلم علومنا ويعلّمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا).

وعن نوف البقال قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) صف لي شيعتك.. فبكى الامام (عليه السلام) لذكر شيعته وقال: (يا نوف شيعتي والله الحلماء العلماء بالله ودينه).

2- الملازمة بين الشِعار (شعار التشيّع) والتقوى والورع في دين الله أي الوعي لجوهر التشيع المتمثل بالورع والتقوى:

فلقد وردت روايات كثيرة تبين وبألسنة مختلفة شدة اهتمام اهل البيت (عليهم السلام) بالاتصاف بالتقوى والورع والطاعة لله تعالى من التزام أوامره والانتهاء عن نواهيه ووصل الأمر ان الامام (عليه السلام) يقسم بالله تعالى لتأكيد هذا المفهوم وذلك خطورة الانفكاك في جوهر التشيع بين الشعار وملازمة التقوى..

من ذلك قول الامام الباقر (عليه السلام) لبعض شيعته: (والله ما معنا من الله براءة ولا بيننا وبين الله قرابةٌ ولا لنا على الله حجّةٌ ولا نتقرب الى الله إلا بالطاعة فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعهُ ولايتنا ومن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا.. ويحكم لا تغتَرُّوا ويْحَكُم لا تغتَرُّوا).

فالإمام (عليه السلام) يحذر من الاعتداد الزائد والغرور بمجرد الانتساب لأهل البيت (عليهم السلام) فيتركوا طاعة الله تعالى دون ان يصاحب الاعتقاد بأهل البيت (عليهم السلام) ومقامهم التقوى والورع وملازمة الانقياد لله تعالى في اوامره ونواهيه.

3-  الاهتمام بالتعايش السلمي مع مكونات المجتمع الاخرى:

فقد يتصور البعض ان التشيع الصادق هو بطرح معتقدات مذهب اهل البيت (عليهم السلام) مع الانتقاص من غيرهم والطعن بهم او التقاطع والتنابذ والهجران لمخالفيهم بزعم انه من موجبات الحفاظ على هوية التشيع وصيانة اتباع الائمة من التأثر بالآخرين..

بينما نجد ان القراءة الصحيحة والواعية لسيرتهم (عليهم السلام) وما وجّهوا به شيعتهم تدعوهم الى طرح المذهب الحق بالحجة والبرهان مع رعاية التعايش السلمي مع الاخرين المبني على مخالطتهم ومعاشرتهم بالحسنى ومشاركتهم في مناسباتهم وكف اللسان عن التفوه بما يسيء اليهم ويخل بالسلم الاهلي ويضر بوحدة الصف امام الاعداء والطامعين في البلاد وثرواتها.

ففي رواية عن الصادق (عليه السلام)  لبعض شيعته:

(عليكم بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الصحبة لمن صحبكم وإفشاء السلام وإطعام الطعام، صلّوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واتبعوا جنائزهم فإن أبي حدثني ان شيعتنا اهل البيت كانوا خيار من كانوا منهم، ان كان فقيه كان منهم وإن كان مؤذّن كان منهم، وإن كان إمام كان منهم، وإن كان صاحب أمانة كان منهم، وإن كان صاحب وديعة كان منهم، وكذلك كونوا، حبّبونا الى الناس ولا تبغضّونا إليهم).

 

2018/04/07

هل انت شيعي؟!

ما هي حقيقة التشيّع؟ ما هو جوهر التشيّع الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام)؟ وكيف نجسّد صدق الانتماء والانتساب لهم؟

إن المتتبّع لروايات أهل البيت عليهم السلام يجد فيها اهتماماً واضحاً وكبيراً لبيان حقيقة وجوهر التشيّع والانتماء لأهل البيت، وقد نبّه الأئمّة (عليهم السلام) من أجل إيقاظ الأمّة وتنبيه من وقع في توهّمٍ خاطئ، والتصوّر المظنون بعيد عن حقيقة الانتماء لأهل البيت وهذا التوهّم موجود لدى الكثير ومنذ زمن الأئمّة (عليهم السلام) وفي أزمنتنا هذه وفي بقيّة الأزمنة.

وهمٌ لا بد أن يرفع!

إنّ مجرّد الاعتقاد بمنزلة ومرتبة ومقام أهل البيت (عليهم السلام) وإنّ مجرّد حبّهم ومجرّد الادّعاء بالانتساب والانتماء إليهم، ومجرّد القيام ببعض الأعمال العبادية وبعض الأمور الأخرى التي تعبّر عن المشاركة للأئمّة (عليهم السلام) في مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، فإنّ ذلك لا يكفي لصدق الانتماء وحقيقة الانتماء لأهل البيت.

هناك الكثير من الأحاديث التي بيّنها الأئمّة (عليهم السلام) أنّ هذا الأمر وهمٌ خاطئ فلا بدّ أن نرفع هذا الوهم ولابدّ أن يكون لدينا التصوّر الحقيقي الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام) في بيان حقيقة الانتماء لهم، وكيف نجسّد صدق الادّعاء.

فهل يكفي مجرّد الادّعاء باللّسان أنّني من شيعة ومن محبّي أهل البيت (عليهم السلام)؟ هل يكفي مجرّد إعلان الحبّ؟ هل يكفي مجرّد المشاركة في المناسبات التي تُظهر الفرح لأفراحهم والحُزن لأحزانهم؟! هل يكفي مجرّد أداء الصلاة والصيام وبعض العبادات؟! وهل يكفي مجرّد زيارة الأرئمة (عليهم السلام)؟ هل يكفي هذا بأن نقول نحن من المنتسبين حقّاً والمنتمين صدقاً لأهل البيت أم أنّ هناك أمراً أعمق وأبعد بكثير من مجرّد هذه الأمور.

ليس من الشيعة!

لقد ذكر الأئمّة (عليهم السلام) مجموعة من المواصفات والمقوّمات التي لو اجتمعت حينئذٍ سيرتقي الإنسان الى حقيقة وجوهر التشيّع لأهل البيت (عليهم السلام)، وإذا أتى ببعضها وترك البعض الآخر إمّا لعدم معرفته أو لغفلته أو لاعتقاده أنّ هذا البعض الذي يأتي به هو الأهمّ والبعض الآخر ليس بمهمّ، فإنّه ليس من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)..

فليعرض كلّ واحدٍ منكم سيرته وصفاته وأعماله على هذا الحديث، ولينظر هل اجتمعت فيه هذه الصفات حتّى يُمكن أن يدّعي أنّه من شيعة أهل البيت ومن أتباعهم حقاً أم أنّ هذا مجرّد ادّعاء باللسان ومجرّد حب وعاطفة بالقلب لا ترتقي الى مستوى الالتزام العمليّ الذي أكّد عليه أهل البيت (عليهم السلام).

هذا هو التشيّع

لقد اهتمّ الإمام الباقر (عليه السلام) وبقيّة الأئمّة (عليهم السلام) بتحديد مقوّمات ومواصفات مفهوم التشيّع من خلال ذكر هذه المواصفات في روايات كثيرة نقلها أصحاب الأئمّة (عليهم السلام):

عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام) قَالَ: قَالَ لِي: يَا جَابِرُ، أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَاللَّهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

الإمام الباقر(عليه السلام) يقول –التفتوا- لدى الكثير منكم توهّم خاطئ وهذا التوهّم الخاطئ لو بقيَ له آثار خطيرة منها:

1- له آثار على سيرة ومنهج عمل شيعة أهل البيت الذي يجب أن يتجسّد على أرض الواقع في سيرة أتباع وشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

2- لو بقيَ هذا التوهّم فإنّه سينعكس سلباً على سمعة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

هناك مجموعة من المواصفات التي تجسّد حقيقة الانتماء الحقيقي لأهل البيت (عليهم السلام)، عبادة وأخلاق وتكافل اجتماعي والرحمة في قلوب المؤمنين والأمانة وصدق الحديث، وهكذا مجموعة من الأمور والنظم ومجموعة من مناهج الحياة لو التزمتم بها حينئذٍ ستكونون من شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

أنت تصلّي وتصوم وتُقيم المجالس ولكن تغتاب الناس.. إذن أنت لست في مقام التشيّع، أنت تصلّي وتصوم وتُظهر الفرح في أفراح أهل البيت وتحزن في أحزانهم ولكن لديك نميمة أو لديك كذب أو افتراء أو شتم أو سبّ أو مجموعة من الأخلاق البذيئة.. إذن أنت لست في مقام التشيّع.. أنت محبّ أو موالي نعم.. ولكن لست في مقام التشيّع..

لاحظوا قول الإمام (عليه السلام): (فَوَاللَّهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ...).

التشيّع الحقيقي

الشيعيّ الحقيقيّ صارت صفته التواضع والتخشّع والأمانة وباقي الصفات.. صفات معروفٌ بها وثابتة لديه وراسخة عنده فهو تراه دائماً في حال التواضع لا أنّه في بعض الأيّام متواضع وفي أيّام أخرى متكبّر.. وهكذا في بقية الصفات من حفظ الأمانة وصدق الحديث..

[ذات صلة]

الأنبياء بأجمهم بُعثوا من أجل الأمانة وصدق الحديث، فيجب حفظ الأمانة حتى لو كان الإنسان باغياً أو فاجراً أو فاسقاً، هناك أمانة منه لديّ يجب أحفظ هذه الأمانة.. هذه أمانة المال أو غيره..

وهناك أمانة الأسرار، ففي المهنة أو العمل الذي أقوم به فيه أسرار فعليَّ أن أحفظ الأسرار من الأعداء ومن الآخرين الذي يضرّون بهذا العمل وهذا التوجّه إن كُشفت لهم هذه الأسرار.

الإنسان المؤمن عرضُه وسمعتُه أمانة لديّ فعليَّ أن أحفظها.. وهناك أمانة المهنة والوظيفة المكلّف بها.

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها، وإلى أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوِّنا، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها).

الشيعيّ الصادق والحقيقيّ هو الذي يعتبر إخوانه شركاء له في ماله، فإذا كانوا من أصحاب الحاجة خصوصاً من جيرانه وأرحامه وأصدقائه بادر هو الى رفع حاجتهم ولا يضطرّهم الى السؤال وإراقة ماء وجههم حتّى يطلبوا منه شيئاً من ماله.. والشيعيّ الصادق في تشيّعه هو الذي يقدِّم الآخرين على نفسه.

الشيعيّ هو الذي تَطهَّر لسانُه وارتقى بذكر الله تعالى وطهَّره من هذه الآفات وهي آفات اللّسان.

*من الخطبة الثانية لصلاة الجماعة التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف في الـ (5 رجب 1439هـ) الموافق لـ (23 آذار 2018م)

2018/03/24

غضب الزهراء (ع)... كيف يتحول "حدث تاريخي" إلى مصدر للتشريع؟

ورد عن النبي الأعظم: (صلى الله عليه وآله وسلم): "فإنما ابنتي فاطمة بضعة مني يريبني ما أرباها ويؤذيني ما آذاها"[1].

يوجد قسمان من القضايا التأريخية:

الأول: القضايا التاريخية المحضة، وهي التي لا ترتبط ببيان الدين، ولا ببيان العقائد أو الفقه أو القيم والأخلاق الإسلامية. كتلك التي تتناول -مثلاً- احتلال "التتر" للبلاد الإسلامية، أو ونظير اجتياح نابليون للأراضي المصرية، وهما حدثان تاريخيان لا يستنبط منهما أي حكم فقهي أو عقدي أو أخلاقي.

الثاني: القضايا التاريخية المرتبطة ببيان الدين، وهي القضايا والأحداث التي وقعت في الزمن المنصرم، ولكن من خلالها نستطيع التعرف على أحكام الدين، كالعقائد والأمور الدينية الفرعية وأيضا الجوانب الأخلاقية. هذه القضايا والأحداث هي ما يرتبط بسيرة المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم)، فسيرتهم (صلوات الله وسلامه عليهم) رغم أنها حدثت في زمن مضى وخلى، ولكنها تعتبر منبعا لمعرفة أحكام الله تبارك وتعالى.

يدخل الحدث التاريخي ضمن دائرة مصادر التشريع لدى الشيعة، فقول المعصوم أو فعله أو تقريره أو إمضائه التي تعتبر من "السنة" إلى جانب القرآن الكريم كمصدرين للتشريع؛ إنما هي حوادث تأريخية وقعت في الماضي، وهي محوراً مهماً في أخذ الأحكام سواء على مستوى الفقه أو العقيدة وسائر المعارف الدينية.

ومن هنا جاء الحث على التمسك بالقرآن الكريم والعترة، التي يؤصلها الحديث النبوي الشريف الوارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ"[2]

فإن المقصود من التمسك بالعترة الطاهرة هو السير وفق هديهم المبارك، وهذا الهدي المبارك نأخذه من أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم. والصديقة الزهراء عليها السلام من المعصومين ومن أرز مصاديق أهل البيت عليهم السلام، ففي الحديث المروي عن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) أنها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قالت: فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى علي وفاطمة والحسن والحسين - رضي الله عنهم - أجمعين فقال : "اللهم هؤلاء أهل بيتي "، قالت أم سلمة : يا رسول الله ، ما أنا من أهل البيت؟ قال : " إنك أهلي خير ، وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق" [3].

فإذا كانت الشهيدة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) من أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، الذين أمرنا الله تبارك وتعالى بالتمسك بهم، فيكون قولها وفعلها تقريرها مصدر من مصادر المعرفة العقيدية والفقهية والأخلاقية، وتكون سيرتها من القسم الثاني في القضايا التاريخية المرتبطة ببيان الدين.

ومن هنا يقول علماؤنا (أعلى الله كلماتهم) إن ما وقع على الصديقة الشهيدة الزهراء عليها السلام من أحداث بعد ارتحال أبيها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليست مجرد أحداث تاريخية محضة، بل ما وقع هو منبع من منابع بيان أحكام الله تبارك وتعالى.

غصب فدك ودلالته

عندما غصبت أرض فدك من الصديقة الزهراء عليها السلام فإنها لم تقبل بذلك وطالبت بها، فاحتج عليها الخصم بحديث نُسب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا نورث ما تركناه صدقة"[4]، فلم تقبل الزهراء عليها السلام بهذا الحديث، وقد غضبت على من غصبها فدكا وهجرته ولم تكلمه حتى انتقلت إلى الرفيق الأعلى.

وهذا الموقف من الزهراء عليها السلام يهدينا إلى عدة حقائق:

أولا: إلى عدم رضى الله تبارك الله وتعالى لغصب فدك، وعدم إقراره سبحانه لرفع الحديث المنسوب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لا نورث ما تركناه صدقة - في وجه الصديقة.

ثانيا: عدم شرعية خلافة من تقدم على أمير المؤمنين عليه السلام والذي غضبت عليه سيدة النساء عليها السلام وقاطعته.

وبالعودة إلى الرواية التي قدمنا بها الحديث "يريبني ما رابها ويؤذيني ما أذاها" يتبين لنا أن الصديقة الزهراء عليها السلام من خلال مواقفها تعتبر مصدرا من مصادر معرفة أحكام الله تبارك وتعالى.

فإذا كانت عليها السلام لا ترضى على شخص، فنعلم أن هذا الشخص غير مرضي عليه عند الله تبارك وتعالى، وإذا غضبت على شخص، فنعلم أن هذا الشخص مغضوب عليه في ساحة الباري تبارك وتعالى، وهذا ما نستخلصه من قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك"[5].

ومن هنا يتضح أن مصيبتها عليها السلام ليست مجرد حدث تاريخي بل هي مصدر في تحديد الموقف الشرعي من قضية عقائدية هامة وهي الإمامة. فمن تقدم على أمير المؤمنين ليس إماما ولا خليفة، وذلك لأن الله تبارك وتعالى غضب عليه بغضب الزهراء عليه.

دلالات حديث فاطمة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها

عندما ينظر الكثير من العلماء والخطباء إلى هذا الحديث يقولون: إنه دال على عصمة الزهراء عليها السلام، ولكن أحد علمائنا (أنار الله برهانهم) نظر لهذا الحديث الشريف بنظر أعمق، فقال إنه يثبت أمرا فوق مقام العصمة، فهذا حديث عجيب جدا.

إن من أبرز صفات المعصوم أنه لا يرضى إلا لله سبحانه وتعالى ولا يغضب إلا لله جل وعلا، بينما هذا الحديث العظيم لا يثبت لنا هذا المقام، وهو أن الزهراء عليها السلام ترضى لله تعالى وتغضب لله سبحانه، وإنما يثبت أن الله تبارك وتعالى هو من يرضى لرضها ويغضب لغضبها (صلوات الله وسلامه عليها)، أي: أن التبيعة في هذا الحديث العظيم ليست من جهة الصديقة الزهراء عليها السلام وإنما هي من جهة رضا الله تبارك وتعالى وغضبه، ومن هنا فإن المضمون الذي يستفاد من هذا الحديث المبارك والذي هو فوق مضمون العصمة هو: أن الصديقة الزهراء عليها السلام إذا رابها أو أذاها أمر فإن ذلك الأمر يريب ويؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنها إذا غضبت على فرد، فإن لله  تبارك وتعالى يغضب لغضبها، وهذا يثبت لنا أنها سنخ ذات عالية أخذ الله رضاها وغضبها في ملاكات أحكامه.

حيرة وإرباك..

لقد أوقع هذا الحديث الشريف والعظيم المخالفين في حيرة وإرباك فهل يعترفون بمضمونه  فتنتفي عدالة الصحابة وإمامة من تقدم، أو يشككون فيه وفي مدلوله وشأن الصديقة ليسلم لهم ما يعتقدون؟

بعض المخالفين في تعليقته على صحيح مسلم، وعندما تعرض لحديث غضب الصديقة الزهراء على من تقدم في الخلافة على أمير المؤمنين، وهجرانها له إلى أن توفيت قال: عند المخاصمة لا يبقى للإنسان عقل يدرك به ما يقول أو ما يفعل، أو ما هو الصواب فيه؛ فنسأل الله أن يعفو عنها، وعن هجرها خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

[ذات صلة]

وفي الحقيقة فإن ما ألجأ هذا المتحدث للقول بهذا القول المنكر، هو المشكلة الكبيرة والحيرة الخطيرة التي وقع فيها بسبب هذا الحديث الشريف "يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها" فهو أمام هذا الحديث الشريف وقع بين خيارين:

الأول: تصديق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقول إن حديث النبي يدل على ما وقع مباشرة بعد ارتحاله وهو إيذاء له، وبالتالي فإن ما حدث من أمر لا قيمة له من الناحية الشرعية.

الثاني: أن يحط من قيمة الصديقة الزهراء عليها السلام فيكون بذلك خارج الورطة.

إن ورود روايات في كتب العامة في مدح الصديقة مع موقفها المعارض لحكومة من تقدم دليل على صدور تلكم الروايات وحقانيتها لأنه ليس من مصلحتهم مدح ورفع شأن هذه المعارضة الكبيرة لحكم من يعتقدون حكومته ، ولهذا حط من قدرها من تقدم نقل عبارته وكانت (عليها السلام) اليوم من أقل الناس ذكرا في كتبهم ونواديهم .

 الهوامش

——————

[1] صحيح مسلم ،  كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ - بَاب فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَامُ

[2] مسند أحمد، الحديث رقم 10720 .

[3] المستدرك على الصحيحين، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الأحزاب، جمعه صلى الله عليه وسلم أهل بيته وقوله اللهم هؤلاء أهل بيتي.

[4] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا فهو صدقة.

[5] المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم » غضوا أبصاركم عن فاطمة حتى تمر.

2018/03/09

كاسيات عاريات: ما أخبرنا به النبي أصبح واقعاً

البعض من النساء يرتدين الحجاب من دون اعتقاد بأنه فريضة إسلامية يتكفل بحفظ وصيانة العرض والشرف، ويضمن كرامة الأسرة وطهارة الفرد والمجتمع. بل يعتبرنه تقليداً عائلياً أو أمراً اجتماعياً، بل البعض يعتبرنه عبئاً على كاهلهن. وما هذا إلا بسبب ستر بعض أجسامهن وكشف البعض الآخر وتغطية جزء من الرأس وإبداء أجزاء أخرى.

ترتدي حجاباً يغطي رأسها وشعرها بينما تضع على وجهها مساحيق التجميل والألوان المغرية ترضي نفسها وتسخط الله تعالى. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أيّة امرأة تطيّبت ثمّ خرجت من بيتها، فهي تلُعن حتّى ترجع إلى بيتها متى رجعت"، ([1]).

وقال (صلى الله عليه وآله): (سَيَكُونُ آخَرَ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ العجاف، الْعَنُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ)([2]). وفي الحديث الشريف إشارة واضحة إلى ما يجري في زماننا هذا من كون بعض النساء (كاسيات عاريات)، فهي تستر شيئاً وتكشف آخر، تخفي جزءاً وتظهر جزءاً آخر. أما قوله (صلى الله عليه وآله): (عَلَى رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ العجاف). (البخت العجاف): (البخت: أي النوق (جمع ناقة)، والعجاف: جمع عجفاء، أي الهزيلة. وقد بدأت هذه الحالة التي وصفها النبي (صلى الله عليه وآله) تظهر في مجتمعاتنا الإسلامية مع كل الأسف بشكل واضح وملموس. فترى المرأة تخرج من دارها وقد جمعت شعرها فوق رأسها بشكل يلفت الانتباه، ويجذب الناظرين، وكأنه سنام الناقة الهزيلة. ولا يكون الحجاب الذي تغطى به المرأة راسها مجدياً للنفع حينذاك، لما في فعلها المذكور من تبرج وجاذبية للرجال الأجانب يفضي إلى الافتتان وشيوع الفحشاء وسقوط القيم والمبادئ تدريجياً. يقول الشاعر: فتحجبي بنت العفاف ترفعا عن أعين الفساق في النظرات إن الحجاب وقاية الأعراض من سفه السفور وذلة اللذات

[ذات صلة]

فإن المرأة العفيفة الطاهرة تتجنّب الزينة والسفور وكل ما يجذب انتباه الرجال الأجانب، وكأنها الدرّ في كامن الصدف. بينما تجد أن المرأة المبتذلة الرخيصة تسعى لجذب الرجال الأجانب بوسائلها الشيطانية، اتباعاً للهوى وانقياداً للشيطان مضحية بأثمن وأعزّ ما تملك، وهو شرفها. فإن مسالة التبرّج لن تنتهي بنظر الرجال الأجانب أو تحرشهم بالمرأة السافرة أو المتزينة وما يتبعه من انحراف وانحطاط لأولئك الناظرين وخصوصاً الشباب، بل قد تتعداه إلى نتائج غير محمودة للفتاة والشاب والأهل.

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

________________________________________

([1]) مستدرك سفينة البحار: ج4. ([2]) كتاب التاج: ج3 كتاب اللباس ص 179و289.

2018/02/27

خلو القرآن من أسماء الأئمة (ع): تعرّف على ما هو أبلغ من التصريح بها

إن الدين عقائداً وأحكاماً أصولاً وفروعاً لا يمكن اقتصار استنباطها من القرآن الماثل بين أيدينا فالوحي الواصل إلينا سواء أكان بعنوان "القرآن" ام بعنوان "السنة" يجب الأخذ به والعمل بموجبه لعدم الفرق بينهما من جهة المعنى كما مر في مقالات سابقة بينا فيها وحدة وتطابق القرآن الكريم بالسنة.

القرآن الكريم
نعم، وحي السنة من النبي (صلى الله عليه وآله) لفظا بخلاف القرآن فهو لفظاً ومعنىً من الله تبارك وتعالى، وعلى هذا الأصل الأصيل والبناء الرصين يصبح من الإلحاد في الوحي التفرقة بينهما في الأخذ والعمل فيؤخذ بالقرآن مثلا وتترك السنة، وعليه فلو بين لنا النبي (صلى الله عليه وآله) اسم الوصي صح لنا القول إن إمامته جاءت في القرآن بالبيان النبوي، وقد وقع ذلك فعلاً من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فأشار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالوصاية في مناسبات وأحاديث شتى في عناوين نذكر منها للمثال لا الحصر:
1ـ حديث المنزلة والذي جاء بصيغ منها ما اشتمل على لفظ الخلافة ومعناها: (لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي في كل مؤمن). 
وهو حديث صحيح، رواه كبار المحدثين وصححوه كالذهبي والحاكم([1])، وكذلك حسّنه الألباني([2]).
والحقيقة أكثر من ذلك فإن أصل الحديث متواتر كما نص على ذلك السيوطي في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة([3]).
2 ـ وحديث الغدير المتواتر (من كنتُ مولاه فعلي مولاه...)
وقد نص على تواتره السيوطي أيضاً في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة([4])، وحكم بتواتره الألباني أيضاً في السلسلة الصحيحة([5]).
3 ـ وحديث الثقلين المتواتر أيضاً، حكم بتواتره كلٌ من:

أـ سامي أنور خليل جاهين المصري الشافعي قائلا: ".. فحديث العترة بعد ثبوته من اكثر من ثلاثين طريقاً وعن سبعة من صحابة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم)، وصحته التي لا مجال للتشيك فيها يمكننا أن نقول إنه بلغ حد التواتر"([6]). 
ب ـ وأبو الفتوح التليدي أيضاً ونص عبارته:
".. والحديث وارد عن جماعة يفوقون العشرين بل أصله متواتر.." اهـ([7]). 
وغيرها من الأحاديث الصحيحة والمتواترة الدالة على إمامة أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وما عرضناه ـ على اختصاره وإجماله ـ يغني اللبيب.
ذكر الوصف أبلغ
إنّ الإشكالية المزبورة تفترض أصلا مفاده إنّ الاسم دائما أوضح من الوصف، وهذا الأصل غير تام فإنّ الوصف قد يكون أبلغ من الاسم (العلم).


والسر في ذلك الاشتراك اللفظي الواقع في أسماء الأعلام من جهة وتضمنها ـ في الغالب ـ معنى الصفة من جهة أخرى ولهذا لم يعتبر النحاة أسماء الأعلام أعرف المعارف.

ولعله من هنا اكتفى القرآن الكريم بذكر أوصاف وعناوين لا تنطبق إلا على الأئمة كـ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([8])، و{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}([9]).
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس إنه قال: " وَآلُ عِمْرَانَ المُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ..."([10]) وغيرها من الآيات.
حفظا للقرآن الكريم
من إحدى الوجوه المتصورة لحكمة خلو القرآن الكريم من أسماء الأئمة هو الحفاظ عليه وصيانة آياته الشريفة من سهام المنافقين، فيتهموا جبريل بالهجر في حال اشتمال النص القرآني على أسماء الأئمة ويشيعوا ذلك بين الأمة، كما وقع فعلاً منهم اتهام النبي (صلى الله عليه وآله)، الأعظم من جبريل نفسه ــ بالهجر أو بغلبة الوجع عليه، في الحادثة المشهورة بـ (رزية الخميس) حين أراد ان يكتب للأمة كتاباً يضمن لهم هدايتهم ويؤمّنهم من الضلال.

[ذات صلة]
عن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ»..."([11]). 
وما ربما يقال في المقام من عدم إمكان تصور ذلك لتعهد الله تبارك وتعالى بحفظه وصيانته صراحة بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([12])، فغير وجيه بالمرة بل أجنبي عن روح الإجابة السابعة، فإن مقصود الآية حفظه في الحقيقة والواقع لا في أنظار سائر البشر طرا، وإلا فما معنى اتهام المخالفين للشيعة باعتقاد تحريف القرآن؟! 
يتبع...________________________________________
([1]) المستدرك على الصحيحين: ج 3 / 143 / حديث رقم / 4652.
([2]) ظلال الجنة في تخريج السنة: حديث رقم / 1188.
([3]) قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: ص 281.
([4]) نفس المصدر السابق: ص277.
([5]) السلسلة الصحيحة: 4/330 / رقم الحديث / 1750.
([6]) الزهرة العطرة في حديث العترة: ص 69 ـ 70.
([7]) الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النبوي والذرية الطاهرة: ص 14.
([8]) سورة المائدة: 55.
([9]) سورة آل عمران: 33.
([10]) صحيح البخاري: 4/163.
([11]) صحيح البخاري: 4/69-70.
([12]) سورة الحجر: 9.
 

 

2018/02/25

من الواقع: 10 آثار للتبرج والسفور

 

للتبرّج والسفور عواقب وآثار وخيمة نوجز منها ما يلي:

1.فساد أخلاق النساء وانحرافهن عن الإسلام وارتكابهن لمعصية كبيرة.

2.فساد أخلاق الرجال خاصة الشباب ودفعهم إلى ارتكاب الفواحش المحرمة.

3. المتاجرة بالشرف والعرض في أماكن اللهو والفساد، وازدياد نسبة الفحشاء والمنكر، وبالتالي سقوط المجتمعات الإسلامية تحت طائلة الانحراف.

4. التبرّج والسفور يدلاّن على سوء نية وسريرة النساء المتبرجات ويعرضهن للاعتداء من قبل الأراذل والأشرار.

5. انتشار الكثير من المفاسد والأمراض وفتح الباب لارتكاب الكثير من المعاصي وعلى رأسها معصية الزنا.

6.التبرج يجعل المرأة كالسلعة المهينة التي لا قيمة لها ولا اعتبار، كونها مبتذلة يتصفحها ويتأمل محاسنها القاصي والداني من الرجال الأجانب.

7.انتزاع الفضيلة والحياء من رؤوس المسلمين، مما يستلزم ذهاب الإيمان وغياب التقوى وانعدام العفة.

قال الإمام الباقر (A): (الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه)([1]).

8. تفكّك أواصر الأسرة وازدياد نسب الطلاق وشذوذ الأبناء، بسبب الخيانة والعلاقات غير المشروعة التي هي من أبرز نتائج التبرج والسفور والاختلاط المحرم بين الرجال والنساء.

9. ارتفاع نسبة الجريمة بسبب جري الرجال خلف النساء المتبرجات لإشباع شهواتهم، مما قد يؤدي أحياناً إلى ارتكاب جريمة الاغتصاب وغيرها من الجرائم القبيحة.

10. انعدام القيم والمبادئ الإسلامية وانتشار الفكر الغربي والمعادي للإسلام، وبالتالي ضياع الهوية الإسلامية، وهذا ما يهدف إليه الكفار منذ بزوغ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا. ولتعلم المرأة المتبرجة أنه ما من رجل يبتلى اليوم بما يفتنه ويصده عن ذكر الله والطريق المستقيم إلا كانت المرأة المتبرجة سبباً في انحرافه وضياعه.

وهي شريكة في وزره وما يفعله من محرمات وقبائح وستلقى يوم القيامة حساباً عسيراً.

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: Pلَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَO([2]).

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة


([1]) بحار الأنوار: ج68، ص 331.

([2]) سورة المائدة: آية: 80.

 

 

 

 

2018/01/09

التشخيص نصف العلاج: كيف تعرف إنك مصاب بـ "الاكتئاب أو القلق"؟

 

علينا أن ندرك أنّ تعاظم المشاعر قد يُحدث مشكلة لدى الإنسان وتسمّى هذه المرحلة بداية المرض النفسي. القلق والاكتئاب هما أكثر الأمراض النفسية انتشارا كذلك قد يُصاب الإنسان بالمرضين معاً وتكثر هذه الحالة عند النساء.

الاكتئاب

يعاني كثير من الأشخاص من الاكتئاب بدرجة خفيفة إلى متوسطة وفي معظم الحالات يكون الاكتئاب ناتجاً عن ظروف الحياة المختلفة.

 معظم هؤلاء الأشخاص لا يراجعون أي أخصائي نفسي اذ يشعرون بالعار إذا ما تمّ تشخيصهم كمرضى نفسيين.

أما أعراض الاكتئاب الخفيف فهي الشعور بمزاج سيئ والرغبة في البكاء ويترافق مع ذلك فقدان للشهية وشعور بالتعب كذلك يعاني المصاب من عدم انتظام في النوم وضعف في التركيز.

في حالات الاكتئاب المتوسط تكون هذه الأعراض أشد وطأة إلّا أنّه غير معيق عن ممارسة النشاط اليومي الطبيعي للإنسان. حوالي سبعين بالمائة من حالات الاكتئاب الخفيف والمتوسط تنتهي في خلال ستة أشهر.

الاكتئاب الشديد يكون تأثيره أكبر وأشدّ بكثير إلّا أنّه أقل شيوعاً وندرةً من النوعين السابقين. تتشابه الأعراض مع الاكتئاب البسيط والمتوسط إلّا أنّها في هذه الحالة تعطّل الحياة وتكون شديدة التأثير على الشخص المصاب ففي حالة الاكتئاب الشديد يعاني المريض من مزاج سيئ بشكل دائم وخاصةً في الصباح.

يترافق الاكتئاب الشديد مع شعور شديد باليأس والشعور بالذنب وبعدم القيمة. وفي المراحل المتأخرة والصعبة يصبح الكلام والتفكير والحركة تتّسم بالبطيء والتراخي وباللامبالاة.

في هذه المرحلة تكون الأفكار المسيطرة على الشخص هي الإقدام على الانتحار بحيث تغدو هذه الخطوة أمراً وارداً والحقيقة أنّ الانتحار بين الأشخاص الذين يصلون إلى هذه المرحلة هو أمر شائع.

إمكانيات العلاج

في حالة الاكتئاب الخفيف والمتوسط عادةً ما تكون الآذان الصاغية والمتعاطفة بالإضافة إلى الدعم من المحيطين مع إمكانية الاستشارة الطبية عادةً ما تكون كافية لعلاج هذه الحالات دون الحاجة إلى اللجوء إلى تناول الادوية.

أما في حالة الاضطرار إلى تناول الادوية بعد استشارة الطبيب المختص يجب أن يتمّ تناولها لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر للحصول على النتائج الدائمة المرجوة من هذا العلاج.

القلق

 القلق القصير المدى هو ظاهرة كثيرة الحدوث عند البشر وهو أمر شائع جداً إلا أنّ هناك نسبة من البشر يعانون ممّا يسمّى اضطراب القلق العامّ وهو حالة مرضية طويلة الأمد والتي عادةً ما تتذبذب في درجة شدّتها.

في هذه الحالة يعاني المريض من العديد من الأعراض النفسية والجسدية التي تدلّ على الإصابة بالمرض مثل جفاف في الحلق، رعشة، شعور بالدوار والصداع، مشاكل في الهضم، خفقان، وضيق في الصدر.

بالنسبة للأعراض النفسية فهي شعور الإنسان بالخوف، الانزعاج، الاضطراب بالإضافة إلى شعور الإنسان بحساسية زائدة للأصوات وقد يعاني المصاب من الكوابيس والأرق.

أما الاضطرابات السلوكية التي تترافق مع القلق فهي نوبات الذعر والرهاب. في الحالات الأقل حدةً يسمى الشخص بالشخصية القلقة بمعنى هؤلاء الأشخاص يعانون مدى الحياة من قلق زائد وتوتر في كلّ نواحي حياتهم بحيث يكونون في حالة ترقب دائم.

ما هي إمكانيات العلاج؟

إنّ أعراض التوتر يمكن تخفيفها إلى المستويات الدنيا عن طريق تخفيف كمية المنبهات مثل    الشاي والقهوة.

أما الأعراض الجسدية التي تترافق مع حالة القلق فإنّها قابلة للعلاج عن طريق تناول الادوية. والعلاج بالاسترخاء وتمارين التنفس العميق من الممكن أن تخفّف من التوتر وتحسّن من قدرة الإنسان على كبح جماح نوبات القلق المفاجئة.

 العلاج النفسي قد يعطي نتائج جيدة عند المرضى الذين يعانون من الحالات المزمنة من القلق وخاصةً طريقة العلاج التي تدعو المرضى لأن يُخضعوا مخاوفهم للدرس المنطقي بحيث يخفّ تأثير الخوف.

*مركز الإرشاد الأسري

 

 

 

2018/01/06

الحجاب الإسلامي: ما هي حدوده؟

يجب على المرأة ستر جميع بدنها عدا الوجه والكفين، فلا يجب سترهما إلا إذا كان فيهما زينة أو كان هناك ناظر أجنبي ينظر إليها بلذة أو ريبة أو كان مع خوف الوقوع في الحرام جراء ذلك.

[اشترك]

وقد تكفّلت الشريعة الإسلامية ببيان المواصفات والشروط التي يجب توفرها في الحجاب الإسلامي نستعرضها فيما يلي:

شروط الحجاب الإسلامي

1-     ستر جميع البدن عدا الوجه والكفين.

2-     أن لا يكون قصيراً أو ضيقاً او شفافاً بحيث يكشف لون البشرة أو يجسّم مفاتن المرأة، فلا يجوز لبس ما كان مجسماً لمفاتن البدن أو مبرزاً لها.

3-      3. أن لا يكون مثيراً للفتنة حتى أمام النساء.

4-     أن لا يكون في نفسه زينة كالمزخرف والملون والمطرز وأمثالها التي تثير انتباه الناظرين وتجذبهم.

5-      أن لا يشبه ملابس الرجال.

6-     أن لا يشبه ملابس الكافرات، فإنه يحرم التشبّه بالكفار.

7-      أن لا يقصد به الشهرة، فيحرم ارتداء ملابس الشهرة.

8-      الحجاب الذي يستر رأس المرأة يشترط أن لا يكون ملوناً بألوان جذابة وصارخة أو مزخرفاً بشكل يثير انتباه الآخرين ويجذبهم. فقد حرّمت الشريعة مثل هكذا حجاب، كما يحرم على المرأة أن تتزين وتضع مساحيق التجميل على وجهها أمام الناظر الأجنبي، فقد حرّم الشارع المقدس كل زينة توضع على بدن المرأة، لما في ذلك من بواعث الفساد والانحراف وزرع الفتنة والريبة في قلوب الآخرين.

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

 

 

2018/01/02

قدسية كربلاء وانتهاك الحريات

لقد أثار القانون الجديد الذي أقره مجلس محافظة كربلاء المقدسة جدلاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية بين مؤيد ورافض للفكرة، وبموجب هذا القانون تمنع بعض التصرفات التي كانت سائغة في السابق والتي تتعارض مع الشرع المقدس نظراً لقدسية تلك البقعة.

بعيداً عن تأييدنا لهذا القانون من عدمه، صدق نوايا الجهات المتبنية لتفعيل هذا القانون، أشر هنا إلى الهجمة التي شنها بعض المتباكين على انتهاك الحريات الشخصية، داعين من شرعوا هذا القانون الى الاهتمام بالواقع الخدمي بدل التضييق على الناس.

وقبل كل شيء لابد أن نعرف ما هو مفهوم الحرية سعة وضيقاً؟

إن الحرية من أهم المطالب التي يسعى الإنسان لتحصيلها، بل لا معنى للإنسانية من دونها لأن الإنسان دونما سواه من المخلوقات الأخرى يحاول التعبير عن رغباته وميوله دون تكبيل، ولذا فإن المناضلين من أجلها قد مجدتهم الأمم التي ينتمون إليها، وتغنى بهم الشعراء والأدباء، ونقشت رسومهم على الأوراق النقدية، وسميت بإسمهم المرافق والمؤسسات المختلفة.

أما مفهوم الحرية فهو من المفاهيم التي لم تستقر كلمات الباحثين على تعريف معين لها، بل كان لها أفهام متباينة تختلف باختلاف الزمان والمكان.

حيث ترى بعض المدارس الفكرية اليونانية (الأبيقورية) أن معنى كون الإنسان حراً حينما لا تكون هناك قيود لرغباته.

أما المادة السادسة في دستور الثورة الفرنسية فقد عرف الحرية بالتالي (استطاعة الإنسان أن يفعل كل مالا لا يضر بالآخرين)

وفي تعريف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي الصادر سنة 1789م، جاء فيه (حقُّ الفرد في أن يفعل كلّ ما لا يضرُّ بالآخرين).

الحريّة في الإسلام

لقد أرسى الإسلام أجلى مفاهيم الحرية، واعتبرها من ضروريات حياة الفرد والمجتمع، ولذا حض على مواجهة كل من أراد تكبيل المجتمع والحد من تطوره، نعم يشترك الإسلام مع الأيديولوجيات الوضعية التي تعتقد أن معنى الحرية = (كسر القيود)، ولا شك في أن الناس بصورة عامة لا بد أن لا يقيدهم قيد يساهم في تأخر النوع البشري، لكن كسر القيود بالمفهوم الغربي مختلف عنه في نظر الإسلام، فالحرية الغربية ترى أن الإنسان لا بد أن يتحرر من كافة القيود بما في ذلك القيود الأخلاقية والاجتماعية مما يعني كسر القيود أمام الغرائز والكوامن النفسية المكبوتة عند الإنسان، فيحق لأي أحد إشباع رغباته وميوله الجنسية مثلاً خارج نطاق المؤسسة الزوجية، ويحق له مشاهدة كل ما يثير هذه الغرائز من المسموع والمرئي ، ويحق له التعري وشرب الخمر والرقص، ويحق للمرأة التبرج وكشف جسمها وإقامة العلاقات خارج إطار الزوجية، إذن يتضح أن شكل الحرية الشخصية قائم على إباحة الملذات ليس أكثر، وأما في الإسلام فيرى أن هذه الأشياء التي يعتقد أنها حرية في منظور الغرب هي نفسها القيود التي تكبل الإنسان وتجعله أسيراً لها وعليه ينبغي التحرر منها، ولذا فقد عاتب الله تعالى من أخلد الى الراحة والتنعم في اللذائذ الدنيوية وترك الهدف الأخروي المرسوم للبشرية بقوله عز من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) التوبة 38

فالقرآن الكريم يعبر عن هذه القيود بأنها تثاقل ولذا يدعو الى تحطيمها عبر تذكيره بأن الدنيا ما هي إلا محطة زائلة.

ولأن المشرع الحكيم فقد كانت قوانينه وفق قاعدة المصلحة والمفسدة باعتباره خالق البشر وهو أعرف بمصالحهم، فهو من جهة لم يكبح الجانب الغريزي الذي هو حاجة ملحة عند الإنسان وإنما قننه وفق إطار محدد، ونهى عن بعض التصرفات باعتبارها تسبب مفسدة للفرد والمجتمع، هذا من جهة ومن جهة أخرى فحتى الحرية في الغرب وإن كانت تحت مسمى كسر القيود، إلا أن هذا الشعار هو في حدود التصرف الشخصي، ولذا ذكرت التعاريف السابقة أن حرية الفرد تنتهي عند حرية الآخرين، بمعنى آخر أن تلك الحرية المدعاة وإن كانت مطلقة كما يروج لها إلا إنها في إطار ضيق وبشرط أن لا تتعارض مع حرية المجتمع، فعلى سبيل المثال يباح لكل أحد شرب السكائر إلا أن هذا الفعل ممنوع في المؤسسات العامة، ما يعني وجود حرية لكنها ضيقة، أما على صعيد الفكر فهناك تقييد كبير في هذا المجال وإن كان الإعلام يخالف الحقيقة، فعلى سبيل المثال تجرم أكثر الدول حرية في العالم الفكر النازي أو الفاشي، مما يعني أن تلك الدول قد لاحظت أن هذا الفكر يشكل خطراً على مجتمعاتها ولذا سارعت الى حظره، وكذلك حرية المعتقد فهي أثر بعد عين إذ تمنع بعض الدول الغربية النساء المسلمات من ارتداء الحجاب في المرافق العامة، بل وقامت بإجبارهن على ارتداء ملابس فاضحة بغرض تعلم السباحة، إذن يتضح أن هناك توافق في الجملة بين الحرية التي يدعو لها الإسلام والحرية وفق المنظور الغربي من حيث التطبيق، فكلا الأيدولوجيتين تدعو الى تقييد الحرية الشخصية إذا كانت تمس حرية المجتمع وتخالف ثقافته وأدبياته.

إذاً، من خلال هذا السرد يتضح أن من حق المجتمع المتدين في المحافظات المقدسة أن يمارس حريته، وأن لا يعتدي عليها بعض المتطفلين بدعوى أن حق الحرية الشخصية مكفول، ولهم أن يقوموا بكل ما يشوه طابع تلك البقاع، فمن حقي كمتدين أن لا يقيم شخص يسكن الى جانبي بإقامة حفل موسيقي صاخب، باعتباره اعتداء على حريتي وحرية المجتمع الذي أنتمي، ومن حقي أن لا أشاهد صالات القمار والملاهي منتشرة في أجواء ترعرعنا ونحن ندينها ونرى أن مرتاديها  من شواذ المجتمع، هذا وفقاً لمنظور الحرية التي يتبجح بها الكثيرون والتي لا يفهمون منها إلا شيء واحد وهو التهتك والتحلل من كل القيود الاجتماعية والأخلاقية على حساب أعراف المجتمع وأدبياته.

 

 

 

2017/12/30

للنساء فقط: 11 وصية لتكوني سعيدة مع الرجل

 

 بداية ينبغي أن تعلمي أيتها الزوجة الكريمة أن الله سبحانه وتعالى عندما جعل الرجل هو القيم عليك لم يكن ذلك نقصا من قدرك بل رفعة من شأنك وحفاظا عليك وتنظيما لأمور الزواج والاسرة، فإن اي عمل إذا لم يكن له منظم فسيفشل وهكذا هو الزواج، ثم ان الله سبحانه وتعالى اعطاك من القدرة والحنان ما تستطيعين من خلاله ان تحافظي على زوجك واسرتك.

من هنا ينبغي الالتفات إلى الأمور التالية:

1-    كوني امرأة صالحة:

عليك ان تبني نفسك من الناحية الدينية اولاً، فهذا مفتاح سعادتك الزوجية فالمرأة الصالحة يكون لديا الثقة بالنفس والاطمئنان الذي يجعلها قادرة على مواجهة كل ما قد يكدر صفو عيشها وذلك لأنها تبحث عن رضا الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، يقول النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة" (ميزان الحكمة ج4ص288).

2-    اخدمي الزوج والاسرة بكل فخر واعتزاز:

صحيح ان خدمة الزوجة في منزلها ليس بواجب شرعي عليها كما او كيفا، ولكنها تعتبر من العمل الصالح الذي فيه رضا الله تعالى ومما ينظم الاسرة ويبعث على السعادة والسرور ولا تنظري الى أحاديث الناس ووساوس النفس الامارة بالسوء وتزيين الشيطان الرجيم، بل انظري الى ما أعده الله تعالى للزوجة الصالحة التي تقوم بهذه الخدمة فجاء عن الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم): "ايما امرأة خدمت زوجها سبعة ايام اغلق الله عنها سبعة ابواب من النار، وفتح لها ثمانية ابواب من الجنة تدخل اينما شاءت " (ميزان الحكمة ج4ص286).

3-    اياك والاذية بالكلام او التصرف:

 إن من الامور التي تبعث على اغضاب الرجل وكرهه لزوجته هو الكلام او التصرف الخشن المؤذي الذي يشعر الزوج بأنه يحط من قدره ويقلل من شعوره بأن هذه الزوجة تسعده وتحترمه؛ لذلك حاولي ان لا ترفعي صوتك فوق صوته واختاري الالفاظ الجميلة المحترمة في حديثك معه او مناقشتك له في بعض الامور العائلية ولا يصدر منك اي تصرف وضيع؛ لان ذلك مما يكرهه الله تعالى قبل ان يكرهه الزوج ومما يؤدي الى افساد السعادة الزوجية، فاحذري ان تقعي في مثل ذلك وانظري الى العقاب او السيئات التي تنتج عن هكذا تصرف فعن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم):  "من كان له امرأة تؤذيه لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى تعينه وترضيه وان صامت الدهر، وعلى الرجل مثل ذلك الوزر اذا كان مؤذيا ظالما" (ميزان الحمة ج 4 ، ص 287).

4-    ليكن رضا الزوج هدف دائم:

لا شك انه اذا كان الزوج راضيا عن زوجته فانه يشعر واياها بالسعادة والاطمئنان وسيعاملها بالأحسن وسيحترمها ويقدرها اكثر فعليك ان تعلمي ايتها الزوجة الكريمة ان رضا الزوج فيه رضا الله تعالى فاسعي دائما لتحصيل رضاه وتأكدي من رضاه في كل يوم وليلة، واشعريه ان رضاه عليك فيه سعادتك ونشاطك، مثل كأن تقولي له: "ان رضاك عني يزيدني حبا لك ونشاطا في خدمتك وخدمة عيالك" كما في قول النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) "ويل لامرأة اغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها " (لالئ الاخبار ج3ص286).

5-    أظهري له العشق والحب والاهتمام به:

الرجل مثل المرأة بحاجة دائما الى من يخاطب احاسيسه العاطفية خصوصا ان مشاغله خارج المنزل واثناء العمل تلقي عليه عبئا ثقيلا، وعندما يعود الى المنزل عليك ان تبادريه بالكلام الطيب والمجاملة، فعن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) "من حق الرجل على المرأة ان تستقبله عند باب بيتها اذا رجع وان تشيعه اذا ذهب" (مستدرك الوسائل ج 3  ص )551.

6-    لا تقابلي الاذية بمثلها ولا الغضب بمثله:

عليك ان تعلمي ايتها الزوجة العزيزة انه ما من رجل الا وقد تصدر منه بعض الاذية لزوجته عن قصد او غيره، خصوصا في حالات المشكلات والغضب، لكن في هذه الحالة عليك ان تكوني صبورة وهادئة ولا تنفعلي مع تصرفاته؛ لأنك لو فعلت ذلك كبرت المشكلة وازدادت سوء الخلق بينما لو صبرت فإن لك الاجر العظيم عند الله. عن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) "من صبرت على سوء خلق زوجها اعطاها الله مثل ثواب آسية بنت مزاحم (زوجة فرعون)" (ميزان الحكمة ج4 ص288).

7-    كوني الزوجة الذليلة مع زوجها:

ربما يعتقد البعض ان تكون المرأة ذليلة لزوجها وهذا اجحاف بحقها ومهانه لها، وربما يعتقد البعض هذا او اكثر من ذلك، ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ لأننا عندما ننظر الى الامور بدقة، والى مستقبل الحياة الزوجية سوف يتضح لنا معنى آخر للتذلل الذي ندعو إليه، فالذلة نقصد بها "المسكنة" و "المطاوعة" وهو يتناسب ان تتصف به الزوجة مع زوجها فإن الزوجة بحاجة ان تشعر نفسها قبل زواجها انها في اشد الحاجة للانسجام معه وان سعادتها ومستقبلها مرتبطان به، فلابد من ابراز ضعفها والمسكنة أمامه وأنها بحاجة كبيرة لوجوده، وخفض جناح الذل له، كما يبرز فرخ الطائر مسكنته وضعفه امام امه؛ كي تغذيه وتحنو عليه وتحميه وتدافع عنه ويبرز الولد ضعفه ومسكنته وذله امام والديه، فكذلك الزوجة مع زوجها. فإن الزوجة وان كانت عزيزة في اهلها او في نفسها وعندها من الصفات الجمالية والكمالية والمادية الشيء الكثير، ولكن يلزمها ان تخفض جناح الذل لزوجها، وتشمله برعايتها وحنانها وعطفها وتكون كالخيمة له التي تظلله.

فعن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم): "ان خير نسائكم الولود، الودود العفيفة، العزيزة في اهلها، الذليلة مع بعلها" (الكافي ج5ص324).

8-    لا تقولي هذا الكلام ابدا:

ايتها الزوجة، ان الزوج بحاجة الى العاطفة التي انت مصدرها، انه بحاجة الى الابتسامة المشرقة منك التي تبدد ظلمات الكآبة التي تعترضه في الحياة انه يريد ان يرى الانسانة التي تعتني به وتظهر له الاهتمام الكبير وتشعره انه بالنسبة اليها قطب الرحى واساس السعادة، انه يريد ان يسمع كلمة الشوق والشكر والحب والرغبة في الانس به واللقاء، فرددي بين الحين والاخر عبارات الاعجاب بمزايا واذكري له اعتزازك بالزواج منه فالحياة الزوجية التي تفقد من قاموسها الكلمات الطيبة والجميلة والعبارات الدافئة، حياة قد افلت انجم السعادة فيها. فعن الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم) "ان في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقيل لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن اطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام " (بحار الانوار ج8ص119.)

9-    كوني المجاهدة في حسن التبعل:

حسن التبعل يحتاج الى لياقة واخلاق وصبر، بل والى ذوق وفطنة خاصة، فالله تعالى اعطى المرأة قدرة واضحة على ادارة شؤون المنزل بشكل يريح جميع الاسرة، من هنا لابد لك ايتها الزوجة الكريمة ان تتأملي وتفهمي جيدا المراد والمقصود من قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم) "جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها" (بحار الانوار ج103ص247).

10-                       حافظي على جمالك واناقتك:

ان حفاظك على جمالك واناقتك له تأثير كبير على حالتك النفسية، فالمرأة المهملة لهذا الجانب عرضة لان ينفر منها زوجها، فلا يطيق الجلوس معها، وهذ بلا شك يؤثر سلبا على نفسيتها وليس هناك من حل الا ان تعيد هذه المرأة النظر في شأن جمالها وتزينها لزوجها.

11-                       انتبهي لحظة غضب زوجك:

لا يوجد بيت يخلو من المشكلات وليس هناك زوج لا يغضب ولا يثور ولكن المرأة الذكية هي التي تعرف كيف تتصرف لتمتص غضب زوجها بهدوء ومحبة وحل الامور بينهما وعدم اعطائها اكبر من حجمها.

ختاما اود ان اذكر كلا الطرفين (الزوج، الزوجة) بأن السعادة الزوجية مطلب كل عاقل ومن دونها تصبح الحياة مليئة بالمشكلات والقلق والاضطرابات، ويفقد المجتمع ركنا اساسيا من اركان استقراره وهو بناء الاسرة لذلك ينبغي الوقوف على هذه النقاط وغيرها وفهمها جيدا من اجل معرفة ما علينا القيام به اتجاه الزوج، لكي تبنى الحياة الزوجية على اساس متين لتصبح الحياة سعيدة، مطمئنة، خالية من المشكلات، منتجة لمجتمع صالح تسوده المودة والمحبة.   

 

*مركز الإرشاد الأسري 

2017/12/27

الانتماء لمن؟.. للوطن أم للطائفة؟!

تتفاوت أسباب ضعف الشعور بالانتماء الوطني حيث شكلت العقود الأخيرة بروز هذه الظاهرة بشكل ملفت، على الرغم من وجود كل العوامل الشرعية أو القانونية أو الاجتماعية التي تدعو الى التمسك بالوطن و الانشداد إليه وحماية ترابه،  لكن على الرغم من ذلك نجد أن العكس هو الصحيح، حيث تطغى على المجتمعات ـ وخصوصاً العربية منها ـ صفة النفور من الإحساس بالمسؤولية تجاه الأرض التي نشأ عليها أفراد تلك المجتمعات، بل حتى بعض المجالس التي قد يطرق بها ما يمت لهذا الموضوع بصلة تجد أن الحضور لا يتفاعلون معه بشكل جدي، وهذا الأمر له تداعيات خطيرة، حيث شاهد العالم برمته شباب تلك البلاد يركبون أمواج الموت العاتية مع فرصة نجاة ضئيلة لمجرد فكرة الخلاص عن الأرض التي ترعرعوا عليها، وبالرغم من أن كثير من الفارين ممن له مؤهلات علمية، ولعلك تتفاجأ أن هذا الشعور قد ينعكس على الشعور السلبي تجاه كل ما يمت للوطن بصلة، من قبيل المرافق والمؤسسات الوطنية، حيث شاهد السواد الأعظم منا كيف يقوم البعض بالاستيلاء على ممتلكات تلك المؤسسات، وإذا كان الشيء مما لا يمكن الاستيلاء فإحداث ضرر يكون كفيلاً بخروجه عن الخدمة.

السؤال... لماذا نلاحظ أن الانتماء للطائفة والقبيلة أصبح مقدماً على الانتماء للوطن؟

لماذا أصبح من يتشارك معي بالهوية الوطنية أقل أهمية ممن يشاركني الانتماء القومي أو المذهبي؟

أتصور أن الإجابة تكمن في عدم التفريق بين مفهومين أساسيين وهما مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، فالدولة عبارة عن تركيب يتكون من الحكومة والشعب والأرض، ومسؤولية الحكومة تكمن في أدارة مفاصل الدولة ومؤسساتها بما ينص عليه الدستور.

فإذا صادف وحصل تقصير من الحكومة في إدارة مؤسسات الدولة فالمفروض أن لا يتحمل الوطن وزر تلك المؤسسة، وهذا للأسف الشديد ما نجده ظاهراً للعيان.

فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما يفوض الشعب حكومته المنتخبة إدارة مفاصل الدولة والتي من أبرزها الملف الأمني، فإذا قصرت الحكومة في هذا المجال لم يبقَ أمام المواطن إلا أن يلجئ إلى بديل آخر لحمايته ممن يحاول استهدافه وهذا البديل هو إما الحزب أو العشيرة، ولو كان الحكومة تستطيع تطبيق القانون على كافة رعاياها لما احتاج فرد من الرعية الى اللجوء القبيلة أو الحزب، وهذا ما نلاحظه في المجتمع الغربي بشكل واضح حيث يمكن لأي فرد هناك أن يطالب بحقه بالوسائل القانونية السلمية، بخلاف المجتمعات الشرقية وبالأخص العربية منها حيث يكون هذا الخيار معدوماً.

الشعور بالظلم والتهميش

ومن العوامل التي تساعد على نشوء الإحساس بضعف الانتماء الوطني، هو الإحساس الذي يمر به كثير من الأفراد في كونهم مسلوبي الحقوق ولا قيمة لأصواتهم، وهذا ما ينعكس سلباً على الشعور الوطني.  

الإسلام وتعزيز الشعور بالمواطنة

 لقد دلت النصوص الشرعية على مشروعية التمسك بالوطن بل وجوب الدفاع عنه عند التعرض لخطر معين، قال تعالى: (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا) سورة البقرة 246.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : (عمّرت البلدان بحب الأوطان) بحار الأنوار.

وروي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أخرجه أهل مكة خاطب مكة فقال :

(والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك).

ما هي الأساليب من خلالها يمكن تعزيز الانتماء الوطني؟

لعلنا لم نفقد الأمل في إيجاد الوسيلة التي يمكن من خلالها معالجة هذه الظاهرة، وإن كانت نتائجها بطيئة إلى مزيد من الصبر، وهذه الطريقة تتم عبر تجنيد المؤسسة التربوية لمكافحة ضعف الانتماء الوطني، وتعزيزه عبر ترسيخ مبدء المواطنة الصالحة، وإفهام الفئات العمرية المختلفة أنهم مسؤولون عن كل ذرة من تراب الوطن.

 

وجزء من المسؤولية يقع على مؤسسات المجتمع المدني حيث يتوجب عليها الأخذ بزمام المبادرة، وإقامة الدورات التي من شأنها توظيف الطاقات المجتمعية لتذويب الرواسب التي خلفتها السياسة وغيرها .

2017/12/25

انتشار السلاح.. قد يكون إيجابياً!

كانت ولاتزال المجتمعات العربية تتفاخر بإقتناء الأسلحة، بل لا تزال بعض القبائل العربية ـ حتى يومنا هذا ـ يعتبر التمنطق بالأسلحة التقليدية شكلاً من أشكال الكاريزما التي تميز أولئك الأفراد عن غيرهم.

وقد تغنى شعراء العرب بأنواع الأسلحة التي كانوا يستخدمونها في حلهم وترحالهم، وقد ظلت هذه الظاهرة ممتدة بإمتداد الأجيال، نعم ظهور الدولة القطرية في العصر الحديث ربما ساهم في حدة زخمها، حتى أصبح إستعمال هذه الآلات حصرياً بيد شريحة معينة من الناس وهم أفراد القوى الأمنية.

لكن بعض الظروف السياسية التي تعصف بالبلدان العربية ساهمت بشكل مباشر في إنتشار كميات هائلة من السلاح، ولم يعد حكراً على أفراد المؤسسة الأمنية.

ففي العراق ـ على سبيل المثال ـ  كانت أحداث عام 2003 العامل الأبرز في تدفق كميات الأسلحة المتنوعة الى أيدي مختلف شرائح المجتمع، وصار الحصول على تلك الأسلحة وبالأخص منها الخفيف والمتوسط في منتهى اليسر والسهولة، فما على الفرد إلا أن يكلف أحد السماسرة المنتشرين وبكثرة بالحصول على قطعة السلاح التي يرغب بشرائها.

إيجابيات وسلبيات انتشار الأسلحة

حينما نريد أن ننقد ظاهرة معينة لا بد أن نكون موضوعيين في النقد ودراسة الظاهرة المعنية من كافة الزوايا، عند ذلك نحكم أنها إيجابية أو سلبية، وقد تكون في بعض الأحيان تحمل العنوانين معاً (الإيجاب والسلب) وهذا ما يمكن أن نستشفه من ظاهرة إنتشار السلاح.

أما الإيجابيات فالكل يعلم أن السلاح يكون وسيلة للدفاع عن النفس، فعلى سبيل المثال عندما أجتاح تنظيم داعش الأراضي العراقية عام 2014 هب العراقيون بأسلحتهم الشخصية للدفاع عن أرضهم، بل حتى بعض الخروقات الأمنية التي حدثت في بعض المحافظات كان لأسلحة العشائر دور بارز في التصدي لها كما حصل في ناحية القادسية التابعة لمحافظة النجف.

أما السلبيات

فلعل واقعنا اليومي شاهد على السلبيات والويلات التي جلبتها الأسلحة المنتشرة في عموم البلاد دون رادع قانوني، والأدهى من ذلك أن كلمة السلاح هي التي يكون لها الفصل في كثير من الخلافات سيما العشائرية منها، والتي يكاد يكون جنوب العراق مسرحاً لها.

لقد فقد المئات من أبناء تلك المناطق حياتهم بسبب النزاعات التي تكاد أن تكون يومية أو شبه يومية، ولأسباب تافهة تدعو للتهكم والسخرية، والشيء الملفت للنظر أن الأسلحة المنتشرة ربما تفتقدها حتى بعض القطع العسكرية، فليس الأمر مقتصراً على الأسلحة المتوسطة والخفيفة، بل كثير من الأحيان نلاحظ وجود أسلحة ثقيلة عند الأطراف القبلية المتخاصمة.

لعل الشواهد تشير الى وجود أيادي خفية كان لها دور كبير في إغراق الشارع العراقي بسيل كبير من مختلف الأسلحة، وأصابع الإتهام تشير الى جهات خارجية بالدرجة الأولى.

فعلى الرغم من أن القانون الخاص بحيازة الأسلحة النارية تحت الرقم 13 يمنع إقتناء أكثر من قطعة سلاح خفيفة لكل بيت، إلا إننا نجده أثراً بعد عين، إذ ما أن تحل مناسبة من المناسبات إلا وتتحول كثير من البيوت الى ما يشبه المشجب، ويقوم المحتفلون بإطلاق الأعيرة في الهواء، وكم من شخص فقد حياته جراء هذا الفعل المخالف للشرع والقانون، بل ومخالف حتى للذوق العام، فالمفروض أن السلوك في الحواضر المدنية يختلف عنه في القرى والأرياف، إلا إن الكثيرين لا يتقبل هذه الحقيقة.

وعلى الرغم من أن المرجعية قد حرمت هذا الفعل، إلا إنه لم يبقَ حكراً على المتنازعين بل تسرب وبشكل ملفت الى الجمهور الرياضي الذي يعبر عن إبتهاجه وفرحه بإنتصار المنتخب الوطني بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، ولاأخفيكم أن كثيراً ممن يكرهون هذه الظاهرة طالما تمنى خسارة المنتخب، لأن فوزه له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها.

وأخيراً ينبغي لنا اتخاذ وقفة جادة لمحاربة هذه الأفعال التي أثرت سلباً على الفرد والمجتمع، والتصدي لمروجي هذه الظاهرة ومحاسبة من يقف خلفها.

 

 

 

2017/12/20

لهذه الأسباب ينتشر "المعالجون الروحانيون" في العراق

لا زلت أذكر ذلك اليوم العراقي المشمس اللاهب عندها مر بقربي رجل سبعيني يرتدي الزي العربي التقليدي، وكان على قدرٍ عالٍ من الأناقة وتقله سيارة فخمة، عندها وقف هذا الرجل ليسألني عن آخر يدعى أبو مصطفى كان يعيش في نفس محلتنا، فقلت ما تريد منه فقال سأخبرك بشرط عدم الإستهزاء، فتبين أن الرجل قد فقد بعض مقتنياته الثمينة وجاء الى أبي مصطفى كي يعلمه مكانها عن طريق تسخير الجن على حد زعمه.

استغربت ذلك كثيراً لأن أبا مصطفى هذا كان خليعاً ماجناً والسائل يظهر عليه الوقار، كما أنني وعلى حد ما أذكر، بل وهو اليقين، أن أبا مصطفى كانت ميوله رياضية ـ رغم أنه كان فاشلاً في الرياضة ـ فما شأنه وشأن التسخير والعلاج الروحاني؟!

وبعد يومين جاءت فتاتان تتراوح أعمارهمن بين 20 ـ 25 سنة الى نفس الشخص، وهكذا دواليك الى أن أصبح أبو مصطفى ممن يشار لهم بالبنان في كشف المستور والسحر والشعوذة.

لماذا إنتشرت وراجت مراكز العلاج الروحاني؟

الداعي لذكر هذه القصة من واقعنا، والتي قد يشاطرني كثيرون سرد مثيلاتها، هو انتشار ظاهرة ما يعرف بـ "المعالجين الروحانيين". هؤلاء تعدت شهرتهم كبار الجراحين الذين زاول بعضهم المهنة لمدة نصف قرن من الزمان، لكن السؤال الذي أنا بصدد الإجابة عنه في هذا المقال هو: "ما هي أسباب وتداعيات هذه الظاهرة الخطيرة؟"

يمكن أن نرجع انتشار هذه الظاهرة الى أسباب عدة أبرزها:

1 ـ الجهل: إن أغلب مراجعي تلك المراكز من الناس البسطاء، الذين لا يمتلكون المقدار الكافي من الثقافة، وهذا ما يساعد أولئك الذين يطلقون على أنفسهم وصف "الروحانيون" على ابتزازهم وطلب مبالغ كبيرة، بزعم إخراج الجن المتلبس في جسم المريض.

2 ـ إن كثيراً من المراجعين يكون لديهم شعور مسبق أنهم سيشفون على يد معالجيهم، وهذا الشعور له دخل مباشر في التأثير على العقل الباطن عند المرضى المراجعين.

3 ـ أساليب الترويج التي يتبعها الروحانيون، فنظراً للأموال الطائلة التي تدر عليهم، قام الكثير منهم بإفتتاح فضائيات تبث جلساتهم، والمحير في ذلك أن هؤلاء حطموا أرقاماً قياسية في مستوى الجهل الذي يمتلكونه، فقد شاهدت بعضهم وهو يرقي أحد المرضى بسورة الفاتحة، وهذه السورة المباركة على الرغم من قصر آياتها إلى أن صاحبنا زل لسانه بما يقرب من عشر أخطاء واضحة، وشخص آخر من هؤلاء قد أمَ جمعاً من المصلين، بقراءة أسوأ من صاحبه.

4 ـ إستخدام الدين مطية يحققون به مآربهم، حيث يدعي بعض هؤلاء دجلاً أنه يتصل بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) على الرغم من أن جمعاً من أساطين أعلام التشيع يرى أنه مع إمكان القول برؤيته (عجل الله تعالى فرجه) إلا إن التعرف على شخصه يتم بعد انقضاء اللقاء.

ضعف الرقابة الحكومية

لقد إستبشرنا خيراً عندما راج في وسائل الإعلام جهات حكومية وجهت أمراً بغلق هذه المراكز، وقد قام هؤلاء فعلاً بغلق فضائياتهم، لكن لبرهة من الزمن حيث رجعت بعد مدة يسيرة لمزاولة مهامها.

على الرغم من إن هذه الأفعال قد تندرج ضمن جرائم النصب والإحتيال التي يعاقب عليها القانون العراقي حيث نصت المادة (456) من قانون العقوبات: "يعاقب بالحبس كل من توصل الى تسليم او نقل حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه او الى شخص اخر وذلك بإحدى الوسائل التالية : أ- باستعمال طرق احتيالية . ب- باتخاذ اسم كاذب او صفة غير صحيحة او تقرير امر كاذب عن واقعة معـينـة متــى كـــان مــن شأن ذلـك خداع المجني عـليـه وحمه على التسليم".

فما هو الداعي لتأخير الإجراءات القانونية بحق هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً وشوهوا الصورة الناصعة للدين الحنيف؟

يبقى أمراً مهماً وهو: إن بعض المسؤولين في السلطة التنفيذية قد تنصل من المسؤولية، زاعماً أن هذا ليس من إختصاصهم لأنه لا يخضع للجانب التنفيذي، بل خاضع للجانب الرقابي الذي هو من مختصات وزارة الصحة ـ حسب إدعائه ـ والمسؤولون في وزارة الصحة أيضاً قد تذرعوا بأن مكافحة هؤلاء ليس من إختصاصهم، وكل يلقي الكرة في ملعب الآخر.

إذاً، ليس أمامنا إلا أن ينبري شبابنا الواعي المثقف إلى تحمل مسؤولية توعية المجتمع من خطر هؤلاء وبيان مدى جهلهم وجشعهم، لعل ذلك يكون رادعاً للناس في إرتياد مراكز هؤلاء الذين اتخموا بالمال الحرام.

 

 

2017/12/18

"تطبيقات" و "مواقع" تهدد الأسر العراقية!

منذ التغيير السياسي الكبير الذي حدث في العراق بعد أحداث عام 2003 وحتى هذه اللحظة، لايزال مجتمعنا عرضة لدخول كل ما هو غريب عن ثقافته ومتبناه الأخلاقي، وكثيراً ما يلعب الشغف دوراً هائلاً في دفع الناس إلى اقتناء كل ما كان غريباً عنهم، فقد ملئت الأسواق وأمكنة التبضع المختلفة بالصالح والرديئ من السلع، وما ذلك إلا لفقدان وغياب أجهزة السيطرة، في تحديد شكل البضائع التي يسمح لها بإجتياز الحدود، ومنع الأخرى التي قد تسبب الأضرار المادية والمعنوية للفرد والمجتمع.

ولم يقف الحد عند البضائع والسلع، بل للتكنلوجيا كان نصيب مماثل، حيث أخذت مأخذها بين أفراد المجتمع الراقي، ففي هذه الأيام أصبح ـ على سبيل المثال ـ من السهل جداً على كل فرد اقتناء ما يعرف بالأجهزة الذكية، والتي يسهل ربطها بمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي.

وقد أصبح لهذه المواقع والتطبيقات دور كبير في الحياة اليومية، حتى لم يعد بالإمكان الإستغناء عنها. وللوقوف على معرفة منافع ومضار إستخدام هذه الشبكات نذكر جملة من النقاط:

النقطة الأولى: يقصد بمواقع التواصل الاجتماعي: مجموعة البرامج والمواقع المختلفة على الشبكة العنكبوتية، والتي يمكن من خلالها التواصل بين مختلف الأفراد، وشكل هذا التواصل قد يكون بواسطة الرسائل الألكترونية، أو الإتصال المسموع والمرئي، وقد يكون الهدف من هذا التواصل، التعرف على أصدقاء جدد أو الإطلاع على ثقافة معينة لبلد ما، أو تكوين بعض الأفراد لمجموعات تحمل صفة معينة أو مهنة مشتركة.

النقطة الثانية : إن لهذه الشبكات نقاط إيجابية كثيرة جداً، فهي تتيح لمستخدميها إنشاء عالم افتراضي، يمكنهم من خلاله التواصل ومعرفة بعضهم البعض، لأن الإنسان يميل بطبيعته الى الأنس بأفراد نوعه، وهذا ما توفره هذه الشبكة، أضف الى ذلك أنها توفر ما عجزت عن توفيره السياسة حيث أن الحدود الجغرافية مفقودة بين المتواصلين.

النقطة الثالثة: إن هذه الشبكات سيف ذو حدين فبالإمكان أن تستخدم في التطور والرقي، فكم من المكاتب والكتب والأبحاث متوفرة ويسهل على المتلقي الحصول عليها بسلاسة ويسر،  ويمكن أن تكون أداةً لتدمير الفرد والمجتمع أخلاقياً وفكرياً، فكم من المواقع التي تبث سمومها عبر مشاهد فاضحة تخدش الحياء، وتنتهك العفة، وهناك مواقع كانت الواجهة الأساسية لإستقطاب المتطرفين وتجنيدهم وزجه في التنظيمات الإرهابية التي أهلكت الحرث والنسل.

ترشيد الاستخدام

رغم إن هذه الشبكات كان لها دور مهم في الحياة اليومية، إلا إننا نرى الكثير من المستخدمين يصرف جل وقته في إستخدامها، والسواد الأعظم من هؤلاء يكون استخدامه لمجرد إضاعة الوقت، فعلى سبيل المثال لو أخذنا موقع (الفيسبوك) لوجدنا أن كثيراً من منشورات صفحاته، يقوم أصحابها بنشر ما لا لون و لا طعم ولا رائحة له، فما هي الجدوى من نشر شخص معين وقوفه بجنب حائط أو نشر صورته وهو يتأمل؟!

والأدهى والأمر من ذلك التعليقات التي تنهال عليه من كل حدب وصوب (منور، مضوي، علم، الخ ..) .

الآثار السلبية لوسائل التواصل على العلاقة الزوجية

إن العلاقات الزوجية قد تأخذ في بعض الأحيان شكل الخمول والفتور بين الطرفين، ولذا قد يلجأ كل طرف منهما الى البحث عن البديل، ومن أسهل تلك الوسائل هي الولوج الى العالم الرقمي الإفتراضي، الذي يتيح لكل منهما ملئ الفراغ العاطفي والنفسي الذي يخلفه ضعف العلاقة.

وهذا الأمر كان لها الأثر البالغ حول إرتفاع مستوى حالات الطلاق حول العالم، حيث أشارت بعض الإحصائيات الى عدد المستخدمين لبرنامج الفيسبوك قد إرتفع بشكل ملحوظ في هذه الفترة حيث بلغ عدد المستخدمين أكثر بنسبة20% عن الماضي لكن في المقابل كان لظاهرة الطلاق نصيبها من الإرتفاع، حيث زادت بنسبة 2.18%.

فعلى سبيل المثال سجلت المحاكم العراقية 4402 حالة طلاق في تشرين الأول المنصرم، وأكد باحثون اجتماعيون أن شبكة التواصل كانت من أبرز الأسباب التي أدت الى ذلك.

وأما في مصر فقد  قام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وهو الجهاز الرسمي للإحصاء في مصر حيث يقوم بجمع ومعالجة وتحليل ونشر كل البيانات الاحصائية والتعداد السكاني.

فقد اشار هذا الجهاز إلى حصول 40،000‏ حالة طلاق في عام 2016 كانت بسبب وسائل التواصل الاجتماعي وبالأخص برنامج الفيس بوك وتويتر حيث ينشغل الأزواج عن بعضهما البعض.

أما الدول الغربية فليست بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث أكدت بعض التقارير أن ما نسبته  33% من حالات الطلاق لعام 2011 في بريطانيا كانت بسبب الفيسبوك.

وأما في إيطاليا فقد كانت النسبة أكبر، حيث ذكرت  صحيفة (الإندبندنت) أن 40% من حالات الطلاق كانت بسبب وسائل التواصل.

وأما في فرنسا فقد قام أحد المواقع المعنية بدراسة هذه الظاهرة حيث كشف عن إحصائية مرعبة مفادها أن من بين كل ثلاث حالات زواج تنتهي واحدة بالطلاق بسبب (الفيس بوك).

2017/12/17

الكذب على الزوجة جائز.. ما هي حدوده؟!

لقد كان الهدف من الرابطة التي تربط الزوجين هي نشوء المودة, كما جاء في الذكر حيث قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم /21 .

وكما يقال إن لكل فعل ردة فعل، فلهذه العلاقة أن تتطور الى ما هو أفضل وأكمل إذا كانت وفق ما هو مخطط لها على المستويين الشرعي والإنساني.

ولهذا فإن الشريعة قد حددت نوعية الزوج أو الزوجة المناسبين لبعضهما، على أساس حسن الخلق والتدين الحقيقي، لكن في بعض الأحيان وعلى الرغم من أن الزوجين متوافقان ويسود علاقتهما الوئام والمحبة، إلا أن بعض المشاكل التي تلوح في الأفق قد تعكر صفو تلك العلاقة، ولعل بعض تلك المشاكل ليست مشاكل حقيقية بل ناتجة عن سوء الفهم بين الطرفين، مما يؤدي الى تلبد خطوط التفاهم بسحاب الأنانية، وقد تصل الأمور إلى أن يُعْرِضُ أحدهما عن الآخر، ولكسر هذه القيود نجد في الكثير من الأحيان أن الرجل هو من يبادر الى تذويب الجليد الذي شابَ ذلك الرابط المقدس.

وقد يفهم البعض من هذا التصرف أنه رضوخ لا مبرر له من قبل الزوج لزوجته، وهو الطرف الأقوى في المعادلة، خصوصاً في المجتمعات الشرقية ذات الطابع الذكوري، إذاً لماذا أتنازل وأكون أول المبادرين؟

لنطرح السؤال بطريقة أخرى: ماهي الطريقة التي من خلالها يمكنني أن أحافظ على أسرتي وعلى راسها زوجتي دون أن يمس ذلك كرامتي أو أن يفسر إصلاحي لذات البين أنه عامل ضعف؟

في مقام الجواب نذكر عدة نقاط :

1 ـ إغلاق كل الملفات القديمة التي كانت سبباً في تعكير صفو العلاقة، وبدأ صفحة جديدة بين الطرفين.

2 ـ عدم تعظيم صغائر الأمور التي قد تصدر من الزوجة بدافع الفضول أو الغيرة.

3 ـ إظهار الإهتمام المتبادل بين الطرفين، ومن الزوج بالأخص، فبالنسبة للرجل يمكن أن يملي فراغه في أغلب الأحيان عبر الأصدقاء او في أماكن العمل المختلفة، بينما السواد الأعظم من النساء تكون حبيسة الدار، فترى في الزوج ذلك الإنسان الذي يملي لها وقتها ويصنع لها سعادتها، وتنتظر منه كل كلمة يمكن أن يطريها فيها أو يشيد بدورها المحوري داخل منظومة العائلة، ولذا يتساءل البعض، لو أردت أن أعبر عن عظيم حبي لها وشدة إهتمامي بها فقلت لها لا يوجد لدي من هو أغلى منك أو أنت أجمل إمرأة رأتها عيني، فهل يلزم من ذلك إشكال؟

الجواب: لا إشكال في ذلك إذا كان على سبيل التورية بأن يكون قصده ـ مثلاً ـ أنت أجمل إمرأة بنظري، وهذا شكل من أشكال التودد المرغوب فيه، يبقى سؤال آخر وهو قد تحصل بعض المشاكل التي قد لا ينفع معها هذا الشكل من المجاملة، فيضطر البعض الى الكذب، فهل الكذب في مثل هذه الموارد ممكن وجائز؟

قبل الجواب لابد من مقدمة:

إن معنى الكذب هو أن يخبر الشخص بما يخالف الواقع، كأن يقول السماء تمطر وفي الواقع أن المطر لا أثر له ولا عين، والكذب حرام شرعاً وقبيح عقلاً، إلا إن صفة القبح بالنسبة للكذب يمكن إنفكاكها عنه لوجود عارض معين، فمثلاً لو إفترضنا أن إنساناً مؤمناً كان الظالمون يريدون قتله، وعلمت بمكانه فهل إذا سألني أولئك الظالمون عن مكانه هل يمكنني الكذب ؟

الجواب: إن الكذب وإن كان قبيحاً ذاتاً وحرام شرعاً إلا إنه لوجود العارض ـ حفظ نفس المؤمن في المثال ـ يكون جائزاً بل واجباً لوجود التزاحم بين المهم (عدم الكذب) و الأهم (حفظ النفس المحترمة) وقس على ذلك الكذب على الزوجة فإنه إذا توقف الأمر بين شيئين

 1 ـ دمار البيت وتشتت الأسرة         2 ـ أن يقدم على إرتكاب الكذب على الزوجة.

ومن المؤكد أنه لا يوجد عاقل يقدم على الخيار الأول، وأما الخيار الثاني ففيه محذور الكذب المحرم، فما هو الحل ؟

الجواب :

إذ أمكن للزوج إستعمال التورية في مثل هذا الفرض فلا مانع، وأما إذا تعذر ذلك فيمكن له الإقدام على الكذب للتزاحم بين المهم والأهم .

تبقى مسألة أخرى وهي أن الزوجة إذا  قام الزوج بتقديم الهدية لها فإن له الأثر البالغ في نفسها، حيث تعتبره علامة على استمرار المحبة متبادلة، إلا إن بعض الأزواج وللأسف الشديد قد تطلب منه زوجته شيئاً معيناً، فيعدها بذلك فإن كان ناوياً الإخلاف منذ البداية فحرام شرعاً، وإلا فلا إشكال فيه.

 

 

2017/12/16

محجبات الشهور: زينة الدنيا بخسران الآخرة

بعض النساء يتحجبن في بعض الشهور من كل عام فقط؛ كشهر رمضان أو شهري محرّم وصفر. أمّا في بقية أشهر السنة فتراهنّ متكشفات غير محجبات، حتى أنّ البعض منهن يضعن على وجوههنّ مساحيق خاصة للتجميل.

وقد حرّم الدين الحنيف هذا التبرج والتكشف أمام الأجانب من الرجال، وقد توعّد الله سبحانه وتعالى العاصين أن ليس لهم في الآخرة إلا النار.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ([1]).

فليس للبشر إلّا أن يتبعوا ما أمر الله تعالى به لبلوغ الكمال النفساني إن أرادوا الفوز والنجاح في الدارين، وإلا كانوا من الأخسرين أعمالاً.

على حد قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ([2]).

ولاريب أنّ للشيطان دوراً في انحراف الإنسان إن استجاب له وأطاعه. فعلى المرء أن يعتصم بالله العلي العظيم ولا يستجيب لدعوة الشيطان. فالشيطان هو عدو الإنسان اللدود، وهو يسعى جهد قدرته أن يستزل الإنسان لكي يتبعه من خلال وساوسه وتسويلاته، فيصرف الإنسان عن كل ما يقربه إلى الله ويزكيه.

وإن الشيطان ليعترف يوم القيامة قائلاً: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} ([3]).

إذاً فلا سلطان ولا سيطرة للشيطان على الإنسان خلافاً لما يقوله بعض من يريد تبرير موقفه عند ارتكاب المعاصي واجتراح السيئات بتبريرات واهية عقلاً ومنطقاً. إنما الشيطان يدعونا فحسب ولا يتعدى أمره (الدعوة) فما علينا إلّا أن لا نلبّي دعوته ولا نضعف أمام المغريات وزخارف الدنيا والأهواء الباطلة.

يقول الله جل وعلا: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير}ِ ([4]).

ولولا اتباعنا إياه وإطاعتنا له لعرجنا في ساحات القدس. فطوبى لنفس فكرت في عقباها فلازمت التقوى وما يؤدي إلى الزلفى، ووفقت إلى أنواع الاستغفار فطهرت من أدرانها وتزكّت مما علق بها من دنس ورجس، لتتوجه نحو النعيم الخالد والحياة التي كلها سرور ورضى.

 قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ([5]) أي: أنّ الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية الأبدية لا هذه الدنيا الدنّية سريعة الزوال فانية الأجل.

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

------------------

([1]) سورة هود: آية 15-16.

([2]) سورة الكهف 103-104.

([3]) سورة ابراهيم 22.

([4]) سورة فاطر: آية: 6.

([5]) سورة العنكبوت: آية: 64.

 

2017/12/14

"جفاف المياه" يهدد مناطق جنوب العراق.. هل عاقبنا الله؟!

يعتبر الماء أهم الأشياء التي تتوقف عليها الحياة بصورة عامة، وحيث ما وجد وجدت الحياة، وحيث انعدم انعدمت، وهذا ما أشار له الإمام الصادق في حديثه له: عن الحسين بن علوان قال: سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن طعم الماء فقال: (...)  طعم الماء طعم الحياة\.

الحضارات هي الأخرى تبنى حيث توجد المياه، ولهذا نجد أن المناطق التي لا ماء فيها لا أثر للحضارة والتمدن والعمران فيها، كما إن النصوص الدينية لم تغفل ذكر الماء وفضله على الكائنات.

وعلى رأسها تلك التي جاءت في القرآن الكريم حيث ورد ذكر الماء 63 مرة، ومن جملة النصوص القرآنية قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}[الأنبياء: 30]

وفي آية أخرى مثل القرآن الكريم دور الماء بأنه قد وهب الأرض نعمة الحياة حيث جاء في قوله تعالى:{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}[النحل: 65].

وقد ورد في بعض الروايات أن الماء هو النعمة الأولى من بين كل النعم الآلهية التي يسأل عنها الإنسان، فعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: أول ما يسأل الله جل ذكره العبد أن يقول له: أو لم أروك من عذب الفرات.

الإسلام وترشيد المياه

إن من الحقوق التي إفترضتها الله تعالى على الإنسان هو أن يؤدي عباداته على وفق ما خطته الشريعة، وتلك العبادات لها علاقة مباشرة مع الماء، حيث أنها مشروطة بإستخدام الماء قبله، وتسمى تلك العملية (الوضوء) أو (الغُسْل)، ولكن لمكانة هذا السائل ولأهميته، حدد للوضوء أو الغسل مقدار يناسبها.

فعن زرارة، وكما جاء في كتاب وسائل الشيعة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال.

والصاع حوالي 2.75 لتر والمد يساوي 687 ملليتر.

فإذا كانت العبادات التي من أجلها خلق الإنسان (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات 56 ، قد حددت كميتها بالنصوص الشرعية، فيا ترى كيف ستكون نظرتنا لمن يتلف هذا السائل الذي باركه الله بما لا فائدة فيه؟!

أو يستعمله في غير ما هو مخصص له، ولعلك تتسائل كيف يستخدم الماء في غير ما هو مخصص له مع أن استعمالات الماء معروفة ومحددة؟

أقول ليس هذا القصد، بل ما قصدته أن المياه التي تصل الى بيتي وبيتك أو كما يعبر عنها (مياه الإسالة) (الماء الصالح للشرب) له إستخدامات منزلية معروفة كالشرب والتنظيف والتطهير، فإذا قام شخص بإستعمال جائر للماء كقيام بعض اصحاب البساتين والمزارع ـ للأسف الشديد ـ بثقب أنبوب ماء الإسالة لسقي مزروعاتهم، فهذا الفعل محرم شرعاً  لأن الفقهاء يرون أن مخالفة القانون أمر محرم، فضلاً عن أنه هدر لمورد لم يعد من السهل الحصول عليه، وأبرز الشواهد على ذلك هي موجة الجفاف التي تضرب محافظتنا الوسطى والجنوبية.

الجفاف عقوبة!

 لقد تعهد الله تعالى لمن يقوم بطاعته ويقلع عن معصيته أن يجزيه على تلك الطاعة ماءً كثيراً، قال تعالى : (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) الجن/16 .

والغدق معناه الكثير يقال غَدَقَتِ الأَرْضُ : تَبَلَّلَتْ بِالغَدَقِ ، أَيْ بِالْمَاءِ الكَثِيرِ.

وقد جاء في بعض الروايات أن الطريقة التي كان يجب على البشرية الاستقامة عليها هي (الولاية) أي ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ، فعن سماعة قال: ((سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قول الله عزوجل: (( وَأَن لَوِ استَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسقَينَاهُم مَاءً غَدَقًا )) يعني استقاموا على الولاية في الاصل عند الاظلة حين أخذ الله الميثاق على ذرية آدم (( لَأَسقَينَاهُم مَاءً غَدَقًا )) يعني لاسقيناهم من الماء الفرات العذب)).

فلاحظ، أن كثرة المياه ووفرتها مترتبة على الطاعة، والجفاف ما هو إلا نتيجة المعاصي والذنوب التي ارتكبها الإنسان.

قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأعراف/ 96 .

وعن بعض المفسرين إن معنى قوله تعالى : (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) أي : قطر السماء ، ونبات الأرض .

ومن الشواهد على أن الجفاف ما هو إلا بسبب المعاصي والذنوب، فقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بالدعاء على أعدائه يوم العاشر من المحرم حيث رفع يديه وقال :

(اللهمّ احبس عنهم قطر السماء) أي بسبب جريمتهم النكراء فعاقبهم يا رب بقلة الغيث.

2017/12/12

هكذا كان حجاب فاطمة (ع)!

هذه صورة مشرقة لجهاد المرأة المسلمة تصنعها فاطمةُ (عليها السلان) في ظلال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يبخل أبوها النبي بتقليدها الأوسمة مما يجعلها القدوة التي يحتذى بها  في الصبر والالتزام والعفة والقداسة، فهي تشارك النبي  في صبرها وتحملها الآلام والمحن لتشد أزر الاسلام وتكافح جنباً إلى جنب مع أبيها وزوجها وأبنائها في ساحة واحدة وخندق واحد، لتدوّن على صحائف التأريخ درساً عملياً تتلقاه أجيال النساء والفتيات في هذه الأمة المسلمة، فيتعلمن حياة الإيمان ويكتشفن عمق الأثر العملي البنّاء الذي تتركه التربية الإسلامية في حياة المرأة المسلمة، فتشارك الرجل في حياته وجهاده ومهمات رسالته بعيدةً عن اللهو والعبث والضياع، مشغولة بالعطاء الاجتماعي والبناء الروحي وحمل الرسالة وصناعة الأجيال.

هكذا ربّى النبي (صلى الله عليه وآله) ابنته فاطمة (عليه السلام) لتكون مثالاً حياً للمرأة المسلمة وقدوة للفتاة المؤمنة ونموذجاً رسالياً في دنيا الناس.

وفاطمة الزهراء (عليها السلام) هي الزاهدة العابدة المتبتّلة التي قال عنها ولدها السبط الحسن (عليه السلام): "رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعة، فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمودُ الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثير الدعاء لهم. ولا تدعو لنفسها بشيء. فقلت لها: يا أمّاه لم لا تدعين لنفسك، كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجار ثم الدار" ([1]).

والدعوة بالخير لا تصدر إلا عن قلب نقي محب للخير كقلب فاطمة (عليها السلام)، إنها معلّمة ومربية ومثل أعلى في عبادتها وزهدها في سلوكها وفي بيتها، وعلاقتها بأبيها وزوجها، ووقوفها بين يدي ربها، وفي عطفها على الإنسانية وحبّ الخير لها.

ينقل لنا التاريخ درساً في العفة والحجاب عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يوم خرجت محتجة على أبي بكر، إذ منعها فدكاً نحلتها التي نحلها إياها أبوها النبي.

فيذكر لنا التاريخ: أنها لاثت خمارها واشتملت بجلبابها وأقبلت مع لُمةٍ (جمع) من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها الأرض: أي أن ثيابها (عليها السلام) كانت طويلة تخطّ الأرض ستراً لعفافها وإتماماً لحجابها المقدس والتزاماً بأوامر الله تعالى وقيم الاسلام ومبادئ الدين الحنيف.

ثم إنها سلام الله عليها كانت تمشي وسط تلك المجموعة من النساء التي معها، لكي لا ينظر لها شخص ولا تعرف لها هيأة ولا يبصر لها رسم، بل لكي لا تعرف من بين النساء ولا يميزها الناظر إنها عظمة الدين وأخلاق سيد المرسلين وعزة الإيمان في أعظم تجلياتها.

كانت تمشي بخطى واثقة مطمئنة كخطى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث كانت تحاكي مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتمام الهيبة والوقار والسكينة - لا كما تفعله بعض النساء من مشية تناغم مشية النساء الغربيات يحيطها جو من الميوعة والتهتك، فينظر لها بعين الشك والريبة - (حتى دخلت على أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة رعاية للستر والحجاب وصيانة للعفة والوقار.

ما أسمى هذه الدروس والعبر والمعاني السامية التي سطرتها سيدة النساء (عليها السلام)  في موقف واحد جعلته مثلاً أعلى يحتذى ويقتدى به لكل امرأة مسلمة، تبحث عن العفة والحجاب والستر والاحتجاب بدلاً عن التبرج والزينة، تطبيقاً لمعالم الدين وشريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) .

عصمنا الله جميعاً من الزلل وأخذ بأيدي المؤمنين جميعاً إلى ما فيه الصلاح والإصلاح.

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

------------

 

([1]) كشف الغمة: ج2، ص94 الأربلي.
2017/12/11

الطفل "أرض خالية" ماذا نزرعها؟

يتصور الكثير من الآباء والأمهات أن مسألة تربية الأطفال من المسائل الميسورة التي بإمكان أي شخص يرتبط مع الطفل برابطة الأبوة أو الأمومة، أن يؤديها حسب المطلوب، ووفق الآليات التي تؤهل ذلك الطفل إلى أن يكون فرداً مساهماً في بناء مجتمع متحضر، غير أنهم ـ أعني الآباء والأمهات ـ لابد أن يلتفتوا الى نقطة مهمة، وهي أنهم أحد أطراف المجموعة الثلاثية التي تساهم في تنشئة وبناء شخصية الطفل سلباً أو إيجاباً، وهذا الثلاثي يتكون من (الأسرة ، المدرسة ، المجتمع) .

عندما يبصر الطفل النور فإن أولى محطات التلقي التي سيمر بها هي \العائلة\ التي يرتبط معها برابطة الدم، ومن هنا سوف تفرز الصورة النمطية أو القالب النمطي لتلك العائلة اللبنة الأولى لشخصية الطفل، فعندما يتدرج نموه يكون مشدوداً ومتعلقاً بأمه كثيراً، حيث أن ذلك التعلق أمر فطري يميل إليه التكوين الإنساني، ومن نافذة الأم يرى العالم.

ثم يدخل الأب عالم ذلك المخلوق الوافد حديثاً إلى معترك هذه الحياة، حيث ينظر الطفل إلى الأب بإعتباره السور الذي يمنع دخول المتطفلين الى عالمه، والقناة التي من خلالها تتحقق كل رغباته وميوله.

ولذا فإن هذه المرحلة حسب علماء الإجتماع تعتبر من أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان، حيث يعتبر الطفل فيها كالأرض الخصبة التي ينمو فيها كل ما يبذر، وهكذا جاءت النصوص الشرعية التي تعزز هذه الحقيقة.

أرض خالية..

ورد في كتاب بحار الأنوار، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أوصى ولده الحسن (عليه السلام) فقال : \إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبّك\.

ولذا، فربما إعتقدنا خطأً أن ما يتوجب علينا فعله هو أن يكون الطفل قد توفرت له كل ظروف الراحة والرخاء على مستوى المأكل والملبس والمشرب، مع إغفال الجانب الروحي والنفسي، وهذا التصرف نابع من التفريط، حيث أن الأمور المذكورة وإن كانت مطلوبة، إلا إنه ينبغي حفظ التوازن بينها وبين الجانب النفسي للطفل، (لا إفراط ولا تفريط).

إذاً، ماذا نزرع في نفوس الأطفال؟

تذكر الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) أن أول ما يستقيه الطفل من عائلته لابد أن يكون الأدب والأخلاق، حيث أنها الشيء الذي يمكنه البقاء بعد زوال كل ما هو قابل للزوال.

فعن الصادق (عليه السلام) \إنَّ خير ما ورّث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال، فإنّ المال يذهب والأدب يبقى\.

وفي كتاب غرر الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: \خير ما ورّث الآباءُ الأبناء الأدبَ\.

ما يجدر ذكره هنا، أن أحد العلماء الكبار المعاصرين قد أفنى أكثر عمره في الدرس والتدريس والتأليف حتى بلغ مجموع ما قضاه في هذا المجال أكثر من ثمانية عقود، كان لدى هذا العالم 6 بنات وولدان، وكانوا بأجمعهم متزوجين، وكانت بناته متزوجات من علماء كبار بعضهم كان من طلبة أبيهن، وكان ذلك العالم (الأب) يتصل بهن طالباً منهن زيارته، وفي إحدى المرات قمن بزيارته لكن من دون أبنائهن، ولما حطت رحالهن في بيته وإذا به يبصر بناته من دون أطفالهن، فاستغرب هذا التصرف مستفهماً منهن السبب، فتعللن بأن طبيعة الطفل تميل الى اللهو واللعب والضجيج وهذا ما لايتلاءم مع صحته وراحته، فأمر الأب بناته الست بالرجوع الى بيوتهن وجلب جميع أبنائهن، وبعد رجوعهن الى بيت الأب بصحبة الأطفال، استبشر بأسباطه وانفرجت أساريره فرحاً، ثم إلتفت الى بناته قائلاً:

\اعلمن يا بناتي لو أن شخصاً معيناً قد ربى طفله وفق الموازين الشرعية حتى صار ذلك الطفل إنساناً سوياً ملتزماً بالشريعة، ثم طلب مني أن أبادله ثواب ما قام به من عمل مقابل كل ما عملته في حياتي لقبلت ذلك\.

وهذا التصرف ليس مستغرباً أبداً،  فقد جعل الله تعالى جزاءً عظيماً لهذه التنشأة الصالحة، فاعتبره إحياءً لجميع الناس، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) المائدة 32.

 

 

 

 

2017/12/10

الحجاب حاجة إنسانية

إن التبرج والتعري انحراف عن الطبيعة البشرية التي أودعها الله تعالى في الإنسان، لأن تلك الطبيعة تقوم على الاعتدال والفطرة الإلهية البيضاء التي هي مصدر القيم الأخلاقية والسلوك المستقيم.

ولكن هذه الفطرة قد تتعرض للتلوث والانحطاط، بسبب بعض العوامل التي توجب انحراف الإنسان عن الطبيعة البشرية والفطرة الإلهية.

ومن تلك العوامل؛ الخضوع للشهوات واللذائذ التي تنزلق بالإنسان نحو البهيمية.

وما نلاحظه اليوم في الغرب من التبرج والانحراف وتعرّي النساء فهو أمر يدل على مستوى هذا الفكر المادي، التي قام على إنكار وجود القيم والمثل الأخلاقية والتبري من الدين والمقدسات، وكل ما يدل على الله (تعالى) في حياة الإنسان، فأطلق العنان لباب الشهوات والرغبات وخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها. فغيرة الإنسان على عرضه فطرية أودعها الخالق العظيم في نفس وشعور مخلوقاته لمصلحة الفرد ومجتمعه.

قال النبي (صلى الله عليه وآله): "كان أبي إبراهيم عليه السلام غيوراً وأنا أغير منه وأرغم الله أنف من لا يغار من المؤمنين" ([1]).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الله تبارك وتعالى غيور يحب كل غيور، ولغيرته حرم الفواحش ظاهرها وباطنها" ([2]).

ومن هنا على الرجل المسلم أن يعي حقيقة الآثار المأساوية التي يفرزها التبرّج والسفور، فيحصن زوجته وابنته ويمنعهن من الاختلاط مع المتبرجات وغير الملتزمات من النساء، لكي لا يتأثرن بنهجهن فتفسد الأخلاق ويسلب الحياء لا سامح الله تعالى.

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ في وصية له إلى ابنه محمد المعروف بابن الحنفية (رضوان الله تعالى عليه): "فإنّ شدة الحجاب خير لك ولهنّ من الارتياب. وليس خروجهنّ بأشدّ من دخول من لا يوثق به عليهنّ. وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل" ([3]).

فعلى الزوج الشريف أن يكون غيوراً على زوجته وابنته وأخته وأهله عامة، ويحثهن على التزام الحشمة والفضيلة والتمسك بأخلاق النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال.

فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) إنه قال: "حُرّمت الجنة على الديوث". ([4]).

والديوث هو الذي لا يغار على أهله.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أيّما رجل تتزيّن امرأته وتخرج من باب دارها، فهو ديّوث، ولا يأثم من يسمّيه ديّوثاً. والمرأة إذا خرجت من باب دارها متزينّة متعطّرة، والزوج بذلك راضٍ، يُبنى لزوجها بكلّ قدم بيت في النار". ([5]).

فالإسلام يدعو إلى تحصين المرأة وحفظ كرامتها وعزتها من خلال الحفاظ على عفتها وشرفها، فلا يحل لها أن تبرز مفاتنها إلا لزوجها لتشعر بإنسانيتها الحقيقية وفخرها كمخلوقة أودع الله تعالى فيها سرّ الجمال والأنوثة.

ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لفاطمة (عليها السلام) ذات يوم: أي شيء خير للمرأة؟ قالت أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل فضمها إليه وقال: ذريةٌ بعضها من بعض.([6])

ولا ينسلخ عن هذا القانون الطبيعي والفطرة الإلهية المودعة في نفس كل إنسان إلا من أنسلخ عن إنسانيته وآل حاله إلى ما هو أضل من البهائم. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}.

فإن الناس إلى تكميل نفوسهم أحوج من إملاء بطونهم إلا أن المدنية الحاضرة تعمل لأجل إصلاح الظاهر وإملاء البطون، بل قد تأخذ الناس باسم الحرّية إلى الجاهلية الجهلاء وعبادة الأهواء.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} ([8]).

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

--------------------------------

([1]) وسائل الشيعة: ج14، ص109.

([2]) ميزان الحكمة: ج7، ص 428.

([3]) بحار الأنوار: ج74، ص 213.

([4]) الكافي: ج5، ص537.

([5]) بحار الأنوار: ج103، ص249.

([6]) مناقب ابن شهرآشوب: 3/341 ط قم. ورواه عنه البحراني في العوالم: ج 11/128 ح 3.

([7]) سورة الفرقان: 44.

 

([8]) سورة محمد: آية 12.

2017/12/10

هذا ما سيحدث لك إذا استمعت إلى "الغناء"!

تعتبر مسألة الغناء من العادات السيئة، التي وللأسف الشديد قد وجدت طريقها الى أوساط المسلمين رغم النهي عن هذا الفعل في الكتاب والسنة، وقد تطورت هذه العادة مع تطور الزمن، لنجد أنها تنتشر مع انتشار العوامل المساعدة لها، فبدل أن تسوّق بعض الفضائيات والمواقع الالكترونية على الانترنت ما يخدم الإنسانية ويخلصها من المشاكل والتحديات الكبيرة التي تحيط بها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نراها تبث الاغاني على مدار الساعة، وكأن مجتمعاتنا أوجدت حلولاً كفيلة بحل أزماتها لتتجه نحو الغناء واجواء اللهو والترف، بل ان بعض القنوات التلفزيونية الفضائية كان الهدف الوحيد من إنشائها هو ترويج لما يعرف بـ كليبات المطربين التي تحتوي على مشاهد خليعة تنافي الحشمة، وتهيج الحالة الغريزية لدى الشباب.

ومن هنا، فإنني أجد من الضروري بيان أبرز الآثار الوضعية للغناء على أمل أن يعتبر من يتابعه بشغف، على اعتبار أن الغناء كأي ذنب من الذنوب ومعصية من المعاصي لا يستثنى من ترتب الاثار الوضعية، بل إن آثاره الوضعية كثيرة، وسنأتي على ذكر مجموعة منها معززة بروايات أهل بيت عليهم السلام: 

1 - الفقر 

إن من جملة الاثار التي يخلفها الغناء هو الفقر، فقد ورد عن الحسن بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر.

وعن سعيد ابن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: كثرة الاستماع إلى الغناء يورث الفقر 

2 - يورث النفاق 

كما ان الغناء يسبب عادة خطرة على الانسان وهي النفاق، والنفاق هو إظهار الإنسان غير ما يبطن، فيكون ذا وجهين (اي متلون)، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت النخل الطلع، وعن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: الغناء يورث النفاق. وعن كليب الصيداوي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة.

3- التعرض للمصائب الدنيوية وعدم استجابة الدعاء

وهذا الامر يعتبر أمراً طبيعياً لأن من يتعرض لهذه العقوبة فهو عاصٍ لجبار السموات والارض، فعن زيد الشحام قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك.

وعن إبراهيم بن محمد المديني، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الغناء وأنا حاضر فقال: لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن أهلها.

4- قلة الغيرة 

من الاعراض التي يخلفها الغناء على الفرد، فقدان الغيرة التي تعتبر مسألة فطرية، كما أن الشارع المقدس قد حث عليها فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: (كان أبي إبراهيم عليه السلام غيورا وأنا أغير منه، وأرغم الله أنف من لا يغار من المؤمنين). وقال عليه السلام: (إن الغيرة من الايمان).

لكن وبسبب الغناء تختفي هذه الفطرة شيئاً فشيئاً حتى تختفي، ويصير مدمن الاغاني فاقد لها، حتى يصبح لا يغار على عرضه، فعن إسحاق بن جرير قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إن شيطانا يقال له: القفندر إذا ضرب في منزل رجل أربعين يوما بالبربط ودخل عليه الرجال وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار .

 

2017/12/09

الحجاب.. تحضر أم تخلف؟!

في هذا المقال سنستعرض أبرز الانتقادات التي يطرحها معارضو الحجاب:

1- من أهم ما يذكروه أن النساء يشكلن نصف المجتمع، والحجاب يحجزهن عن المجتمع، ويكون ذلك سبباً في تأخرهن الثقافي، وانعدام الاستفادة من هذه الطاقات العظيمة في ازدهار الاقتصاد؟

إلا أن أصحاب هذا المنطق قد غفلوا أو تغافلوا عن عدة أمور منها:

أولاً: من الذي قال إن الحجاب الإسلامي يعزل المرأة عن المجتمع؟ أوليس الواقع الاجتماعي في الكثير من بلاد المسلمين خير جواب عن هذا السؤال؟ وكما يقول الفلاسفة خير دليل على إمكان وجود الشيء حدوثه، وما ثبت بالوجدان لا يحتاج إلى البرهان.

ثانياً: أضافة إلى ذلك، أليس إدارة المنزل وتربية الأبناء الصالحين رجال المستقبل الذين يديرون عجلة الاقتصاد والسياسة في البلاد عملاً مقدساً؟ فمن لا يعد رسالة المرأة إيجابية ولا يعترف بدورها في الأسرة وفي التربية وفي بناء مجتمع سليم فعال؛ إما غافل أو متغافل عن هذه الحقيقة.

ولا يريدون إلا أن يغادر الرجال والنساء المنازل صباحاً – كالغربيين - ليلتحقوا بالدوائر والمصانع وهم يجعلون أبناءهم تحت رعاية الآخرين في دور الحضانة، أو يغلقوا عليهم المنازل ليعيشوا في معتقل دون رعاية، حتى يعود الوالدان من العمل وقد أرهقهما التعب.

إن افتقاد الأطفال لرعاية وعطف الأبوين، يؤدي إلى تحطم شخصيتهم ويُعَرِّض المجتمع إلى الخطر.

2- يعترض المخالفون للحجاب قائلين: إن الحجاب يفصل بين الرجال والنساء ويزيد في حرص الرجال بدلاً من إخماد هذا الحرص، لأن (الإنسان حريص على ما منع)؟

وما هذا القول إلا سفسطة واضحة يهدف أصحابها إلى تحقيق مشروعهم الإفسادي الواضح، ولكي يبرروا النتائج السلبية التي جرّتها عليهم هذه النظرية الشيطانية الباطلة.

فلو قارنا بين المجتمعات الإسلامية التي يسودها الحجاب والمجتمعات الأخرى نجد ارتفاع نسبة الولادات غير الشرعية وازدياد الطلاق بنسبة عالية، وغيرها من المفاسد الناتجة من الاختلاط اللا مشروع بين الرجال والنساء وعدم الالتزام بالستر والحجاب.

 الحجاب حضارة أم تخلف؟

يرى البعض أن الحديث عن الحجاب حديثاً اسطورياً بعيداً عن التطور والحضارة المعاصرة، ويتصورون أنه يعود لعصور خلت.

وبسبب الغزو الثقافي الغربي وسياستهِ الهادفة إلى إفراغ الشخصية الإسلامية من محتواها ومضمونها الحقيقي، وإغراقها في ألوان شتى من الترف الفكري والمادي من أجل القضاء على كل ما تحمله هذه الشخصية من عقائد إسلامية أصيلة، ومحتوى فكري إيماني. فيصبح الإنسان كالدمية يحرّكونها كيف شاءوا وحسب أهوائهم السقيمة. ولهذا يصبح الفرد المسلم ضعيف البصيرة طائش الفكر، لا يستطيع أن يميز بين (التبر) (الذهب) والتراب والحق والباطل، وهذا يؤدي بالتدريج إلى فقدان الأذن الصاغية لأي واعز ديني أو وعظ وإرشاد ينطلق من منابع الإسلام الأصيل. وقد أسمى الغربيون هذا العصر بـ: (عصر التعري والحرية الجنسية).

والسؤال الذي نطرحه في هذا المجال: هل من الصحيح بقاء النساء في سباق لا نهاية له في عرض أجسامهن وتحريك شهوات وأهواء الرجال؟ أو يجب تصفية هذه الأمور من أجواء المجتمع وتخصيصهاً بالأسرة والحياة الزوجية؟

منهج الإسلام في هذا إن الأمور الجنسية خاصٌ بالأزواج ومحرمةٌ على غيرهم، لأن ذلك يؤدي إلى تلويث المجتمع وانحطاطه. وقد أشار الكتاب الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*} (سورة النور: آية 30-31).

فلا ينبغي للمؤمن أن يبهره ما لهؤلاء الجاحدين من مال وبنين وحياة مترفة، ثم عاقبة أمرهم إلى السعير، فإن الدين الإسلامي هو دين التكامل والسمو والطهارة الروحية لا تدانيه حضارة ولا يرتقي إليه دين.

كما إن العقل البشري مهما علا وسما لا يستطيع أن يؤسس لحضارة أكمل وأشمل من حضارة الإسلام، لأنها من صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء صنعاً. فهل تستطيع العقول البشرية أن تنشئ قانوناً أو تضع قيماً أو مبادئ كالتي أرساها القرآن الكريم، أو ما جاء به النبي محمد (صلى الله عليه وآله) من لدن الحكيم الخبير. وشتان بين قدرة الإنسان وقدرة الرحمن خالق الإنسان والمنعم عليه.

*مقتطف من كتاب التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة  
2017/12/09

لتحقيق "الرحمة" بين الزوجين.. اتبع هذه الخطوات الثلاث 

الحقيقة التي لا تقبل الشك، هي أن الله تبارك وتعالى عندما يربط الرجل بالمرأة عبر ميثاق الزواج، فإنه ينثر عليهما \المودة\ و \الرحمة\ معاً في واحدة من أجلى صور آيات العظمة في القدرة على الخلق، وقد صرح بذلك في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21).

غير أن ما يحدث بعد ذلك هو تراجع هذين العاملين المهمين بسبب دوامة المشاكل والتحديات التي تواجه الزوجين، ومن هنا ينبغي السعي مجدداً لإعادة ضبط توازن هذه العلاقة الفريدة بين الرجل والمرأة التي جعلها الله رحمة لهما.

وفي هذا المقال، سأبين جملة من العوامل التي ننصح من خلالها الزوجين باتباعها على أمل تحقيق الرحمة بينمها لينعما بحياة هانئة ويحققان بيئة صحية لتنشئة أسرة فاضلة.

تتحقق الرحمة بين الزوجين من خلال الامور التالية : 

1- التغافل والتسامح

ينبغي على الزوجين عدم الوقوف احدهما عند هفوات الاخر والتدقيق فيها والإفراط في المحاسبة على أساسها, فإن هذا الامر يعكر صفو الحياة الزوجية وينغصها, فمن اراد السعادة الزوجية فعليه أن يتقن التغافل عن الأخطاء اليسيرة ويتبنى مبدأ التسامح، وعن الامام علي (عليه السلام) \من لم يتغافل ويغض عن كثير من الامور تنغصت عيشته\.

(الريشهري , محمد , ميزان الحكمة , ج3, ص2217).

2- الاعانة والخدمة 

ان تدبير المنزل، نظافةً وترتيباً وتحضيراً للطعام وما شاكل، ليس من مسؤوليات المرأة الإلزامية، والظاهر لنا من النصوص المأثورة، أن الله تعالى اراد للزوجة في حياتها ان تنطلق في ذلك من العطاء الذاتي لا من قانون ملزم, لذا بين الله تعالى الثواب الجزيل للزوجة التي تعمل في اطار تدبير المنزل, وهذا ما نلاحظه في الاحاديث التالية: 

عن الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم):  \ايما امرأة خدمت زوجها سبعة ايام, غلق الله عنها سبعة ابواب النار, وفتح لها ثمانية ابواب جنة , تدخل من ايها شاءت\ (الحر العاملي , محمد حسن , وسائل الشيعة ,ج20 , ص172).

 وعن الامام الصادق ( عليه السلام ): \ان رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) قال: ايما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئا من موضع الى موضع تريد به صلاحا نظر الله عز وجل اليها , ومن نظر الله اليه لم يعذبه\. (المجلسي , محمد باقر , بحار الانوار , ج 100, ص251). 

وعن النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) \ما من امرأة تسقي زوجها شربة ماء الا كان خيرا لها من سنة صيام نهارها, وقيام ليلها ويبني الله لها بكل شربة تسقي زوجها مدينة في الجنة, وغفر لها ستين خطيئة\. (الحر العاملي , محمد حسن , وسائل الشيعة , ج 20 , ص172).

ليس ما في هذه الروايات الشريفة آنفة الذكر ما يلزم أو يجبرها بأداء واجبات البيت لوحدها، نعم، هناك حث على ذلك، لكن جملة من الروايات تبين أن رسول الله كان يكون في خدمة زوجاته، كما أنه كان يحث الرجال على خدمة الزوجة والعيال ومنها الاحاديث النبوية التالية: 

\ان الرجل اذا سقى امرأته من الماء اجر\ (ابن حنبل , احمد , مسند احمد , (لا , ط) , دار صادر , بيروت , ج4, ص128).

\يا علي, لا يخدم العيال الا صديق او شهيد, او رجل يريد الله به خير الدنيا والاخرة \ (المجلسي , محمد باقر , بحار الانوار , ج 101, ص132).

3- الاهتمام والاكرام 

حث النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) واهل بيته ( عليهم السلام ) في ما ورد عنهم من روايات على ابراز اهتمام كل من الزوجين بالآخر واكرامه فعن النبي محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) \من اتخذ زوجة فليكرمها\ (البروجردي , حسين , جامع احاديث الشيعة , ج20 , ص 250).

ومن مصاديق هذا الاهتمام جلوس الزوج مع زوجته وباقي افراد الاسرة وهذا ما دعا اليه الرسول الاكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) بقوله \جلوس المرء عند عياله احب الى الله تعالى من اعتكاف في مسجدي هذا\. (الريشهري , محمد , ميزان الحكمة , ج 2, ص 1186).

*مركز الإرشاد الأسري

 

2017/12/07

عندما يُغيّب الشرع تتحول المرأة إلى "جارية"!

لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الشريعة الإسلامية أولت المرأة الأهمية التي لم تولها باقي الديانات السماوية، ولا حتى الأنظمة الوضعية، حيث أن الخطابات والنصوص الدينية الموجهة الى البشرية لم تغفل جانبها أبداً بل توجه لها وللرجل على حد سواء، قال تعالى  {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة : 71)

نعم هناك استثناء من بعض التكاليف مرجعه الى البنية التكوينية للمرأة من قبيل الجهاد الذي يحتاج الى جهد خاص، حيث تتطلب المعارك والحروب كراً وفراً، وهذا لا يتناسب والمرأة، غير إن الإسلام وإن أبقى مقعدها في ذلك الميدان شاغراً، إلا إنه لم يحرمها من ثواب ذلك العمل حيث ورد في بعض النصوص أن (جهاد المرأة حُسن التبعل) ومعنى حسن التبعل حسن الطاعة للزوج.

غير أن المرأة التي أنصفتها الشريعة وحافظت عليها ككيان مستقل له كرامته وحقوقه، جاء العرف ليعتدي على تلك الحقوق ويغيبها بعد أن صيرها أثراً بعد عين.

فمن أبسط الحقوق التي كفلتها الشريعة للمرأة، هو حق اختيار الشريك الكفؤ والمناسب، حيث اعتبر النص القرآني أن ما ينبغي أن تؤول إليه تلك العلاقة بين المرأة وبين من تختاره، هو المودة والرحمة، أما إذا سلب حق الاختيار فستتحول الى عذاب ونقمة، هذا من وجهة نظر الشارع، أما العرف فلم يعرْ لذلك أي اهتمام حيث صير المرأة الى سلعة تتقاذفها الأيدي، فالمتسلطون من الأخوة والأعمام وأبنائهم أو من يمت لهم بصلة كثر، لكنهم يشتركون في أمر واحد ، وهو حق الفيتو الذي من خلاله يسوغ لهم عرقلة ذلك الحق الفطري والإنساني الذي كفله الشارع، بل وصل الأمر في بعض الأعراف، إلى أن المرأة لا تقترن إلا بفرد من أفراد قبيلتها، ولا يحق لغيرهم التقدم لخطبتها، والأنكى والأمر هو ما تقوم به بعض القبائل، حيث تقوم بتقديم مجموعة من بناتها كجزء من الدية للقبيلة التي لها نزاع معها، وهي ما يطلق العرف بــ (الفصلية).

أما في الحقوق المالية فالكلام ذو شجون، لأن المتعارف عند أغلب الناس في الوقت الراهن، إبعاد المرأة عن مستحقاتها المالية، أي الحصة التي افترضها الشرع المقدس كحق لها والمعبر عنه بالإرث، وتلك الحصص تختلف بحسب المرأة الوارثة فإن كانت بنتاً فلها حصة معينة وإن كانت أماً فلها حصة مغايرة وكذا إن كانت أختاً فالحصة مختلفة على تفصيل مذكور في الكتب الفقهية.

ولعل هذا الأمر سببه الأساسي الطبيعة الذكورية للمجتمعات الشرقية، وبالأخص منها العربية، حيث تلحظ أن الثروة التي جمعتها العائلة لا يمكن السماح لها بالتسرب خارج النطاق الأسري، باعتبار أن المرأة من الممكن أن تقترن بشخص خارج العائلة، فسيكون مصير جزء من تلك الثروة بين يدين أجنبيتين.

وهذه التصرفات وفق ما ذكرته النصوص هو نوع من أنواع الغصب لأنه الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق، وأكل للمال بالباطل  قال تعالى : {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وفي الحديث النبوي الشريف "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وقوله (صلى الله عليه واله) : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه".

أما المرأة وحقوقها المنزلية، فمن الناحية الشرعية لا يجب عليها القيام بأي نوع من أنواع الخدمة كالطبخ والتنظيف وغيرها، بل حتى رضاعة أطفالها غير واجبة وإن شاءت أخذت أجراً على ذلك من الزوج، وعليه أن ينفق عليها بما يتلاءم مع شأنها قبل الزواج، لكن السائد في أغلب البيوت هو على النقيض من ذلك تماماً، حيث لا فرق بين جواري العصور الوسطى وبعض النساء في هذه الأيام بتقدير بعض الأزواج، إذ يرون أنهم حينما ينفقون عليهن سواء كانت النفقة مأكل أو ملبس أو مسكن فهذه منه لابد من شكرهم عليها، مع أنه واجبهم الشرعي الذي لابد من أدائه.

 

 

 

2017/12/07

إليكم أربع خطوات لتجنب كابوس الطلاق

في خضم المسؤوليات الملقاة على الزوجين وصعوبة العيش يغمر أغلب الأسر جو من التوتر وعدم التفاهم وغير ذلك من الأزمات، ولعله لا يخلو عش زوجي من أزمة ما ولو من حين لآخر، ولكن تتفاوت درجاتها من أسرة الى أخرى.

وهنا، في هذه المقالة، أود أن أقف على بعض الخطوات الكفيلة بحل بعض هذه الأزمات دفعا لتضخمها وتحرزا من هجمة كابوس الطلاق:

أولا: معرفة أسباب الأزمة

إن لمعرفة السبب دور للإمساك بخيط الوصول الى الحل، ومن دون كشفه لدى الطرفين يتعذر عليهما التشخيص وسيغيم عليهما التوتر المصعد للموقف، ومن ثَمَ ستُقتل لغة التفاهم بين الزوجين، ولا تُحمد عواقب الأمور.

قد يكون أحد الطرفين هو المسبب وقد يشتركان، ولكن المهم ان يقفا على منشأ الخلاف وعرض الحلول وألا يُكلف أحدُهما الآخر أكثر من طاقته تكلفةً مادية أو معنوية، بل لابد من التنازل لعبور الأزمة.

ثانيا: قبول الآخر

إذا عَلَتْ سماءَ الجو الأسري (لغةُ التفاهم) باتت تغمرها صورُ السعادة من كل جانب، فحينها سيقبل كلٌ من الطرفين الآخرَ على ما هو مع الالتزام بالثوابت الأسرية.

ولكي يسود هذا السلوك فلابد من معرفة الحقوق - المذكورة في محلها شرعا- الواجبة على كلا الطرفين كيما تهمش الثوابت بينمهما.

ثالثا: تجنب القاء اللوم

إن لتجنب ذكر الجزئيات السلبية -التي من شأنها ايقاظ التوتر والحدية- دور كبير في حل الأزمات عموما والأسرية خصوصا، بل التركيز عليها نوع من الاستفزاز.

فلذا من أبرز علامات الطرف المتقبل للحلول - أي الباحث عن الحل دون تضخيم الموقف - أن يكون بعيدا عن الملامة وذكر الجزئيات المصعدة  ومراعيا ليونة التعبير وهجر الخشونة والتنديد.

رابعا: تجنب سوء الظن من الطرفين

إن من أكثر المعاول التي تهدم صرح الأسرة وتضعضع أركانها هو سوء الظن، سواء كان من طرف واحد أو من كلا الطرفين.

ولا يخفى أن هذا الهوس من الأمراض النفسية التي ترمي بصاحبها الى حضيرة الخسران في الدنيا والآخرة، واستشراء هذا الداء يبدأ من اعطاء الفرص المتكررة للقوة المتخيلة عند الانسان لترسم له صورا لا واقع لها في الأغلب، بل لا يخلو هذا النمط - غالبا - من تدخل الشيطان بنفث مساوئ وهمية في المتلقي لها، فتعشعش أفكار سلبية تطحن كل الايجابيات المتبادلة بينهما، وحينها يصعب تلافي الأمور وإرجاعها الى نصابها.

وعلى طريق الحل، إليكم جملة من الإرشادات التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام في هذا الصدد، والتي نأمل أن يتبعها الزوجين:

خير النساء

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه واله) فَقَالَ: (إِنَّ خَيْرَ نِسَائِكُمُ : الْوَلُودُ الْوَدُودُ الْعَفِيفَةُ، الْعَزِيزَةُ فِي أَهْلِهَا، الذَّلِيلَةُ مَعَ بَعْلِهَا، الْمُتَبَرِّجَةُ مَعَ زَوْجِهَا، الْحَصَانُ عَلَى غَيْرِه، الَّتِي تَسْمَعُ قَوْلَه وتُطِيعُ أَمْرَه، وإِذَا خَلَا بِهَا بَذَلَتْ لَه مَا يُرِيدُ مِنْهَا، ولَمْ تَبَذَّلْ كَتَبَذُّلِ الرَّجُلِ)الكافي: ج5 ص324.

التهيئة للزوجة

وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَهْمٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) اخْتَضَبَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ اخْتَضَبْتَ؟

فَقَالَ (عليه السلام) : نَعَمْ ، إِنَّ التَّهْيِئَةَ مِمَّا يَزِيدُ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ ، وَلَقَدْ تَرَكَ النِّسَاءُ الْعِفَّةَ بِتَرْكِ أَزْوَاجِهِنَّ التَّهْيِئَةَ !!

ثُمَّ قَالَ : أَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَاهَا عَلَى مَا تَرَاكَ عَلَيْهِ إِذَا كُنْتَ عَلَى غَيْرِ تَهْيِئَةٍ؟

قُلْتُ : لَا .

قَالَ : فَهُوَ ذَاكَ .

ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): (مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، التَّنَظُّفُ، وَالتَّطَيُّبُ، وَحَلْقُ الشَّعْرِ، وَكَثْرَةُ الطَّرُوقَة)الكافي ج : 5 ص : 567

2017/12/05

ما هو الجلباب؟ ولماذا يأمر القرآن النساء به؟

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}([1]).

جاء في تفسير علي بن إبراهيم([2]) في سبب نزول الآية: إن المسلمات كن يذهبن في تلك الأيام إلى المسجد ويصلّين خلف النبي (ص)، وعندما كنّ يذهبن إلى صلاة المغرب والعشاء ليلاً كان بعض الشباب الطائشين يجلسون في طريقهن ويؤذونهن بمزاحهم وكلامهم البذيء الأجوف ويضايقونهن، فنزلت الآية وأمرتهن أن يلتزمن بالحجاب التام حتى لا يجد من يريد الأذى عذراً في إيذائهن فستر جميع البدن أقرب إلى أن يعرفن أنهن من أهل الستر والصلاح فلا يؤذيهن أهل الفسق بالتعرض لهن.

وورد رأي آخر مفاده: أن الهدف هو أن لا تتساهل المسلمات في أمر الحجاب أو لا يعبأن به كبعض النساء المتحللات اللواتي يظهرن أجزاءً من أبدانهن من دون خجل أو رهبة، مع أنهن يرتدين الحجاب، فهذا الإظهار للبدن يغري الشباب المراهق وغيرهم ويلفت انتباهه فيجره إلى الأذى والفساد.

أما الجلباب: فقد ذكر المفسرون وأرباب اللغة عدة معان ٍله:

1- إنه الملحقة وهي قماش أطول من الخمار يغطي الرأس والرقبة والصدر.

2- إنه المقنعة والخمار.

3- إنه القميص الفضفاض الواسع.

ومع أن هذه المعاني تختلف عن بعضها، إلا أن العامل المشترك فيها أنها تستر البدن وتغطي مفاتن المرأة أمام الناظر الأجنبي.

والمراد من: (يدنين) أن يقربن الجلباب إلى أبدانهن ليكون أسترُ لهُنَّ، لا أن يدعنه كيفما كان بحيث يقع من هنا وهناك فينكشف البدن، وبتعبير أبسط أن يلاحظن ثيابهن ويحافظن على حجابهن.

ومن نافلة القول: إن الحجاب والستار وأمثالها وسائل للحفظ والصيانة والابتعاد عن الذنب والمعصية، وتبقى الدعامة الأساسية هي التقوى. فإنها إن لم تكن فسوف لا تنفع كل هذه الوسائل التي أمر بها الإسلام.

فالتقوى: هي الحجاب الحقيقي والاحتجاب النفسي الذي يصون النفس الإنسانية عن ارتكاب أي معصية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وهي المانع الفعلي من ارتكاب المآثم.


([1]) سورة الأحزاب: آية 59.

([2]) تفسير القمي: ص197.

*مقطتف من كتاب "التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع" صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

 

 

2017/11/28