نقاش
هل يسكن الجنّ في جسد الإنسان؟!

الكلام عن مسّ الجنّ وأنّ الجنون داءٌ عارض من مسّه فيعالج باللجوء إلى الرُّقى والتعويذات ودمدمة الكهنة وأصحاب التسخيرات وما إلى ذلك من خرافات بائدة. فالذي يمكننا القول فيه: أن ليس في القرآن شيء من ذلك، حتّى ولا إشارة إليه، إذ لا شكّ أنّ الجنون داءٌ عصبيّ وله أنحاء، بعضها صالح للعلاج بأسباب عادية ذكرها الأطبّاء في كتبهم قديماً وحديثاً، وهناك مراكز لمعالجة هذه الأمراض أو التخفيف من وطأتها بالأساليب العلاجية الطبيعية المتعارفة وليست بالأساليب الغريبة.[١]

وليس في القرآن ما يبدو منه أنّ صاحب هذا الداء إنّما يُصاب على أثر مسّ الجنّ له.

نعم سوى استعماله لهذه اللفظة (المجنون) في أحد عشر موضعاً.[٢] وكذا التعبير بمن به جِنّة في خمسة مواضع.[٣]

[اشترك]

وهذا من باب المجاراة في الاستعمال[٤] - كما نبّهنا - حيث كان التفاهم بلسان القوم، وليس عن اعترافٍ بمنشأ هذه التسمية اللغوية. ولا يزال الأطبّاء المعالجون - قديماً وحديثاً - يعبّرون عن المصاب بهذا الداء بالمجنون وعن نفس الداء بالجنون، مجاراةً مع لغة العامّة، ولا يعني ذلك اعتقادهم بمسّ الجنّ إيّاه حتمياً.

وتلك دور المجانين معدّة لمعالجة المصابين بهذا الداء أو للحراسة عنهم مرسوم عليها نفس العنوان وليس إلاّ لأجل التفاهم مع العرف الدارج لاغير.

وأمّا قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ»[٥] فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية أهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون.

وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شرائر وجودهم فعموا وصمّوا «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ».[٦] «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ».[٧]

قال تعالى - حكاية عن نبيّ الله أيّوب (عليه السلام) -: «إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ».[٨] أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء الله في النصب ومكابدة الآلام، كما في قوله: «إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».[٩] فمسّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة، لا الإضرار مباشرةً.[١٠]

===========

الهوامش:

[١] راجع ما كتبه بهذا الشأن في تفسير المنار، ج ١، ص ٢٦٧ - ٢٧٣، وج ٣، ص ٩٦. وراجع أيضاً: الميزان للسيّد الطباطبائي، ج ٢، ص ٤٣٣ - ٤٣٩. (ملاحظة: هذا الهامش أُدرج في بداية المبحث ضمن الصفحة الأولى رغم عدم ظهور رقمه صراحة بين السطور).

[٢] الحجر ١٥: ٦؛ الشعراء ٢٦: ٢٧؛ الصافات ٣٧: ٣٦؛ الدخان ٤٤: ١٤؛ الذاريات ٥١: ٣٩ و ٥٢؛ الطور ٥٢: ٢٩؛ القمر ٥٤: ٩؛ القلم ٦٨: ٢ و ٥١؛ التكوير ٨١: ٢٢.

[٣] الأعراف ٧: ١٨٤؛ المؤمنون ٢٣: ٢٥ و ٧٠؛ سبأ ٣٤: ٨ و ٤٦.

[٤] أي من تُسَمّونه بهذا الإسم أو تُسِمّونه بهذه السمة في استعمالكم المتعارف عندكم.

[٥] البقرة ٢: ٢٧٥.

[٦] الأنعام ٦: ٧١.

[٧] المجادلة ٥٨: ١٩.

[٨] ص ٣٨: ٤١.

[٩] الأنبياء ٢١: ٨٣.

[١٠] راجع: التفسير الكبير، ج ٧، ص ٨٩ والميزان، ج ٢، ص ٤٣٦.

المصدر: كتاب شبهات وردود

2026/04/09

واضربوهنّ.. هل القرآن يُهين المرأة؟!

قال تعالى: «واللاتي تخافون نشوزهنّ فَعِظُوهُنّ واهْجُرُوهُنّ في المضاجع واضْرِبُوهُنّ. فإن أطَعْنَكُمْ فلا تبغوا عَلَيْهِنّ سَبيلاً». ١

قالوا: في هذه الآية أيضاً مهانة بشأن المرأة، ممّا يتناسب وذلك العهد الجاهلي الذي كان موضع المرأة فيه موضع الضعة والصغار!

لكن بأدنى مراجعة لكتب التفسير والسِيَر وكلمات الفقهاء في ذلك يتّضح أنّ الأمر ليس بتلك الحدّة التي كانت تُتَصَوّر عن العصر الجاهلي المظلم وإمكان تأثيره على التشريعات الإسلامية الناصعة البيضاء والسهلة السمحاء.

كانت المرأة في العصر الجاهلي في مستوى هابط جدّاً، وجاء الإسلام ليأخذ بيدها ويرفعها إلى حيث مستواها الإنساني الرفيع، ولكن هذا التحوّل الجذري بشأنها هل أمكن حصوله بصورة فجائية وبلا تمهيد مقدّمات؟ أم كان بحاجة إلى مهل وبصورة تدريجية لقلب تلك الغلظة المتوهّجة إلى رقّة ورأفة هادئة؟ الأمر الذي يستدعي المسايرة مع القوم بعض الشيء في هذا الطريق الوعر ليمكن إيقافهم أو تمهيد أسباب هذا الإيقاف فيمكن إرجاعهم إلى حيث فطرتهم الإنسانية الأصيلة!

وهكذا جارى الإسلام العرب في بادئ الأمر في قسم من عاداتهم - كانت متّحكمة عليهم تحكّماً وثيقاً - وفي أثناء هذه المجاراة والمسايرة، أخذ ينفث في روعهم روح الملاءمة وإبعاد الخشونة لتلين قلوبهم ويهتدوا إلى وجه الصواب، فيرتدعوا بأنفسهم شيئاً فشيئاً عن الأخطاء التي كانت تجذبهم بقوّة ذلك العهد.

وهذا النحو من سياسة التدبير نرى الإسلام قد اتّخذها بشأن لفيف من عادات جاهلية لم تكن متّحكمة على العرب وحدهم، بل على سائر الأمم على وجه العموم. ومن ثَمّ كان قلع جذورها بحاجة إلى مُهلة وفرصة زمنية، قصيرة أو طويلة، وتمهيد مقدّمات أصولية تمهّد هذا السبيل.

ويمكننا التمثيل لذلك بمسألة الرقّية التي جاراها الإسلام، حيث تحكّمها على العالم كلّه يومذاك، وكانت سلعة تجارية ضخمة، لا يمكن مجابهتها بلا تمهيد مقدّمات، فقد قام الإسلام في وجهها، لكن لا بشكل علني صريح، ولكن أعلن مخالفته لمنشأ الاسترقاق الذي كان عليه جمهور الأمم ذلك العصر، وسدّ طريقه - شرعيّاً - ما عدا حالة الاستيلاء على المحاربين في ميدان القتال. الأمر الذي كان يخصّ الرجال المحاربين ضدّ الإسلام دون غيرهم، ولا النساء ولا الأطفال والشيوخ، ورفض رفضاً باتّاً إمكان الاسترقاق بأيّ وجه كان.

ثمّ إنّه مع ذلك جعل الطريق لتحرّرهم فسحاً وفي أنحاء وأشكال، حسبما نذكره. واتّخاذ مثل هذه الاجراءات لقطع جذور عادة جاهلية ساطية، قد اصطلحنا عليه بالنسخ التدريجي المسير مع الزمان، مما قد مهّدت أسبابه منذ البدء وعلى عهد صاحب الشريعة.

ومن هذا القبيل مسألة قوامة الرجل على المرأة بشكلها العام، بحيث تشمل ضربها ضرباً مبرحاً موجعاً! فلو كان قد نزل به الوحي، ولكن جاء تفسيره على لسان صاحب الشريعة بما يجعله هيناً في وقته، وتمهيداً لقلع جذوره على مدى الأيام:

أوّلاً: جاء تفسير الضرب بكونه غير مبرّح، أي غير شديد ولا مؤلم، فيكون ضرباً خفيفاً لا يؤلم. والضرب إذا لم يكن مؤلماً لا يكون ضرباً في الحقيقة، وإنّما هو مسح باليد مسحاً في ظرافة! ومن ثمّ جاء تقييده بأن لا يكون بسوط ولا خشب أو آلة غيرهما، ما عدا عودة السواك التي يستاك بها الرجل!

الأمر الذي يجعل من ظاهر دلالة الآية عقيمة، ويرفض سلطة الرجل على إيلام زوجته بالضرب والأذى على كلّ حال.

أخرج ابن جرير عن عكرمة - في الآية - قال: قال رسول الله ﷺ: «اضربوهنّ إذا عصينكم في المعروف، ضرباً غير مبرّح». ورواه أيضاً بإسناده عن حجاج مضيفاً إليه تفسيره «غير مبرّح» بغير مؤثّر. يعنى: لايؤثّر في تغيير لون البشرة، حتّى الحمرة.

وعن عطاء قال: قلت لابن عبّاس: ما الضرب غير المبرّح؟ قال: بالسواك ونحوه.

وعن قتادة: ضرباً غير مبرّح أي غير شائن. ٢

والشّين: العيب، أي لا يوجب عيباً.

ومن ثَمّ قال الشيخ أبو جعفر الطوسي ؒ: وأمّا الضرب فإنّه غير مبرّح، بلا خلاف. ٣

قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): هو بالسواك. ٤

قال القاضي ابن البرّاج الطرابلسي ؒ: وأمّا الضرب فهو ضرب تأديب، كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضرباً مُبَرّحاً ولا مزمناً ولا مدمياً ويفرّقه على بدنها ويتّقي وجهها. وإذا ضربها كذلك فليكن بالمسواك. وذكر بعض الناس (من فقهاء العامّة) أنّه يكون بمنديل ملفوف أو دِرّة، ولا يكون بخشب ولا سوط. ٥

المبَرّح: الشديد الموجع. والمزمن: من الزمانة، وهي العاهة، أي العيب والنقص. والمدمي: المؤثّر في ظهور الدم على البشرة ولو بالخراش.

والدِرّة: نوع من السياط، لا توجع ولا تؤلم. وتُصنع من الخرق، وهي تشبه المنديل الملفوف.

وقال في موضع آخر: وإذا نشزت المرأة على زوجها، جاز له أن يهجرها في المضاجع وفي الكلام، ويضربها ولا يبلغ بضربها حدّاً ولا يكون ضرباً مبرّحاً، ويتوقّى وجهها. ولا يهجرها بترك الكلام أكثر من ثلاثة أيّام. ٦

جاء في فقه الرضا: والضرب بالسواك وشبهه ضرباً رفيقاً ٧ أي برفق.

وفي جامع الأخبار للصدوق عن النبي ﷺ: «إنّي أتعجّب ممّن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى. لا تضربوا نساءكم بالخشب فإنّ فيه القصاص، ولكن اضربوهنّ بالجوع والعريّ، حتّى تريحوا في الدنيا والآخرة». وجاء في آخر الحديث: «احفظوا وصيّتي في أمر نسائكم حتّى تنجوا من شدّة الحساب، ومن لم يحفظ وصيّتي فما أسوء أحاله بين يدي الله». ٨

وفي هذا الحديث صراحة بأنّ المراد من الضرب في الآية هو التأديب، ولكن لا بالعصا والسوط - كما يُفعل مع البهائم - ولكن بالتضييق في المطعم والملبس ونحوهما. وهذا أوفق بتعديل المعيشة معها.

وثانياً: النهي عن ضربهنّ، والتشديد على المنع، منعاً يجعل المتخلّف من شرار الأمة وليس من خيارهم!

جاء في الحديث: إنّ نساء أثيراً من أزواج أصحاب رسول الله ﷺ أطافن ببيوت آل الرسول يشكين أزواجهنّ - حيث رأوا إباحة ضربهنّ - فقال رسول الله: «ليس أولئك خياركم». ٩

وأخرج ابن سعد والبيهقي بالإسناد إلى أمّ كلثوم بنت أبي بكر قالت: كان الرجال نُهوا عن ضرب النساء، ثمّ شكوهنّ إلى رسول الله ﷺ فأجاز لهم ضربهنّ، ولكنّه ﷺ أضاف قائلاً: «ولن يضرب خياركم». ١٠

وفي رواية ابن ماجة:... فلمّا أصبح رسول الله ﷺ قال: «لقد طاف بآل محمّد سبعون امرأة، كلّ امرأة تشتكي زوجها! فلا تجدون أولئك خياركم». ١١

وأخرج عبدالرزاق عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أوّل النهار ثم يضاجعها آخره». ١٢

قالت عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ خادماً له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً. ١٣

ولم يؤثر عن أحد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الأطهار ولا من الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار أن واجهوا نساءهم بغضاضة فضلاً عن الضرب واللطم. بل كانت شيمتهم العفو والغفران، كما مرّ في حديث الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر (عليهما السلام). ١٤

وثالثاً: التوصيات الأكيدة بشأن المرأة والتحفّظ على كرامتها والأخذ بجانبها في عطفٍ وحنانٍ ورأفةٍ ورحمة، بعيداً عن الغلظة والشدّة، بل حتّى مؤاخذتها على ما فرط منها ما سوى العفو والغفران.

جاء في رسالة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام): «... فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تَعْدُ بكرامتها نفسها...». ١٥ أي خذ بكرامتها، ولا تجعلها بحيث تضطرّ إلى أن تستشفع بآخر، فلتكن كرامة نفسها لديك هي الشفيعة لها دون غيرها. وجاء في رواية الكليني: «واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك، ولا تطمعها أن تشفع بغيرها...». ١٦

وروى الكليني بإسناده إلى الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فيما ذكر من حقوق المرأة على زوجها قال: «وإن جهلت غفرلها» وزاد: «كانت امرأة عند أبي (الإمام الباقر (عليه السلام)) تؤذيه فيغفر لها». ١٧

وفي وصيّة الإمام لابنه محمد ابن الحنفية ما يشبه وصيّته لابنه الحسن، وزاد: «فدارها على كلّ حال وأحسن الصحبة لها ليصفوا عيشك». ١٨

وأوصى الإمام الصادق (عليه السلام) يونس بن عمّار بالإحسان إلى زوجته، فسأله: وما الإحسان؟ قال: «... واغفر ذنبها...». ١٩ وفي حديث: «داووا عيّهن بالسكوت». ٢٠ وفي لفظٍ آخر: «استروا العيّ بالسكوت». ٢١

وقال: قال رسول الله ﷺ: «مازال جبرائيل يوصيني بالمرأة، حتّى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة». ٢٢

وروى الصدوق بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته، فإنّ الله عزّوجلّ قد ملّكه ناصيتها وجعله القيّم عليها». ٢٣ وجاء في الحديث السابق تفسير الإحسان بالغضّ عنها والستر عليها.

وقد فسّر القاضي ابن البرّاج القيمومة هنا بالقيام بحقوقها التي فرض الله لها على الزوج. قال: وقال تعالى «الرّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النّساء». ٢٤ يعني: أنّهم قوّامون بحقوق النساء التي لهنّ على الأزواج. ٢٥ وهذا هو معنى قوله تعالى: «وعاشِروهُنّ بالمَعْرُوفِ». ٢٦ ويتأكّد بقوله تعالى: «ولَهُنّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنّ بالمَعْرُوفِ». ٢٧ قال ابن البرّاج: يعني أنّ لكلّ واحدٍ منهما ما عليه لصاحبه، يجمع بينهما من حيث الوجوب. ٢٨

وقد لعن رسول الله ﷺ مَن ضيَّع حقوق امرأته ولم يراع جانبها. قال: «ملعون ملعون من يضيّع من يعول». ٢٩ وفي حديث آخر: «كفى بالمرء هلاكاً أن يضيّع مَن يعول». ٣٠ وقال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ٣١

وقال: «خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي». ٣٢

وأخرج الترمذي وصحّحة والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص، أنّه شهد حجّة الوداع مع رسول الله ﷺ قام وخطب، وفيما قال في خطبته: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ، فإن فعلن فاهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ ضرباً غير مبرّح». ٣٣

قوله: «عوان عندكم» يعني: إنّهنّ قد قضين عندكم عُمراً وفقدن ريعان شبابهنّ عندكم.

قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لنسائهم». ٣٤ وقال: «ومَن اتّخذ زوجة فليكرمها». ٣٥

وفي رواية أبي القاسم بن قولوية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَن اشتدّ لنا حبّاً اشتدّ للنساء حبّاً». ٣٦ وفي كتاب النوادر للراوندي: قال رسول الله ﷺ: «أعطينا أهل البيت سبعة لم يُعطهنّ أحدٌ كان قبلنا - وعدّ منها -: والمحبّة للنساء».

وفيه أيضاً: قال رسول الله ﷺ: كُلّما ازداد العبد إيماناً ازداد حبّاً للنساء. ٣٧

والمراد بالحبّ في مثل هذه الأحاديث: الإشفاق والإرفاق والموادّة والتحفّظ على كرامة المرأة على مستواها الإنساني الرفيع، وليس النظر إلى جانب الشهوة، كلاّ وحاشا.

وفي حديث الحولاء جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن حقّ الرجل على المرأة، وعن حقّ المرأة على الرجل - إلى أن قالت: - فما للنساء على الرجال؟ قال رسول الله ﷺ: «أخبرني أخي جبرائيل، ولم يزل يوصيني بالنساء حتّى ظننت أن لا يحلّ لزوجها أن يقول لها: أفّ! يا محمّد، اتّقوا الله عزّوجلّ في النساء، فإنّهنّ عوان بين أيديكم، أخذتموهنّ على أمانات الله - إلى أن قال - فاشفقوا عليهنّ وطيّبوا قلوبهنّ حتّى يقفن معكم، ولا تكرهوا النساء ولا تسخطوا بهنّ». ٣٨

وروى الصدوق في كتابه «علل الشرائع» و«الأمالي» بالإسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «فداروهنّ على كلّ حال، وأحسنوا لهن المقال، لعلّهنّ يحسنّ الفعال». ٣٩

وعن الصادق عن أبيه (عليهما السلام): «من اتّخذ امرأة فليكرمها، فإنّما امرأة أحدكم لعبة، فمن اتّخذها فلا يضيّعها». ٤٠

وبعد، فإنّ المتحصّل من تلكمُ الأحاديث المتوفّرة أنّ للمرأة كرامتها الإنسانية الرفيعة، وعلى المرء أن يحافظ على كرامتها ولا يُشينها ولا يُهينها، ويُحسن المعاشرة معها، ويجعل نفسه ونفسها شريكين متوازيين في إدارة شؤون الحياة العائلية، بتوزيع المسؤوليات توزيعاً عادلاً، ولا يكرهها على شيء، بل يستميل خاطرها ويستميح جانبها، ويعاشرها برفقٍ ومداراة، فإنّها ريحانة وليست بقهرمانة. وإذا رأى منها زلّة غضّ بصره عنها، وإذا أحسّ الشقاق واللجاج أحسن المداراة معها ليستميح خاطرها المرهف الرقيق. فلا يغلظ ولا يحتدّ معها، فإنّهنّ عوانٌ (خاضعات) لكم، فاشفقوا عليهنّ وطيّبوا قلوبهنّ، حتّى يقفن معكم، ولا تكرهوهنّ ولا تسخطوا بهنّ - كما مرّ في الحديث النبوي - فداروهنّ على كلّ حال، وأحسنوا لهنّ المقال، لعلّهنّ يحسنّ الفعال - كما مرّ في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). فمن اتّخذ زوجة فليكرمها، فإنّما هي لعبة، فمن اتّخذها فلا يضيّعها كما قال الإمام الصادق (عليه السلام).

وأمّا الضرب، فقد مُنع منه منعاً باتّاً، إلاّ إذا كان غير مبرّح ولا شائن، والأولى أن يكون تأديباً عن طريق التضييق عليها في الإنفاق، لا الضرب باليد ولا بالعصا.

والأولى من ذلك ترك الضرب ألبتة اقتداءً بالنبيّ الأكرم والأئمة المعصومين عليهم صلوات المصلّين. «لَقَد كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً». ٤١

ومن ترك هذه الأسوة الحسنة لم يكن متّبعاً لنبيّ الإسلام. «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ». ٤٢

وخياركم خياركم لنسائهم، والنبيّ خير الناس لنسائه. ألا ومن ضرب امرأته أو لطمها فهو أحقّ بالضرب واللطم، ولم يكن من خيار الأمّة، ولعلّه من شرارهم، والعياذ بالله. ذلك أنّها إذا فعلت أمراً فلعلّها من جانب غلبة العاطفة عليها، وهي جيّاشة. أمّا الرجل فلماذا يسترسل قيادته لأحاسيس عابرة، ولا يستسلم للعقل الرشيد، فهو أولى بالضرب والتأديب. وعلى أيّ حال فهو ليس من خيار الأمّة، ممّن تربّوا على منهج التربية الإسلامية الرفيعة.

ونتيجة على ذلك: كانت الآية بظاهرها المطلق منسوخة نسخاً تمهيديّاً، كان الناسخ لها تلك التوصيات الأكيدة بشأن المرأة، والأخذ بجانبها والحفاظ على كرامتها. وكذا المنع عن ضربها على أيّ نحوٍ كان إلاّ ما لا يعدّ ضرباً، وهو بالعطف والحنان أشبه منه إلى الإيلام. وهكذا عَمِلَ الرسولُ وكبراءُ الأمّة، ممّن أمرنا باتّباعهم على كلّ حال.

إذن، فالأخذ بظاهر إطلاق الآية أخذٌ بظاهر منسوخ، ومخالفة صريحة لمنع الرسول وتوصياته البالغة، وكذا الأئمة الطاهرين من بعده.

============

الهوامش:

١- النساء ٤: ٣٤.

٢- جامع البيان، ج ٥، ص ١٤٤ والدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٢-٥٢٣.

٣- وهذا يعنى أنّ هذا التفسير «ضرباً غير مبرّح» مجمع عليه عند الفقهاء.

٤- تفسير التبيان، ج ٣، ص ١٩١

٥- المهذّب، ج ٢، ص ٢٦٤

٦- المصدر، ص ٢٣١

٧- بحار الأنوار، ج ١٠١، ص ٥٨، رقم ٧. باب النشوز والشقاق.

٨- المصدر، ج ١٠٠، ص ٢٤٩، رقم ٣٨ عن جامع الأخبار، ص ١٥٧ - ١٥٨. طبع النجف.

٩- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣

١٠- سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٦١٢، باب ٦٢٥، رقم ٢٠١٠

١١- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣

١٢- أخرجه ابن ماجة، ج ١، ص ٦١٢، رقم ٢٠٠٩

١٣- الكافي، ج ٥، ص ٥١٠، رقم ١

١٤- المصدر

١٥- نهج البلاغة، باب الكتب، رقم ٣١، ص ٤٠٥

١٦- الكافي، ج ٥، ص ٥١٠، رقم ٣ وصحّحناه على النهج

١٧- المصدر، رقم ١.

١٨- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٦٢، رقم ١٧٢٤/١٣، باب ١٧٨ (النوادر).

١٩- الكافي، ج ٥، ص ٥١١، رقم ٤

٢٠- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٥١، رقم ٤٨ عن أمالي الشيخ الطوسي، ج ٢، ص ١٩٧

٢١- المصدر، ص ٢٥٢، رقم ٥٠ عن الأمالي للطوسي، ج ٢، ص ٢٧٦

٢٢- المصدر، ص ٢٥٣، رقم ٥٨

٢٣- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٢٨١، رقم ١٣٣٨

٢٤- النساء ٤: ٣٤

٢٥- المهذّب، ج ٢، ص ٢٢٥

٢٦- النساء ٤: ١٩.

٢٧- البقرة ٢: ٢٢٨.

٢٨- المهذّب، ج ٢، ص ٢٢٥.

٢٩- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٠٣، رقم ٤١٧

٣٠- دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري، ج ٢، ص ١٩٣، رقم ٦٩٩.

٣١- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٦٢، رقم ١٧٢١.

٣٢- المصدر، ص ٢٨١، رقم ١٣٣٩؛ ووسائل الشيعة، ج ٢٠، ص ١٦٧-١٧١، باب ٨٦ و ٨٧ و ٨٨ من أبواب مقدّمات النكاح.

٣٣- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣.

٣٤- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٢٦، رقم ١٥ عن كتاب الأمالي للطوسي، ج ٢، ص ٦

٣٥- مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ٢٥٠، رقم ٢، باب ٦٦ من أبواب مقدمات النكاح

٣٦- السرائر لابن إدريس، ج ٣، ص ٦٣٦. وراجع: البحار، ج ١٠٠، ص ٢٢٧، رقم ٢٠

٣٧- نوادر الراوندي، ص ١١٤

٣٨- مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ٢٥٢، رقم ٢، باب ٦٨ من أبواب مقدّمات النكاح

٣٩- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٢٣، رقم ١ عن علل الشرائع، ص ٥١٣؛ والأمالي للصدوق، ص ٢٠٦

٤٠- المصدر، ص ٢٢٤، رقم ٥

٤١- الأحزاب ٣٣: ٢١

٤٢- آل عمران ٣: ٣١

المصدر: شبهات وردود

2026/04/06

هل الجنّة تحت أقدام الأمّهات حقاً؟!

المسألة: الجنَّة تحت أقدامِ الأُمهات" هل هو حديثٌ مأثورٌ عن النبيِّ الكريم (ص) أو أحد المعصومين من أهل بيته (ع)؟ وما هو المراد منه؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

نعم أوردَ هذا الحديثَ الشريف القطبُ الراوندي في لبِّ اللُّباب عن النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "الجنَّةُ تحتَ أقدام الأمهات" قال: وقال (صلَّى الله عليه وآله): "تحتَ أقدامِ الأمهاتِ روضةٌ مِن رياضِ الجنَّة"(1).

وورد كما في المصنَّف للصنعاني والمستدرك للحاكم النيسابوري أنَّ رجلاً جاء النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إنِّي أريدُ الغزوَ، وقد جئتُك أستشيرُك، قال (ص): هل لك مِن أُم؟ قال: نعم، قال: ألزمْها فإنَّ الجنَّة عند رجلها"(2).

وفي روايةٍ أخرى أنَّ الرجل قال: أتيتُ رسول الله (ص) فقلتُ: يا رسول الله إنِّي كنتُ أردتُ الجهاد معك، أبتغي بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة، قال: ويحك أحيَّةٌ أمُّك؟ قلتُ: نعم، قال: ارجع فبرَّها .. -فأعادَ عليه الطلب- فقال (ص): "الزم رجلَها فثَمَّ الجنة"(3) أي فعند رجلِها الجنَّة.

وفي لسانٍ آخر: "الزمْها فإنَّ الجنَّة تحتَ أقدامِها"(4).

[اشترك]

مفاد الحديث الشريف:

ومفاد الحديث الشريف هو الحثُّ على الخضوع والتصاغر والانقياد للأم، فالمستظهَر من أنَّ الجنَّة تحت أقدام الأم هو أنَّ محلَّ الجنَّةِ كائنٌ عند موضعِ أقدام الأم، فمَن أراد دخولها فليطأطئ وينزل عند أقدام الأُم فمِن هناك المدخلُ إلى جنَّة الله تعالى، وفي ذلك تعبيرٌ عن أنَّ طريق الدخول إلى الجنَّة يمرُّ مِن تحت أقدام الأم.

ففي الحديث الشريف كنايةٌ عن أنَّ الخضوع والانقياد للأم وسيلةٌ لدخول الجنَّة، فالجنَّة كائنةٌ تحت أقدام الأم، وعليه فلا يُتاح الوصول والدخول إليها إلا بالانحناء والنزول عند أقدام الأم، والانحناء والنزول عند الأقدام تعبيرٌ كنائي يستعملُه العرب للدلالة على الخضوع والتصاغر والانقياد، وبذلك يكون مفادُ الحديث هو الحثّ على التواضع والتكريم للأم والنزول عند رغباتها، فليس مفادُ الحديث هو الدعوة إلى أنْ يضع الرجلُ خدَّه أو جبهته عند أو تحت أقدام أمِّه، فذلك لا يظهرُ من الحديث أنَّه بصدد الدعوةِِ إليه بل الواضحُ مِن مَساق الحديث الشريف هو أنَّه بصدد الدعوة لرعاية الأم وتكريمها والاحتفاء بها وفاءً لحقِّها الكبيرِ عليه.

فمؤدَّى الحديث هو الدعوة إلى البرِّ والإحسان للأمهات مع استشعار الامتنان وإظهار التخضُّع لهن، فإنَّ ذلك هو ما يُوحيه التعبير بجعل الجنَّةِ تحت أقدامهنَّ، فلا يكفي السعيُّ لقضاء حوائجهنَّ بل يتعيَّن التواضع لهنَّ واشعارهن بالامتنان حال القضاء لحاجاتهن.

فالقضاء لحاجاتِ الأُم مع الاستعلاء عليها أو استصغارها وتوهينها لا يكون امتثالاً للحديث الشريف، وكذلك فإنَّ إظهار الاحترام للأم والتبجيل لمقامها مع التجاهل لحاجاتها لا يكون امتثالاً للحديث النبويِّ الشريف فلا يصدق الامتثال للحديث الشريف إلا بالاحسان المصاحب للتواضع والتكريم.

الهوامش:

1- مستدرك الوسائل -النوري- ج15 / ص180، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج21 / ص428.

2- المصنَّف -ابن أبي شيبة- ج5 / ص176، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج4 / ص151.

3- سنن ابن ماجه -محمد بن يزيد القزويني- ج2 / ص930.

4- جامع الأحاديث -السيوطي- ج6 / ص75.

2025/12/13

لماذا يحتاج الله إلى وسائط بينما يوسوس الشيطان مباشرةً؟

السؤال: هناك مفارقةٌ لا أفهمها في الإسلام، لماذا يستخدم الله ملائكةً ورسلاً ومعجزاتٍ ومجاهدين وكتباً سماويةً تحتاج مفسّرين ودعاةً في توصيل رسالته، بينما يوسوس الشيطان مباشرةً للناس دون وسيط؟

الجواب:

السؤال المطروح يحمل في طيّاته نوعاً من الطرافة والنباهة، فهو يلفت النظر إلى مفارقةٍ تبدو غريبةً للوهلة الأولى: لماذا يحتاج الله إلى وسائط متعدّدة، مثل: الملائكة، والرسل، والكتب السماويّة، بينما يعمل الشيطان بطريقةٍ مباشرةٍ عبر الوسوسة؟ هذه الملاحظة تعكس تأمّلاً ذكيّاً، لكنَّها تنبع أيضاً من عدم معرفة حكمة الله في التعامل مع الإنسان وطبيعته.

وحتى تتّضح الصورة تماماً ويرتفع هذا الاستغراب، سنجيب عن السؤال بأسلوبٍ منهجيٍّ ومنظَّم، من خلال تفصيل الفكرة في نقاطٍ واضحةٍ تبيّن الفارق بين الغايات الإلهيّة ووسائلها من جهة، وأهداف الشيطان وطرقه من جهةٍ أخرى.

[اشترك]

أولًا: الإنسان: قبضةٌ من طينٍ، ونفخةٌ من روح:

إنَّ الله خلق الإنسان من طين الأرض، ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]. فطبيعة الإنسان تجمع بين جانبين متناقضين:

1ـ جانب الطين: يمثّل الغرائز، والشهوات، والميل الطبيعيّ للأرض والمادّيات.

2ـ جانب الروح: يمثّل التطلّع إلى الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ والسعي نحو الله تعالى.

هذه الطبيعة المزدوجة تجعل الإنسان في حالة صراعٍٍ دائمٍ بين الجانبين.

فالغرائز قريبةٌ من الإنسان، ملاصقةٌ له، ولا يحتاج إلى من يدعوه إليها، فهي تنبثق تلقائيّاً من طبيعته الطينيّة. أمّا كمالات الروح، فهي تحتاج إلى تذكيرٍ دائمٍ وجهودٍ مضاعفةٍ؛ لأنَّها تتطلّب السموّ على الغرائز والتطلّع إلى قيمٍ أعلى؛ ولهذا، كانت دعوة الأنبياء والرسل أصعب وأعمق؛ لأنها تخاطب الجانب الروحيّ الذي يحتاج إلى يقظةٍ وتنبيه.

 

وثانيًا: الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعل له إرادةً حرّةً، وقدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل، وهو لا يريد أنْ تكون علاقة الإنسان به علاقة إكراهٍ أو إجبار، بل علاقة قائمة على الاختيار الواعيّ. قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

هذا التبيّن يتطلّب وسائل متعدّدة للتواصل مع الإنسان: أنبياءً ورسلاً يحملون الرسالة، وكتباً إلهيّةً توضّح التشريعات، ومعجزاتٍ تؤكّد الصدق، ودعاةً يفسّرون الرسالة ويشرحونها.

أمّا الشيطان، فهدفه الوحيد هو إغواء الإنسان وإبعاده عن طريق الحقّ، وهو يسلك طريق الوسوسة المباشرة، حيث يعتمد على إثارة الشهوات والغرائز، مستغلًّا ضعف الإنسان الفطريّ. قال تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83].

هذا العمل لا يحتاج إلى وسائل معقّدة أو تعليم؛ لأن هدفه لا يقتضي سوى إثارة النزوات والدفع نحو الباطل.

وهنا نلخّص الفرق بين أهداف الله سبحانه وتعالى وأهداف الشيطان.

أهداف الأنبياء والرسل تتّسم بالسعي لهداية الإنسان نحو الكمال الروحيّ والأخلاقيّ، وتحريره من قيود الشهوات والأهواء. ومن أبرز هذه الأهداف:

1- إرشاد الإنسان إلى معرفة الله وعبادته: الهدف الأسمى هو إيصال الإنسان إلى معرفة خالقه وعبادته بوعي. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

2- تحقيق العدل والقسط بين الناس: الأنبياء جاؤوا لإقامة العدل ومحاربة الظلم. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

3- إصلاح النفس والمجتمع: دعوة الأنبياء تستهدف تهذيب الإنسان وتطهيره من الآثام، وخلق مجتمع قائم على المحبّة والسلام. قال تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].

وهذه الأهداف النبيلة تحتاج إلى وسائل تناسبها، فالإنسان بطبعه يميل إلى عبادة هواه بدل عبادة الله تعالى، كما يميل إلى الأنانيّة وظلم الآخرين، ومن هنا كان الإنسان بحاجة ماسّة ودائمة إلى من يهديه ويرشده إلى طريق الحقّ والعدل والإصلاح. ومن بين هذه الوسائل:

1- إرسال الرسل والأنبياء: الله تعالى أرسل الرسل ليكونوا قدوة للناس، وليروا فيهم مثالاً حيّاً على تطبيق الرسالة في الواقع. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ...} [الممتحنة: 4]، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..} [الممتحنة: 6].

2- الكتب السماويّة: الكتب السماويّة هي المرجعيّة الثابتة التي تحوي التشريعات الإلهيّة والهداية، وهي وسيلةٌ للتواصل مع البشر عبر الأجيال. قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10]. وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]. وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 22].

3- إرسال الرسل بلغة القوم: الأنبياء بُعثوا بلسان أقوامهم ليكونوا أقرب لفهم الناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].

4- المعجزات: المعجزات كانت وسيلةً لإظهار صدق الأنبياء وكسر الشكوك، مثل: عصا موسى، وشفاء المرضى على يد عيسى، والقرآن كمعجزة خالدة للنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله).

5- التدرّج في الدعوة: الأنبياء استخدموا الحكمة والموعظة الحسنة، وتدرّجوا في الدعوة لإقناع الناس ورفعهم تدريجيًّا إلى مستوى الهداية. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].

وفي المقابل، نجد أنَّ أهداف الشيطان تتناقض تماماً مع أهداف الله تعالى، فالشيطان يهدم ولا يبني، يخرّب ولا يصلح، وهذا النوع من العمل لا يحتاج إلى أكثر من وضع المعوّقات والعراقيل، عبر الخداع والإغواء وتحريف الحقائق، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

فإذا كان منهج الله قائماً على العلم والحكمة والاختيار، فإن منهج الشيطان قائمٌ على الإغواء والخداع والتضليل، ولا يحتاج الشيطان لتحقيق ذلك إلى أكثر من الوسوسة المباشرة، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120].

والوسوسة الشيطانيّة تركّز على الإغراء والإيهام، فهي لا تقدّم حجّةً عقليّةً أو دعوةً للخير، بل تعمل على استغلال نقاط الضعف في الإنسان، كالرغبة في الخلود أو التملّك أو حبّ الشهوات من النساء والأموال. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].

والشيطان ليس مُلزَماً بمراعاة إرادة الإنسان أو احترام عقله؛ ولذا لا يحتاج إلى أكثر من الوسوسة المباشرة وتحريك شهواته ورغباته، فهو يسعى لإيقاعه في الخطأ بشتى الطرق، دون أن يحتاج إلى وسائل تعليميّة أو مراحل إقناع.

كما أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل وجود الوسائط في رسالته جزءاً من اختبار الإنسان. فالإنسان مُطالبٌ بأنْ يسعى للمعرفة ويتبيّن الحقّ من الباطل من خلال العقل والتفكّر. قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]. وهذا يعني أنَّ الطريقين - طريق الخير وطريق الشرّ - واضحان، لكن الإنسان بحاجةٍ إلى البحث والتدبّر لاختيار الطريق الصحيح.

والوسائط في الرسالة الإلهيّة تظهر مدى استجابة الإنسان للهداية: هل يستمع للنبيّ ويتّبع الكتاب ويستفيد من المعجزات؟ أم يختار طريق التمرّد والغواية؟

فالله يدعو إلى الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة: يريد من الإنسان أنْ يفهم ويتدبّر قبل أنْ يؤمن. بينما الشيطان يُغوي بالخداع والاستغلال: يريد من الإنسان أنْ ينساق وراء أهوائه دون وعي أو تفكّر.

في المحصّلة، الفارق بين الله والشيطان في التأثير على الإنسان يعكس الفارق بين الحكمة والخداع. الله تعالى يدعو الإنسان إلى الخير والكمال بروحٍ تحترم إرادته وتكرّمه، عبر وسائل متعدّدة تهدف إلى الارتقاء بعقله وروحه. أمّا الشيطان، فيسلك الطريق السريع، مستغلًّا نقاط الضعف والغرائز، ليُغرق الإنسان في المادّيات ويُبعده عن هدفه الأسمى.

 
2025/12/03

الحقيقة التاريخية.. لماذا لم يؤلّف الأئمّة كتباً؟!

السؤال: الإمام لم يؤلّف كتابًا للشيعة حتى يدارسوه في زمن كان الأئمّة الكبار يؤلّفون كتبًا في مختلف الموضوعات العلميّة من الفقه واللُّغة وغيرهما. إذن أين علم الأئمّة حتى يثبتوا إمامتهم للناس؟! لماذا الشيعة عيالٌ على أهل السنّة؟

[اشترك]

الجواب:

الزعم بأنّ الشيعة "عيالٌ على أهل السنّة" في تراثهم وعلمهم ادّعاءٌ باطلٌ؛ لأنّ الشيعة لم يستقوا معارفهم من غيرهم، بل أسّسوا مدرسةً مستقلةً امتدّت جذورها إلى أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة. والحق أنّ كثيرًا من المدارس السنيّة هي التي رجعت في أصولها العلميّة إلى الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، حتى إنّ كبار أئمّتهم كأبي حنيفة ومالك والشافعي كانوا على صلةٍ مباشرةٍ بأئمّة أهل البيت أو بتلامذتهم. وقد أثبت السيّد حسن الصدر في كتابه "الشيعة وفنون الإسلام"، والشيخ جعفر سبحاني في كتابه "دور الشيعة في تأسيس الحضارة الإسلاميّة" بالأدلّة التاريخيّة أنّ الشيعة كانوا السبّاقين إلى تأسيس العلوم الإسلاميّة في مختلف حقولها. ومن يطّلع على هذين الكتابين يدرك أنّ هذه الدعوى لا تعدو كونها قلبًا للحقائق التاريخيّة.

والذي غفل عنه المدّعي هو أنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن وظيفتهم أن يثبتوا إمامتهم بمصنّفات تحمل أسماءهم كما يفعل المؤلّفون في المجالات العلميّة المحدودة؛ لأنّ الإمام ليس مؤلّفًا بالمعنى المدرسيّ الضيّق، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة التي يسترشد بها العلماء في الفهم والاستنباط. فوظيفته هي البيان الشامل للهداية، وتبليغ ما تحتاجه الأمّة في العقيدة والشريعة والأخلاق، مع تربية العلماء والخواص ليحملوا علومه وينشروها، نظير النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ وظيفته كانت البيان والهداية والتربية وغير ذلك، ولم تكن وظيفته إثبات نبوّته بتصنيف كتابٍ، كما لم تكن وظيفته تدوين الأحكام التي جاء بها في كتاب، فلو صحّ الاستشكال بمثل هذا على الأئمّة فهو استشكال على الأنبياء أيضًا. أمّا الفقيه أو اللُّغويّ فقد يختار أن يصنّف كتابًا في بابٍ معيّنٍ؛ لأنّ نطاق عمله وعلمه محصورٌ في ذلك المجال. ومن هنا فإنّ قياس الإمام على هؤلاء مغالطةٌ في فهم الدور، إذ إنّ مقامه أوسع من مجرد التأليف الجزئيّ، بل هو الأصل الذي تفرّعت عنه جميع المصنّفات.

ومضافًا إلى ما سبق، فإنّ الظروف الأمنيّة التي عاشها الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) والرِّقابة المشدّدة على كلّ حركاتهم، مع محاولات السلطة المستمرّة لمحو ذكرهم وتشويه سمعتهم، شكّلت سببًا آخر في الاعتماد على إملاء العلوم على أصحابهم وتربيتهم على حفظها ونشرها، وقد قام تلاميذهم بالفعل بتدوين عشرات الكتب في مختلف مجالات المعرفة الإسلاميّة، حتى صار تراثهم أساسًا للمدرسة الإماميّة. ومن أراد التثبّت من ذلك فليراجع كتب التراجم والرجال التي أحصت أسماء هؤلاء التلاميذ ومصنّفاتهم.

ومن هنا تبلور التراث الشيعيّ في صورته الكبرى، حيث جُمعت تلك المصنّفات والروايات فيما بعد في الكتب الأربعة الأساسيّة (الكافي، التهذيب، الاستبصار، من لا يحضره الفقيه) وغيرها من المصادر، وهذا التراث زاخرٌ بعلوم الأئمّة في التفسير والفقه والعقيدة والآداب والأخلاق، الأمر الذي يكشف بوضوحٍ أنّ الأئمّة هم المصدر الذي يعتمد عليه العلماء في تصنيفاتهم ومؤلّفاتهم، فهم الينبوع الأوّل للعلوم والمعارف، ولولاهم لما تمكّن العلماء من تدوين هذا التراث ولا من صياغة علوم الإسلام بهذا العمق والثراء.

وفي المحصّلة، فإنّ وظيفة الإمام لا تشبه وظيفة الفقيه أو اللغويّ الذي يضع كتابًا في بابٍ محدّدٍ من أبواب العلم، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة، ويرشد الأمّة إلى طريق الهداية، ومن علومه تنبثق جهود العلماء الذين يأتون من بعده ليصنّفوا ويؤلّفوا فيما أفاض به الأئمّة من معارف؛ ومن هنا فإنّ قياس الإمام على الفقهاء أو اللغويّين قياسٌ باطلٌ؛ لأنّ الإمام هو الحجَّة الشاملة والوارث الكامل للعلوم الإسلاميّة، حاله في ذلك حال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يؤلّف الكتب ولا يصنّف التصنيفات.

2025/11/29

ما الدليل على عدم تحريف القرآن؟

نحن نعتقد بأنّ هناك أدلة كثيرة عقلية ونقلية تدل على عدم تحريف القرآن ، فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم :﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 1 ، وفي آية أخرى قال تعالى :﴿ ... وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ 2.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ هذا الكتاب ، أفهل يمكن أن تطال يد التحريف هذا الكتاب؟

إضافة إلى أنّ القرآن الكريم لم يكن متروكاً أو منسيّاً حتى يأتي شخص ويضيف أو ينقص منه شيئاً. فكتّاب الوحي قد ازداد عددهم من أربعة عشر إلى أربعمائة شخص ، وكانوا يقومون بتدوين وضبط كلّ آية بمجرّد نزولها ، ووصل عدد حفّاظ القرآن الكريم في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المئات ، حيث كانوا يحفظون كلّ آية حين نزولها.

[اشترك]

وقد كانت تلاوة القرآن في ذلك الزمان من أفضل العبادات ، حيث كان يتلى ويقرأ ليلاً ونهاراً.

كما أنّ القرآن الكريم هو القانون الأساسي للإسلام والدستور العملي للمسلمين ، وحاضر في جميع جوانب حياتهم.

فالعقل يدرك أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يقع فيه تحريف سواء من جهة الزيادة أو النقصان.

والروايات الإسلاميّة الواصلة إلينا من الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام تؤكّد على تمامية القرآن الكريم وعدم وقوع التحريف فيه. فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام يصرح في نهج البلاغة :

«وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتابَ تِبْياناً) ، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيما أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ»3.

وفي مواضع كثيرة من نهج البلاغة عند ما يتعرض الأمير المؤمنين عليه‌السلام للقرآن الكريم لا نجد أي حديث عن تحريف القرآن ، بل يؤكّد على تمامية القرآن بشكل واضح وصريح.

وذكر الإمام التاسع محمّد بن علي الجواد عليه‌السلام في خطابه لأصحابه حول انحراف الناس عن جادة الحق قائلاً : «وكَان مِنْ نَبذِهم الكِتَاب أن أقامُوا حُرُوفَه وحرَّفوا حُدُودَه»4.

إنّ هذا الحديث وأمثاله يشير إلى أنّ ألفاظ القرآن الكريم ظلت محفوظة ، والتحريف وقع في المعاني ، بحيث قام البعض بتفسير أو توجيه بعض الآيات طبق ميوله النفسية ومنافعه الشخصية خلافاً للواقع.

ومن هنا تتضح مسألة مهمّة وهي : أنّ الروايات التي تتحدث عن التحريف إنّما تتحدث عن التحريف المعنوي والتفسير بالرأي ، وليس التحريف في العبارات والألفاظ.

ومن جهة أخرى نلاحظ أنّ هناك روايات عديدة ومعتبرة وصلتنا عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام تأمر بعرض الروايات على القرآن الكريم وخصوصاً عند تعارضها ؛ لأجل معرفة الروايات الصحيحة من غير الصحيحة ، فما وافق القرآن فهو صحيح ويجوز العمل به ، وما خالفه اتركوه : «اعرِضُوهُمَا عَلى كِتابِ اللهِ فَما وَافَق كِتَاب اللهِ فَخُذُوه ، ومَا خَالَف كِتاب اللهِ فَرُدُّوه»5 ، فهذا دليل واضح على عدم وقوع التحريف في القرآن ؛ لأنّه في غير هذه الصورة لا يصبح معياراً لتشخيص الحق من الباطل.

وإضافة إلى كل هذا ، فقد ورد في حديث الثقلين المعروف والمنقول بكثرة في كتب أهل السنّة والشيعة أنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

«إِنِّي تَاركٌ فيكم الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي مَا إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لنْ تَضِلُّوا»6.

إنّ هذا الحديث العظيم يدلّ بوضوح على أنّ القرآن الكريم بجانب عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ملجأ آمن لهداية الناس إلى يوم القيامة.

فإذا كان القرآن محرّفاً فكيف يمكن أن يكون ملجأً آمناً ، وهادياً للناس من الضياع والضلال7.

كلمة أخيرة

الكلمة الأخيرة هي : أنّ أحد الذنوب الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى هي اتهام الآخر بأمور لم يقلها ولم يفعلها.

ونحن قلنا مراراً وتكراراً وفي مناسبات عدّة : إنّه لا يوجد أحد من المحقّقين والعلماء الشيعة من يقول بتحريف القرآن ، وكتبهم تشهد بذلك ، ولكن هناك فرقة متعصبة ومعاندة ما زالت تكرر هذه التهمة ، ولا أعلم ما سيكون جوابهم يوم القيامة عن كل هذه التهم ، وعن الحطِّ من شأن القرآن الكريم واعتباره.

فإذا كانت ذريعتكم هو وجود بعض الروايات الضعيفة في بعض كتبنا ، فهي موجودة أيضاً في كتبكم ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً.

ولا يوجد أي مذهب يبني أساسه على روايات ضعيفة ، ونحن لا يمكن أن نتهمكم بتحريف القرآن ؛ لأجل كتاب «الفرقان في تحريف القرآن» لابن الخطيب المصري والروايات الضعيفة التي لديكم حول تحريف القرآن ، ولن نضحّي بالقرآن لأجل العصبية المدمّرة.

لا تتكلّموا عن تحريف القرآن بهذه الطريقة ، ولا تسيئوا إلى الإسلام والمسلمين والقرآن ، لا تسقطوا اعتبار القرآن لأجل التعصب الطائفي فالقرآن الكريم رأس مال مسلمي العالم ، يجب أن لا تنطق ألسنتكم بكلمة التحريف ، ولا تعطوا الأعداء ذريعة ، فإذا أردتم الانتقام من الشيعة ومن أتباع أهل البيت عليهم‌السلام من خلال هذا الطريق ، فاعلموا أنكم ستضعّفون أساس الإسلام من حيث لا تشعرون ؛ لأنّ أعداء الإسلام سيقولون : إنّ فرقة عظيمة من المسلمين تقول بتحريف القرآن ، وهذا ظلم عظيم للقرآن الكريم.

في الختام نكرر القول : إنّه لا يوجد من يقول بتحريف القرآن بين المحقّقين شيعة وسنّة ، وإنّهم يقرّون بأنّ القرآن الذي نزل على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن الموجود حالياً بين المسلمين واحد ، ويعتقدون ـ كما صرح القرآن ـ بأنّ الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ القرآن من كل تغيير أو تحريف أو زوال. ولكن للأسف هناك بعض المتعصبين من الطرفين نسبوا التحريف لبعضهم البعض من دون وعي وعلم.

نسأل الله لهم الهداية جميعاً8.

الهوامش:

  1. 1. القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 9، الصفحة: 262.
  2. 2. القران الكريم: سورة فصلت (41)، الآية: 41 و 42، الصفحة: 481.
  3. 3. نهج البلاغة ، الخطبة ٨٥.
  4. 4. اصول الكافي ، ج ٨ ، ص ٥٣.
  5. 5. وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ٨٠.
  6. 6. بحار الأنوار ، ج ٣٦ ، ص ٣٣١.
  7. 7. للمزيد من التوضيح يراجع كتابنا «أنوار الأصول» ، ج ٢ ، ص ٣٤٠ فصاعداً.
  8. المصدر: الشيعة شبهات وردود، لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي دامت بركاته.
2025/11/11

الغائب سيعود والمريض سيموت.. ما المقصود بـ «التفأل بالقرآن»؟

لماذا استشكل بعضُ الفقهاء بما يُسمَّى بالتفاؤل بالقرآن, وهل توجد طريقة تُسمَّى (بالاستفتاح) بالقران؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

النهي عن التفأّل بالقرآن:

[اشترك] 

المنشأ هو ما ورد في كتاب الكافي للكليني عن الإمام الصادق (ع) قال: "لا تتفأل بالقرآن"(1).

معنى التفأل المنهي عنه:

والمراد من النهي عن التفأل بالقرآن كما أفاد العلماء رضوان الله عليهم هو استشراف الغيب بواسطة الملاحظة لآيات القرآن، بأنْ يفتح أحدُهم القرآن فيستنبط منه أنَّ زيدًا المريض سوف يُشفى من مرضه أو أنَّه سيموت أو أنَّ غائبًا سيعود من سفره أو أنَّ مَن سرق الدار كان طويلاً أو أنَّ السارق لها صبيٌّ أو امرأة أو يستنبط منه أنَّه سوف يربح في تجارته أو أنَّ رزقًاً واسعًا سوف يجنيه أو أنَّ شرًا عظيمًا سوف يقعُ عليه أو أنَّه سُيكفي غائلته وهكذا.

فالتفألُ بالقرآن يعني استخبار آياتِ القرآن للوقوف على المغيَّبات سواءً ما وقع منها أو ما سيقعُ في مستقبل الزمان، وهذا المعنى هو المنهي عنه ظاهرًا من الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع).

وثمة احتمالٌ آخر لمعنى الرواية أفاده العلامة المجلسي صاحب البحار(2) حاصلُه أنَّ المراد من النهي عن التفأل بالقرآن هو اتِّخاذ آيات القرآن وسيلة للتفاؤل أو التطيُّر والتشاؤم، وذلك بأنْ اذا سمع أو قرأ آيةً من القرآن اتِّفاقًا وكان فيها وعدٌ بخير استبشر وحدَّث نفسه بأنَّ خيرًا سوف ينالُه، واذا سمع أو قرأ آيةً من القرآن اتِّفاقًا وكان فيها وعيد أو ذكْرٌ لبعض أسماء الظالمين كفرعون وقارون أو ذكرٌ لأسماء بعض الحيوانات كالحمار أو الكلب تشاءم وتطيَّر وحدَّث نفسه أنَّ شرًاً سوف ينالُه.

كما كان يفعل العرب، فهُم -مثلاً- اذا اتَّفق لأحدِهم أنْ صادف في أول النهار غرابًا تشاءم، واذا صادف المريض رجلاً وكان اسمه سالمًا تفاءل به وحدَّث نفسه أنَّه سوف يسلم ويُشفى من مرضه. 

وكذلك إذا صادف أحدُهم رجلاً قبيح المنظر أو صادف رجلاً حسن الوجه.

فالنهي عن التفأل بالقرآن بناءً على هذا الاحتمال معناه النهي عن اتِّخاذ آيات القرآن وسيلةً لاستشعار السعد أو النحوسة.

ولا يبعد أنَّ كلا المعنيين مرادٌ من النهي الوارد عن الإمام الصادق (ع).

ولعلَّ منشأ النهي عن التفأل بالقرآن الكريم هو أنَّ ذلك قد يُفضي إلى سوء الظن بالقرآن الكريم، إذ أنَّ المُستنبِط للمغيَّبات من آياتِه أو المتفائل بالخير من سماع آيةٍ من آياته لو وقع خلافُ من استنبطه أو تفاءلَ به فإنَّه قد يتَّهم القرآن فيهلك لذلك، فالتفألُ بالخير بالمعنى الثاني وهو الاستبشار وتحديث النفس بالصالح من الأمور وإنْ كان مباحًا في نفسه إلا أنَّه ينبغي أن لا يكون بالقرآن حتى لا يكون القرآن في معرض الاتِّهام وإساءة الظن، وأمَّا المعنى الأول فهو من الرجم بالغيب.

الفرق بين التفأّل والاستخارة:

والتفأل مختلفٌ عن الاستخارة، وذلك لأنَّ الاستخارة ليس شيئًا آخر غير الدعاء بطلب الخير والتوفيق لما فيه الصلاح، وهي لا تقعُ إلا على الأمور المباحة بأن يتخيَّر الإنسان أحد فعلين مباحين أو أكثر فيسأل الله تعالى أن يوفِّقه لاختيار أصلحهما إليه، فقد يستجيبُ اللهُ تعالى دعاءه، وقد تقتضي حكمتُه أن لا يُجيب دعاءه، واذا استجاب لدعائه فوفَّقه لاختيار ما فيه صلاحه فانَّه ليس من الضروري أنْ يكون صلاحه فيما يرغب فقد يوفِّقه لاختيار أمرٍ عاقبته غير مرغوبة للإنسان ولكنَّ صلاحه يكون في ذلك الأمر.

فحينما يقع الإنسان في غير ما يرغب وكان ذلك نتيجة اختياره لما وقعت عليه الخيرة فإنَّه ينبغي أنْ لا يُسيء الظنَّ بربِّه فلعلَّ صلاحَه كان فيما وقع عليه من الأمر غير المرغوب أو لعلَّ ذلك نشأ عن عدم استجابةِ اللهِ تعالى لدعائه.

والمتحصَّل أنَّ المنهيَّ عنه هو التفأل بالقرآن بالمعنى الذي ذكرناه، وأمَّا الاستخارة فهي غير مشمولة ظاهرًا للنهي الوارد عن الإمام الصادق (ع).

لا دليل على رجحان التفأّل:

هذا وقد أورد السيد ابن طاووس في كتابه فتح الأبواب ما قد يُتوهَّم منه رجحان التفأل بالقرآن، فقد نقل عن الخطيب المستغفري أنَّه اذا أردت أنْ تتفأل بالقرآن فاقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرَّات ثم صلِّ على النبيِّ (ص) ثلاثًا ثم قل: (اللهم انِّي تفألتُ بكتابك وتوكلتُ عليك فأرني من كتابك ما هو المكتوم من سرِّك المكنون في غيبك ثم افتح الكتاب وخذ الفال من الخطِّ الأول في الجانب الأول). ثم أفاد انَّ ذلك واردٌ عن النبي (ص)(3).

إلا أنَّ هذا الذي نقله السيِّدُ ابن طاووس (رحمه الله) مضافًا إلى ضعفه السندي فإنَّه غير مذكورٍ في شيءٍ من أصولنا الروائية أو الفقهيَّة على أنَّ من الممكن حمله على إرادة الاستخارة، فلا ظهور له في إرادة التفأل بالقرآن بالمعنى الذي ذكرناه.

الهوامش:

1- الكافي -الشيخ الكليني- ج2 / ص629، وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص233 / باب 38 من أبواب قراءة القرآن ح1.

2- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج88 / ص244.

3- فتح الأبواب -السيد ابن طاووس- ص156.

2025/11/06

هل عُرض كتاب الكافي على الإمام المهدي (ع)؟!

هل صحيح أن كتاب الكافي معروض على الامام المهدي؟

نص الشبهة: يعتقد بعض علماء الشيعة بأنّ كتاب « الكافي » للكليني فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، ومن المقرّر بين الشيعة أنّ هذا الكتاب قد عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فقال : « إنّه كاف لشيعتنا » .

الجواب: يعدّ كتاب الكافي كتاباً قيّماً ومهمّاً للعالم الإسلامي ، لأنّه يحتوي الروايات الصحيحة في باب المعارف والأحكام ، ولكن في نفس الوقت هو ـ على خلاف غلوّ السلفيّين الذين يعتقدون أنّ صحيحي البخاري ومسلم لا يوجد فيهما أيّ حديث ضعيف أو موضوع ـ لا يخلو من الروايات الضعيفة ، وفي هذه دلالة على واقعيّة علماء الشيعة وموضوعيّتهم .

[اشترك]

وأمّا ما جاء في ذيل السؤال من أنّ علماء الشيعة يقولون : إنّ هذا الكتاب عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، فهذا ليس إلاّ افتراءً محضاً ، بل قول نسب إلى البعض وأنكره كثيرون فكيف يستدل بقول لم يعلم قائله ضد جمهور الشيعة .

أضف إلى ذلك انّ هذا الحديث لا يصح على إطلاقه لأنّنا قد أمرنا بالعمل بالكافي حسب الضابطة الّتي ذكرها الكليني في مقدمة الكتاب من عرض الروايات على كتاب الله فما خالفها يطرح .

فعلى ضوء هذه الضابطة يكون الكافي كافياً للشيعة ولا يعني ذلك صحة جميع رواياته 1 .

 

*هذه الإجابة نُشرت على الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته ، السؤال (163) .

2025/09/21

هل أخبرنا النبي (ص) بالسجود على التربة الحسينية؟!

السؤال: لو كان جبرئيل أعطى النبي عليه الصلاة والسلام تربة الحسين وانّها طاهرة ويستحبّ الصلاة عليها ، لماذا لم يخبرنا الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بذلك ويأمرنا بالصلاة عليها زيادة في الأجر؟

الجواب: إذا كان علماء أهل السنّة يروون : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله أخبره جبرئيل باستشهاد الحسين عليه السلام وأعطاه تربة الحسين عليه السلام فبكى النبي صلّى الله عليه وآله وأودع التربة عند اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة رضي الله عنها ، فما هو ذنب الشيعة ؟!

لقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله بمقتل الحسين عليه السلام وبكى له بكاء شديداً ولكنّكم لا تبكون للحسين عليه السلام بل تعترضون على الشيعة لماذا تبكون للحسين عليه السلام ، وقد أودع النبي صلّى الله عليه وآله تربة قبر الإمام الحسين عليه السلام قبل شهادته عند اُمّ سلمة ، وهذا يدلّ على اهتمام النبي صلّى الله عليه وآله بهذه التربة وكونها مقدّسة ، فما ذنب من يصلّي ويضع جبهته على هذه التربة المقدّسة لأنّه يشترط عنده كون موضع الجبهة من أجزاء الأرض كالحجر والمدر والتراب ، ويشترط الطهارة في موضع الجبهة.

[اشترك]

وهذه التربة الطاهرة معنويّاً وماديّاً ، وقد اهتمّ بها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » ، وكان يصلّي على التراب حتّى يتبيّن أثر التراب على أنفه الشريف.

أمّا الروايات الواردة من طرق أهل السنّة فنذكر بعضها :

  1. مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 / 176 ، روى بسنده عن شداد بن عبد الله عن اُمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالت : يا رسول الله أنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال : وما هو ؟ قالت : انّه شديد. قال : وما هو ؟ قالت : رأيت كان قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ : رأيت خيراً ، تلد فاطمة ان شاء الله غلاماً فيكون في حجرك. فولدت فاطمة ـ عليها السلام ـ الحسين ـ عليه السلام ـ فكان في حجري كما قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فدخلت يوماً على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فوضعته في حجره ثمّ حانت منّي التفاته ، فإذا عينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تهريقان من الدموع ، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت واُمّي ما لك ؟ قال : أتاني جبرئيل فأخبرني انّ اُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت : هذا ؟ فقال : نعم ، وآتاني بتربة من تربته حمراء. قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
  2. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 3 / ص 242 روى بسنده عن أنس بن مالك انّ ملك المطر استأذن ربّه أن يأتي النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأذن له فقال لاُمّ سلمة : املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد ، قال وجاء الحسين ـ عليه السلام ـ ليدخل ، فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى منكبيه وعلى عاتقه ، قال : فقال الملك للنبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : أتحبّه ؟ قال : نعم. قال : اما ان اُمّتك ستقتله وان شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه. فضرب يده فجاء بطينة حمراء فأخذتها اُمّ سلمة فضرتها في خمارها. قال ثابت ـ أحد رواة الحديث بلغنا انّها كربلاء ـ وذكره المحبّ الطبري في ذخائر العقبى وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج 7 / 106 ، وقال أخرجه أبو نعيم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 187 ، وقال أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد.

أقول : هذه المرّة الثانية إذ تختلف عن الرواية الأولى.

  1. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / 294 روى بسنده عن عائشة ـ أو اُمّ سلمة ـ انّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لأحدهما : لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال ابنك حسين هذا مقتول ، وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، قال فاخرج تربة حمراء.
  2. كنز العمال ج 6 / 223 ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، قام عندي جبرئيل من قبل فحدّثني انّ الحسين يقتل بشطّ الفرات وقال : هل لك أن اشمّك من تربته ؟ قلت : نعم ، فمدّ يده فقبض من تراب فأعطاينها فلم أملك عيني ان فاضتا.

أقول : قد شمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هذه التربة لأنّ جبريل قال له : هل لك ان أشمّك من ترتبه ؟ وهذا يدلّ على قدسيّة هذه التربة.

  1. كنز العمال ج 7 / 106 ، قال عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن اُمّ سلمة ، قالت : كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالساً ذات يوم في بيتي ، فقال : لا يدخلنّ عليّ أحد ، فانتظرت فدخل الحسين ـ عليه السلام ـ فسمعت نشيج النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يبكي ، فإذا الحسين ـ عليه السلام ـ في حجره ـ أو إلى جنبه ـ يمسح رأسه وهو يبكي ، فقلت والله ما علمت به حتّى دخل ، قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ان جبرئيل كان معنا في البيت فقال أتحبّه ؟ فقلت : نعم ، فقال ان امّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء ، فتناول جبرئيل من ترابها فأراه النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فلمّا اُحيط بالحسين عليه السلام حين قتل قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء ، قال : صدق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أرض كرب وبلاء.

قال أخرجه الطبراني وأبو نعيم.

[اشترك]

  1. الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 / 187 ، قال : وعن عائشة قالت دخل الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو منكب وهو على ظهره ، فقال جبرئيل لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أتحبّه يا محمّد ؟ قال : وما لي لا احبّ إبني ؟ قال : فان أمّتك ستقتله من بعدك ، فمدّ جبريل ـ عليه السلام ـ يده فأتاه بتربة بيضاء ، فقال في هذه الأرض يقتل ابنك واسمها ألطف. فلمّا ذهب جبرئيل من عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والتزمه في يده يبكي ، فقال : يا عائشة انّ جبرئيل أخبرني انّ ابني حسين مقتول في أرض الطفّ وانّ اُمّتي ستفتن بعدي. ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم علي ـ عليه السلام ـ وأبوبكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبوذر وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني انّ ابني الحسين يقتل بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني انّ فيها مضجعه.

أقول : هذه هي المرّة الثالثة ، لأنّ عائشة تروي ذلك والتربة بيضاء مع انّ الروايات السابقة كانت من اُمّ سلمة واُمّ الفضل والتربة حمراء.

  1. مسند الاُمم أحمد بن حنبل ج 1 / ص 85 ، روى بسنده عن عبد الله بن نجا عن أبيه ، أنّه سار مع علي ـ عليه السلام ـ وكان صاحب مطهرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي ـ عليه السلام ـ : اصبر أبا عبد الله ، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. فسئلته ، قال : دخلت على النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام من عندي جبرئيل فحدّثني ان الحسين يقتل بشطّ الفرات ، قال ، فقال : هل لك إلى ان أشمّك من تربته ، قال ، قلت : نعم فمدّ يده فقبض قبصته من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيّ ان فاضتا.

رواه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 / 347 وذكره المتقي في كنز العمال ج 7 / 105 وذكره الهيثمي في مجمعه ج 9 / 187 وقال : أخرجه البزار والطبراني ورجاله ثقات إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها علماء أهل السنّة ، فراجع كتبهم.

2025/09/14

نحوسة الأيام.. لماذا يخاف الناس من شهر صفر؟!

تتردد على ألسنة الناس منذ القدم عبارات حول اليوم النحس أو الزمان السعيد، وتنتشر في ثقافات متعددة اعتقادات حول أيام معينة تجلب الحظ السيئ أو الجيد. ولكن هل يمكن إثبات هذه المعتقدات عقلاً أو شرعاً؟ وهل للزمان في حد ذاته خصائص تؤثر في مجريات الأحداث؟

يستحيل علينا إقامة برهان عقلي على سعادة أي يوم أو نحوسته، فطبيعة الزمان متشابهة الأجزاء والمقادير، ولا تختلف قطعة منه عن الأخرى في جوهرها. وحين نتأمل الحوادث التي تقع، نجد أنفسنا عاجزين عن الإحاطة بالأسباب والعلل المؤثرة في وقوعها، فكيف نستطيع أن نعزو للزمن دوراً في إحداثها؟

[اشترك]

كما أن التجربة العلمية غير متاحة في هذا المجال، إذ تتطلب تجرد الموضوع (اليوم أو الزمان) لنتمكن من إثبات أثره بشكل قطعي، وهو أمر متعذر. فنحن لا نستطيع عزل “يوم الأربعاء” مثلاً وتجريده من كل العوامل الأخرى لنرى هل هو سبب النحس بذاته.

وإذا عجزنا عن إثبات نحوسة الأيام عقلاً، فإننا نعجز أيضاً عن نفيها بالدليل القاطع. فبُعد الاحتمال لا يعني استحالته، والقول بأن شيئاً غير محتمل لا يعني أنه مستحيل. هذا هو موقف العقل المجرد.

أما من الناحية الشرعية، فقد ورد في القرآن الكريم ذكر للنحوسة وما يقابلها. يقول الله تعالى: “فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ”، وقال تعالى: “إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ”.

لكن سياق هاتين الآيتين يشير إلى أن النحوسة كانت خاصة بفترة نزول العذاب على قوم عاد، وهي سبع ليالٍ وثمانية أيام متوالية. فالنحوسة هنا مرتبطة بحدث العذاب نفسه، وليست صفة متكررة للأيام تدور مع دوران الأسابيع أو الشهور، وإلا لكان الزمان كله نحساً.

وفي المقابل، تحدث القرآن عن البركة والخير، كما في قوله تعالى: “وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ”، إشارة إلى ليلة القدر التي وصفها بأنها “خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”.

لكن تأمل معنى بركة هذه الليلة يكشف أن سعادتها ليست ذاتية في الزمن، بل مرتبطة بما يقع فيها من أحداث عظيمة كإبرام القضاء ونزول الملائكة والروح، وما يترتب عليها من فضل العبادة وغزارة الثواب وقرب العناية الإلهية من المتوجهين إلى ساحة القدس.

أما في السنة النبوية، فقد وردت روايات كثيرة جداً تتحدث عن سعد الأيام ونحسها، خاصة في أيام الأسبوع وأيام الشهور القمرية. هذه الروايات مبثوثة في كتب الحديث، لكن أغلبها ضعيف السند من مراسيل ومرفوعات، وإن كان بعضها لا يخلو من اعتبار.

والملفت أن كثيراً من الروايات التي تتحدث عن نحوسة بعض الأيام (كيوم الأربعاء وخاصة آخر أربعاء من الشهر)، تعلل ذلك بوقوع أحداث مؤلمة في تلك الأيام، مثل شهادة الإمام الحسين (ع)، وإلقاء إبراهيم (ع) في النار، ونزول العذاب على أمم سابقة، وخلق النار. فالنحوسة هنا مرتبطة بالذكرى والوقائع، وليست صفة ذاتية للزمن.

[اشترك]

يبدو أن الحديث عن نحوسة الأيام أو سعادتها لا يستند إلى دليل عقلي قاطع، ولا يشير القرآن إلى أن هناك أياماً متكررة تحمل صفة النحس أو السعد بذاتها.

ما نجده في النصوص هو إشارات إلى أوقات مباركة مرتبطة بالعبادة والقرب من الله، وأيام نحسة ارتبطت بذكرى أحداث مؤلمة. وكأن البركة أو النحوسة ليست في الزمن ذاته، بل فيما يقع فيه من أحداث وما يمارس فيه من أعمال.

ومع ذلك، وردت توجيهات بقراءة القرآن وإخراج الصدقة في أيام معينة، ربما كوسيلة لتحويل ما قد يُعتقد أنه يوم نحس إلى فرصة للقربى والعمل الصالح، أو للاستفادة من بركة أوقات معينة جعل الله فيها فضلاً خاصاً للعبادة والدعاء.

في النهاية، يبقى الأصل في تعامل المؤمن مع الزمن هو التفاؤل والإيمان بأن الخير والشر بيد الله وحده، وأن الزمن وعاء للأحداث، وليس صانعاً لها. فالاعتماد على الله والعمل الصالح خير من الانشغال بتتبع السعد والنحس في الأيام والليالي.​​​​​​​​​​​​​​​​

2025/07/27

زينب (ع) في مواجهة أهل الكوفة: فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً!

السؤال: الخطبة المنسوبة للسيدة زينب عليها السلام في أهل الكوفة هل هي معتبرة فهناك من ينفي أو يشكك في صدورها لأنَّها اشتملت على الذمِّ لعموم أهل الكوفة والحال أنَّ في الكوفة شيعة صادقين في تشيُّعهم وكذلك فإنَّ التعميم يشملُ النساء ولا ذنبَ لهنَّ فيما وقع.

[اشترك]

الجواب:

أورد الخطبة المأثورة عن السيِّدة زينب ابنة أمير المؤمنين (ع) التي ألقتها في الكوفة الشيخُ المفيد رحمه الله في كتابه الأمالي بسندٍ له عن حذلم بن ستير(بشير) قال: قدمتُ الكوفة في المحرَّم سنة إحدى وستين عند منصرف عليِّ بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من كربلاء ومعهم الأجناد محيطون بهم، وقد خرج الناسُ للنظر إليهم، فلما أقبَلَ بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء أهل الكوفة يبكين وينتدبن، فسمعتُ عليَّ بن الحسين عليهما السلام وهو يقول بصوتٍ ضئيل وقد نهكته العلَّة وفي عنقِه الجامعة، ويدُه مغلولةٌ إلى عنقه: ألا إنَّ هؤلاء النسوة يبكين، فمَن قتلنا؟!

قال: ورأيتُ زينبَ بنت عليٍّ عليهما السلام ولم أرَ خَفِرة قطُّ أنطقَ منها، كأنَّها تُفرغُ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام. قال: وقد أَومأتْ إلى الناس أن اسكتوا، فارتدَّت الأنفاسُ وسكتت الأصواتُ فقالت:

الحمدُ لله والصلاة على أبي رسول الله، أمَّا بعد يا أهل الكوفة، ويا أهل الختل والخذل، فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنَّة، فما مثلُكم إلا: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. ألا وهل فيكم إلا الصلَف النطف، والصدر الشنف، خوَّارون في اللِّقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيعون للذِّمَّة، فبئس ما قدَّمتْ لكم أنفسكم أن سخِط اللهُ عليكم، وفي العذابِ أنتم خالدون.

أتبكون؟! إي واللهِ فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلا، فلقد فُزتُم بعارِها وشَنارِها، ولن تغسلوا دنسَها عنكم أبدا. فسليلُ خاتم الرسالة، وسيِّدُ شباب أهل الجنَّة، وملاذُ خيرتكم، ومفزعُ نازلتكم، وأمارةُ محجَّتكم، ومدرجةُ حجتكم خذلتُم، وله قتلتم؟! ألا ساء ما تزرون، فتعساً ونكسا، فلقد خاب السعيُ، وترِبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبُؤتم بغضبٍ من الله، وضُربتْ عليكم الذلَّةُ والمسكنة.

ويلكم أتدرون أيَّ كبدٍ لمحمَّدٍ فريتم، وأيَّ دمٍ له سفكتم، وأيَّ كريمةٍ له أصبتم؟ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا / تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ولقد أتيتم بها خرقاءَ شوهاءَ طِلاعَ الأرض والسماء. أفعجبتُم أنْ قطرت السماءُ دما؟! ولعذابُ الآخرة أخزى، فلا يستخفَّنكم المهَل، فإنَّه لا يُحفزه البدار، ولا يخافُ عليه فوت الثأر، كلا إنَّ ربَّك لبالمرصاد. قال: ثم سكتتْ، فرأيت الناس حيارى، قد ردوا أيديهم في أفواههم .."(1).

[اشترك]

بعض مصادر الخطبة:

هذا وقد أورد هذه الخطبة الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه الأمالي(2) وأوردها مع اختلافٍ في بعض الألفاظ الشيخ الطبرسي(3) وأوردها ابن أعثم الكوفي (ت: 314ه) في كتاب الفتوح(4) وأوردها في كتاب البلدان أحمد بن محمد الهمداني (ت: 240ه)(5) وأوردها ابن طيفور(ت: 280ه) في بلاغات النساء ولكنَّه نسبها لأم كلثوم (ع)(6) وأوردها وابن شهراشوب في المناقب(7) وابن حاتم الشامي المشغري (ت: 664) في الدر النظيم(8) والسيِّد ابن طاووس في اللُّهوف(9) وابنُ نما الحلي في مثير الأحزان(10) وابنُ حمدون (ت: 562) في التذكرة الحمدونيَّة (11) والخوازميُّ في مقتل الحسين (ع)(12) وأبو سعد منصور بن الحسين الرازي الآبي ( ت: 421ه) في كتابه نثر الدر(13).

هذا المقدار من المصادر صالحٌ للإثبات التأريخي:

فهذا المقدار من المصادر صالح للإثبات التأريخي فليس ثمة قضية من القضايا التأريخية التفصيليَّة تثبت بأكثر من ذلك إلا أنْ يمنع مانع فيكون مقتضياً للارتياب في الوقوع أو الصدور، والمقام ليس كذلك إلا ما قيل من إنَّ الخطاب من السيِّدة بالتقريع والذم موجَّه لعامَّة أهل الكوفة، وقد اشتمل على نسبة القتل والخذلان لعمومهم وفيهم الشيعة الذين لم يشاركوا في قتل سيِّد الشهداء (ع) قطعاً، وفيهم النساء، ولا ذنبَ لهنَّ فيما وقع، إذ لم يشاركنَ في القتل، ولا يُنتظر منهنَّ المؤازرة ولهذا لا تصحُّ نسبة الخذلان لهنَّ، فنسبةُ القتل والخذلان لعموم أهل الكوفة والحال أنَّ فيهم مَن لا ذنبَ له يبعثُ على الارتياب في صدور الخطبة من السيِّدة زينب (ع) هكذا قيل.

[اشترك]

مناقشة الإشكال:

والجواب: المتفاهم عرفاً من خطاب السيِّدة زينب (ع) لأهل الكوفة هو أنَّه متوجِّه لغالبيتهم، فالمقصودون بالذمِّ والتقريع هم الغالبيَّة، وأَّمَّا الصالحون والمعذورون واقعاً في تخلُّفهم والذين التحقوا بركب الحسين (ع) فاستُشهدوا أو لم يستشهدوا فهؤلاء ليسوا مقصودين بالذمِّ والتقريع.

فمثلُ هذا الخطاب الذي يتمُّ توجيهه إلى قبيلةٍ أو أهل بلدة أو شريحة من المجتمع يُحمل عرفاً على إرادة الغالبيَّة، ولهذا لا يجد المتكلِّم حاجةً للاستثناء، وذلك اتكالاً على فهم المتلقِّي والذي هو بمثابة القرينة المطَّردة لمثل هذه الخطابات، فحين يذمُّ القرآنُ المجيد بني إسرائيل على لسان موسى (ع) وينسبُ إليهم العبادة للعجل كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾(14) فإنَّ أحداً لا يفهمُ من ذلك إرادة الجميع رغم أنَّ الخطاب موجَّهٌ لعامة قومه، وكذلك حين نسب القرآن المجيد عبادة العجل لقوم موسى(ع) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾(15) وكذلك حين خاطب بالذمِّ والتقريع قوم موسى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ / وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(16) فإنَّ الآيات نسبتْ لقوم موسى (ع) العبادة للعجل ووصفتهم بالظالمين وشنَّعتْ عليهم قولهم ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ ونسبتْ إليهم الشغف بعبادة العجل وأنَّ ذلك نشأ عن كفرهم، وليس من أحدٍ يفهم من ذلك العموم والاستيعاب ففي قوم موسى (ع) صالحون وأتقياء، ولهذا لا نجد تنافياً بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾(17).

فالآيات التي نسبتْ عبادة العجل لقوم موسى (ع) ووصفتهم بالظالمين ونسبتْ إليهم الكفر والعصيان قصدتْ من ذلك الغالبيَّة وإلا لما صحَّ القول في موضع آخر إنَّ في قوم موسى أمَّة يهدون بالحقِّ وبه يعدلون.

[اشترك]

كذلك هو الشأن فيما خاطبت به السيِّدةُ زينب (ع) أهل الكوفة بقولها: "يا أهلَ الختل والخذل" ووصفتهم بقولها: "خوَّارون في اللِّقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيِّعون للذِّمَّة" وفيما أسندته إليهم في قولها: "ويلكم أتدرونَ أيَّ كبدٍ لمحمَّدٍ (ص) فريتم، وأيَّ دمٍ له سفكتم، وأيَّ كريمةٍ له أصبتم" فالمقصودون بالخطاب والتقريع والذم واسنادِ القتل هم غالبيَّة أهل الكوفة في تلك الحقبة، ومؤدَّى ما أفادته أنَّ الغالبية إمَّا أن يكونوا شركاء في القتل وإمَّا أن يكونوا ممَّن تورَّط بجريرة الخذلان لسيِّد الشهداء (ع).

حواضنُ الخطبة الشريفة:

وهذا الذي أفادته السيِّدة قد ورد في خطاب الإمام الحسين (ع) لأهل الكوفة يوم العاشر عند قوله (ع): ".. وَإِيّانا تَخْذُلُونَ، أَجَلْ وَاللهِ! الْخَذْلُ [الغدر] فيكُمْ مَعْرُوفٌ [قديم] وَشَجَتْ عَلَيْهِ عُرُوقُكُمْ، وَتَوارَثَتْهُ أُصُولُكُمْ وَفُرُوعُكُمْ، وَنَبَتَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ وَغَشِيَتْ بِهِ صُدُورُكُمْ، فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ شَيْء سِنْخاً لِلنّاصِبِ وَأَكْلَةً لِلْغاصِبِ، أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى النّاكِثينَ الَّذينَ يَنْقُضُونَ الاَْيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً فَأَنْتُمْ وَاللهِ! هُمْ .."(18).

وكذلك ورد في كلام لمسلمِ بن عقيلٍ قال لمبعوثِه إلى الحسين (ع) بعد أسره: "إنَّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم، لا يرى أنَّه يمسي حتى يقتل، وهو يقول: ارجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ولا يغررك أهلُ الكوفة، فإنَّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنَّى فراقهم بالموت أو القتل، إنَّ أهل الكوفة قد كذبوك -وكذبوني- وليس لمكذوبٍ رأي"(19) يعني أنَّهم غدروا ونكثوا البيعة.

 وورد قبل ذلك عن الامام الحسن (ع) قال في مقام البيان لبعض أسباب الصلح: "والله ما سلَّمتُ الأمر إليه إلا أنِّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدتُ أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفتُ أهل الكوفة، وبلوتُهم، ولا يصلحُ لي منهم مَن كان فاسداً، إنَّهم لا وفاء لهم. ولا ذمَّة في قولٍ ولا فعل، إنَّهم لمختلفون، ويقولون لنا:إنَّ قلوبهم معنا وأنّ سيوفهم لمشهورة علينا .."(20).

[اشترك]

وأما ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) فكثير، ومنه قوله (ع) في إحدى خطبه كما في الكافي للكليني ".. أَلَا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونَهَاراً وسِرّاً وإِعْلَاناً وقُلْتُ لَكُمْ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ .. هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُه الأَنْبَارَ وقَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ وأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ والأُخْرَى الْمُعَاهَدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلْبَهَا وقَلَائِدَهَا ورِعَاثَهَا مَا تُمْنَعُ مِنْه إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ والِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ ولَا أُرِيقَ لَه دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِه مَلُوماً بَلْ كَانَ عِنْدِي بِه جَدِيراً فَيَا عَجَباً عَجَباً واللَّه يَمِيثُ الْقَلْبَ ويَجْلِبُ الْهَمَّ مِنِ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ ولَا تُغِيرُونَ وتُغْزَوْنَ ولَا تَغْزُونَ ويُعْصَى اللَّه وتَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِه حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا حَتَّى يُسَبَّخَ عَنَّا الْحَرُّ، وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هَذِه صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنَّا الْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ، فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّه مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ، يَا أَشْبَاه الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ حُلُومُ الأَطْفَالِ وعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ ولَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً واللَّه جَرَّتْ نَدَماً وأَعْقَبَتْ ذَمّاً قَاتَلَكُمُ اللَّه لَقَدْ مَلأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً وأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ والْخِذْلَانِ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ ولَكِنْ لَا عِلْمَ لَه بِالْحَرْبِ لِلَّه أَبُوهُمْ وهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا ومَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ وهَا أَنَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ولَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ"(21).

وقال في خطبةٍ له (ع) كما في نهج البلاغة:" .. أَمَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، ولَكِنْ لإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي.. اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، ودَعَوْتُكُمْ سِرّاً وجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، ونَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ وعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ، أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ، فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا، تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ، أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّه وأَنْتُمْ تَعْصُونَه، وصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّه وهُمْ يُطِيعُونَه .. يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ واثْنَتَيْنِ، صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وبُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ، وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، ولَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ، تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ، يَا أَشْبَاه الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا، كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ، واللَّه لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ، أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وحَمِيَ الضِّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ .. وإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ومِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي.. "(22)

فهذه النصوص -وغيرها كثير يطول المقام بعرضها- تمثِّل حاضنة صالحة لتأكيد الصدور للخطبة المأثورة عن السيِّدة زينب (ع) فالتشكيك في صدورها لأنَّ في الكوفة شيعةً صادقين في تشيُّعهم، هذا التشكيك لا يصحُّ، فإنَّ المقصودين بمثل هذه الخطابات هم الغالبيَّة، كما أنَّ المقصودين بمثل هذه الخطابات هم غالبية أهل الكوفة في تلك الحقبة التي صدرت مثل هذه النصوص في ظرفها، ولهذا لا تصحُّ معالجة النصوص استناداً إلى ما آل إليه واقعُ الكوفة بعد ردح من الزمن.

[اشترك]

 لم يكن غالبية أهل الكوفة من الشيعة قي تلك الحقبة:

فالكوفة التي اضطرت أميرَ المؤمنين (ع) للقبول بالتحكيم بعد رفع المصاحف، وتوانت عن الاستجابة لدعواته الدؤوبة في العودة إلى حرب الشام بعد فشل التحكيم، وتوانت حتى عن الاستجابة لدعواتِ أمير المؤمنين (ع) في المؤازرة على ردِّ الغارات التي كانت تشنُّها سرايا الشام على أطراف الكوفة وأطراف الحواضر الإسلامية وتعيثُ فيها فساداً وقتلاً وهتكاً للأعراض، والكوفة التي ألجئت الإمامَ الحسن المجتبى (ع) للقبول بالصلح، وهدَّد شيوخُ عشائرها بتسليم الامام الحسن (ع) أسيراً إلى معاوية، والكوفة التي خذلتْ مسلم بن عقيل ولم تُحرِّك ساكناً وهي ترى جثمانه يُسحب في الأسواق، والكوفةُ التي كان يُطاف في أسواقها وأحيائها برأس الحسين (ع) ويُصلب أياماً على باب الجامع دون أنْ تثأر أو حتى تستنكر بما يتناسب وحجم الجريمة، والكوفة التي تُساق في أزقَّتها أسرةُ الرسول الكريم (ص) على هيئة السبايا فلا تثأر وتكتفي بالبكاء والندبة، هذه الكوفة لم تكن حينذاك غالبيَّة أهلها من الشيعة كما يتوهَّم البعضُ وكما يُروِّج لذلك آخرون بل لم يكن للشيعة حينذاك كيانٌ وازن بل لم تكن ثمة قبيلة واحدة يُمكن اعتبار جميع أفرادها أو أكثريتهم من الشيعة، فالشيعة كانوا أفراداً متناثرين في أوساط القبائل تحكمهم أعرافها وطبيعة ولاءاتها، نعم ثمة محبُّون لأهل البيت(ع) بمعنى أنَّهم يرونهم أنَّهم أجدر من الولاة الظلمة بإدارة شؤونهم، وهؤلاء لم يكونوا أغلبيَّة أيضاً ولكن عددهم لم يكن قليلاً، هؤلاء كانوا يُحبُّون أهل البيت (ع) لقرابتهم من رسول الله (ص) ولنزاهتهم وحسن الظنِّ بهم أنهم الأكفأ والأجدر والأحرص على إدارة شؤون الناس بالعدل والانصاف، فكانوا يُحبُّونهم لذلك ولكنهم لم يكونوا على استعداد للتضحية بأرواحهم ومصالحهم ومصالح عشائرهم في سبيل تغيير الواقع الفاسد الذي غلبَ عليه الأمويون وأتباعهم، فكانوا يأملون من أهل البيت (ع) أن يُغيروا هذا الواقع الفاسد دون أن يكونوا على استعدادٍ حقيقي للوقوف معهم لبلوغ هذه الغاية، بل بلغ بهم الوهن حداً لا يرون معه بأساً في الممالئة لأعداء أهل البيت (ع) والاصطفاف معهم إذا اقتضت ذلك مصالحُهم الشخصية أو مصالح زعماء عشائرهم، وهذا معنى ما أفاده الإمام الحسن(ع) في مقام التشخيص للواقع المؤسِف الذي ألجأه للصلح: "أنَّ قلوبهم معنا، وأنَّ سيوفهم لمشهورةٌ علينا ..".

لماذا اختار الحسين(ع) الكوفة إذا كان ذلك هو واقع أهلها:

وأمَّا لماذا اختار الامام الحسين(ع) الكوفة إذا كان ذلك هو واقع أهلها فجوابه بإيجاز شديد وقد فصَّلناه في مقالاتٍ عديدة هو أنَّ الكوفة كانت هي الخيار الوحيد المتاح لاحتضان نهضتِه المباركة بعد أنْ خذلتْه الحجاز فاضطر للخروج من المدينة إلى مكة الشريفة ومكثَ فيها شهوراً أربعة يدعو ويُحشِّد ولكن دون جدوى، واستنصر زعماء البصرة وكاتبهم وقال: لهم" فَاِنَّ السُنَّةَ قَدْ أُميتَتْ، وَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أُحيِيَتْ .."(23) فلم يعبئوا وما اكترثوا، فلم يستجب له سوى عددٍ وازن من أبناء الكوفة ولكنَّهم ضعفوا حين جدَّ الجد فخذلوه وأسلموه لأعدائه الأمويين وأتباعهم.

[اشترك]

فالإمام الحسين (ع) كان يُدرك واقع الكوفة ولكنَّ المصير إليها كان هو الخيار الوحيد المُتاح لاحتضان نهضته، فالوالي على الكوفة من قبل الأمويين حينذاك وهو النعمان بن بشير كان ضعيفاً ويحبُّ السلامة والموادعة، والكثير من أبناء الكوفة كانوا يكرهون الأمويين لعظيم الظلم الذي أصابهم منهم والبخس والتضييق الذي كان ولاة الأمويين يسوسونهم به فكانوا يرون في موت معاوية فرصةً لتغيير واقعهم، هذا مضافاً إلى أنَّ في الكوفة عدداً وازناً يكنُّ الحبَّ لأهل البيت (ع) فحفَّزتهم الظروف لإبداء الاستعداد لمناصرة الإمام الحسين (ع) فذلك هو ما دفع الإمام الحسين (ع) للمصير إليهم لا لأنَّه يجهل واقعَهم بل لأنَّ ذلك هو الخيار المتاح في مقابل الخيارات الأخرى، فهو على أيِّ تقدير قد عقد العزم على النهضة منذ أنْ بلغه في المدينة موتُ معاوية، فحين لم يجد في المدينة مَن ينهض به وكذلك لم يجد في مكة والبصرة من ينهض بهم -وهي الحواضر الأهم حينذاك- اختار أنْ يستثمر ظروف الكوفة ليجعل منها منطلقاً لنهضته ولكنَّهم عجزوا وأخفقوا فأخطأوا حظَّهم كما أخفقت الحواضرُ الأخرى فأخطأت حظَّها. فالخذلان لسيِّد الشهداء (ع) الذي مُنيت به الكوفة مُنيت به الحواضر الأخرى واللهُ ساءلهم جمعياً عن الحِنث العظيم الذي اقترفوه بحقِّ سيِّد الشهداء(غ) وحقِّ الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وخلاصة القول: إنَّ ما اشتملت عليه خطبةُ السيِّدة زينب (ع) مطابقٌ للواقع الذي كانت عليه غالبية أهل الكوفة في ذلك الظرف ولا يجد الباحث صعوبةً تذكر للوقوف على واقع أهل الكوفة وأنَّهم كانوا أخلاطا من أهواءٍ شتى ومتباينة وأنَّ غالبيتهم خوَّارون -كما أفادت السيدة زينب(ع)- تسوقهم الظروفُ وتميلُ بهم حيث مالت وإنْ كانت على خلاف ما يُحبُّون أو سلكت بهم حيثُ يكرهون. فذلك كان واقعهم كما نصَّت على ذلك الكثيرُ من الكلمات المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة وغيره والكلمات المأثورة عن الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) والإمام زين العابدين (ع) ومسلم بن عقيل.

وهنا يحسن بنا التنبيه على أمرين استكمالاً للجواب:

[اشترك]

ثورة التوَّابين لم تكن استثناءً:

الأمر الأول: إنَّ ثورة التوابين لم تكن استثناءً للواقع الذي كان عليه غالبيَّة أهل الكوفة، فالباعث عليها كان هو الشعور العميق بالذنب والندم على تقاعسِهم وخذلانهم لسيِّد الشهداء(ع) رغم أنَّهم أو الكثير منهم كانوا ممَّن كاتب الإمام الحسين (ع) يستنصرونه، وبايعوا سفيره على بذل المهج إلا أنَّهم لم يفوا له ببيعتِه فتلكئوا عن مؤازرته والمبادرة إلى اللِّحاق به أو تهيئة الأجواء لدخوله الكوفة، ولبدوا في بيوتهم وأحيائهم رغم استنصاره ومناشدته لهم، فلم يكن منهم سوى الاغضاء والتجاهل والتربَّص لما تتمخَّض عنه الأحداث، وذلك هو ما دفع الأمويين وأتباعهم إلى استضعافه (روحي فداه) ومحاصرته وقتله أبشع قتلةٍ دون تأثُّم، فذلك هو ما أحدث في ضمائر التوَّابين شعوراً بالذنب والندم على احجامهم وتخاذلِهم عن نصرة سيِّد الشهداء فلم يجدوا وسيلةً للخلاص من الشعور العميق بالإثم سوى العمل على أخذ الثأر لسيِّد الشهداء (ع) من الأمويين وأتباعهم، ولهذا لجأوا إلى وجهائهم ممَّن يُنتظر منهم المؤازرة على ما عقدوا العزم عليه من الأخذ بالثأر من الأمويين فبايعوا على ذلك سليمان بن صرَد الخزاعي (رحمه الله) والمسيَّب بن نجبة الفزاري (رحمه الله) وآخرين فبلغ عددُ من بايعوا سليمان بن صرد ونوابه ستة عشر ألفاً (24) إلا أنَّه حين جدَّ الجد لم ينفر معه منهم سوى أربعة آلاف وتخلَّف عنه اثنى عشر ألفاً رغم بيعتهم المؤكَّدة، ورغم أنَّ الأمويين كانوا حينذاك في أسوأ أحوالهم وأضعفها، فالكوفة والبصرة والحجاز قد خرجت من سلطانهم وكانت الكوفة حينذاك تحت نفوذ عبد الله بن الزبير وكان عليها من قِبَله عبد الله بن يزيد الأنصاري ولم تكن الكوفة مستقرةً في يده، وكان من مصلحتِه ومصلحة ابن الزبير خروج التوابين لحرب الأمويين ورغم ذلك تخلَّف أكثرُهم عمَّا كانوا قد عقدوا العزم عليه، فاضطر سليمان بن صرد -بعد استنفارٍ وانتظار لهم بالنخيلة- أن ينفرَ لحرب الأمويين بما لا يزيد يتجاوز ربع العدد الذين بايعوا.

ولتوثيق ما ذكرناه من الباعث لثورة التوابين نكتفي بنقل نصِّ واحد رعاية للاختصار:

أورده الطبري وغيره: قال: "لمَّا قُتل الحسين بن علي ورجع ابنُ زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة تلاقت الشيعة- بمعنى المحبَّة والانحياز لأهل البيت (ع) وليس بمعنى الايمان بإمامتهم الإلهيَّة- بالتلاوم والتندُّم، ورأت أنَّها قد أخطأت خطأً كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه ورأوا أنَّه لا يَغسلُ عارَهم والإثمَ عنهم في مقتله إلا بقتل مَن قتله أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفرٍ من رؤوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبيِّ (ص) وإلى المسيَّب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب عليٍّ وخيارهم وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وإلى عبد الله بن وال التيمي وإلى رفاعة بن شدَّاد البجلي ثم إنَّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، وكانوا من خيار أصحاب عليٍّ .. فلمَّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيَّب بن نجبة القوم بالكلام فتكلَّم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيِّه (ص) ثم قال:

[اشترك]

أمَّا بعد فإنَّا قد ابتُلينا بطول العمر والتعرُّض لأنواع الفتن .. وقد كنَّا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى بلا اللهُ أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا (ص) وقد بلغتنا قبل ذلك كتبُه وقدمتْ علينا رسلُه وأعذرَ إلينا يسألُنا نصره عوداً وبدءً وعلانيةً وسراً فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قُتل إلى جانبنا لا نحنُ نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوَّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عُذرنا إلى ربِّنا وعند لقاء نبيِّنا (ص) وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبُه وذريتُه ونسلُه، لا والله لا عُذرَ دون أنْ تَقتلوا قاتله والموالين عليه أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربُّنا أنْ يرضى عنَّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن، أيُّها القوم ولُّوا عليكم رجلاً منكم فإنَّه لابد لكم من أميرٍ تفزعون إليه ورايةٌ تحفُّون بها، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم قال: فبدر القوم رفاعةُ بن شدَّاد بعد المسيَّب الكلام فحمد الله وأثنى عليه وصلَّى على النبيِّ (ص) ثم قال: أمَّا بعد فإنَّ الله قد هداك لأصوب القول ودعوتَ إلى أرشد الأمور، بدأتَ بحمد الله الثناء عليه والصلاة على نبيِّه (ص) ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك مُستجابٌ لك مقبولٌ قولُك، قلتَ ولَّوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه وتحفُّون برايته وذلك رأيٌ قد رأينا مثل الذي رأيت فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيَّاً وفينا متنصحا في جماعتنا محبَّا وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله (ص) وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه والموثوق بحزمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم قال: ثم تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد فحمدا ربهما وأثنيا عليه وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيَّب بن نجبة بفضله وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته فقال المسيَّب بن نجبة: أصبتم ووفقتم وأنا أرى مثل الذي رأيتم فولُّوا أمركم سليمان بن صرد" "قال: فتكلم سليمان بن صرد .. فقال: .. أمَّا بعد فإنِّي والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظُمت فيه الرزيَّة وشمل فيه الجور.. إنَّا كنَّا نمدُّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيِّنا ونمنِّيهم النصر ونحثُّهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصَف فلا يُعطاه اتَّخذه الفاسقون غرضاً للنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربُّكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنُّه رضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذلَّ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل، إذ قال لهم نبيهم: إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فما فعل القوم جثوا على الركب والله ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل فكيف بكم لوقد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه أشحذوا السيوف وركبوا الأسنة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا .."(25).

أقول: هذا النصُّ صريحٌ في إقرار التوابين بخذلانهم للإمام الحسين (ع) وأنَّه كان بوسعِهم الانتصار له ولكنَّهم لم يفعلوا فرغم أنَّه (ع) كان يستصرخُهم وواتَر عليهم الكتب والرسل عوداً وبدء وسراً وعلانية يستنجدهم ويستنصرهم إلا أنَّهم أحجموا عن الانتصار له والاستجابة لدعواته، فلم يكتفوا بعدم المصير إليه رغم قربه منهم بل إنَّهم لم يجادلوا عنه ولم يمدُّوه بأموالهم ولم يطلبوا النصر له من عشائرهم بل داهنوا وتوانوا وتربَّصوا وانتظروا ما يكون إلى أنْ قُتل ولدُ النبيِّ (ص) وعُصارتُه وبضعةُ لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخُ ويسأل النصَف فلا يُعطاه فكان أنْ "اتَّخذه الفاسقون غرضا للنبلٍ ودريةً للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه".

كان لنساء الكوفة نصيب في التخذيل والممالئة:

الأمر الثاني: لم يكن الرجال وحدهم الذين خذلوا الإمام الحسين (ع) فكان للنساء نصيبٌ في ذلك بالتثبيط والتخذيل والتخويف بعواقب الأمور، ويؤشِّر لذلك ما أورده الشيخُ المفيد في الارشاد والطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل أنَّ المرأة تأتي ابنها وأخاها وتصرفه عن مسلم بن عقيل والذي كان قد دعا إلى محاصرة قصر الأمارة:

[اشترك]

قال في الإرشاد: ".. وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهلُ الشام، فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف، فيذهبُ به فينصرف. فما زالوا يتفرِّقون حتى أمسى ابنُ عقيل وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفساً في المسجد .."(26).

 

وأورد الدينوري في الأخبار الطوال ما يقرب من هذا النصِّ قال: "وكان الرجلُ من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمِّه فيقول: انصرف، فإنَّ الناس يكفونك. وتجيء المرأة إلى ابنِها وزوجها وأخيها فتتعلَّق به حتى يرجع. فصلَّى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلا"(27).

وعليه فالتشكيك في صدور الخطبة لأنَّها اشتملت على ما يعمُّ النساء والحال أنَّه لا ذنبَ لهنَّ فيما وقع إذ لم يشاركنَ في القتل، ولا يُنتظر منهنَّ المؤازرة ولهذا لا تصحُّ نسبة الخذلان لهن، هذه التشكيك -كما اتَّضح- ليس في محلِّه فكان للنساء نصيبٌ في التخذيل والتثبيط والممالئة كما في الكثير من نساء المقاتلين، نعم ثمة من النساء من كان لهنًّ دور مشرِّف كالسيِّدة طوعة التي آوت مسلم بن عقيل (ع).

 

الهوامش:

1- الأمالي -الشيخ المفيد- ص321، 324.

2- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص92.

3- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص29.

4- الفتوح -ابن أعثم الكوفي- ج5 / ص121.

5- كتاب البلدان -أحمد بن محمد الهمداني (ت: 240ه)- ص224.

6- بلاغات النساء -ابن طيفور- ص23.

7- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص261.

8- الدر النظيم -وابن حاتم الشامي المشغري- ص560،

9- اللهوف -السيد ابن طاووس- ص87،

10- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص 66.

11- التذكرة الحمدونية -ابن حمدون-ج6 / ص264،

12- مقتل الحسين -الخوارزمي- ج2 / ص40.

13- كتاب نثر الدر -أبو سعد منصور بن الحسين الرازي الآبي (ت: 421ه)- ص63.

14- سورة البقرة / 54.

15- سورة الأعراف / 148.

16- سورة البقرة / 93.

17- سورة الأعراف: 159.

18- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص24، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج14 / ص219، تحف العقول -ابن شعبة الحراني- ص241، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص59.

19- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص59، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص280.

20- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص12.

21- الكافي -الكليني- ج5 / ص6، نهج البلاغة -خطب الامام علي (ع)- ص69، الارشاد -المفيد- ج1 / ص279، دعائم الاسلام -القاضي المغربي- ج1 / ص390.

22- نهج البلاغة- خطب الإمام علي (ع)- ص 142. الارشاد - المفيد-ج1/ 282، الاحتجاج- الطبرسي-ج1/ 257.

23- أنساب الأشراف- البلاذري- ج2 / ص78، تاريخ الطبري- الطبري- ج4 / ص266، البداية ووالنهاية- ابن كثير- ج8 / ص170، مثير الأحزان- ابن نما الحلي- ص17،

24- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص452، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص175، المنتظم في تاريخ الامم والملوك -ابن الجوزي-ج6 / ص35.

25- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص427، وقريباً منه ما أورده البلاذري في أنساب الأشراف ج6 / ص364، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج3 / ص249، ذوب النضار -ابن نما الحلي- ص75، الفتوح -ابن أعثم- ج6 / ص204.

26- الارشاد -المفيد- ج2 / ص54، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص31.

27- الأخبار الطوال -الدينوري- ص239.

2025/07/19

أسرار النوم: هل أحلامنا رسائل ربانية؟

ما أن يأوي الإنسان إلى فراشه و يغمض عينيه و يسيطر عليه النوم حتى يجد نفسه في عالم آخر يختلف تماماً عن عالم اليقظة من حيث المقاييس و الحدود و الأوصاف .

نعم يجول النائم غالباً في عالم الأحلام و الرؤى فيشاهد الماضي و الحاضر و المستقبل فإذا به تارة يرجع إلى صباه و أخرى يرى نفسه شيخاً طاعناً في السن ، و قد يدخل في حرب مدمِّرة مع عدو واقعي أو افتراضي ، أو يرى نفسه و هو يعالج سكرات الموت ، أو يرى أن لديه ثروة عظيمة و مكانة مرموقة ينعم بكل خير و يعيش بين الورود و الرياحين ، أو يرى بعض الصالحين من الأحياء أو الأموات ، إلى غير ذلك من المشاهدات العجيبة التي يرتاح الإنسان لرؤية بعضها و يتمنى لو أنها طالت و استمرت من دون انقطاع ، كما و ينزعج من مشاهدة الكثير من الأحلام المهولة و المفزعة .

[اشترك]

و ما أن ينقطع شريط الأحلام حتى يسأل الإنسان نفسه عن حقيقة هذه المشاهدات و مدى انطباقها على الواقع ، فيحب أن يعرف هل أن لهذه المشاهدات من تأثيرات سلبية أو إيجابية على معيشته و حياته أم لا .
لا بُدَّ من الاعتراف بأن حقيقة الرؤى و الأحلام لا تزال خافية حتى على العلماء ذوي الاختصاص ، لذا فانك ترى أن نظراتهم العلمية مختلفة في تفسير مشاهدات الإنسان في المنام .
فمنهم من حاول حصر الأحلام في البعد النفسي فقط ، و لم ينظر إليها إلى من هذه الزاوية ، يقول فرويد : " إن الأحلام تلجأ إلى الرموز لتخفي الأغراض التي يحظرها المجتمع " 1 .
و كان المتنبؤن بالأمس يقولون : " أخبرنا بأحلامك نخبرك بمستقبلك " ، و اليوم يقول أطباء النفس : " أخبرنا بأحلامك نشخِّص مشكلاتك " 2 .
و مع ذلك فان أصل مشاهدة الأحلام و الرؤيا ثابتة و لا نقاش فيها ، إلا أن ما يهمنا هنا هو النظرة الإسلامية بالنسبة إلى الرؤى و الأحلام ، و ما يهمنا أيضا هو معرفة مدى صحة الاعتماد على أمثال هذه المشاهدات من المنظار الإسلامي .
للحصول على الإجابة الصحيحة يتحتم علينا مراجعة القرآن الكريم و الأحاديث المروية عن النبي مصطفى محمد ( صلَّى الله عليه و آله ) و الأئمة المعصومين ( عليهم السَّلام ) حتى نتوصل إلى الرأي الإسلامي الصائب في هذا المجال .

التفسير الاسلامي للرؤى و الاحلام

سأل محمدُ بن القاسم النوفلي الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) أسئلة حول حقيقة المشاهد و الأشياء التي يشاهدها النائم ، فأجابه الإمام ( عليه السَّلام ) عنها باختصار ، و اليك نص الرواية :
قال : قلت لأبي عبد الله الصادق ( عليه السَّلام ) : المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، و ربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا ؟
فقال : " إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق ، و كل ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام " .
فقلت له : أو تصعد روح إلى السماء ؟
قال : " نعم " .
قلت : حتى لا يبقى منها شئ في بدنه ؟
فقال : " لا ، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شئ إذن لمات " .
قلت : فكيف تخرج ؟
فقال : " أما ترى الشمس في السماء في موضعها و ضوئها و شعاعها في الأرض ، فكذلك الروح أصلها في البدن و حركتها ممدودة إلى السماء " 3 .

المعنى اللغوي اولا

لكي تكون دراستنا لمسألة الرؤى و الأحلام دراسة دقيقة لابد و إن نعرف المعنى اللغوي للرؤيا و الحلم و مترادفاتهما من حيث اللغة العربية ، و لكي نتعرف على المعنى اللغوي لابد من مراجعة كتب اللغة أولاً .
قال في القاموس : الحُلم و الحُلُم : بالضم ، و بضمتين ، الرؤيا ، ... و الاحتلام الجماع في النوم و الاسم الحُلُم كعنق .
و قال الدكتور أحمد فتح الله : الرؤيا : ما يرى في النوم 4 .
و قال الأستاذ محمد قلعجي : الرؤيا : على و زن فُعلى ، و قد تُخفف فيه الهمزة فيقال الرؤيا ، ج رؤى ، ما يراه النائم في المنام ،﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ 5.، Dream 6 .
و قال البيضاوي : الرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في المنام 7 .
و قال الدكتور سعدي أبو حبيب : الرؤيا : ما يراه النائم في نومه . و يرادف الرؤيا حلم ( جمع ) أحلام . و قد غلب اسم الرؤيا على ما يراه النائم من خير ، و الحلم على ما يراه من شر . و في الحديث الشريف : " الرؤيا من الله ، و الحلم من الشيطان " 8 .

اقسام الرؤيا

تنقسم مشاهدات الإنسان في المنام إلى مشاهدات حسنة يستبشر بها الإنسان المؤمن فيرى فيها ما يسره و يرتاح إليه ، و أخرى قبيحة و مهولة يفزع منها الإنسان و يستيقظ على إثرها مرعوباً ، و أخرى تكون على شكل لقطات غير مترابطة و مبعثرة و التي يعبَّر عنها بأضغاث الأحلام ، أي ضغثاً من كل حلم و هي ترسبات متبقية من مجموعة ما شاهده في منامه من الأحلام التي يشاهدها الإنسان فينسى منها الكثير و لا يتذكر منها إلا بعض اللقطات ، لقطة من هنا و أخرى من هناك فتشكل بمجموعها حلماً و احداً غير مترابط الأجزاء ، أو تكون من ترسبات الأفكار و التخيلات و الأماني التي تطرأ على الفكر خلال اليقظة .
فقد روي عن رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) أنه قال : الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، و تحزين من الشيطان ، و الذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه 9 .
و قال ( صلَّى الله عليه و آله ) : الرؤيا من الله و الحلم من الشيطان 9 .
و قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم أنه قال : " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة و أربعين جزءً من النبوة" 10 .
و كان يقول صلى الله عليه و على آله و سلم : " لم يبق بعدي إلا المبشرات " .
قالوا : و ما المبشرات يا رسول الله ؟
قال : " الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ، جزء من ستة و أربعين جزءً من النبوة " 11 .
و عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبى عمير ، عن سعد بن أبي خلف ، عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) قال : الرؤيا على ثلاثة وجوه : بشارة من الله للمؤمن و تحذير من الشيطان و أضغاث أحلام 12 .

الرؤيا الصالحة

و هي الرؤيا الصادقة الواضحة التي لا تحتاج إلى تعبير أو تكون قابلة للتعبير ، و هي بشرى من الله سبحانه و تعالى يراها الأنبياء و الصالحون ، و هذه الرؤيا تكون بالنسبة إلى الأنبياء من أقسام الوحي، فعن ابن عباس : إن أول ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه و آله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، و كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح 13 .
و عن الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السَّلام ) قال : " قال رجل لرسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) : في قول الله عَزَّ و جَلَّ :﴿ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ﴾ 14  قال : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه " 15 .
و لا شك أن الرؤيا الصادقة حقيقة ثابتة في القرآن و السنة ، فالقرآن الكريم ذكر العديد من الرؤى التي رآها الأنبياء ( عليهم السَّلام ) ، كما ذكر رؤىً أخرى لغيرهم من الناس ، و إليك بعضاً منها :
1. رؤيا النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) التي ذكرها القرآن الكريم :﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ 5.
2. رؤيا النبي يوسف ( عليه السَّلام ) التي ذكرت في القرآن الكريم :﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ 16.
3. رؤيا السجينين اللذين كانا مع يوسف ( عليه السَّلام ) في السجن و التي عبرها لهما ، و التي ذكرها القرآن الكريم كالتالي :﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ 17 ... ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ 18.
4. رؤيا ملك مصر التي عبرها النبي يوسف ( عليه السَّلام ) و التي ذكرت في القرآن الكريم كالتالي :﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ 19.
5. رؤيا النبي إبراهيم ( عليه السَّلام ) و هو يذبح أبنه إسماعيل ( عليه السَّلام ) و التي ذكرت في القرآن الكريم كالتالي :﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ 20.
إلى غيرها من الرؤى المذكورة في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة .

[اشترك]

كيف نجعل رؤانا صادقة ؟

و قد يسأل البعض عن إمكانية التوفيق لرؤية الرؤى الصالحة و يقول هل هناك آداب أو سنن خاصة يتمكن الإنسان من اتباعها حتى تصبح منامات الإنسان و رؤاه صالحة ، أم أنها خارجة عن إرادته بالمرَّة .
في الجواب لابد أن نقول ، إن قسما من الرؤى تكون خارجة عن إرادة الإنسان و لا يمكن التحكم فيها ، لكن هناك مجموعة من الآداب و السنن تمكِّن الإنسان من توفير الشروط المناسبة لرؤية الرؤى الصادقة القابلة للتعبير ، و اليك بعضاً منها :
1. أن ينام الإنسان و هو على طهارة ، فقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) : " لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام إلا على طهور " 21 .
2. أن يسبِّح الإنسان تسبيح الزهراء ( عليها السَّلام ) قبل النوم ، و كيفية تسبيحها ( عليها السَّلام ) هو التكبير 22 أربعا و ثلاثون مرة ، ثم التحميد 23 ثلاثاً و ثلاثون مرة ، ثم التسبيح 24 ثلاثاً و ثلاثون مرة .
3. أن يستعيذ النائم بالله عَزَّ و جَلَّ من الشيطان الرجيم و يذكر الله جل جلاله قبل النوم : فقد روي عن الإمام الصادق( عليه السَّلام ) في علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر : " ... إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور و لم يذكر الله عَزَّ و جَلَّ حقيقة ذكره فإنها تختلف و تبطئ على صاحبها ... " 25 .
و هناك بعض العوامل الأخرى المؤثرة التي تساعد على جعل الرؤيا صادقة و قابلة للتعبير كالوقت الذي يشاهد فيه الإنسان الرؤيا .

وقت الرؤيا

قال أرباب التعبير : رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار ، و أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر 26 .
و رُوِيَ عن أبي سعيد قال : أصدق الرؤيا بالأسحار 27 .
و قال ابن حجر في " فتح الباري " : ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ، و من النصف الثاني يسرع ، و إن أسرعها تأويلا وقت السحر و لا سيما عند طلوع الفجر 27 .
و عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السَّلام ) : " أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة " 27 .
و عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله ( عليه السَّلام ) الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد .
قال : " صدقت أما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة و الفسقة و إنما هو شيء يخيل إلى الرجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها و أما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لا تختلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور و لم يذكر الله عَزَّ و جَلَّ حقيقة ذكره فإنها تختلف و تبطئ على صاحبها فان كان قد دخل فراشه و شق عليه الخروج للوضوء فليتيمم بغبار " 25 .

تعبير الرؤيا

تعبير الرؤيا أو تفسيره و تأويله هو من الأمور العجيبة ، و هو في الغالب موهبة إلهية و الهام من قبل الله جل جلاله ، و علامة ربَّانية للمعبر .
و تعبير الرؤيا أو تأويله إنما هو فهم الرؤيا و فكِّ رموزها و من ثم تطبيق المشاهدات التي شاهدها النائم في منامه على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو الذي ترى الرؤيا له ، و هذا لا يحصل طبعاً إلا لمن و فقهم الله لذلك .
و من الواضح أن تحقق الرؤيا الصادقة إنما تكون بتحقق تفسيرها لا بتحقق نفس المشاهدة حرفياً ، يقول العلامة المجلسي ( قدس الله سره ) : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة و الصفة من كل الوجوه ، فسجود الكواكب و الشمس و القمر تعبيره تعظيم الأنوار من الناس له ، و لاشك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجل نهاية التعظيم له فيكفي هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة و الصورة فلم يقل بوجوبه أحد من العقلاء 28 .

المعبر و اهلية التعبير

لاشك و إن تعبير الرؤيا و تأويلها يحتاج إلى أهلية خاصة ، لذا يجب على من أراد أن يعرف تأويل رؤاه و تفسير أحلامه أن يراجع من يمتلك الأهلية و الموهبة الخاصة ، و ليس له أن يراجع كل من يدعي القدرة على تفسير الرؤى و الأحلام .
يقول العلامة الفيض الكاشاني مبدياً رأيه بالنسبة إلى تعبير الرؤيا : هو تطبيق المثال المحفوظ على الممثل و هو من العلوم الحدسية التي يقل الحذق فيها إلا لمن و فقه الله و للخائضين في أسرار الشريعة المقدسة الناظرين في بطون الكتاب المجيد الذي فيه تبيان كل شئ 29 .
و عن أبي جعفر ( عليه السَّلام ) أن رسول الله كان يقول : إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء و الأرض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله فإذا عبرت لزمت الأرض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل 30 .
و عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) قال : قال رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) : الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد و البغي 30 .
و لعل السر في ذلك أن غير المؤمن و الحاسد إذا عبر الرؤيا ، عبرها بوحي من الحسد و البغض و بتعبير سيئ ، فيوشوش ذهن صاحب الرؤيا ، و يفسد عليه فكره و يُنغِّص عيشه .

تاخر تفسير الرؤيا

و ربما يتأخر تحقق الرؤيا الصادقة التي رآها الإنسان في المنام عن زمن المشاهدة فترة طويلة لربما وصلت إلى عشرات السنين .
فعن ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس و أنس الجالس أنه قيل لجعفر الصادق ( عليه السَّلام ) : و هو أحد الأئمة الاثنا عشر : كم تتأخر الرؤيا ؟
فقال : " خمسين سنة لان النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) رأى كأنَّ كلباً أبقع ولغ في دمه ، فأوَّله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته ، فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ( عليه السَّلام ) ، و كان أبرص ، فتأخرت الرؤيا بعد خمسين سنة " 31 .

الاعتماد على الرؤيا

اتضح مما بيَّناه أن مشاهدات الإنسان التي تصلح لأن تكون موضع اهتمام الإنسان إنما هي الرؤيا الصادقة فحسب ، أما غيرها من أقسام المشاهدات فلا اعتبار لها أساساً .
ثم أن الرؤيا الصادقة التي يشاهدها الإنسان العادي رغم كونها من المبشرات السارة الداعية إلى الابتهاج و السرور ، إلا أنها ليست من الناحية الشرعية حجة ، فلا توجب تكليفاً و لا تحلل حراما ، حتى لو شاهد الإنسان أحد الصالحين أو المعصومين ( عليهم السَّلام ) يأمره بذلك .
بل المفروض هو الاقتصار على الإستيناس بالرؤى ، و الاعتبار بها و التأثر بمواعظها ، إذا كان فيها ما يذكرنا بالله و يحذرنا من معصيته ، أما الاعتماد على الرؤى و البناء عليها و الأخذ بأوامرها فمما لا دليل عليه .
فعن المفضل بن عمر عن الصادق ( عليه السَّلام ) قال : " ... فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها ، فمزج صادقها بكاذبها ، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء و لو كانت كلها تكذب ، لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي بها أو مضرة يحذر منها و تكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد " 32 .

اضغاث الأحلام او الرؤيا المهولة

ربما تتشوش ذاكرة الإنسان فتأخذ من كل صورة ضغثا و تخلط بينها على وجه لا ينتزع منها شئ محصل و هذا هو المسمى بأضغاث الأحلام ، و يكثر هذا النوع من الأحلام غالباً في الفترة الأولى للنوم و لا سيما عند امتلاء المعدة ، لذا فقد روي أن اكذب الرؤيا ما كان أول الليل و اصدقها ما كان آخره .
فعن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله ( عليه السَّلام ) الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد .
قال : " صدقت أما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة و الفسقة و إنما هو شئ يخيل إلى الرجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها و أما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لا تختلف إنشاء الله إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور ... " 25 .
و عن محمد بن سليمان الكوفي خرج النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) إلى أصحابه ثم قال : أيها الناس إن الرؤيا على ثلاثة فالرؤيا الصادقة بشرى من الله تعالى و الأحلام من حديث النفس و الأضغاث من الشيطان33 .

كيف نتجنب مشاهدة الاحلام المزعجة

لكي نجنِّب أنفسنا مشاهدة الأحلام المزعجة و المهولة و نستريح منها لا بُدَّ و إن نأخذ بعين الاعتبار الآداب و السنن الشرعية التي الكفيلة ببيان السلوك الفكري و العملي للإنسان المسلم ، و هذه الآداب و السنن كما أنها تؤثر على حياة الإنسان خلال فترة اليقظة فإنها تؤثر أيضا على حياته خلال رحلة النوم ، فسلوك الإنسان و أخلاقه و معاشرته للناس و الأسرة ، و مسكنه و طعامه و التزامه الديني أو عدمه كلها من الأمور المؤثرة على سلامة النوم و ارتياح الإنسان خلال هذه الرحلة الغامضة ، و هناك تعاليم صحية ينصح بها الأطباء و أخرى نفسية و صحية ينصح بها علماء النفس ، لكن نعرض عنها و نكتفي هنا بأهم النصائح الدينية في هذا المجال و هي :
1. أن يتوضأ الإنسان ثم يأوي إلى فراشه .
2. أن يسبِّح الإنسان قبل نومه تسبيح السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السَّلام ) ، و كيفية تسبيحها ( عليها السَّلام ) هو التكبير 22 أربعا و ثلاثون مرة ، ثم التحميد 23 ثلاثاً و ثلاثون مرة ، ثم التسبيح 24 ثلاثاً و ثلاثون مرة .

كيف نأمن عواقب الاحلام المكروهة ؟

كثيراً ما يتفق للإنسان أن يرى في منامه أحلاماً مزعجة و مرعبة يشاهد فيها أموراً يكرهها ، فيستيقظ على إثرها ذعراً و يبقى من نتيجتها قلقاً متخوفاً لا يدري إلى ما يؤول أمره و ما سيحدث له ، و لربما ينتهي أمره إلى العلاج النفسي ، فهل هناك وسيلة يمكن استخدامها لتجنُّب رؤية هذا النوع من الأحلام المزعجة و المروعة ؟
نعم هناك العديد من الآداب و السنن الإسلامية التي لو راعاها الإنسان حالت دونه مشاهدة تلك الأحلام ، و منعت عنه أي مكروه احتمالي ، و في ما يلي نشير إلى بعضٍ منها :
عن العلامة المجلسي نقلاً عن عدة الداعي : لدفع عاقبة الرؤيا المكروهة : تسجد عقيب ما تستيقظ منها بلا فصل و تثني على الله بما تيسر لك من الثناء ، ثم تصلي على محمد و آله ، و تتضرع إلى الله و تسأله كفايتها ، و سلامة عاقبتها ، فانك لا ترى لها أثرا بفضل الله و رحمته 34 .
و كان  رسول الله  ( صلَّى الله عليه و آله ) إذا راعه شئ في منامه قال : " هو الله لا شريك له " 35 .
و عن أبي سعيد الخدري عنه ( صلَّى الله عليه و آله ) قال : " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها و ليحدِّث بها ، و إذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها و لا يذكرها لأحد فإنها لا تضره " 36 .
و لا بُدَّ من التنبيه في ختام هذا البحث إلى أن على الإنسان المسلم أن لا يستسلم للرؤيا و الأحلام كما هو حال بعض الفاشلين الذين يُعوِّلون في كل مجالات حياتهم على الرؤى و الأحلام ، و يترك العمل و الإجتهاد و التخطيط و السعي لبناء الحياة و حلِّ مشاكلها ، فإن الدنيا دار عمل و جد و إجتهاد ، و النجاح لمن خطط و عمل و جدَّ و أجتهد ، لا من عوَّل على الأحلام و الرؤى ، و إن كانت بعض الرؤى الصادقة تُعطي دفعة و تنير الدرب و تفتح نافذة من الأمل في وجه العاملين الجادِّين .

الهوامش:

1. انظر جوزيف جاسترو ، الأحلام و الجنس : 115 ، نقلاً عن الأحلام بين العلم و العقيدة : 89 ، لعلي الوردي ، الطبعة الثانية ، سنة : 1994 ميلادية ، طبعة : دار كوفان / لندن .

2. انظر فرانك كاربريو ، تفسير السلوك : 279 ، نقلاً عن الأحلام بين العلم و العقيدة : 89 ، لعلي الوردي ، الطبعة الثانية ، سنة : 1994 ميلادية ، طبعة : دار كوفان / لندن .

3. الأمالي : 209 ، للشيخ الصدوق ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .

 4. معجم ألفاظ الفقه الجعفري : 201 .

 5. a. b. القران الكريم: سورة الفتح (48)، الآية: 27، الصفحة: 514.

6. معجم لغة الفقهاء : 228 .

7. بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 58 / 152 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .

 8. القاموس الفقهي : 101 .

9. a. b. بحار الانوار : 58 / 191 .

10. الاحكام : 2 /550 ، ليحيى بن الحسين بن قاسم .

11. الاحكام : 2 /550 .

12. الكافي : 8 / 90 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .

13. حلية الابرار : 1 / 67 ، للسيد هاشم البحراني .

14. القران الكريم: سورة يونس (10)، الآية: 64، الصفحة: 216.

 15. الكافي : 8 / 90 .

16. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 4 و 5، الصفحة: 235.

17. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 36 و 37، الصفحة: 239.

18. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 41، الصفحة: 240.

19. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآيات: 43 - 49، الصفحة: 240.

20. القران الكريم: سورة الصافات (37)، الآيات: 102 - 105، الصفحة: 449.

21. التحفة السنية : 317 ، للفيض الكاشاني .

22. a. b. التكبير : قول : " الله أكبر " .

23. a. b. التحميد : قول " الحمد لله " .

24. a. b. التسبيح : قول " سبحان الله " .

25. a. b. c. التحفة السنية : 317 .

26. بحار الأنوار : 58 / 194 .

27. a. b. c. بحار الأنوار : 58 / 195 .

28. بحار الأنوار : 12 / 337 .

29. التحفة السنية : 319 .

30. a. b. الكافي : 8 / 336 .

31. بحار الأنوار : 62 / 60 .

32. الفصول المهمة في أصول الأئمة : 1 / 690 .

33. مناقب أمير المؤمنين : 2 / 280 .

34. بحار الانوار : 73 / 220 .

35. بحار الأنوار : 73 / 203 .

36. بحار الأنوار : 58 / 192 .

2025/06/08

من هم «الأبدال»؟ وما علاقتهم بـ «الشام»؟!

يتداول الكثيرون روايات عن "الأبدال" وارتباطهم بالشام، مما يثير تساؤلات عن أصل هذه الروايات وصحتها ومدى توافقها مع عقيدة أهل البيت عليهم السلام. في هذا المقال نكشف عن بعض ما نعرفه عن هذا المصطلح من خلال النصوص.

المعنى الحقيقي للأبدال كما بينه أهل البيت عليهم السلام

روى خالد بن أبي الهيثم الفارسي سؤالاً مباشراً وجهه للإمام الرضا عليه السلام حول هذا المفهوم: "إن الناس يزعمون أن في الأرض أبدالاً، فمن هم هؤلاء الأبدال؟"

[اشترك] 

جاء جواب الإمام واضحاً: "صدقوا، الأبدال هم الأوصياء، جعلهم الله عز وجل في الأرض بدل الأنبياء، إذا رفع الأنبياء، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وآله".

هذه الرواية تهدم أساس الفهم الشائع للأبدال وتعيد المصطلح إلى معناه الصحيح: الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء، وهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام.

في دعاء أم داود المروي عن الإمام الصادق عليه السلام، يرد ذكر الأبدال في سياق يستحق التأمل:

"اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت، ورحمت، وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على الأوصياء والسعداء، والشهداء، وأئمة الهدى، اللهم صل على الأبدال والأوتاد، والسياح والعباد، والمخلصين والزهاد، وأهل الجد والاجتهاد".

لكن ما ورد في هذا الدعاء جاء على سبيل النعت والتوصيف، ولا يدل على وجود أشخاص محددين يطلق عليهم هذا الاسم. بل إن الصفات المذكورة تنطبق حقيقةً على أئمة الهدى عليهم السلام، وإطلاقها على غيرهم يكون على سبيل المجاز والتسامح في التعبير.

موقف الأئمة من روايات "أبدال الشام"

ثمة رواية مهمة تكشف موقف الأئمة عليهم السلام من أحاديث أبدال الشام. روى الشيخ المفيد عن محمد بن سويد الأشعري قال:

"دخلت أنا وفطر بن خليفة، على جعفر بن محمد، فقرب إلينا تمراً فأكلنا، وجعل يناول فطراً منه.. ثم قال له: كيف الحديث الذي حدثتني عن أبي الطفيل في الأبدال؟"

فقال فطر: "سمعت أبا الطفيل يقول: سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الأبدال من أهل الشام، والنجباء من أهل الكوفة، يجمعهم الله لشر يوم لعدونا.."

رد الإمام الصادق عليه السلام بكلام يوحي بعدم رضاه عن مضمون هذا الحديث: "رحمكم الله، بنا يبدأ البلاء ثم بكم. وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم، رحم الله من حببنا إلى الناس، ولم يكرِّهنا إليهم".

يلفت النظر أن الإمام عليه السلام كان يناول التمر لفطر بن خليفة (وهو من رجال العامة)، مما قد يشير إلى أنه أراد التلطف به لاستخراج إقراره بالحديث، تمهيداً لإعلان عدم رضاه عن مثل هذه الروايات.

بعد أن نقل فطر الحديث، أعلن الإمام بلطف وحكمة عدم رضاه عن مضمونه، ربما لأنه اعتبره:

  1. وسيلة للتحريض على أهل البيت وشيعتهم.
  2. إثارة للمناوئين ضدهم، إذا علموا أن الشيعة سيجتمعون يوماً لمواجهتهم.
  3. تأييداً لحكم بني أمية وتقوية لهم، مما يزيد من معاناة أهل البيت وشيعتهم.

من وضع حديث الأبدال ولماذا؟

[اشترك]

من خلال تحليل الروايات والمواقف، يظهر أن حديث الأبدال في الشام قد وضعه الأمويون ورَوّجوا له لتحقيق هدف محدد: تأييد ملكهم وسلطانهم وإضفاء نوع من القدسية على منطقة نفوذهم.

المثير للاهتمام أن هذا الحديث لا أثر له في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام، وهذا يعزز فرضية كونه موضوعاً.

يتضح مما سبق:

- الأبدال في المعنى الحقيقي هم الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء.

- حديث أبدال الشام موضوع بهدف تقوية سلطان الأمويين.

- الأئمة عليهم السلام لم يقبلوا بهذا التفسير وأظهروا عدم رضاهم عنه.

- لا يصح تطبيق روايات أبدال الشام على شيعة أهل البيت الذين يعيشون في بلاد الشام.

وعلى الواعي أن يتحرى في قبول الروايات وأن يرجع إلى المصادر الموثوقة، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم العقائدية المهمة.

2025/05/21

هل كل ما في المصادر الشيعية متفق عليه؟!

لابد لمن يريد التعرف على المصادر الشيعية من أمرين: الأول: أن كثيراً مما تتضمنه المصادر الشيعية ليس أمراً متفقاً عليه بين الشيعة. وإنما اتفقوا على أصول العقيدة، من التوحيد وما يتعلق به، من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الظلم والجبر والتجسيم والتشبيه والمكان والزمان. ثم النبوة. ثم إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وما يتعلق بهما من عصمة الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم)، ثم المعاد الجسماني.

[اشترك]

كما اتفقوا على بعض الأمور الأخرى التي ثبتت بأدلة قطعية من النصوص المتواترة أو الإجماع أو حكم العقل القطعيين. وتلك الأمور تتعلق بالفقه والسيرة وما بعد الموت وغير ذلك. وقد اختلفوا في كثير من الأمور، لأن باب الاجتهاد مفتوح عندهم. والاختلاف المذكور يجري حتى في النصوص والأحاديث الشريفة، فليس كل حديث يذعنون بمضمونه أو يتفقون عليه. وكم من حديث متروك لا يعمل عليه، على معايير وضوابط لا يسعنا تفصيلها في هذه العجالة، أو هو مورد للخلاف بينهم، لاختلافهم في تلك الضوابط والمعايير. والمهم أنه لا ينبغي التسرع في نسبة ما يوجد في تلك المصادر ـ من مضامين الأحاديث أو أقوال العلماء ـ إلى الشيعة بأجمعهم وتحميلهم مسؤوليته إلا بعد التأكد من إذعانهم به واتفاقهم عليه. نعم لا ريب في أن تلك المصادر تكشف عن الملامح العامة لآراء الشيعة وأقوالهم، وتوضح الخطوط العريضة لثقافتهم ومنهجيتهم. لابد للباحث من الموضوعية والتجرد الثاني: أن من الطبيعي أن من لم يألف الثقافة الشيعية، وعاش الثقافة السنية وألفها، سيصدم عند الرجوع للمصادر الشيعية، خصوصاً في الأمور المذهبية الحساسة، التي يحمل لها في نفسه قدسية واحتراماً. فإن ما تتضمنه المصادر الشيعية من ذلك وإن وجد متفرقاً في المصادر السنية، أو وجدت له شواهد فيها، إلا أنه ليس بحيث يلتفت إليه في خضمّ الكثرة الكاثرة من الأحاديث والمسلمات الموروثة عند السنة. ومن هنا فاللازم التثبت عند الرجوع للمصادر الشيعية وعدم التسرع في الإنكار والاستبشاع عند الاطلاع على بعض ما تتضمنه، لأن ذلك كله يبتني على أصول مؤصلة، قد أتعب الشيعة أنفسهم في الاستدلال عليها، وذكر الشواهد لها من مصادر سنية وغيرها، في مسيرة طويلة شاقة، من أحاط بها وخرج منها يهون عليه سماع ما تتضمنه مصادرهم مما يخالف مسلماته وموروثاته، ولا يفاجأ بها، ولا يصدم. ولا نريد بذلك أن ندعي صحة جميع ما يذكره الشيعة، إذ لا موجب لتعجل الأمور قبل أوانها. بل كل ما نريده عدم تعجل الإنكار والاستبشاع، والانتظار بهما حتى يطلع على أصول الشيعة وأدلتهم وتستوعب، ثم ليختار المنصف لنفسه بعد ذلك ما يحلو له، ويقتضيه وجدانه وبرهانه الذي يراه مقنعاً أمام الله سبحانه وتعالى ومعذراً بين يديه. فإن المهم إرضاؤه جل شأنه والخروج عن المسؤولية معه، وهو نعم الرقيب والحسيب. ولا أهمية لإرضاء الناس أو إسكاتهم. كما لا يغني إرضاء العواطف وإشباع الرغبات. فإن أمد ذلك كله قصير، وهو صائر إلى زوال، وبعد ذلك الحساب العسير، ثم الخلود في الجنة أو في النار.

المصدر: في رحاب العقيدة ج1 - المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (قدس)

2024/12/11

لماذا يذكر الشيعة في الأذان عبارة "حي على خير العمل"؟

لماذا يلتزمُ الشيعة في الأذان خلافًا لبقيَّة المذاهب بفقرة: (حيَّ على خيرِ العمل)؟

[اشترك]

الجواب: إنَّ فقرة: (حيَّ على خيْرِ العمل) كانت من فصولِ الأذان على عهدِ رسولِ الله (ص)، وقد التزمَ بها المسلمون أيَّام أبي بكر وشطرًا من أيَّام عمر، ثمَّ إنَّ عمرَ بن الخطاب أمَرَ بحذفِها من الأذان، وعلّل ذلك بأنَّ (حيِّ على خيرِ العمل) تعني الحضَّ والحثّ على الصلاة وتعني وصفَها بأنَّها خيرُ الأعمال، وهذا قد يُنتِج -بنظره- انصرافَ المسلمين عن الجهاد واكتفاءَهم بالصلاة بذريعة أنَّها خيرُ العمل، فحتى لا يتقاعس المسلمون عن الجهاد أمَر بحذفِ هذه الفقرةِ من الأذان.

والعجيب كيف اِلتزَمَ أكثرُ المسلمين بهذا الأمر رغم أنَّه من الاجتهاد في مقابل النصِّ، فالرسولُ (ص) يأمرُ بإثباتِها في الأذان ويأمرُ الخليفةُ بحذفِها! وكأنَّه تفطَّن إلى أمرٍ غفِلَ عنه رسولُ الله (ص) الذي لم يكن ينطقُ عن الهوى إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى.

وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا﴾(1).

أمّا أنّ فقرة: (حيَّ على خير العمل) كانت من فصول الأذان وأنَّ الرسولَ (ص) هو مَن جعلها كذلك، فطريقُنا إلى إثباته هو ما ورد يقيناً عن أهل البيت (ع) الذين ثبتَ بالقرآن الكريم والسُنَّة القطعيَّة أنَّهم الهداةُ بعد رسول الله (ص) والأدلاَّءُ على دينِ الله وأحكامِه، وأنَّهم في الأُمَّة كسفينة نوح من ركِبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق، وأنَّهم الثقلُ الثاني، والقرآنُ الكريم هو الثقلُ الأول، وقد ضَمِنَ رسولُ الله (ص) للأُمَّة عدم الضلالِ إنْ هم تمسَّكوا بهما، وقال: "إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهلَ بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبدا"، وقد أفاد (ص) أنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض(2)، لذلك فنحن نعتمدُ طريقَهم في معرفةِ السُنَّة الشريفة.

وممَّا ورد عنهم (ع) هو ما رواه الشيخُ الطوسي في التهذيب بسندٍ معتبر إلى زرارة والفضل بن يسار عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: "لمَّا أُسْرِيَ برسول الله (ص) فبلغَ البيتَ المعمور حضرت الصلاة فأذَّن جبرائيل وأقام، فتقدَّم رسولُ الله (ص)، قال فقلنا: كيف أذَّن، فقال: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاحِ حيَّ على الفلاح، حيَّ على خيرِ العمل حيَّ على خير العمل، اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إله إلا الله، والإقامةُ مثلها إلاّ أنَّ فيها قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة بين حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل وبين الله أكبر، فأمر بها رسولُ الله بلالاً، فلم يزل يؤذٍّن بها حتى قبَض اللهُ رسولَه (ص)(3).

والروايات المُصرِّحة باشتمال الأذان والإقامة على فقرة: (حيَّ على خير العمل) كثيرةٌ ومن أرادها فليرجعْ إليها في مظانٍّها.

وأمَّا ما يُؤيِّدُ -من كُتب علماءِ السنَّة- بأنَّ عمر بن الخطّاب هو مَن أمرَ بحذفِها فنصوصٌ كثيرةٌ نذكر شطرًا منها:

النصّ الأوَّل: قال الشوكاني نقلاً عن كتاب الأحكام: ".. وقد صحَّ لنا أنَّ (حيَّ على خير العمل) كانت على عهد رسولِ الله (ص) يؤذَّن بها ولم تُطرح إلاّ في زمن عمر"(4).

النصّ الثاني: قال القوشجي وهو من أكابر علماء الأشاعرة في كتابه شرح التجريد أنَّ الخليفة عمر قال وهو على المنبر: "ثلاثٌ كنَّ على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهى عنهنَّ وأُحرٍّمهنَّ وأُعاقب عليهنَّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيَّ على خير العمل"(5).

النصّ الثالث: قال سعد الدين التفتزاني في حاشيتِه على شرح العضدي على مختصر الأصول لابن الحاجب: (إنَّ "حيَّ على خير العمل) كان ثابتاً على عهدِ رسول الله (ص) وإنَّ عمر هو الذي أمَر أنْ يكفَّ الناسُ عن ذلك، مخافةَ أن يثبِّط الناس على الجهاد ويتَّكلوا على الصلاة"(6).

النصّ الرَّابع: ما ورد في البحر الزخَّار وجواهر الأخبار والآثار أنَّ الإمام الباقر (ع) كان يقول: "وكانت هذه الكلمة (حيَّ علي خير العمل) في الأذان فأمر عمر بن الخطَّاب أن يكفُّوا عنها مخافة أنْ تُثبِّط الناس عن الجهاد ويتَّكلوا على الصلاة"(7).

النصّ الخامس: في كتاب الرّوض النّضير قال الزّركشيُّ في البحر المحيط: ".. وكان ابنُ عمر، وهو عميد أهل المدينة يرى إفراد الأذان والقول فيه "حيَّ على خير العمل"(8).

وورد في كتاب السّنام: الصّحيح في الأذان شرح بـ (حيَّ على خير العمل) وقال: "وقد قال كثيرٌ من علماء المالكيَّة وغيرهم من الحنفيَّة والشَّافعيَّة أنَّه كان (حيَّ على خير العمل) من ألفاظ الأذان"(9).

وثمَّة نصوصٌ أخرى وردت في كتب علماء السنَّة، أفاد بعضُها أنَّ فقرة (حيَّ على خير العمل) كانت من فصول الأذان في عهد رسول الله، وأفاد بعضها اِلتزام جمعٍ من الصحابة بها في الأذان.

منها: ما ورد في ميزان الاعتدال للذّهبي ج1 / ص139 ولسان الميزان للعسقلاني ج1 / ص268 عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي محذورة قال: كنتُ غلامًا فقال لي النّبيُّ (ص): "اجعل في آخر أذانك "حيَّ على خير العمل""، وذكر أنّ هذيل بن بلال المدائنيّ قال: سمعتُ ابن أبي محذورة يقول: "حيّ على الفلاح حيّ على خير العمل".

ومنها: ما ورد في منتخب كنز العمّال ج3 / ص276 أنَّ بلال كان يؤذِّن بالصّبح فيقول: (حيّ على خير العمل).

ومنها: ما رواه محمّد بن منصور في كتابه الجامع باِسناده عن رجال مرضيين عن أبي محذورة أحد مؤذِّني رسول الله (ص)، أنَّه قال: "أمرني رسولُ الله (ص) أنْ أقول في الأذان: "حيَّ على خير العمل""(10).

ومنها: ما رواه البيهقيّ في سُننه قال: إنَّ ذِكر (حيّ على خير العمل) في الأذان قد رُوي عن أبي أمامة سهل بن حنيف"(11).

ومنها: ما نقله ابن الوزير عن المحبّ الطبري الشَّافعي في كتابه إحكام الأحكام: ".. ذكر الحيعلة بـ (حيّ على خير العمل) عن صدَقة بن يسار عن أبي أمامة سهل بن حنيف قال: "إنَّه كان إذا أذّن قال: "حيَّ على خير العمل"، أخرجه سعيد بن منصور"(12).

ومنها: ما قاله علاءُ الدّين الحنفيُّ في كتاب التّلويح في شرح الجامع الصَّحيح قال: "وأمَّا (حيَّ على خير العمل) فذكر ابنُ حزم أنَّه صحّ عن عبد الله بن عمر وأبي أمامة سهل بن حنيف أنَّهما كانا يقولان: "حيَّ على خير العمل"، ثُمَّ قال: وكان عليُّ بن الحسين يفعلُه .."(13).

ومنها: ما ورد في السّيرة الحلبيَّة ".. ونقل عن ابن عمر وعن عليِّ بن الحسين (ع) أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حيَّ على الفلاح حيَّ على خير العمل .."(14).

ومنها: ما ورد في سُنن البيهقيِّ عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليَّ بن الحسين (ع) كان يقولُ في أذانه إذا قال حيَّ على الفلاح قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول: "هو الأذانُ الأول"(15).

وثَمّة نصوصٌ أُخرى وردت في كتب علماءِ السُّنَّة إلا أنّنا أعرضنا عن ذكرها خشيةَ الإطالة.

الهوامش:

1- سورة الحشر / 7.

2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة ج27 / ص34.

3- وسائل الشيعة -الحرُّ العاملي- باب الأذان والإقامة / ح8.

4- نيل الأوطار -الشوكاني- ج2 / ص32.

5- شرح التجريد -القوشجي- ص484.

6- الروض النضير -سعد الدين التفتزاني- ج2 / ص42.

7- البحر الزخَّار وجواهر الأخبار ج2 / ص192.

8- الرَّوض النّضير -سعد الدين التفتزاني- ج1 / ص542.

9- الرَّوض النّضير -سعد الدين التفتزاني- ج1 / ص542.

10- البحر الزخار ج2 / ص192.

11- سنن البيهقي ج1 / ص425.

12- مبادئ الفقه الإسلاميّ للعرفي ص38 / ط 1354هـ.

13- مبادئ الفقه الإسلاميّ -للعرفي- ص38، المحلَّى -ابن حزم- ج3 / ص160.

14- السّيرة الحلبيّة باب الأذان ج2 / ص98.

15- سنن البيهقي ج1 / ص625 / ح1993.

2024/11/05

لماذا لا نرجع إلى مرجعية «عابرة للأديان»؟!
سمعت أحد المحاضرين ممّن يتكلّم ويكتب بشأن الدين بآراء حديثة؛ يقول: ليس من الضروري الإسلام والإيمان للفقيه الذي نأخذ منه أحكامنا الشرعية؛ فالمرجعية يمكن أن تكون عابرة للأديان!

ما هو رأيكم؟

تخيّلوا أن تأخذوا أحكامكم الشرعية من بوذي أو مسيحي أو وهابي، ما هو رأيكم؟! 

من المتفق عليه لدى أعلامنا اشتراط الإسلام والإيمان في المجتهد الذي يراد تقليده، وقد استدلوا على اعتبارهما بأدلّة منها:

الأول: مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا، وإن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ".

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله".

ومعتبرة ابي خديجة: "إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فأجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه"؛ فأمر الإمام (عليه‌السلام) بلزوم كون التحاكم الى القاضي الشيعي، يتعدى إلى المفتي بقياس الأولوية أو المساواة. 

 الثاني: ما ورد في رواية علي بن سويد السايي؛ قال: كتب إلي أبو الحسن (عليه‌السلام) وهو في السجن: وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين، الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله، فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة.  

وكذا ورد في رواية أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه - يعني أبا الحسن الثالث (عليه‌السلام) - أسأله عمن آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضا بذلك، فكتب إليهما، فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى.  

وصحيحة محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كل من دان الله عز و جل بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول و هو ضال متحير و الله شانئ لأعماله... و إن مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق و اعلم يا‌ محمد إن أئمة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلوا و أضلوا فأعمالهم التي يعملونها كرمٰاد اشتدت به الريح في يوم عاصف لٰا يقدرون مما كسبوا على شي‌ء، ذلك هو الضلٰال البعيد .  

وكيف نقلِّد من كان ضالاً متحيرًا بل كافرًا منافقًا معزولاً عن دين الله؟! 

 الثالث: قصور المقتضي للحجية في مثل هذا المدعى؛ وهو بحث تخصصي لا يفيد ذكر تفاصيله هنا.  

الرابع: العلم بمذاق الشارع من عدم رضاه بتصدّي غير المسلم أو غير المؤمن لغير الشيعة فإنّ في ذلك وهنًا عظيمًا عليهم، وهو تام جدّا، ويساعده الارتكاز القطعي المتشرعي على ذلك.

2024/05/08

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا: جنّة آدم (ع).. حقيقية أم رمزية؟!
لقد تحدثت الآيات الشريفة عن أن الله تعالى قد أسكن آدم وزوجه عليهما السلام الجنة، هل هي جنة الخلد؟، أم هي جنة من جنان الدنيا، لها طبيعة خاصة بها، لا تنسجم مع طبيعة الحياة على الأرض؟!. لأن الدنيا واسعة، بحيث تشمل كل ما في هذا الوجود.. وهل هي جنة في السماء؟ أم هي في الأرض؟! إن هذا البحث، لا نرى أننا نستطيع أن نفيض في الحديث فيه هنا، فنكتفي بالقول: إننا قد نجد في الآيات الكريمة، وفي بعض الروايات الشريفة ما يؤيد الاحتمال الذي يقول: إنها من جنان الدنيا.. فلاحظ ما يلي:

أ- قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا﴾.. له درجة من الظهور في أن الجميع كانوا في محل ما، ثم أخرجوا منه.. مما يعني أن إبليس لعنه الله قد كان مع آدم (ع) وحواء في داخل ذلك المكان الذي سماه الله: الجنة.

ب- قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ / قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.. يدل على أن الجميع قد أنزلوا إلى الأرض، بعد أن لم يكونوا فيها.

ج- أما القول: بأن قوله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾.. فإنما يدل على مجرد تنزل المقام والمرتبة، فهو كقولك لمن تغيرت حاله، وخسر مواقعه الدنيوية: انظر أين كان، وأين أصبح.

فهو لا ينافي ما ورد في الروايات من أنه (ع) كان في جنة من جنات الدنيا، ولا يتناقض مع القول بأنه نزل إلى الأرض، بل هو يتلاءم مع جميع الأقوال..

د- هناك بعض الروايات تقول: إن آدم (ع) حين أهبط من الجنة أهبط على الصفا، وأهبطت حواء (عليها السلام) على المروة. وتلك الرواية نفسها تقول أيضاً: "سئل الصادق عن جنة آدم (ع)، أَمِنْ جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال: كانت من جنان الدنيا، تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً" (1).

ولكن كونها من جنان الدنيا لا يلزم منه أن تكون في الأرض، فإن السماء الدنيا واسعة، ويمكن أن يكون في بعض كواكبها جنة لها حياة وحالات، يمكن القول بأنها برزخية، من شأنها الإعداد للحياة على الأرض، وتطلع فيها الشمس والقمر.. ثم لما أكل النبي آدم من الشجرة التي تسانخ طبيعة الحياة الأرضية أهبطه الله تعالى إليها.

آدم (ع) خلق للأرض

ويبقى هنا سؤال: وهو أنه إذا كان الله تعالى إنما خلق النبي آدم (ع) ليكون خليفة في الأرض، فلماذا أسكنه تلك الجنة التي ليست في الأرض، مع ملاحظة: أن كلمة (اسكن) إنما تعني المكث الطويل، لا مجرد المرور العابر، أو الحلول القصير.. وقد أجاب العلامة الطباطبائي رحمه الله بقوله: (قوله تعالى في صدر القصة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (2) يفيد: أن آدم (ع) إنما خلق ليحيا في الأرض، ويموت فيها، وإنما أسكنهما الله الجنة لاختبارهما، ولتبدو لهما سوءاتهما، حتى يهبطا إلى الأرض).. إلى أن قال: (وبالجملة: فهو (ع) كان مخلوقاً ليسكن الأرض، وكان الطريق إلى الاستقرار في الأرض هذا الطريق. وهو تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثم أمرهم بالسجدة، ثم إسكان الجنة، والنهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها، فتبدو لهما سوءاتهما، فيهبطا إلى الأرض. فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيوية ظهور السوأة) (3).

ونقول: إن هذا الكلام متين لولا أن سياقه يعطي: أنه كان لا بد لإهباط آدم (ع) إلى الأرض من سلوك هذا الطريق، وإيقاع آدم (ع) بما يشبه الفخ المنصوب له. بحيث لولا ذلك، فإنه سوف يستعصي على الهبوط، وتفشل الخطة.. وقد جاءت الوقائع وفق ما رسم لها، وأعطت النتائج المرجوة منها!

وهو كلام لا يمكن قبوله على هذا النحو، فإن الهبوط إلى الأرض لا ينحصر بهذه الطريقة، إذ قد كان بالإمكان أن يخلق الله تعالى آدم (ع) في الأرض مباشرة من دون حاجة إلى إسكانه الجنة، ثم ظهور السوأة بالأكل من الشجرة.

الأقرب إلى القبول:

إنه يمكن الجواب بما يلي:

أولاً: ولعله الأقرب إلى الاعتبار في مثل هذه المقامات، أن يكون الله سبحانه حين قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.. إنما أخبرهم عما أحاط به علمه سبحانه - وهو المحيط العالِم بكل شيء - وعرفهم بما يؤول إليه أمر هذا المخلوق الجديد، وأنه سينتهي به الأمر إلى الاستقرار في الأرض، والعمل على إعمارها وفق ما يرضيه سبحانه.. لكن لا على أن يكون ذلك الذي جرى له هو الطريق المقضي عليه سلوكه بصورة جبرية، بحيث لولاه لم يمكن له أن يصل إلى الأرض، بل على أساس أن ذلك قد جاء على سبيل الإخبار عن الغيب الذي سوف يحصل، من دون أن يمثل ذلك أية حتمية وجبرية يتحتم على النبي آدم أن يخضع لها، ليتحقق المقصود.

ويمكن أن يكون إسكان النبي آدم (ع) في تلك الجنة من جنان الدنيا قد جاء على سبيل التكريم والإعزاز له، أو لأجل التهيؤ للانتقال إلى المسكن الأصلي بعد حين.. لا على الطريقة التي التزم السيد الطباطبائي رحمه الله، والتي تقضي بجعل ما فعله إبليس جزءاً من خطّة لابد من إجرائها.

وقد كانت تلك الجنة التي أسكنه الله فيها، أكثر الأماكن أمناً للنبي آدم (ع) من أعدائه، بحسب ما هو معتاد، لولا ما توسل به إبليس من لطائف الحيل.. والله يعلم: أن إبليس سوف يلاحق النبي آدم في أي مكان حصل فيه، وسيسعى لحرمانه مما هو فيه، بكل ما لديه من خديعة ومكر وحيلة.

وقد يمكن الجواب أيضاً: بأن الجنة التي هبط منها هي من جنان الأرض نفسها، ولكن الله جعل لها مواصفات مميزة لا توجد في أية بقعة أخرى، وقد خلقها الله تعالى، لتكون لائقة بهذا المخلوق العظيم، ولكن بعد أن جرى ما جرى عليه، أهبطه الله إلى الأرض العادية التي لا تداني تلك في مواصفاتها وميزاتها.. أما تلك البقعة المميزة، فلا ندري ماذا صنع الله بها!! هل أبقاها على حالها؟!

أم أنه أزالها وطمسها؟! أم ماذا؟!

إن الله وحده هو العالم بذلك، هذا ولا مانع من التعبير بالهبوط، إذا كان الانتقال من مكان إلى مكان، فقد قال تعالى: ﴿اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾.. (4).

نسيان النهي، أم نسيان الميثاق؟!

إننا دفعاً لأي لبس نبادر إلى التذكير بأنه قد يقال: إن الأقرب هو أن آية: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.. لا ترتبط بموضوع الأكل من الشجرة، وإنما هي ناظرة - كما ورد في بعض الروايات - لنسيان الميثاق، الذي أخذه سبحانه على خلقه قبل نشأة آدم (ع) من الطين، بالإقرار بالنبي محمد، والإمام علي، والسيدة فاطمة، والإمام الحسن، والإمام الحسين، والأئمة من ذريتهم، وبالمهدي وسيرته، صلوات الله عليهم أجمعين.. وفيها أن أولي العزم من الأنبياء، قد أقروا بهم، وأجمع عزمهم أن ذلك كذلك، ولذلك صاروا من أولي العزم، وذكرت بعض الروايات: أن ذلك قد كان في عالم الذر.

وأما النبي آدم (ع)، فلم يجحد ولم يقر بالنسبة للإمام المهدي (ع)، والحال التي يكون عليها الأمر في زمانه، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن للنبي آدم عزم على الإقرار به، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.. (5).

وقد فسر المجلسي عدم العزم هذا، بأنه عدم التصديق اللساني، لأنه لم يكن واجباً، أو بعدم تذكره من أجل أنه لم يهتم به اهتماماً يوجب هذا التذكير ويحتِّمه.. وليس المراد به عدم التصديق لأنه لا يناسب مقام النبوة.. وفسرت الروايات النسيان بالترك، لأن النسيان الحقيقي لا يجوز على الأنبياء (6).. والظاهر أن سبب هذا الترك هو عدم علم النبي آدم (ع) بالحقيقة، فكان الترك أمراً طبيعياً، إذ إن من لم يعلم شيئاً فإن تركه له يصبح أمراً متوقعاً، بل هو المناسب لواقع الحال، ولا يكون فيه عليه أية غضاضة.. ونحن نرجح هذه الروايات على تلك التي تقول: إن المراد هو نسيان النهي عن الأكل من الشجرة، وذلك لأمرين: أحدهما: وجود الواو الفاصلة بين الآيتين، حيث يظهر أنها واو الإستئناف، فقد قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا / وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى / فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾.. فلو أنه قال: (ولم نجد له عزماً إذ قلنا الخ..) لظهر اتصال الكلام في الآيتين.. ولكن الفصل بالواو يشير إلى أنه قد بدأ بكلام جديد، ليس بالضرورة أن يكون له اتصال بما سبقه.. الثاني: أن هذا النسيان لو كان قد حصل فعلاً، فإن إبليس قد أزاله حين ذكَّر النبي آدم بنهي الله له، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ..﴾.. وعلى كل حال، هذا التذكير بالنهي يجعلنا نرجح أن الظاهر هو أن المراد بالعهد، هو العهد الذي أخذه الله على النبي آدم في نشأة عالم الذر ومن الواضح: أن هناك نشآت متعددة، مثل عالم الذر ونشأة الأرواح. والنشأة الجنينية، حيث تلتقي الأرواح بالأجساد، ثم النشأة التي تبدأ بالولادة، فيتدرج من الطفولة إلى الشيخوخة، ليصل إلى عالم البرزخ، ثم عالم البعث والآخرة.

وكل نشأة تمثل عالماً جديداً بالنسبة لهذا الكائن، وقد ينسى معها الإنسان حاله، وما جرى له في نشأته السابقة، بسبب العوارض والحجب التي يواجهها.

ولعل هذا الأمر لا يشمل أولي العزم من الأنبياء، وهذا ما يُظهر فضل نبينا، وأوصيائه الأكرمين، والزهراء سيدة نساء العالمين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، فإنهم (ع) لا ينسون شيئاً مما جرى لهم أو عليهم في السابق، ولا هم محجوبون عن النشآت اللاحقة.

ولعل ذلك يفسّر لنا قول علي (ع): لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً. ثم هو يوضح لنا كيف أن الزهراء (عليها السلام) كانت تحدث أمها وهي في بطنها قبل أن تولد، وثمة نصوص كثيرة تؤكد هذه الحقيقة، لا مجال لتتبعها..

إبليس يذكّر آدم (ع) بنهي الله له

ومهما يكن من أمر، فإن مما يدل على أن الأكل من الشجرة لم ينشأ عن النسيان المشار إليه بقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾، أن إبليس نفسه قد ذكَّر آدم (ع) بنهي الله له، وحدد له المنهي عنه بالإشارة الحسية، حين قال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.. فهو يقول للنبي آدم (ع): إن ربك نهاك، لكنه يتلاعب في بيانه لسبب النهي، ليتمكن من الوصول إلى ما يريد.. وكل ذلك يشير إلى أن النبي آدم قد أقدم على الأكل من الشجرة، وهو ملتفت لنهي الله له عنها. وهذا يؤيد ويؤكد أن المقصود بالنسيان في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.. هو نسيان الميثاق، المتعلق بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، لا بعهد الربوبية كما أسلفنا، ولا نسيان النهي عن الشجرة.

بل إن نفس كيفية وصل هذه الآية بما بعدها يشير إلى ما نقول، حيث قال تعالى بعدها: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.. فإن الإتيان بالواو قد أوضح أن الكلام عن الملائكة غير متفرع على ما قبله، ولا هو من توابعه التي ترتبط به.. ولو أنه لم يأت بالواو في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾.. لتغير مجرى الكلام، ولكان المراد بالنسيان هو نسيان التحذير الإلهي للنبي آدم (ع) من إبليس، وفق ما تضمنته هذه الآية..

عالم الذر، وخلق الأرواح

وبما أن النسيان للميثاق مرتبط بالكلمات التي أنقذت آدم (ع) من محنته كما سنرى. ولكي لا يخلو مقامنا هذا ولو من إشارة موجزة إلى هذا الأمر، فإننا نضع أمام القارىء الأمور التالية:

أ- إن هناك روايات تحدثت عن عالم الذر، وأخذ الميثاق على الخلق، وهي كثيرة، فلتراجع في مظانها (7).

ب- إن في بعض هذه الروايات عن أبي عبد الله (ع): أن الله أخذ على العباد ميثاقهم، وهم أظلة قبل الميلاد. وثمة روايات أخرى تشير أيضاً إلى عالم الظلال، فراجع (8).

قال العلامة الطباطبائي رحمه الله: إن المراد به - كما هو ظاهر الرواية - وصف هذا العالم، الذي هو بوجه عين العالم الدنيوي، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه، وعينها بوجه (9).

ج- إن ثمة روايات تحدثت عن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال لعلي (ع): "أنت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق، حيث أقامهم أشباحاً، فقال لهم: ألست بربكم؟قالوا: بلى. قال: ومحمد رسولي؟ قالوا: بلى. قال: وعلي أمير المؤمنين؟فأبى الخلق جميعاً إلا استكباراً عن ولايتك إلا نفر قليل، وهم أقل القليل، وهم أصحاب اليمين" (10).

وعن جابر بن يزيد، قال: قال لي أبو جعفر: "يا جابر، إن الله أول ما خلق خلق محمداً وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الأشباح؟قال: ظل النور. أبدان نورية بلا أرواح إلخ" (11).

د- قد دلت بعض تلك الروايات الصحيحة سنداً أيضاً على أن الناس ينسون ما أخذه الله عليهم.

فقد روى القمي عن ابن ابي عمير، عن ابن مسكان، عن الإمام الصادق في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾.. (12).

قلت: معاينة كان هذا؟!

قال: نعم، فثبتت المعرفة، ونسوا الموقف، وسيذكرونه الخ..) (13).

هـ- إن ثمة روايات كثيرة، قال العلامة المجلسي (قده) إنها معتبرة، وأنها قريبة من التواتر، قد دلت على تقدم خلق الأرواح على الأجساد (14).

وقال رحمه الله: (وما ذكروه من الأدلة على حدوث الأرواح عند خلق الأبدان مدخولة، لا يمكن رد تلك الروايات لأجلها) (15).

وعن أبي جعفر الثاني: (خلق الله محمداً وعلياً، وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها) (16).

و- قوله في هذا الحديث الأخير: (وأشهدهم خلقها) يجعل قول المفيد (قده): (إنه حين رأى آدم (ع) (الأشباح النورية) لم يكونوا في تلك الحال صوراً مجيبة، ولا أرواحاً ناطقة، ولكنها كانت على مثل صورهم في البشرية) (17).

يجعل قوله هذا من قبيل الاجتهاد في مقابل النص، ولعله لم يطلع على هذا الحديث وأمثاله.

فالظاهر: أن خلقهم (ع) أشباحاً نورية بلا أرواح، قد كان في مرحلة ونشأة هي أسبق من النشأة التي أشير إليها في حديث خلقهم، ثم خلق الأشياء التي أشهدهم خلقها.

ز- إن الإشكال الذي سجلوه على صحة خلق الأرواح قبل الأجساد، وهو أنه لو صح ذلك للزم أن يتذكروا الأحوال السابقة، وهذا غير حاصل.. إن هذا الإشكال وغيره قد رفضه العلامة المجلسي (رحمه الله)، حيث قال: (قيام الأرواح بأنفسها، أو تعلقها بالأجساد المثالية، ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه. وأما عدم تذكر الأحوال السابقة، فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة).. إلى أن قال: (مع أن الإنسان لا يتذكر كثيراً من أحوال الطفولية والولادة) (18).

وقد ذكرنا في موضع آخر: أن الأجساد العنصرية تمثل حجاباً يمنع من التواصل مع حقائق الأشياء، وتتضاءل درجة الإحساس بالأشياء بعد حلول الروح في الجسد، لأن ذلك إنما يتم عبر وسائط وأدوات، لا تملك قدرات عالية في هذا الإتجاه، ولذلك نجد أنه بعد انفصال الروح عن هذا الجسد، وكذلك بالتصرف الإلهي بتلك الحجب يترقى الإنسان في إحساسه بالأمور وإدراكه لها، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.. (19) وقد ذكرنا ذلك في كتاب (تفسير سورة هل أتى) فراجع.. وعلى كل حال، فإن مما يدل على ذلك أيضاً: الحديث الصحيح المتقدم، حول آية إشهاد الخلق على أنفسهم حيث قال فيه: فثبتت المعرفة، ونسوا الموقف وسيذكرونه.

الهوامش: 1- تفسير الميزان ج1 ص138. 2- الآية 30 من سورة البقرة. 3- تفسير الميزان ج1 ص126و127. 4- الآية 61 من سورة البقرة. 5- راجع: نور الثقلين ج33 ص400 و401 و402 و403 وج2 ص94 و101، والكافي ج2 ص8 وج4 ص186 والمناقب لابن شهرآشوب، وعلل الشرائع، ج2 ص136 و137 ط الأعلمي وج1 ص149 وبصائر الدرجات.. 6- راجع: مرآة العقول ج7 ص24. 7- راجع: تفسير الميزان ج9 ص225 وما بعدها وما قبلها وراجع: البحار ج64 وغيره. 8- البحار ج65 ص206 وراجع: ج58 ص139و140، وراجع: ج64 ص98 و99، عن بصائر الدرجات ص80 وعن علل الشرائع ج2 ص80 وراجع: الكافي ج2 ص10 وتفسير الميزان ج9 ص326. 9- تفسير الميزان ج9 ص326. 10- البحار ج64ص127 وفي هامشه عن بشارة المصطفى ص144. 11- الكافي ج1 ص442 والبحار ج58 ص142.. 12- الآية 172 من سورة الأعراف. 13- تفسير الميزان ج9 ص325 وراجع أيضاً ص330 عن المحاسن.. 14- راجع في هذا الحديث الشريف: بحار الأنوار ج58 ص143 و144 و41 و80 و102 و136 و139 و137 و138 وج47 ص357 وج5 ص266 و261 وج11 ص172 وج8 ص308 وج42 ص196 وج26 ص320 وج4 ص222 وج65 ص205، وفي هوامش الصفحات السابقة عن المصادر التالية: رجال الكشي ص249، والمسائل السروية وعن الكافي ج1 ص437 وعن معاني الأخبار ص108 و37 وعن بصائر الدرجات ص78 و88 و89 و24 و356 و354 بعدة أسانيد وعن الاختصاص ص354 وعن مناقب آل أبي طالب ج2 ص357.. 15- بحار الأنوار ج58 ص141. 16- الكافي ج1 ص441 والبحار ج15 ص19. 17- البحار ج5 ص262 عن المفيد رحمه الله تعالى. 18- البحار ج58 ص144 في مناقشته لما قاله المفيد رحمه الله تعالى في أجوبة المسائل السروية. 19- الآية 22 من سورة ق.
2024/04/13

هل كان النبي (ص) بحاجة إلى «الإسراء والمعراج»؟
بادي ذي بدء يجب الالتفات الى أنّ الآية الأولى من سورة الأسراء ناظرة الى حركة النبي (صلى الله عليه وآله) من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى فحسب و ساكتة عن سيره الى السموات، لكن يمكن استفادة ذلك من آيات أخر نظير:

«علّمَهُ شديدُ القوى * ذو مرّة فاستوى * و هو بالأفق الأعلى» الى قوله: «عندَ سدرةِ المنتهى* عندَها جنّة المأوى * إذْ يَغشى السِدرةَ ما يَغشى * مازاغَ البصرُ و ماطَغى * لقدْ رأى من آياتِ ربّهِ الكبرى» (1).

تحكي هذه الآيات بوضوح سير النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الى السموات، لكنّ الآية الأولى من سورة الاسراء تحكي عن بداية هذا السير فقط الذي حدث على الأرض، أما الهدف من هذا السير (كما ذكر في آيات سورة النجم) فهو «مشاهدة الآيات و الآثار الالهية العظيمة لعالم الخليقة».

بديهي أنّ هذه المشاهدة مشاهدة حضورية ولاتحصل المشاهدة الحضورية للموجود ذي الجسم إلاّ بحضوره لدى الموجود الذي يبغي مشاهدته، وما كتبتم من أنّ النبيّ مطلع على أحوال السموات بدون السير اليها فيجاب عليه أنّ هناك تباين كبير بين هذا العلم و الاطلاع و بين المشاهدة عن كثب، نظير ما لو وقع حدث في إحدى المدن و قد تناهى الى أسماعنا ذلك الخبر لكنّنا لم نكن حاضرين في محل وقوعه، و لم نرى ما جرى بأم أعيننا; الحضور في محل الحدث و مشاهدته يترك بصمات عميقةً على روح الانسان، بينما لايمتلك العلم الغيابي ذلك الأثر.

 بناءً على هذا، أراد الله سبحانه و تعالى أن يرى نبيه الكريم آثار عظمته بأم عينه ليصبح قلبه البصير أكثر بصيرةً، ولو تصور أحد أنّ بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله) رؤية آثار عظمة الباري جلّ علا في العوالم العلوية من على ظهر الأرض فقد أخطأ، و لا ينطبق تصوره مع الحقيقة، فمن ناحية الجسم يمتلك النبي (صلى الله عليه وآله) خواصاً جسديةً في عالم المادة، و لعين الانسان قدرة محددة في النظر.

===========

الهوامش: 1. سورة النجم، الآية 5 ـ 18. المقال رداً على السؤال: جاء في بداية سورة الأسراء من القرآن الكريم ما نصه: «سُبحانَ الذي أسرى بعبده ليلا من المسجدِ الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حولَهُ لنُريَهُ من آياتِنا إنّهُ هو السميعُ البصيرُ». أجيبونا رجاءً لماذا أسرى بالنبي المنتجب؟ إن قلنا إنّ الله تعالى كان يريد أن يُري مكانه له فهذا ليس بصحيح، لأنّه ليس لله مكان محدد و هو موجود في كل مكان، و اذا كان المراد اطلاعه على الكواكب و المجرات و المناظر المتميزة لعالم الخلقة يرد الاشكال أيضاً، لأنّنا ـ نحن المسلمون ـ نعتقد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)و الائمة (عليهم السلام) يحيط علمهم بكل شيء.
2024/03/28

ما حقيقة حادثة «ردّ الشمس»؟ ولماذا أخّر الإمام علي (ع) الصلاة؟!
لا معنى لهذا السؤال فإنَّ مثل عليٍّ (ع) إمام المتقين لن يؤخِّر الصلاة عن وقتها إلا لعذرٍ، وطروء الأعذار أمرٌ وارد ويتَّفق لكلِّ أحد، لذلك يجبُ حمل التأخير على العذر المسوِّغ شرعاً للتأخير حتى مع عدم الوقوف على طبيعة ذلك العذر بل لو اتَّفق ذلك لأحد المؤمنين المعروفين بالمداومة على أداء الصلاة في وقتها لوجبَ حملُ تأخيره على العذر الشرعي. سبب التأخير بحسب ما أفادته الروايات:

 وكيف كان فالمذكور في الروايات التي تصدَّت لنقل الواقعة أنَّ سبب عدم أداء الإمام (ع) لصلاة العصر في وقتها هو أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان مع النبيَّ (ص) فاتَّفق أنْ تغشَّاه الوحي فاستند إلى صدر أو حجر عليٍّ (ع) -وكان النبيُّ (ص) إذا تغشَّاه الوحي يثقل- حتى ورد أنَّه إذا نزل عليه الوحي وكان على ناقته فإنَّها تبرُك لثقله، وكان يتصبَّب منه العرق مثل الجمان في اليوم الشاتي، وكانت تنتابه مثلُ الغَشية إلى أن يرتفع عنه الوحي(1)، فكرِه أميرُ المؤمنين(ع) أنْ يُؤذِي رسول الله (ص) بقيامه عنه للصلاة، ثم إنَّه لم ينقضِ الوحي حتى غابت الشمس أو كادت، فهذا هو منشأُ فوات الوقت لصلاة العصر عن الإمام (ع)

وقد نصَّت الروايات -على اختلاف ألسنتها على ذلك- فمِن ذلك ما أورده الكليني بسنده عن الإمام الصادق (ع) عن أمير المؤمنين (ع) يروي ما وقع له مع النبيِّ (ص) فقال فيما قال: ثُمَّ خَفَقَ -النبيٌّ (ص)- حَتَّى غَطَّ وحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسَه عَنْ فَخِذِي فَأَكُونَ قَدْ آذَيْتُ رَسُولَ اللَّه (ص) حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ وفَاتَتْ فَانْتَبَه رَسُولُ اللَّه (ص) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ صَلَّيْتَ قُلْتُ: لَا قَالَ: ولِمَ ذَلِكَ قُلْتُ: كَرِهْتُ أَنْ أُوذِيَكَ .."(2) وأورد الشيخ الصدوق في علل الشرائع أنَّ النبيَّ (ص) قال حينها: "اللهم إنَّ هذا عبدُك عليٌّ احتبس نفسه على نبيِّك فردَّ عليه شرقها فطلعت الشمس فطلعت الشمس فلم يبق جبل ولا أرض إلا طلعت عليه الشمس ثم قام علي (عليه السلام) وصلَّى .."(3).

وأمَّا لماذا لم يصلِّ الإمام (ع) العصر قبل ذلك مع النبيِّ (ص) فالوارد أنَّ النبيَّ (ص) بعث الإمام (ع) بعد صلاة الظهر لحاجةٍ فما عاد من قضائها إلا وقد صلَّى النبيُّ (ص) العصرَ بعد دخول وقتها، ففي رواية الشيخ الصدوق بسنده عن أسماء بنت عميس قالت: ".. فصلَّى رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله) الظهر ثم دعا عليَّاً (ع) فاستعانَ به في بعض حاجتِه ثم جاءت العصر فقام النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) فصلَّى العصر فجاء عليٌّ (ع) .."(4).

لماذا لم يصلِّها إيماءً:

وما قد يُقال إنَّه كان في وِسْع الإمام (ع) أنْ يصلِّيَ العصر إيماءً، فلا يُؤذي رسولَ الله (ص) وهو يوحى إليه بالقيام عنه للصلاة وفي ذات الوقت يكون قد أدَّى صلاة العصر في وقتها.

والجواب:

إنَّ الغايةَ من ردِّ الشمس لعليٍّ (ع) هو لكي يُؤدِّي الصلاة الاختياريَّة في وقتها تكريماً لإيثاره وإلا فمِن المقطوع به أنَّ عليَّاً (ع) قد أدَّى الصلاة إيماءً حين كان النبيُّ (ص) مستنداً إليه، فعليٌّ (ع) لا يفتُرُ عن ذكر الله تعالى على أيِّ حال وفي كلِّ آن، فكيفَ يغفلُ عن أداء الصلاة إيماءً في مثل هذا الظرف والحال أنَّه كان يؤدِّي نوافله في حروبه وهو مشتغل بالقتال كما ثبت عنه، وفي شأنه نزلَ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(5)(6).

هذا وقد نصَّ خبرُ الشيخ المفيد في الإرشاد الذي أورده عن أسماءُ بنت عميس، وأمّ سلمة زوجِ النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيدٍ الخدري، في جماعةٍ من الصحابة أنَّ الإمام (ص) صلَّى حينها إيماءً قبل أنْ تغيب الشمس فردَّها الله تعالى إليه ليصلِّي العصر صلاة المختار قال: ".. فلمَّا تغشَّاه الوحي توسَّد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يرفع رأسه عنه حتى غابت الشمس، فاضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك إلى صلاة العصر جالسا يومئ بركوعه وسجوده إيماء، فلمَّا أفاق من غشيته قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أفاتتك صلاة العصر؟

قال له: "لم أستطع أنْ أصلِّيها قائماً لمكانك يا رسول الله، والحال التي كنت عليها في استماع الوحي" فقال له: "ادع الله ليرد عليك الشمس حتى تصليها قائما في وقتها كما فاتتك، فإنَّ الله يجيبك لطاعتك لله ورسوله" فسأل أمير المؤمنين الله عزَّ اسمُه في رد الشمس، فردت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلَّى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة العصر في وقتها ثم غربت"(7).

سبب التأخير في الواقعة الأخرى لردِّ الشمس:

هذا ما يرتبط بالمرَّة الأولى التي رُدَّت فيها الشمس لعليٍّ (ع) وكان ذلك في حياة رسول الله (ص) وأمَّا سبب تأخيره (ع) لصلاة العصر في المرَّة الثانية والتي كانت في أيام خلافته فيتَّضح -مثلاً- من ملاحظة ما أورده الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه مَن لا يحضره الفقيه: فقد روى بسنده عن جويرية بن مسهر أنه قال: "أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من قتل الخوارج حتى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل الناس، فقال عليٌّ (عليه السلام): أيُّها الناس إنَّ هذه أرضٌ ملعونة قد عُذِّبت في الدهر ثلاث مرَّات، وفي خبر آخر مرَّتين وهي تتوقع الثالثة وهي إحدى المُؤتفِكات، وهي أول أرض عُبِد فيها وثن، وإنه لا يحلُّ لنبيٍّ ولا لوصيِّ نبيٍّ أنْ يصلِّي فيها، فمَن أراد منكم أنْ يُصلِّيَ فليصلِّ، فمالَ الناسُ عن جنبي الطريق يُصلُّون وركبَ هو (عليه السلام) بغلةَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ومضى، قال جويرية فقلتُ: واللهِ لأتبعنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ولأقلِّدنَّه صلاتي اليوم، فمضيتُ خلفَه، فوالله ما جزنا جسر سوراء حتى غابت الشمس فشككتُ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا جويرية أشككتَ؟ فقلتُ: نعم يا أمير المؤمنين، فنزل (عليه السلام) عن ناحية فتوضأ ثم قام، فنطق بكلامٍ لا أُحسنه .. ثم نادى الصلاة فنظرتُ واللهِ إلى الشمس قد خرجتْ من بين جبلين لها صريرٌ فصلَّى العصر وصلَّيتُ معه .."(8).

فالواضحُ من الرواية أنَّ منشأ تأخيره (ع) لصلاة العصر هو أنَّه لم يكن يحلُّ له أن يصلِّي في تلك الأرض وأنَّ ذلك كان من خصائص رسول الله (ص) وصيِّه (ع) فقد كانت لرسول الله (ص) ولوصيِّه أحكامٌ خاصَّة لم تكن لسائر المكلَّفين، فلم يكن يسعُه لذلك أنْ يصلِّيَ امتثالاً لنهي الله تعالى وأمره. تماماً كما أنَّه لا يسع المكلَّف أنْ يصوم في يوم العيد، ولا يسع النفساء أنْ تُصلِّي في ظرف النفاس، ولا يسع المسافرُ أنْ يصلِّي أربعاً كذلك هو الشأن في المقام فإنَّه إذا لم يكن يحلُّ للنبيِّ (ص) والوصي (ع) الصلاة في بقعةٍ محدَّدة فإنَّه لا يسعهما إلا الامتثال لذلك، فتركُ الصلاة في ذلك الموضع -بحسب الرواية- كان عزيمة، لذلك تعيَّن عليه لزاماً تأخيرها إلى أنْ يتجاوز ذلك الموضع.

=============

الهوامش: 1- تفسير القمي ج2 / ص369، بحار الأنوار -المجلسي- ج 18 / ص263، المصنف -الصنعاني- ج5 / ص418، المعجم الكبير -الطبراني- ج 23 / ص55، الدر المنثور -السيوطي- ج2 / ص203، 252، جامع البيان -الطبري- ج6 / ص111-112، مسند أحمد ج2 / ص176، ج6 / ص458، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج1 / ص197، تفسير القرآن -الصنعاني- ج1 / ص182. 2- الكافي -الكليني- ج4 / ص562. 3- علل الشرائع -الصدوق- ج2/ ص352، المعجم الكبير -الطبراني- ج24 / ص145، مجمع الزوائد -الهيثمي- ج8 / ص297. 4-علل الشرائع -الصدوق- ج2 / ص352، المعجم الكبير -الطبراني- ج24 / 145، مجمع الزوائد -الهيثمي- ج8 / ص297، عمدة القاري -العيني- ج15 / ص43 وعلق على الخبر بقوله: وذكره الطحاوي في (مشكل الآثار، قال: وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من أجل علامات النبوة. وقال: وهو حديث متصل، ورواته ثقات وإعلال ابن الجوزي هذا الحديث لا يلتفت إليه. 5- سورة آل عمران / 191. 6- الأمالي -الطوسي- ص471، البرهان في تفسير القرآن -السيد هاشم البحراني- ج1 / ص727، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج1 / ص159. 7- الإرشاد -المفيد- ج1 / ص246، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص350، كشف الغمة -الأربلي- ج1 / ص285، كشف اليقين -العلامة الحلي- ص112. 8- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج1 / ص204.
2024/03/27

ما هي أسباب «ضغطة القبر»؟ وكيف تنجو منها؟!
کتب المرحوم الشیخ عباس القمي في کتابه الشریف «منازل الآخرة»:«أحد منازل الآخرة المهولة: القبر، فإنه في کل یوم یقول: أنا بیت الغربة، أنا بیت الوحشة، أنا بیت الدود، ولهذا المنزل عقبات صعبة جداً، ومنازل ضیقة ومهولة، ثم یشیر إلی عدة عقبات، ویقول: العقبة الأولی: وحشة القبر، العقبة الثانیة: ضغطة القبر، والعقبة الثالثة: مسألة منکر ونکیر في القبر».

وقد وردت روایات تصرح بأن منزل القبر صعب جداً، لکنه سهل للمؤمن، وعلی أي حال: في القبر، ظلمة ووحشة، غربة، ضغطة، وأسألة عقائدیة وسلوکیة صعبة وشاقة للغایة، روي عن أمیر المؤمنين علي(عليه السلام) أنه قال: «يا عباد الله ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت القبر فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته و غربته إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة أنا بيت التراب أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود و الهوام و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار... وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا فينهشن لحمه و يكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة و أجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا...». [1]

لکن المهم أن نعرف أولاً: ما سبب ضغطة أو عذاب القبر؟ وثانیاً: أي الأسباب تنجي من ضعطة وعذاب القبر؟ وثالثاً: عن ماذا یسأل في القبر؟ وبأي کیفیة؟ روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: «أیما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجة وهو یقدر علی قضائها ولم یقضها له سلط الله علیه شجاعاً في قبره ینهش أصابعه».[2]

أسباب ضغطة القبر:

أما أسباب ضغطة القبر فهي کالتالي:

1- إضاعة النعم الإلهیة.

2- عدم الاحتراز من البول، والاستخفاف به، یعني استسهاله، وعدم رعایة الطهارة والنجاسة.

3- النمیمة.

4- الغيبة

5- ابتعاد الرجل عن أهله.

6- سوء الخلق وغلظة القول مع أهله.

أسباب النجاة من عذاب القبر:

1- قراءة سورة النساء في کل جمعة.

2- المداومة علی قراءة سورة الزخرف.

3- قراءة سورة القلم في الفریضة أو النافلة. 

4- من مات بین زوال الشمس من یوم الخمیس إلی زوال الشمس من یوم الجمعه .

5- صلاة اللیل.

6- وضع جریدتین رطبتین مع المیت (تحت أبط المیت الیمنی والیسری).

7- وردت روایات کثیرة في استحباب رش القبر بالماء بعد دفن الميت و إبقاء القبر رطباً،مادامت الجریدتین رطبتین،فإن الله یرفع عنه العذاب ما دام القبر رطباً.

8- الصلاة عشر رکعات في اول یوم من رجب ف کل رکعة فاتحة الکتاب مرة و قل هو الله أحد ثلاث مرات.(منازل الاخرة).

9- الصیام 4 أیام من رجب.

10– الصیام 12 یوماً من شعبان .

11- قراءة سورة «تبارک الملک»فوق قبر الميت .

12- أن یقرأ هذا الدعاء إلی جانبه بعد دفن الميت«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا تُعَذِّبَ هَذَا الْمَيِّتَ إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ»[3]، وروي أنه هذا الدعاء یقرأ ثلاث مرات.

13- صلاة رکعتین في لیلة الجمعة؛ روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنه قال:«من صلی لیلة الجمعة رکعتین یقرأ فیهما بفاتحة الکتاب وإذا زلزلت الأرض زلزالها خمس عشرة مرة آمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال یوم القیامة».[4]

السؤال و الجواب في القبر:

من المسلمات الاعتقادية في المذهب الشيعي: الاعتقاد بالسؤال و الجواب في القبر. روي عن الامام الصادق(ع) قال: «من أنکر ثلاثة أشیاء، فلیس من شیعتنا: 1- المعراج 2- المسائلة في القبر 3- الشفاعة».[5]

ویستفاد من روایات کثیرة: أن الله ینزل علی الانسان بعد الموت ملکین اسماهما ناکر ونکیر أو منکر ونکیر فیسألانه عن أصوله وعقائده، التوحید، النبوة، الولایة، وکیف أنفق ماله، واکتسبه، فإن کان مؤمناً أجاب، فتعمه رحمة الحق ورعایته، وإن لم یکن مؤمناً، صمت ولم یجب، وابتلي بالعذاب الشدید البرزخي في قبره. 

وفي روایات أخری: یأتي الملکان منکر ونکیر بهیئة موحشة مرعبة حین یدفن المیت، أصواتهما کالرعد القاصف، وأبصارهما کالبرق الخاطف، فیکون الجواب في تلک الحال صعباً جداً، ولهذا، یستحب تلقین المیت مرتین . روي: « أن الامام علي بن الحسين(ع) کان یعظ الناس ویزهدهم في الدنیا، ویرغبهم في أعمال الآخرة، بهذا الکلام في کل جمعة في مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وحفظ عنه وکتب کان یقول: أیها الناس اتقوا الله وأعلموا أنکم إلیه ترجعون...».[6]

و ورد أیضاً في کلام له علیه السلام إشارة منه إلی مجيء منکر ونکیر إلی المیت في القبر، بشکل مخیف ومرعب، فقال علیه السلام: « «أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ وَ عَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ و عَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ وَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ وَ عَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْتَ أَنْفَقْتَهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الِامْتِحَانِ وَ الْمُسَائَلَةِ وَ الِاخْتِبَارِ فَإِنْ تَكُ مُؤْمِناً عَارِفاً بِدِينِكَ مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ وَ أَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ وَ أَحْسَنْتَ الْجَوَابَ وَ بُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَ الْجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ وَ دُحِضَتْ حُجَّتُكَ وَ عَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ وَ بُشِّرْتَ بِالنَّارِ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ».[7]

الهوامش: [1] (بحار الانوار، ج6، ص 218، باب 8 - أحوال البرزخ والقبر وعذابه). [2] (بحار، ج 74، ص330). [3] (ثقة الاسلام حاجي نوري، مستدرک الوسائل ج 2 ص 372 باب 49 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند...). [4] مصباح المتهجد،ص228. [5] نتائج الأفکار،السید الگلبایگاني،ج1، ص211. [6] الکاف،الکلیني،ج8،ص72،ح29. [7] (الکليني، الكافي ج 8 ص 72 و محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج 6 ص 223 حديث 24).
2024/02/18

2024/02/03

هل يمكن إثبات وجود «الروح» علمياً؟!
لتوضيح هذا السؤال لابدّ من التفريق بين موضوعات العلوم، ومن ثمّ النظر إلى الروح لمعرفة العلم الذي يجب أن يبحث فيه.

[اشترك]

وبشكل عام يمكننا تقسيم موضوعات العلوم إلى موضوعات تنتمي إلى الطبيعة الحسيّة والماديّة، وإلى موضوعات تنتمي إلى ما هو خارج حدود الحسّ والمادّة. وفي القسم الأول تهتمّ العلوم بدراسة الظواهر الطبيعيّة والماديّة، في حين يهتمّ القسم الثاني بدراسة الظاهرة الإنسانيّة، والفرق بين العلمين يعود إلى ثلاث فروقات أساسية:

الفرق الأول: من حيث الموضوع: فالعلوم الطبيعيّة ترصد الأجسام الثابتة والمتغيّرة، سواءً كانت من العناصر الطبيعيّة، أو الكائنات الحيّة، أو النباتات. بينما العلوم الإنسانيّة ترصد الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً ومريداً، فالإنسان لا يمكن رصده وتقييمه ضمن إطار مادّي خارجيّ فحسب، لأنّه موجود له (قصد)، أي أنّ هناك دوافع إنسانيّة داخليّة تحدّد سلوكه، لا يمكن الوصول إليها عن طريق الرصد الماديّ وإدخاله ضمن قانون السببيّة الماديّة وقوانين الطبيعة، فمعرفة الظاهرة الإنسانيّة لا تقوم على الوصف والشرح كما هو الحال في الظاهرة الطبيعيّة، وإنّما تحتاج إلى تعقّلٍ وإدراك وتفهّمٍ يقوم على التعاطف والمعايشة، ومن ثَمّ كشف مخزونه الداخليّ.

الفرق الثاني: من حيث الغاية والهدف: غاية العلوم الطبيعيّة هو تفسير العالم الطبيعيّ وما فيه من ظواهر عن طريق إرجاع كلّ ظاهرة إلى أسبابها الماديّة المباشرة، ومن ثمّ وضع نظريّات تصلح لفهم ما يدور في الطبيعة، ولذا يبتعد هذا العلم عن التفسيرات الغيبيّة والدينيّة. بينما نجد العلوم المهتمّة بمعرفة الإنسان تبحث عن الغايات والأهداف التي تحرّك السلوك الإراديّ للإنسان، وهي في الغالب أهداف وغايات غير ماديّة، وهنا يدخل الدين والوحي الإلهيّ بوصفه الأكثر قدرة على كشف الحقائق الباطنيّة للإنسان، مضافاً إلى كونه الأقدر في رسم الغايات والأهداف التي يجب أن يسير عليها الإنسان.

الفرق الثالث: من حيث المنهج: تعتمد العلوم الطبيعيّة على منهج واحد وهو التجربة الحسّيّة، بينما نجد العلوم الإنسانيّة تعتمد العقل البرهانيّ أو العقل الاستنباطيّ، سواءً عن طريق الأوّليّات العقليّة أو عن طريق الاستقراء وجمع الشواهد، مضافاً إلى ذلك تعتمد أيضاً على الوحي ورسالات الله للإنسان.

وإذا اتضح ذلك، علمنا أنّ الروح لا يمكن أن يكون موضوعاً للعلوم الطبيعيّة والتجريبيّة، بل ليس من حقّ هذا العلم إثبات أو نفي وجود الروح، فهو ليس عنصراً ماديّاً يمكن إخضاعه لشروط التجربة والمختبر.

ينقل عزمي بشارة عن فرح أنطوان قوله: (إنّ العلم نفسه لا ينكر عجزه في بعض الأحيان، مثال ذلك: أنّ العلم يفترض وجود المادّة التي كُوّن العالم منها لتعليل وجود الكون.. وهو يفترض وجود النفس.. فإذا كان العلم نفسه لا يزال إلى اليوم يبني قواعده على افتراض حتّى في المسائل العلميّة، فكيف يجوز له إنكار الأمور القلبّية.. مثال ذلك: شعور كلّ نفس بوجودها الذاتيّ، فهي تقول: (أنا)، وتعرف أنّها مستقلّة قائمة بذاتها، وشعور القلب بلذّة الفضيلة والصلاح ونزوع الإنسان إلى عالمٍ آخر) [العلمانية والدين ص267)

والخطأ الكبير الذي يقع فيه البعض: هو اعتقادهم بوجود تنافر بين العلوم التي تهتمّ بالمادّة والعلوم التي تهتمّ بالمعنى، والسبب في ذلك يعود إلى الفهم المشوّه لحقيقة الإنسان، وبالتالي العامل الأكثر تأثيراً في الجمع بين هذه العلوم هو الانطلاق من التقييم الموضوعيّ والواقعيّ للإنسان. وهذا لا يتحقّق إلّا بالاعتراف بكون الإنسان كائناً مركّباً من مادّة وروح، فالرؤية الكونيّة الماديّة تغطّي جوانب دون أخرى من اهتمامات الإنسان، والرؤية الكونيّة المنطلقة من الجانب الروحيّ قد تغطّي ما أهملته الرؤية المادّيّة، ولكنّها قد تقع في خطأ إهمال ما تغطّيه الرؤية الماديّة. وعليه، من المفترض اعتماد رؤية كونيّة تراعي كلا البعدين – الماديّ والروحيّ - في الإنسان، فإذا أراد العلم التجريبيّ أن يحتكر الحقيقة فعليه أن يستوعب كلّ حاجات الإنسان واهتماماته بما فيها اهتماماته الروحيّة، وهذا ما لم تدّعه العلوم الطبيعيّة لنفسها، وإذا أراد دين من الأديان أن يكون بديلاً حتّى عن العلوم التجريبيّة، فيجب أن يكون لديه إجابات حول كلّ العلوم الطبيعيّة، وهذا ما لم يتبنّاه دين من الأديان.

فالاهتمام بالجانب الماديّ للإنسان ضروريّ، ولكن بشرط ألّا يكون على حساب الجانب الروحيّ لديه، فكما أنّ الإنسان يشعر بحاجة ماديّة كذلك يشعر بحاجة روحيّة، والإفراط والتفريط في أيّ واحد منهما قد يحقّقان مكاسباً في جهة ولكن على حساب خسائر في جهة أخرى. وهكذا يبقى الانسان ضائعاً وفي حاجة أبديّة لمَن يحقّق له توازن الروح والجسد.

وفي محصّلة الاجابة على السؤال، فإنّ الروح من الحقائق التي لا يمكن إدراكها بالعوامل الحسّيّة، ويكفي في إثبات وجوده شعور الإنسان به، وتفاعله مع آثاره الواضحة في جميع شؤون الحياة، فلا يحتاج إثبات وجوده إلى ملامسته باليد، أو رؤيتها بالبصر، أو حصره في المختبر، وكما أنّ الجميع معترف بوجود العقل من غير أن يروه بالبصر أو يشمّوه بالأنف أو يلمسوه باليد، كذلك الحال في وجود الروح فهي ظاهرة بذاتها، ودالّة على نفسها بنفسها.

*المقال رداً على سؤال: هل يمكن إثبات وجود الروح بالتجربة العلمية؟
2023/12/29

هل مصحف فاطمة (ع) هو قرآن الشيعة؟!
لقد كثُر الكلام حول ما يُسمى بمُصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) ، و لقد حاول أعداء أهل البيت ( عليهم السَّلام ) التشنيع على الشيعة من خلال اتهامهم بأن لهم قرآناً آخر يأخذون منه أحكام الدين غير القرآن الكريم يُسمونه مصحف فاطمة.

[اشترك]
هذا ما يقوله أعداء مدرسة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) ، و هو اتهام رخيص ليس له أي قيمة علمية ، إذ سرعان ما يجد الباحث بطلان هذا الكلام لدى رجوعه إلى الواقع الخارجي ، ولدى مراجعته للنصوص المأثورة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) .

ثم أن هذا الاتهام ليس جديداً ، بل يصل تاريخه إلى عهد الأمويين و العباسيين الذين عاصروا الأئمة ( عليهم السَّلام ) ، و يدل على ذلك أسئلة الرّوات و أجوبة الأئمة ( عليهم السلام ) و تصريحاتهم النافية بشكل قاطع كون مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) قرآن آخر.

لكن رغم كل ذلك ورغم الإجابات المتكررة التي أجاب بها العلماء الأفاضل في مختلف العصور عن هذا السؤال فإننا نجد أن هناك من يجد بُغيته في اتهام الشيعة بهذا الاتهام ، و لا يدفعه إلى ذلك طبعاً سوى المرض أو الجهل .
أما الآن لنرى ما هو المقصود من مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) عند أهل البيت ( عليهم السَّلام ) وعند أتباعهم الشيعة الإمامية الاثنا عشرية .
لمعرفة ذلك لابد و إن نعرف أولاً المعنى اللغوي لكلمة المصحف ، ثم نأتي بعد ذلك إلى الروايات والأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) كي نعرف حقيقة مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) .

المعنى اللغوي للمصحف

قال الفرّاء في لفظ المصحف : " و قد استثقلت العرب الضمّة فكسرت ميمها و أصلها الضم ، من ذلك مِصحف ... ، لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف جمُعت فيه الصُحف " 1 .
و قال أبو الهلال العسكري في الفروق اللغوية : " الفرق بين الكتاب و المصحف ، أن الكتاب يكون ورقة واحدة و يكون جملة أوراق ، و المصحف لا يكون إلا جماعة أوراق صحفت ، أي جمع بعضها إلى بعض " 2 .
و كلمة مصحف مأخوذة من الصحيفة و هي القرطاس المكتوب ، و المصحف ـ مثلث الميم ـ هو ما جُمع من الصحف بين دفتي الكتاب المشدود ، و لذلك قيل للقرآن مصحف ، و عليه فكل كتاب يسمى مصحفاً 3 .
و قال ابن بابويه : صحيفة فاطمة ، أو مصحف فاطمة ، أو كتاب فاطمة ، ورد التعبير بكل ذلك عن كتاب ينسب إليها ( عليها السَّلام ) 4 .

و يقول الدكتور حسين علي محفوظ 5 رحمه الله: المصحف هو مجموعة الصحف6.

ما هو مصحف فاطمة ؟

مصحف فاطمة الزهراء ( عليها السَّلام ) هو كتاب عظيم المنزلة أملاه جبرائيل الأمين على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( عليها السَّلام ) بعد وفاة أبيها رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) و ذلك تسكيناً لها على حزنها لفقد أبيها ( صلَّى الله عليه و آله ) .
أما كاتب هذا الكتاب هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) ، فقد كتبه بخطه المبارك .
و مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) يُعتبر من جملة ودائع الإمامة ، قال الإمام الرضا ( عليه السَّلام ) ـ و هو يَعُّد علامات الإمام المعصوم ( عليه السَّلام ) ـ : " ... و يكون عنده مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) " 7 .
أما بالنسبة إلى مكان وجود هذا المصحف في الحال الحاضر فهو اليوم موجود عند الإمام المهدي المنتظر ( عجَّل الله فرَجَه ) .
و يُعتبر هذا المصحف أول مصنف في الإسلام ، حيث أن الزهراء ( عليها السَّلام ) توفيت في الثالث من شهر جمادى الأولى عام 11 هجري 8 ، و لم يكتب قبل هذا التاريخ كتاب في عصر الإسلام .
فمصحف فاطمة هو مجموع حديث جبرائيل الأمين لفاطمة ( عليها السلام ) فهو وحي غير معجز كالحديث القدسي 9 و النبوي .
و لا غرابة في ذلك إذ أن الزهراء ( عليها السَّلام ) كانت محدّثة ، و ليست الزهراء هي الوحيدة التي حدّثتها الملائكة ، فقد كانت مريم بنت عمران محدّثة ، كما كانت أم موسى بن عمران ( عليه السَّلام ) محدّثة ، و سارة زوجة النبي إبراهيم ( عليه السَّلام ) أيضاً كانت محدّثة فقد رأت الملائكة فبشروها بإسحاق و يعقوب .
ذلك أن الحديث مع الملائكة رغم أهميته و عظمته فهو ليس من علامات النبوة و خصائصها ، فمن ذكرناهن لسن من جملة الأنبياء كما هو واضح ، لكن الملائكة تحدثت إليهن ، و إلى هذا يشير محمد بن أبي بكر قائلاً :
إن مريم لم تكن نبية و كانت محدّثة ، و أم موسى بن عمران كانت محدّثة و لم تكن نبية ، و سارة امرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة فبشروها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب و لم تكن نبية ، و فاطمة بنت رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) كانت محدّثة و لم تكن نبية " 10 .

المعصومون و مصحف فاطمة عليها السلام

عندما سئل الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) عن مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) قال : " إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) خمسة و سبعين يوماً ، و كان دخلها حزنٌ شديد على أبيها ، و كان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءَها على أبيها ، و يُطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانِه ، و يخُبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، و كان عليّ ( عليه السَّلام ) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة " 11 .
عن حمّاد بن عثمان ، عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) أنه لما سأله : و ما مصحف فاطمة ؟
قال ( عليه السَّلام ) : " ... إن الله تعالى لمّا قبض نبيه ، ( صلَّى الله عليه و آله ) دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عَزَّ و جَلَّ ، فأرسل الله إليها ملكا يسلّي غمّها و يحدثها ، فشكت 12 ذلك إلى أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) فقال : إذا أحسست بذلك و سمعت الصوت قولي لي ، فأعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) يكتب كلّما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً " .
ثم قال : " أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم ما يكون " 13 .

ليس في مصحف فاطمة شيء من القرآن

قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " و إن عندنا لمصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) و ما يدريهما مصحف فاطمة ، مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات 14 ، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد ، إنما هو شيء أملاه الله و أوحى إليها " 15 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... مصحف فاطمة ما فيه آية من القرآن ... " 16 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " و عندنا مصحف فاطمة ( عليها السَّلام ) أما والله ما فيه حرف من القران ... " 17 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله ، و إنما هو شيء القي عليها بعد موت أبيها ( صلى الله عليهما ) " 18 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... وفيه مصحف فاطمة ، و ما فيه آية من القران " 19 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... و عندنا مصحف فاطمة ، أما والله ما هو بالقران " 20 .

ما يحتويه مصحف فاطمة عليها السلام

قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... و كان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءَها على أبيها ، و يُطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانِه ، و يخُبرها بما يكون بعدها في ذريتها ... " 21 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... و ليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصية فاطمة " 22 .
و قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم ما يكون " 23 .
و في الإمامة و التبصرة ، لابن بابويه القمي : صحيفة فاطمة أو مصحف فاطمة ، أو كتاب فاطمة ، ورد التعبير بكل ذلك عن كتاب ينسب إليها ( عليها السَّلام ) ، كان عند الأئمة ، وردت فيه أسماء من يملك من الملوك 24 .
مصحف فاطمة : ففيه ما يكون من حادث و أسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة 25 .
و قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) : الظاهر من أكثر الأخبار اشتمال مصحفها على الأخبار فقط ... 26 

الهوامش: 1. إصلاح المنطق : 354 ، لابن سكّيت ، و الصحاح : 4 / 1384 ، للجوهري .
2. الفروق اللغوية : 447 .
3. دائرة المعارف الحسينية / معجم المصنفات : 1 / 19 ، لآية الله المُحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي ( حفظه الله ) .
4. الإمامة و التبصرة : 12 .
5. العلامة الدكتور حسين علي محفوظ مؤرخ ، جغرافي ، لغوي ، فقيه ، أديب ، شاعر ، كتب في الاختصاصات المختلفة ، قدم أكثر من 400 اثر بين كتاب و دراسة و مقالة و بحث .
هو حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد الجواد بن الشيخ موسى بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد آل محفوظ ، الوشامي الأسدي ، من بني أسد بن خزيمة ، من مضر .
ينتمي إلى بيت علمي عربي عراقي قديم ( آل محفوظ ) ينتهي نسبهم إلى شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد ـ المتوفى سنة 690 هجرية ـ من بيت أبي العز الأسدي الحلي ، و كان جده محفوظ من أعيان العلماء و أعلام الشريعة في العراق في عصره ، و أم الدكتور حسين من السادة ( آل الورد ) و هم من بني عمر العلويين من ذرية عمر بن يحيي ( 207هـ ) بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ).
ولد الدكتور حسين محفوظ يوم الاثنين 20 شوال 1344هـ المصادف 3/5 /1926م في الكاظمية بالعراق ، و تعلم فيها و تخرج من دار المعلمين العالية سنة 1948م و نال دكتوراه الدولة في الآداب الشرقية ( الأدب المقارن ) سنة 1952م من جامعة طهران .
جمع بين الدراستين القديمة و الحديثة ، و اطلع على أصول التاريخ و الأدب و الثقافة ، و تتلمذ على يد أفاضل أسرته ، و قرأ مقدمات المنطق و الأصول على يد العلماء من أهله ، و روى الحديث ( إجازة ) و سماعا و قراءة عن جماعة من مشايخ المحدثين .
خدم التراث العربي و الإسلامي بتحقيقه و التعريف به و إحيائه و قد أنجز العديد من الدراسات التراثية في مختلف الموضوعات ، و منها العمارة و الفلك و التقويم و الطفل و الزراعة و الصيدلة و علم الوثائق و الخط و الأوزان و المكاييل و المرأة و الحرب ، وقد وضع ( علم المخطوطات ) سنة 1975م و جمع ضوابطه و قواعده و مصطلحاته ، و ألف ( مصطلحات المخطوطات ) و ( مصطلحات المكتبة العربية ).
ألف عدة معاجم منها : ( معجم الآلات و الأدوات ) و معجم ( العلامات و الرموز ) و معجم ( الأضداد ) و معجم ( الألوان ) و قاموس التراث و اهتم بدراسة تاريخ البلدان .
شارك و مثّل العراق في عشرات المؤتمرات العالمية و الإستشراقية و الندوات و المجالس العلمية و الحلقات الدراسية و المهرجانات الأدبية في البلدان العربية و الأجنبية .
لُقب بشيخ بغداد و ذاكرة التاريخ و المكتبة المتنقلة و غيرها من الألقاب المعبرة عن عبقريته و غزارة علمه .
توفي في مساء يوم الاثنين 19/ 1/ 2009م الموافق: 23 محرم 1430هـ ببغداد عن عمر يناهز الثالثة و الثمانين و دُفن في الصحن الكاظمي الشريف .
6. قاله في مقابلة أجرته نجاة عبد الله و نشرت في موقع النور الالكتروني بتاريخ: 2008/11/11
7. الخصال : 528 ، و بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 25 / 117 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .
8. دائرة المعارف الحسينية / معجم المصنفات : 1 / 19 .
9. قال العلامة المُحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) : الحديث القدسي هو كلام الله المنزل ـ لا على وجه الإعجاز ـ الذي حكاه أحد الأنبياء أو أحد الأوصياء ، مثل ما رُوي أن الله تعالى قال: " الصوم لي وأنا اُجزي به " ، يراجع : أصول الحديث و أحكامه في علم الدراية : 20 .
10. بحار الأنوار : 39 / 55 و 39 / 79 .
11. الكافي : 1 / 241 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران . و بحار الأنوار : 22 / 545 ، و بصائر الدرجات : 173 ، لمحمد بن حسن بن فروخ الصَّفار ، المتوفى سنة : 290 هجرية بقم ، الطبعة الثانية ، مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، قم / إيران ، و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 92 ، حديث ( 5387 ) ، لآية الله السيد كاظم القزويني ( رحمه الله ) .
12. أي أخبرت .
13. الكافي : 1 / 240 ، وبصائر الدرجات : 177 ، و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 93 ، حديث ( 5388 ) ، و بحار الأنوار : 26 / 44 .
14. إشارة إلى حجم هذا الكتاب بالقياس إلى القرآن الكريم .
15. بصائر الدرجات : 152 ، و بحار الأنوار : 26 / 39 .
16. بصائر الدرجات : 156 .
17. بصائر الدرجات : 158 و 161 .
18. بصائر الدرجات : 159 .
19. بصائر الدرجات : 160 .
20. بحار الأنوار : 26 / 38 .
21. الكافي : 1 / 241 ، و بحار الأنوار : 22 / 545 ، و بصائر الدرجات : 173 ، حديث ( 6 ) ، و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 92 ، حديث ( 5387 ) .
22. بحار الأنوار : 26 / 43 .
23. الكافي : 1 / 240 ، و بصائر الدرجات : 177 ، حديث ( 18 ) ، و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 93 ، حديث ( 5388 ) ، و بحار الأنوار : 26 / 44 .
24. الإمامة والتبصرة : 12 .
25. الخرائج و الجرائح : 2 / 894 ، أعلام الورى : 285 ، بحار الأنوار : 26 / 18 .
26. بحار الأنوار :26 / 40 .
2023/12/23

كارما وشاكرات وتأمل.. إحذروا سماسرة علم الطاقة!
بعد المراجعة والمتابعة المتأنِّية نسبيًّا لكلمات بعض ذوي الإختصاص العلمي وكلمات بعض الممتهنين والمُسوِّقين لما يُسمَّى بعلوم الطاقة والعلاج بالطاقة خلصتُ إلى عددٍ من النتائج منها:

[اشترك]

الأولى: إنَّ ما يُسمَّى بعلم الطاقة يبتني على أفكارٍ وفلسفاتٍ يناقضُ الكثيرُ منها تعاليم الدين الإسلامي، نعم يُحاولُ المُسوِّقون لهذه الأفكار صياغتها بما يمنع من التنبُّه لانحرافها عن الدين، وحاول بعضُهم أسلَمتَها إلا أنَّ الطابع الوثني والشِركي ظلَّ ماثلًا في الكثير من هذه الأفكار.

الثانية: تابعتُ العديد من كلمات المُسوِّقين العرب لعلم الطاقة فوجدتُهم يحرصون -في المراحل الأولى من التدريب لضحاياهم- على إضفاء الصِبغة العلميَّة الأكاديميَّة وكذلك إضفاء الصبغة الدينيَّة على أفكارهم والمعلومات المزعومة التي يُلقونها جزافًا، ووجدتُهم يحرصون على الاستشهاد ببعض الآيات والروايات على غير هدى، والاستشهاد بكلمات ومصطلحات علم الفيزياء مثلًا، ويحرصون كذلك على سرد القصص التي يزعمون أنَّها وقعت لأفرادٍ انتفعوا من علم الطاقة أو تغيَّرت حياتُهم البائسة إلى سعادةٍ مطلقة، كما يحرصون على استبدال المصطلحات الوثنيَّة إلى مصطلحاتٍ إسلاميَّة ولكن بعد إفراغها من مضمونها الصحيح إلى مضمونٍ وثني أو خرافي، كما وجدتُهم من أكثر الناس قدرةً على التلبيس والخداع والدجل والصياغة للأفكار بما يتناغم والمشاعر المتعطِّشة للخلاص من الضغوط والإحباطات.

الثالثة: أكَّد المختصُّون في مثل علم الفيزياء أنَّ غالبيَّة المعلومات التي يتمُّ تداولُها من قِبل المُسوِّقين لِما يُسمَّى بعلم الطاقة لا تمتُّ للحقائق العلميَّة بصلة وأنَّها لا تعدو الهُراء والاحتيال والعبث بالعقول واستغلال جهل الضحيَّة بالحقائق العلميَّة وحاجتها للإشباع الروحي.

الرابعة: إنَّ الكثير من الأجسام المستعملة لديهم للقياس والكشف المزعوم عن الطاقة السلبيَّة أو الإيجابية في الإنسان أو التي يزعمون أنها تُساعد على جذب الطاقة الإيجابيَّة في الكون وطرد الطاقة السلبيَّة الكثير من هذه الأجسام والرسومات عبارة عن رموز لبعض الأوثان والأصنام والطلاسم التي يُؤمن بها أصحاب الديانات الشرقيَّة الوثنيَّة كالبوذيَّة والهندوسيَّة والطاوية، وبعض هذه الأجسام ليست كذلك ولكنَّها صُمِّمت ثم نُسجتْ حولها أوهامٌ لها انعكاسات إيحائيّة خادعة على نفس المُتلقِّي (الضحيَّة).

الخامسة: الكثير من التدريبات وجلسات التأمُّل التجاوزي الارتقائي والإسترخاء وما يكتنفُها من أفكار واستعمال لبعض الكلمات والترانيم أو الشعارات اللفظيَّة غير العربية ترجعُ في أصولها إلى طقوسٍ وثنيَّة ووسائل العبادة في الديانات الوثنيَّة وبعضها من طرائق الاستدعاء للأرواح.

السادسة: وجدتُ أنَّ لبعض مراتب العلاج بما يسمَّى بالطاقة علاقةً وثيقةَ ببعض أنواع السحر والكهانة والاستفادة من بعض التعويذات السحرية والوثنيَّة والاستعانة بما يسمَّى بالكائنات النوريَّة وبتعبيرٍ أدق هي استعانة بالجنِّ والشياطين.

السابعة: يتمُّ التعلُّم مثلًا لما يُسمَّى بالتخاطر عن بُعد، والخروج من الجسد، والشفاء الخارق، والشفاء بالتقمُّص، والتحكُّم بالأحلام، والعلم بمكنونات النفوس، وقانون الجذب وفكِّ الإرتباط، وهدم الموروث، وتدريبات السيطرة على الطاقة الذاتيَّة، وشحن الطاقة، وضخِّ الطاقة الذاتيَّة للغير، ووسائل تدفُّق الطاقة وغيرها الكثير، وبقطع النظر عن الجدل في إمكانيَّة بعض هذه الأمور فإنَّ الكثير من الوسائل المُعتمدة في ذلك لا أقل في بعض مراحلها شديدة الصلة بما يسمَّى بالسحر الأبيض والاستعانة الطوعية بالأرواح والجن والقوى الغامضة، نعم قد لا يكون المتلقِّي وحتى بعض المدرِّبين عارفًا بحقيقة ما يفعل.

الثامنة: إنَّ من أهم مراحل الاحتراف فيما يُسمَّى بفنِّ علم الطاقة هو التأهُّل لبعض الرياضات والتدريبات الخاصَّة المُفضية بزعمِهم للقدرة على التواصل مع الملائكة ومع ما يُسمَّى بالكائنات النوريَّة ومع الأرواح التي يزعمون أنَّها خيِّرة.

التاسعة: إنَّ حقيقة بعض أساليب العلاج بالطاقة يتمُّ بواسطة الاستدعاء للأرواح وكذلك ما يُسمَّى بالقوى الروحية الخفيَّة والكائنات النورية وبعض الأساليب أشبه شيء بالشعوذة وبعض الأساليب لا تعدو التحفيز للقوَّة الواهمة والمتخَّيلة لدى الإنسان وبعضها تعتمد الإيحاءات الخادعة.

العاشرة: يتحدَّث العديد من الخبراء وكذلك يتحدَّث العديد ممَّن ابتُلِيَ بالانخراط والتعاطي مع ما يُسمَّى بعلوم الطاقة أنَّ لها تأثيرَ المُخدِّرات من حيثُ صعوبة التخلُّص من آثارها وتبعاتها، ولعلَّ منشأ ذلك هو وقوع المُتعاطي لها تحت تأثير الطاقة الوهميَّة وتشكُّل نفسيتِه ومشاعره وأفكاره بما تلقَّاه من أوهامٍ أشعرته بالراحة الكاذبة والاستجمام والتخلُّص من الضغوط النفسيَّة، ولعلَّ منشأ ذلك أيضًا هو وقوعه تحت تأثير السحر التي يتعاطاه سماسرة الطاقة، ولعلَّ من مناشئ ذلك هو الوقوع تحت هيمنة الأرواح والشياطين، ولعلَّ هذه المناشئ مجتمعةً هي سبب الإدمان الذي يبتلي به المنخرطون في هذا السلك.

الحادية عشر: إنَّ بعض ما شاهدناه عبر المواقع الإكترونية من طرائق العلاج بالطاقة في غير بلدنا خادشة للحياء، ويُمكن تصنيف بعضها بالتحرُّش تحت شعار تفريغ الطاقة السلبيَّة أو ضخِّ الطاقة الإيجابيَّة من طريق ما يُعبَّر عنه بالشاكرات ومراكز الطاقة في الجسد والتي منها ما يقع في المناطق المحتشمة أسفل العمود الفقري (منطقة العجان) ويُعبَّر عنها بالقاعدة والجذر وهي الأهم بزعمهم، ومنها ما يقعُ في أسفل السُّرَّة!!

وأخيرًا: إنَّ الراجح عندي أنَّ الكثير من المدرِّبين والذين يعقدون الدورات والذين يُمارسون العلاج بما يُسمَّى بالطاقة عندنا في البلد هم من ضحايا سماسرة الطاقة المنتشرين في العالم، ولا نتَّهم من في بلدنا بتعمُّد خداع الناس وبيع الوهم عليهم إلا أنَّ ذلك لا يُعفيهم من المسئوليَّة، فالمتعيَّن عليهم ترك هذا السلوك وعدم الإصرار على التعاطي مع هذه الخزعبلات والخرافات المستوردة من الديانات الوثنية وأنْ يتقوا الله تعالى وأنْ لا تأخذهم العزَّةُ بالإثم.

أختمُ المقال الذي حرصتُ على إيجازه بمخاطبة الإخوة طلبة العلوم الدينيَّة والخطباء الكرام والمثقفين المحترمين أنْ يأخذوا دورَهم في التوعية والتحذير من سماسرة الطاقة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويعبثون بمعتقدات الناس ربَّما من حيث لا يعلمون، ويعبثون بمشاعرهم ولا سيما النساء مستغلِّين بذلك الضغوط النفسيَّة التي التي يقعُ الكثير من الناس تحت تأثيرها.

2023/12/21

سجن وسمّ وقتل.. هل يؤمن الشيعة بـ «عقيدة الفداء»؟!
عقيدة الفداء عقيدة ذات جذور وثنية كما يؤكد الكثير من الباحثين الغربيين، يقول الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي مؤلف كتاب قصة الحضارة المشهور المؤرخ ول ديورانت: "بأن عوامل عديدة قد أوحت إلى بولس بتلك العقيدة، منها: انقباض نفس بولس وندمه بالصورة التي استحال إليها المسيح في خياله، وتأثره بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم واعتبارهما شرّاً وخبثاً.

[اشترك]

وتأثره كذلك بالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، وتلك عقيدة موجودة عند الوثنيين في مصر وآسيا الصغرى وبلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان"(قصة الحضارة(11/263-265) بتصرف ).

هناك من يسرد الجذور التاريخية لعقيدة الفداء ويلمح لوجود تطابق بينها وبين ما جاء في حديث الإمام الكاظم، الذي جاء فيه: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَضِبَ عَلَى ‏الشِّيعَةِ فَخَيَّرَنِي نَفْسِي أَوْ هُمْ فَوَقَيْتُهُمْ وَاللَّهِ بِنَفْسِي".

ويبدو أن الفهم الذي ارتسم في ذهنه من هذا الحديث هو الذي قاده إلى هذه المقارنة، حيث تصور أن الإمام تحمّل السجن الطويل والألآم حتى مضى شهيداً لكي يفدي الشيعة فلا يؤاخذهم الله بعد ذلك بشيء.

إلا أن هذا الفهم ليس صحيحاً بالمطلق؛ لكونه مخالفاً لنصوص القرآن والسنة ومبايناً تماماً لعقائد الإسلام وتعاليمه، ويكفي في هذا المقام قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وقال: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، الأمر الذي يدعونا إلى صرف هذا المعنى عن الرواية والبحث عن معناها الحقيقي انطلاقاً من الظروف التاريخية التي صدرت فيها هذه الرواية.

بشكل مختصر يمكننا القول إن عهد الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) مهد الطريق بشكل كبير لتمكين الشيعة حتى اصحبوا أكثر تماسكاً وقوة، فبسبب الضعف الذي رافق انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية تمكن الإمامين من تثبيت دعائم المذهب وتأسيس أركانه، فاصبح النفوذ الشيعي وحكرتهم السياسية أكثر حضوراً وتأثيراً، فامتدت ثورات العلويين حتى شملت أكثر البلاد الإسلامية.

وقد جاء عهد الإمام الكاظم (عليه السلام) وكانت الظروف أكثر توتراً بين الشيعة وبين السلطة العباسية، وقد كانت السلطة أكثر تخوفاً وتحرزاً من الإمام إلى درجة أنها كانت تعتقد بأنه هو مهدي آل محمد الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ولذا حرصت السلطة عند مقتله بأن تنادي على جنازته: هذا إمام الرافضة يزعمون أنه لا يموت فانظروا إليه ميتاً.

ومن هنا نفهم جملة الروايات التي تتحدث بتشدد عن ضرورة التقية وكتم أمر أهل البيت (عليهم السلام) فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ"، وعن الصادق عليه السلام قال: "سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ التَّقِيَّةِ يَا حَبِيبُ إِنَّهُ مَنْ كَانَتْ لَهُ تَقِيَّةٌ رَفَعَهُ اللَّهُ يَا حَبِيبُ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَقِيَّةٌ وَضَعَهُ اللَّهُ".

وبسبب هذه التقية تمكن الائمة من أهل البيت من اختراق الاجهزة العليا للدولة وكانت لهم عيون داخل أروقة النظام الحاكم، من أمثال علي بن يقطين، وعلي بن سويد وغيرهم الذين اصبحوا من الدائرة الأولى في السلطة العباسية، وزرع مثل هؤلاء في مناصب قريبة من هرم السلطة يؤكد وجود عمل سياسي قوي ومنظم، فلم يصل هؤلاء إلى هذه المرتبة إلا بعمل دؤوب ولفترة طويلة من التقية، وقد كان في زمن هارون الرشيد العشرات من أمثال علي بن يقطين الذين يعملون في مناصب حساسة في الدولة، وقد ساعد هؤلاء على إفشال الكثير من المخططات التي كانت تستهدف الائمة وشيعتهم.

وفي مقابل هذه الطبقة من أصحاب الائمة والذين كانوا يمثلون كوادر الصف الأول كان هناك الكوادر الوسيطة والدنيا وعامة الشيعة، وما حدث من اختراقات للعمل الرسالي الذي يقوده الائمة كان بسبب التسريبات التي تصدر من هذه الطبقة، فلم يكن الالتزام بالتقية وضرورة الكتمان والعمل السري بنفس القدر الذي اراده الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، الأمر الذي تسبب في اضرار كبيرة في العمل الرسالي، حيث اصبحت السلطة أكثر قدرة على تتبع خيوط العمل الشيعي، مما سبب خطراً كبيراً على الوجود الشيعي من الأساس، فإذا تمكنت السلطة من التعرف على جميع رجالات الشيعة وكوادرها ومن ثم القضاء عليهم لما تبقى للتشيع وجود، الأمر الذي جعل الإمام الكاظم بين خيارين، الأول: أن يكشف هو نفسه للسلطة فتلهوا عما هو دونه، والثاني: أن يترك السلطة تتبع الشيعة وتقضي عليهم واحداً بعد الثاني، ويبدو أن الأمر مشابهاً لما حدث مع الإمام الحسن (عليه السلام) عندما وجد نفسه مخيراً بين مصالحة معاوية والحفاظ على الشيعة وبين أن يحارب ويتسبب في القضاء عليهم، فاختار الإمام الصلح مع معاوية.  

فاختيار الإمام للسجن والقتل كان فيه صرف النظر عن بقية الشيعة، ولذا اختار سلام الله عليه السجن والقتل ظلماً ليحافظ على المشروع الشيعي لكي يبقى ويستمر حتى قيام دولتهم الكبرى دولة الإمام المهدي (عليه السلام).

وفي المحصلة يجب فهم الرواية ضمن السياق التاريخي والظرف السياسي الذي كان يحيط بالإمام الكاظم (عليه السلام)، ولا يمكن فهمها على نحو الفهم الكنسي المستمد من جذور وثنية.

المقال رداً على سؤال: يفدي أحدًا قومه بنفسه لتغفر ذنوبهم!! هذه العقيدة اعتقدها الإغريق في مخلصهم (أبولو)، والرومان (هيروكوليس)، والنصارى في المسيح، ونحن نجد ما يشابهها عند الشيعة، جاء في الكافي عن  موسى الكاظم: «إن الله -عز وجل- غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم، فاخترت نفسي”. لأنهم تركوا التقية كما قال في حاشية الكافي.
2023/12/06

قول «آمين» في الصلاة.. من أين جاءت وما حكمها؟
التأمين في الصلاة، هو قول المُصلي (آمين) بعد إتمام قراء سورة الفاتحة في الصلاة.

[اشترك]

وأصل كلمة (آمين) مأخوذة من النصارى كما جاء بيانه في اخبار أهل البيت (ع). 

فقد روى الشيخ الصدوق في كتابه "من لا يحضره الفقيه:1/390" وإذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة فليقل الذي خلفه (الحمد لله رب العالمين) ولا يجوز أن يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب (آمين) لأن ذلك كانت تقوله النصارى) انتهى.

وروى الشيخ الطوسي في: "تهذيب الأحكام:2 /75 " عن معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد الله -عليه السلام- الإمام الصادق: أقول آمين إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ قال : هم اليهود والنصارى ! ولم يجب في هذا) انتهى.

ويؤيد تلك الاخبار ما جاء في هامش الإنجيل طبعة دار الكتاب المقدس صفحة 548

(آمين) كلمة من الكلمات الآرامية الأربع التي حفظت في النص اليوناني في صيغ العهد الجديد الطقسية. إنها تؤكد على أمانة الرب وإيمان الإنسان خلافا لما كان يفعل الربانيون، كان يسوع يستهل أقواله بقوله (آمين أقول لكم) في الأناجيل الأزائية أكثر من خمسين مثلا على ذلك.. انتهى.

ويعتقد الشيعة الامامية ان عمر بن الخطاب، هو الذي زادها في الصلاة بعد قراءة الفاتحة [إرشاد القلوب ص379]. والعجب كل العجب من أهل السنة، أنهم تركوا شريعة نبيهم وأخذوا بشريعة عمر... وزادوا آمين فيها [كتاب الأربعين ص 565].

لذا قال علماؤنا: تبطل الصلاة بقول: (آمين)، وقال الشيخ الطوسي: سواء كان ذلك سرا، أو جهرا، في آخر الحمد أو قبلها، للامام والمأموم، وعلى كل حال، وادعى الشيخان والسيد المرتضى إجماع الامامية عليه ". 

واستدل له بجملة من النصوص، كمصحح جميل عن أبي عبد الله (ع): " إذا كنت خلف إمام، فقرأ الحمد، وفرغ من قراءتها، فقل أنت: الحمد الله رب العالمين، ولا تقل: آمين ". ونحوه في النهي كذلك مصحح زرارة، وخبر الحلبي. وقد يشير إليه صحيح معاوية ابن وهب: " قلت لابي عبد الله (ع): أقول: آمين، إذا قال الامام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ [مستمسك العروة ج10ص591].

قال الشهيد الثاني قوله: "لا يجوز قول آمين آخر الحمد". هذا هو المشهور بل كاد يكون إجماعا، ومستنده النص عن أئمة الهدى (عل)، وعلل مع ذلك بأنه ليس بقرآن ولا دعاء وإنما هو اسم للدعاء أعني: اللهم استجب، والاسم غير المسمى، فلو قال بدله اللهم استجب لم يضر. ولا فرق في البطلان بين وقوعه آخر الحمد أو غيره من حالات الصلاة كالقنوت. كل ذلك مع عدم التقية..[مسالك الأفهام ج1ص211].

وقد استدل العامة ببعض الأحاديث على مشروعية (التأمـين) ولا تخلوا من عـلل :

مثل حديـث على بن أبي طالب قال : "سمعـت رسول الله إذا قال : ولا الضالين قال : آمين" رواه ابن ماجة ، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال شعبة : ( ما رأيت أحداً أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى ) وقال ابن حبان : (كـان فاحش الخطأ رديء الحفظ فكثرت المناكير في روايته ) وقال الدار قطني : (كان رديء الحفظ كثير الوهم ) وقد ضعفه غير هؤلاء.

ومثل حديث ابن عمـر أن رسـول الله كان إذا قال : ولا الضالين قال آمين.. 

ومثله حديث أبي هريـرة رواهما الدار قطني وفيهما بحر السقا قال البخاري : ( ليس هو عندهم بقوى يحدث عن قتادة بحديث لا أصل له من حديثه ولا يتابع عليه ) وقال النسائي : ( ليس بثقة ولا يكتب حديثه ) وقـال ابن حبان : (كان ممن فحـش خطؤه وكثر وهمه حتى استحـق التـرك ) وقال السعدي : ( سـاقـط ) وقال ابن معـين : ( ليس بشيء ) وقال أبو حاتم : (ضعيف ) وقال أبو داود والدار قطني : ( متروك ) .

ومثل حديث بلال قال: "يا رسول الله لا تسبقني بآمين"رواه أبو داود.

وهذا الحديث مرسل والمرسل من قسم الضعيف عند الجمهور وقد قال الحاكم في الأحكام قيل : ( أن أبا عثمان - وهو الراوي لهذا الحديث عن بلال لم يدرك بلالاً ) 

ومثل حديث أم الحصين أنها صلَّت خلف رسول الله فلما قال : ولا الضالين قال : " آمين " فسمعته وهي في صف النساء . رواه الطبراني .

وهذا الحديث ضعيف ففي إسناده "إسماعيل بن مسلم المكي" قال أبو زرعه : ( ضعيف الحديث ) وقال أبو حاتم : ( ضعيف الحديث مخلـط ) وقال البخاري : ( تركه يحيى وابن مهدي وتركه ابن المبارك وربما ذكـره ) وقال ابن حبان : ( كان فصيحا وهو ضعيف يروي المناكير عن المشاهير ويقلب الأسانيد ) .

ومثل رواية الزُّهـري كـان رسول الله يقول: "آمين". 

وهذه الرواية معضلة وهي تدخل في باب الضعيف فلا تقوم بها حجة.

وقد اختلف القائلون بمشروعية التأمين فقيل: هو للمقتدي والإمام كليهما، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما.

وقيل : هو للمقتدي فقط، وإليه ذهب أبو حنيفة في رواية الحسن ومالك في رواية ابن القاسم وهذا كله في الجهرية وروى عن مالك : لا يؤمن الإمام مطلقا. 

واختلفوا هل المشروع فيه الجهر أو الإخفاء ؟ .

فذهب إلى الأول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق ونسبه القاضي حسين إلى الشافعي في الجديد وذهب إلى الثاني أبو حنيفة ومالك وفي رواية عنه.

المقال رداً على سؤال: سؤال: متى زيد كلمة (آمين) بعد الفاتحة في الصلاة؟
2023/11/21

لماذا يذكر الشيعة علي بن أبي طالب في الأذان؟
إنّ الشيعة الإماميّة لم يذكروا أنّ من فصول الأذان الأصلية «أشهد أنّ علياً ولي الله»، وليس من فصول الإقامة الأصلية، ولكن توجد هناك روايات ذكرها المجلسي وقال بعدها: «لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان».

[اشترك]

وذكر في كتاب الإحتجاج للطبرسي، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إذا قال أحدكم لا إله إلا الله ، محمّد رسول الله ، فليقل علي أمير المؤمنين».

وعليه، فقد ذكر آخرون بأنّه لا بأس بذكر «أشهد أنّ عليّاً وليّ الله» لا على سبيل الجزئيّة في الأذان والإقامة، عملاً بالخبر المذكور.

فمن ذكر من علمائنا أنّ «أشهد أنّ عليّاً وليّ الله» مستحبّة في الأذان، فهو كالصلاة على محمّد صلّى الله عليه وآله عند سماع اسمه، بل قال صاحب الجواهر : «ولولا تسالم الأصحاب ـ على فصول الأذان والإقامة ـ ، لأمكن دعوى الجزئية ـ للشهادة الثالثة ـ؛ بناءً على صلاحيّة العموم، ـ يشير إلى خبر الإحتجاج ـ لمشروعيّة الخصوصيّة » [ راجع جواهر الكلام : ج ۹ / ۸۷ ].

فالخلاصة: إنّ شيوخ الطائفة المتقدّمين والمتأخّرين على استحباب ذكرها، لا مع أنّها جزء من الأذان والإقامة. نعم من يقولها على أنّها جزء من أصل الأذان والإقامة فهو باطل وغير صحيح.

وأقول: إذا سمعت «الله اكبر»، فتقول أنت الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أو يقول المؤذّن ذلك، فهل هذا بدعة وحرام إذا لم يكن جزء من الأذان؟!

وإذا قلت «أشهد أنّ محمّداً رسول الله»، تقول أنت أو المؤذّن شهد بذلك لحمي ودمي وعظمي وشعري. فهل هذا حرام أو مبطل للأذان أو الإقامة؟

طبعاً الجواب منفي، أو نقول صلّى الله عليه وآله، فهل هذا بعد الشهادة بالرسالة حرام أو بدعة ؟!!

طبعاً الجواب منفي، وإذا لم يكن بدعة وحرام ، فالشيعة تقول بعد ذكر الرسالة « أشهد أنّ عليّاً وليّ الله » ، أو « أشهد أنّ عليّاً وأبناءه المعصومين بالحقّ حجج الله » ، فهو أمر مستحب بعد الرسالة وليس من أجزاء الأذان أو الأقامة على فتوى جميع علماء الشيعة الإماميّة حسب تتبّعه. ولم يقل من علماء الشيعة الإماميّة أحد بإستحباب تركها بعد ذكر الرسالة، مع عدم قصد جزئيّتها.

2023/10/10

كرامات وعادات خارقة لغير المؤمن.. حقيقة أم أوهام؟!
قدم علماء الكلام تصنيفات متعدد للظواهر الخارقة للعادة، وقد اعتمدوا في ذلك على السياقات الظرفية والتاريخية المصاحبة لتلك الظواهر، ويبدو أن دافع هذه التصنيفات هو السؤال عن إمكانية ظهور هذه الظواهر الخارقة للعادة على أيدي غير الصالحين؟


فمضافاً للمعجزة التي أجمع المتكلمون على حصرها في الأنبياء تحدثوا أيضاً عن ظواهر خارقة للعادة قد تظهر لأسباب أخرى وهي على النحو التالي:


1. الكرامة: وهي حدوث أمر خارق للعادة على أيدي الأولياء والصالحين، فالله قد يظهر على أيدي أوليائه أموراً خارقة للعادة لحِكمة تستوجب ذلك، يقول السيّد محسن الأمين: "إنّ فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكراماتهم، لا يشكّ فيها أحد، ولكنّ كثيراً من الكرامات التي تنقل على ألسنة النّاس هي مكذوبة، لأنَّ الكرامة لا تأتي عفواً أو متى شاءها الإنسان، وعلى يد كلّ أحد، ومع كلّ مناسبة، وإنما تكون عند موجب قويّ يقتضيها" [رحلات السيّد محسن الأمين، ص 145].
2. الإرهاص: وهو ظهور أمور خارقة للعادة على يد النبي قبل بعثته بهدف تهيئة الناس لقبول دعوته، وقد روي في ذلك الكثير عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) مثل الغمامة التي كانت تظلله في سفرة إلى الشام مع عمه أبي طالب.
3. الإهانة أو المعجزة المقلوبة: وهي أمور خارقة للعادة يجريها الله على ايدي مدعي النبوة كذباً بغية الكشف عن كذبهم، ومثال على ذلك ما حدث مع مسيلمة عندما أخبروه بأن النبي بصق في بئرٍ جافّ فخرج الماء، فذهب مسيلمة إلى بئر فيه ماء قليل فبصق فيه فجفّ، فمع أنه امر خارق للعادة إلا أنّه جاء بالشكل الذي يعاكس دعواه.
4. المغوثة أو المعونة أو الإعانة: وهو أمر خارق للعادة يظهره الله لمصلحة شخص غير صالح بهدف تبرئته من تهمة باطلة منسوبة إليه، وفي ذلك يقول عبد القاهر البغدادي الأشعري: «إن أظهر الله له (يقصد للفاسق) علامةً تدلّ على صدقه وبراءة ساحته مما يُقذف به، جاز ذلك وسمّيناها حينئذ مغوثة (معونة). فالمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء والمغوثات (المعونات) لسائر العباد»
الاستدراج: وهو أن يجري الله الأمر الخارق للعادة على يد غير الصالح بقصد استدراجه، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ)، ويفهم من ذلك أن مجرد ظهور الأمر الخارق للعادة ليس كافياً للحكم بصلاح وإيمان صاحبه.
وبناءً على هذا التقسيم نفهم أن الكرامة هي امر خارق للعادة يجريه الله تعالى على ايدي الأولياء الصالحين دون غيرهم، فمجرد ظهور الأمر الخارق للعادة لا يكون دليلاً على أن صاحبه من أولياء الله الصالحين، وإنما يجب توفر مجموعة من الشروط والقرائين الأخرى التي تدل على أنه فعلاً من أولياء الله الصالحين حتى نحكم بأن الامر الخارق الذي صدر منه هو كرامة له.
قال تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا..) فأولياء الله بحسب هذه الآية يجب أن يتصفوا بالإيمان والتقوى ثم تأتي بعد ذلك البشرى لهم في الحياة الدنيا، والكرامة واحدة من تلك البشريات.
وفي المحصلة إذا صدر خارق العادة من شخص فإن صَدَقَ عليه عنوان الوليّ من خلال العنصرين المشار إليهما في الآية، فهي كرامة، وإلا فليست كرامة، بل ربما تكون استدراجاً؛ لأنّ المفروض أنّ الكرامة قد أُخذ في تعريفها صدورها من الوليّ الصالح. ويُنقل عن الشافعي قوله: «إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترّوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنّة».

هامش: المقال رداً على سؤال: ما هو تفسيركم للكرامات والعادات الخارقة التي تحدث لدى بعض الأشخاص مع عدم انتمائهم إلى الإسلام؟

2023/09/23

ما قصة مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.. مكروه أم مستحب؟!
النظر في النصوص الواردة بهذا الخصوص، وما جاء في كلمات الأعلام في المقام؛ يفضي إلى الفصل والتمييز بين أن يكون ذلك بعد القنوت في المفروضة، وبين غيرها. ودونك تفصيل الحالتين: أ‌-مسح الوجه باليدين بعد قنوت الفرائض:

المشهور بين الأعلام شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعاً-لولا ما نقل عن الجعفي من استحباب ذلك- عدم استحبابه؛ لعدم ورود ما يدلّ على مطلوبيته واستحبابه في خصوص القنوت!.

بل ذهب غير واحد منهم إلى الحكم بكراهته في قنوت الفريضة.قال صاحب العروة في مكروهات القنوت: يكره أن يمرّ بهم(اليدين) على وجهه وصدره عند الوضع. ولم يعلّق عليه الأعلام إلا بضرورة تخصيص الكراهة بقنوت الفرائض وحسب. (انظر-المستمسك ج6،ص510).

وحجة القائلين بالكراهة مكاتبة الحميري، فروي أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) أجابه: ”ردّ اليدين من القنوت على الرأس والوجه؛ غير جائز في الفرائض…".

قال العلامة المجلسي (رحمه الله) تعليقاً عليه: قال الأكثر بعدم استحباب مسح الوجه بعده، وقال بعضهم باستحبابه مطلقاً، قال في المنتهى: هل يستحب أن يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء؟ قيل: نعم، ولم يثبت، وقال في الذكرى: ويمسح وجهه بيديه ويمرهما على لحيته وصدره، قاله الجعفي، وهو مذهب بعض العامة انتهى. والأحوط تركه في المكتوبة؛ للرواية من غير معارض.(بحار الأنوار،ج82،ص199).

ب‌-مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:

لم يرد في النصوص الشريفة ما يدلّ على رجحان مسح الوجه بعد قنوت الصلوات المندوبة بالخصوص، وإنّما جاء  ذلك بعد الدعاء مطلقاً، وهو باطلاقه شامل للقنوت في غير الفرائض.

روى الكليني رحمه الله تعالى بسنده عن ابن القدّاح، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ما أبرز عبدٌ يده إلى الله العزيز الجبار إلا استحيا الله (عزّ وجلّ) أن يردّها صفراً حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدُكم فلا يردّ يده حتى يمسح على وجهه ورأسه.(الكافي ج2، باب أن من دعا استجيب له، ح2).

وطبقاً لهذه الرواية؛ أفتى جملة من الأعلام باستحباب مسح الوجه بعد القنوت في غير الفرائض حتى أنّ الحرّ العاملي (رحمه الله) قد عنون في الوسائل باباً باسم: (استحباب مسح الوجه والرأس والصدر باليدين عند الفراغ من الدعاء في غير الفريضة)، كما صرّح (رحمه الله) بذلك في تعليقه على خبر ابن القدّاح فقال: ذلك مخصوص بغير الدعاء في الفرائض. (وسائل الشيعة،ج7باب: 14).

قلتُ: لا يخفى أنّ الاستحباب مبني على قاعدة التسامح في أدلة السنن . أمّا من لم تثبت عنده القاعدة -كما هو الحال عند معظم المتأخرين من الفقهاء- فيؤتى بالمسح برجاء المطلوبيّة.

والخلاصة: إنّ مسح الوجه بعد الدعاء مكروه أو غير مستحب في خصوص قنوت الفريضة لا غير، ومستحبٌّ أو غير مكروه فيما عدا ذلك؛ لما روي من الحثّ عليه والترغيب فيه بعد الدعاء مطلقاً.

2023/07/03

هل التقليد مسألة جديدة؟!
سمعت أحد المحاضرين يُشكل ويعترض على مسألة التقليد في الفقه الشيعي، ويقول إنها مسألة جديدة، وأن أقدم كتاب جاء فيه مسائل عن الاجتهاد والتقليد هو كتاب العروة الوثقى، للسيد الطباطبائي اليزدي، المتوفى سنة 1337 هجرية، كما أن علماء الشيعة لم يكتبوا رسائل عملية سابقاً بهذه الكيفية، فكيف نفهم مسألة التقليد ضمن هذه الإشكاليات؟

الجواب: مع الأسف الشديد إن غالب من يشنّون حملاتهم ضد التقليد واتباع العلماء في مسائل الشرع المقدّس، لا ينطلقون في دعاواهم وإشكالاتهم من منطلقات علمية، وإنما:

أ - إما هي ردود فعل سلبية على تجارب ذاتية مرت على المستشكل، وهذا ليس بحثاً موضوعياً، لأن الواقع قد يُصاب بالخلل الجزئي، فلا ينبغي أن ينعكس على البحث العلمي.

ب - وإما أن تكون تلك الحملات، تابعة لحملات منظّمة، سواء يشعر بها صاحبها أم لم يشعر، وهدفها هو الهدف الاستعماري الكبير بفصل الدين عن واقع الحياة، ويأتي هذا الإشكال في كل حقبة زمنية بلباس جديد، ولهذا لا تجدهم يضعون بديلاً علمياً منضبطاً لتفعيل الدين في حياة الإنسان، فكيف ومن أين يأخذ الناس معالم دينهم وأحكام شرعهم؟

فالنتيجة التي سيخلص لها هذا التوجّه، هي تعطيل الدين وإبعاده عن الإنسان نفسه، لأن القادر على استنباط أحكامه هم الفقهاء، وإما يخلص إلى نتيجة أخرى، وهي اتباع أصحاب هذه الدعاوى في دعاواهم وفي فهمهم للدين، وهذا يعني أنهم يدعون إلى تقليد أنفسهم. فالتنبه إلى هذه الحقائق من شأنها أن تحرجهم، وتبصّر المؤمنين بحقيقة التقليد وارتباطه بروح الدين.

وبخصوص التساؤل المطروح، نود أن نشير إلى إشارات سريعة لعدة جوانب، نأمل أن يُفهم منها الإجابة الواضحة، ويفهم منها خواء المستشكل وعدم اضطلاعه العلمي وتتبعه التاريخي.

1- كان الناس في عصر الأئمة (عليهم السلام) يلجأون إليهم في مسائلهم الشرعية، وبالرغم من وجودهم الشريف، إلا أنهم أشاروا إلى مجموعة من أصحابهم ممن تتوفّر فيهم الفقاهة، وأرجعوا الناس إليهم، ليأخذوا عنهم معالم دينهم عندما لا يتمكنون من الوصول إلى أهل البيت (عليهم السلام)، بسبب بُعد المسافات وصعوبة الأسفار. فقد وجّه الإمام الرضا (عليه السلام) الناس إلى أن يأخذوا معالم دينهم من زكريا ابن آدم على سبيل المثال، وقال (زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا). وغيره الكثير ممن فُسح المجال لهم لكي يفتوا الناس، مثل أبان بن تغلب الذي أمره الإمام الباقر (عليه السلام) أن يجلس في مجلس المدينة ليفتي الناس.

ويُفهم من ذلك أن حقيقة رجوع غير العالم إلى العالم العارف المستنبط لأحكام الدين، هي حقيقة عقلية ثابتة، وحقيقة دينية، وحقيقة عملية قائمة حتى في زمن أهل البيت (عليهم السلام).

2- في عصر الغيبة الكبرى، توجّه علماء الشيعة إلى تدوين المسائل الشرعية التي يحتاجها الناس، لتكون ملجأً لعامة الناس في عصر غيبة الإمام المعصوم، إلا أن ما ينبغي معرفته، هو أن عرض الأحكام الشرعية للناس أخذ عدة أطوار، وكان سبب الاختلاف في العرض، هو إما منهج المؤلّف، وإما متطلبات العصر ومقتضياته.

فلقد كانت في القرون الأولى من الغيبة الصغرى إلى بدايات الغيبة الكبرى وما بعدها من القرون الأولى، الكثير من الكتب الفقهية التي هي بمثابة رسائل عملية، ولكن كل منها له خصائصه ومنهجه، مثل (المستمسك بحبل آل الرسول في الفقه) لابن عقيل، وبعده ابن الجنيد الذي توفي سنة 381 هجرية، له كتاب (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة)، والشيخ الصدوق له كتاب (المقنع والهداية)، والشيخ المفيد له كتاب (المقنعة) والسيد المرتضى والشيخ الطوسي الذي تنوّع في عرض الأحكام الفقهية، فقد كتب (النهاية) في الفتاوى، و(المبسوط) في فروع الفقه وقواعده، وكتب (الخلاف) الذي عرض فيه الفقه الجعفري مع فقه سائر المذاهب الإسلامية، واستمرت الكتب الفقهية في الصدور مع تنوعها، ومن أشهرها كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي، الذي كان في صورة مسائل فقهية بحسب الأبواب المتعارفة، ثم جاءت الموسوعات الاستدلالية في شرحه كـ (المسالك)، و(المدارك)، و(الجواهر) وغيرها.

فكما نرى أن الكتب الفقهية التي كانت تمثل اجتهادات أصحابها الفقهاء، لم تنقطع عن الصدور، فكان الناس يرجعون إليها مباشرة أو عن طريق العلماء الذين يمتلكونها، وبهذه الطريقة أخذ التقليد ـ الذي هو العمل بالأحكام الشرعية التي يبينها الفقهاء ـ مداه في الواقع الشيعي، ففي بعض الأزمان كان للطائفة عَلَم من أعلامها، له الشهرة وإليه يتوجه الناس بالسؤال من سائر البلدان، وحيناً يتعدد الفقهاء في بلدان مختلفة، بل حتى في المكان الواحد، وكان الناس يرتبطون بأحد الفقهاء بحيث يتوجهون إليه بالأسئلة ويطرحون عليه الاستفتاءات، ولهذا نجد أن هناك الكثير من الكتب الفقهية هي عبارة عن مسائل لأهل بعض البلاد، ثم تُسمّى الرسالة باسمهم أو باسم العالم الذي قدمها أو باسم موضوعها.

3- لابد أن نلتفت أيضاً إلى جنبة مهمة، وهي أن الكتب الفقهية لها سيرورة تطور في عرض الموضوعات، فمبحث التقليد والاجتهاد كان يُبحث في العقائد والكلام، ثم في علم الأصول، ثم جرّده السيد اليزدي ووضع مسائله العملية في كتاب العروة الوثقى، وليس هو أول من أسّس كتاب الاجتهاد والتقليد في الفقه، ولكنه وضع ما ينبغي معرفته والتأكيد عليه فيما يخص المكلّف بالأحكام الشرعية، خصوصاً مع تعدّد الفقهاء والمراجع.

ونحن نلاحظ حتى في هذا الزمان، أن بعض العلماء يبحث كتاب الاجتهاد والتقليد في الدرس الأصولي وليس الفقهي، لأن موضوعاته الأساسية تناسب المقام الأصولي، لارتباطها بالمجتهد، وأساس الرجوع إليه، وشروطه، ومدى ولايته وسلطته الشرعية. بل إن البحث في كتاب الاجتهاد والتقليد هو بحث ذو أبعاد متعددة، مثل (العقيدة، الأصول، الفقه، الواقع).

فكلما تقدّم الزمان تتجدد معه بعض العناوين وتنبثق بعض الحاجات، التي يلح على الفقيه بحثها من جهة شرعية عملية في صيغة فتوى، فتتولد عناوين جديدة في الكتب الفقهية، وقد يكون بعضها مبحوث بعناوين أخرى، مثل البنوك، والتعاقدات الجديدة في التجارة، ومثل عنوان الأسرة والطب والهجرة والزيارة وغيرها. فإن عدم وجود العنوان في الكتب في الفقهية القديمة ليس دليلاً على عدم شرعيته. كما أن وجوده فيما بعد هو دليل على مستجدات الحاجة وإلحاح الواقع، استجابة من الفقه وحيويته لمتطلبات الحياة الجديدة.

2023/05/21

ليت السياط على رؤوسهم.. هل هدد الإمام الصادق (ع) أصحابه؟!
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقَّهوا في الحلال والحرام"([1]).

[اشترك]

كما هو معروف بأنَّ الإنسان إذا أراد من خطابه أن يكون ذا أثرٍ في النفوس والقلوب فإن يستخدم المفردات التي يتأثر منها الطرف المقابل ويبتعد عن أسلوب الغضب والتهديد والقوة.

فما غاية الإمام (ع) من قوله هذا الذي يحمل في ظاهره نوعا من الشدة وبالذات بأن الخطاب موجَّه لأصحابه وليس لعوام الناس ونحن نقرأ في سيرتهم المباركة مدى حرصهم على الرفق والمداراة مع الجميع وبالأخص الأصحاب.

الجواب من سماحة الشيخ محمد الصنقور:

أولًا: ليس المراد من أصحابه في الرواية هم خصوص تلامذته وخواصِّه والملازمين له المعروفين بالحرص على التفقُّه في الدين وتحرِّي العلم بالحلال والحرام بل المراد من عنوان أصحابه هم عامَّة شيعته، فإنَّ هذا العنوان يُستعمل في الروايات ويُراد منه الشيعة الجعفرية المنتسبين لمذهب أهل البيت (ع)، ويتَّضح ذلك من ملاحظة مثل صحيحة زيد الشحَّام عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: "يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلُّوا في مساجدهم، وعُودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإنْ استطعتم أنْ تكونوا الأئمة والمؤذِّنين فافعلوا، فإنَّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفريَّة، رحم اللهُ جعفرًا ما كان أحسن ما يؤدِّبُ أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفريَّة، فعل اللهُ بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدِّب أصحابَه"([2]).

فالخطاب موجَّه لعموم الشيعة الجعفريَّة وقد وصفَهم (ع) بأصحابه.

ثانيًا: ليس المقصودُ من الرواية الشريفة التهديد والوعيد بإيقاع العذاب بالسياط على مَن لم يتفقَّه في الحلال والحرام وإنَّما هو اسلوبٌ يُراد منه التعبير عن شدَّة أهميَّة التفقُّه في الدين، فكأنَّ الإمام (ع) أراد القول إنَّ التفقُّه في الحلال والحرام من الأهميَّة بحيث لو دُفع الشيعة إليه بالضرب بالسياط لكان مبرَّرًا، فهذه الغاية وهي التفقُّه تستحقُّ الدفع إليها ولو من طريق الشدَّة نظرًا لأهميتها القصوى.

فمفادُ الرواية هو مفاد قولنا ليتني أشقى ليسعد أبنائي أو ليتني أخسرُ صحَّتي وشبابي في سبيل أنْ يَنعَمَ أولادي، فمفادُ هذا القول هو أنَّ السعيَ لإسعاد الأولاد يستحقُّ التضحية من الأب بصحَّته وشبابه. فهو يُريد بهذا القول التعبير عن شدَّة اهتمامه بسعادة أولاده. كذلك الإمام (ع) أراد من قوله المذكور التعبيرَ عن شدَّة اهتمامه بتفقه شيعته في الحلال والحرام وأنَّه حريص على الوصول إلى هذه الغاية.

ثالثا: لو سلَّمنا أنَّ الرواية اعتمدت أسلوب الشدَّة في الحثِّ على التفقُّه في الدين فإنَّه يكون من التنويع في أساليب التأديب والتربية، فقد يكون التشديد هو المناسب لبعض الحالات ولبعض الأصناف من الناس، ويكون التحفيز هو المناسب لبعض الحالات ولبعض الأصناف من الناس، ولذلك نجدُ القرآن الكريم قد اعتمد كلا الاسلوبين، فتارةً يُخاطبُ المؤمنين بالتوبيخ والوعيد كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾([3]).

وتارةً يُخاطبُ المؤمنين بالتحفيز والوعد بالرحمة والبصيرة والمغفرة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([4]).

كذلك هو الشأنُ فيما يعتمدُه أهل البيت (ع) في مقام التأديب والتربية لشيعتهم ففي الوقت الذي يُخاطب الإمام (ع) شيعته بقوله: "ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقَّهوا في الحلال والحرام"([5]).

يُخاطبهم في موضعٍ آخر بقوله: "سارعوا في طلب العلم فو الذي نفسي بيده، لحديثٌ واحد في حلالٍ وحرام تأخذُه عن صادقٍ خيرٌ من الدنيا وما حملتْ من ذهبٍ وفضة"([6]).

وقوله (عليه السلام): "والله لحديث تعيه من صادقٍ في حلالٍ وحرام خيرٌ لك ممّا طلعتْ عليه شمس إلى أنْ تغرب"([7]).

فالتنويعُ في الأساليب من قِبَل المربِّي والمزاوجة بين الشدَّة واللِّين والتوبيخ والتحفيز والوعد والوعيد -بحسب مقتضيات الأحوال وتفاوت الناس في المزاج والاستعداد الذهنيِّ والنفسي- هي الوسيلة الناجعة والمفضية إلى التكامل المنشود.

الهوامش: [1]- المحاسن -البرقي- ج1 / ص229. [2]- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج1 / ص383. [3]- سورة التوبة / 38-39. [4]- سورة الحديد / 28. [5]- المحاسن -البرقي- ج1 / 229. [6]- مستطرفات السرائر -ابن ادريس الحلِّي- ص284. [7]- مستطرفات السرائر -ابن ادريس الحلِّي- ص284.
2023/05/16

التقيّة المداراتية.. إخفاء للعقيدة أم دعوة للتعايش السلمي؟
التقية المداراتية مصطلح فقهي لدى فقهاء الشيعة، و يراد بهذا المصطلح الالتزام بمبدأ احترام عقائد و فقه سائر الطوائف الإسلامية و المسايرة معهم في ما يمكن حفاظاً على الوحدة الإسلامية و تجنباً عن الخلافات التي تسبب تشتت صفوف المسلمين في المجتمعات التي تتعدد فيه الطوائف و المذاهب ، رغم وجود اختلاف في الفروع و بعض الاحكام ، كل ذلك من أجل المصالح الرئيسية و العامة التي أمر أئمة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم بالالتزام بها و إن لم يكن في تركها خطر عليهم .

[اشترك]

والتقية المداراتية أسلوب عقلي و شرعي و من مقومات التعايش السلمي المتحضِّر مع سائر الطوائف بل و سائر الاديان ، حيث تحتفظ كل طائفة على عقائدها و أحكامها الشرعية دون التنازل عنها في الأصول ، و تكون فرصة التحاور الفكري موجودة بين الاطراف المختلفة من دون حساسيات طائفية تُثير البغضاء و العداوة و تسبب الخلافات التي لا تحمد عقباها .  فقد رَوَى زَيْدٌ الشَّحَّامُ عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال : " يَا زَيْدُ خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ ، صَلُّوا فِي‏ مَسَاجِدِهِمْ‏ ، وَ عُودُوا مَرْضَاهُمْ ، وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ ، وَ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا الْأَئِمَّةَ وَ الْمُؤَذِّنِينَ فَافْعَلُوا ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ رَحِمَ اللَّهُ جَعْفَراً مَا كَانَ أَحْسَنَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ ، وَ إِذَا تَرَكْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ فَعَلَ اللَّهُ بِجَعْفَرٍ  مَا كَانَ أَسْوَأَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ " 1.  

فالتقية المداراتية ليست إخفاءً للعقائد و الاحكام الشرعية كما يحاول البعض تصوير ذلك، و إنما هي دعوة إلى التعايش السلمي والمتحضر مع احترام افكار و عقائد الأطراف الأخرى حفاظاً على المصالح العامة للمسلمين، و حفاظاً على الوحدة الإسلامية .

الهوامش:  1. من لا يحضره الفقيه : 1 / 838 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق ، المولود سنة : 305 هجرية بقم ، و المتوفى سنة : 381 هجرية ، طبعة انتشارات اسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، الطبعة الثالثة ، سنة : 1413 هجرية ، قم / إيران .
2023/05/07