بحسب جواب مكتب سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، فإنه: لا يجوز ولكن اذا قصد القضاء وصامه في تلك الايام لنيل ثوابها ناله ايضاً ان شاء الله تعالى.
تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»
يٌنقل في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "رَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا (أي الجنة) الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء". فما صحته؟
هذا الحديث من مرويّات العامّة، وهو عندهم من الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها التي لا خلاف فيها عندهم، إذْ روى البخاريّ في صحيحه، رقم الحديث (3241)، ومسلم في صحيحه، رقم الحديث (2737)، وغيرهما، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء)، وأمّا الإماميّة فلم يثبت عندهم مثل هذه الأحاديث، بل إنّ الأمر بخلاف ذلك، إذْ روى الصدوق (ره) في كتابه المعتبر (من لا يحضره الفقيه)، رقم الحديث (4627) عن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: شيءٌ يقوله الناس: إنّ أكثر أهل النار يوم القيامة النساء؟ قال: وأنّى ذلك وقد يتزوّج الرجل في الآخرة ألفاً من نساء الدنيا في قصر من درّة واحدة؟ وفي رواية أخرى، رقم الحديث (4628) عن عمّار الساباطيّ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أكثر أهل الجنّة من المستضعفين النساء، علم الله عزّ وجلّ ضَعْفَهُنَّ فَرَحِمَهُنَّ.
هذا وقد علّق بعض علمائنا المعاصرين على حديث البخاريّ ومسلم المتقدّم آنفاً بقوله : لو ثبت الحديث وانّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) اطّلع من عالم الغيب على أنّ أكثر أهل النار من النساء، لأخذنا به، لكنّه لم يثبت، والواقع المشهود في تاريخ البشر هو أنّ نسبة وقوع المعاصي من قِبل الرجال أكثر منه عند النساء، فثمّة معاصي موبقة لا يقوم بها غالباً إلّا الرجال كاللواط والسرقة والقتل وغيرها، أمّا النساء فيلازمن المنازل غالباً ويقمنَ بالوظائف البيتيّة أو العمل في المزارع والمعامل. أضف إلى ذلك أنّ المعاناة التي تُلاقيها المرأة أيّام الحمل والوضع بمثابة مطهِّرٍ لها من الذنوب، ولو ماتت في هذا السبيل ماتت شهيدة. روى النسائيّ في سننه (6/37) عن عقبة بن عامر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: والنفساء في سبيل الله شهيد. ومن لاحظ الروايات الواردة في هذا المجال رأى فيها قسوة ظاهرة في حقّ النساء. ( ينظر: كتاب الحديث النبويّ بين الرواية والدراية للشيخ السبحانيّ، ص250).
يقول سماحة آية الله السيد منير الخباز إن البلاء عام في كل مكان، حيث يقول القرآن الكريم: "هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا".
فكل انسان معرّض للبلاء حتى هذا الذي تراه في حياة سعيدة مرفّهة تجده يعاني من نوع ما من أنواع البلاء المختلفة التي تشمل كل المجتمعات. فهناك مجتمع مبتلى بالحروب وآخر بالجرائم وآخر بالأمراض النفسية.
ما يميز المؤمن عن الكافر في هذا الأمر هو استثمار البلاء لصالحه، إذ يحوله إلى عنصر إيجابي.. ولكن كيف يكون ذلك؟
الجواب مع سماحة آية الله السيد منير الخباز دامت بركاته في الفيديو أدناه:
تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»
إن مُجرّدُ السّؤالِ عَن حِكمةِ خلقِ الإنسانِ من دونِ اختيار منهُ يدلُّ على وجودِ مُسلّمةٍ أوّليّةٍ يمكنُ البناءُ عليها، وهيَ كونُ الإنسانِ كائِناً عاقِلاً يبحثُ عَن أجوبةٍ منطقيّةٍ، كما أنَّ رفضَ الإنسانِ للظّلمِ يدلُّ على مُسلّمةٍ أُخرى وهيَ كونُ الإنسانِ كائِناً أخلاقيّاً يعتمدُ على نظامٍ منَ القيمِ يحاكمُ بهِ الأشياءَ، وإذا تمَّ الاعتراف بهذهِ المُسلّماتِ حينَها يمكنُ الإجابةُ على السّؤالِ. وهذا ما سنشيرُ إليهِ في عدّةِ نقاطٍ.
أوّلاً: هذا السّؤالُ لا يكونُ منطقيّاً إلّا بعدَ الاعتراف بأنَّ الإنسانَ حقيقةٌ موجودةٌ بالفعلِ، والإيمانُ بوجودِ إلهٍ يأتي في المرحلةِ الثّانيةِ بعدَ إيمانِ الإنسانِ بأنّهُ لَم يكُن موجوداً ثمَّ كانَ، والإنسانُ قبلَ أن يكونَ لَم يكُن شيئاً أصلاً فكيفَ يُسألُ عَن رغبتِه أو عدمِها في الحياةِ؟ فلو افترضنا أنَّ الإنسانَ خُلقَ مِن غيرِ إرادةٍ ومِن غيرِ قُدرةٍ على التّمييزِ بينَ الأشياءِ كما هوَ حالُ الحيوانِ، فهَل يمكنُ أن يُطرحَ مثلُ هذا السّؤالِ؟ وعليهِ فإنَّ مُجرّدَ كونِ الإنسانِ مخلوقاً ذا إرادةٍ ولهُ القدرةُ على الاختيار يُعدُّ ميّزةً إضافيّةً خُصَّ بها الإنسانُ، وهذا الأمرُ وحدَهُ يُوجبُ على الإنسانِ أن يكونَ مُمتنّاً لمَن أوجدَه، ومِن هُنا لو خُيّرَ الإنسانُ بينَ أن يكونَ حيواناً أو نباتاً أو جماداً لاختارَ أن يكونَ إنساناً. ومِن هُنا نفهمُ قولَه تعالى: (وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا).
ثانياً: مِن بديهيّاتِ العقلِ أنَّ الوجودَ أفضلُ منَ العدمِ، والإنسانُ بوصفِه عاقلاً لا يمكنُه تقديمُ العدمِ على الوجودِ، وهذا ما عليهِ حالُ البشرِ جميعاً يحتفلونَ عندَ استقبالِهم لمولودٍ جديدٍ في هذهِ الحياةِ، ويحزنونَ عندَما يُغادرُها، وبالتّالي خروجُ الإنسانِ منَ العدمِ إلى الوجودِ أمرٌ يستوجبُ الشّكرَ وليسَ الجحودَ، ومِن هُنا نبّهنا اللهُ على ألا نغفلَ عَن هذهِ النّعمةِ بقولِه تعالى: (هَل أَتَىٰ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَّذكُورًا.. إِنَّا خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن نُّطفَةٍ أَمشَاجٍ نَّبتَلِيهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).
ثالِثاً: بعيداً عنِ الأديانِ وما أمرَت بهِ مِن توصياتٍ، وبعيداً عَن فلسفةِ الابتلاء التي ارتكزت عليها الأديانُ في تلكَ التّوصياتِ، لا بُدَّ أن يكونَ للإنسانِ موقفٌ فيما يتعلّقُ بالحِكمةِ مِن وجودِه، طالما أنَّ وجودَه أصبحَ أمراً مفروغاً منهُ، بمعنى أنَّ الإنسانَ بوصفِه كائناً عاقِلاً يجبُ أن يجدَ إجابةً عَن سببِ وجودِه، وليسَ مِن حقِّه أن يرفُضَ ما قدّمتهُ الرّسالاتُ مِن إجاباتٍ طالما هوَ عاجزٌ عَن إيجادِ البديلِ، وبما أنَّ الابتلاء حقيقةٌ مُتّصلةٌ بالحياةِ لا يمكنُ أن تنفصلَ عنها حينَها يجبُ فهمُها بالشّكلِ الذي يجعلُها نعمةً وليسَت نقمةً، فمُجرّدُ رفضِ الابتلاء لا يجعلُه أمراً معدوماً، وعليهِ كيفَ يجبُ أن يتعاملَ الإنسانُ معَ الابتلاءات؟
ما جاءَت بهِ الرّسالاتُ أنَّ هذهِ الابتلاءات وسيلةٌ ينتقلُ بها الإنسانُ إلى حياةٍ أفضل وهيَ الجنّةُ، وبالتّالي حوّلَت الابتلاء إلى فُرصةٍ حقيقيّةٍ أمامَ الإنسانِ، أمّا الذي لا يُؤمنُ بتلكَ الرّسالاتِ لا يمكنُه الفرارُ منه وفي نفسِ الوقتِ لن يجني ثمارَه، وحينَها يكونُ ظالِماً لنفسِه ولَم يظلِمهُ غيرُه. قالَ تعالى: (وَمَا ظَلَمنَٰهُم وَلَٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ).
رابِعاً: بما أنَّ الإنسانَ كائنٌ أخلاقيٌّ يجبُ أن يفهمَ الحياةَ انطلاقا منَ القيمِ، ومنَ الواضحِ أنَّ نسبةَ الشّرِّ في الحياةِ في قبالِ الخيرِ لا تكادُ تُذكَرُ، فالخيرُ هوَ الأصلُ والشّرُّ هوَ الاستثناء، وعليه فإنَّ الخيرَ الذي يعمُّ الوجودَ كلَّه يجبُ أن يكونَ هوَ محلَّ النّظرِ والتّفكّرِ وليسَت بعض العقباتِ التي تواجهُ الإنسانَ، فالتّقييمُ السّلبيُّ للحياةِ يُعبّرُ عَن نفسيّةٍ غيرِ سليمةٍ وغيرِ أخلاقيّةٍ، ويبدو أنَّ الإنسانَ يرصدُ الشّرورَ في الكونِ لسببٍ واضحٍ وهوَ أنَّ هذا الشّرَّ محصورُ العددِ، فبإمكانِنا أن نقولَ أنَّ ذاكَ المرضَ شرٌّ، وذاكَ الخُلقَ شرٌّ، وتلكَ الظّاهرةَ الطّبيعيّةَ شرٌّ مِن جهةِ كذا، لكنّنا لا نملكُ في المُقابلِ أن نعُدَّ الخيرَ الذي في العالمِ لأنّهُ بالغُ الضّخامةِ والتّنوّعِ والتّركيبِ، إذ هوَ يحيطُ بنا مِن كُلِّ وجهٍ، فلو نظرَ الإنسانُ في أعضاءِ جسمِه فقط؛ لرأى أعدادًا مهولةً منَ الأمورِ الحسنةِ التي تُوفّرُ لهُ أسبابَ الاستمتاع بالحياةِ. وعليهِ فإنَّ الإنسانَ الذي يغفلُ عَن كلِّ ذلكَ ويحرمُ نفسَه منَ الاستمتاع بما في الحياةِ مِن نعمٍ لا يلومنَّ إلّا نفسَه (قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزق) فكيفَ بعدَ ذلكَ ينسبُ للهِ الظّلمَ وهوَ الذي سخّرَ لهُ كلَّ هذهِ النّعمَ، قالَ تعالى: (أَلَم تَرَوا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).
خامِساً: أتاحَ اللهُ للإنسانِ كلَّ السُّبلِ التي توصلُه إلى الجنّةِ، ونجاحُ الإنسانِ في الحياةِ مضمونٌ لكُلِّ البشرِ، إلّا الذينَ لا يريدونَ، فاللهُ خلقَ الإنسانَ للجنّةِ وليسَ للنّارِ، فأمرَهُ باليسيرِ وغفرَ لهُ الكثيرَ، وجعلَ لهُ السّيّئةَ بواحدةٍ والحسنةَ بعشرةِ أمثالِها، وجعلَ بابَ التّوبةِ أمامَهُ مفتوحاً، فإلى آخرِ لحظةٍ مِن عُمرِ الإنسانِ يُمكنُه التّوبةُ ويتوبُ اللهُ عليهِ ويُدخلُه الجنّةَ. يقولُ الإمامُ الكاظمُ في وصيّتِه لهشام: (وإنَّ أعظمَ النّاسِ قدراً الذي لا يرى الدّنيا لنفسِه خطراً، أما إنَّ أبدانَكُم ليسَ لها ثمنٌ إلّا الجنّةَ فلا تبيعوها بغيرِها). وفي خبرٍ آخرَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلّ إنّما خلقتُ الخلقَ ليربحوا عليَّ ولَم أخلقُهم لأربحَ عليهم. وهَل بعدَ ذلكَ يمكنُ أن نتصوّرَ أنَّ خلقَ الإنسانِ فيهِ ظُلمٌ حتّى لو كانَ مِن غيرِ رغبتِه؟
أمّا قولُ السّائلِ، (باعتبارِ أنَّ الحياةَ هيَ دارُ إبتلاءٍ واختبارٍ وربّما الإنسانُ لا ينجحُ بهذا الإختبارِ فيكونُ مصيرُه العذابَ) حينَها يكونُ الإنسانُ ظالِماً لنفسِه ولَم يظلِمهُ الذي أوجدَه وسهّلَ لهُ كُلَّ الطّرقِ التي توصلُه إلى الجنّةِ.
تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»
قال السيد رشيد الحسيني، الأستاذ في الحوزة العلمية، إن الموظف اذا ترك عمله ولو لدقيقة واحدة من أجل اجراء مكالمة فهو لا يستحق الراتب بمقدار هذه الدقيقة، وأكد أن هذا الرأي مطابق لفتاوى سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله.
وفي مقطع فيديو اطلع عليه «موقع الأئمة الاثني عشر»، انتقد سماحته بشدة تهاون بعض الموظفين في دوائر الدولة في أداء واجبهم وقال: " في دوائرنا الحكومية نرى أن بعض الموظفين يتركون عملهم في الساعة التاسعة صباحاً –مثلاً- من أجل تناول الفطور وهذا لا يجوز شرعاً ويترتب عليه دفع رد المظالم من الراتب".
تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر».
يتداول بعض الخطباء أن السيئة لا تُكتب بمجرد أن يرتكبها "المؤمن"، وإنما تؤجل لسبع ساعات. فإن استغفر الله تعالى لم تكتب عليه تلك السيئة، وإن لم يستغفر كتبت.
فما حقيقة هذا الأمر؟
لقد ورد ذلك في رواياتٍ عديدة متظافرة عن أهل البيت (ع) وفيها ما هو معتبرٌ سنداً، وذلك من فضل الله تعالى على عبادِه المؤمنين، وفيه ترغيبٌ منه تعالى لعباده إلى مبادرة التوبة وعدم التسويف لها، وترغيبٌ منه تعالى إلى مراقبة المؤمنِ لأعماله فإذا وجد نفسَه وقد أذنب بادر إلى التوبة حذراً من أنْ ينسى ذنبَه فيُكتبُ عليه ويُؤخذُ به يوم لا يُغادر الكتابُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلمُ ربُّك أحدا.
فالرواية صحيحة السند وفضل بن عثمان هو أبو محمد الفضل بن عثمان أو الفضيل بن عثمان الأعور المرادي الأنباري من مشايخ صفوان بن يحيى وابن أبي عمير، قال عنه النجاشي: ثقة ثقة، وعده الشيخ في رسالته العددية من الفقهاء الاعلام، والرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والاحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق لذم واحد منهم.
فإنَّ ظاهر الرواية هو أنَّ تأجيل كتابة الذنب إلى سبع ساعات يختصُّ بالمؤمن، ثم إن الظاهر من مجموع الروايات أن المراد من الإستغفار الماحي للذنب والموجب لعدم تدوينه في صحيفة المكلَّف هو الإستغفار عن توبة صادقة، فالإستغفار اللفظي غير الناشيء عن قصد التوبة الصادقة لا يُثمر محوَ الذنب وعدمَ تدوينِه في صحيفة الأعمال.
هل الاتصال بالارواح علم صحيح؟ ولو كان صحيحاً كيف تحضر الأرواح مع أن الارواح تذهب إلى ربها؟
الظاهر أنه يمكن الاتصال بالأرواح، وأن تحضير الأرواح غير ممتنع على من هو متخصص فيه، وقد دلت بعض الأخبار على أنه يمكن الاتصال بأرواح الموتى.
[اشترك]
منها: ما رواه الكليني قدس سره في كتاب الكافي 3/ 243 بإسناده إلى حبة العرني، قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي، فقلت: يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال لي: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال: قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك؟ قال: نعم، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون، فقلت : أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض ألا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن.
وهذا الحديث وإن كان وارداً في حق أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنه يدل على إمكان الاتصال بالأرواح لمن هيأ الله له أسباب ذلك، بل يدل على وقوعه.
ولا منافاة بين إمكان الاتصال بالأرواح وبين كون الأرواح عند ربها؛ لأن الله تعالى ليس في مكان خاص، وليست الأرواح محبوسة عنده، وقد ورد في بعض الأخبار أن أرواح المؤمنين تجتمع في وادي السلام، وهو ظهر الكوفة، فقد روى الكليني في الكافي 3/243 بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن أخي ببغداد، وأخاف أن يموت بها، فقال: ما تبالي حيثما مات، أما إنه لا يبقى مؤمن شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام. قلت له: وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون.
وورد أن أرواح الكفار في وادي برهوت في حضرموت، فقد روى الكليني قدس سره في الكافي 3/246 بسنده عن القداح، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: شر ماء على وجه الأرض ماء برهوت، وهو الذي بحضرموت ترده هام الكفار.
والمهم في هذه المسألة هو معرفة أن تحضير الأرواح عمل غير جائز، وقد أفتى جمع من مراجع الطائفة بحرمته.
منهم: مرجع الطائفة السيد أبو القاسم الخوئي قد سره، فإنه سئل سؤالاً نصه: هل يحرم تحضير الأرواح بالفنجان وبغير الفنجان؟
فأجاب قدس سره بما يلي: نعم يحرم إذا كان يعد من فن السحر. (صراط النجاة 1/442).
وسئل سؤالاً آخر، نصه: هل يجوز شرعاً تحضير الأرواح للاستخبار منهم عن أحوالهم وأحوال البرزخ وغير ذلك؟
فأجاب قدس سره، بقوله: الأظهر تحريم إحضار من يضره الإحضار من النفوس المحترمة دون غيرها. (صراط النجاة 1/442).
وسئل مرة أخرى: هل يمكن للحي أن يستحضر روح أحد الأموات؟ أم أن ما يعرف بتحضير الأرواح هو نوع من تسخير الجن؟
فأجاب قدس سره بقوله: تحضير الأرواح غير تسخير الجن، وغير جائز أيضاً، والله العالم.
وعلق المرجع الكبير الميرزا جواد التبريزي قدس سره بقوله: الأحوط الترك في أرواح المؤمنين إذا احتمل تأذيهم بذلك.
كما سئل مرجع الشيعة السيد الگلپايگاني قدس سره بقوله: هل يجوز تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي؟
فأجاب بقوله: كلاهما غير جائز، والله العالم . (إرشاد السائل: 185).
وسئل مرجع الطائفة السيد السيستاني دام ظله سؤالاً نصه: [هل يجوز] تحضير الأرواح لسؤالها عن حال صاحبها وعن البرزخ وغير ذلك من الأمور الأخرى؟
فأجاب دام ظله بقوله: يحرم تحضير روح من يضره تحضير روحه من النفوس المحترمة دون غيرهم . (الفتاوى الميسرة: 418، فقه المغتربين: 332).
وأجاب المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله على هذا السؤال بقوله: يحرم تحضير روح من يضره تحضير روحه من النفوس المحترمة دون غيرهم، ويحرم الاعتماد على خبره، وليكن في علمك أن ذلك قد يكون من عمل الجان والشياطين. (حواريات فقهية: 323).
ولا يخفى أن الغرض من تحضير الأرواح هو الاستعلام عن أمور مغيبة، إلا أن تحضير الأرواح لا يفيد في ذلك، لأن الأرواح لا تعلم بالمغيبات التي يريد السائل أن يسأل عنها، إلا ما يخص الروح المحضرة، دون ما عدا ذلك.
هذا مع أن الممارس لتحضير الأرواح قد يظن الروح الحاضرة هي الروح المطلوبة، إلا أنها ربما تكون جنياً أو شيطاناً، ولذلك أفتى مراجع الطائفة بأنه لا يجوز الاعتماد على إخبارات تلك الروح، لجهالتها من جهة، ولعدم العلم بأنها صادقة في إخباراتها من جهة أخرى، والله العالم بحقائق الأمور.
نشرت المنصة الرسمية على تليجرام لسماحة السيد رشيد الحسيني، الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، الأربعاء، جواباً عن ظاهرة "كسر البيض" الشائعة جداً عند شراء الأشياء الجديدة.
وبحسب الجواب الذي تابعه "موقع الأئمة الاثني عشر"، فإن هذا العمل غير "شرعي ومن تهريج المشعوذين".
وفيما يلي نص السؤال مع الجواب كما ورد:
السؤال: ماحكم كسر البيض على الحاجة المشترات دفعا للحسد؟
الجواب: هذا العمل لا أساس له في الشريعة وهو إتلاف للمال بغير وجه شرعي أو عقلائي فهو من التبذير والإسراف المنهي عنه في الشريعة.
على انه عمل سفهي نشأ عن تهريج المشعوذين وذوي العقد النفسية وقد قررت الشريعة الإسلامية أن الإنسان إذا أراد أن يصرف عنه البلاء المحتمل فعليه بالدعاء والصدقة فإنهما يرفعان البلاء المبرم.
نحنُ هُنا نحاولُ وبشكلٍ مُباشرٍ التّعرّفَ على حِكمةِ العبادةِ وحقيقتِها، والفلسفةِ الكامنةِ فيها.
في البدءِ، لا يمكنُ أن تتضمّنَ العبادةُ مفهوماً سلبيّاً، لا مِن جهةِ العبدِ ولا المعبودِ، لأنَّ اللهَ غنيٌّ بذاتِه لذاتِه، غيرُ مُحتاجٍ لخلقِه: (وَمَن يَبخَل فَإِنَّما يَبخَلُ عَن نَفسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنتُمُ الفُقَراءُ). فمنَ الواضحِ إذاً، أنَّ اللهَ لا ينتفعُ بعبادةِ العبدِ، بلِ العبادُ هُم الذينَ ينتفعونَ، وكذلكَ لا يمكنُ أن تكونَ العبادةُ حالةً سلبيّةً بالنّسبةِ للإنسانِ أيضاً، ومِن هُنا يجبُ علينا البحثُ عَن معنىً للعبادةِ يستقيمُ معهُ التّوحيدُ، وتنسجمُ بهِ فطرةُ الإنسانِ.
العبوديّةُ في الدّلالةِ العُرفيّةِ تتناقضُ معَ الحُرّيّةِ، فكيفَ يكونُ الإنسانُ عبداً وفي والوقتِ نفسه حُرّاً؟، وهل قيمةُ الإنسانِ في عبوديّتِه أم في حُرّيّتِه؟، هذهِ الأسئلةُ يمكنُ أن تقودَنا إلى إيجادِ فلسفةٍ للعبادةِ يرتفعُ بها التّناقضُ وتتحقّقُ بها قيمةٌ للإنسانِ.
ولكي نقتربَ من العبادةِ بالمعنى التّشريعيّ، لا بُدَّ أن نقتربَ أوّلاً منَ العبادةِ بالمعنى التّكوينيّ، بوصفِها الأساسَ الذي تُبتنى عليهِ العبادةُ في التّكليفِ؛ فكونُ الإنسانِ عبداً باختيارِه، يعني بالضّرورةِ كونَهُ عبداً في كيانِه، فلا يكونُ هذا التّكليفُ حالةً عرضيّةً لم ترتكِز على الطّبيعةِ الإنسانيّةِ، وإنّما القولُ بأنَّ الإنسانَ بذاتِه عبدٌ، هوَ تعبيرٌ آخرُ عنِ القولِ أنَّ الإنسانَ كائنٌ مخلوقٌ.
وبعبارةٍ أُخرى، هلِ الإنسانُ بذاتِه عبدٌ؟ أم بذاتِه حُرّاً؟
فإن كانَ الإنسانُ بذاتِه حُرّاً، فتكونُ العبادةُ بالمعنى التّشريعيّ نوعاً من أنواعِ مُصادرةِ الحُرّيّةِ أو تحديدِها وتحجيمِها، لعدمِ وجودِ مُبرّرٍ ذاتيّ يدعو الإنسانَ للخروجِ منَ الحُرّيّةِ للعبوديّةِ، إلّا أن تكونَ هُناكَ سُلطةٌ فوقيّةٌ، فرضَت الهيمنةَ والقهرَ على الإنسانِ، إظهاراً للسّلطنةِ والقدرةِ، فتكونُ العبادةُ حينئذٍ حالةً سلبيّةً بامتيازٍ، على مستوى العبدِ والمعبودِ.
فعلى مستوى العبدِ لا تعدو كونَها تحجيماً لمقدراتِه وتحديداً لإمكاناتِه، والأمرُ واضحٌ على مُستوى المُفارقةِ العُرفيّةِ، التي تُميّزُ بينَ العبدِ المملوكِ لسيّدِه وبينَ السّيّدِ الحُر.ِّ
وإذا تمعّنا فيها، نجدُ أنَّ هُناكَ مُقابلةً بينَ كلمةِ الخلقِ وكلمةِ العبادةِ، فإذا عرفنا عُمقَ معنى كلمةِ الخلقِ نعرفُ عُمقَ معنى كلمةِ العبادةِ، وذلكَ لأنَّ العبادةَ جاءَت كنتيجةٍ طبيعيّةِ لخلقِ الإنسانِ، فمتى ما كانَ هُناكَ خلقٌ، كانَت هُناكَ عبادةٌ، فكأنّها لازمٌ ذاتيّ لا تنفكُّ عنِ الخلقِ، ومنَ المعلومِ أنَّ كلمةَ الخلقِ لها معانٍ، فأيُّ معنىً مِن معاني الخلقِ يمكنُ أن يقابلَ مفهومَ العبادةِ، أو يحقّقَ مفهومَ العبادةِ؟
هنالكَ ثلاثٌ معانٍ للخلقِ، وهيَ:
المعنى الأوّلُ: أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ يعني أنَّ لهُ حقيقةً واقعيّةً وليسَ وهماً أو خيالاً، بخلافِ المدارسِ السّفسطائيّةِ والمثاليّةِ التي شكّكَت في حقيقتِه، فالموجودُ حقيقةٌ متمثّلةٌ في الخارجِ، وأقربُ طريقٍ إلى معرفتِه هوَ التّنبّهُ إلى واقعِ وجودِه، والإعترافُ بأنَّ للإنسانِ كياناً وحقيقةً، وهوَ بدايةُ تأسيسِ قيمِ حياتيّةٍ تؤكّدُ حقَّ الإنسانِ في الوجودِ.
المعنى الثّاني: أنَّ قولَنا إنَّ الإنسانَ مخلوقٌ يعني أنَّ وجودَهُ قائمٌ بالغيرِ وليسَ بالذّاتِ، ممّا يعني أنَّ وجودَه حقيقةٌ طارئةٌ، تحتاجُ دوماً في وجودِها إلى المُوجدِ.
المعنى الثّالث: أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ يعني أنّهُ كائنٌ ناقصٌ يعيشُ حالةً منَ الضّعفِ والعجزِ، قالَ تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ)، وشعورُ الإنسانِ بالضّعفِ والفقرِ والحاجةِ، هوَ الذي يدفعُه للسّعي لإكمالِ ذلكَ النّقصِ واِستدراكِ ذلكَ العجزِ، ولا سبيلَ إلى ذلكَ إلّا باللجوءِ إلى مَن أوجدَه وخلقَه مِن عدمٍ؛ لأنَّ الذي خلقَه مِن لا شيء، قادرٌ على أن يزيدَه كمالاً، ويباركَ له في قُدراتِه: (وَاسئَلُوا اللهَ مِن فَضلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيماً)، والطّريقُ إلى إكمالِ النّقصِ هوَ الرّجوعُ إلى اللهِ تعالى، والطّلبُ منهُ والتّقرّبُ إليه سبحانَه: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادعُونِي أَسْتَجِب لَكُمْ)، وهُنا ربطٌ واضحٌ بينَ الدّعاءِ والعبادةِ، وبينَ طلبِ الحاجةِ والإستجابةِ، والحاجةُ دليلُ النّقصِ، والإستجابةُ إكمالٌ للنّقصِ.
وكلُّ هذهِ المعاني تُحقّقُ مفهومَ الخلقِ (وما خلقتُ)، فيمكنُ أن يُقالَ: الخلقُ هوَ هذا الذي تراهُ ماثِلاً أمامَك، أو: الخلقُ هوَ الحقيقةُ التي تحتاجُ إلى خالقٍ، أو: الخلقُ هوَ النّاقصُ الذي بإمكانِه أن يتكاملَ.
بعدَ أن نُحقّقَ هذهِ المعاني، نجدُ أنَّ المعنى المُقابلَ للعبادةِ هوَ المعنى الثّالث، وهوَ أنَّ الموجودَ قابلٌ للنّموّ والتّكاملِ، فتصبحُ حقيقةُ العبادةِ: تكاملَ الإنسانِ والعروجِ بهِ في مدارجِ الكمالِ، فإذا كانَ الإنسانُ يُمثّلُ محورَ الخلقِ، وكانَ تكاملُ الخلقِ مِن أجلِ الإنسانِ، فلا بُدَّ أن يكونَ للإنسانِ تكاملٌ خاصّ، وهذا سرُّ دُعاءِ الأنبياءِ والرّسلِ للعبادةِ، لأنّها الطّريقُ الذي يُحقّقُ للإنسانِ تكامُلَه، بعدَ ربطِه باللهِ مصدرِ كلِّ كمالٍ.
بالنسبة للأحكام الشرعية فإنها تشرع وفق قانون المصلحة والمفسدة، من غير ضرورة أن يكون الإنسان عالماً بتلك المصلحة أو لا، فكثير من الأحكام الظاهرية قد لا ندرك مصلحتها الواقعية، أو مفسدتها الواقعية، فتكون المصلحة في نفس الامتثال.
ومن هنا يتضح الغرض من تحريم آلات القمار، فقد تبدو للوهلة الأولى مسلية أو ذات دافع تحفيزي للعقل ـ كما يقول البعض ـ إلا إننا لما لم نكن مطلعين على أسرار التشريعات السماوية ومعرفة عللها التامة فإنه يكفينا الالتزام والامتثال لأوامر الشارع المقدس، لأننا نقطع بكونه حكيماً، والحكيم لا يتعاطى العبث في أوامره ونواهيه، فتأكد لنا وجود حكمة من التحريم تخفى علينا كبشر.
أما وجود النصوص المحرمة:
1 ـ قوله تعالى: (اجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور)
2 ـ عن زيد الشحام قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور فقال الرجس من الأوثان الشطرنج وقول الزور الغناء.
3 ـ وعن أبي الحسن (عليه السلام) قال النرد والشطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة وكل ما قومر عليه فهو ميسر.
4 ـ وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين عليه السلام الشطرنج والنرد هما الميسر.
5 ـ وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الشطرنج من الباطل.
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن لله في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار إلا من أفطر على مسكر أو مشاحن أو صاحب شاهين قال قلت وأي شيء صاحب شاهين قال الشطرنج.
يجب في كلِّ ركعة سجدتان، وهما معاً من الأركان، فتبطل الصلاة بنقيصتهما عمداً أو سهواً، كما تبطل الفريضة بزيادتهما عمداً، بل وسهواً أيضاً على الأحوط وجوباً. وسيأتي حكم زيادة السجدة الواحدة ونقصانها.
كما يجب وضع المساجد السبعة على الأرض، وهي: الجبهة، والكفّان، والركبتان، والإبهامان من الرجلين.
تفصيل أكثر مع سماحة السيد صباح شبر دامت بركاته في الفيديو أدناه:
تنويه: يعبّر هذا المحتوى عن وجهة نظر الكاتب لا عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»
هل يجوز لعموم الناس أن يبدوا وجهة نظرهم حيال موقف المرجع السياسي، والاجتماعي والثقافي وهل تجوز لهم مخالفته في ذلك؟
بداية لابد من توضيح مختصر لمعنى المرجعية ودورها:
المرجعية مصطلح يطلق على قيادة الفقهاء للشؤون الدينية عند الشيعة، والمرجع هو عالم مجتهد يتولى أمور المؤمنين ويتصدى لرعاية مصالحهم الدينية والدنيوية كالقضاء وإقامة الحدود مضافاً إلى بيان الاحكام الشرعية لعامة الناس، ويستمد المرجع شرعيته في القيادة من الإمام المعصوم الذي اوجب على شيعته الرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة، ويشترط للوصول إلى مقام المرجعية شروط مفصلة في كتب الفقه، يقول العلامة محمد رضا المظفر: عقيدتنا في المجتهد وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس (كما سيتضح تفصيلاً في المقال أدناه)، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشراك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليه السلام.[1]
والمرجعية الشيعية هي مؤسسة مستقلة غير مرتهنة لأي نظام سياسي، مما يجعلها متحررة من أي ضغوط سلطوية، وبالتالي هي ليست مدينة لدولة ولا لجهاز إعلام؛ بل تعمل فقط على خدمة الإنسان الشيعي وترعى مصالحه، ومن هنا فإن توجيهات المرجع ملزمة لمن يعتقد بأن الفقهاء يمثلون الامتداد الطبعي لولاية أهل البيت (ع) في زمن الغيبة، والمتابع للدور المرجعي في طول مساره التاريخي سيرى بوضوح أن المرجعية ليست لها سلطة تنفيذية تعمل على اخضاع الناس وإلزامهم لإتباع أمرها، وإنما تعتمد على إيمان الناس ومدى اخلاصهم وحبهم للدين.
ولكي تتضح الإجابة على السؤال يمكننا الاستعانة بتقسيم دور المرجعية إلى قسمين:
الأول: هو بيان الاحكام الشرعية، وفي هذا الشأن تقوم المرجعية بتفصيل الأحكام في شكل مسائل بحسب أبواب الفقه حتى يسهل على عامة الناس تطبيقها.
والثاني: وهو القسم المتعلق بالتوجيهات العامة في ما يخص الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي، ودور المرجعية هنا إعطاء إرشادات عامة ولا تدخل في الجوانب التفصيلية، فمثلاً لو كان هناك مظالم سياسية فإن المرجعية تتحدث عن ضرورة العدل ولا تتبنى خياراً سياسياً معيناً للوصول لذلك العدل، وكذلك لو كانت الدولة بدون دستور يحمي جميع افراد المجتمع فإن المرجعية تتحدث عن أهمية الدستور ولا تتبنى دستوراً بعينه، أو إذا كان هناك عدو خارجي يتهدد الدولة فإن المرجعية تأمر بمواجهته بدون أن تدخل في تفاصيل المواجهة، والامثلة على ذلك كثيرة، وهكذا الحال في الأمور الاجتماعية فلو كان هناك ما يهدد قيم المجتمع وترابطه فإن المرجعية تتصدى لمواجهة هذه الاخطار، والحال نفسه في الشأن الثقافي فإن المرجعية تمثل الدرع الحصين في قبال الهجمات الثقافية المستهدفة للإسلام، وغير ذلك من الامثلة، والتاريخ المرجعي عند الشيعة يشهد على ما قامت به من أدوار كبيرة حافظت على الشيعة في أصعب الظروف، ومع ذلك لم تتبنى المرجعية التصدي التفصيلي لما يتعلق بالشؤون السياسية، بل حتى في الأنظمة السياسية التي حكم فيها الشيعة كان دور المرجع التوجيه العام ولم يتورط بتفصيلات الشأن السياسي، وبهذا الشكل تفتح المرجعية الطريق أمام عامة الناس من اجل القيام بأدوارهم السياسية والاجتماعية والثقافية بكل توجهاتهم واحزابهم، وهكذا لا يمكن أن نتصور حدوث أي تصادم بين المرجعية وبين من يتولون الشأن السياسي طالما أنها لا تتبنا طرحاً تفصيلياً واجرائياً يشكل منافس للسياسيين، وفي المقابل طالما لم ينحرف السياسيون عن القيم الكبرى مثل الحريات والعدالة والحقوق وغير ذلك، ومن هنا فإن افتراض إمكانية مخالفة المرجعية في هذه الشؤون يقوم على توهم بأن المرجعية تتولى الشأن السياسي بسلطاته التشريعية والتنفيذية وهذا خالف الواقع، وإذا اتضح ذلك فإن مخالفة المرجعية في توجيهاتها العامة غير مبرر طالما أنها تستهدف من ذلك الحفاظ على الخطوط العامة والقيم الكبرى،وهذا ما لا يجوز الاعتراض عليه.
عندما نقوم بعرض بعض الأحكام الشرعية نواجه أسئلة من الشباب، فهم لا يسألون فقط عن الحكم الشرعي في مسألة ما، وإنما نجد أنفسنا اليوم أمام سؤال آخر وهو ما يعرف بـ "سؤال العقلنة".
فالشاب يريد اليوم أيضا معرفة وجه هذا الحكم وفلسفته والحكمة من تشريعه، بل بعضهم يطلب حتى علة هذا الحكم.
ولم يعد شباب اليوم يكتفون بمعرفة الحكم فقط، وتجد السؤال أمامك حاضراً (لماذا هذا الحكم؟).
وقد تكبر المشكلة إذا رأينا الشباب يرتبون الأثر على هذا السؤال (لماذا) خلال معرفة العلة ويرتب عليه عمله، فهو إن اقتنع امتثل للحكم وإلا فلا علاقة له به ولا يتعبد به وهنا تكمن الخطورة.
يطرح سماحة الشيخ أحمد سلمان (دامت بركاته) معالجة هذا الموضوع في وقفتين تفاصيلهما في الفيديو أدناه:
هل يمكن الاستغناء عن التقليد باقتناع الناس بأنفسهم بعدم جواز التقليد ورجوعهم بأنفسهم إلى القرآن الكريم والروايات الماثورة عن النبي (ص) وأئمة الهدى؟
الجواب: كلا لا يمكن ذلك بوضوح لسببين:
الأوّل: أنّ اقتناع الناس بعدم جواز التقليد لن يكون اقتناعاً بأمر بديهي واضح لديهم ابتداءً، وإنما يحصل هذا الاقتناع بالوقوف على طرح مَن هو مقتنع بهذا القول وإيضاحاته.
ومن المعلوم أنّ مَن يذكر هذا الطرح فهو عادة يدعي ممارسة وخبرة طويلة في هذا الشأن، ولا يزعم أنه قد انتبه إليه منذ بداية بلوغه، ومعنى ذلك أنّ اقتناعه بعدم جواز التقليد كان وليد الخبرة لا البداهة.
وعليه فإنّ مَن يقتنع بهذا الطرح سوف يقلّد صاحب هذا الطرح.
هذا، ولا ينفي كون ذلك تقليداً أنّه حصل بتوضيحٍ مِـمَّن يفترض خبرته للآخر الذي لم يكتسب الخبرة مباشرة؛ لأنّ قناعة مَن لم يكتسب الخبرة بتوضيحِ مَن يدعيها لا يعني أنّ الأوّل قد اطّلع على المعلومة بشكل عميق يغنيه عن الاعتماد على صاحب الخبرة، مهما اعتنى صاحب الخبرة المفترضة بتوضيح الفكرة وتبسيطها، كما لو أوضح الطبيب بسبب تشخيصه للمريض فاستوضحه المريض، فإن ذلك لا يخرج المريض عن تقليده للطبيب. وذلك واضح.
الثاني: هَبْ أنّ أحداً اقتنع الآن بعدم جواز التقليد فلنلاحظه أنّه إذا اعترته مسألة مختلف فيها في أحكام العبادات والمعاملات، هل يرجع بنفسه إلى كتب الأخبار ويفهمها أو يجد ضرورة في أن يرجع إلى من يفترضه خبيراً -ولو كان ممن يقول بلسانه أنه لا يرى التقليد-؟
لا شك في أنّه يرجع إلى من يذعن بخبرته لأنّ التقليد ليس معنى يعتبر اعتباطاً، بل روحه التعويل على خبرة الآخرين فمَن عوّل على خبرة الآخرين فإنّه قد قلدهم لا محالة، ومعنى ذلك أنّه يقلّد بالضرورة.
إذن فمن يطرح عدم التقليد في الحقيقة إنما يطرح تقليد نفسه في هذا القول وفي المسائل الشرعية النظرية وإن تجنب عن تسميته باسم التقليد .
على أنّ هناك نقطة ينبغي الانتباه إليها، وهو أنّ التقليد للآخر ليس تعويلاً على رأي المجتهد لذاته، بل باعتباره محيطاً وممارساً للقرآن الكريم والسنة الشريفة، بل هو في الحقيقة نحو تعويل على الآيات والروايات، ولكن بدلالة الفقية الممارس الذي بذل الجهد في هذا السبيل، ومِن ثَمَّ فإنّ مِن الخطأ الفاحش افتراض أنّ التعويل على الفقيه بديل عن التعويل على الآيات والروايات في معرفة الحكم الشرعي، فالفقيه أشبه بمَن يدلّ التائه عن الطريق إلى هذا الطريق لاطّلاعه على علائم الطريق ودلالاته.
إنّ التقليد -بمعنى رجوع غير المتخصص إلى المتخصص في المجال الذي لا تخصص له فيه- حقاً هي فكرة بديهية للغاية، وهي من القضايا التي يكفي تأمّلها في الإذعان بها، فمن تصوّر رجوع غير المتخصص -في المجال الذي لا تخصص له- إلى المتخصص في ذلك المجال أذعن بالبداهة أنّ هذا الرجوع أمرٌ ضروريّ لا محيص عنه ولا بديل له، وإنما الباعث على التشكيك في مثله التباسات فنية متسرّعة أو عوامل غير علمية مثل التسقيط والمنافسة بما لمثل ذلك من أسباب شخصية واجتماعية وسياسية وبعض ذلك أمر معروف.
التقليد: هو رجوع غير المتخصص في المسائل النظرية التي يحتاج إليها في خياراته في الحياة إلى المتخصص في تلك المسائل.
وذلك حالة عقلائية يجري عليها الإنسان في جميع حوائجه في الحياة على اختلاف أنواعها، فهو إذا مرض يرجع إلى الطبيب، وإذا أراد أن يخطط للبناء رجع إلى المهندس، وإذا أراد أن يشخّص مدى خطورة البناء القائم رجع إلى البنّاء، وهكذا.
بل الحياة العامة للإنسان لا تخلو عن رجوعه فيما لا خبرة له إلى من يملك الخبرة فيه فالزوج قد يسأل زوجته عما هي أخبر به، والزوجة تسأل زوجها كذلك. وكل من الوالدين والأولاد والأصدقاء والزملاء يسألون بعضهم بعضاً فيما هم أخبر به ويعوّلون عليهم.
وتلك هي ضرورة الحياة في تكامل الناس بعضهم مع بعض في الخبرة والإيفاء بالحاجة، ولو أراد الناس تحصيل الخبرة بشكل مباشر في كل ما يحتاجون إليه بحيث يستغنون عن التعويل على قول الآخرين لم تكف حياتهم لذلك، ولو كفت فهم قبل بلوغ ذلك يحتاجون إلى الاعتماد على قول الآخرين حتى يكتسبوا الخبرة اللازمة مع أنّ سعي الإنسان إلى اكتساب الخبرة في كل شيء يبدو عملاً غير عقلائي لأنّه يعطل جوانب ضرورية في حياته، فالجاري عند العقلاء كافة أنهم يكتسبون الخبرة في مجال ليستثمروه في العمل ويتكسبوا به للإيفاء بحوائجهم في الحياة، ويعولون في سائر المجالات على خبرة الاخرين.
وليس المجال الشرعي والفقهي بدعاً في هذا المجال فالمسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين:
الأوّل: أمورٌ واضحة لا تحتاج إلى تقليد مثل أصول كثير من الأحكام كوجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس وجملة من حدودها وتفاصيلها.
الثاني: أمور أخرى نظرية تحتاج إلى خبرة واطلاع من جهات، منها:
١- التوثق من صدور النص الذي لا يكون ثبوته واضحاً على حدّ ثبوت القرآن الكريم.
٢- دلالته عندما لا تكون صريحة وثابتة عبر الأزمان.
٣- كيفية التعامل مع النصوص التي قد تبدو متعارضة.
فإنّ من الواضح أنّ النصوص ليست كلها ثابتة ثبوتاً قطعياً وبديهياً، ولا كلّ دلالات النصوص الثابتة كذلك، ولو فرض أن جميع النصوص قطعية فلا أقل من إحراز هذا الأمر وهو قطعية هذه النصوص كلها ووضوح دلالتها يحتاج إلى ممارسة وخبرة واطلاع.
وأمّا وجوب التقليد على المكلف في شأن المسائل النظرية الفقهية فهو لعدة أمور:
١- إن رجوع غير المتخصص إلى المتخصص في مجال تخصصه مبدأ عقلائي معروف، ولم يأتِ عن الشارع ردع لأهل الدين عن هذا المبدأ واعتماد مبدأ آخر.
٢- إنّ اكتساب الخبرة الفقهية من قبل الناس جميعاً ومنذ بداية بلوغهم سن التكليف والرشد بحيث يبلغوا متخصصين لكيلا يحتاجون إلى الاستعانة بغيرهم أمر متعذّر بوضوح.
٣- إنّ سيرة شيعة أهل البيت (ع) كانت مستقرة على الرجوع إلى الفقهاء الذين يعيشون في بلدانهم في عصر الائمة (ع) مثل: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وأضرابهما بالنظر إلى بعد مواطن الأئمة (ع) عن أماكن سكنى الشيعة، وتعذّر وصول الشيعة إليهم من جهة إعاقة السلطة لذلك، فقد عاش جل أئمة أهل البيت (ع) بالمدينة المنورة، ثم مروا بخراسان، ثم بغداد، ثم سامراء، بينما كان أكثر الشيعة يسكنون بالكوفة، وفيهم من كانوا يسكنون في أماكن بعيدة أخرى.
٤- إن الأئمة (ع) أرجعوا في روايات كثيرة إلى فقهاءِ أصحابهم، وذكروا إرشادات للاستنباط الفقهي بشكل عام وفي حال تعارض الأخبار خاصة.
هذا، ولابد لكل مسلم أن يتحرى عن الأساس الصحيح الذي يصح الاعتماد عليه في موارد الشك ليكون حجة معذرة له غداً أمام الله سبحانه.
ولا مانع من أن يتبين المرء من الأمر عند طروّ الشبهة وإثارة الفتنة، لكن لا ينبغي أن يتّبع الشبهة من دون تحقق منها أو يتوقف عندها ولا يعالجها فيستقر على الشك والترديد، بل عليه الرجوع إلى أهل العلم والفضيلة حتى يوقفوه على الحجة الموثوقة ليكون مصداقاً للمتعلمين في الدين على سبيل نجاة.
القطة ليس من الأعيان النجسة فهي وإن كانت مما يحرم أكله إلا إنها طاهرة، نعم مشهور فقهائنا قالوا إن شعر القطة يضر بصحة الصلاة، لكن السيد السيستاني دام ظله يرى أن الشعرة والشعرتان لا تضر بصحة الصلاة.
المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع مع سماحة السيد حسين شبر [حفظه الله] في الفيديو أدناه:
يقول تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (الشورى - 30)
هل نحن من يصنع المصائب؟ فمفاد الآية يؤدي إلى أن كل مصيبة هي مما كسبت أيدينا بسبب أمور نقترفها!
وهل الله تبارك وتعالى يبتلينا بالمصائب مع كل ذنب نقترفه؟ أم أنه يعفو عن "كثير" كما جاء أيضاً في الآية المباركة؟
في آية أخرى، يقول تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ونلاحظ أن الشق الأخير من الآية يتطابق مع الآية الأولى، إلى جانب العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام المتوافقة مع هذا المعنى من أن الذنوب هي أسباب المصائب.
منها: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب، وذلك قول الله عز وجل في كتابه: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به.[1]
ولكن السؤال المطروح الآن: هو لماذا نجازى بالمصائب عندما نذنب ذنباً معيناً؟
الجواب مع سماحة الشيخ علي آل محسن في الفيديو أدناه:
لا تخلو مجتمعاتنا من أطفال يولدون معاقين أو مصابين بمختلف الأمراض، وقد تكون هذه الإعاقة سبباً للاعتراض على حكم الله تبارك وتعالى، وهنا تطرح جملة من التساؤلات:
هل من العدل أن يولد هكذا أطفال لآباء مذنبين؟
وهل يعتبر هذا الأمر عقاباً للأهل؟
وما هو ذنب الطفل ليعيش هكذا حياة دون أن يرتكب ذنباً؟!
ينبغي أن يعلم أنّ الأُمور التكوينية التي تجري في العالم، هي على قسمين:
أحدهما: يكون السبب عمل الناس، وإليه يشير قوله سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[1]
والعذاب النازل على الأُمم السابقة يندرج في هذا الإطار، وخروج الأولاد معاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل آبائه، ومعلوم أنّه لا يمكن أن يتحمّل الطفل وزر أبويه، قال الله سبحانه: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)[2]، ولكن بعض الأفعال القبيحة تصبح كالنار في إحراقها، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه، بل الظالم من ألقاه في النار، فلو قطع أحد رقبة أحد، فمقطوع الرقبة سوف يموت جزماً، أو دسّ أحد سمّاً قاتلاً في طعام، فالذي دسّ إليه السمّ سوف يموت حتماً، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه، بل الظالم هو قاطع الرقبة، والذي دسّ إليه السمّ.
وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوين عند المواقعة، أو لشرب بعض الأدوية، أو غيرها من الأسباب التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وآله في النصيحة التي قدّمها إليها بواسطة الإمام علي عليه السلام، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه ـ والعياذ بالله ـ على أحد، وهذا كلّه في القسم الأوّل.
ثانيهما: الحوادث التي تحدث في العالم قد قدّرت ونظّمت، ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم، بأنّ يولد لأحد ولد وللآخر تولد البنت، والأعمار تقدّر تحت هذه الحكمة الإلهية، التي تكون ضمن الآجال الحتمية، ويدخل تحت هذا أن يكون شخص من ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله، والآخر من ذرّية شخص آخر، ويدخل في هذا الإطار، وفي هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين شريفين ملتزمين بجميع نصائح النبيّ صلى الله عليه وآله، وأوامر الشريعة الغرّاء، ويكون في هذا البلاء وامتحان للمعاق ولغيره.
إنّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه، ولا راد لقضائه، ولا مبدّل لحكمه، ولا تدرك عقولنا مغزى الحكمة، وليس يدخل ذلك في الظلم، لأنّ الظلم هو وضع الشيء في غير محلّه، والله لا يفعل ذلك، والصابر على قضاء الله مأجور، والجازع مأزور، كما ورد في بعض الروايات، وإلى هذا المعنى يشير الإمام الحسين عليه السلام في بعض كلماته: «لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أُجور الصابرين...»[3].
وقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: (قلت: لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهم االسلام: يا ابن رسول الله، أنا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً، ومنهم من يسقط غير تامّ، ومنهم من يولد أعمى، أو أخرس، أو أصم، ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام، ومنهم من يعمّر حتّى يصير شيخاً، فكيف ذلك وما وجهه؟
فقال عليه السلام: «إنّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم، وهو الخالق والمالك لهم، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له، وهو المتفضّل ما أعطاه، وعادل فيما منع، ولا يُسأل عمّا يفعل، وهم يسألون».
قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، وكيف ولا يسأل عمّا يفعل؟
قال عليه السلام: «لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً، وهو المتكبّر الجبّار، والواحد القهّار، فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد»).[4]
كشف الأستاذ في الحوزة العلمية الشيخ علي العبود تفاصيل مهمة توضح فتوى المرجع الأعلى للسيد علي الحسيني السيستاني دام ظله التي رد فيها على من ادّعى أن فقهاء الشيعة يكفرون أتباع المذاهب الأخرى، فيما أكد بطلان قول المدّعي بالأدلة والشواهد.
وقال الشيخ العبود في كلمة له تابعها "موقع الأئمة الاثني عشر" إن "كفرالنعمة وكفر الولاية لا يخرج الإنسان عن الإسلام وإنما يخرجه كفر الجحود وكفر الوحدانية".
وأضاف: أن " عبارة الكفر الباطني للسيد الخوئي (قدس) تعني الانسان الذي لا يعتقد بولاية اهل البيت عليهم السلام ولا يعتقد ان النبي صلى الله عليه وآله نص على ولاية امير المؤمنين عليه السلام وليس المراد منها انه ليس بمسلم".
وأكمل الشيخ العبود قائلا: "موقف السيد الخوئي ينص على أن: المناط في الإسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز النكاح انما هو شهادة ألا اله إلا الله وان محمد رسوله وهي التي عليها اكثر الناس وعليه فلا يعتبر في الإسلام غير الشهادتين فلا مناص له مع الحكم بإسلام اهل الخلاف".
ولفت إلى أن "الإسلام الواقعي يبتني على ولاية اهل البيت، ومعناه أنه الإسلام الحق بمعنى أن النبي نص على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في المقابل هناك من يقول أن الإسلام الحق هو في نظرية الشورى".
وأشار الشيخ العبود إلى أن "البعض حاول ان يدلس في فتوى السيد السيستاني من أنه يجوّز التعبد بباقي المذاهب وهذا دليل على ضعف الجانب العلمي لدى صاحب الاشكال".
وقال إن "موضوع التعبد هو حقانية المذهب عند ثبوته لدى المكلف، ويثبت الحق عند إقامة الدليل والحجة والبرهان والبينة وعليه اذا لم يتم الدليل الحق ولم تقم الحجة الواضحة على حقانية المذهب لا يكون حقاً".
كشف آية الله السيد منير الخباز عن "الدور الخطير" الذي تؤديه المرجعية الدينية في زمن غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) فيما حذر من الدعوات التي تهدف إلى إضعاف الدين عبر النيل من المرجعية.
وقال سماحته في محاضرة حصل عليها "موقع الأئمة الاثني عشر": إن "دور الفقيه هو حفظ الشريعة وهو ليس بالدور البسيط، بل هو دور خطير جداً مكلف بحفظ الشريعة و لها ثلاث مراتب: حفظ تشريعي، وحفظ تعليمي، وحفظ تطبيقي".
وأضاف أن "رأس الهرم هذا الموقع -يقصد المرجعية العامة- شخص قدسي عادل تقي فقيه يحرك الملاين بكلمة واحدة، هذا الموقع عزة للدين والمذهب وهدف من الأهداف القرآنية وهدف من الأهداف التي يرضاها الإمام المنتظر «عج»".
الآية المباركة تحث على التفقه في الدين، والمراد من التفقه في الدين تعلم المعارف الإسلامية سواء كانت على مستوى الأصول وعلم العقائد، أم على مستوى الفروع وعلم الفقه.
ففي صحيحة يعقوب بن شعيب: سأل الإمام الصادق إذا حدث بالإمام حدث، كيف يصنع الناس؟ قال أينك عن قوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ) هم في عذر ما داموا في الطلب» وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم قومهم، فهذه الصحيحة تدل على أن التفقه في الدين عنوان يشمل معرفة الإمام .
من هنا وانطلاقاً من الآية المباركة، نتحدث في عدة محاور:
المحور الأول: في تقسيم العقائد
فيما يجب معرفته عقلاً وما يعرف بالدليل
ذكر علمائنا الأبرار رضوان الله عليهم، أن المعتقدات على قسمين، قسم يجب معرفته عقلاً، وقسم لا يجب معرفته، ولكن إذا قام الدليل عليه فعلى الإنسان أن يدين به «أن يعقد قلبه على طبقه» مثلاً: أصول الدين الخمسة ولوازمها من القسم الأول «مما يجب معرفته عقلاً»، فالإنسان إذا أدرك أن وجوده نعمة، أدرك أن هناك منعم يجب عليه معرفته مقدمة لشكره، فإذا تعرف على المنعم عرف أن ذلك المنعم ذات جامعة لصفات الكمال ومنها العدل والحكمة واللطف، إذا أدرك ذلك أدرك عقله أن مقتضى العدل واللطف والحكمة بعث الأنبياء ونصب الأئمة ووجود يوماً للجزاء وهو يوم المعاد.
إذاَ هذه الأصول الخمسة مما يجب معرفتها عقلاً ولوازمها، مثلاً: من لوازم النبوة والإمامة أن يكون النبي عالماً بالتشريع وأن يكون معصوماً إذ لا يمكن أن يكون إماماً أو نبياً وحجة على الغير ما لم يكن عالماً بالتشريع ومعصوماً، إذاً هذه أمور عقلية يجب معرفتها عقلاً لأن العقل حاكمٌ بها.
القسم الثاني: أمور لا يصل إليها العقل، مثلاً: تفاصيل البرزخ، عذاب القبر، سؤال منكر ونكير، تفاصيل يوم القيامة، الصراط، الميزان، الحساب، هذه أمور لا يصل إليها العقل بما أنه لا يصل إليها العقل لا يجب معرفتها عقلاً، إنما إذا قام الدليل النقلي الصحيح عن النبي محمدٍ صلى الله عليه وآله بثبوت هذه الأمور فعلى المسلم أن يتدين بها تصديقاً لقول النبي وإلا فلا يجب معرفتها عقلاً، إذاً العقائد على قسمين ما يجب معرفته عقلاً وما لا يجب معرفته، لكن إذا قام الدليل فعلى المسلم أن يتدين به، تصديقا للنبي.
المحور الثاني: ما هو الميزان في التشيع؟
ما هو الميزان في الإسلام، وما هو الميزان في التشيع؟؟ الميزان في الإسلام، متى يعد الإنسان مسلماً، إذا تشهد الشهادتين عن تصديقاً للنبي محمدٍ صلى الله عليه وآله، من هنا ذا أنكر الإنسان ضرورة من ضروريات الدين، مثلاً: وجوب الصلاة من الضروريات، وجوب الصوم، وجوب الحج، حرمة شرب الخمر، حرمة الربا هذه أمور ضرورية في الدين لو أن الإنسان أنكر ضرورة من ضروريات الدين، وقال أنا لا أعترف بحرمة الربا مثلاً ولا أعترف بشرب الخمر مثلاً.
يقول العلماء إذا أنكر الضروري فإذا كان ملتفتاً إلى أن إنكار الضروري يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله لأنه أخبر بهذا الضروري يعد خارج عن الإسلام لأنه يعد مكذباً للنبي، إما إذا لم يكن ملتفتاً للملازمة وأنكر الضروري وهو غافل عن لوازم ذلك، أو عقله قاصر، أو في ذهنه شبهة لا يعد منكر للإسلام وإن أنكر ضرورياً والميزان في التشيع، كما يستفاد من الروايات هو الدينونة بدلالة الإمام المعصوم!! كيف؟؟
روايات معتبرة من صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق : قال ذروة الأمر وسنامه ومفتاح باب الله ورضا الرحمن طاعة الإمام بعد معرفته، ثم قال: فلو أن رجل قام ليلة وصام نهاره وحج دهره ولم يكن يعرف ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته ما كان له حق على الله في ثوابه وما كان من أل الإيمان، إذاً ميزان التشيع أن تعترف بأن هناك إماماً معصوماً وأن عليك أن تكون جميع أعمالك بدلالة هذا الإمام، هذا هو التشيع وهو أن تعترف بأن جميع أعمالك لابد أن تكون بدلالة هذا الإمام المعصوم، هذا هو الميزان في التشيع، كيف نتوصل إلى نظر الإمام، نحن يجب أعمالنا أن تكون بنظر الإمام فكيف نتوصل إلى نظر الإمام؟؟
الطريق لنظر الإمام على قسمين: ظني، وقطعي.
الطريق الظني واختلاف العلماء
هو الذي يرد علينا بخبر الآحاد «رواية» هذا الطريق سيقع موقع الخلاف بين العلماء لأنه رواية، منهم من يقبلها ومنهم من لا يقبلها، لنفترض مثلاً: من المؤكد لدينا «من باب المثال» أن النبي محمد الله عليه وآله كانت له ولاية على التشريع «كان من حقه التشريع»، كيف؟؟!
الروايات تقول «أن الله فرض الصلاة ركعتين وزادها رسول الله ركعتين» أصبحت أربع، فما فرضه الله لا يسقط في سفر أو حضر، وما فرضه رسول الله فهو يسقط في السفر، «وإن الله حرم الخمر وحرم رسول الله كل مسكر، وإن الله فرض الزكاة وسنها رسول الله في تسعة أشياء»، إذاً الرسول كانت له ولاية على التشريع بمقتضى نفسه القدسية التي لا تخطأ الواقع، هل هذه الولاية التي كانت للنبي ثابتة للأئمة من بعده أما لا؟؟ محل خلاف بين العلماء، لماذا؟؟
لأن الطريق هنا طريق ظني «هناك روايات تقول: فما فوض إلى النبي فقد فوض إلينا» وهذه الروايات محل نقد وقبول لدى علمائنا، إذاً هذه مسألة نظرية جاءت عن طريق ظني تقع محل للبحث بين علمائنا، أي ولاية الأئمة على التشريع.
الطريق القطعي.. ثلاثة أقسام
أحياناً يصل إلينا نظر الإمام بطريق قطعي لا بطريق ظني، كيف؟؟
الطرق القطعية لنظر الإمام، ثلاثة: إجماع، وارتكاز علمائي، وتواتر إجمالي.
الطريق الأول: الإجماع
أن يجمع فقهاء تلك الحقبة «غير فقهاء زماننا» فقهاء الحقبة الصغرى، المعاصرة لغيبة الإمام، لماذا؟؟ لأن تلك الحقبة متصلة بالطبقة الذين عايشوا الأئمة وعاشروهم، وسمعوا منهم، فالمعول على تلك الطبقة، أجمع علماء تلك الحقبة «حقبة الغيبة الصغرى مثلا» على أن الإمام والنبي معصوم عصمة مطلقة «معصوم عن الخطأ والسهو والنسيان»، هذا الإجماع يعد كاشف قطعي عن نظر الإمام، لماذا؟؟ لئلا يتصور أن يجمع كل العلماء في تلك الفترة على أمر وهم متصلون بعصر النص، ولم يكن الإمام راضياً بهذا الإجماع، فهذا غير معقول، وإلا لنقض الإمام إجماعهم لأنه قريب من عصرهم، يأتيك مخالف مثلاً الشيخ الصدوق خالف في ذلك، هل مخالفة شخص يقدح في الإجماع؟؟ لا، لا يقدح في الإجماع.
ولكن لماذا؟؟
أولاً: لم يحرز أن الصدوق خالف، لأن الصدوق قال بالإسهاء ولم يقل بالسهو فرق بين الإسهاء والسهو، الصدوق يقول الله أسهى نبيه لمصلحة للأمة، أسهاها، وليس سهو، إسهاء من الله.
ثانياً: نفترض أن الصدوق يقول بالسهو!! لا يضر بالإجماع، لماذا؟؟ متى ما عرف الشخص المخالف وعرف دليله وأنه ضعيف، فلا يقدح في إجماع الطائفة، الطائفة أجمعت على أن النبي أو الإمام معصوم عصمة مطلقة، إذاً مخالفة شخص واحد لدليل ضعيف لا يقدح في الإجماع. ولا يوجد أحد عاقل يقرأ الدليل الذي ذكره الشيخ الصدوق ويقبله، الشيخ الصدوق يتعرض لنفس الروايات الموجودة عن إخواننا أهل السنة أن الرسول صلى صلاة الظهر ركعتين، وسهى واستدبر القبلة.
القرآن يقول (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ويقول (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) هل يعقل أن نبي الرحمة يكون في طرف (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) ويخرج عن طرف (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) هذا غير معقول، مخالفة شخص من العلماء لا تقدح في الإجماع، وفي الطريق طريقاً قطعياً.
الطريق الثاني: الارتكاز العلمائي
الارتكاز العلمائي، كيف؟؟ إذا راجعنا عبارات العلماء في تلك الفترات تجدهم يرسلون الأمر إرسال المسلمات ولا يذكرون مخالفاً، وإن لم يصرحوا بالإجماع، مثلاً: علمائنا أرسلوا إرسال المسلمات، أن للإمام علم لدني، وليست اكتسابية، قسم من علومه اكتسابية وهي علم التشريع اكتسبه مثلاً: عن علي بن الحسين عن الحسين عن الحسن عن عليٍ عن رسول الله «هذا علم مكتسب جاء عن طريق الرواية»، وهناك قسم من علوم الإمام علم لدني عن طريق الإلهام وليس عن طريق الوراثة وليس عن طريق النقل «علم لدني».
والخضر ليس أفضل من الأئمة والقرآن يقول في حق الخضر (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) أعطينها علم لدني. إذاً عندنا ارتكاز علمائي على أن للأئمة علم لدني، وهذا طريقٌ قطعي.
الطريق الثالث: تواتر الروايات
تواتر الروايات، كيف؟؟ روايات كثيرة تقتطع بأن واحد منها على الأقل صادر من الإمام المعصوم، هذا يسمى تواتر إجمالي، مثلاً: عندما نراجع الروايات نرى كتاب كفاية الأثر، أما للصدوق، عيون أخبار الرضا، غيبة الطوسي، غيبة النعماني، الخصال، كتب متعددة، وروايات متعددة في هذه الكتب عن الإمام الحسن الزكي «ما من إلا مقتول أو مسموم».
هذا الحشد من الروايات كله تضرب به عرض الحائط!!؟ لا يمكن، روايات متواترة إجمالاً، لكثرتها، «ما من إلا مقتول أو مسموم» كل واحد سيحصل على الشهادة!!
ربما يقول إنسان هذه مسألة تاريخية، الإمام الهادي مات مسموم أم لا!! فهي مسألة تاريخية، لا ربط لها بالعقائد!! لا هذه الفكرة خاطئة، لماذا؟؟ لأن مقام الشهادة من مقامات الإمام، مات مسموم «يعني مات شهيداً» والشهادة مقام من المقامات، إذاً المسألة رجعت للعقيدة!! هل نعتقد أن الإمام من مقامته أن يموت شهيداً أم لا؟؟
فإذا عندنا روايات متواترة إجمالاً أن كلهم شهداء، لا نستطيع أن نطرح هذه الروايات، إذاً بالنتيجة: هناك طرق قطعية لكشف نظر الإمام ذكرنا هذه الطرق القطعية، إذا الإنسان أنكر شيء من هذه القطعيات قال لا اسلم به، إذا لم يلتفت إلى اللوازم لشبهة في دهنه أو لقصور في عقلة أو لعدم خبرة، بعضهم لا توجد عندهم خبرة علمية، لا توجد عنده معرفة بتنقيح الروايات وموازين النقد والقبول فيها، فيأتي ويتصرف وينكر رواية ويطرح رواية هو لا توجد عنده خبرة علمية، ليس صاحب اختصاص في هذا الميدان، إذا أنكر القطعي لشبهة عنده أو لقصور عقلة أو لعدم معرفته هذا لا يقال خرج عن التشيع «لا»، أما إذا كان ملتفت إلى أن هذا الأمر قطعي وأن تكذيبه تكذيب لنظر الإمام الذي توصلنا إليه بأحد هذه الطرق القطعية، يقال هذا خرج عن التشيع لأنه أنكر قطعيا وهو ملتفت إلى أن لازم إنكاره رد نظر الإمام . إذاً هذا هو الميزان في التشيع وحدوده.
المحور الثالث: ما هو الميزان في الثابت والمتغير؟!
الفكر الإسلامي والفكر الإمامي فيه ثابت وفيه متغير، الثابت: هو الضروري الذي وصلنا إلينا بطريق قطعي كما مثلنا، والمتغير: هو النظري الذي وصلنا إلينا بخبر ظني فبعض العلماء يقبل بعض العلماء يرفض مثلاً: أفترض الرجعة أصل الرجعة من الضروريات ليس من ضروريات المذهب فقط من ضروريات الدين أصل الرجعة لأنه القرآن الكريم نص على الرجعة قال تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) حشر جزئي لو كان يريد يوم القيامة لقال:» ويوم نحشر كل أمة» لكن قال في الآية(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ) يعني نأخذ جماعة من كل أمة ونرجعهم أحياء وتقوم عليهم قوانين العدالة (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) هذا حشر جزئي هذا هو الرجعة لا كلام فيها.
رجعة الحسين عليه السلام إلى الدنيا أيضاً وردت في روايات متواترة أما رجعة جميع الأئمة هذا محل خلاف، هذه نسميها مسألة متغيرة مسألة نظرية، تتبع كل عالم وموازين النقض والقبول عنده للروايات المتعرضة، لذلك فعدنا ثابت وعندنا متغير، هنا سؤال يطرح: هل يمكن أن يتحول المتغير إلى ثابت؟، الثابت لا يمكن أن يتحول إلى متغير، لكن هل يمكن أن يتحول المتغير إلى ثابت بحيث يصبح النظري ضروري «يعني شيء كان نظري في زمان الصدوق، الآن في زماننا يصبح ضروري أما لا»؟! ممكن، لماذا؟!
ذكرنا في بعض ليالي عاشوراء مسألة التراكمية الثقافية التراكمية الثقافية مؤثرة، مثل ما علم الطب نتيجة التراكمية الثقافية، توسع وأصبح علم الطب، اختصاصات متعددة، مثل ما الهندسة نتيجة التراكمية الثقافية أصبح علم الهندسة حقول مختلفة، أيضاً الفكر ألإمامي نتيجة التراكمية الثقافية تتسع معلوماته، تتطور أدواته، تتنوع حقوله، فمن الممكن أن يكون ما هو نظري قبل ألف سنة ضروري الآن، ممكن مثال: القرآن الكريم قبل ألف سنة إذا تسأل أي عالم من علماء المسلمين قبل آلف سنة تقول له القرآن الكريم كتاب علمي أم لا؟!
يقول لك القرآن كتاب هداية القرآن قال: (الم «1» ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) أما كتاب علمي لا يوجد عندنا دليل على أنه كتاب علمي هذا كلام قبل ألف سنة بعد ألف سنة التراكمية الثقافية اكتشفت أن في القرآن أسرار علمية الآن نحن بعد ألف سنة أصبح عندنا مفهوم ضروري، أصبح من ضروريات الإسلام أن القرآن كتاب علمي، وليس مجرد كتاب هداية، هذا أصبح شيء ضروري من ضروريات الإسلام لماذا؟! مع أن علمائنا الأوائل لم يقول به، لأن التراكمية الثقافية فرضت نفسها اكتشفت أسرار علمية في القرآن لم يكتشفها من كان قبلنا، أنت من أتي الآن إلى قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ «76» وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ).
أنظر علمائنا هنا الآن في عصرنا الحاضر يقول لك فرق بين مواقع النجوم لم يقل فلا اقسم بالنجوم، قال: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) معناه أن النجم له موقع ثم يغادره إلى مجموعة شمسية أخرى، وأنت لا تزال ترى النجم في نفس الموقع لماذا؟! لأنه هذا النجم الذي تراه الآن هو انتقل من هذا الموقع إلى مجموعة شمسية أخرى قال تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) لكن هذا الموقع الذي كان فيه النجم قبل خمسمائة سنة ضوئية وصل لك الضوء فأنت ترى موقعه الذي كان فيه قبل خمسمائة سنة ضوئية، وأما الآن فهو يسبح في مدار أخر وفي طرف أخر، هذه الأسرار العلمية في القرآن لم يكتشفها علمائنا السابقون واكتشفها علمائنا اللاحقون، بمقتضى التراكمية الثقافية إذا ما كان نظريا عندهم أصبح ضروري عندنا، ما كان ظني عندهم أصبح قطعي عندنا نتيجة التراكمية الثقافية نفس الشيء على مستوى العقائد تأتي الآن قبل ألف سنة يجوز ما كان العلماء يقولون أن الأئمة أفضل من الأنبياء لم يكونوا يقولون لماذا؟!
يقولون لك روايات ربما تصح وربما لا تصح، نحن بعد ألف سنة تطورت عندنا الأدوات العلمية، أصبحنا أكثر سيطرة على الروايات ممن سبقنا، أصبح أكثر قدرة على استنطاق الروايات واستخراج المفاهيم ممن قبلنا، لأنه الأدوات تطورت أدوات البحث وأدوات التحقيق تطورت، وصلنا إلى ما لم نصل إليه من سبقنا، لأجل ذلك نحن نستطيع أن نقول لا من ضروريات المذهب ومن الأمور القطعية أن الأئمة أفضل من الأنبياء لماذا؟! للروايات المتواترة على عالم الأنوار «خلقكم الله أنوار فجعلكم بعرشه محدقين».
المحور الأخير: بعد أن عرفنا المعارف وكيف نصول إلى المعارف والطرق الظنية والقطعية
نأتي الآن إلى دور الفقيه في عصر الغيبة الفقيه له ثلاثة مناصب:
منصب حجية الفتوى أن فتواه حجة على مقلديه.
منصب القضاء قضائه نافذ على الناس.
منصب الولاية بعض الفقهاء يرى الولاية خاصة بالأمور النظامية وبعض الفقهاء يرى الولاية عامة مطلقة، السيد الخوئي مثلاً: كان يرى الولاية خاصة بالأمور النظامية، الإمام الخميني مثلاً يرى الولاية مطلقة عامة هذا اختلاف في سعة الولاية وضيقها الجميع يقول بمنصب الولاية، ما هو دور الفقيه؟!
دور الفقيه هو حفظ الشريعة دور الفقيه ليس دور بسيط دور خطير جداً مكلف بحفظ الشريعة وقد تحدثنا في بعض الليالي السابقة أن حفظ الشريعة له ثلاث مراتب: حفظ تشريعي، وحفظ تعليمي، وحفظ تطبيقي.
المرتبة الأولى: الحفظ التشريعي
فالفقيه مسؤول عن رقابة الفكر طول الوقت، والفقيه يراقب ما يقال، ما يطرح، ما يتكلم به لماذا؟! حتى يكون حذر على حفظ الشريعة ألا يدخل فيها ليس منها، الفقيه في حال رقابة على الفكر، أي فكر يطرح في هذا القنوات وما يدور فيها، والمواقع وما يدور فيها، كلها تصل إلى الفقهاء أولاً بأول، الفقيه رقيب على ما يطرح وما يقال وما يذكر حتى يقوم بمسؤوليته في حفظ الشريعة من الناحية التشريعية أن يحافظ على أصولها وثواباتها وقطعياتها، وأن يترك المجال في النظريات لمائدة البحث لذلك ورد عن النبي محمد : ورد عنه في رواية معتبرة ”في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الضالين وبدع المبطلين“ يعني دوره دور الرقابة.
المرتبة الثانية: الحفظ التعليمي
الحوزات العلمية ما هو الهدف من تأسيسها؟؟ حفظ الشريعة، لأنه الحوزات العلمية تروج العلوم الشرعية تدرسها وادرسها، وتدقق فيها، هذا كله حفظ للعلوم الشرعية، لو لم تكن هناك حوزات لدرست هذه العلوم كلها ولتحول الفكر الإمامي إلى فكر متحجر جامد، قبل ألف سنة لم يتغير الفكر الإمامي، لماذا يتطور ويتألق؟ لأن الحوزات العلمية تديره بين فترة وأخرى، فهذا حفظ للفكر الإمامي حفظ تعليمي قال تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
المرتبة الثالثة: الحفظ التطبيقي «الحفظ العملي»
أن الفقيه يفتي العامة، يفتي الناس بما يحفظ لهم دينهم، بما يحفظهم عن الوقوع في الحرام، ومخالفة الواجب، إذاً الفقيه دوره الحفظ بمراتبه الثلاث مؤيد ومسدد من الإمام المنتظر «عج».
الآن نحن تأتينا دعوات وتأتينا أطروحات، مثلاً: دعوة إلى إلغاء المرجعية يقول لك كافي الشيعة إلى متى يؤمنون بالمرجعية نترك إدارة أمور الشيعة بيد المثقفين والأكاديميين وبيد الأحزاب والتيارات ونلغي شي أسمه المرجعية، هذه دعوة أخرى مؤسسة المرجعية يقولون لك أترك المرجعية تتحول إلى مؤسسة، لماذا شخص واقف على رأس الهرم لا مؤسسة عالم اليوم عالم مؤسسات ليس عالم أشخاص، الفكر الفردي راح، الآن الفكر الحاكم والمسيطر، هو الفكر المؤسسي، أترك المرجعية تتحول إلى مؤسسة تضم مجموعة من الفقهاء.
تأتي فكرة ثالثة أنه لا، لا يوجد داعي لتوحيد المرجعية مرجع في النجف أو مرجع في إيران لا أترك المرجعية محلية كل محل له مرجع وكل بقعة له فقيه هذا النوع من الأفكار أنا لا أريد أدخل في مناقشتها يحتاج لها وقت أطول أريد أن أقول كلمة واحدة نحن إذا قرءنا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ماذا نستفيد من هذه الآية؟! نستفيد منها أن عزة الدين مطلوبة من جملة الأهداف القرآنية عزة الدين، أن يبقى الدين عزيز هذا من جملة الأهداف القرآنية عزة الدين والمذهب لا تحصل إلا بالمرجعية العامة، هذه الصورة للمرجعية أن عندنا مرجع عام، المرجع العام يصير واحد يصير ثلاثة ليس مهم، أنا لا أريد أن أوحد، أريد أن أقول المرجعية العامة بصورتها الموجودة الآن، المرجعية العامة للإمامية مظهر عزة للدين ومظهر عزة للمذهب ولذلك أنت ترى السياسات العالمية كلها تخطط لماذا؟!
لتحطيمه لماذا؟! لأنهم يرونه منصب خطر يرون أن منصب المرجعية خطر واحد يتحكم في الملايين كيف؟! شخص بكلمته يحرك الملايين من الناس، هذا شيء خطر على السياسات العالمية، بما أنه خطر لذلك تعقد المكائد والخطط المختلفة لتحطيم هذا المنصب بعبارة وبصور وبأطروحات مختلفة لماذا؟! لو لم يدركوا أن المرجعية العامة عز للدين وعز للمذهب تصون المذهب عن الدمار حصن للمذهب عن تعطي هيبة قدسية لهذا المذهب لو لم يدركوا ذلك لما خططوا لإزالة هذا الأمر.
إذاً المرجعية العامة مصدر عزة أنتم رأيتم التاريخ لا يحتاج أن أذكر المعاصرين الماضين، مثلاً رأيتم التاريخ كيف مثلاً السيد المجدد الشيرازي الذي أفتى بحرمة التنباك، الزعامة السياسية التي حدثت له في سامراء في ذلك الزمان هو الذي أرهب السياسات العالمية آن ذاك، من بعد الشيخ حسن تقي الشيرازي الذي قاد ثورة العشرين، هذا أيضا الزعامة العامة هي التي جعلت للدين عزة، الإمام الحكيم في عصره السيد محسن الحكيم كيف أطاح بالشيوعية في العراق، وكيف أطاح بحكومات متعاقبة في العراق نتيجة قوة المرجعية قوة منصب المرجعية وهكذا الإمام الخميني، الإمام الخوئي من بعده كلاً في بابه وكلاً في مجاله.
إذاً عزة المذهب وعزة الدين بالمرجعية العامة بهذا الموقع، فعلينا أن لا نفرق في هذا الموقع الذي هو عز للمذهب وعز للدين بأطروحات مختلفة تحتاج إلى التنقيب وتحتاج إلى الدراسة.
إذاً بالنتيجة: هذا الدور الذي يقوم به مراجعنا الأعلام نحن لا نمنع المؤسسات، مؤسسات إدارة الحقوق، لو تصبح مؤسسات لإدارة الحقوق شرعية لإدارة الشؤون المرجعية، ولكن نتكلم عن رأس الهرم هذا الموقع الذي يحتله رأس الهرم شخص قدسي عادل تقي فقيه يحرك الملاين بكلمة واحدة، هذا الموقع عزة للدين والمذهب وهدف من الأهداف القرآنية وهدف من الأهداف التي يرضاها الإمام المنتظر «عج» لذلك نحن لا يمكن لنا أن نفرض في ذلك، ومسألة العزة الأئمة كلهم كان هدفهم العزة، الحسين لماذا ثار؟! لأجل العزة «ألا أن الدعي أبن الدعي ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك والمؤمنون».
انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث حول محورية الدعاء، عندما نرجع إلى ما يذكره بعض أقطاب المدرسة المادية، نجد أن هناك تقليل من محورية الدعاء ومن أهمية الدعاء. مثلاً، دوكينز في كتابه «وهم الاله» صفحة 63 يقول: إن من التجارب المسلية بل المثيرة للشفقة: تجربة الدعاء. قمنا بتجربة لثلاث فئات من المرضى، فئة دعي لهم من دون علمهم، وفئة دعي لهم مع علمهم بالدعاء، وفئة لم يدعى لهم، وما وجدنا أي تغير بين هذه الفئات الثلاث. من دعي لها ومن لم يدعى لها. من دعي لها بعلمها ومن دعي لها من دون علمها. لم نجد تفاوتاً بين الفئات الثلاث. بل الفئة التي دعي لها بعلمها تدهورت صحتها أكثر. إذن أين دور الدعاء؟ أين أثر الدعاء؟ إذن الدعاء عملية عبثية. عملية إيحائية نفسية لا أكثر من ذلك. ليس للدعاء أثرٌ جوهري أو دورُ جوهري واقعي على شخصية الإنسان، أو صحة الإنسان، أو سلوك الإنسان. نحن أمام هذا المنطق باعتبارنا في المدرسة الدينية نرى أن للدعاء مركزية ومحورية أساسية. لذلك، نتحدث عن الدعاء من خلال محورين:
المحور الأول: فلسفة الدعاء.
المحور الثاني: سببية الدعاء.
المحور الأول: فلسفة الدعاء.
ما هي حقيقة الدعاء؟ إذا تعرفنا على حقيقة الدعاء وفلسفته، صح لنا أن نسأل: هل الدعاء يشفي المرضى أو لا؟ حتى نتعرف أولا على فلسفة الدعاء، هنا جوانب ثلاثة:
الجانب الأول:
هناك فكرة يطرحها علماء الفلسفة، علماء السلوك، علماء المنطق، هذه الفكرة تسمى بالفناء. فناء شيءِ في شيءِ آخر. ما معنى فكرة الفناء؟ نحن عندما نتصور شيئاً نحبه، نخافه، نكرهه، مثلا نحن الآن نتصور أبانا، عندما نتصور أبانا، هل نجد أن هناك شيئين: صورة وذو صورة وهو أبانا أم لا؟ لا نرى إلا أبانا. لا نشعر بأننا نتعامل مع صورة، لا. نشعر أننا نتعامل مع أبينا. عندما نتذكر أبانا، نتذكر حنانه، نتذكر عطفه، نتذكر رأفته. عندما تمر بنا الذكريات، لا نشعر أننا نتعامل مع فلم، مع شريط صور. لا، نشعر أننا نتعامل مع واقع، مع أبينا، مع حنانه، مع رأفته، مع عطاءه. هذا ماذا يعني؟ يعني الفناء. الصورة الذهنية فنيت في ذي الصورة. فنحن لا نرى شيئين صورة وذي صورة. لا، نحن لا نرى إلا أبانا. هذا ما يعبر عنه بعملية الفناء.
فناء الصورة في ذي الصورة. عملية الفناء هي عبارة عن ذوبان شيء في شيء آخر. الشيء الأول لا تبقى له شيئية، لا تبقى له أنية، يذوب في الشيء الآخر. في علاقة الخوف، علاقة الحب، نحن عندما نخاف من شيء، نفترض نحن نخاف من شخص معين، نحن هذا الخوف يشغلنا عن كل شيء، لا نتصور شيء آخر، ننشغل عن أكلنا، عن نومنا، عن عيالنا، عن أطفالنا، نعيش طول الوقت صورة الشخص المخيف.
إذن، أصبحت حالة فناء: فنيت أنفسنا في صورة ذلك الإنسان. أصبحنا لا نفكر إلا فيه. انشغلنا عن كل شيءٍ إلا هو. هذه تسمى بعملية فناء، عملية ذوبان. ذابت أرواحنا، وذابت عقولنا في تصور هذا الإنسان المخيف. أو علاقة الحب، عندما نحب إنسان، زوج يحب زوجة، رجل يحب امرأة، زوجة تحب زوجها، عادة الزوجات يحبون الأزواج أكثر من الأزواج يحبون الزوجات ; عادة المرأة أكثر عاطفةً، أكثر حباً، أكثر حناناً على الزوج من العكس. المرأة عندما تذوب في حب زوجها، يشغلها حب زوجها عن كل شيء. يشغلها عن صحتها، يشغلها عن شخصيتها، يشغلها عن كل شؤونها، لا تنشغل إلا بصورة زوجها وراحة زوجها. هذي تشكل عملية فناء، ذوبان المحب في المحبوب. ذوبان المحب في المحبوب: فناء. إذن، الفناء بحسب المصطلح الفلسفي: ذوبان شيءٍ في شيءٍ آخر.
الجانب الثاني:
الدعاء هو مصداق من مصاديق الفناء. يعني نحن عندما نسأل: ما هي حقيقة الدعاء؟ الدعاء فناء أرواحنا في الله عز وجل. ذوبان أرواحنا في الله عز وجل. الدعاء عملية فناء. مصداق من مصاديق الفناء. كيف مصداق من مصاديق الفناء؟ الدعاء تحويل الفقر الوجودي إلى فقرٍ روحي. كيف تحويل الفقر الوجودي إلى فقرٍ روحي؟ جميع المخلوقات ومنها الإنسان هي عين الفقر لله، عين التعلق بالله، عين الربط بالله. كل المخلوقات، ومنها الإنسان. الإنسان ما هو؟ هو عين الفقر لله. الإنسان ليس شيئاً مستقلاً عن الله. ليس شيئاً متحيزاً عن الله تبارك وتعالى. الإنسان عين الفقر، عين التعلق بالله عز وجل. نحن من باب المثال وتقريب الفكرة وإلا علاقة الإنسان بالله أدق وأعمق من أي مثال نطرحه. مثلاً عندما نأتي، علاقة ضوء المصباح بالطاقة الكهربائية. ضوء المصباح هو تعلقٌ وربطٌ بالطاقة الكهربائية. لا وجود لضوء المصباح مستقل. لا نستطيع أن نقول الطاقة وجود مستقل. والضوء وجود مستقل. لا. ضوء المصباح ربط بالطاقة الكهربائية. متى ما توقفت الطاقة لحظة، انتهى ضوء المصباح. ضوء المصباح عين فقر، عين الربط بالطاقة الكهربائية.
بهذا التقريب، وجودنا بالنسبة إلى وجود الله: عين الربط. نحن فقر مدقع. نحن ربط مدقع. لو رفع الله يده عن المدد ما كان لنا وجود في لحظة واحدة. فنحن عين الربط به. عين الفقر له. وهذا ما أكده القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ نحن عين الفقر لله. هذا الفقر الوجودي نحن نريد أن نحوله إلى إحساس. أنت أيها الإنسان عين الفقر، لكن هذا الفقر نريد أن نحوله من فقر وجودي إلى فقر روحي. هذا الفقر الوجودي نريد أن نجسده، نريد أن نمثله. هنا تأتي حقيقة الدعاء. هنا تأتي فلسفة الدعاء. الدعاء يحول الفقر الوجودي إلى إحساس بالفقر، إلى إحساس بالذلة، إلى إحساس بالمسكنة. الداعي، العبد عندما يقف للدعاء، العبد عندما يقف موقف الدعاء بين يدي الله، الدعاء يحوله من فقر وجودي إلى فقر روحي. الدعاء يشعره، يحسسهُ بأنه ذلة، مسكنة، فقر، احتياج، ربط، تعلق بالله تبارك وتعالى. لذلك، في دعاء الإمام الحسين يوم عرفة: ”الهي أنت الغني وأنا الفقير، أنت العالم وأنا الجاهل، أنت العزيز وأنا الذليل، أنت القوي وأنا الضعيف“ هذي كلمة أنا وأنت هي حقيقة الدعاء. حقيقة الدعاء: أنني أنا فقر، ضعف، جهل، موت، ذلة. أنت عزة، غنى، قوة، حياة. إذن، الدعاء يحسسنا بواقعنا. يحسسنا بقيمتنا. يحسسنا بأننا عين الفقر والذلة لله. هذه حقيقة الدعاء.
حقيقة الدعاء تحول الفقر الوجودي إلى فقر روحي. نحن نعيش حالة تضخم، حالة تورم. كيف نعيش حالة تضخم؟ يعني عندما نقرأ هذه الآية المباركة: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ ما معنى تكاثر في الأموال والأولاد؟ يعني ننجب أولاد كثيرين ونربح أموال كثيرة؟ ليس هذا المعنى الظاهري فقط. ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ يعني: نحن نرى أن ذواتنا تضخمت من خلال الأموال والأولاد. نشعر بأن لنا وجوداً ضخماً. يقول: أنا إنسان لدي شركات، لدي عقارات، لقبي معروف، اسمي معروف، أنا أرى نفسي بصورة مضخمة. أرى نفسي بصورة متورمة من خلال أموالي، من خلال شركاتي، من خلال اسمي. أو عندما يكون لي لقب معين: دكتور، بروفيسور، آية الله، علامة. أشعر أن لنفسي ضخامة. أشعر أن لنفسي هالة. انظر إلى نفسي بصورة مضخمة، بصورة متورمة. هذا معنى التكاثر. أنني أرى نفسي كثيراً وأنا لست في الواقع كذلك.
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ الهاكم هذا النظر لأنفسكم بالضخامة والتورم حتى جاءكم الموت وأنتم على هذه الحالة. نحن نرى أنفسنا بضخامة، كيف نتخلص من هذه الرؤية؟ كيف نقرأ أنفسنا بواقعية؟ كيف نتعرف على حجم أنفسنا؟ أننا في الواقع لسنا بهذه الضخامة. هذه الضخامة ضخامة وهمية. بروفسور ودكتور وآية الله وعلامة وإنسان ثري وتاجر. هذه كلها ضخامة مادية، ضخامة وهمية. إذا أردنا أن نقرأ أنفسنا قراءة واقعية، نكتشف أنفسنا على حجمها، على واقعها، فالدعاء هو الوسيلة. الدعاء يعرفك بحجمك. يعرفك بواقعك. يعرفك بمقدار شخصيتك. عندما تقف بين يدي الله وتتذكر أنك لا تملك شيئاً، كل شيء. هذه ثروتك وأموالك وأولادك، كلها تذهب في لحظة واحدة. إذا جاءك الموت لا تستطيع أن تمد عمرك ثانية واحدة. إذا تصورت الفقر والذلة والمسكنة من خلال الدعاء، اكتشفت حقيقتك. اكتشفت واقعك. إذن الدعاء يحولك من فقرٍ وجودي إلى فقرٍ روحي. يجعلك تفنى في الله تبارك وتعالى. هذا هو الدعاء، حقيقة الدعاء هي الفناء.
الجانب الثالث:
فناء الأنانية في الغيرية. كيف فناء الأنانية في الغيرية؟ يوجد كتاب لدوكينز غير كتابه «وهم الإله» كتاب «الجين الأناني» ”جيناتنا صيغت بأنانية“ هذا يلتقي مع ما يذكره علماء النفس في المدرسة التحليلية: أقوى غريزة لدى الإنسان غريزة حب الذات. هذي أقوى غريزة عند الإنسان: يحب نفسه. لذلك نراه يحب يتملك، يحب يستأثر، يحب يستحوذ على الأشياء. غريزة حب الذات تجعل الإنسان يهرول نحو التملك، نحو الاستئثار. غريزة حب الذات تجعلنا أنانيين لا نفكر إلا في أنفسنا. كيف نتخلص من هذه الأنانية؟ كيف نتخلص من الأنانية ونتحول إلى ضمير حي يشعر بآلام الناس، يشعر بآهاتهم، يشعر بأزماتهم، يشارك الناس في همومهم، كيف نتخلص من الأنانية وننطلق إلى الغيرية؟ نتخلص بالدعاء. الدعاء وسيلة فناء يفني الأنانية في الغيرية. يحولنا من جين أناني إلى جين يشعر بآلام الآخرين، هذا هو الدعاء. الإمام الحسن الزكي يقول: ”ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت إلى صلاتها لا تنفتل حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات، فأقول لها أماه فاطمة لما لا تدعين لنفسك؟ فتقول بني حسن الجار ثم الدار“ الدعاء يحول الإنسان من أنا إلى أنت. من الأنانية إلى الغيرية. ”بني حسن الجار ثم الدار“ لذلك الإنسان دائماً يطلب منه أن يدعوا للمؤمنين. إذا أردت أن يستجاب دعاءك فادعوا لأربعين مؤمن بأسمائهم فإنها وسيلة لاستجابة الدعاء. حاول أن تتحرر من الأنانية إلى الغيرية.
المحور الثاني: سببية الدعاء
كلام دوكينز، دوكينز يقول أقمنا تجربة على ثلاث فئات من المرضى: فئة دعي لهم من دون علمهم، فئة دعي لهم بعلمهم، فئة لم يدعى لهم. لم نرى تفاوت، الجميع لم يتغير وضعه الصحي. إذن، أين دور الدعاء؟ نحن هنا نتحدث في جهتين:
الجهة الأولى:
هذا التهويل الإعلامي لدوكينز في كتابه «وهم الإله» أو غيره، نحن نحاول أن نرجع إلى المنطق العلمي: يعني إلى ما يذكره العلماء المتخصصون في مجال الأعصاب، هل للدعاء أثر على الدماغ أم لا؟ دوكينز غير متخصص في هذا المجال، هو يتحدث عن كلام خارج عن تخصصه. نرجع إلى العلماء المتخصصين في هذا المجال: مجال علم الأعصاب. ما هو أثر الدعاء على الدماغ؟ هل أن الدعاء يفرز أثراً إيجابياً على الدماغ حتى ينعكس هذا الأثر الإيجابي على الصحة النفسية للإنسان، والصحة البدنية للإنسان أم لا؟ لنرجع إلى كلمات علماء متخصصين في هذا المجال. آندرو نيوبيرج، أستاذ علم الأعصاب، بروفيسور في جامعة: بنسلفانيا في الولايات المتحدة له كتابان مترجمان إلى العربية: كتاب «كيف يغير الله عقلك»، وكتاب «الله والدماغ» كتابان مترجمان إلى العربية. هو عالم أعصاب ويتحدث أنه قام بتجارب على مجموعة من أدمغة المتدينين وأدمغة غير المتدينين. قام بتجارب، هذه التجارب أوصلته إلى نتائج وهو يصرح بكلام دوكينز، يتعرض بنفسه إلى كلام دوكينز ويناقشه. هذه التجارب أوصلته إلى نتائج بحثية علمية في تأثير الدعاء والعبادة على الدماغ، دماغ الإنسان.
يقول، نلاحظ صفحة 15، ”إن بعض الطقوس الدينية لا تعمل شيئاً سوى الاسترخاء، وبعضها يساعد على كونك منتبهاً، مركزاً. وعدد قليل يأخذ الممارسين إلى عالم متعالي من التجربة الروحية يتم فيه تغيير حياته.“ يعني هناك بعض الطقوس العبادية تغير حياتنا، تسهم في تغيير حياتنا، كيف؟ هو يذكر في صفحة 19، يقول، يتحدث بالذات عن الدعاء والصلاة، يقول: ”إنه يعزز الأداء العصبي للدماغ بطريقة تسهم في تحسن الصحة البدنية والعاطفية لدى الإنسان. وتولد الشعور بالسلام، والوعي الاجتماعي والتعاطف مع الآخرين.“ ويقول أيضاً: ”إن الله جزء من وعينا“ يعني الطبيعة الفسلجية للدماغ بنيت وصيغت بحيث تكون فكرة ”الله“ جزء مريح لهذه الطبيعة الفسجلية للدماغ. الله جزء من وعينا. مع أنه غير متدين طبعاً، هو يقول عن نفسه أنه غير متدين. لكن يقول هذي نتائج علمية، نتائج أبحاث علمية.
”كلما تفكرنا في الله تغيرت الدوائر العصبية في أجزاء معينة من الدماغ، وهذا هو السبب في أنني أقول وبكل ثقة، يقول كلامي كلام علمي. أقول وبكل ثقة: أن الله يمكن أن يغير دماغك.“ يتغير دماغك بفكرة الله تبارك وتعالى. أيضاً يذكر في كتابه «الله والدماغ» أنه قاموا بتجارب على مجموعة من أدمغة المتدينين وغيرهم اكتشفوا أن هذه الطقوس العبادية تعيد للدماغ وظيفته الأساسية، ماهي الوظيفة الأساسية للدماغ؟ وهي الحصانة الذاتية. حيث يقوم الدماغ بحصانة ذاتية تؤثر على الصحة النفسية والبدنية للإنسان. يعني الطقس العبادي يساعد الدماغ على أن يستعيد نشاطه، وظيفته الأساسية، وهي القيام بالحصانة الذاتية لهذا الجسم ولهذه الصحة النفسية. نلاحظ هو يتعرض إلى كلام دوكينز بنفسه، يقول في صفحة 18، ”في الآونة الأخيرة، هناك مجموعة من الكتب المعادية للدين من بينها «وهم الإله» لدويكنز، «نهاية الإيمان» سام هاريس، «الله ليس عظيماً» هيتشنز. هذه الكتب تقول: إن المعتقدات الدينية خطيرة شخصياً واجتماعياً، لكن البحث يعني نتائج البحث العلمي، تقترح بشدة خلاف ذلك“ يعني نتائج البحث العلمي وصلت إلى خلاف ما تقرره هذه الكتب المعادية للدين.
الدين، الطقس العبادي، الدعاء، يسهم في صحتك النفسية والبدنية. ألكسيس كاريل صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول» له كتاب آخر اسمه «الدعاء»، يقول: ”الدعاء ارتفاع بالنفس نحو الله عز وجل“، ”الدعاء يقارن بشكلٍ من الأشكال بتأثير الغدد الصماء ذات الفرز الداخلي كالغدة الدرقية. كما أن تأثير الغدد الصماء تأثير تدريجي خفي، كذلك تأثير الدعاء تأثير تدريجي خفي يقوم على نوع من التحول الذهني والعصبي، فيرى الإنسان في ضوئهِ نفسه على حقيقتها. إذ يكتشف أنانيته، وجشعه وخطأ سلوكه الصادر عن تغطرسه، فيحاول كسب الخشوع النفسي، وشيئاً فشيئاً يكتسب الطمأنينة الباطنية والانسجام بين النشاطات العصبية، ويكتسب طاقة روحية“ يقول لنا: الدعاء يعطيك طاقة روحية لا تضعف أمام الفقر، والمرض، والموت. ينقل ألكسيس كاريل، يقول: "إن المكتب الطبي لمنتجع لورد أدى خدمة كبيرة للعلم ; لأنه برهن على أن الدعاء سبب شفاء كثير من الأمراض الباثولوجية. هذا كلام علماء، هذا منطق علمي مبني على تخصص وليس كلاما إعلامياً وتهويلياً. إذن، من خلال هذه الجهة نثبت أن هناك منطقا علمياَ في سببية الدعاء للصحة النفسية أو الجسمية.
الجهة الثانية:
الدعاء والإجابة. هذا سؤال موجود عند كل الناس: نحن ندعو والله لا يستجب لنا. غيرنا يدعو لنا ولا يستجاب لنا. لماذا لا يستجاب لنا؟ ما هو السبب؟ ما هو المانع من إجابة الدعاء؟ الدعاء كسائر الأسباب، هناك أسباب مادية، هناك أسباب نفسية. سببية النار للاحتراق: النار تحرق، هذا سبب مادي. سببية الكلمة الطيبة: لنشر المحبة، هذا سبب روحي ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. إذن، هناك أسباب مادية كالنار، هناك أسباب نفسية كالكلمة الطيبة. الدعاء من أي قسم؟ من القسم الثاني. الدعاء سبب روحي. لكن هذا السبب مثل غيره من الأسباب يحتاج إلى شروط. الدواء سبب للشفاء لكن لا مطلقاً. متى يكون الدواء سبباً للشفاء؟ إذا كان بكيفية خاصة، بوقت معين، بمدة معينة، بطريقة معينة. إذا كان الدواء ضمن شروط معينة يصبح سبباً للشفاء. إذا خالفت شروط الدواء، لا يصبح الدواء سبب للشفاء، يصبح سبب لزيادة المرض. كذلك الدعاء، الدعاء سبب للاستجابة لكن في شروط معينة. ما هي الشروط؟ أهمها شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، نحن مملوئين بالذنوب. الذنوب من القرن إلى القدم. نأتي بأوساخنا وذنوبنا ورذائلنا، وندخل في الصلاة ونحن في هالة من الوسخ، ونرفع أيدينا: يا رب اغفر لنا، يا رب اعطنا الصحة، يا رب اهلك فلان، يا رب انقذني من كذا. نحن نصر على الله أن يستجيب لنا، ونحن لا نستجيب لله في أمر من الأوامر. ليس لدينا اخلاص. نصر على الله أن يستجيب دعاءنا ونحن لا نستجيب لله في ترك الذنوب وفي الاقلاع عن المعاصي، وفي الاقلاع عن الرذائل. الدعاء يحتاج إلى إخلاص. يحتاج إلى روح طاهرة. يحتاج إلى نفس نقية من الذنوب. ولذلك في رواية جميل ابن دراج، يسأل الامام الصادق ، يقول: سيدي إن الله يقول في القرآن ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ونحن ندعو ولا يستجاب لنا. ماذا أجابه الامام الصادق؟ قال: ياجميل، من وفى لله بعهده وفى الله له. أنتم لا تفون بعهد الله والله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بيني وبينكم معاهدة: أن تتركوا الذنوب، أن تتركوا المعاصي، إذا وفيتم بعهدي أوفي بعهدكم. ولذلك ورد في الرواية المعتبرة عن معاوية ابن عمار: ”من أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا، من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكّل أعطي الكفاية“ وذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
الشرط الثاني: الحكمة
الشرط في استجابة الدعاء أن يكون ضمن الحكمة. كيف يكون ضمن الحكمة؟ الله تبارك وتعالى له اسماء حسنى: مجيب وحكيم. نحن دائماً نركز على كلمة ”مجيب“، لا تهمنا كلمة ”حكيم“ ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ من اسمائه مجيب، ومن اسمائه حكيم. نحن نقول: يا رب استجب لنا حتى لو كانت الاجابة في غير صالحنا. حتى لو كانت الاجابة فيها ضرر على غيرنا. يقول لنا الله: لا. أنا مجيب وأنا حكيم. الاسماء الحسنى متوازية. الاسماء الحسنى متساوية. الله لا يكون مجيباً على حساب كونه حكيماً. ولا يكون مجيباُ على حساب كونه رحيماً. أنا أقول: يا رب ارزقني الزوجة الفلانية وإذا لم ترزقني إذن أنت ما أجبت دعائي. يا رب اعطني الوظيفة الفلانية، إذا ما اعطيتني الوظيفة الفلانية ما اجبت دعائي. الله يجيبك: أنا مجيب، لكن أنا أيضاً حكيم ; اجيب دعاءك إذا كانت الاجابة مناسبة للحكمة. أما إذا كانت إجابة دعاءك ضرر عليك، أو ضرر على غيرك من الناس فإجابة دعاءك لا تنسجم مع الحكمة. إذن، أنا مجيب وأنا حكيم ولا أكون مجيباً على حساب كوني حكيماً. الاسماء الحسنى متوازية.
نحن نتعامل مع الدعاء بدوافع شخصية، يعني دوافع أنانية. دعاءنا كله لأشخاصنا ; يا رب وظيفتي، وزوجتي، وأولادي، وسيارتي، بعضهم يدعو حتى لسيارته، بعضهم يدعو حتى لجبته، يعني هكذا. نعيش مع الدعاء في أجواء شخصية. نتعامل مع الدعاء معاملة أنانية، شخصية. نجعل الدعاء كأنه مسألة شخصية بيننا وبين الله. بينما طريق أهل البيت يختلف عن ذلك. لم يتعامل أهل البيت مع الدعاء بهذا التعامل الشخصي. تعامل أهل البيت مع الدعاء كغذاء روحي. تعامل أهل البيت مع الدعاء كعلاقة قلبية مع الله. الدعاء حالة حب. الدعاء حالة مناجاة. الدعاء حالة عشق. الدعاء حالة شوق. الدعاء حالة ربط بالله. ليس الدعاء مسألة شخصية. نحن نتعامل مع الدعاء بشكل شخصي: اقضِ حوائجي. كأن الله موظف أمامي أطالب منه أن يقضي حوائجي.
الائمة لا يتعاملون مع الدعاء هكذا، الائمة يغضون النظر عن قضاياهم الشخصية: أمراضهم، آلامهم، مشاكلهم الشخصية، يغضون النظر عنها، يعتبرونها ويحتسبونها في الله عز وجل ويمارسون الدعاء كتجربة روحية مفعمة بالشوق، مفعمة بالحب، مفعمة بالارتباط بالله عز وجل. نلاحظ الحسين ابن علي يوم عاشوراء. نحن عشنا ذكرى عاشوراء، سمعنا كلمات الحسين. سمعنا أقوال الحسين. كيف الحسين تعامل مع الدعاء يوم عاشوراء. الحسين تعامل مع الدعاء تجربة روحية، علاقة قلبية، غذاء روحي مع الله. الدعاء أعطى الحسين طاقة روحية تحدى بها الموت، تحدى بها الذل، تحدى بها الظلم، ولم يتعامل مع الدعاء بشكل شخصي. الحسين يوم عاشوراء قال: ”هوّن ما نزل بي أنه بعين الله“ كل ما نزل بي من مصائب هو بعين الله، أنا لا أفكر في هذه المصائب، المهم أن أكون قريباً من ربي. ”الهي.. رضاً بقضائك، صبراً على بلائك، تسليماً لأمرك.. يا غياث المستغيثين“
إنّ فلسفة الأحكام التي تقع في مدار المعرفة البشرية لا تكون شاملة وعامّة لمختلف الأفراد. وفي جميع الظَّروف والمتغيّرات، بل هي مبتنية على أساس مصلحة الأكثرية من الناس وهي جارية في الغالب من الأفراد لا الكل.
وتوضيح ذلك هو: أنّ فلسفة أيّ حكم من الأحكام لا تكون متجانسة مع خصوصيات كل الأفراد، كما أنّها ليست منسجمة مع خصوصيات الفرد الواحد على الدّوام وفي كل الحالات، وبتعبير آخر: ليس فيها عمومية إفرادية ولا عمومية حالاتية، بل هي مبتنية على أساس أغلب الحالات وأغلب الأفراد.
ولكن هذا الأمر لا يقدح بعمومية الحكم، أي أنّ هذا الحكم يجب أن يطبّق حتى على الأفراد والحالات الفاقدة لتلك الفلسفة والحكمة، ولا فرق في هذه المسألة بين الأحكام الشرعية والمقررات والقوانين الاجتماعية.
ولمزيد من التوضيح إليك الأمثلة التالية:
1 - من قوانين شرطة المرور أنّه يمنع مرور السّيارات إلَّا من جهة واحدة في بعض الشوارع.
وفلسفة ذلك هي الحدّ من حوادث المرور وتخفيف الزحام، ولكن هذه الفلسفة قد لا تصدق لكل الأفراد وفي كل الحالات، نعم هي صادقة في الأعم الأغلب من الأفراد والحالات، ولكن القانون لابدّ أن يطبّق على الجميع.
فلو أنّ سائقاً كان على درجة عالية من المهارة والانتباه بحيث يمكنه السّير في الاتجاه المعاكس في تلك الشّوارع بدون أن يتسبب في حادثة أو يعرقل المرور، ففلسفة ذلك القانون غير صادقة في حقّه، ومع ذلك لا يجوز له أن يخالف القانون، ولو فعل ذلك عوقب من قبل السلطات المختصة.
وهكذا مثال هذا القانون من قوانين المرور والسياقة كمنع اجتياز التّقاطعات في حالة الضوء الأحمر، والتوقف في الأماكن التي يمنع التّوقف فيها.
سؤال: إذا لم تكن فلسفة الأحكام دائمية وشاملة، فلماذا أضحت نفس الأحكام دائمية وشاملة؟ ففي المثال السابق لماذا لا يكون مرور الأشخاص الذين يمكن أن يؤدي مرورهم من تلك الشوارع إلى حدوث حوادث واصطدامات أو يؤدي إلى عرقلة السير ممنوعاً، ويكون مسموحاً للآخرين ؟
والإجابة على هذا السّؤال جليّة: فإن القانون إذا لم يكن عاماً وشاملا، كان ضعيفاً ومضطرباً ولا يمكن تطبيقه بالمرّة، إذ إنّ كل شخص حينئذ سيدعي أنّه مستثنى من ذلك القانون ولذا ينبغي أن تكون صياغة القانون بشكل يوفّر له الشمولية على الرغم من كون فلسفة هذا القانون تابعة للأعم الأغلب لا للكل.
2 - يعتبر اعتداد المرأة بعد طلاقها أحد القوانين الإسلامية، ومن فلسفة هذا الحكم هو معرفة ما إذا كانت الزوجة قد حملت من زوجها السابق، فلا تضيع الأنساب وإلَّا فقد يتداخل النسب ويشكل معرفة ذلك فيما لو تزوجت المرأة مباشرة بعد طلاقها ثم حملت، فلا يعلم من هو أب الولد هل هو الزوج الأول؟ أو الثاني؟ فهذه جزأين فلسفة الاعتداد، ولكن هذه الفلسفة قد لا تصدق في حقّ بعض النّساء، كالنّساء العقيمات اللائي نعلم بعدم إنجابهنّ، ومع ذلك فإنّ الاعتداد واجب عليهن في حال طلاقهنّ.
كما أنه يمكن أن لا يكون لهذا الغرض موردٌ في نساء أخريات في بعض الحالات، ومع ذلك يجب عليهنّ الاعتداد، ولكي لا يكون ذلك حجّة للفرار من الاعتداد وأن يقول كل شخص: إني أعلم بأنّ تلك المرأة ليست بحامل.
3 - المثال الثّالث: مسألة أسهم الإرث لكل من الذكر والأنثى - التي يتوجّه بالاعتراض إليها اليوم بعض الناس، وحتى بعض الهيئات الدولية وأثاروا حولها ضجّة دون أن يلتفتوا إلى فلسفتها - وعلَّة كون سهم الذكر ضعف سهم الأنثى هو أنّ النفقة تكون على عاتق الرّجل وليست على المرأة مسؤولية الإعاشة في الأسرة.
ولكن هذه الفلسفة أيضاً ليست متحققة دائماً وإنما هي غالبة ومع ذلك فالقانون كلي ويجب تطبيقه في كل الأحوال والموارد، فالطفل الصغير لا يتعهد بشيء من النفقة على عائلته، ومع ذلك فهو مشمول لهذا الحكم، وكذا لو كبر ربّ الأسرة وعجز عن العمل فأخذت زوجته تعمل وتصرف عليه، فإنّها مع ذلك لا تستثنى من هذا الحكم مع أنّ فلسفة الإرث مفقودة هنا.
ومن الواضح أنّ الأحكام لو خضعت لمثل هذه المتغيّرات لنشب الجدل العقيم بين النّساء والرجال فلا ينقطع أبداً.
4 - الإسلام يحكم بأن دية المرأة نصف دية الرّجل، أي لو قتل رجل وحكم على القاتل بدفع الدّية وجب عليه أن يدفع ألف دينار ذهب إلى أولياء المقتول، أما إذا كان المقتول امرأة وجب عليه دفع خمسمائة دينار ذهب فقط.
وفلسفة هذا الحكم أنّ الدّية ليست ثمناً للدم إذ أنّ دم الإنسان لا يقيم بثمن، وإنّما الدّية شرعت لتعويض الخسارة النّاشئة من فقدان القتيل، ومن المسلَّم أنّ الخلل الاقتصادي والخسارة المادية النّاشئة من فقد الرّجل أكبر من الفراغ النّاشئ من فقد المرأة من جهة مدلولاته الاقتصادية على العائلة، ولذا كانت دية الرّجل ضعف دية المرأة.
ولكن هذه الفلسفة قد لا تكون متحققة دائماً بل أخذت فيهما جهة الأغلبية فمثلا لو كان المقتول طفلا فلا تصدق هذه الغاية عليه، ومع ذلك فالحكم ثابت ولا يتغيّر بارتباك بعض الموارد.
ولو كان الفراغ الحاصل من فقد المرأة أكبر من الفراغ الاقتصادي الحاصل من فقد الرّجل في بعض الأسر، فالقانون يبقى عاماً وشاملًا لمثل هذه الموارد مع أنّ الغاية غير متحققة ظاهراً.
والنّتيجة، هي أنّ الحكم الشرعي والقانون الإلهي عام من حيث التطبيق، وأمّا فلسفة الحكم فهي مبتنية على الأعم الأغلب، وبالالتفات إلى هذه النكتة تتضح الكثير من الإشكالات التي يثيرها البعض حول الأحكام الإسلامية.
إنّ أي انسان لا يصحّ له أن يتصدى للطبّ والطبابة ما لم يكن ملمّاً بعلوم الطب المعتبرة التي تقرّها المؤسسات الطبيّة المعتبرة; وذلك لعدم اندراجه في عنوان «أهل الخبرة» حتى يسوغ له أن ينظر في أمر المريض ويكون الرجوع إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم الذي هو أمر بديهي وطبيعي في استقرار الحياة الإنسانية، بل يكون من قبيل رجوع الجاهل إلى الجاهل الذي لا يقرّه العقلاء ولا الشرع، فلا يكون تصدّيه صحيحاً ولا مبرءً لذمّته إذا تضرر المريض بذلك التدخل الباطل.
ويؤيده ما روي من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من تطبّب ولم يُعلَم منه طبّ فهو ضامن»[1] .
ومع تقدم الطبّ وتطور الأبحاث والتكنولوجيا في العمليات الطبيّة الذي أدّى إلى ظهور الاختصاصات المتعددة، فلا يحلّ لمن كان ملمّاً بطب القلب - مثلا - ولم يكن ملمّاً بطبّ العيون أن يتصدى لطبّ العيون; حيث يصدق عليه أنّه تطبّب ولم يُعلم منه طبّ، فيكون ضامناً .
وبما أنّ الطبيب يكون وكيلا أو أجيراً للمريض في الاشراف على جسمه والتصرف فيه عند مراجعة المريض له، فهذا يعني أنّ الطبيب مسؤول عن معالجة مريضه بقصد الشفاء، ويعمل كل ما فيه المصلحة من أجل شفاء المريض، ولا يجوز له أن يهمل فيقصّر أو يتعدى على المريض وجسمه بما ليس فيه مصلحة للمريض .
وهكذا نعرف: أنّ الطبيب إذا عمل بوظيفته الطبيّة ورضي المريض بكونه أجيراً له ومعالجاً لمرضه، وقصد الطبيب بعمله هذا شفاء المريض ، ولم يقع الطبيب في إهمال المريض أو التعدي عليه، بأن عمل على حسب القواعد الفنيّة لعلم الطب، ولم يصدر منه خطأ أو إهمال لا تقرّه الأبحاث الطبيّة العلمية فقد عمل بوظيفته وخرج عن المسؤولية اتّجاه المريض، سواء كانت النتيجة مرضية للمريض أم غير مرضية.
وقد يستدل لهذا: بأنّ تطبيب المريض صار سائغاً، وإذا صار سائغاً لا يستتبع ضماناً، على أننا إذا شككنا في الضمان فالأصل عدمه.
وهذا على حسب القاعدة حيث يضمّن الفقهاء كل أجير قد أخلّ بعمله الذي استؤجر له; فكل من آجر نفسه لعمل في مال أو غيره إذا أفسد ذلك المال ضمن كالحجّام إذا جنى في حجامته. والختّان في ختانه، وهكذا الخياط والنجّار والحدّاد إذا أفسدوا.
هذا إذا تجاوز الحدّ المأذون فيه. أمّا إذا لم يتجاوز ففي الضمان إشكال، وكذا الطبيب المباشر للعلاج بنفسه إذا أفسد فهو ضامن.
إذاً، ما يُطلب من الطبيب هو أن يقدّم لمريضه العناية اللازمة حسب ما يقتضيه الوجدان والفن، ولا يُسأل إلاّ إذا أهمل أو تعدّى في ذلك .
ولكن مع هذا، فقد يتعرّض الطبيب إلى انتقادات، فقد يتّهم بالتقصير لأنّه لم يلجأ إلى الأساليب الحديثة التي ذكرها علم الطب الحديث، كما أنّه قد يتّهم بالتهور والتعدي فيما إذا لجأ إلى الأساليب الحديثة بحجة إذا لم يثبت بعدُ رواجها وفائدتها بلا ضرر بصورة أكيدة، وهكذا نرى أنّ الطبيب «المحافظ» كالطبيب «المتجدد» كلاهما عرضة للنقد والانتقاد من الناحية الفنية.
مقتطف من كتاب : بحوث في الفقه المعاصر، للشيخ حسن الجواهري.
[1] راجع : سنن أبي داود 2 : 387 . سنن النسائي 8 : 53 . مستدرك الحاكم 4 : 212 . والظاهر أنّ المراد من كلمة الضمان هنا هي المسؤولية الأعمّ من الضمان الاصطلاحي والعقاب الدنيوي والأُخروي .
يتساءل البعض عن موقف بعض الفقهاء من تلقيح البويضة خارج الرحم بماء الاجنبي، ثم ادخال البويضة الملقحة في الرحم، حيث احتاط بعض الفقهاء، وحكم البعض الاخر بعدم لزوم الاحتياط استناداً إلى جريان البراءة، مع وجود روايات تدل على حرمة اهراق المني في رحم الاجنبية، وهنا أنقل جوابين لآية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله):
١- السؤال: هل يجوز تلقيح المرأة بالحويمن المستخرج من ماء رجل أجنبي؟ وما هو الفرق بينه وبين البويضة المخصّبة، حيث ذكرتم جواز نقلها إلى رحم امرأة أجنبيّة؟
الجواب: إدخال نطفة الرجل الاجنبي في رحم المرأة حرام، سواء أكان ذلك بإدخال مائه، أو بإدخال الحويمن المستخلص منه، وهو المستفاد من بعض النصوص المعتبرة، وأمّا البويضة المخصّبة خارج الرحم بحويمن الرجل الاجنبي فلا دليل على حرمة إدخاله في رحم المرأة.
٢- السؤال: اذا كان العقم بسبب الزوج فهل يجوز حقن المرأة بماء غير الزوج و قد يكون هذا الشخص من المحارم للزوجة؟
الجواب: لا يجوز، بل حتى إذا تمّ التخصيب في خارج الرحم ثمّ أرسلت البويضة المخصّبة في رحم الزوجة على الأحوط.
وقد شنع البعض على هذا، وجعله سبباً للطعن في المراجع العظام!
وليس ثَم جواب أفضل من بيان أن هذا المشنع يدعي الغيرة على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهو في تشنيعه يلغي منهجهم ويتبع غير سبيلهم، وذلك بأن يقال:
إن حقيقة جواب السيد السيستاني (حفظه الله) ومن وافقه بيان لحكم ظاهري للتلقيح خارج الرحم، وادخال شيء جديد متخلق من التلقيح وهو البويضة الملقحة، وهو غير المني ولا تشمله روايات حرمة اهراق الماء في رحم الاجنبية.
وهذا الحكم الظاهري نتيجة حتمية بعد عدم بيان النبي (صلى الله عليه واله) والأئمة (عليهم السلام) مع سعة علمهم لحرمة وضع البويضة الملقحة في الرحم، بل قالوا: (رفع عن أمتي مالا يعلمون)، و (كل شيء لك حلال حتى يرد فيه نهي)، فما ذكرته الفتوى مأخوذ من قول المعصومين (عليهم السلام)، والله تعالى له الحكم المطلق، والمعصومون ناطقون عنه فلا ينبغي أن نكون ملكيّين أكثر من الملك، وندعي فطرة أنقى من فطرتهم جهلاً، فالراد عليهم راد على الله.
لا قيمة لما نراه بلا علم وبينة
وقد يقول قائل: لا نرى فرقاً بين تلقيح البويضة خارج الرحم وادخالها في الرحم وبين اهراق ماء الاجنبي مباشرة، فالعلة في التحريم واحدة.
والجواب: لا قيمة لما يراه العباد ويدعونه بلا علم وبينة، فنحن متدينون بما يحكم به رب العباد، وقد حدد لنا تعالى منهج الاستدلال، وما بينه هو المفرّق في مقام الافتاء، ولو كان للعباد أن يفرقوا وفقاً لأهوائهم لجعلت عدة المطلقة كعدة المتمتع بها، أو كعدة الوفاة، فأي فرق من جهة حصول النكاح و الفِراق؟!
ولجعل الطواف مع جعل الكعبة عن اليمين كالطواف مع جعلها على الشمال، فأي فرق فكلاهما طواف؟!
وكيف لنا أن نحيط بملاكات أحكام الله فنقيس وضع البويضة على اهراق المني، فنتبع منهج أبي حنيفة، و نقول كما قال أبان في دية اصابع المرأة: (إن هذا كان يبلغنا ونحن في العراق فنقول إن الذي جاء به شيطان)، فنهاه الامام (عليه السلام) وبين له أن السنة اذا قيست محق الدين، وليس ما يقوم به البعض من التشنيع استناداً إلى أوهام مع عدم مراعاة ما تقتضيه الأدلة المُلزم بها الفقيه في مقام الافتاء إلا من اتباع المزاج بلا آية بينة و دليل شرعي تام.
نعم، للفقيه أن يبحث الادلة بحثاً علمياً وينقد الاستدلال بنقد علمي، ويختار رأياً، وأين هذا من تشنيع من لم يعرف الاجتهاد ولا طرقه الاستدلالية؟
يمكننا أن نعدّ أمثلةً للعلاج التجميلي لتكون مصاديق لهذا العنوان العام حتى إذا ما حكمنا على هذا العنوان العام بحكم شرعي يكون سارياً في المصاديق التي ذكرناها والتي لم نذكرها ممّا ينطبق عليها العنوان العام. فمن أمثلة العلاج التجميلي:
1 - الوشم: وهو النقش الأخضر أو الأزرق على الجسم بواسطة الإبر، فيتراءى بياض سائر البدن وصفاؤه أكثر ممّا كان يرى لولا هذا النقش.
2 - الوشر: وهو التحديد والتقصير، فوشر الأسنان هو تحديدها وتقصيرها.
3 - التفلّج: وهو الانفراج ما بين الأسنان.
4 - ترقيق الحواجب.
5 - تطويل الشعر بواسطة وصل الشعر بالشعر، أو وضع الشعر على الشعر (الباروكة).
6 - صبغ الشيب، أو صبغ الشعر.
7 - النمص: وهو الحف للمرأة التي تقلع شعر وجهها بواسطة الآلة.
8 - إنبات الشعر على الرأس لإزالة القرع، أو إنبات الشعر على الجسم لإزالة أثر الحرق.
والخلاصة: هو كل عمل في جسم الإنسان يُعدّ تجميلا له أو إزالة العيب عنه، ولا بدّ لنا من معرفة الحكم الشرعي للعلاج التجميلي، وذلك بمعرفة القاعدة الأولية أولا، ثم نعقب على ذلك بما ورد من النصوص الشرعية التي يظنّ أنّها واردة فيه.
القاعدة الأولية لعلاج التجميل
إنّ علاج التجميل إذا لم يقترن بأمر محرم - مثل نظر الرجل إلى المرأة أو مسها - ولم يكن القصد منه غش الآخرين المحرم الذي يُظهر المرأة التي يريد أن يخطبها الخاطب بمظهر الكمال عند خطبتها مع عدم وجود كمال فيها فهو حلال جائز، وذلك أنّ غاية ما يحصل من العلاج التجميلي عند عدم اقترانه مع الحرام هو الزينة واظهار الكمال واخفاء العيب، وهو أمر جائز، بل مرغوب فيه.
وحينئذ يكون الألم في سبيل الوصول إلى هذه الغاية المطلوبة هو أمر جائز إذا لم يصل إلى حد التهلكة في النفس، وما أكبر ما يحصل عليه الإنسان حينما يزيل الألم النفسي أو يجلب المتعة النفسية التي تحصل من بعض عمليات التجميل.
ومن أمثلة هذا العمل هو أن تفعل الزوجة هذه العلاجات لأجل زوجها، أو الذهاب إلى حفل نسائي، فهو وإن انطبق عليه عنوان الغش إلاّ أنّه غش حلال كمن يخفي عيوب داره ويخلط السمن الجيد بالردئ لأجل غذائه الخاص.
وأمّا إذا اقترن علاج التجميل بأمر محرم - كنظر الرجل إلى المرأة المحرمة أو مسها أو كان القصد من العلاج هو غش الآخرين المحرم كمن يعمل هذه العلاجات في جاريته ليبيعها بثمن أكبر حيث يظهرها بمظهر الكمال مع عدم وجود الكمال فيها، أو كانت تعمله المرأة الحرّة لأجل أن توقع الخاطِب في خطبتها - فهو أمر محرّم لحرمة النظر واللمس، ولإنطباق عنوان الغشّ المحرّم على هذه الأفعال، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ليس منّا من غشّنا».
ما ورد من النصوص الشرعية التي يظن أنّها تمنع من العلاج التجميلي:
نقول: إنّ ما ورد من الروايات في منع بعض مصاديق العلاج التجميلي مثل :
1 - لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) «الواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة».
2 - لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) « المتفلّجات للحسن، والمغيرات خلق الله ».
3 - لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) « النامصة والمنتمصة ».
4 - لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) « الواصلة والمستوصلة » ([1]).
تحمل كلّها على اقتران هذه العلاجات بأمر محرّم مثل الغش المحرم أو ما شابه ذلك.
ودليلنا على ذلك: أنّ اللعن الوارد في الروايات ظاهر في الحرمة وليس صريحاً فيها، حيث إنّ اللعن لغةً من الإبعاد المطلق، وحينئذ إذا دلّت الأدلّة على جواز أو استحباب تزيين المرأة لزوجها، أو لأجل الذهاب إلى حفل نسائي مثلا، فيكون هذا قرينة على صرف الحرمة الظاهرة في الأحاديث إلى صورة الغش أو اقتران هذه الأعمال ببعض المحرّمات، أو نقول بكراهة التزيين في غير الموارد التي دلّ الجواز على استحبابها.
والذي دعانا إلى هذا الكلام ولم نقل: « إنّ التزيين إذا كان جائزاً بصورة مطلقة وقد ورد التحريم في بعض أفراده، فنخصّص الجواز بغير مورد التحريم » هو تذييل اللعن الوارد في المتفلّجات بقوله « المغيِّرات خلق الله » ونحن نعلم لما تقدّم: أنّ المراد من خلق الله في هذه الرواية هو دين الله، كما جاء في آية النساء (ولأضلنهم ولأُمنّينّهم ولآمرنهم فليبتّكنّ آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيّرن خلق الله ومن يتّخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً) ([2]). وقال تعالى: (فأقم وجهَك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) ([3]).
إذن المراد بتغيير خلق الله هو الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف، وذلك بتحليل الحرام الذي حرمه الشارع المقدّس، وبما أن الحرام هو الغش وليس التزيين نفهم من الروايات المتقدّمة أن المراد بالمحرم هو الغش، والمراد باللعن هو خصوص حصول المحرم من هذه الأعمال، أمّا التزيين الذي يحصل من هذه الأعمال فهو ليس فيه تغيير لدين الله، حيث يكون جائزاً بأدلّته الكثيرة، فلا يكون مشمولا للروايات اللاعنة، كما أن الروايات اللاعنة لا تشمل التزيين.
ولو أصر إنسان على أن المراد من آية (ولآمرنّهم فليغيّرن خلق الله) هو حرمة تغيير ما خلق الله من أشياء، فلازم ذلك أن نحرّم حلق الرأس والشعر من الجسم، ونحرم فتح الجسور والطرقات وبناء الأسواق وشق الأنهار وما إلى ذلك، ويلزمنا أن نفتي بحرمة تعديل الشارب ولبس الثياب ; لأنّه تغيير لخلق الله سبحانه، وهذا ما لا يقول به أحد.
أضف إلى ذلك الروايات الواردة في تحسين الوجه وصبغ الشيب بالحنّاء والسواد، والحثّ عليه، وقد ورد « لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها » ففي رواية سعد الإسكاف قال: « سئل أبو جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلن شعورهن ؟ قال: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: فقلت بلغنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن الواصلة والمستوصلة، فقال: ليس هنالك، إنّما لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الواصلة التي تزني في شبابها، فإذا كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة» ([4]).
ثم إنّ هذه الروايات الواردة في اللعن للواشمة والنامصة والواصلة والمفلّجة بين مرسل ومسند لم تثبت حجيته لضعف السند، وحينئذ نبقى على أصالة الإباحة عند الشك في الحرمة، وهي التي اقتضتها القاعدة الأوليّة.
الهوامش:
[1] راجع وسائل الشيعة: ج 12، ب 19 ممّا يكتسب به، ح 7 وغيره .
الأمراض والبلايا والظلم في كلّ مكان، فأين هو الله من كلّ ذلك؟
والجواب:
1- كفاية قدرة الإنسان على دفع الأمراض والظلم: فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وأعطاه العقل والتدبير والعلم كما قال سبحانه: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: ٥]، وبيّن له أنّ كلّ ما حصل عليه من العلوم قليل، فقال: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥]، وحثَّه على طلب المزيد من العلم، فقال سبحانه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: ١١٤]، ووعد الإنسان بكشف آفاق العلم إليه، فقال: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: ٥٣ ]، مع ما وهبه من القدرة على الاكتشاف والابتكار والاستنتاج والاختراع وغير ذلك.
إذا عُلم ذلك نقول: إنّ الله لما أعطى الإنسان كلّ هذه الإمكانيات صار قادراً على اكتشاف الأدوية والعلاجات لجميع الأمراض وعلى مكافحة الأوبئة، ونحن نعتقد أنّه ما من داء في الأرض إلا وقد خلق الله له دواء.
فقد روى ابنا بسطام عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: أنزل الله الداء، وأنزل الشفاء، وما خلق الله داءً إلا جعل له دواء. (طب الأئمة: 63).
ولهذا نجح الإنسان في معالجة كثير من الأمراض، وبقي عليه أن يبذل جهده في محاربة باقي الأمراض الأخرى، وقد استطاع الإنسان أخيراً أن يقضي على بعض الأمراض التي كان علاجها يُعَدُّ مستعصياً عليه، كمرض الجدري مثلاً الذي أعلنت منظمة الصحّة العالمية في عام 1980م عن استئصاله من العالم بالكامل. (http://www.who.int/topics/smallpox/ar).
وأمّا الظلم فإنّه بفعل الإنسان، والمظلومون قادرون على رفع الظلم عن أنفسهم إذا تضافرت جهودهم، ووحَّدوا صفوفهم، واتّحدوا ضدّ الظالم، فإنّ ذلك ربّما يكون من أسباب ارتفاع الظلم.
وبتعبير آخر: إنّ الله تعالى أعطى الإنسان القدرة على رفع الظلم عن نفسه، والله سبحانه لم يخلق ظالماً لا يُقهر، وحوادث التاريخ أدلّ دليل على صحّة ما قلناه، فكم من حاكم جائر اندحر وهلك لما ثار عليه المظلومون، وثأروا لأنفسهم.
2- جناية الإنسان على نفسه: فإنّ كثيراً من الأمراض ربّما يصاب بها الإنسان بسبب إهماله وتقصيره في العناية بنظافة جسمه وطعامه، مثل الطاعون وغيره من الأمراض المعدية.
كما أنّ عدم تنظيم الإنسان لطعامه كمًّا وكيفاً، بتناول الأطعمة غير الصحّية بكميات كبيرة، ربّما يصيبه بكثير من الأمراض الخطيرة التي لا يتمكّن الأطباء بعد ذلك من معالجتها، وربّما تودي بحياته في نهاية المطاف، مثل ضغط الدم، ومرض السكّري، والسرطان وغير ذلك.
مضافاً إلى أنّ سوء تصرّف الإنسان الذي لا يراعي القانون الإلهي قد يصيبه بكثير من الأمراض الفتّاكة، كالأيدز، والزُّهري، وغيرهما من الأمراض الجنسية التي تحدث عادة بسبب العلاقات غير المشروعة.
وبقول مختصر: إنّ إصابة الإنسان بالأمراض ناشئة في أكثر الأحيان من تقصيره وإهماله وعدم محافظته على صحّته.
فهل يحقّ للإنسان بعد ذلك أن يلقي باللوم على الله تعالى؛ لأنّه لم يعالجه من مرضه الذي تسبَّب هو فيه؟ مع أنّ الله تعالى بيَّن له بالتفصيل - قبل إصابته بالمرض - ما ينفعه وما يضرّه من المأكولات والمشروبات والأفعال القبيحة التي قد تودي بحياته، ثمّ حذّره من تناول تلك المأكولات والمشروبات وارتكاب تلك الأفعال الضارّة التي حرّمها عليه، حيث أباح للإنسان أكل الطيِّبات، ونهاه عن أكل الخبائث كما قال سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، ومع ذلك فإنّه سبحانه خلق له المواد التي يمكن أن يصنع منها الدواء لكلّ داء، وأمره بالاستفادة منها.
وكذلك الحال في الظلم الذي يقع على الناس، فإنّه في أكثر الأحيان بسببهم هم؛ لأنّ الناس عندما يبتعدون عن تعاليم الله تعالى التي تكفل لهم الحياة السعيدة، فيرتكبون المعاصي، ويعملون الفواحش والموبقات، ويظلم بعضهم بعضاً، ولا ينكرون على الظالم ظلمه، بل يجاملونه، ويصحّحون أعماله القبيحة، ويشجّعونه عليها، أو يكونون من أعوانه الذين يعينونه في ظلمه، فإنّ الظالم سيتمادى في ظلمه، والله تعالى حينئذ لا يرفع عنهم هذا الظلم الذي وقع عليهم؛ لأنّه أصابهم بجنايتهم على أنفسهم؛ ولأنّهم لا يستحقّون أن يغضب الله لهم بسبب كثرة معاصيهم.
3- ابتلاء الله تعالى لخلقه: فإنّ الله تعالى لم يجعل الدنيا دار قرار ونعيم، وإنّما جعلها دار بلاء وامتحان؛ ليثيب المحسن على إحسانه في جنّته، ويعاقب المسيء على إساءته في نار جهنّم، فشرع للنّاس الشرائع السماوية، وأرسل لهم الأنبياء والرسل، وأنزل لهم الكتب، وبيَّن لهم ما ينفعهم وما يضرّهم، ليحيا من حيَّ على بيِّنة، ويموت من مات على بيِّنة.
والله تعالى نهى عباده عن ظلم بعضهم بعضاً، وتوعّدهم، وحذَّرهم من عواقب الظلم في الدنيا والآخرة، وآلى على نفسه ألّا يفوته ظلم ظالم، وأن ينتصف لكلّ مظلوم من ظالمه.
ولكنّ الله تعالى ابتلى بعض الخلق ببعض، فابتلى المظلوم بالظالم؛ ليرى هل يصبر أم يكفر، وابتلى الظالم بالمظلوم، فسلّطه عليه؛ ليرى هل يظلمه أم ينصفه.
والله تعالى وإن أمهل الظالم في الدنيا، فلم يعاجله بالعقوبة لحكمة سيأتي بيانها، إلا أنّه سبحانه سيعاقبه ولو بعد حين؛ لأنّه لا يفوته ظلم ظالم.
وأمّا الأمراض فمع أن المتسبِّب فيها كلّها هم الناس أنفسهم كما بيَّنا فيما تقدّم، إلا أنّها تدخل أيضاً فيما يبتلي الله تعالى به العباد، سواء كانوا مؤمنين أم كافرين.
4- معاجلة الظالمين بالهلاك: فإنّ الله تعالى عاقب كثيراً من الظالمين في الأرض، فعجَّل بإهلاكهم، ولم يُطِل أعمارهم كما كانوا يحبّون، وقضى مُدَدهم بأسرع ممّا كانوا يظنّون، وربّما أمرضهم بالأمراض الشديدة المؤلمة قبل أن يهلكهم كما حصل ذلك لكثير من العتاة والطواغيت:
منهم: يزيد بن معاوية (25 أو 26، أو 27-64هـ)، مات وعمره 39 سنة أو 38، أو 37. (البداية والنهاية 8/239).
ومنهم: الحجّاج بن يوسف الثقفي (40-95هـ)، الذي هلك وله من العمر 55 سنة لم يتجاوزها. (نفس المصدر 9/145).
ومنهم: أكثر الخلفاء الأمويين والعباسيين، فإنّهم كانوا ظالمين طواغيت، قد قصم الله أعمار أكثرهم بسبب ظلمهم وجورهم، كالوليد بن عبد الملك بن مروان (50-96هـ)، الذي مات وعمره 46 سنة، وقيل: 49، وقيل: 44. (نفس المصدر 9/168).
وسليمان بن عبد الملك بن مروان (54-99هـ)، مات وعمره خمس وأربعون سنة، وقيل: 43، وقيل: 39. (نفس المصدر 9/184).
ويزيد بن عبد الملك بن مروان (72-105هـ)، مات وعمره 33 سنة، وقيل: 35، وقيل: 38، وقيل: 39، وقيل: 40 سنة. (نفس المصدر 9/242).
وهشام بن عبد الملك بن مروان (72-125هـ)، مات وعمره 53 سنة.
والوليد بن يزيد بن عبد الملك (90-126هـ)، قُتل بسبب فسقه واستهتاره وتجاهره بالمنكرات، وكان عمره حينئذ 36 سنة.
ويزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان (90-126هـ)، ولي الخلافة ستّة أشهر، ومات بالطاعون، وعمره 36 سنة.
قال ابن كثير: وأكثر ما قيل في عمره: ستّ وأربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل غير ذلك، فالله أعلم. (نفس المصدر 10/18).
وأمّا خلفاء بني العباس فأوّلهم: أبو العباس عبد الله السفاح الذي مات في سنة 136هـ.
قال ابن كثير:
توفّي بالجدري بالأنبار يوم الأحد الحادي عشر، وقيل: الثالث عشر من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين ومائة، وكان عمره ثلاثاً، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى وثلاثين سنة، وقيل: ثمان وعشرين سنة، قاله غير واحد. (نفس المصدر 10/60).
ومنهم: المهدي ابن المنصور: مات في سنة 169هـ، وكان مولده في سنة 126، أو 127، أو 121هـ، فيكون عمره عند موته 43، أو 42 سنة أو 48 سنة. (نفس المصدر 10/156).
ومنهم: موسى الهادي ابن المهدي العباسي (147-170هـ) ، مات وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، ومدّة خلافته ستة أشهر. (نفس المصدر 10/163).
ومنهم: هارون الرشيد: توفي في سنة 193هـ.
قال ابن كثير:
كان مولده في شوال سنة ست وقيل: سبع، وقيل: ثمان وأربعين ومائة، وقيل: إنّه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي. (نفس المصدر 10/222).
فعلى هذا يكون عمره عند موته: 47 سنة، أو 46، أو 45، أو 43 سنة.
ومنهم: محمد الأمين ابن هارون الرشيد، وُلد في سنة 170هـ، وقُتل في سنة 198هـ، وعمره عند قتله 28 سنة. (نفس المصدر 10/252).
ومنهم: عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد: توفّي في سنة 218هـ، وله من العمر 48 سنة. (نفس المصدر 10/293).
ومنهم: محمد المعتصم ابن هارون الرشيد: ولد في سنة 180هـ، وتوفّي في سنة 227، وله من العمر 47 سنة. (نفس المصدر 10/309).
ومنهم: هارون الواثق ابن المعتصم: توفّي في سنة 232هـ، وكان عمره 36، وقيل: 32 عاماً. (نفس المصدر 10/323).
ومنهم: جعفر المتوكِّل ابن المعتصم: قَتله ابنه المنتصر في سنة 246هـ، وكان مولده سنة 207هـ، فيكون عمره عند قتله 39 سنة. (نفس المصدر 10/364).
وهكذا كثير منهم، كانت أعمارهم قصيرة.
وأمّا في العصر الحديث فمنهم: أدولف هتلر (1889- 1945م)، الذي انتهت حياته بالانتحار بعد أن هزمه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، واحتلّوا برلين، وكان عمره 56 سنة.
ومنهم: صدام حسين (1937-2003م) الذي انتهت حياته بالسجن، والمحاكمة المهينة له، ثمّ بالإعدام شنقاً، وكان عمره 66 سنة.
وغيرهم كثير، ولو أردنا أن نتتبّعهم لطال بنا المقام، وحال كثير من الحكّام الظلمة معروف، وسيرهم مشهورة ومدوّنة في الكتب، وأكثرهم قُصمت أعمارهم.
هذا ما يتعلّق بعقاب الظالمين في الدنيا، وأمّا الأمراض فإنّ الله تعالى أيضاً يعاقب بها الظالمين والعاصين، ويجعلها حجّة عليهم؛ لأنّه سبحانه لم يدفع عنهم الأمراض ليتوبوا، ويرعووا عن ظلمهم، فإذا لم يتوبوا قامت عليهم الحجّة.
كما أنّه سبحانه يثيب المؤمنين الموحّدين بما يصابون به من أمراض وعِلَل وأوجاع وما شاكل ذلك.
فقد روى الشيخ الكليني قدس سره بسنده عن أحدهما عليهما السلام قال: سَهَرُ ليلةٍ من مرض أو وجع أفضل وأعظم أجراً من عبادة سنة. (الكافي 3/114).
وبسنده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حُمَّىٰ ليلة تعدل عبادة سنة، وحمّىٰ ليلتين تعدل عبادة سنتين، وحمّىٰ ثلاث تعدل عبادة سبعين سنة.... (نفس المصدر).
وبسنده عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حُمّىٰ ليلةٍ كفارةٌ لما قبلها ولما بعدها. (نفس المصدر 3/115).
5- استدراج الظالمين: فإنّ الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أنّه يملي للظالمين في هذه الدنيا، فلا يعاجلهم بالعقوبة، وإنّما يعطيهم ما شاءوا من الأموال والرجال والسلاح وغير ذلك ممّا يزدادون به عتوًّا وبَطَراً وطغياناً وظلماً؛ لكي يزدادوا إثماً، ثمّ يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما قال سبحانه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران: ١٧٨].
والله سبحانه وتعالى إنّما يمهلهم لأنّه لا يخشى فوتهم منه وهربهم من عدله، ولا يَعْجَل إلا من يخاف الفوت، فعدم معاجلة هؤلاء الظالمين الطغاة بالعقوبة في الدنيا ليس خيراً لأنفسهم، وإنّما هو شرٌّ لهم.
وأمّا المريض فإن كان صالحاً فإنّ مرضه كفّارة لذنوبه كما مرّ، وكلّما طال مرضه أعطاه الله من الثواب ما يعطي الصابرين على بلائهم، وأمّا إذا كان المريض عاصياً فإنّ مرضه إمّا عقوبة له، أو تذكيراً له لكي يتوب ويندم على ما اقترفت يداه؛ لكي يَفِدَ على الله تعالى - إن تاب - وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمُّه.
6- محبة الله لأصوات الداعين: فإنّ الله تعالى يحبُّ من عبده أن يجأر إليه بالدّعاء وطلب الحاجات، وأن يتوسّل إليه في قضائها، ومن تلك الحاجات طلب رفع الظلم عنه، وطلب شفائه من كلّ داء وسقم، وغير ذلك.
قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠].
وقال سبحانه فيما حكاه عن نبيّه نوح عليه السلام: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) [القمر: ٩،١٠].
فلو أنّ الإنسان لا يمرض ولا يُظلم ولا تصيبه أي بليّه لانقطعت صِلَتُه بربّه، ولعلّ ذلك يؤدّي به إلى التمادي في فعل الآثام والذنوب، والانحدار سلوكيًّا وأخلاقيًّا.
والحاصل أنّ عدم معاجلة الظالمين بالعذاب والهلاك، وعدم شفاء المرضى لا يدلّان على عدم وجود الله سبحانه كما توهّم السائل، بل كلّ واحد من هذين الأمرين وغيرهما من البلايا فيه مصالح كثيرة عرفنا بعضاً منها، ولعلّ ما خفي علينا أكثر ممّا عرفناه منها.