[اشترك]



الوليد العظيم:
وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة أمّ البنين هو سيّدنا المعظّم أبو الفضل العباس عليه السلام، وقد ازدهرت يثرب، وأشرقت الدنيا بولادته وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلوية، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره، وأضاف إلى الهاشميين مجداً خالداً وذكراً نديّاً عاطراً.
[اشترك]
وحينما بُشِّر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله، وأوسعه تقبيلاً، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، لقد كان أوّل صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض، وأنشودة ذلك الصوت.
« الله أكبر... ».
« لا إله إلاّ الله ».
وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء، وأنشودة المتّقين في أعماق أبي الفضل، وانطبعت في دخائل ذاته، حتى صارت من أبرز عناصره، فتبنى الدعوة إليها في مستقبل حياته، وتقطّعت أوصاله في سبيلها.
وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل عليه السلام، قام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بحلق شعره، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين وعقّ عنه بكبش، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين عليهما السلام عملاً بالسنّة الإسلامية.
سنة ولادته:
أفاد بعض المحقّقين أن أبا الفضل العباس عليه السلام وُلد سنة (۲٦ ه) في اليوم الرابع من شهر شعبان (۱).
تسميته:
سمّى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وليده المبارك (بالعباس) وقد استشفّ من وراء الغيب انه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان كما تنبّأ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت عليهم السلام، فقد دمّر كتائبها وجندل أبطالها، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول الشاعر فيه:
عبست وجوه القوم خوف الموت * والعبّاس فيهـم ضاحــك متبسّم
كنيته:
وكُنِّي سيّدنا العبّاس عليه السلام بما يلي:
۱ ـ أبو الفضل:
كُنّي بذلك لأن له ولداً اسمه الفضل، ويقول في ذلك بعض من رثاه:
أبا الفضل يا من أسّس الفضل والإبا * أبى الفضل إلاّ أن تكـــون له أبـــــا
وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة فلو لم يكن له ولد يُسمّى بهذا الإسم، فهو ـ حقّاً ـ أبو الفضل، ومصدره الفياض فقد أفاض في حياته ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكل ملهوف، فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلاّ كشف الله ما ألمّ به من المحن والبلوى.
۲ ـ أبو القاسم:
كُنّي بذلك لأن له ولداً اسمه (القاسم) وذكر بعض المؤرّخين أنّه استشهد معه يوم الطفّ، وقدّمه قرباناً لدين الله، وفداءً لريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله.
ألقابه:
أمّا الألقاب التي تُضفى على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية حسنة كانت أو سيّئة، وقد أضيفت على أبي الفضل عليه السلام عدّة ألقاب رفيعة تنمّ عن نزعاته النفسية الطيبة، وما اتصف به من مكارم الأخلاق وهي:
۱ ـ قمر بني هاشم:
كان العبّاس عليه السلام في روعة بهائه، وجميل صورته آية من آيات الجمال، ولذلك لقّب بقمر بني هاشم، وكما كان قمراً لأسرته العلوية الكريمة، فقد كان قمراً في دنيا الإسلام، فقد أضاء طريق الشهادة، وأنار مقاصدها لجميع المسلمين.
۲ ـ السقّاء:
وهو من أجلّ ألقابه، وأحبّها إليه، أما السبب في امضاء هذا اللقب الكريم عليه فهو لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت عليهم السلام حينما فرض الإرهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء، وأقام جيوشه على الفرات لتموت عطشاً ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله، محرّر الإنسانية ومنقذها من ويلات الجاهلية... وقد قام بطل الإسلام أبو الفضل باقتحام الفرات عدّة مرّات، وسقى عطاشى أهل البيت، ومن كان معهم من الأنصار، وسنذكر تفصيل ذلك عند التعرّض لشهادته.
۳ ـ بطل العلقمي:
أمّا العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل العباس عليه السلام، وكان محاطاً بقوى مكثّفة من قبل ابن مرجانة لمنع ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنّة، ومن كان معه من نساء وأطفال من شرب الماء، وقد استطاع أبو الفضل بعزمه الجبّار، وبطولته النادرة أن يجندل الأبطال، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحطّ، ويحتلّ ذلك النهر، وقد قام بذلك عدّة مرّات، وفي المرّة الأخيرة استشهد على ضفافه ومن ثمّ لُقِّب ببطل العلقمي.
٤ ـ حامل اللواء:
ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) وهو أشرف لواء انّه لواء أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام، وقد خصّه به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك لما تتوفر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهمّ المناصب الحسّاسة في الجيش وقد كان اللواء الذي تقلّده أبو الفضل يرفرف على رأس الإمام الحسين عليه السلام منذ أن خرج من يثرب حتّى انتهى إلى كربلاء، وقد قبضه بيد من حديد، فلم يسقط منه حتى قطعت يداه، وهوى صريعاً بجنب العلقمي.
٥ ـ كبش الكتيبة:
وهو من الألقاب الكريمة التي تُمنح الى القائد الأعلى في الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبير، وقوّة بأس، وقد اضفي هذا الوسام الرفيع على سيّدنا أبي الفضل، وذلك لما أبداه يوم الطفّ من الشجاعة والبسالة في الذبّ والدفاع عن معسكر الإمام الحسين عليه السلام، فقد كان قوّة ضاربة في معسكر أخيه، وصاعقة مرعبة ومدمّرة لجيوش الباطل.
٦ ـ العميد:
وهو من الألقاب الجليلة في الجيش التي تُمنح لأبرز الأعضاء في القيادة العسكرية، وقد قُلّد أبو الفضل عليه السلام بهذا الوسام لأنّه كان عميد جيش أخيه أبي عبد الله، وقائد قوّاته المسلّحة في يوم الطفّ.
۷ ـ حامي الظعينة:
ومن الألقاب المشهورة لأبي الفضل عليه السلام (حامي الظعينة).
يقول السيّد جعفر الحلّي في قصيدته العصماء التي رثاه بها:
حامى الظعينة أين منه ربيعة * أم أين من عليـاً أبيـه مكرم
وانّما اضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرّف في رعاية مخدرات النبوة وعقائل الوحي، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهنّ وحراستهنّ وخدمتهنّ، فكان هو الذي يقوم بترحيلهنّ، وانزالهنّ من المحامل طيلة انتقالهنّ من يثرب إلى كربلاء.
ومن الجدير بالذكر أن هذا اللقب اطلق على بطل من شجعان العرب وفرسانهم وهو ربيعة بن مكرم، فقد قام بحماية ظعنه، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً (۲).
۸ ـ باب الحوائج:
وهذا من أكثر ألقابه شيوعاً، وانتشاراً بين الناس، فقد آمنوا وأيقنوا أنه ما قصده ذو حاجة بنية خالصة إلاّ قضى الله حاجته، وما قصده مكروب إلاّ كشف الله ما ألمّ به من محن الأيام، وكوارث الزمان، وكان ولدي محمد الحسين ممن التجأ إليه حينما دهمته كارثة ففرّج الله عنه.
إنّ أبا الفضل نفحة من رحمات الله، وباب من أبوابه، ووسيلة من وسائله، وله عنده الجاه العظيم، وذلك لجهاده المقدّس في نصرة الاسلام، والذبّ عن أهدافه ومبادئه، وقيامه بنصرة ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى استشهد في سبيله هذه بعض ألقاب أبي الفضل، وهي تحكي بعض معالم شخصيته العظيمة وما انطوت عليه من محاسن الصفات ومكارم الأخلاق (۳).
ملامحه:
أمّا ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال، وقد لُقّب بقمر بني هاشم لروعة بهائه، وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم قد بدت عليه آثار البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنه كان وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهم (٤) ورجلاه يخطان في الأرض (٥).
تعويذ أمّ البنين له:
واستوعب حب العباس قلب أمّه الزكّية، فكان عندها أعزّ من الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحسّاد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت تعوذه بالله، وتقول هذه الأبيات:
أعيـذه بالواحـــــد * من عين كلّ حاسد
قائمهــم والقاعـد * سلمهــم والجاحــد
صادرهــم والوارد * ولدهــم والوالــــد (٦)
مع أبيه:
كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به كأشدّ ما تكون العناية فأفاض عليه مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا، وقد توسّم فيه أنه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيسجّل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة.
كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يوسع العباس تقبيلاً، وقد احتلّ عواطفه وقلبه، ويقول المؤرّخون: إنّه أجلسه في حجره فشمّر العبّاس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبّلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت أمّ البنين، وراحت تقول للإمام:
« ما يبكيك ؟ »
فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات:
« نظرت إلى هذين الكفّين، وتذكّرت ما يجري عليهما. . »
وسارعت أمّ البنين بلهفة قائلة:
« ماذا يجري عليهما ». .
فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً:
« إنّهما يقطعان من الزند. . »
وكانت هذه الكلمات كصاعقة على أمّ البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة:
« لماذا يقطعان ». .
وأخبرها الإمام عليه السلام بأنّهما انّما يقطعان في نصرة الإسلام والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجهشت أمّ البنين في البكاء، وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها (۷).
وخلدت أمّ البنين إلى الصبر، وحمدت الله تعالى في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته.
نشأته:
نشأ أبو الفضل العبّاس عليه السلام نشأة صالحة كريمة، قلّما يظفر بها إنسان فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، فغذّاه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة، والعادات الطيّبة ليكون مثالاً عنه، وانموذجاً لمثله، كما غرست أمّه السيّدة فاطمة في نفسه، جميع صفات الفضيلة والكمال، وغذّته بحبّ الخالق العظيم فجعلته في أيّام طفولته يتطلّع إلى مرضاته وطاعته، وظلّ ذلك ملازماً له طوال حياته.
ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول الله صلىاللهعليهوآله الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة فكان يتلقّى منهما قواعد الفضيلة، وأسس الآداب الرفيعة، وقد لازم بصورة خاصة أخاه أبا الشهداء الإمام الحسين عليه السلام فكان لا يفارقه في حله وترحاله، وقد تأثّر بسلوكه، وانطبعت في قرارة نفسه مُثُله الكريمة وسجاياه الحميدة حتى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته، وقد أخلص له الإمام الحسين كأعظم ما يكون الإخلاص وقدّمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الودّ الصادق له حتى فداه بنفسه.
انّ المكونات التربوية الصالحة التي ظفر بها سيّدنا أبو الفضل العبّاس عليه السلام قد رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين الذين غيّروا مجرى تاريخ البشرية بما قدّموه لها من التضحيات الهائلة في سبيل قضاياها المصيرية، وانقاذها من ظلمات الذلّ والعبودية.
لقد نشأ أبو الفضل على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحقّ، ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان، وبناء مجتمع أفضل تسوده العدالة والمحبة، والإيثار، وقد تأثر العباس بهذه المبادئ العظيمة وناضل في سبيلها كأشدّ ما يكون النضال، فقد غرسها في أعماق نفسه، ودخائل ذاته، أبوه الإمام أمير المؤمنين وأخواه الحسن والحسين عليهم السلام، هؤلاء العظام الذين حملوا مشعل الحرية والكرامة، وفتحوا الآفاق المشرقة لجميع شعوب العالم وأُمم الأرض من أجل كرامتهم وحرّيتهم، ومن أجل أن تسود العدالة والقيم الكريمة بين الناس.
الهوامش:
۱. جاء في العقد الفريد ۳ / ۳۳۱ ان دريد بن الصمة خرج ومعه جماعة من فرسان بني جشم حتى اذا كانوا في واد لبني كنانة يقال له الأخرم، وهم يريدون الغارة على بني كنانة فرأوا رجلاً معه ظعينة في ناحية الوادي فقال دريد لفارس من أصحابه امض واستولِ على الظعينة، وانتهى الفارس إلى الرجل فصاح به خلّ عن الظعينة وانج بنفسك، فألقى زمام الناقة، وقال للظعينة:
سيري على رسلك سير الآمن * سيـــــر دراج ذات جاش طامـن
ان التـأني دون قرنـي شائنــي * ابلى بلائـي فاخبري وعاينـــي
ثم حمل على الرجل فصرعه، وأخذ فرسه وأعطاها للظعينة، وبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه فلما انتهى إليه رآه صريعاً فصاح بالرجل فألقى زمام الظعينة، فلما انتهى إليه حمل عليه وهو يقول:
خل سبيل الحـرة المنيعـة * انـك لاق دونهـا ربيعــــــة
في كفـه خطيـة منيعــــــة * أو لا فخذها طعنة سريعة
وحمل عليه فصرعه، ولما أبطأ بعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع الرجلان ولما انتهى إليهما وجدهما صريعين، والرجل يجر رمحه، فلما نظر إليه قال للظعينة اقصدي قصد البيوت ثم أقبل عليه وقال:
ماذا ترى من شيئم عابــــس * أما ترى الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم حمل عليه فصرعه، وانكسر رمحه، وارتاب دريد في امر جماعته وظن أنهم أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل فلحقهم، وقد دنا ربيعة من الحي، فوجدهم دريد قد قتلوا جميعاً، فقال لربيعة: ان مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحك، والخيل ثائرة بأصحابها فدونك هذا الرمح فاني منصرف عنك إلى أصحابي، ومثبطهم عنك، فانصرف إلى أصحابه وقال لهم: ان فارس الظعينة قد حماها وقتل أصحابكم وانتزع رمحي فلا مطمع لكم فيه فانصرف القوم فقال دريد في ذلك:
ما ان رأيت ولا سمـعت بمثلـــه * حامي الظعينة فارسـاً لم يقتل
أردى فوارس لم يكونــوا نهــــزة * ثم استمــر كأنّــه لـم يفعـــــل
فتهللت تبـدو أســـرة وجهــــــه * مثل الحسام جلته كفّ الصيقل
يزجى طعينته ويسحب رمحــه * مثل البغاث خشين وقع الجندل
۲. جاء في تنقيح المقال ۲ / ۱۲۸ أنه تحدث للعباس ستة عشر لقباً.
۳ الفرس المطهم: هو السمين الفاحش في السمن كما في القاموس وفي المنجد أنه التام الحسن.
٤. مقاتل الطالبيين: ٥٦.
٥. المنمق في أخبار قريش: ٤۳۷.
٦. قمر بني هاشم ۱: ۱۹.
۷. قمر بني هاشم ۲: ٥.
*مقتبس من كتاب العباس بن علي عليهما السلام

من الطريف ما حصل لنا قريباً، حيث زارنا قبل أقل من عامين شخصيتان لها موقعها المتميز في المؤسسة الدينية المسيحية، فذكر أحدهما أن التكنولوجيا الحديثة قد أنست الناس الله عز وجل، وقد سأل عن كيفية الخروج من هذه المشكلة، وعن علاجها.
[اشترك]
وقد أدركت عمق السؤال وأهميته، بل فوجئت به، حيث لم يسبق عرضه علي مع كثرة من التقيت به من أمثالها، وتهيأت للإسهاب في الجواب، لعدم ألفتها لمفاهيمنا. وبدأت، فذكرت أن من أهم أسباب تأثير الداعية في الأتباع شعورهم بواقعيته في دعواه، وإخلاصه للحقيقة التي يدعو لها، من دون مكسب له وراء ذلك. واستشهدت على ذلك بما روي من أنه لما بدأ رؤساء القبائل يتفرقون عن أمير المؤمنين، ويتسللون إلى معاوية طلباً لدنياه، وظهرت بوادر ضعف معسكر أمير المؤمنين، مشى إليه بعض خواص أصحابه ممن يهمه أمره ويؤمنون بدعوته، وطلبوا منه أن يفضل الرؤساء في العطاء مؤقتاً، حتى إذا استوسقت له الأمور عاد إلى ما عوده الله عليه من القسم بالسوية والعدل في الرعية. فامتنع ﷺ من ذلك بل استنكره، وقال: «أتأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور فيمن وليث عليه من أهل الإسلام ؟! لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير ...» ( 1 ). وقلت تعقيباً على ذلك: وأخيراً انهار معسكر أمير المؤمنين، ثم قتل، کما كان يتوقع " )، وغلب معاوية وبسط سلطانه على بلاد الإسلام. لكن هؤلاء الخواص من أصحاب أمير المؤمنين الله أدركوا أنه صاحب مبدأ، لا يتنازل عنه مهما كلفه ذلك من ثمن، ولو أدى ذلك لانهيار معسكره ومشروعه السياسي، وحتى لو انتهى الأمر إلى قتله، وذلك شاهد على أن دعوته حق، فتمسكوا بدعوته، وجاهدوا في سبيل إبقائها وإسماع صوتها للأجيال، حتى وصلت إلينا.
وما ذكرت ذلك لها حتى استفزهما حديثي، وقالا: لا ينبغي أن نجلس معكم نصف ساعة، بل ينبغي أن نبقى عشرة أيام لتسمع مثل هذا الكلام. وأطالا في التعقيب على ذلك والإعجاب به حتى انتهى المجلس، من دون أن يسمح الوقت في ذكر الشواهد الأخر على ذلك. وما ذلك إلا لغياب هذه المفاهيم عن ذاكرة العالم، وتوجهاته المادية الصرفة.
*مقتطف من كتاب خاتم النبيين للمرجع الكبير الراحل محمد سعيد الحكيم

يتّضح الجواب ببيان أمور:
الأمر الأول: التخطيط الإلهيّ لفاجعة الطفّ
تؤكّد الروايات الشريفة على أنّ التخطيط لفاجعة الطفّ كان إلهيّاً، وأنّ الله تعالى قد عهد للإمام الحسين (عليه السلام) وأمره بتنفيذ مشروع لحفظ الدين عن الاندراس ينتهي باستشهاده واستشهاد مَن معه وبأسر نسائه وغير ذلك من الحوادث الفظيعة والشنيعة التي حصلت.. روى المحدّثون عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ الله عز وجل أنزل على نبيّه (صلى الله عليه وآله) كتاباً قبل وفاته، فقال: يا محمّد، هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك، قال: وما النجبة يا جبرئيل؟ فقال: علي بن أبي طالب وولده (عليهم السلام)، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب فدفعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمره أن يفكّ خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين (عليه السلام) خاتماً وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام) ففك خاتماً وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين (عليهما السلام)، ففك خاتماً فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، وأشرِ نفسك لله (عزّ وجلّ)، ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ففك خاتماً فوجد فيه: أن أطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل...». ينظر: الكافي ج1 ص281، الإمامة والتبصرة ص38، الأمالي للصدوق ص487، علل الشرائع ج1 ص171، كمال الدين ص231، ص669، الأمالي للطوسيّ ص441، وغيرها.
فيظهر من هذه الرواية وغيرها: أنّ خروج الإمام الحسين (عليه السلام) كان امتثالاً للأمر الإلهيّ الذي عهد به إليه بالوصيّة الشريفة، وذلك لتنفيذ مشروع عظيم لحفظ الدين والملة عن الاندراس والأفول، ويكون ذلك باستشهاده واستشهاد أصحابه.
وروى الكلينيّ في [الكافي ج1 ص261] عن ضريس الكناسيّ، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «فقال له حمران: جعلت فداك، أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله (عز ذكره)، وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران، إن الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ثم أجراه، فبتقدم علم إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، وبعلمٍ صمت من صمت منا، ولو أنهم ـ يا حمران ـ حيث نزل بهم ما نزل بهم ما نزل من أمر الله (عز وجل) وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله (عز وجل) أن يدفع عنهم ذلك وألحّوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت وذهاب ملكهم إذن لأجابهم ودفع ذلك عنهم، ثم كان انقضاء مدة الطواغيت وذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد، وما كان ذلك الذي أصابهم ـ يا حمران ـ لذنب اقترفوه، ولا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله، أراد أن يبلغوها، فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم».
قال الشيخ الصدوق في [الاعتقادات ص7]: «فهذا اعتقادنا في الإرادة والمشيئة، ومخالفونا يشنّعون علينا في ذلك، ويقولون أنّا نقول: إن الله تبارك وتعالى أراد المعاصي، وأراد قتل الحسين (عليه السلام). وليس هكذا نقول، ولكنّا نقول: إن الله تبارك وتعالى أراد أن تكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين، وأراد أن تكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل، وأراد أن يكون موصوفاً بالعلم بها قبل كونها، ونقول: أراد الله أن يكون قتل الحسين (عليه السلام) معصية له خلاف الطاعة، ونقول: أراد الله أن يكون قتله منهيّاً عنه غير مأمور به، ونقول: أراد الله (عزّ وجلّ) أن يكون قتله مستقبحاً غير مستحسن، ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتله سخطاً لله غير رضىً، ونقول: أراد الله (عزّ وجلّ) أن لا يمنع من قتله بالجبر والقدرة، كما منع منه بالنهي والقول، ولو منع من قتله بالجبر والقدرة كما منع منه بالنهي والقول، لاندفع القتل عنه (عليه السلام) كما اندفع الحرق عن إبراهيم، حين قال الله (عزّ وجلّ) للنار التي أُلقي فيها: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}، ونقول: لم يزل الله (عزّ وجلّ) عالماً بأنّ الحسين (عليه السلام) سيقتل ويدرك بقله سعادة الأبد، ويشقى قاتله شقاوة الأبد، ونقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ».
الأمر الثاني: لا يُسأل الله تعالى عن فعله
إنّ السؤال عن علّة عدم إرسال الله تعالى العذاب الفوريّ على جيش عمر بن سعد (لعنهم الله)، هو سؤال سيّال يُطرح في كثير من الموارد التي تسلّط فيها الظالمون على أنبياء الله ورسله وأوليائه، لماذا لم يهلك الله تعالى بني إسرائيل عندما قتلوا الكثير من الأنبياء حتّى أنّهم كانوا يقتلون في اليوم سبعين نبيّاً؟ ولماذا لم يهلك الله تعالى كفّار قريش إذ هتكوا حرمة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) مرات كثيرة بالسبّ والشتم والضرب والإهانة وغير ذلك؟ ولماذا لم يهلك الله جيش يزيد بن معاوية لمّا ضرب الكعبة بالمنجنيق؟ ولماذا لم يهلك الله تعالى الغاصبين إذ هجموا على بيت السيّدة الزهراء (عليها السلام) وفعلوا ما فعلوا؟ ولماذا ولماذا؟!
والجواب عن جميعها: لا شكّ بوجود علة داعية لذلك؛ إذ فعل الله تعالى معلّلة بالأغراض والغايات، ولا يصدر عنه الأفعال بلا غاية، ولكن الإنسان غير مكلّف بمعرفة علّة فعل الله تعالى، قال الله تبارك وتعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، وحينئذٍ لو جاءت النصوص ـ القرآنيّة والقدسيّة والمعصوميّة ـ في بيان العلّة والحكمة فنسلّم لها، وإن لم تردنا نصوص فيها فنسلّم لها أيضاً ونذعن بوجود علّة خافية عنّا.
الأمر الثالث: نزول العذاب موقوف على إرادة المعصوم
لا يخفى أنّ الملائكة والجنّ والحيوان وسائر ما خلقه الله مأمورون باتّباع الإمام (عليه السلام) ومنقادون لإرادته، والإمام هو الحجّة عليهم، كما دلّت عليه البراهين. والملائكة الموكّلون بالعذاب هم من جملة المخلوقات التي تأتمّ بالمعصوم، وترجع إليه، وتأتمر بأمره وتنزجر بنواهيه كما هو واضح، فلا يسعها إنزال العذاب دون إذنه وإرادته وطلبه، وهم معصومون لا يفعلون إلّا وفق ما يمليه عليهم تكليفهم من الانصياع لحجّة الله تعالى؛ لأنّ الله تعالى أمر خلقه بالانصياع لأوامر حجّته.
وقد جاءت جملة من الروايات أنّ الملائكة عرضت النصر على سيّد الشهداء (عليه السلام)، وطلبت الإذن لقطع دابر القوم الظالمين، وكذلك جاءت الجنّ وعرضت النصرة، ولكن لم يأذن الإمام (عليه السلام) لهم، كما أنّ النصر رفرف فوق رأسه الشريف وخُيّر بين النصر والشهادة فاختار الشهادة.
نقل السيّد ابن طاووس في [اللهوف ص41] عن الشيخ المفيد بإسناده عن أبى عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليهم السلام) قال: «لمّا سار أبو عبد الله الحسين بن عليّ (عليهما السلام) من مكة ليدخل المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمين والمردفين في أيديهم الحراب على نُجب من نجب الجنّة، فسلموا عليه وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ الله (عزّ وجلّ) أمدّ جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنا في مواطن كثيرة، وإنّ الله أمدّك بنا، فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجّة الله، إنّ الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟ فقال: لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي، وأتته أفواج من مؤمني الجنّ، فقالوا له: يا مولانا، نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم خيراً، وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله... فقالت الجنّ: والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك لخالفناك وقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال لهم (عليه السلام): نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك مَن هلك من بيّنة ويحيى مَن حيّ عن بيّنة».
وروى ابن قولويه في [كامل الزيارات ص171] والشيخ الصدوق في [الأمالي ص737، وكمال الدين ص672] والشيخ النعمانيّ في [الغيبة ص322] بالإسناد عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): « إنّ أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، لم يُؤذَن لهم في القتال، فرجعوا في الاستيذان، فهبطوا وقد قتل الحسين ( عليه السلام) .. ».
وروى الشيخ الكلينيّ في [الكافي ج1 ص260] بالإسناد عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « أنزل الله تعالى النصر على الحسين (عليه السلام) حتّى كان بين السماء والأرض، ثمّ خُيِّر النصر أو لقاء الله، فاختار لقاء الله تعالى ». ونقل السيّد ابن طاوس في [اللهوف ص61] عن معالم الدين للنرسيّ أنّه « روى عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: سمعتُ أبي يقول: لمّا التقى الحسين (عليه السلام) وعمر بن سعد (لعنه الله) وقامت الحرب، أنزل الله تعالى النصر حتّى رفرف على رأس الحسين (عليه السلام)، ثمّ خُيّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله، فاختار لقاء الله ».

يقول آية الله الشيخ الوحيد الخراساني [دامت بركات]:
نظرة نسأل بها أنفسنا: ما هو مستوى معرفتنا للإمام موسى بن جعفر عليه السلام، نحن، والأكبر منا، والأصغر منا؟
[اشترك]
إن فهم القرآن والسنة والبحث فيهما والوصول إلى غورهما، ليس أمراً سهلاً كما يتصور البعض، بل أمر في غاية الصعوبة.
لقد أراد هارون أن يبطل أمر موسى بن جعفر عليه السلام، هارون هذا الذي يروون عنه أنه كان يخاطب السحابة ويقول لها: أمطري أينما شئت فإن خراجك يصل اليَّ! والذي كان العلماء والسحرة تحت يده، فاستدعى رجلاً (يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر صلى الله عليه وآله) !
وأمْرُ الإمام الكاظم عليه السلام هو قوله وقول شيعته بأنه إمام من الله تعالى.
أراد هارون أن يُبطل أمر الإمام الذي حبسه أربع سنوات أو سبع سنوات في ظُلَم المطامير وقيود الزناجير، فلم يخضع لطغيانه، ولم يلفظ فمه الشريف بكلمة استعطاف له!
فاستدعى أقدر ساحر في طول إمبراطورتيه وعرضها، فعمل له ناموساً، والناموس في اصطلاح أرباب السحر والعلوم الخفية اسم لنوع متطور من القدرة على السحر.. عمل ناموساً على الخبز، فكان كلما رام خادم أبي الحسن عليه السلام تناول رغيفاً من الخبز طار من بين يديه!
وفرح الإمبراطور هارون بذلك، واستفزه الفرح وأخذه الضحك والقهقهة هو ووزراؤه وندماؤه، يسخرون من هذا الذي يدعي أنه إمام من الله تعالى، ويعتقد هو وشيعته أن هاروناً غاصب لمنصبه!
وتصور هارون أنه حقق هدفه، فالذي يدعون له أنه (حجة الله على العباد) غلبه ساحر موظف عند هارون، فلم يستطع خادمه أن يتناول له رغيف خبز! لكن فرح هارون لم يطل، فقد استعمل الإمام عليه السلام بعض ما أعطاه الله من قدرة وهو أعرف متى يستعملها ومتى لا يستعملها، ونظر إلى صورة أسد في ستائر قاعة هارون وأمره أن يبتلع الساحر المعزم ففعل، وغشي على هارون وملائه!
المصدر: الحق المبين في معرفة المعصومين [عليهم السلام]

إن الأقوال والأخبار الواردة حول مدة سجن إمامنا أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) في سجون هارون الغوي مختلفةٌ، فبعضها تدل على أنها كانت أربع سنوات تقريباً؛ إذ أخذه سنة 179هـ إلى زمان شهادته (عليه السلام) سنة 183هـ، وبعضها تدل على أنها كانت 13 سنةً تقريباً؛ إذ أخذه سنة 170هـ تقريباً إلى زمان شهادته (عليه السلام) سنة 183هـ، وغير ذلك.
[اشترك]
قال الشيخ الكليني في [الكافي ج1 ص476] عند ذكر إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام): «وقبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك، وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة، وقد قدم هارون المدينة منصرفه من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثم أشخصه إلى بغداد، فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي (عليه السلام) في حبسه، ودفن ببغداد في مقبرة قريش »، وقد استشهد الإمام (عليه السلام) سنة 183هـ، فتكون مدة حبسه أربع سنوات، ويدل على هذا بعض الأخبار أيضاً.
وقد روى الشيخ الصدوق في [عيون أخبار الرضا ج1 ص154] بإسناده عن الثوباني قال: « كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بضع عشرة سنة كل يوم سجدةٌ بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال، فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبو الحسن (عليه السلام)، فكان يرى أبا الحسن (عليه السلام) ساجداً، فقال للربيع: يا ربيع، ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ قال: يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر، له كل يوم سجدةٌ بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، قال الربيع: فقال لي هارون: أما إن هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك قد ضيقت عليه في الحبس؟ قال: هيهات، لا بد من ذلك».
وظاهر هذا الخبر أن الإمام (عليه السلام) كان في السجن بضع عشرة سنة، وتعني كلمة (بضع) الرقم المبهم من ثلاثة إلى تسعة، ولو لاحظنا أن هارون الغوي استلم زمام الحكم سنة 170هـ، وأن الإمام الكاظم (عليه السلام) استشهد سنة 183هـ، فما بين استلامه للحكم وشهادة الإمام 13 سنة، فيبدو أن هارون أمر بسجن الإمام من بدايات زمان ملكه.

أما الذي في مصر، فالظاهر أنه قبر لامرأة شريفة أخرى من ذرية الإمام علي عليه السلام، لعلها زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور.
ويقال: إن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، وكنيتها أم كلثوم، قد دفنت قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار، خارج دمشق الشام. وقد يقال في محل وفاة زوجها غير ذلك.
وكانت قد جاءت مع زوجها عبد الله إلى الشام، في أيام عبد الملك بن مروان، سنة المجاعة، ليقوم عبد الله بن جعفر فيما كان له من القرى والمزارع، خارج الشام، حتى تنقضي المجاعة، فماتت السيدة زينب هناك، ودفنت في بعض تلك القرى.
وفي الخيرات الحسان: أنها حمت من وعثاء السفر، أو لسبب آخر غير ذلك 2.
بل إن من المحتمل جداً، أن تكون عليها السلام قد هاجرت من بلدها بسبب الضغوط التي كانت تواجهها في المدينة، ويدل على ذلك:
1 ـ إنهم يذكرون: أن الإمام السجاد عليه السلام، كان قد اتخذ منزله بعد قتل أبيه الحسين عليه السلام بيتاً من الشعر، أقامه بالبادية، فلبث عدة سنين كراهة المخالطة للناس، وملابستهم.
وكان يصير من البادية إلى العراق، زائراً لأبيه، وجده أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يُشْعِر أحداً بذلك 3.
غير أن لنا تحفظاً على التعليل المذكور، وهو أنه عليه السلام قد سكن البادية كراهية مخالطة الناس، فإن ذلك إما محض اجتهاد من الراوي، والمتحدث، أو أنهم أرادوا أن لا يصرحوا بأمر يخشون على أنفسهم من ملاحقة السلطة لأجله.
على أن هذه الكراهية لو كانت لمجرد المخالطة، لجاز لنا القول بأن هذا الأمر إذا كان مكروهاً في تلك السنوات، فما الذي رفع كراهته في السنوات التي تلتها؟!
ولماذا لم يكره غير الإمام السجاد عليه السلام من بقية الأئمة الأطهار، مخالطة الناس، ولم يفعلوا مثل فعله، من سكنى البادية في خيمة من شعر؟!
2 ـ لعل الصحيح هو أن السلطة قد اضطهدت بني هاشم بعد كربلاء، وهدمت بيوتهم، فتشردوا في البلاد يبحثون عن المأوى الآمن، فقد ورد: أنه كان من بر الإمام السجاد بآل عقيل: أن المختار بن يوسف أرسل إلى الإمام أموالاً كثيرة، عشرين ألف دينار، فبنى بها دور آل عقيل التي هدمتها بنو أمية 4.
وصرحوا أيضاً بأن عبد الملك بن مروان قد هدم دار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، التي كان وِلْدُهُ فيها، وقد حاول الحسن بن الحسن منعهم من ذلك، فقال: لا أخرج ولا أمكن من هدمها، فضرب بالسياط، وتصايح الناس، وأخرج عند ذلك، وهدمت الدار، وزيدت في المسجد 5.
وقال زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام: «ألستم تعلمون أنا وِلْدُ نبيكم المظلومون المقهورون، فلا سهم وُفينا، ولا تراث أُعطينا، وما زالت بيوتنا تهدم، وحرمنا تنتهك، الخ..» 6.
وقال جعفر بن عفان في هذا المعنى:
ما بال بيتكم تخرب سقفه وثيابكم من أرذل الأثواب 7.
وفي وقعة الحرة، حين دخل مسرف بن عقبة المدينة: «قتل من آل أبي طالب 8 عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن أبي طالب «ابن الحنفية» ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب ثلاثة. وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش، ومن سائر الناس لا تعد ولا تحصى، ثم دخل المدينة وخرب بيوت بني هاشم، ونهب المدينة» 9.
ويذكرون أيضاً: أن الحكم بن المختار الثقفي، دخل على أبي جعفر عليه السلام، فقال له:
«أصلحك الله، إن الناس قد أكثروا في أبي، وقالوا، والقول ـ والله ـ قولك.
قال أبو جعفر: وأي شيء يقولون؟!..
قال: يقولون: كذاب. ولا تأمرني بشيء إلا قبلته..
فقال ( عليه السلام ): سبحان الله، أخبرني أبي والله: إن مهر أمي كان مما بعث المختار. أولم يبن دورنا؟ وقتل قاتلينا؟ وطلب بدمائنا رحمه الله؟!» 10.
الهوامش:
1. الفتوحات المكية ج4 ص198 وليراجع كتاب مرقد العقيلة زينب للسابقي.
2. راجع: معالي السمطين ج2 ص224 عن كتاب نزهة أهل الحرمين ص67 للسيد حسن الصدر، وعن الخيرات الحسان. وراجع: مرقد العقيلة زينب ص189 و190 و191 عن مراقد المعارف ج1 ص240 و334 وعن الثمر المجتنى للبراقي، والخيرات الحسان ج2 ص29 وتحفة العالم ج1 ص235 ونفس المهموم ص297 وهدية الزائرين ص353 ومنتخب التواريخ ص103 وغير ذلك..
3. معالي السبطين ج2 ص212.
4. غاية الاختصار ص160 وراجع سفينة البحار ج2 ص754 والبحار ج45 ص344 ورجال الكشي.
5. البحار ج39 ص29 وسفينة البحار ج1 ص426 وج8 ص131.
6. تفسير فرات ص136، والبحار ج46 ص206 وسفينة البحار ج8 ص631.
7. سفينة البحار ج8 ص631.
8. وفي مقاتل الطالبيين: أن عبدالله بن جعفر هما المقتولان في وقعة الحرة، وهما أبو بكر، وعون الأصغر.
9. شجرة طوبى ج1 ص113.
10. رجال الكشي.

من هي زينب الصغرى وهل حضرت واقعة الطف وأين توفيت ودفنت؟
[اشترك]
أولاً: ذكر المؤرخون أنّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) عدة بنات باسم زينب، والمقطوع به حضور زينب الكبرى، وأم كلثوم في واقعة الطف.
[اشترك]
ثانياً: المعروفة بزينب الصغرى بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) – من غير الزهراء (عليها السلام) – هي زوجة محمد بن عقيل بن أبي طالب، أمها أم ولد، ولدت له الفقيه والمحدث عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه العقب من ولد عقيل. (عمدة الطالب لابن عنبة، ص32، الطبقات الكبرى لابن سعد: 3 / 20).
ثالثاً: لا يمكن الجزم بحضور زينب الصغرى زوجة محمد بن عقيل، واقعة الطف، ولكنه محتمل جداً، وذلك لأنّ جماعة من المؤرخين ذكروا أنّ زوجها كان مع الأسرى، ونجا من القتل، لصغر سنه. (شرح الأخبار للقاضي النعمان: 3 / 196 – 197، الوافي بالوفيات للصفدي: 12 / 265).
وقال ابن عساكر: محمد الأصغر بن عقيل بن أبي طالب ... : كان مع ابن عمه الحسين بن علي حين توجه إلى العراق فلما قتل الحسين وأهل بيته استصغر محمد بن عقيل فلم يقتل وقدم به دمشق فيمن أقدم من أهل بيته وقد مضى ذكر قدومه في ترجمة الحسين. (تاريخ دمشق: 54 / 226).
وقيل: أنّ محمد بن عقيل استشهد في واقعة الطف. (مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 48، الجوهرة في نسب الإمام علي لمحمد بن ابي بكر الانصاري، ص67، بحار الانوار: 45 / 62 نقلاً عن المناقب لابن شهر آشوب، وسقط اسمه من مطبوع المناقب، الأخبار الطوال للدينوري، ص257، وقال: رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم فقتله.)
ولكن القول بشهادته غير مشهور بين المؤرخين.
وحضور زوجها في واقعة الطف، يقوّي حضورها أيضاً.
رابعاً: لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاة السيدة زينب الصغرى، ولكنهم ذكروا أنها بعد وفاة زوجها محمد بن عقيل، تزوجها كثير بن العباس بن عبد المطلب، وولدت له كلثم [ام كلثوم]، وتوفيت عنده، ثم تزوج كثير بعد وفاتها اختها أم كلثوم الصغرى واسمها نفيسة فولدت له أم عقيل. (لاحظ: الأصيلي لابن الطقطقي، ص59، ومقتل أمير المؤمنين، لابن أبي الدنيا، ص122، انساب الأشراف، للبلاذري: 2 / 193).
وكان كثير بن العباس يسكن بقريةٍ على فراسخ من المدينة، وينزل المدينة كل جمعة فيصلي بها وينصرف. (أنساب الأشراف للبلاذري: 4 / 67، تاريخ الإسلام للذهبي: 6 / 175)
وتوفي كثير ودفن في المدينة، أيام عبد الملك بن مروان، في عشر التسعين للهجرة. (الثقات لابن حبان: 5 / 329، الوافي بالوفيات للصفدي: 24 / 242، تقريب التهذيب: 2 / 38).
وعبد الملك بن مروان توفي سنة 86 للهجرة، وعلى هذا يكون وفاة كثير بن العباس بين الثمانين والستة وثمانين، وبما أنّ زوجته زينب الصغرى توفيت قبله، ثم تزوج اختها وأولدها، فيكون وفاة السيدة زينب الصغرى، قبل هذا التاريخ، وبعد واقعة الطف. ( بين 61 – 84 هج ) وهذا التحديد مقطوع به.
ولو عثرنا على تاريخ وفاة زوجها الأول محمد بن عقيل، لاستطعنا أن نضيق دائرة تاريخ وفاتها أكثر مما ذكرناه.
خامساً: وأما مكان دفنها: فبما أنّ زوجها كثير بن العباس كان يسكن في قرية على فراسخ من المدينة، فمن المظنون قوياً أنّ زوجته السيدة زينب الصغرى، توفيت في تلك القرية أو في المدينة، ودفنت هناك.
الخلاصة: يحتمل قوياً أن تكون زينب الصغرى حضرت واقعة الطف، وتوفيت في المدينة المنورة ما بين سنة (61 هـ – 84 هـ ).

شهر رجب شهر عظيم المنزلة، و هو شهر الله المتميز بالفضيلة و الحرمة العالية، و قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصوم هذا الشهر و يُحييه بالعبادة و الذكر.
[اشترك]
شهر رجب
شهر رجب هو الشهر السابع من الأشهر العربية القمرية 1، و هو أحد الأشهر الثلاثة 2 المتميزة في فضائلها عن غيرها من الأشهر، و هو أيضاً من الأشهر الحُرُم 3.
و في الحديث المروي عن النبي المصطفى (صلى الله عليه و آله) أنَّهُ قال: "أَلَا إِنَّ رَجَبَ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، وَ هُوَ شَهْرٌ عَظِيمٌ، وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْأَصَمَّ لِأَنَّهُ لَا يُقَارِنُهُ شَهْرٌ مِنَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُرْمَةً وَ فَضْلًا، وَ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ لَمْ يَزْدَدْ إِلَّا تَعْظِيماً وَ فَضْلًا.
أَلَا وَ إِنَّ رَجَبَ شَهْرُ اللَّهِ، وَ شَعْبَانَ شَهْرِي، وَ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرُ أُمَّتِي ..." 4.
ما معنى رجب؟
رجب من الترجيب أي التعظيم، و كان الناس في الجاهلية يعظمون هذا الشهر و يحرمون فيه القتال.
اسماء شهر رجب
يُعرف شهر رجب بشهر الله، كما و يُعرف بالأصم، و إنّما سُمِّي بذلك لانّ العرب لم تكن تغزوا فيه و لا ترى الحرب و سفك الدماء، و كان لا يُسمع فيه حركة السلاح و لا صهيل الخيل و لا أصوات الرجال في اللقاء و الاجتماع 5.
و يسمى شهر رجب بالشهر الأصب و ذلك لأن رحمة الله تعالى تُصب صباً على الناس.
وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ 6 (عليه السَّلام): "رَجَبٌ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فَمَنْ صَامَ يَوْماً مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ" 7.
الهوامش:
1. الأشهر القمرية و التي تُعرف أيضا بالهلالية هي الأشهر المعتمدة في الحسابات الشرعية كبلوغ الصبي و الفتاة، و العبادات في الشريعة الإسلامية ، و هي المدار في كثير من العبادات و الأعمال الواجبة و المستحبة كالصلوات و الصيام و الحج و غيرها، و هي اثنا عشر شهراً، و ترتيبها هو: محرَّم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر (الثاني)، جمادى الأولى، جمادى الآخرة (الثانية)، رجب، شعبان، رمضان، شَوَّال، ذُو الْقَعْدَة، ذُو الْحِجَّة.
2. الأشهر الثلاثة: هي ثلاثة أشهر القمرية، و هذه الأشهر متتالية و هي: رجب و شعبان و رمضان، و هذه الأشهر متميزة في فضائلها و أعمالها المستحبة، و هي أشهر عبادة و ذكر.
3. الأشهر الحُرُمْ: هي أربعة أشهر من الأشهر القمرية حُرِّمَ فيها القتال منذ عهد إبراهيم الخليل (عليه السَّلام) ، و كان هذا التحريم نافذاً حتى زمن الجاهلية قبل الإسلام ، و عندما جاء الإسلام أقرَّ حرمتها، و لذلك تُسَمَّى بالأشهر الحُرُمْ، و قد أشار القرآن الكريم إلى حرمة ابتداء قتال الأعداء في هذه الأشهر، كما أشار إلى لزوم مقاتلتهم إذا إنتقضوا حرمة هذه الأشهر و بدؤا القتال.
4. فضائل الأشهر الثلاثة: 24، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق، المولود سنة: 305 هجرية بقم، و المتوفى سنة: 381 هجرية، طبعة مكتبة الداوري، الطبعة الأولى، سنة: 1396 هجرية، قم/إيران.
5. مسار الشيعة: 68، للشيخ محمد بن محمد النُعمان المُلقَّب بالشيخ المُفيد ، المولود سنة : 336 هجرية ببغداد ، و المتوفى بها سنة : 413 هجرية.
6. أي الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السَّلام) ، سابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
7. من لا يحضره الفقيه: 2/92، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق، المولود سنة: 305 هجرية بقم، و المتوفى سنة: 381 هجرية، طبعة انتشارات إسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثالثة، سنة: 1413 هجرية، قم/إيران.

هل هناك رواية تقول إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) تزوّج بعد وفاة فاطمة الزهراء بتسع ليال؟
[اشترك]
الظاهر أنّه لا توجد رواية في تحديد مدّة زواج أمير المؤمنين (ع) بعد استشهاد الزهراء (ع)، ولم نرَ من يحدّد هذه المدّة سوى الشيخ عليّ النمازيّ الشاهروديّ في كتابه (مستدرك سفينة البحار) (ج4/ص336)، إذْ يقول: تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة فاطمة الزهراء (ع) بتسع ليال وتوفي عن أربعة: أمامة وأمها زينب، وأسماء، وليلى التميمية، وأم البنين . وخطب المغيرة بن نوفل أمامة ثم أبو الهياج . فروت عن علي (عليه السلام ): أنه لا يجوز لأزواج النبي والوصي أن يتزوجن بغيره بعده . فلم تتزوج امرأة ولا أم ولد بهذه الرواية .
وأمّا بقيّة أهل العلم ممّنْ عرّج على هذه المسألة، فإنّهم كانوا يذكرون أنّه تزوّج من بعد وفاة فاطمة الزهراء (ع) من دون تحديد المدّة، ففي كتاب الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( ع )، للشيخ إسماعيل الأنصاريّ الزنجانيّ الخوئيني، في (ج ١٦/ص ٢١٠) نقلاً عن البلخيّ أنّه قال: في ذكر زوجات أمير المؤمنين عليه السّلام: . . . وكان عنده يوم قتل عليه السّلام أربع زوجات حرائر في عقد نكاحه، وهنّ أمامة بنت أبي العاص بنت زينب بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، تزوّجها بعد موت فاطمة البتول عليها السّلام . . . .
وكذا الحال في كتاب الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )، للسيد جعفر مرتضى العاملي، (ج ١/ص ٢٦٤)، إذْ يقول: وبعد استشهاد السيدة الزهراء « عليها السلام » تزوج « عليه السلام » بعدة نساءٍ هنَّ:
1 - أمامة بنت أبي العاص .
2 - أسماء بنت عميس .
3 - ليلى بنت مسعود .
4 - أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي .
5 - خولة بنت جعفر بن قيس .
6 - الصهباء بنت ربيعة .
فيظهر من ذلك أنّ الخبر في تحديد المدّة غير مشهور وغير متداول في كلمات أهل العلم.

هل حقاً أن السبايا وخاصة السيدة زينب (ع) لم يضربن بالسوط أبداً؟
[اشترك]
إنّ سبايا أهل البيت قد تعرضوا للضرب في عدة مواطن، وقد نقل المؤرخون شيئاً من ذلك في كتبهم، وأرّخها الشعراء في قصائدهم، وممن نُقِلَ أنه تعرّض للضرب فاطمة الصغرى، ومولاتنا أم كلثوم (سلام الله عليها) وبنات الرسالة، حيث نقلت فاطمة الصغرى أنّ نساء أهل البيت (ع) قد تعرضن للضرب في يوم عاشوراء عند سلبهنّ بالضرب بكعب الرمح، وأنّ أحدهم ضربها بكعب الرمح بين كتفيها فسقطت مغشياً عليها، وأخبرت عن عمتها أم كلثوم (ع) أنها قد تعرضت للضرب حتى اسودّ متنها من الضرب (المنتخب للطريحي، ص174، بحار الأنوار: 45 / 61)
وعند الهجوم على الخيام وسلب بنات رسول الله (ص) حصل تدافع بينهم، ومن الطبيعي تعرضهنّ للضرب أثنائه، روى الصدوق بسنده عن عبد الله بن الحسن المثنى، عن أمه فاطمة بنت الحسين ( عليه السلام )، قالت: دخلت الغاغة علينا الفسطاط، وأنا جارية صغيرة، وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجلا يفض الخلخالين من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، يا عدو الله؟! فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله! فقلت: لا تسلبني. قال: أخاف أن يجئ غيري فيأخذه. قالت: وانتهبوا ما في الأبنية حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا. (الأمالي للصدوق، ص228).
قال الشيخ المفيد في الإرشاد: وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه.
قال حميد بن مسلم: فوالله لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها. (الإرشاد للمفيد: 2 / 112).
قال السيد المقرم: وبعد الزوال ارتحل الى الكوفة ومعه نساء الحسين (ع) وصبيته وجواريه وعيالات الأصحاب وكنّ عشرين امرأة... فقلنَ النسوة: بالله عليكم إلا ما مررتم بنا على القتلى، ولما نظرنَ إليهم مقطعي الأوصال... صحنَ ولطمن الوجوه... واعتنقت سكينة جسد أبيها الحسين (ع)... وأتاهنّ زجر بن قيس وصاحَ بهنّ فلم يقمنَ، فأخذ يضربهنّ بالسوط، واجتمعَ عليهنَ الناس حتى أركبوهنَ على الجمال. (مقتل الحسين للمقرم، ص305 – 309 عن تظلم الزهراء، ص177).
قال الخليعي ( ت 650 هـ ):
لهفي على فاطم الصغرى مقرحة *** بالدمع أجفانها مسلوبة الوسن
تدعو إلى زينب يا عمتا سلب العلج *** القناع ليسبيني ويهتكني
فرمت أستر وجهي عند رؤيته *** فظل يشتمني عمداً ويضربني
المنتخب للطريحي، ص146.
قال الشيخ مفلح الصيمري (قرن التاسع الهجري)
تقبل جثمان الحُسين سكينة *** وشمر لها بالسوط ضرباً يقنع
فيؤلمها ضرب السياط فتلتجي *** لعمتها من حيث بالضرب توجع
تقول له يا شمر ويحك خلها *** إذا كان بالتقبيل ترضى وتقنع
وترفع صوتاً اُمّ كلثوم بالبكا *** وتشكو إلى الله العلي وتضرع
وتندب من عظم الرزية جدها *** فلو جدنا ينظر إلينا ويسمع
إلى أن يقول:
أيا جدنا شمر يبز قناعنا *** ويضربنا ضرب الإماء ويوجع
المنتخب للطريحي، ص135.
قال الشيخ محمد بن السمين (القرن الحادي عشر) وهو يصف حال مولاتنا زينب (ع):
ثمّ لما رأته ملقى على الترب *** تريب الخدين دامي الجبين
صرخت صرخة وقالت أجدة *** العيس رفقاً هنية أوقفوني
لأودعه كي أبل غليلي *** بوداعي منه ولا تمنعوني
إلى أن يقول:
فأجابوا صوت الشجي بسوط *** وبضرب يبدي خفي الأنين
فاستغاثت بجدها وأبيها *** وأخيها الزاكي الإمام المبين
الى ان يقول:
جدي هذا القناع يسلب مني *** ثم بالسوط بعد قنعوني
إلى أن يقول:
وإذا ما شكوت ضراً وبؤساً *** رجموني بغياً وما رحموني
المنتخب للطريحي، ص70
وقال الشيخ داود البحراني ( ت 1012 هـ ) وهو يصوّر لسان حال السبايا:
أبي هذي اُميّة ذات صون *** ونحن نساق جهراً بالفلاء
تصان اُميّة ولها خدور *** ونبرز من خبانا للسباء
كأنا من بنات الزنج نسبى *** ونضرب بالسياط بلا خطاء
المنتخب للطريحي، ص203 – 204.

یدعی البعض أنّها علیها السلام قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات؟!
[اشترك]
نقول: إن ذلك غیر صحیح. والصحیح هو ما علیه شیعة أهل البیت (ع)، تبعا لأئمتهم (ع) 1 – وأهل البیت أدرى بما فیه - وقد تابعهم علیه جماعة آخرون، وهو: أنّها علیها السلام قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، أي في سنة الهجرة إلى الحبشة، وقد توفیت وعمرها ثمانیة عشر عاما. وقد روي ذلك عن أئمتنا (ع) بسند صحیح 2.
مضافا إلى هذا. فمن الممكن الاستدلال على ذلك أو تأییده بما یلي:
1 - ما ذكره عدد من المؤرخین من أن جمیع أولاد خدیجة رحمها الله قد ولدوا بعد البعثة، وفاطمة (ع) كانت أصغرهم 3.
2 - الروایات الكثیرة المرویة عن عدد من الصحابة، مثل: عائشة وعمر بن الخطاب وسعد بن مالك وابن عباس وغیرهم، التی تدل على أن نطفتها علیها السلام قد انعقدت من ثمر الجنة، الذی تناوله النبی (ص) حین الإسراء والمعراج 4 الذی قد حصل فی أوائل البعثة 5. و إذا كان فی النّاس من یناقش فی أسانید بعض هذه الروایات على طریقته الخاصة، فإن البعض الآخر منها لا مجال للنقاش فیه، حتى بناء على هذه الطریقة أیضا. وأما ما یزعم من أن هذه الروایة لا تصح، لأن الزهراء قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فهو مصادرة على المطلوب، إذ أن هذه الروایات التی نحن بصدد الحدیث عنها – وقد رویت بطرق مختلفة - أقوى شاهد على عدم صحة ذلك الزعم.
3 - قد روى النسائی: أنه لما خطب أبو بكر وعمر فاطمة (ع) ردهما النبی (ص) متعللا بصغر سنها 6 فلو صح قولهم: إنها ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فإن عمرها حینما خطباها بعد الهجرة - كما هو مجمع علیه عند المؤرخین - یكون حوالي ثمانیة عشر أو تسعة عشر سنة، فلا یقال لمن هي فی مثل هذا السن: إنها صغیرة.
4 - قد روی: أن نساء قریش هجرن خدیجة رحمها الله، فلما حملت بفاطمة كانت تحدثها من بطنها وتصبرها 7 وقد یستبعد البعض حمل خدیجة بفاطمة (ع) بعد البعثة بخمس سنوات، لأن عمر خدیجة(رض) حینئذ كان لا یسمح بذلك.
ولكنه استبعاد فی غیر محله، إذ قد حققنا فی كتاب الصحیح من سیرة النبی الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم) أن عمرها كان حینئذ حوالی خمسین سنة، بل أقل من ذلك أیضا، على ما هو الأقوى، وإن اشتهر خلاف ذلك 8. و احتمال أن یكون ذلك - أی ولادتها بعد سن الیأس - قد جاء على سبیل الكرامة لخدیجة والرسول الله (ص) على غرار قوله تعالى: " أألد وأنا عجوز ". غیر وارد هنا، إذ لو كان الأمر كذلك لكان قد شاع وذاع، مع أننا لا نجد أیة إشارة تدل على ذلك.
5 – ویدل على ذلك أیضا الأحادیث الكثیرة التي ذكرت سبب تسمیتها بفاطمة، وبغیر ذلك من أسماء، حیث تشیر وتدل على أن هذه التسمیة قد جاءت من السماء بأمر من الله عزوجل. وهی روایات كثیرة موجودة فی مختلف المصادر، فلتراجع ثمة 9 10 11.
الهوامش:
1. راجع ضیاء العالمین: ج 2 ق 3 ص 2 " مخطوط " وجامع الأصول لابن الأثیر : ج 12 ص 9 و10.
2. البحار: ج 43 ص 101 عن الكافی بسند صحیح، وعن المصباح الكبیر، ودلائل الإمامة ومصباح الكفعمی، والروضة، ومناقب ابن شهر آشوب، وكشف الغمة : ج 2 ص 75 وإثبات الوصیة وراجع: ذخائر العقبى : ص 52 وراجع أیضا: تاریخ الخمیس ج 1 ص 278 عن كتاب تاریخ موالید أهل البیت للإمام أحمد بن نصر بن عبد الله الدراع، وراجع : مروج الذهب ج 2 ص 289 وغیر ذلك.
3. راجع: البدء والتاریخ: ج 5 ص 16 والمواهب اللدنیة: ج 1 ص 196 وتاریخ الخمیس: ج 1 ص 272.
4. تجد هذه الروایات فی كتب الشیعة، مثل البحار: ج 43 ص 4 و5 و6 عن أمالی الصدوق، وعیون أخبار الرضا، ومعانی الأخبار، وعلل الشرائع، وتفسیر القمي، والاحتجاج وغیر ذلك، وراجع: الأنوار النعمانیة: ج 1 ص 80 وأي كتاب حدیثی أو تاریخی تحدث عن تاریخ الزهراء ( علیها السلام ). وتجدها فی كتب غیرهم، مثل: المستدرك على الصحیحین: ج 3 ص 156 وتلخیص المستدرك للذهبي ( مطبوع بهامش المستدرك ) نفس الجزء والصفحة، ونزل الأبرار: ص 88 والدر المنثور: ج 4 ص 153 وتاریخ بغداد: ج 5 ص 87 ومناقب الإمام علي بن أبی طالب لابن المغازلي: ص 357 وتاریخ الخمیس: ج 1 ص 277 وذخائر العقبى: ص 36 ولسان المیزان: ج 1 ص 134 واللآلي المصنوعة: ج 1 ص 392 والدرة الیتیمة فی بعض فضائل السیدة العظیمة: ص 31 ونقله فی إحقاق الحق ( قسم الملحقات ): ج 10 ص 1 - 10 عن بعض من تقدم وعن میزان الاعتدال، والروض الفائق، ونزهة المجالس، ومجمع الزوائد، وكنز العمال، ومنتخب كنز العمال، ومحاضرة الأوائل، ومقتل الحسین للخوارزمی، ومفتاح النجاة، والمناقب لعبد الله الشافعي، وإعراب ثلاثین سورة، وأخبار الدول وقد تحدث فی كتاب ضیاء العالمین: ج 4 ص 4 و5 " مخطوط " عن هذا الأمر، وذكر طائفة كبیرة من المصادر الأخرى وثمة مصادر أخرى ذكرناها حین الحدیث حول الإسراء والمعراج فی كتابنا الصحیح من سیرة النبی الأعظم ( ص )، فراجع.
5. راجع كتابنا: الصحیح من سیرة النبی الأعظم ( ص ): ج 3 مبحث الإسراء والمعراج.
6. راجع: خصائص أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ص 228 بتحقیق المحمودي، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 393 ( ط دار الأضواء ) وتذكرة الخواص: ص 306 و307، وضیاء العالمین: ج 2 ق 3 ص 46 " مخطوط ".
7. البحار: ج 43 ص 2.
8. سن خدیجة حینئذ كان ما بین 45 حتى 50 سنة بناء على عدد من الأقوال فی مقدار عمرها، ولعل من بینها ما هو الأقوى، وإن كان المشهور خلافه. حتى على هذا المشهور، فإن عمر خدیجة حینئذ كان لا یأبى عن الحمل، فإن القرشیة یستمر حیضها إلى الستین، كما هو مقرر فی الفقه. وهذا یعنی أن قابلیة الحمل موجودة أیضا، كما هو ظاهر. ( الصحیح من سیرة النبی الأعظم (ص)- السید جعفر مرتضى - ج 2 - ص 180 – 181).
9. راجع: ینابیع المودة وكنز العمال: ج 6 ص 219 والمناقب لابن المغازلي: ص 221 و229 وراجع كتاب ضیاء العالمین " مخطوط ": ج 4 ص 6 / 9 ففیه بسط وتتبع، والبحار: ج 43 ص 13 وفی هامشه عن علل الشرائع: ج 1 ص 178 وراجع: ذخائر العقبى: ص 26 ومیزان الاعتدال: ج 2 ص 400 وج 3 ص 439 ولسان المیزان: ج 3 ص 267 وطوالع الأنوار : ص 112 / 113 ط سنة 1395 هـ تبریز ایران، ومعرفة ما یجب لآل البیت النبوي، لأحمد بن علی المقریزِی: ص 51 ط دار الإعتصام بیروت سنة 1392، والبتول الطاهرة لأحمد فهمي: ص 11 / 15.
10. مأساة الزهراء علیها السلام، سید مرتضی العاملي 1: 36 - 40.
11. نشرت هذه الإجابة على الموقع الرسمي لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي دامت بركاته.

ما الفائدة من استذكار ظلامة الزهراء (ع) سنويّاً؟ لماذا تثيرون غبار التأريخ؟
[اشترك]
إن إثارة غبار التأريخ إذا كان القصد من ورائه رفع الغشاوة وهداية الحيارى إلى حقيقة ما جرى من أحداثٍ مؤلمة يغضب الله تعالى لها ورسوله الأكرم (ص) التي ينبغي بالمسلم الحصيف أنْ يتعامل معها على وفق الآثار المترتّبة عليها، فأهلاً وسهلاً بهذا الغبار يوميّاً لا أسبوعيّاً ولا شهريّاً أو حتّى سنويّاً. فإذا تبيّن ذلك، فاعلم أنّ إثارة موضوع الزهراء (ع) وظلامتها إنّما يراد به بيان حقيقة ما جرى عليها من أحداثٍ حاول الطرف الآخر ولا يزال إخفاؤها عن بقيّة المسلمين، وتمييع قضيّتها ليبقى الواقع على ما هو عليه، غير آبهٍ بمصير مَنْ يتجاهل هذا الأمر الخطير وكأنّه وصيٌّ عليه ومأمور بذلك، متجاهلين أو متناسين قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة : 159]. وقضيّة الزهراء تُعدُّ مفصلاً رئيساً من مفاصل الإسلام التي يجب بيانها ومعرفتها لكافّة المسلمين لما لها من المكانة الساميّة عند الله تعالى وعند رسوله المصطفى (ص) كما سترى بعد قليل. والآن لنعرض باختصار لمكانة الزهراء عليها السلام من الإسلام وبيان فضلها، حتّى نعرف أنّ إثارة موضوعها أيُعَـدُّ من الغبار الضارّ أم النافع؟ فنقول: إنّه من الثابت بين علماء الطائفة المحقّة هو ضرورة معرفة مكانة الصديقة الطاهرة على حقيقتها، وبيان فضلها، وما جرى عليها من أحداثٍ مؤلمة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لِـما يترتّب على ذلك من آثارٍ عقديّة تنفع المسلم في حياته وبعد مماته، فممّا يدلُّ على مكانتها، ومقامِها الشامخِ وعظمتِها الذاتيةِ هو أنّ اللهَ سبحانه وتعالى يغضبُ لغضبِها ويرضى لرضاها كما وردَ عندَ الفريقينِ السُنّةِ والشيعة من أحاديث صحيحة لا يرتاب فيها كلُّ لبيب.
ثُمَّ لا شكَّ في أنّها الكوثرُ وبضعةُ المُصطفى؛ فمن آذاها فقد آذى رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، ومَن آذى رسولَ اللهِ فقد آذى الله (تعالى)، ومن آذى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) فعليه لعنةُ اللهِ أبدَ الآبدين..
والآن بعدَ أنْ وقفَنا على بيانِ بعضِ مقامِها الساميّ لابُدّ لنا أنْ نقفَ أيضًا على ظُلامتِها؛ لنعرفَ على مَنْ غضبتْ حين تُوفّيتْ وهي واجدةٌ عليهم.. ولمعرفةِ الظُلمِ الذي جرى عليها، فإنّه في بادئ الأمر سنأخذَ فكرةً عامّةً عن الظلمِ وأسبابِه وعقابه في القرآن والسنّة، لتتوضّح الصورة لدى القارئ أكثر فأكثر.
فنقول: من خِلالِ استقراءِ القرآنِ الكريمِ نجد أنّ أكثرَ الآياتِ القرآنيةِ الواردةِ في كتابِ الله (تعالى) صريحةٌ وواضحةٌ في تحريمِ الظُلمِ سواءٌ أكانَ بذكرِ لفظ الظلمِ بصورةٍ مباشرةٍ أم عن طريقِ نقيضهِ (العدل). والظلمُ عرفاً يعني بخسَ الناسِ أشياءَهم وحقوقَهم، والاعتداءَ عليهم سواء كان قولاً أو عملاً. أمّا شرعاً فهو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه الشرعيّ، وأصلُه الجورُ ومُجاوزةُ الحدّ…، ولأنَّ النفسَ البشريّةَ فيها نوازعُ الخيرِ ونوازعُ الشرِّ ظهرتِ الحاجةُ لتعاليمِ الدينِ الإسلاميّ وتنميةِ النفسِ نحوَ الأخلاقِ والفضائلِ التي هي الميزانُ الذي يُبرِزُ ذلك النوع من البشرِ. والظُلمُ من عواملِ الشرِّ التي تُسيطرُ عليها القوى الغضبيّة ودوافعُها الكراهيّةُ والحسدُ، وهو مرضٌ من أمراضِ النفسِ المُتوغّلةِ بالشرِّ.. ولهذا جاءتِ الكثيرُ من الآياتِ القُرآنيةِ الكريمةِ حاملةً التأكيدَ على هذا الأمرِ المُهمِّ والضروري، وهو حُرمةُ الظُلمِ وعدمُ معونةِ الظالمين. جاء في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، وكذلك أكّدَ (سبحانه وتعالى) على حقيقةَ أنَّه (تعالى) حرَّمَ الظُلمَ على نفسِه؛ فلا يظلم عبادَه كما وردَ في الحديثِ القُدسيّ: (يا عبادي إنّي حرّمتُ الظُلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم مُحرّماً فلا تظالموا). وحذّرَ من الركونِ إلى الظالمين، وذلك في قوله (تعالى): ""وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ"" ثمّ إنَّ الله (تعالى) يُجزي الظالمين نار جهنم، وعندئذٍ لا يجدون لهم من أنصار، جاء في القرآن الكريم: ""رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ""،
وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (الظلم ثلاثة: ظلمٌ يغفرُه اللهُ (تعالى)، وظُلمٌ لا يغفرُه اللهُ (تعالى)، وظُلمٌ لا يدعُه الله، فأمّا الظلمُ الذي لا يغفرُه اللهُ (عز وجل) فالشرك، وأمّا الظُلمُ الذي يغفرُه اللهُ (عزَّ وجل) فظُلمُ الرجلِ نفسَه فيما بينَه وبينَ الله، وأمّا الظلمُ الذي لا يدعه فالمُداينةُ بينَ العباد). وبناءً على هذا الحديث فإنَّ الظلمَ ثلاثةُ أنواعٍ:
*ظلمٌ لا يغفرُه اللهُ (تعالى) أبدًا إلّا بالتوبةِ؛ لأنّه أشدُّ أنواعِ الظلمِ وأخطرها وهو (الشرك)، قال (تعالى): (إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيمٌ).
*وظلمٌ يغفرُه اللهُ (تعالى)، وهو ما بينَ العبدِ وربِّه، كالنظرِ المُحرّم وسماعِ الحرام، أو اقترافِ معصيةٍ وتركِ طاعةٍ وغيرِها، وهذا الظلمُ يغفرُه اللهُ (تعالى) إذا أعقبَ الذنبَ استغفارًا قال (تعالى): (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا).
*وأمّا الظلمُ الذي لا يتركُه اللهُ (تعالى) فهو ظُلمُ العبدِ أخاه المسلمَ، وهذا النوعُ من الظُلمِ يقتصُّ اللهُ من الظالم للمظلوم يومَ القيامة بقدرِ ظلمه وإساءته. فعن رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله): (اتقوا الظلمَ؛ فإنّه ظُلُماتٍ يومَ القيامة). فعن أيّ ظُلُماتٍ نبّهنا الرسولُ الكريمُ (صلى الله عليه وآله)؟!
وهل يوجدُ أقسى وأشدّ من ظُلُماتِ يومِ القيامة؟!
فلماذا - إذنْ - لا يتداركُ الإنسانُ ظلمه ويردُّ ما بذمّتِه من حقوقٍ للآخرين لكي يتّقي ظُلُماتِ يومَ القيامة؛ فقد ورد في ثوابِ ردِّ المظالمِ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): (درهمٌ يردُّه العبدُ إلى الخُصَماءِ خيرٌ له من عبادةِ ألفِ سنةٍ وخيرٌ له من عِتقِ ألفِ رقبةٍ وخيرٌ له من ألفِ حجةٍ وعمرةٍ)
فإنْ لم يتدارك الظالم ظلمه فإنَّ الله (تعالى) لا يتركُ ظُلامته، وسيقتصُّ من الظالمين حتمًا. فإذا كان الظلمُ ظلماتٍ يوم القيامة كما تقدّم فكيف بظُلمٍ بحجمِ ظُلامةِ الزهراء (عليها السلام) من غصبِ حقِّها من فدك وتهديد بيتها بالحرقِ وبالهجوم على دارها كما ثبت ذلك في روايات صحيحة رواها الحافظ ابن أبي شيبة في مصنّفه والطبريّ في تاريخه وغيرهما؟!
فكيف سيقتصُّ اللهُ (تعالى) من ظالميها، وهي التي يرضى (سبحانه) لرضاها ويغضب لغضبها؟!
وهذا ما أشارتْ إليه (عليها السلام) في خُطبتِها في مسجد أبيها حيثُ قالت: (والجُرحُ لمّا يندمل، والرسولُ لمّا يُقبَرْ، ابتدارًا زعمتم خوفَ الفتنةِ ألا في الفتنةِ سقطوا وإنّ جهنمَ لمحيطةٌ بالكافرين).
أي أنَّ جُرْحَ فَقْدِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يندملْ بعدُ، ولم يُدفنْ (صلوات الله عليه وآله)، وبادرتم إلى ظلمنا، فادّعيتم وأظهرتم للناس كذباً وخداعاً أنّكم اجتمعتم في السقيفة دفعاً للفتنة، مع أنَّ الغرضَ الحقيقيَ هو غصبُ الخلافةِ عن أهلِها وهو عينُ الفتنة.
فقد عصفت بعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيبة بعد وفاته الأحداثُ المؤلمةُ والظروفُ العصيبةُ في أقلِّ من أُسبوعٍ.
أمّا عن غصبِ حقّها من فدكَ فما ذكرَه المُحدّثون في تفسيرِ قوله (تعالى): (وآتِ ذا القربى حقَّه) أنّ المقصودَ في القُربى هم أقرباءُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، وهم عليٌ وفاطمةُ وحسنٌ وحسينٌ (عليهم السلام) وأنّ النبيَّ (صلوات الله عليه وآله) أعطى فاطمةَ فدكَاً وكانتْ فدكُ خالصةً لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّه لم يوجفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ فمنحَها إيّاها وتصرّفتْ فيها، وأخذتْ حاصلَها فكانتْ تُنفقها على المساكين.. ولكن بعدَ وفاةِ الرسولِ الكريمِ أرسلَ أبو بكرٍ جماعةً فأخرجوا عُمّالَ فاطمةَ من فدكَ وغصبوها وتصرّفوا فيها؛ بذريعةِ أنَّ أبا بكرٍ سمعَ من النبي (صلوات الله عليه وآله) قوله: (نحنُ معاشرُ الأنبياءِ لا نورِّثُ وما تركناه صدقة)، مع أنّ فاطمةَ الزهراء (عليها السلام) احتجّتْ على أبي بكرٍ وردّته وردّت حديثَه بالاستنادِ إلى القرآن الحكيم؛ فإنّه أقوى حُجةً وأعلى دليلًا وأكبر برهانًا، وأثبتتْ أيضًا في خُطبِها وكلامِها وبإقامةِ الشهودِ أنّ فدكَاً لها وليست فيئاً للمسلمين، وأنّها نحلةٌ من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، حيث قالت: (يا ابن أبي قحافة! أفي كتابِ اللهِ أنْ ترثَ أنتَ أباكَ ولا أرثُ أبي؟! لقد جئتَ شيئًا فريًّا)؟
واستدلّتْ (سلام الله عليها) بالقرآن الكريم حيثُ ذكرت قولَ اللهِ (تعالى): (وورثَ سليمانُ داوودَ) وفي قوله (تعالى): (فهبْ لي من لدنك وليًا يرثني ويرثُ من آلِ يعقوب واجعله ربِّ رضيًا) وفي قوله (تعالى): (يوصيكمُ اللهُ في أولدكم للذكرِ مثلُ حظِّ الانثيين..
وبعدَ كُلِّ ما تبيّنَ ينقدحُ في الذهن سؤالٌ: ما السببُ وراءَ غصبِ فدكَ؟
وما السببُ في استهدافِ الزهراءِ (عليها السلام) ومطالبتها بفدك؟
والجوابُ: أنَّ مطالبتَها بفدكَ ليسَ من أجلِ هدفٍ ماديٍّ كما يعتقدُ البعضُ؛ لأنّ الجميعَ يعلمُ ما كانتْ تتمتّعُ به السيّدةُ الزهراءُ (عليها السلام) من علوِّ النفس وسموِّ المقام والزهدِ، لكنّ هذا لا يمنعُ من أنْ تُطالبَ بحقِّها؛ وذلك لفسحِ المجالِ أمامَها للمطالبةِ بحقِّ زوجِها أميرِ المؤمنين (عليه السلام).
والواقعُ أنّ فدكَاً صارتْ تتماشى مع الخلافةِ جنبًا إلى جنبٍ؛ فلم تبقَ فدكُ قرية زراعية محدودة، بل صار معناها الخلافةَ والرقعةَ الإسلاميةَ بأكملِها وممّا يدلُّ على هذا تحديد الأئمّةِ عليهم السلام لفدك، فقد حدَّها الإمامُ علي (عليه السلام) في زمانِه بقولِه: (حدٌّ منها جبلُ أُحُدٍ، وحدٌّ منها عريشُ مصرٍ، وحدٌّ منها دومةُ الجندلِ).
وهذه الحدودُ التقريبيةُ للعالمِ الإسلاميّ آنذاك؛ ولذلك كانَ هدفُ الخليفةِ الأول في غصبِ فدكَ إضعافَ الجانبِ المادي لأهلِ البيت (عليهم السلام)، لأنّهم كانوا يعلمونَ أنّ عليًا (عليه السلام) غنيٌ بالمعنوياتِ وكفّتُه راجحةٌ في الدينِ والإيمانِ والعلمِ والفضائلِ وما إلى ذلك، فلو ملكَ الجانبَ المادي بالإضافةِ إلى الجانب المعنوي التفَّ الناسُ حولَه ولم يرضوا بغيرِه، فذلك كانَ السببُ الرئيسي وراءَ غصبِ فدك..
وبعدَ كُلِّ ما ذُكِرَ عن ظلامتها، رحلت السيدة الزهراء عن الدنيا في جوٍّ من الكتمان ليكون تشييع جنازتها سرّاً تعبيراً عن سخطها على السلطة وعلى كل من أيّدها وتعاون معها ليبيّن لنا مدى تألّمها من ذلك المجتمع ومدى تذمّرها من الجفاة القساة، وليكون اسمها رمزاً للمظلوميّة والحرمان، كما روى ذلك البخاريّ في صحيحه وكذلك مسلم، وفي خبرهما التصريح الواضح بأنّها وجدت على أبي بكرٍ، أي غضبت عليه، ولم تكلّمه حتّى ماتت ودفنت سرّاً بالليل.
هذا وليعلم أنّ الزهراء عليها السلام تُعدُّ سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة كما هو معروف في الأحاديث الصحيحة، فهي – إذنْ – ليست كبقيّة النساء حتّى أمرّ على ظلامتها مرَّ الكرام وأهوّن من أمرها وأجعل الحقّ مع أبي بكر في منعها فدكاً، كما صنع ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية حين تعرّض لقضيّتها، وهو ممّا جعل بعض الوهابيّة يتطاول أكثر من ذلك، كابن عثيمين الذي بدأ يطلب لها المغفرة من الله تعالى لأنّها حسب زعمه خالفت أبا بكر ولم ترضّ بما قاله لها، كما في شرحه للحديث في صحيح مسلم، فقلب المسألة رأساً على عقب، فصار المظلوم ظالماً. فتأمّل!!
فإذا كنتم تقبلون بهذه التخاريف التي تصدر من المتعالمين الذين هيمنوا على كثير من أجواء المسلمين بإعلامهم المضلّل ولا يزالون ليبقى الواقع على ما هو عليه، فهذا شأنكم وشأن كلُّ من يطلب الدنيا وحطامها، وأمّا نحن فسنبقى نصدح بقضيّة الزهراء عليها وبظلامتها ليلاً ونهاراً حتّى يحقّ الحق ويُدمغ الباطل ولو بعد حين. لأنّ الحقّ مهما طال الزمن يعلو ولا يعلو عليه شيء.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69].
صدق اللهُ العليُ العظيم.
إذا وقفنا على عنوان الصالحين فإن الصالح يختلف عمن عمِل صالحاً، فالقرآن الكريم تارةً يُعبّر بمَن عمِل صالحا، وتارة يُعبِّر بالصالحين.
(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1 – 3].
وهذا عنوانٌ يختلف عن عنوان الصالحين، ولذلك كان دعاء نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله السلام: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83].
وتحدث القرآن عن الأنبياء بهذه الصفة: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 85 – 86].
وأيضاً في قوله تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ) [الأنبياء: 85 – 86].
وقال عن نبيه عيسى على محمد وآله و: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 46].
وتحدث عن نبيه يحيى على محمد وآله و: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ)[آل عمران: 39].
وتحدث عن صاحب الحوت يونس على محمد وآله و: (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [القلم: 50].
ولأجل ذلك ورد في الدعاء الشريف، تقوله في ليالي شهر رمضان: أَللّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ فِي ٱلصَّالِحِينَ فَأَدْخِلْنَا، وَفِي عِلِّيِّينَ فَٱرْفَعْنَا، وِبَكَأَسٍ مِنْ مَعِينٍ مِنْ عَيْنٍ سَلْسَبِيلٍ فَٱسْقِنَا…
وورد في زيارة مولانا أبي الفضل العباس : السَّلامُ عَلَيكَ أيُّها العَبدُ الصَّالِحُ المُطِيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأمير المُؤمِنِينَ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ صَلّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ..
كما ورد في ألقاب الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام: العَبدُ الصَّالِح.
وكل تلك الشواهد تفيدنا أن اتصاف الإنسان بكونه من الصالحين اسمى من اتصافه بأنه يعمل صالحا.
فالصالح هو المُتقوِّم بعنصرين:
العنصرُ الأول: أن الصلاح طبعه فلا يُفكر إلا في الصلاح ولا يهم إلا بعمل الصالح ولا يصدر منه إلا ما هو صالح.. لأن الصلاح مُتمركز فيه بحيث أصبح طبعاً له.
العنصرُ الثاني: أن الصالح ما كان صلاحه في نفسه منشأً لصلاح غيره: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس: 35].
ومعنى الآية المباركة أن هناك فرقاً بين مَن هدايته ذاتية له فهي نور لنفسه ونور لغيره، وبين من لا يستطيع أن يهدي إلا أن يُهدى بحيث تكون هدايته غيرية اكتسابية، فالأول هو الصالح والثاني هو المتقصد والمتكلف للصلاح وفرقٌ بينهما.
وإذا نظرنا لشخصية أم البنين الأربعة وجدنا أن هذه الشخصية الجليلة هي من قسم الصالحين. فإن أم البنين الأربعة صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبنائها الشهداء تتمتع بخصلتين:
الخصلةُ الأولى:
تعلقها بالإمام المعصوم تعلقاً جعلها تنسى أفلاذ كبدها في سبيل الإمام المعصوم ، وهذا لم تروه الكتب المتأخرة فقط وإنما روته حتى الكتب المتقدمة.
فلقد روى الشيخ يحيى الشجري الجرجاني في كتابه الأمالي الخميسية وهو من علماء القرن الخامس حيث توفي 499 هج، روى أن الإمام الحسين بكي عليه خمس سنين وكان ممن يبكيه ويندبه أم البنين وهي أم جعفر الكلابية، وقد كف بصرها حتى كان مروان يتقصد موضع جلوسها وبكائها على الحسين [1] .
فالمرأة التي لا تُفكِّر في أولادها وهم أفلاذ كبدها، وإنما كلّ حزنها وغمها على الحسين فإن ذلك يكشف عن فنائها في الإمام المعصوم وذوبانها فيه مما يكشف عن أسمى درجات الولاء للامام المعصوم ، وبالتالي فهي تُعلمنا جميعاً درساً تربوياً في الإخلاص لمنصب الإمامة، وهو يقتضي بذل النفس وبذل الجهد وبذل المال والتضحية بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل هذا المنصب العظيم الذي ضحى من اجله أهل البيت منذ يوم الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وعلى آلها الطيبين الطاهرين إلى يوم الإمام الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الخصلةُ الثانية:
لاشك عندنا في معاصرتها لفاجعة كربلاء وتفاعلها الذي لامثيل له، ولكن لو فرضنا جدلاً أن أم البنين لم يثبت وجودها حين وقوع معركة كربلاء، وما ثبت بكاؤها على الحسين ، فإنه يكفي في عظمتها أن الله وفقها أن تكون أُمّاً لأربعة شهداء، فإن هذا منصبٌ عظيم وشرفٌ عظيم لا يناله كلُّ شخص، ولولا أنّ المرأة ذاتُ أهلية ومكانة عظيمة عند الله تعالى لما وفقها الله لهذا الشرف والوسام الكبير، بأن جعلها أُماً لأربعة شهداء، بل كلُّ أولادها مضو شهداء في سبيل الإمام الحسين وقضيته ومبادئه، فإن هذا شرفٌ لايبلغه إلا مَن محض الصلاح محضاً حتى أصبح صلاحه منهلاً لإصلاح أبنائه.
وكذلك الشأن في شخصية السيدة الحوراء زينب ، فانه لا حاجة في اثبات عظمتها أن نبحث عن هذا الحدث المعين هل حصل من السيدة زينب أو لا، وهل هذا الكلام صدر منها أو لا، فإنه يكفي في شموخ السيدة زينب وعلو مكانتها أنها شريكة الإمام الحسين ، في تحمُّل المسؤولية والنهوض بأعباء الحركة الإصلاحية المباركة.
فان توفيق الله للإنسان لبعض المواقع الخطيرة ولبعض الأوسمة العالية هو بنفسه يدل على مكانة عظيمة له عند الله تعالى.
ولذلك فإن الجدير بالمؤمنين الاستفادة من هذه الشخصية الجليلة العظيمة أم البنين الأربعة وأولادها الشهداء ، وحقيقٌ بكل ذي حاجة وكل ذي ابتلاء أن يلجأ للتوسل بهذه المرأة العظيمة.
فلقد جرت سيرة أسلافنا وعلمائنا على التوسل بهذه المرأة الجليلة العظيمة لاعتقادهم أنها تحضر عند التوسل بها وتلبي حاجيات من طلبها بما منحها الله من القرب الملكوتي الخاص منه تعالى.
فقد كان سيدنا وسيد أساتذتنا المحقق الخوئي قدس سره، مِمَن يتوسل بها، ويُنوه إلى التوسل بها، وينقل عن أستاذه المعظم المحقق الأصفهاني قدس سره أنه كان يتوسل بها. فهي محل التوسل والتيمن والتبرك سلام الله عليها وعلى أولادها الشهداء الأربعة.
إذا قسى عليك جورُ السنِين
فافزع بِشكواكَ لأُمِّ البنين
قِفْ واخلعِ النعلَ لدى قبرها
في روضةٍ قد ضمّت الطاهرين
صلِّ وسلِّم وابتهِل خاشِعاً
في زُمرِ الملائكِ الخاشعين
واطلُب بها الفضل فإن اسمها
أمُّ أبي الفضلِ على العالمين
وفقنا الله وإياكم لزيارة قبرها ووفقنا الله وإياكم للتوسل بها في حاجاتنا وأمورنا وابتلاءاتنا، ورزقنا وإياكم شفاعتها وشفاعة الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
[1] قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ أَبِي: بَلَغَنِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: بُكِيَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَمْسَ حِجَجٍ، وَكَانَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ الْكِلَابِيَّةُ تَنْدُبُ الْحُسَيْنَ وَتَبْكِيهِ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهَا، فَكَانَ مَرْوَانُ وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةِ يَجِيءُ مُتَنَكِّرًا بِاللَّيْلِ حَتَّى يَقِفَ فَيَسْمَعَ بُكَاءَهَا وَنَدْبَهَا. ج1/ ص230 الأمالي الخميسية.

إن الليوث جمع ليث وهو الحيوان المفترس المعروف باسم الأسد.
[اشترك]
والعرين هو مأوى الليث ومكانه كما في مختار الصحاح للرازي، وسبب التسمية جاءت من أولادها الأربعة الشجعان، إذ كانوا في شجاعتهم كالليوث خصوصا في نصرتهم لأخيهم الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء المعروفة، وقد وردت هذه العبارة على لسان أم البنين نفسها (رضوان الله تعالى عليها)، إذ لـما رجعت زينب (ع) إلى المدينة عزتها في أولادها الأربعة. [ينظر: المقرم، قمر بني هاشم، ص 16.]، فكانت تخرج أم البنين إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها فيجتمع الناس إليها يستمعون منها، وكان مروان يجيئ فيمن يجيئ لذلك فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي".[ينظر: الأصفهاني، مقاتل الطالبين، ص 85.] وها هي أبيات شهيرة منسوبة إليها تنقل في المـآتم:
لا تدعوني ويـك أم البنين تذكريـني بليوث العريـــــــــــــــــــــــــن
كانـت بنون لي أدعـــى بهم والـيوم أصبحت ولا مـــــــن بنين
أربعة مثل نسـور الربـــــــــــى قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تنازع الخرصـان أشلاءهـم فكلهم أمسى صــــــــــريعـا طعيـن
يا ليـت شعري أكما أخبروا بـــــأن عبــــــــاسا قطيـــــــع اليــــمـين.
[ينظر: السماوي، إبصار العين بأنصار الحسين عليه السلام، ص 64].

إرساء دعائم نظام الأسرة
كتب محسن الموسوي:
قام نظام الأسرة في بعض مناطق جزيرة العرب سيما في المدينة على قاعدة الانتساب الى الأم فكثيرا ما يحدثنا التأريخ عن أشخاص ينتسبون إلى أمهاتهم ويعود السبب في وجود النظام الأمّي الى مفاهيم المجتمع الجاهلي نحو الزواج والطلاق.
[اشترك]
فقد كان هذا المجتمع يجيز للمرأة الاتصال بعدة رجال في آن واحد فكان يصعب على الولد معرفة والده الحقيقي فجرت العادة أن يحمل نسب أمه أو أن تختار الأم نسباً من بين ازواجها المتعددين، وتنشأ المشكلة أيضا في حالة الزواج من شخص آخر فتلد مولوداً لا تعرف بالضبط لمن هو هذا المولود للزوج الأول أو للثاني .
وقد ألغى الإسلام النظام الأمي بصورة آلية عندما وضع حدوداً وضوابط للزواج والطلاق، فالمرأة لا يحق لها أن تتزوج اكثر من رجل واحد في وقت واحد وعندما تطلق لا يحل لها الزواج إلا بعد أن تقضي فترة العدة وهي فترة وضعت لتقصي ذيول الزواج الأول فيتبين خلال هذه الفترة الكافية لتشخيص وضع المرأة حامل كانت او لا، وبذلك قلبَ الإسلام نظام الأسرة من النظام الأمي الى النظام الأبوي وهو نظام كان قائماً قبل الإسلام في بعض مناطق الجزيرة العربية .
ومع هذا التحول الذي شهده نظام الأسرة أخذت الأسرة كمؤسسة اجتماعية تنمو نمواً طبيعياً فأصبح توزيع الوظائف والمسؤوليات داخل هذه المؤسسة يجري بصورة طبيعية .
فقد منح الإسلام قيمومة الأسرة بيد الرجل فأصبح المسؤول عن رعاية هذه المؤسسة من الناحية الاقتصادية والفكرية والتربوية ومن ناحية أخرى أصبح مسؤولا عن أمن الأسرة وبذلك ضمِن الإسلام وعبر هذا التغيير وحدة هذه المؤسسة الاجتماعية وعدم تصدعها وتفاعلها في بحر المجتمع الكبير، وضمن الحفاظ عليها وتوفير الحماية لأفرادها .
وبذلك استطاع الإسلام أن يرسي على أسس قويمة اللبنة الرئيسية في المجتمع وبقدر ما كانت هذه اللبنة سليمة وقوية ومنيعة من الانحراف كان المجتمع سليماً وقوياً ومنيعاً أيضا .
المصدر: كتاب دولة الرسول

ما حقيقة ما يروج له البعض من أن الشيخ المفيد لم يؤكد ما جرى للزهراء عليها السلام من كسر الضلع وحرق الباب؟
[اشترك]
مظلومية الزهراء (ع) وشهادتها من المسلمات عند الشيعة، ولم يختلف فيها اثنان من الشيعة، وهذه كتبهم تشهد بذلك، ولم يخالف في ذلك أحد من الشيعة حتى الشيخ المفيد، مع أنه عاش في عصر كثرت فيه الفتن والطائفيات، وكان رأس التشيع في العالم، ومثله يحاول مراعاة الظروف التي تحيطه، ولكننا مع ذلك نجد أنه يصدحَ بمظلوميتها سلام الله عليها في عدةٍ من كتبه ومؤلفاته.
نجد في كتبه أمثال الاختصاص والأمالي والجمل والمقنعة عدة روايات وتصريحات بمظلومية الزهراء وشهادتها وقتلها وإسقاط المحسن وضربها ولطم خدها وتناثر قرطها، والهجوم على الدار والتهديد بحرق الدار، و...".
حيث روى بسنده عن مروان بن عثمان قال: لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام والزبير و المقداد بيت فاطمة عليها السلام، وأبوا أن يخرجوا، فقال عمر بن الخطاب: أضرموا عليهم البيت نارا ... (الأمالي للمفيد ص49).
وقال أيضاً: ولما اجتمع من اجتمع في دار فاطمة من بني هاشم وغيرهم للتحيز عن أبي بكر وإظهار الخلاف أنفذ عمر بن الخطاب قنفذا وقال له اخرج من في البيت فإن خرجوا وإلا فاجمع الأحطاب على بابه واعلمهم أنهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم نارا.
ثم قام بنفسه في جماعة منهم المغير بن شعبة الثقفي وسالم مولى حذيفة حتى صاروا إلى باب علي فنادى يا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع ويدخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا والله أضرمت عليهم نارا في حديث مشهور . (الجمل للمفيد ص57).
روى بسنده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ..... قال: فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك، فقال: فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك، فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إلي، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن فأسقطت المحسن من بطنها ثم لطمها فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت ثم أخذ الكتاب فخرقه فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت. (الإختصاص للمفيد ص185).
وروى بسنده عن عبد الله بن بكر الأرجاني عن الإمام الصادق (ع): ... وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام وقاتل فاطمة عليها السلام وقاتل المحسن وقاتل الحسن والحسين عليهم السلام. (الإختصاص ص344) .
فالشيخ المفيد يعتقد بأنّ القوم هجموا على دار الزهراء (ع) وهددوها بإحراق الدار، وضربوا الزهراء (ع) ورفسها الرجل وأسقط جنينها، وأنّ الزهراء خرجت من الدنيا مقتولة وهي وابنها المحسن، ويؤيده أيضاً:
ما ذكره في كتابه المقنعة هذه الزيارة: السلام عليك يا رسول الله، السلام على ابنتك الصديقة الطاهرة. السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله، السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة، لعن الله من ظلمك، ومنعك حقك، ودفعك عن إرثك، ولعن الله من كذبك، وأعنتك، وغصصك بريقك، وأدخل الذل بيتك. (المقنعة للمفيد ص459).
حيث هنا يصرّح أنها خرجت من الدنيا شهيدة مظلومة ممنوعة حقها مدفوعة إرثها مقهورة، قام القوم بتكذيبها وأدخلوا الذل بيتها!!
وقوله: ( وأدخل الذلّ بيتك ) إشارة الى الحديث الذي يرويه الصدوق بسنده الى عبد الله بن عباس عن رسول الله (ص) : ... وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي : يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية .... فيلحقها الله عز وجل بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك : اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين . (الأمالي للصدوق ص176).
فالشيخ المفيد يقبل هذه الرواية التي رواها الصدوق، بدليل أنه نقل بعض فقراتها.
وروى الشيخ المفيد بسنده عن علي بن محمد الهرمزاني، عن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال: لما مرضت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وعليها السلام وصت إلى علي صلوات الله عليه أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحدا بمرضها، ففعل ذلك. وكان يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استسرار بذلك كما وصت به.
فلما حضرتها الوفاة وصت أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولى أمرها، ويدفنها ليلا، ويعفي قبرها. فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها، وعفى موضع قبرها. فلما نفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه، وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
" السلام عليك يا رسول الله مني، والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار لها الله سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيدة النساء تجلدي إلا أن في التأسي لي بسنتك والحزن الذي حل بي بفراقك موضع التعزي، فلقد وسدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي، نعم وفي كتاب الله أنعم القبول: " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء، يا رسول الله! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، لا يبرح الحزن من قلبي، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا، وإلى الله أشكو.
وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك علي وعلى هضمها حقها، فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا وستقول، ويحكم الله وهو خير الحاكمين.
سلام عليك يا رسول الله سلام مودع، لا سئم ولا قال، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، [و] الصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاما، وللبثت عنده معكوفا، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سرا، وتهتضم حقها قهرا، وتمنع إرثها جهرا، ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته . (الأمالي للمفيد ص281) .
ما هي الظلامات التي وقعت على الزهراء (ع) والتي هدّت ركن أمير المؤمنين (ع) وهو جبل الصبر أن يتحدث بهذه الطريقة عند رحيل الزهراء (ع) وشهادتها.
ونقل الشيخ الطوسي - وهو تلميذ الشيخ المفيد - أنّه لا خلاف بين الشيعة أنّ عمر ضرب الزهراء (ع) على بطنها حتى اسقطت المحسن، فلو كان شيخه المفيد مخالفاً لم يصح منه دعوى الإجماع، قال الشيخ الطوسي: ومما أنكر عليه: ضربهم لفاطمة عليها السلام، وقد روي: أنهم ضربوها بالسياط. والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت، فسمي السقط محسنا. والرواية بذلك مشهورة عندهم. وما أرادوا من احراق البيت عليها - حين التجأ إليها قوم، وامتنعوا من بيعته - وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك، لأنا قد بينا الرواية الواردة من جهة العامة من طريق البلاذري وغيره، ورواية الشيعة مستفيضة به، لا يختلفون في ذلك. (تلخيص الشافي للشيخ الطوسي: ٣ / ١٥٦).
فهنا ينقل الشيخ الطوسي أمران مشهوران عند الشيعة مجمع عليه بينهم:
الأول: ضرب عمر فاطمة حتى اسقطت المحسن. الثاني: إرادتهم حرق دار فاطمة (ع).
فلو كان شيخه المفيد مخالفاً فكيف يصحّ منه أن يدعي الإجماع؟!
بل نقول أكثر من هذا: إنّ الشيخ المفيد (ت 413 هـ ) وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، يقيم مجالس العزاء على الزهراء (ع)، ويبكي عليها وعلى ولدها المحسن السقط، كما نسب إليه ذلك أحد كبار المعتزلة وهو القاضي عبد الجبار الهمذاني ( ت 415 هـ ) وهو من المعاصرين للشيخ المفيد، قال في كتابه تثبيت دلائل النبوة :
وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، وأبي يتيم الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد اللّه محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق . وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته صلّى اللّه عليه وسلم وللشك في نبوته، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك . (تثبيت دلائل النبوة، ج ٢، القاضي عبد الجبار الهمذاني، ص ٢٨٨ – 289) .
ولم ينقل أحد من الشيعة أنّ الشيخ المفيد أنكر مفردة من مفردات مظلومية الزهراء عليها السلام، ولا نسب ذلك له أحد من علماء أبناء العامة، ولو كان لبانَ، فالشيخ المفيد ليس مجهولاً، ومؤلفاته منتشرة.
نعم لم نجد في مؤلفات الشيخ المفيد التي وصلتنا ذكراً لمظلومية كسر الضلع، ولكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فلعله نقلها في بعض كتبه التي لم تصلنا، هذا أولاً.
وثانياً: عدم الذكر لا يدل على عدم الاعتقاد، فلعله يعتقد بها، ولكن لحساسية القضية لم يذكر روايتها، لما للشيخ المفيد من مكانة كبيرة في المجتمع الإسلامي.
ثالثاً: قلنا سابقاً أنه قد أشار تلويحاً الى رواية كسر الضلع التي رواها الصدوق عن عبد الله بن عباس عن النبي (ص)، فراجع عند نقلنا زيارة الزهراء عن كتاب المقنعة.

يكفي زينبَ الكبرى سلام الله عليها شرفاً أنّها سليلة النبوّة وربيبة الإمامة، وفخر الطالبيّين، وعمّة الأئمّة الميامين صلوات الله عليهم أجمعين. ويكفيها شأناً وعزّاً أن الأمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السّلام خاطبها بقوله: أنتِ ـ بحمد الله ـ عالمة غير مُعلَّمة، وفَهِمةٌ غير مُفهَّمة (1).
[اشترك]
ثمّ كلّ من جاء بعد الإمام عليه السّلام يُثني على زينب العقلية صلوات الله ويطري فضائلها ومناقبها.. فذلك شرف له وكرامة وتوفيق وحظوة إلهيّة عزيزة، وفخر يكتسبه ويتباهى به على مدى التاريخ. وكان منهم:
1. ابن عبّاس، إذا تحدّث عنها قال: حدّثَتْني عقيلتُنا زينب بنت عليّ (2).
2. بشير بن حُذَيم الأسديّ: لم أرَ خَفِرةً أنطقَ منها، كأنّما تنطق عن لسان أمير المؤمنين عليها السّلام وتُفرغ عنه (3).
3. الشيخ الصدوق: كانت لها نيابة خاصة عن الحسين عليه السّلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتّى برئ زين العابدين عليه السّلام (4).
4. ابن الأثير: كانت زينب امرأةً عاقلة لبيبة جزلة (5).
5. الشيخ عبد الله المامقاني: حازت من الصفات الحميدة ما لم بحرزه بعد أُمّها أحد، حتّى حقَّ أن يُقال: هي الصدّيقة الصغرى.. وهي من الصبر والثبات وقوّة الإيمان والتقوى وحيدة (6).
6. محمّد فريد وجدي: من فُضلَيات النساء وجليلات العقائل (7).
7. الدكتور علي إبراهيم حسن: هي أشهر نساء العرب فصاحةً، وأكثرهنّ تعبّداً... النقيّة القلب، الشُّجاعة (8).
8. عمر أبو النصر: أظهرت أنّها من أكثر أهل البيت جرأةً وبلاغة... حتّى ضُرب بها المثل، وشهد لها المؤرّخون والكُتاب (9).
9. خير الدين الزِّرَكْليّ: كانت ثابتة الجَنان، رفيعة القَدْر، فصيحة (10).
10. عمر رضا كحّالة: سيّدة جليلة، ذات عقل راجح، ورأيٍ وفصاحة وبلاغة (11).
11. السيّد عبد الحسين شرف الدين: كانت في الهاشميّات كالتي أنجبتها (أي الزهراء عليها السّلام).. تنطق الحكمةُ والعصمة من محاسن خلالها، ويتمثّلان وما إليها من أخلاق في منطقها وأفعالها... آية من آيات الله في صفاء النفس، وثبات الفؤاد، في أروع صورة من صور الشجاعة والإباء والترفّع (12).
12. محمّد عليّ المصري: هي ابنة سيّد سادات الأمّة عليّ كرّم الله وجهه، وابنة السيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله. وهي من أجلّ أهل البيت حسَباً، وأعلاهم نسباً. خيرة السيّدات الطاهرات.. فاقتِ الفوارسَ في الشجاعة، واتّخذت طول حياتها تقوى الله بضاعةَ... لُقِّبت بـ " صاحبة الشورى "، وكفاها فخراً أنّها فرعٌ من شجرة أهل بيت النبوّة الذين مدحهم الله في كتابه العزيز (13).
13. الدكتورة بنت الشاطئ: كانت زينب عقيلةُ بني هاشم في تاريخ الإسلام وتاريخ الإنسانيّة بطلةً استطاعت أن تثأر لأخيها الشهيد العظيم، وأن تسلّط معاول الهدم على دولة أُميّة، وأن تغيّر مجرى التاريخ (14).
14. خالد محمّد خالد: السيّدة زينب.. التي جلست تستقبل الضحايا، وتبصر المصائر في تفويضٍ لله ورضىً بقضائه (15).
الهوامش:
1 ـ زينب الكبرى، للشيخ النقدي 34.
2 ـ مقاتل الطالبيّين، لابي الفرج الإصفهانيّ.
3 ـ مقتل الحسين عليه السّلام، للخوارزمي 40:2.
4 ـ عن: زينب الكبرى عليها السّلام 35.
5 ـ أُسد الغابة 469:5.
6 ـ تنقيح المقال 79:3.
7 ـ دائرة معارف القرن العشرين 795:4.
8 ـ نساء لهنّ في التاريخ الإسلاميّ نصيب 48، 52.
9 ـ فاطمة بنت محمّد صلّى الله عليه وآله.
10 ـ الأعلام 108:3.
11 ـ أعلام النساء 91:2.
12 ـ عقيلة الوحي 24.
13 ـ عن: زينب الكبرى 33.
14 ـ بطلة كربلاء 154.
15 ـ أبناء الرسول في كربلاء 178.
المصدر: شبكة السبطين

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»
مما يؤكده علم النفس سيما الاجتماعي منه وينزله منزل الحتمي والمفروغ منه، هيمنة الرواسب المستمدة من المحيط الخارجي على سلوك الانسان وتوجهاته وافكاره، وأن عملية الانقلاب الكامل في الإنسان والمجتمع بفعل عوامل خارجية وبشكل فجائي تكون اشبه بالمستحيل.
[اشترك]
وهذا ما يجعل الصورة الطوباوية التي يرسمها طرح المخالف للشعب الاسلامي حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) غير مستساغة على الصعيد العلمي فضلا عن المنطقي، فهذا الشعب هو نسيج أندك بالحياة الجاهلية الموغلة في البداوة والأحقاد والتناحر والجهل والقبلية، ولو تأملنا مكوناته عند وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) سنجده ممثلا بالمسلمين الاوائل من مهاجرين وأنصار، وهؤلاء لم يخلوا من شواهد عديدة على احتفاظ نفسياتهم برواسب الجاهلية كالذي حدث في غزوة بني المصطلق ـ مثلا ـ حيث "تزاحم رجلان من المسلمين على البئر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، هما جهجاه بن مسعود وهو من المهاجرين وسنان بن وبر الجهني وهو من الأنصار على الماء فاقتتلا. فصرخ الجهني ـ مستغيثاً بقبيلته على عادة الجاهليين ـ يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين، وكاد أن يتقاتل المسلمون من الفريقين فيما بينهم في هذه الحادثة. فلما عرف رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلم) بذلك قال: دَعُوها فإنها منتنة".
ثم بالمكيين الذي أسلموا بعد الفتح، وهؤلاء أسلموا بعامل الاضطرار والخوف، اضافة الى القبائل المنتشرة في الجزيرة وهؤلاء حديثو عهد بالاسلام لم يدخل في صدورهم بشهادة الطرح المخالف نفسه حين يفسر حركة الردة وما أعقبها من حروب لقمعها بأمر من الخليفة الاول.
ولا نغفل هنا نقطة مهمة وهي أن المشروع الاسلامي حتى وفاة الرسول (صلى الله عليه واله) كان حركة سريعة على الصعيد الزمني حيث لم يتجاوز العشرين عاما، وقد استمد عوامل نجاحه من الغيب الى حد كبير ـ أي لم يعتمد كثيرا على التحولات النفسية من الشرك الى الايمان عند اتباع النبي الاكرم (صلى الله عليه واله)، ومن جهة أخرى فالمشروع الاسلامي يمثل عملية إنسلاخ تام عن كل رواسب العقل والنفس والارتقاء بالإنسان الى مراقي الانشداد الى الله المطلق الكامل.
نعم إن المشهد الاسلامي كما يصوره الطرح المخالف في تلك الفترة ـ وانطلاقا مما ذكرته ـ أشبه بالخيال الحالم. فمما يصوره هذا الطرح مثلا قصة اسلام عكرمة بن ابي جهل الذي ظل طوال الدعوة الاسلامية واحدا من أعتا المشركين واشدهم كفاحا في سبيل القضاء على الاسلام، وكان اليد اليمنى لابيه راس الشرك ابي جهل، وقد بلغ من شركه وحربه على الاسلام أنه كان ممن استثناهم النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) من العفو العام الذي أعلنه عند فتح مكة فهرب الى اليمن، ولاشك أن هذا العداء والحرب التي كان عليها عكرمة للإسلام متأت من كوامن نفسه الموغلة في الكبر والشر وقد حارب في الاسلام دعوى المساواة بين الناس شأنه شأن كل سادة قريش في حربهم النبي (صلى الله عليه واله) ودعوته، ثم يأتي الطرح المخالف ليستعمل خطابا بالغ الشفافية في وصف اللحظة التي برق ـ على زعمه ـ نور الحق في خاطر عكرمة حين جاءته زوجته تعلمه ان رسول الله (صلى الله عليه واله) قد عفا عنه، فخالط الايمان لحمه ودمه وجاء النبي (صلى الله عليه واله) ليقول فيما قال له "والله ما دعوت إلا إلى الحـق، وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنتَ أصدقنا حديثاً، وأبرّنا أمانة"، ثم قال "فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
بمعنى أن عكرمة قد تحول في لحظة من طاغية لا يرى في العبيد والبسطاء إلا خولا له وأنه السيد العالي، الى رجل يذوب في التواضع واحترام البسطاء والعبيد والاحساس بالتقوى كمعيار أساس لما يميز أي إنسان عن الاخر، ثم لا يحق للمرء ـ حسب الطرح المخالف ـ أن يشك لحظة واحدة في أن اسلام عكرمة كان بعامل الخوف على نفسه واعترافا منه بواقع الامر.
إن التاريخ الاسلامي حافل بشواهد لا حصر لها على ما كان عليه المسلمون من عدم الاستجابة التامة للقيم الاسلامية، والانفصال عن رواسب الجاهلية، فهذا سعد بن ابي وقاص الذي يعدّ من أوائل الصحابة وأجلهم، يعترف بمكانة علي عليه السلام وتفرده بما لا يدركه فيه أحد، حيث يقول لمعاوية "سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في علي خصالا ثلاثاً: لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم، سمعته يقول: "إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"، وسمعته يقول: "لأعطينّ الراية غداً رجلا يحبّ الله ورسولَه ويُحبّهُ الله ورسولُه"، وسمعته يقول: "أيّها الناس من وليّكم"؟ قالوا: الله ورسوله ثلاثاً، ثمّ أخذ بيد علي فأقامه ثمّ قال: "من كان الله ورسوله وليّهُ فهذا وليه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه) ثم يمتنع عن مبايعته لسبب بينّه الامام علي عليه السلام في خطبته الشقشقية بقوله (فصغا الاخر لضغنه)، أي بسبب من قتلهم علي عليه السلام في حروب الإسلام من أقارب سعد من الامويين. وهذه ام هاني بنت أبي طالب تدخل على أخيها الامام علي عليه السلام لاستلام عطاءها فدفع اليها عشرين درهما فسألت مولاتها العجمية فقالت: كم دفع اليك امير المؤمنين؟ فقالت: عشرين درهما، فانصرفت مسخطه، فقال لها الامام علي عليه السلام: انصرفي رحمك الله ما وجدنا في كتاب الله فضلا لإسماعيل على اسحاق.
إن العوامل التي ذكرتها، من تجذر الموروث الجاهلي في نفوس المسلمين وكون الدعوة الإسلامية حركة تاريخية قصيرة زمنيا واعتمدت ـ الى حد كبير ـ العامل الغيبي في تحققها، قد عالجها التخطيط الاسلامي بالإمامة حيث تمتد القيادة الالهية المدلة على حقائق الرسالة الإسلامية ومفرداتها المثالية الى زمن يستوعب عملية التحول عند الناس بشكل صحيح.
وهذا يجعلنا أمام نقاط عدة:
1. إن الصورة التي يقدمها طرح المخالف في أن المسلمين قد بلغوا ما يحمله الاسلام من مثل، واندمجوا في تعاليمه الاندماج المطلوب غير ممكنة علميا ومنطقيا.
2. وعليه فإن عملية الانحراف الذي تمت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) لم يشكل فيها شخص علي عليه السلام غير جزء من الدافع، وإن الدافع الحقيقي هو ان الانحراف يمثل استجابة طبيعية لعدم وصول عامة المسلمين الى الانفكاك المطلوب عن رواسبهم وعدم الوصول الى الصورة المثالية التي رسمها الاسلام، وربما كان هذا ردا على الاشكال الذي طالما أثير في أنه كيف لقلة قليلة أن تتمكن من قيادة انقلاب كلي في دولة المسلمين؟ حيث أن بذور الانقلاب كان يحملها عموم المسلمين ودور هؤلاء القلة تمثل بقيادتها.
3. إن عملية وصول عامة المسلمين الى الحالة الاسلامية النموذجية لم تكن ضمن المخطط الالهي لأنها غير ممكنة ـ كما بيّنت ـ وإن التخطيط الالهي يتمثل بالاعتماد على صفوة من المسلمين بلغوا الكمال المطلوب يقودهم الإمام المعصوم الذي يمثل استمرارية القيادة الالهية ليكونوا بذلك الحكومة الإسلامية، ومن ثم يخضع لها عامة المسلمين كرعية، أي أن هذه الحكومة ترسم للرعية الطريق الصحيح للكمال الإسلامي ثم يسعى المسلم في سلوكه كل حسب طاقته، فلا يبلغ نهايته بالضرورة ولكنه لا يحيد عنه. لا أن يفتح الباب على مصراعيه لكل من قلقل لسانه بالشهادتين، فيكون القائد والمعلم وربما كان هو أحوج الى التعليم والإرشاد، فهذا طلحة والزبير اللذان كان لهما ما كان من سابقة في الإسلام (وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أمر عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي رافع وأبا الهيثم بن التيهان، أن يقسموا فيئاً بين المسلمين، وقال لهم:
"اعدلوا بينهم ولا تفضلوا أحداً على أحد، فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس.
فأقبل عليهم طلحة والزبير ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير، فقال طلحة والزبير، ليس هكذا كان يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم؟
قالوا: بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) .
فمضيا إليه (عليه السلام)، فوجداه في بعض أحواله قائما في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا له: ترى أن ترتفع معنا إلى الظل؟
قال: نعم.
فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفيء، فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس.
قال: وما تريدان؟
قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر.
قال (عليه السلام): فما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطيكما؟
فسكتا.
فقال (عليه السلام): أليس كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم بين المسلمين بالسوية من غير زيادة؟
قالا: نعم.
قال: أفسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالاتباع عندكما، أم سنة عمر؟
قالا: سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وعناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس، فافعل.
قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟
قالا: سابقتك، قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي؟
قالا: قرابتك.
قال: فعناؤكما أعظم أم عنائي؟
قالا: بل أنت يا أمير المؤمنين أعظم عناءً.
قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا في المال، إلا بمنزلة واحدة، قالا: جئناك لهذا وغيره، قال: وما غيره؟ قالا: أردنا العمرة، فأذن لنا، قال: انطلقا، فما العمرة تريدان، ولقد أنبئت بأمركما وأريت مصارعكما، فمضيا وهو يتلو وهما يسمعان قول الله سبحانه (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما)".
4. ربما جاءت وفاة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) كحلقة ضمن التخطيط الالهي للحفاظ على الإسلام، حيث كان في علم الله أن عملية الخضوع للحكومة المعصومة من قبل المسلمين لن تتم، وأن الغلبة ستكون للرواسب الجاهلية والى تغير النفوس بفعل الانتعاش الاقتصادي الهائل الذي تحقق بفعل الفتوحات، مما يؤدي الى عملية انقلاب حتمية، كما انقلب بنو اسرائيل على نبيهم موسى عليه السلام واتخذوا العجل الها، فإذا استمر النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) بحياته الشريفة فسيواجه هو (صلى الله عليه واله) ذلك الانقلاب الذي يعني بالضرورة انقلابا على الاسلام برمته، فتوفاه الله حالما أكمل التبليغ وأتم الحجة، ليكون الانقلاب في مرحلة الامامة التي ستمكّن المنقلبين من إيجاد منفذ للاستجابة لمتطلبات واقعهم النفسي، من حيث رواسب الجاهلية واخلاقياتها واعرافها ومن حيث نوازغ الشيطان، بفعل القاعدة التي بينها الامام الحسين عليه السلام في قوله "إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ"..
مع الحفاظ على الاساس الاسلامي من حيث وجوده وكيانه.

إذا كان لعليّ وولديه (عليهم السلام) كلّ تلك الخوارق التي يرويها الشيعة، فلماذا نجد الحسن يضطرّ للصلح مع معاوية، والحسين يتعرّض للتضييق ثمّ للقتل ولم يحصل على مبتغاه؟
[اشترك]
إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمتّع بقدرة كبيرة جدّاً تفوق العادة، فحادثة المعراج وشقّ القمر وغيرها من المعجزات والكرامات التي ملأت كتب الحديث ونُقِلت بشكل متواتر، شاهدة على ذلك ومع هذه القدرة التي تفوق العادة فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرّض في غزوة أُحد لكسر رباعيّته من قِبل أحد الأعداء حيث رماه بسهم وقيل بحجر، فأُدمي وجهه الشريف، واستشهد سبعون صحابيّاً بين يديه. وفي غزوة الخندق ربط حجراً على بطنه الشريف من شدّة الجوع، وفي الحديبيّة اضطرّ إلى عقد الصلح مع مشركي مكّة، وفي غزوته ضدّ هوازن فرَّ جيشه من المعركة منهزماً، وفي محاصرته (صلى الله عليه وآله وسلم) في الطائف لم يحقّق أيّ انتصار يُذكر.
فلماذا يواجه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ هذه المشكلات رغم أنّ له قوّةً خارقة للعادة؟!
كما أنّ الأنبياء (عليهم السلام) يعتمدون في تبليغ دعوتهم ومحاربة أعدائهم على أساليب عادية، ولا يستخدمون قدرتهم التي تفوق العادة إلاّ في إثبات نبوّتهم أو في بعض الموارد الخاصّة التي توجب لجوءهم إلى القوّة الغيبيّة والاستعانة بها.
وكذلك الحال في أمير المؤمنين وأبنائه (عليهم السلام) فإنّهم أُمروا بإدارة شؤون الخلافة والإمامة بالوسائل الطبيعيّة، ولذلك لم يلجأوا إلى استخدام القوّة الغيبيّة.
ثمّ إنّ السائل الجاهل قد سمح لنفسه بأن يتجرّأ على الإمام الحسين (عليه السلام) وينتقص منه؟! ليأتي ويقول إنّ الحسين (عليه السلام) لم يحقّق هدفه؟!
وقد جهل أنّ الحسين (عليه السلام) قد حقّق أقصى هدف له، لأنّ هدفه كان إيقاظ الهمم وبعث روح حبّ الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرير الأُمّة من قبضة الحكّام الأمويّين الظلمة، بل وتأليب الأُمّة عليهم.
وقد تحقّق له ذلك، فكلّ الثورات التي أعقبت شهادته (عليه السلام) كانت من ثمار ثورته المباركة.
إنّ جامع الأسئلة ومروّجها تصوّر أنّ الحسين (عليه السلام) يسعى للحصول على القدرة السياسيّة والسلطنة، ولهذا تراه يقول: إنّه لم يحقّق مبتغاه!!
لقد أعطى (عليه السلام) بشهادته حياةً جديدة للأُمّة، وأوجد في المجتمع الإسلامي حياةً اجتماعيّة دائمة ومتجدّدة بفضل تضحيته بحياته الدنيوية، وفتح صفحة جديدة في حياته البرزخيّة ليحيا فيها خالداً (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ...) 12.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 169 و 170، الصفحة: 72.
2. هذه الإجابة نُشرت على الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته.

يشخص هذا الحصن العظيم على طريق كربلاء ــ عين التمر ويستطيع من يراه أن يخمّن من الوهلة الأولى إلى أنه قد بُنيَ على طراز الحصون الدفاعية العظيمة.
[اشترك]
هذا الحصن لا يزال سراً غامضاً لم تستطع بوصلات المؤرخين تحديد تاريخ وسبب بنائه وأصل تسميته، فأغلب الأقوال التي قيلت في ذلك لا تتعدّى حدود الافتراضات التي لا تستند إلى الدليل.
وقد تعدّدت الأقوال في تاريخ بناء الحصن بين العصر الجاهلي وصدر الإسلام والأموي والعباسي، ولكن هناك دلائل وقرائن تاريخية تثبت وجود هذا الحصن قبل هذا التاريخ بكثير فقد أشار أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) إلى أن الحصن كان موجوداً في عهد (سابور بن أردشير) الذي حكم للفترة بين (240 – 270 م) والملقب بسابور الجنود، وهذا يرفع تاريخ حصن الأخيضر إلى القرن الثالث للميلاد وقد خربت عين التمر وبقي حصنها.
إن وجود دلائل قوية تثبت وجوده في عهد سابور يقودنا لتتبع خيط التأريخ لنعود قليلاُ وتحديداً إلى سيرة أبيه أردشير بن بابك مؤسس السلالة الساسانية (224 ــ 241) الذي خرج لقتال الأردوان آخر ملوك الطوائف الأشغانيين الفرس (أرتابانوس الخامس (216 – 224) ــ باليوناني ــ فاستعان (الأردوان) بالعرب للقتال معه وبنى (حيراً) فأنزل به من أعانه من العرب.
ومن المؤكد أن هذا الحير هو حصن الأخيضر لتطابق المواصفات كلها عليه من ناحية بنائه الدفاعية العظيمة التي يستطيع بها ردّ هجمات الجيش الساساني العظيم، ولسعة حجمه الذي يسع القوات العربية التي تدعم الأردوان في حربه، ولمكانه الذي يعد استراتيجياً لمواجهة العدو من كل الجهات والدفاع عن المدينة، ولموقعه الذي كانت تتمركز فيه القوات الفارسية، ولطرازه الفارسي الواضح، ومما يقطع الشك باليقين بأن هذا (الحير) هو حصن الأخيضر أن الحير من أسماء كربلاء القديمة التي كان موقعها في عين التمر وقد أكد ذلك الدكتور عبد الجواد الكليدار بقوله: (وقد نعتت كربلاء منذ الصدر الأول في التاريخ بأسماء عديدة مختلفة منها: ....الحير) ونقل كذلك عن الطبري أنها سميت باسم (الحير).

كان الرسول الأكرم يعرف من هم المنافقون فلماذا لم يشخصهم على الملأ؟
[اشترك]
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك الظروف العصيبة التي أحاطتْ بالإسلام حريصاً جداً على مصلحة الإسلام وتأليف الناس إليه وعدم إبداء أي منفر ينفرهم عنْ قبول الإسلام والدخول فيه، والناس كانوا قريبي عهد بالجاهلية والعصبية القبلية ما زالتْ متجذرةً فيهم بأعماقهم، لذا كان يقدم الأهم على المهم في هذا الموضوع، فالأهم هو الحفاظ على الإسلام وزيادة عدد الداخلين فيه، والمهم هو كشف المنافقين وفضحهم، ولنأخذْ مثالين في هذا الموضوع حتى تتضح الصورة أكثر:
(1) صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول:
روى البخاري في صحيحه: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عبد الله بن أبي سلول لما توفي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفرْ له فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فقال: آذني أصلي عليه فآذنه فلما أراد أنْ يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه فقال: أليس الله نهاك أنْ تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين قال الله تعالى: استغفرْ لهم أو لا تستغفر لهم إنْ تستغفرْ لهم سبعين مرةً فلنْ يغفر الله لهم فصلى عليه. انتهى [صحيح البخاري 2: 76].
فلماذا فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الفعل حتى اندفع عمر بن الخطاب يصده عن ذلك [والنبي صلى الله عليه وآله أعرف بما يفعله فهو الرسول المسدد من الله]؟!! نترك القسطلاني في "إرشاد الساري" يجيبنا على هذا السؤال.. قال في كتاب اللباس: (إنما فعل ذلك -أي صلاته صلى الله عليه وآله على أبن أبي- على ظاهر الإسلام واستئلافاً لقومه، مع أنه لمْ يقعْ نهي صريح، وروي أنه أسلم ألف رجل من الخزرج). [إرشاد الساري 8: 423].
وينقل ابن حجر في "فتح الباري" عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله في الحادثة نفسها: (وما يغني عنه قميص من الله وإني لأرجو أنْ يسلم بذلك ألف منْ قومه). انتهى [فتح الباري 8: 254].
(2) سكوته (صلى الله عليه وآله) عن المنافقين الذين أرادوا اغتياله:
ذكر ابن كثير في "السيرة النبوية": عنْ عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منْ تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأنْ يطرحوه منْ رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها.
فبينما همْ يسيرون إذْ سمعوا بالقوم قدْ غشوهمْ. فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أنْ قدْ أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس.
وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: "هلْ عرفت هؤلاء القوم؟ "قال: ما عرفت إلا رواحلهمْ في ظلمة الليل حين غشيتهمْ. ثم قال: "علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟ "قالا: لا. فأخبرهما بما كانوا تمالوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك.
فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: "أكره أنْ يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".
وقدْ ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده. وهذا هو الأشبه والله أعلم. انتهى [السيرة النبوية 4: 34].
ونحو هذه القصة منْ جهة امتناع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتل المنافقين لئلا يقول الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ذكرها البخاري في حق ابن أبي سلول الذي قال: لئنْ رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. [صحيح البخاري 4: 160].
فكما ترى أن الدوافع التي منعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منْ قتل هؤلاء المنافقين وفضحهم على الملأ هو المحافظة على سمعة الإسلام وهو ما زال بعد غضاً طرياً، فتحمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقاءهم بين المسلمين وتحمل أذاهم حتى يجتاز الإسلام مرحلته التأسيسية الأولى ثم تبدأ بعد ذلك مرحلة التصفية، وهي المهمة التي قام بها من بعده أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حين قلده (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الوسام الرفيع جداً حين جعل محبته عنوان الإيمان وبغضه علامة النفاق [كما في صحيح مسلم]، فعرفت الأمة المؤمنين من المنافقين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه العلامة الفارقة وهي محبة علي (عليه السلام) وبغضه، وكفى بها علامةً ترشد الطالبين إلى مبتغاهمْ.

إن شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله لا تدانيها أية شخصية عبقرية، ولكن العبقرية - مهما سمت - فإنها لا تأتي ولن تأتي بالمعجزات وخوارق العادات .
[اشترك]
العبقري الذي لم يدرس فن الطب - مثلاً - يستحيل أن يؤلف كتاباً فيه صحيحاً وسليماً في جميع أقواله ونظرياته بخاصة إذا كان فيه كشوف جديدة، ولو افتُرض أن جاءنا بكتاب مثل هذا لجزمنا في الحال ومن غير تردد بأن وراءه عالم قدير في فن الطب هو الذي وضع هذا الكتاب، وأعطاه للعبقري، أو العبقري سرقه منه. وهذه هي الحال بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وآله، فلقد جاء القرآن، وفيه أشياء وأشياء لا يمكن أن تكون إلا من خالق الكائنات، كالإخبار بالمغيبات وعجائب الأرض والسموات، وخلق الإنسان وغيره من الحيوانات والحشرات، وفيه النظام الكامل الشامل لشتى ميادين الحياة إلى غيرها من الحقائق الكونية والإنسانية التي عجز محمد والعلم في عصره عن معرفة القليل منها .
إذن، فلا بد أن تكون تنزيلاً من لدن حكيم خبير على قلب الرسول الأمين: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
ثانيا: أن للعبقري المبدع علامات تدل عليه، وللثائر المصلح صفات مميزة عن غيره، والنبي يشارك العبقري والمصلح، في كل فضيلة، ما في ذلك ريب، ولكنه يمتاز بصفات لا يشاركه فيها أحد، أن العبقري أو المصلح يستوحي آراءه ومبادئه من الأرض، لا من السماء، يستوحيها من عقله وبيئته، والنبي يتلقى الوحي من السماء، من الله جلت عظمته، والوحي معصوم، والعقل يخطئ ويصيب، والبيئة شهوات وأهواء.
وأيضا العبقري يبدع في شيء دون شيء ولا يبدع في كل شيء والمصلح يهدف إلى ناحية واحدة أو أكثر من حياة فئة أو أمة في بقعة من الأرض، ولا يهدف إلى إصلاح أهل الأرض جميعا في كل شيء وفي كل زمان ومكان.
أما محمد فهو رسول الحق والعدل إلى الإنسانية جمعاء لينقذها من الجهالة والضلالة، ويحملها على نهج الهداية والنجاة، وأين العبقري والمصلح من هذا أو شبه هذا؟.
وبعد، فإن محمدا لا يقال: هو عبقري خلاق، ولا مصلح ثائر، ولا عظيم خالد ... كلا، وألف كلا، فما أكثر العباقرة والمصلحين والثائرين! إن محمداً رحمة مهداة من إله السماء لأهل الأرض أجمعين: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ورحمة الله سبحانه فوق العبقرية والعباقرة، والإصلاح والمصلحين، وفوق العظمة والعظماء الخالدين، بل فوق الناس مجتمعين والسموات والأرضين؛ لأنها تتسع لكل شيء ولا يتسع لها شيء إلا قلب محمد ومن سار طريقته وعمل بمبادئه وسنّته.
المصدر: كتاب نفحات محمدية

ما السبب في أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يتزوج بأربع نساء في حياة السيدة الزهراء عليها السلام مع أن ذلك من المستحبات، ولم يكن الإمام علي عليه السلام ليترك العمل بهذا الاستحباب؟! وهل هناك إشكال في زواجه عليه السلام على السيدة الزهراء عليها السلام، وأنها لا ترضى؟! ولماذا لا ترضى بما ذكره الله تعالى في القرآن، دون أن يستثني السيدة الزهراء عليها السلام منه؟!
[اشترك]
وفي الجواب نقول:
أولاً: إنه لم يثبت استحباب الزواج بأكثر من امرأة واحدة، بل ورد إباحة ذلك في القرآن، مع النصيحة بالتزام الزواج من واحدة في صورة الخوف من عدم التمكن من العدل بين النساء..
نعم، قد ورد في السنة الأمر بالتزوج بأكثر من واحدة لمعالجة حالة الفقر، أو نحو ذلك.. فالاستحباب المدعى يصبح موضع شك، وبذلك لا يبقى موضوع للسؤال المذكور..
ثانياً: قد روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق [عليه السلام] قال: حرم الله النساء على الإمام علي [عليه السلام]، ما دامت السيدة فاطمة [عليها السلام] حية.
قال: قلت: كيف ؟! قال [عليه السلام]: لأنها طاهرة لا تحيض.
ورواه غير الشيخ أيضاً من العامة والخاصة 1.
ثالثاً: إن الآية القرآنية الشريفة تقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) 2.
فقد دلت هذه الآية المباركة على أن الهدف من الزواج هو تحقيق السكون، والرضا، وذلك من خلال التوحد والالتقاء ووجدان النفس لحقيقتها الكاملة، ليكونا معاً بمثابة نفس واحدة..
ومن الواضح: أن السيدة الزهراء [عليها السلام] حين تكون مع الإمام علي [عليه السلام]، فإن الإمام علي [عليه السلام] سوف لا يجد في نفسه أية حاجة إلى شيء آخر، لأن السيدة الزهراء [عليها السلام] هي الكمال كله.. فلا يبقى أي مبرر لتطلّب شيء آخر. مادام أن السكون والرضا قد بلغ منتهاه، فما هو الداعي لأن يبحث الإمام علي [عليه السلام] عن زوجة أخرى، ما دام أن تلك الزوجة لن يكون لها أي دور في حياته، ولا يوجد أي مجال للزيادة في حالة السكون، والرضا، والسعادة.
وربما لأجل هذه الخصوصية بالذات لم يتزوج النبي [صلى الله عليه وآله] في حياة السيدة خديجة [عليها السلام] أية امرأة أخرى، لكنه تزوج بعدها بالعديد من النساء لأكثر من داع وسبب.
والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين 3.
الهوامش:
1. راجع: تهذيب الأحكام ج7 ص475 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص64 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص330 والبحار ج43 ص16 و153 عنه، وعن أمالي الشيخ الطوسي ج1 ص42 ومستدرك الوسائل ج2 ص42 وبشارة المصطفى ص306 وراجع: عوالم العلوم ج11 ص66 و387 وضياء العالمين [مخطوط] ج2 قسم2 ص7 ومجمع النورين ص23 وعن اللمعة البيضاء.
2. القران الكريم: سورة الروم (30)، الآية: 21، الصفحة: 406.
3. مختصر مفيد.. ( أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة )، السيد جعفر مرتضى العاملي، « المجموعة الرابعة »، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1423 ـ 2002، السؤال (215).

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»
هل شارك أحدٌ عليًا في تغسيل الرسول (ص)
هل شارك أسامةُ بن زيد أو غيرُه في تغسيل رسول الله (ص)؟
[اشترك]
اضطراب ما أورده العامة
أمَّا ما ورد في بعض طُرق العامة فالذين شاركوا عليًّا (ع) في تغسيل الرسول الكريم (ص) هم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقثم بن العباس واسامة بن زيد وصالح مولى رسول الله (ص) وكان معهم من الأنصار أوس بن خولي الأنصاري من الخزرج، وكان بدريًا، نادى: يا علي، ننشدُك الله وحظَّنا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فقال له عليٌّ (عليه السلام): ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يلِ مِن غسله شيئًا. فأسنده عليٌّ إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، والفضل، وقثم يقلِّبونه مع عليٍّ، وكان أسامة بن زيد، وصالح مولاه يصبَّان الماء، وجعل عليٌّ يُغسِّله"(1).
وورد في بعض طرقهم أنَّ الذي كان مع أسامة شقران (2) مولى رسول الله (ص) بدلًا من صالح.
واختلفت رواياتهم أيضًا فيما كان يفعله المذكورون، فبعضُها ذكرت أنَّ العباس والفضل وقثم كانوا يقلِّبونه، وأسامة وصالح يصبَّان الماء أو أسامة وشقران يصبَّان الماء، وفي رواية أنَّ اللذَين يصبَّان الماء أسامة وقثم(3)، وفي رواية أسامة وأوس الأنصاري(4)، وفي رواية أنَّ الفضل وقثم وأسامة وصالح يصبُّون عليه(5)، وفي رواية أنَّ الذي يصبُّ الماء هو العباس(6)، وفي روايةٍ أنَّ العباس وأسامة يناولان عليًّا (ع) الماء من وراء الستر(7)، وهنالك رواية أنَّ عليًّا (ع) غسَّله يُدخل يده تحت القميص، والفضل يُمسك الثوب عنه، والأنصاري يُدخل الماء(8). وفي رواية أنَّ الذي يقِّلبه هو الفضل وحده(9) ورووا كذلك عن عليٍّ (ع) أنَّه قال: "فغسلتُه فما آخذ عضوًا إلا تبِعني، والفضلُ آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري"(10). وأضاف بعضُهم إلى المذكورين عقيل بن أبي طالب(11) ولم نعلم ما هي وظيفته.
هذا هو حاصلُ ما أوردتْه رواياتُ العامَّة فيمَن شارك في تغسيل رسول الله (ص) وفي كيفيَّة تغسيله وهي -كما هو واضح- شديدةُ الاضطراب إلا أنَّه ورغم اضطرابها متَّفقةٌ جميعًا على أنَّ من تولَّى تغسيل الرسول (ص) هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (ع) والملاحظة الثانية هي أنَّ جميع الروايات تقريبًا اشتركت في عدِّ الفضل بن العباس ضمن مَن أعان على تغسيل النبيِّ (ص) فبعضُها أفاد أنَّه كان ضمن آخرين ممَّن ذكرنا أسماءهم وبعضُها لم تذكر معه غيره، فالفضل بن العباس هو القدر الذي اتَّفقت رواياتُ العامَّة على أنَّه الذي كان قد أعان عليًّا (ع) في تغسيل الرسول الكريم (ص).
ولذلك قال ابن عبد البر في التمهيد: "ولم يختلف في أنَّ الذين غسَّلوه علي والفضل بن عباس واختلف في العباس، وأسامة بن زيد، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: هؤلاء كلهم شهدوا غسله، وقيل لم يغسِّله غير عليٍّ، والفضلُ كان يصبُّ الماء وعليٌّ يغسله"(12).
عليٌّ وحده الذي غسَّل الرسول (ص) والفضل يناوله الماء:
وأمَّا ما ورد من طرقنا فهو أنَّ عليًّا (ع) وحده الذي تولَّى تجهيز رسول الله (ص) لم يُشركه أحد سوى أنَّه (ع) لما أراد تغسيله (ص) استدعى الفضل بن العباس فأمره أنْ يُناوله الماء بعد أنْ عصَّب عينيه(13)، وورد في بعض الروايات أنَّ ذلك كان عن وصيةٍ أوصى بها رسولُ الله (ص) عليًّا (ع) أي أنَّه أوصاه بأنْ الذي يناوله الماء هو الفضل بن العباس دون أنْ يُمكِّنه من أنْ يرى شيئًا من جسد رسول الله (ص) ولذلك عصَّب عينيه(14).
ومن ذلك يتَّضح أنَّ القدر المتيقَّن من روايات الفريقين أنَّ الذي أعان عليًّا (ع) في تغسيل الرسول (ص) هو الفضل بن العباس دون سواه.
جثمانُ الرسول (ص) كانت تقلِّبه الملائكة وليس كما زعموا:
وأمَّا ما أوردته بعضُ روايات العامَّة من أنَّ العباس، والفضل، وقثم كانوا يقلِّبون رسول الله (ص) فهو مضافًا إلى كونه بلا موجب إذ لا يحتاج تقليب جثمانه الشريف إلى هذا العدد من الرجال، خصوصًا مع حرص الرسول الكريم (ص) على أنْ لا يطَّلع أحدٌ غير عليٍّ (ع) على شيءٍ من جسده الشريف ممَّا لم يكن كشُفه متعارفًا كما يتَّضح ذلك من الروايات الواردة من طُرق الفريقين والتي نصَّت على المنع المشدَّد من تجريده من قميصه(15) والروايات التي نصَّت على أنَّ من رأى شيئًا من جسده الشريف ممَّا لم يكن كشفُه متعارفًا فإنَّه يعمى(16) والتقليبُ مستلزمٌ لذلك عادةً أو لا أقلَّ من كون التقليب موجبًا لصيرورته في معرَض النظر، فمضافًا إلى ذلك فإنَّ تقليب العباس وابنيه لجثمان الرسول(ص) منافٍ لما ثبتَ من طُرق الفريقين أنَّ الملائكة هي مَن كانت تُقلِّب لعليٍّ (ع) جثمانَ الرسول (ص) كلَّما احتاج إلى ذلك.
فمِّما ورد في ذلك من طرقنا ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن عليٍّ (ع) قال: ".. فإنَّ رسولَ الله _صلَّى الله عليه) وآله أوصى إليَّ وقال: "يا علي لا يَلي غُسلي غيرك، ولا يُواري عورتي غيرك، فإنَّه إنْ رأى أحدٌ عورتي غيرك تفقَّأت عيناه، فقلتُ له: كيف لي بتقليبك يا رسول الله؟ فقال: إنَّك ستُعان، فوالله ما أردتُ أنْ أقلبَ عضوًا من أعضائه إلا قُلبَ لي"(17) فهذه الرواية صريحة بأنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) لم يكن بواسطة أحدٍ من البشر
ومنها: ما أورده السيد ابن طاووس في كتاب الطرف: بإسناده عن عيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): يا علي .. غسِّلني، ولا يُغسِّلني غيرُك فيعمى بصرُه، قال عليٌّ (عليه السلام): ولِمَ يا رسول الله؟ قال كذلك قال جبرئيل عن ربِّي، إنَّه لا يرى عورتي غيرُك الا عمى بصره، قال عليٌّ (عليه السلام): فكيف أقوى عليك وحدي؟ قال: يُعينك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وملكُ الموت وإسماعيل صاحب سماء الدنيا، قلتُ: فمَن يُناولني الماء؟ قال: الفضل بن العباس من غير أنْ ينظر إلى شيءٍ منِّي فإنَّه لا يحلُّ له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم"(18).
فإذا كان هؤلاء الملائكة الكرام هم أعوانُ عليٍّ (ع) على تغسيل الرسول (ص) فأيُّ حاجةٍ إلى أنْ يستعين بمَن يقلِّبه من البشر. ثم أنَّ الرواية واضحة في أنَّ المأذون له بالإعانة هو خصوص الفضل بن العباس، ولم يُؤذَن له بما يتجاوز المناولة للماء مع التحفُّظ عن النظر. والواضح من الرواية وغيرها أنَّ الذي يحرم النظر إليه من جثمان الرسول (ص) هو مطلق مالم يكن كشفُه متعارفًا، وأمَّا العورة بحسب الاصطلاح الفقهي فلا يجوز النظر إليها مطلقًا وذلك يشمل عموم الأموات.
ومنها: ما أورده السيِّد ابن طاووس في الطرف ومصباح الأنوار: باسنادهما عن عيسى بن المستفاد عن الكاظم (ع) قال: "قال عليٌّ (عليه السلام): غسلتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنا وحدي وهو في قميصه فذهبتُ أنزع عنه القميص، فقال جبرئيل: يا علي لا تجرِّد أخاك من قميصه، فانَّ الله لم يُجرده وتؤيَّد في الغسل، فأنا أشركك في ابن عمك بأمر الله، فغسلتُه بالروح والريحان، والملائكة الكرام الأبرار الأخيار تُبشِّرني وتمسك، وأكلَّم ساعة بعد ساعة، ولا أقلب منه عضوًا بابي هو وأمي إلا انقلب لي قلبًا، إلى أنْ فرغتُ من غُسله وكفنه"(19).
وهذه الرواية أيضًا صريحة في أنَّ جبرئيل كان شريك عليٍّ (ع) في تغسيل الرسول (ص) وأنَّ الملائكة الكرام كانوا أعوانه وأنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) لم يكن بيد أحد من البشر.
وممَّا أوردته طرقُ العامَّة ما رواه البيهقي في دلائل النبوَّة بسنده عن يزيد بن بلال قال: سمعتُ عليًّا يقول أوصى رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) أنْ لا يغسِّله أحدٌ غيري فإنَّه لا يرى أحدٌ عورتي إلا طُمستْ عيناه، قال عليٌّ: فكان العباس وأسامة يناولان الماء وراء الستر، قال عليٌّ، فما تناولتُ عضوًا إلا كأنَّما يُقلِّبه معي ثلاثون رجلًا حتى فرغتُ من غُسله"(20).
وأورد ذات الرواية ابن سعد في الطبقات إلا أنَّه ذكر الفضل بن العباس بدلًا من العباس(21).
فهذه الرواية واضحة في أنَّه لم يكن مع عليٍّ (ع) أحدٌ يقلِّب جثمان رسول الله (ص) بل كان كلمَّا أراد أنْ يقلب عضوًا شعر كأنَّما يقلبه معه ثلاثون رجلًا، فهذه الرواية تنفي دعوى أنَّ العباس وابنيه كانوا يقلِّبون جثمان الرسول (ص) بل نصَّت على أنَّ العباس وأسامة كانا يناولان عليًّا (ع) الماء من وراء الستر ومقتضى ذلك أنَّهما لم يكونا معه في موضع المغتسل. وسيتَّضح فيما بعد أنَّ الذي كان يناوله الماء هو الفضل بن العباس.
ومنه: ما أخرجه ابن عساكر بسنده إلى عليِّ بن الحسين عن أبيه عن جدِّه قال: "أوصى النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليَّاً أنْ يغسله، فقال علي: يا رسول الله أخشى أنْ لا أُطيق ذلك قال: إنَّك ستُعان، قال علي: فوالله ما أردتُ أنْ أقلب من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) عضوا إلا قلب"(22) فقوله: فوالله ما أردتُ أنْ أقلب من رسول .." هو تفسير قوله (ص): "إنَّك ستُعان".
ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) لعليِّ بن أبي طالب في مرضه الذي تُوفي فيه اغسلني يا علي إذا متُّ، فقال: يا رسول الله ما غسلتُ ميتًا قط فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم): إنَّك ستُهيأ أو تُيسر قال علي: فغسلتُه فما آخذ عضوًا إلا تبعني والفضل آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري"(23)
فهذه الرواية واضحة أيضًا في أنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) يتمُّ من وراء الغيب فذلك هو معنى قول عليٍّ (ع): "فغسلتُه فما آخذُ عضوا إلا تبعني" وهو معنى قول الرسول (ص) لعليٍّ -بحسب الرواية-: "إنك ستُهيأ أو تُيسَّر".
فعليه فإنَّ هذه الرواية -كالروايات السابقة وغيرها ممَّا لم نذكر- تنفي دعوى أنَّ العباس وابنيه كانوا يقلِّبون جثمان الرسول (ص) وكذلك تنفي ما رُوي من طرقهم أيضًا أنَّ الفضل أو العباس كان يقلِّب جثمان الرسول الكريم (ص).
وأمَّا ما ورد في ذيل الرواية من أنَّ "الفضل آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري" فهو مناقضٌ لصدرها والذي اشتمل على أنَّ عليًّا(ع) لم يكن يأخذُ عضوًا إلا تبعه والمشتملة على ما يظهر منه أنَّ التقليب للجثمان كان يتمُّ بواسطة الملائكة، وكذلك هو مناقِضٌ للروايات التي ذكرنا بعضَها والتي أفادت أنَّ تقليب الجثمان كان يتمُّ بواسطة الملائكة، فإذا كان التقليب ميسورًا بحسب الرواية ويتمُّ بواسطة الملائكة فأيُّ موجبٍ لأخذ الفضل جثمان الرسول (ص) في حضنه؟! هذا مضافًا إلى أنَّ من غير المتعارف أخذُ الميِّت في الحضن أثناء تغسيله، فإنَّ ذلك لا يُسهِّل تقليب الجثمان، وإذا كان هو التقليب نفسه فهو منافٍ لما دلَّ على أنَّ التقليب يتمُّ بواسطة الملائكة وأنَّ عليًّا(ع) كلَّما أراد أنْ يرفع عضوًا تبِعه، على أنَّ الظاهر من قوله: "أعجل يا علي انقطع ظهري" أنَّ الفضل كان حاملًا للجثمان الطاهر ورافعًا له وهو غير متعارف وبلا موجبٍ، فلا التغسيل يحتاج إلى ذلك وأمَّا التقليب فيتمُّ بواسطة غيره، فهذه الزيادة مكذوبةٌ قطعًا، فقد عزَّ عليهم أنْ يختصَّ عليٌّ (ع) بهذه المنقبة فأرادوا أن يُشرِكوا معه غيره لنفي الخصوصيَّة عن عليٍّ (ع).
تفنيد ما ادُّعي من أنَّ أسامة أو غيره يصبُّ الماء:
وأمَّا دعوى أنَّ أسامة وصالحًا أو شقران كانا يصبَّان الماء فهي منافية لما دلَّ من روايات الفريقين على المنع من أنْ يرى أحدٌ شيئًا من جسد رسول الله (ص) ممَّا لا يكون كشفه متعارفًا، ومن الواضح أنَّ التصدِّي للصبِّ إن لم يستلزم ذلك فإنَّه يكون في معرض النظر والذي شدَّدت الروايات على لزوم التحفُّظ منه، ودعوى أنَّهما يصبَّان الماء وهما معصوبا العينين غير قابلةٍ للقبول إذ لا يتهيأ لهما الصب على الموضع المطلوب وهما معصوبا العينين، ولم يقل أحدٌ أن من يصبُّ الماء كان معصوب العينين، على أنَّ صبَّ الماء على الجسد هو ذاتُه التغسيل، إذ ليس المقصود من التغسيل هو التنظيف وإنَّما هو إجراء الماء، فلو صحَّ أنَّهما يصبَّان الماء لكان معنى ذلك أنَّهما شاركا في تغسيل الرسول (ص) وهو ما يُنافي الروايات الواردة من الفريقين التي أفادت أنَّ عليًّا (ع) وحده الذي غسَّل الرسول (ص) وبهذا يتَّضح سقوط ما رُوي من أنَّ العباس أو الفضل أو قثم أو أُويس الأنصاري كان أحدهم أو كانوا جميعًا يصبُّون الماء.
رواياتٌ عديدة تنفي حضور ومشاركة العباس:
هذا مضافًا إلى أنَّ ثمة رواياتٍ عديدة وردتْ من طُرقهم تنفي حضور العباس ومشاركته في التغسيل.
فمِن ذلك ما أخرجه ابن سعد في الطبقات بسنده عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: ".. وكان العباس بالباب فقال: لم يمنعني أنْ أحضر غسله إلا أنَّني كنتُ أراه يستحي أنْ أراهُ حاسرًا"(24).
ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد بسنده عن أبي غطفان عن ابن عباس قال: والله لتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنَّه لمستنِدٌ إلى صدر عليٍّ وهو الذي غسَّله وأخي الفضل بن عباس، وأبى أبي أنْ يحضر، وقال إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) كان يأمرُنا أنْ نستتر، فكان عند الستر"(25) أي أبى العباسُ وامتنع من الحضور، فكان عند الستر أي مِن وراء الباب كما في الرواية السابقة.
ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد أيضًا في الطبقات بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: غسَّل النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) عليٌّ والفضل وأمروا العباس أن يحضر عند غسله فأبى، فقال: أمرَنا النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) أنْ نستتر"(26).
وهذه الروايات تُؤكِّد أيضًا عدم حضور ومشاركة غير الفضل بن العباس.
ومن مجموع ما ذكرناه يتبيَّن أنَّه لم يصح أنَّ أحدًا من البشر قد شارك في تقليب جثمان الرسول (ص) أثناء تغسيل عليٍّ (ع) له ولم يصح أنَّ أحدًا كان يصبُّ الماء فلم يبق سوى المناولة للماء والإمساك بالستر.
أمَّا الإمساك بالستر أو الحجب كما في رواية عامر قال: كان عليٌّ يُغسِّل النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) والفضل وأسامة يحجبانه"(27)، فلا يعدُّ الحجب والإمساك بالستر مشاركة في التغسيل، على أنَّ الإمساك بالستر بلا موجب فالنبيُّ (ص) كما في العديد من الروايات كان يغسّل من وراء الباب(28) فكان في حجرة محجوبة بالباب وكان الذي يناول الماء معصوب العينين فأيُّ معنىً لحمل الستر سوى الحرص على اصطناع وظائف لا دخل لها في التغسيل ولا موجب لها.
وأمَّا المناولة للماء فالقدر الذي يشترك الفريقان في روايته هو أنَّ ذلك كان يفعله الفضل بن العباس، فكان مع عليٍّ (ع) في موضع التغسيل ولذلك كان معصوب العينين، فإذا صحَّ أنَّ غيره كان يناول الماء فهو من وراء الباب، ولا يعدُّ ذلك مشاركةً في التغسيل على أنَّ الاعتبار المتعارف يقتضي تحضير الماء داخل الحجرة قبل الشروع في التغسيل وبعده يتمُّ إغلاق الباب، فلعلَّ بعض من ذُكرت أسماؤهم قرَّب الماء إلى باب الحجرة فاعتبر نفسه أو اعتبره الآخرون أنَّه شارك في التغسيل.
الهوامش:
1- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص260.
2- أنساب الأشراف -البلاذري- ج1 / ص569.
3- التمهيد -ابن عبد البر- ج24 / ص402
4- مسند أبي حنيفة -عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري- ص96.
5- أسد الغابة -ابن الأثير- ج1 / ص34.
6- المصنف -أبو شيبة الصنعاني- ج3 / ص397، السنن الكبرى -البيهقي- ج3 / ص395.
7- مجمع الزوائد -الهيثمي- قال: رواه البزاز ج9 / ص36، البداية والنهاية -ابن كثير- ج5 / ص282.
8- المعجم الكبير -الطبراني- ج1 / ص230، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص280.
9- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279
10- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص281.
11- إمتاع الأسماع -المقريزي- ج14 / ص571.
12- التمهيد -ابن عبد البر- ج24 / ص402. تلخيص الحبير -ابن حجر- ج5 / ص116 عن ابن دحية.
13- الإرشاد -المفيد- ج1 / ص187، علل الشرائع -الصدوق- ج1/ ص188، دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج1 / ص228، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص269، قصص الأنبياء -قطب الدين الراوندي- ص357، مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص166. ورد في خطبة للإمام الحسن (ع) يمدح فيها أمير المؤمنين (ع) قال: ".. ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) راضيا عنه، حتى غمضه بيده وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته" لاحظ شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج14 / ص12.
14- دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج1 / ص228، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج3 / ص154.
15- المعجم الكبير -الطبراني- ج1 / ص230. الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص276. مناقب علي بن أيب طالب- ابن المغازلي- ص99، سنن أب داود -اسجستاني- ج2 / ص67، السنن الكبرى البيهقي- ج3 / ص387، سنن ابن ماجه ج1 / ص471، المستدرك على الصحيحين -النيسابوري- ج1 / ص354، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص477.
16- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2/ 276. الخصال -الصدوق- ص 648، الأمالي -الطوسي- ص660، شرح مسند أي حنيفة -ملا علي القاري- ص306.
17- الخصال -الشيخ الصدوق- ص573.
18- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص197. نهج البلاغة، قال علي (ع) في إحدى خطبه: "ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هينمة منهم" ج2 / ص172.
19- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص198.
20- دلائل النبوة -البيهقي- ج7 / ص244.
21- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص278.
22- تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج13 / ص129، كنز العمال -المتقي الهندي- ج7 / ص249
23- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص281.
24- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279.
25- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص263-264.
26- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279.
27- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص277.
28- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص278-279، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص260.

هل حقَّاً تُوجد لدينا رواياتٌ عن أهلِ البيت (ع) تدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى قد خيَّر نبيَّه الكريم (ص) بين قَبضِ روحِه الطاهرة وبين البقاءِ إلى أمَد، وأنَّه (ص) استُئذنَ قبل قَبضِ روحِه فلمَّا أذِنَ قَبضَ ملَكُ الموتِ روحَه الطاهرة (ص)؟
[اشترك]
لقد ورد ذلك في الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: ما ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق بسندٍ موثَّق إلى أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: "لمَّا حضرتْ النبيَّ (ص) الوفاةُ نزلَ جبرئيلُ (ع) فقال: يا رسولَ الله هل لك في الرجوعِ إلى الدنيا؟ فقال: لا، قد بلَّغتُ رسالاتِ ربِّى، فأعادها عليه، فقال: لا، بل الرفيق الاعلى .."(1).
ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق في الأمالي بسنده عن عبد الله بن ميمون المكي، قال: حدَّثنا جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين (ع)، أنَّه دخل عليه رجلانِ من قريش، فقال: ألا أُحدِّثكما عن رسولِ الله (ص)؟ فقالا: بلى، حدِّثْنا عن أبي القاسم. قال: سمعتُ أبي (ع) يقول: لمَّا كان قبل وفاة رسولِ الله (ص) بثلاثةِ أيام هبط عليه جبرئيلُ، فقال: يا أحمد، إنَّ اللهَ أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً لك وخاصة، يسألُك عمَّا هو أعلمُ به منك، يقولُ: كيف تجدُك يا محمَّد؟ قال النبيُّ (ص): أجدُني -يا جبرئيلُ- مغموماً وأجدُني -يا جبرئيلُ- مكروباً. فلمَّا كان اليومُ الثالث هبط جبرئيلُ وملَكُ الموت، ومعهما ملَكٌ يُقال له: إسماعيلُ في الهواء على سبعينَ ألف ملَك، فسبقهم جبرئيلُ (ع)، فقال: يا أحمدُ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ أرسلني إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصَّة، يسألُك عمَّا هو أعلمُ به منك. فقال: كيف تجدُك يا محمد؟ قال: أجدُني -يا جبرئيلُ- مغموماً، وأجدُني -يا جبرئيلُ- مكروباً. فاستأذنَ ملَكُ الموت، فقال جبرئيلُ: يا أحمدُ، هذا ملَكُ الموتُ يستأذنُ عليك، لم يستأذنْ على أحدٍ قبْلَك، ولا يستأذنُ على أحدٍ بعدك. قال: ائذنْ له. فأذِنَ له جبرئيلُ (ع)، فأقبَلَ حتى وقفَ بين يدَيه، فقال: يا أحمدُ، إنَّ اللهَ أرسلني إليك، وأمرني أنْ أُطيعَك فيما تأمُرُني، إنْ أمرتني بقبضِ نفسِك قبضتُها، وإنْ كرهتَ تركتُها. فقال النبيُّ (ص): أتفعلُ ذلك يا ملَكَ الموتِ؟ قال: نعم، بذلك أُمرتُ أنْ أُطيعكَ فيما تأمُرُني.
فقال له جبرئيلُ (ع): يا أحمدُ، إنَّ الله تبارك وتعالى قد اشتاقَ إلى لقائِك. فقالَ رسولُ الله (ص): يا ملَكَ الموتِ، امضِ لِمَا أُمرتَ به. فقال جبرئيلُ (ع): هذا آخر وطئي الأرضَ، إنَّما كنتَ حاجتي من الدنيا. فلمَّا تُوفِّي رسولُ الله صلَّى الله على روحه الطيِّب، جاءت التعزيةُ، جاءهم آتٍ يسمعونَ حِسَّه، ولا يرونَ شخصَه، فقال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إنَّ في اللهَ عزَّ وجلَّ عزاءً مِن كلِّ مصيبةٍ، وخلَفَاً من كلِّ هالك، ودَرَكاً من كلِّ ما فات، فباللهِ فثِقُوا، وإيَّاه فارْجُوا، فإنَّ المُصابَ مَن حُرمَ الثواب، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ (ع): هل تدرونَ مَن هذا؟ هذا الخَضرُ (ع)"(2).
أورد هذا الحديثَ الطبراني في كتاب الدعاء(3) وكتاب المعجم الكبير(4) والبيهقي في دلائل النبوة(5) وابن سعد في الطبقات الكبرى(6) وغيرُهم.
وأورد العامَّةُ رواياتٍ عديدة أخرى بعضها في صحيح البخاري ومسند أحمد صريحةً في تخيير الرسول (ص) بين البقاء إلى أمَدٍ وبين الرحيل إلى ربِّه جلَّ وعلا فاختار الرحيلَ إلى الرفيق الأعلى، فتخييرُ الرسولِ (ص) في ذلك ثابتٌ لدى الفريقين.
الهوامش:
1- من لايحضره الفقيه -الشيخ الصدوق- ج4 ص163.
2- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص348.
3- الدعاء -الطبراني- ص367.
4- المعجم الكبير -الطبراني- ج3 ص129.
5- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة -أحمد بن الحسين البيهقي- ج7 ص210.
6- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 ص260.

خطب النبي كنز مفقود على أثر المنع عن تدوين السنة النبوية، بتقريب أولي يمكن القول إن هناك ما لا يقل عن ألف خطبة ألقاها النبي صلى الله عليه وآله في أصحابه، في فترة المدينة.
[اشترك]
وذلك أن النبي بقي هناك حوالي عشر سنوات، وكل سنة فيها 50 أسبوعا، وفي كل جمعة هناك خطبتان، فإذا أضفنا إليها خطب العيد، فهناك أربعون خطبة، وهناك خطب صلوات الآيات، وهناك الخطب المربوطة ببعض الأحداث، كتوديعه لسرية أو استقباله أخرى، أو خطاباته في الجيش المقاتل (خطبته في ثنيات الوداع حين خروج الجيش لتبوك)، يكون العدد أكبر من هذا.
عندما تتساءل أين هذه الخطب؟ لا تجد حتى عشرة بالمائة منها! إلى درجة أن الحسن البصري يقول: طلبت خطبة النبي في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلا من أصحابه فسألته عن ذلك.
الغريب أن زعماء الدول والأديان تسجل أقوالهم حتى لو كانت لا معنى لها، بينما خطاب النبي يحتاج أحد التابعين أن يطلبه ويعييه ذلك!
وهناك إشارة في القرآن الكريم إلى أن بعض المسلمين كانوا يتركون النبي وقت الخطبة: (وتركوك قائما) فهذه خطبة النبي في حجة الوداع تحدث فيها عن حذف الربا وإلغائه وأن أول ربا موضوع هو ربا العباس عمه! وأوصى بالنساء فإنهن عوان عندكم، وذكر حقوق الرجال عليهن وحقوقهن على الرجال، وذكر فيها حرمة دم وعرض ومال المسلم على المسلم ( كحرمة شهر ذي الحجة وبلد مكة...).
وخطبته في غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ بلى: من كنت مولاه، فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...
خطبته في منى: ما جاءكم عني يوافق كلام الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله.
خطب بنا رسول الله: حتى أسمع العواتق في بيوتهن، وقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع عورته فضحه ولو في قعر بيته.
خطب رسول الله في عرفات فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزا منيعا ظاهر حتى يملك اثنا عشر، كلهم من قريش.
وخطب رسول الله: فذكر الربا وعظم حرمته، ثم قال: وأربى الربا عرض الرجل المسلم ومن الخطب المهمة: خطبته في آخر جمعة من شهر شعبان حول شهر رمضان: بأن الشهر من حيث المجموع أفضل ومن حيث التفاصيل أيضا (وساعاته أفضل الساعات)، وكيفية هذه الضيافة: أنفاسكم فيه تسبيح، ودعاؤكم فيه مستجاب.
(يا أيها الناس إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم) وأشار الى ما يعني إفطار الصائم: أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه فقيل يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك فقال صلى الله عليه وآله: اتقوا النار ولو بشق تمرة اتقوا النار ولو بشربة من ماء.
وأشار الى أن حسن الخلق طريق للجنة: من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازا على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عنه حسابه ومن كف فيه شره كف الله فيه غضبه
فهذه دعوة لمراجعة خطب النبي صلى الله عليه وآله والتمعن فيها والتعرف على كنوزها فنحن بحاجة ماسة الى مراجعة ديننا من خلال ارشادات نبينا الأكرم، نبي إسلامنا.

في جهود النبي (صلى الله عليه وآله) لصالح الإسلام الحق
من الظاهر أن رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) لا تختص بالدعوة والتبليغ بالإسلام بكيانه العام الجامع بين الفرق المختلفة، والتي يكفًر بعضها بعضا أو يحكم بضلاله، والذي انتهى إلى ما هو عليه اليوم من وضع مأساوي.
[اشترك]
بل تختص رسالته بالإسلام الحق، والفرقة الناجية المنحصرة بخط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وبالإسلام المذكور تنحصر السعادة في الدنيا، والفوز بالثواب والأمن من العقاب في الآخرة.
وعليه لا يكون المعيار في مدى نجاحه (صلى الله عليه وآله) في قيام المجتمع الإسلامي بكيانه العام بل نجاحه في قيام الإسلام الحق.
ومن هنا قد يأتي التساؤل عن دور النبي (صلى الله عليه وآله) في إظهار الحقيقة، وفي الحفاظ على جوهر الإسلام القويم، وعما صنعه على الأرض في سبيل ذلك.
توهم فشل النبي (صلى الله عليه وآله) في مشروعه
بل قد يتوهم بعض الناس فشله (صلى الله عليه وآله) -ولو نسبيا- في ذلك، حيث لم يتفاعل عامة المسلمين معه في عصره، ولم يستطع إصلاحهم، بحيث ينهضون بحمل الدعوة بواقعها وصفائها.
فكانت الغلبة للمنحرفين والمنافقين، مما أدى إلى انحراف مسار السلطة في الإسلام من بعده (صلى الله عليه وآله)، لعجزه عن إقناع المسلمين، بحيث يتأثرون بحديثه وسريته ويتفاعلون معه تشريعاً وسلوكا، ويتمسكون بتعاليم الإسلام، ويتأدبون بآدابه.
توهم ضعف إدارة النبي (صلى الله عليه وآله)
كما قد يصل الأمر إلى توهم ضعف إدارته (صلى الله عليه وآله)، وفقده السيطرة على المسلمين، بتغاضيه عن مواقف المنافقين، واهتمامه بكثرة المسلمين كيف كانوا، وعدم أخذه بالحزم والاحتياط في الأمور، حتى تسنى للمنافقين ما أرادوا، وانهار مشروعه بواقعه المشرف، حتى كاد يقضى عليه من بعده، لولا جهود أهل بيته (عليهم السلام) وخاصة أصحابه (رضوان الله تعالى عليهم).
وغاية ما استطاعوا -بسبب الانحراف الذي حصل- أن أقاموا لدعوة الحق أمة مغلوبة على أمرها، والكثرة الكاثرة من المسلمين على خالفها، قد رضوا بالإسلام المحرّف الخاضع للسلطة، والجاري على ما تريد في السلوك والتشريع، والتي انتهت أخيراً بالتخلي رسميا عن تبني الإسلام كنظام حاكم.
بل أغرق كثير منهم في الإرهاب والوحشية، بنحو يعكس صورة سيئة عن الإسلام القويم ونبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) -تشريعاً وسلوكا- يستغلها أعداؤها، كما نراه هذه الأيام.
بل سبق أن حصل ذلك في فترات متعاقبة من تاريخ الإسلام الطويل، كما في بعض فرق الخوارج، وثورة صاحب الزنج، وفرقة القرامطة، وغيرها، على ما أشرنا إليه آنفا.
التشنيع على الشيعة في دعوى انحراف السلطة
وربما يتغاضى بعض المتعصبين عن أدلة الإمامة المحكمة، وعن الواقع التاريخي المؤسف لكثير من الصحابة، وعن حال المسلمين المزري نتيجة انحراف السلطة في الإسلام، ثم يغرق في التشنيع على الطائفة المحقة التي تتبنى خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتدعي انحراف مسار السلطة في الإسلام، وخفاء الإسلام الحق على جمهور المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وخروجهم عن كثير من تعاليمه (صلى الله عليه وآله).
وذلك بدعوى: أن ذلك طعن في شخصه (صلى الله عليه وآله) الكريم وتوهين له، حيث لم يستطع بعد جهوده المكثفة في تلك المدة الطويلة أن يصلح جماعة معتدا بها من أتباعه، تصلح لحمل دعوته القويمة بصفائها ونقائها، والمحافظة عليها، وتبليغها الأجيال اللاحقة.
بل لم يثبت على الحق في ذلك الوقت إلا قلة قليلة لا تتجاوز عدد الأصابع، ولا تستطيع الوقوف أمام الكثرة الكاثرة التي خفيت عليها تعاليم الإسلام القويم بحقيقتها الصافية، وانحرفت عنها.
رد الدعاوى المذكورة
والحديث في التعقيب على ذلك ودفع هذه الشبهات، وإيضاح موقف النبي (صلى الله عليه وآله) ومدى جهوده ونجاحه في مشروعه، يحتاج إلى جهد قد لا ننهض به، ولا نؤدي حقه المناسب في هذه العجالة.
غير أننا نحاول أن نؤدي ما يتيسر لنا بيانه هنا من ذلك بعد الاتكال على الله تعالى، وطلب العون والتسديد منه جل شأنه، وذلك ببيان أمور:
الوظيفة الأهم للنبي (صلى الله عليه وآله)
الأول: أن الأوهام المذكورة ناشئة عن عدم تحديد الأولويات في وظيفة النبي (صلى الله عليه وآله) الشرعية، حيث سبق في مقدمة هذا البحث بتفصيل أن أول وظائفه وأهمها -كما هو حال سائر الأنبياء (عليهم السلام)- ليس هو إصلاح الناس واهتدائهم، بحيث يتقبلون تعاليم الدين، ويتمسكون بها ويحافظون عليها، ولا يخرجون عنها، بل هو تبليغ الناس بما عليهم وإيضاح معالم دينهم، وبيان أحكام الله تعالى وما فرضه عليهم عقيدة وعمال، وإقامة الحجة عليهم في جميع ذلك، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد سبق أن من المعلوم -من الكتاب المجيد والسنة والشريفة- قلة المهتدين والمؤمنين.
ومع ذلك كله بقي النبي (صلى الله عليه وآله) مصمما على المضي في أداء وظيفته وتبليغ رسالته مهام كلفه ذلك من ثمن، ومهام كانت النتائج على أرض الواقع، نتيجة تقصير الناس أنفسهم، والسلبيات الكثيرة في المجتمع الإسلامي الذي كان يعمل معه (صلى الله عليه وآله)، من دون تقصير منه (صلى الله عليه وآله) في التبليغ وأداء الوظيفة.
حتـى إنـه (صلى الله عليه وآله) قـال ـ كما في حديـث العربـاض بـن سـارية ـ:
«قـد تركتكـم على البيضـاء ليلهـا كنهارهـا، لا يزيـغ بعـدي عنهـا إلا هالـك...» (1).
مشيراً إلى وضـوح الإسلام الـحق نتيجـة جهـوده (صلى الله عليه وآله) في التبليـغ، بحيـث لا تحجبه الشـبهات، والفتـن التـي هـي كقطـع الليـل المظلم، ومحاولات التعتيـم والتضليـل مهما كانـت.
وقال الله عزوجل: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (2).
فإنه صريح في أن ما حصل من خلاف في اليوم الأول من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وما حصل بعد ذلك ويحصل، كله بعد البينة ووضوح الحجة، حيث يكون أحد الطرفين بمنزلة الكافر الذي يسود وجهه يوم القيامة، ولا يعذر في موقفه، وإن انتحل الإسلام، وانتسب له.
كما تضمنته كثير من الآيات الشريفة في حق الأمم السابقة. قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد) (3).
ما يقتضيه كون الإسلام خاتم الأديان
الثاني: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمتاز عن بقية الأنبياء (عليهم السلام) بأن دينه خاتم الأديان وشريعته خاتمة الشرائع، فلابد من أن يكون التبليغ بها بواقعها المشرف بحيث يصل إلى الناس كلهم مهما امتد بهم الزمن وتعاقبت الأجيال، بحيث يؤمن عليها من الضياع، لوضوح حجتها وإن تغاضى فيها من تغاضى، أو كابر في إنكارها من أنكر.
وقد حصل ذلك منه (صلى الله عليه وآله) فعلاً بوجه لافت للنظر، كما يتضح بأدنى نظرة موضوعية في أدلة مذهب أهل البيت (صلوات الله عليهم) وحججه.
ويتجلى ذلك حين نرى المستبصرين -مهما امتد بهم الزمن وتعاقبت الأجيال- يفاجأون بوضوح الحقيقة، وقوة أدلتها، بل قد يشعرون بالغبن والغباء لغفلتهم عنها قبل استبصارهم.
كما أنهم يدركون إجرام علماء السوء وغيرهم ممن كان يحاول التعتيم عليها، وإغفال عامة المسلمين عنها، وتشويه واقعها، بحيث ينصرفون عن التعرف عليها وعن النظر في أدلتها.
ولذا يتميز شيعة أهل البيت (أعزهم الله تعالى) عن غيرهم بالانفتاح والدعوة للنظر في الأدلة والبحث عن الحقيقة بموضوعية وإنصاف، بعيدا عن التعصب.
بينما يجِّد الآخرون في الانغلاق، والنهي عن الفحص، والتحذير من التعرف على الشيعة والاطلاع على واقع دعوتهم، فضلا عن النظر في أدلتهم وثقافتهم، كل ذلك لثقة الشيعة بأنفسهم وقوة أدلتهم، بخلاف الآخرين.
ولم يحصل ذلك إلا بسبب جهود النبي (صلى الله عليه وآله) المكثفة في التبليغ، وبعد نظره للمستقبل، وإحكام تخطيطه له، ولو بتسديد الله عز وجل له في ذلك.
الهوامش:
(1) مسند أحمد ج:٤ ص: ١٢٦ حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم، واللفظ له. تفســر القرطبي ج:٧ ص:١٣٨. ســنن ابن ماجة ج:١ ص:١٥ باب اتباع ســنة الخلفاء الراشــدين المهديين. المستدرك على الصحيحين ج:١ ص: ١٧٥ كتاب العلم. المجازات النبوية، ص:٤٤٢. وغيرها من المصادر.
(2) سورة آل عمران الآية: ١٠٥-١٠٧.
(3) سورة البقرة الآية: ٢٥٣.
* المصدر: خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، ص149-155.

الأمر المسلم به أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يدفن إلا بعد ثلاث أيام، ومن الواضح عند الجميع أن السبب في ذلك هو انشغال الصحابة بأمر خلافته، حيث كان اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة يوم الاثنين وهو ذاته اليوم الذي انتقل فيه الرسول إلى الرفيق الأعلى، ولم يلتفتوا لموضوع الدفن إلا بعد أخذ البيعة لأبي بكر من عامة المسلمين يوم الثلاثاء وبالتالي لم يدفن الرسول إلا مساء يوم الأربعاء.
[اشترك]
ومع وضوح الحيثيات التاريخية والملابسات التي رافقت دفن الرسول الأكرم (صل الله عليه وآله) إلا أن هناك محاولات لتبرير هذا الفعل غير اللائق من قبل مدرسة الخلفاء، حيث كان كل ما يشغلهم هو إيجاد الاعذار لفعل الصحابة، يقول الدكتور محمود محمد: (ومن تتبع السيرة نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم، قد انشغلوا عن تجهيز الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودفنه بمسألة مهمة، ألا وهي تنصيب خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد ورد عنهم أنهم (كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة).. ثم يقول: ونحن إذ نذكر هذه المسألة لا نريد بها انتقاد الصحابة الكرام البتة، معاذ الله، بل لنظهر أهمية القضية التي دفعتهم للتصرف على هذا النحو) وهذا غير مقبول وبخاصة أنه لا يتفق مع النسق الفكري لأهل السنة، فإذا كان موضوع تعين خليفة بعد رسول الله (ص) بهذا المقدار من الأهمية حيث يجعل الصحابة يتنافسون في خلافته في سقيفة بني ساعدة حتى ذهلوا عن واجبهم اتجاه دفن رسول الله (ص) فلماذا لم يلتفت رسول الله لهذا الأمر ويقوم بتعيين من يكون خليفته من بعده؟ وعليه فإن النظرة الموضوعية والتحليل التاريخي بشكل محايد يقود حتماً إلى أن ما قام به بعض الصحابة هو مخالفة واضحة لأمر الرسول بتنصيب الإمام علي (عليه السلام)، وبالتالي فإن السقيفة لم تكن إلا عنواناً للانقلاب على خط الإمامة وارتداد على أهل البيت (عليهم السلام)، حيث بدأت بوادر الانقلاب عندما سارع الأنصار للاجتماع في السقيفة - وهي مظلة مصنوعة من جريد النخيل يستظل بها الزراع والرعاة خارج المنطقة السكنية للمدينة المنورة - الأمر الذي يدعونا للتساؤل عن اختيار هذا المنطقة النائية والبعيدة عن أعين الناس في حين إنَّ المسجد النبوي يعد المكان المناسب لمثل هذه الاجتماعات، كما أنَّ السقيفة مهما اتسعت لا تتسع لأعداد كبيرة؛ لأنها غير معدة لمثل هذا الحدث الجلل، مما يعني أنَّ وقوعها كان معد له سلفاً وقد تم اختيار الحضور بعناية ولم يترك الأمر للصدفة ولم يفتح الباب لجميع الأنصار، الأمر الذي يؤكد أنَّ الزعامة السياسية بعد رسول الله كانت تمثل هاجسا عند زعماء الأنصار مما جعل كبراؤهم يبادرون لهذا الاجتماع ورسول الله مسجى لم يدفن بعد، واختيار هذا الزمان وهو يوم وفاة رسول الله الذي يمثل الحدث العظيم الذي من المفترض أن يهز كيان المجتمع، يؤكد وجود نية مبيّتة تعمل على اغتنام الفرصة وأبعاد المهاجرين عن المنافسة.
وإذا اكتمل للأنصار ما خططوا له، لتغير مسار الرسالة وكان المسلمون اليوم يمجدون سعد بن عبادة ومن بعده الحباب بن المنذر وبشير بن سعد وغيرهم من الأنصار بوصفهم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمر الذي يؤكد أنَّ ما عليه المسلمين اليوم من اعتقاد في الخلفاء ليس أكثر من نتاج لفشل محاولة الأنصار الانقلابية من أجل زعامة المسلمين.
ولكن لم تسيّر الرياح بما يشتهي الأنصار فسرعان ما اكتشف أبو بكر وعمر أمرهم وأخبروا معهم أبو عبيدة بن الجراح. وكيف اكتشف هؤلاء أمرهم دون غيرهم لا نعلم؟ ومن المفترض أنَّ هؤلاء آخر من يسمع بهذا الاجتماع بحسب ما نقل التاريخ من قربهم من رسول الله وشديد التصاقهم به، فكيف جاز لهم مفارقته وهو قد فارق الدنيا لتوه، وقد انقلب الوضع في المدينة رأساً على عقب بين باكٍ ومفجوعٍ ومصدومٍ، وقد اجتمع الناس حول داره الشريف، فكل الظروف تحكم بنجاح اجتماع الأنصار واستحالة كشفه حتى من الرعاة والزراع خارج المدينة ناهيك بإن يكشف أمرهم أبو بكر وعمر، الأمر الذي يقودنا الى وضع عشرات الأسئلة التي لها علاقة بمطامع البعض بخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كان الجميع يتوقع وفاة رسول الله وكانوا يتطلعون جميعاً لخلافته، ولو لم يحس الأنصار بطمع المهاجرين في الخلافة لما بادروا للاجتماع للوقوف ضد مطامع المهاجرين، وما نقله لنا التاريخ هو اجتماع الأنصار ولم ينقل لنا اجتماع تمهيدي للمهاجرين ومع ذلك لا يستبعد أن يكون بعض المهاجرين قد عزموا أمرهم باستلام السلطة بعد رسول الله، الأمر الذي جعل الأنصار يبادرون للاجتماع في السقيفة، ومن الواضح أنَّ الأنصار لم يكونوا بعيدين عن مراقبة المهاجرين ولذلك ما أن سمعوا باجتماعهم حتى سارعوا لإفشاله، وإذا ربطنا بين هذا النزاع الذي حدث في السقيفة وبين حرص رسول الله على إنفاذ جيش أسامة وتأكيده على ذلك، ومن ثم مخالفة أمره الصريح في إحضار كتفاً ودواة ليكتب لهم ما يمنعهم من الاختلاف، نتحصل على نتيجة مفادها إنَّ إنفاذ جيش أسامة وكتابة الوصية كلها كانت من أجل تحديد من يتولى الخلافة بعد رسول الله لقطع هذا النزاع، وقد علم بعض الصحابة بذلك ولذا عملوا بشتى السبل لمنع رسول الله من ذلك، ولذا ما إن مات رسول الله وقبل دفنه، وقع هذا النزاع حول السلطة مما تسبب في تأخير دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

لقد واجه النبي الأكرم (ص) طوال فترة الدعوة، ابتداء من نزول الوحي عليه في جبل حراء الى انتشار الدعوة في أرجاء الجزيرة العربية في نهاية عمره الشريف، أطيافا اجتماعية كانت لها سماتها المؤثرة على مسار الدعوة وهي:
[اشترك]
أهل مكة: وهؤلاء ـ بالسواد الاعظم ـ قد أبدوا الممانعة بالغة الأثر حيال دعوة النبي (ص) وحشدوا الغالي والنفيس في سبيل القضاء على الدعوة الإسلامية، كما هو ثابت في التاريخ، وقد كانت تلك الممانعة لأسباب عدة أهمها:
ـ طبيعة مكة الصحراوية بتأثير ذلك على نفسية ابنائها حيث تجعل لهم روح شرسة صلبة لا تعنى بالأبعاد الروحية والخطاب المثالي في الحياة.
ـ شيوع التجارة كمهنة أساس لأبناء مكة، وما يعني ذلك من تغلغل لروح النفعية في نفوسهم، وحساب الأمور حساب الربح والخسارة المادية، ولاشك أن القيم التي تبناها الإسلام كانت ذات مسار بعيد عن هكذا حسابات.
ـ تولي الأمويين ـ سادة قريش والطبقة الأولى فيها ـ قيادة الجبهة المعادية للإسلام، انطلاقا من روح العداء للبيت الهاشمي والمنافسة له، حيث أن الأمويين طالما كانوا على سعي دائم للّحاق بالمجد الهاشمي والتفوق عليهم، وظهور الاسلام بما فيه من نبوة خاتمة تقمصها رجل من بني هاشم، سيعد فضلا عالمياً لا يدرك يحسب لبني هاشم، بمعنى أن روح القبلية الجاهلية المتغلغلة لدى الأمويين قد دفعتهم لقيادة الحرب على الإسلام ودعوته.
أهل الطائف: مما يحدثنا عنه التاريخ أن النبي الاكرم (ص) قد ذهب الى الطائف لنشر الإسلام فيها بعد يأسه من استجابة أهل مكة، غير أنه قوبل فيها بصد وامتناع كبيرين، وذلك بسبب أن العديد من سادة قريش كانوا يملكون بساتين وأراضٍ في الطائف وكان الأهالي يعملون لديهم، وحتى السادة فيها لم يكونوا على استعداد لمواجهة قريش والإسلام وقتها دعوة ضعيفة لا يمكن التعويل على مستقبلها.
أهل المدينة: وهؤلاء استجابوا لدعوة النبي (ص) لأسباب هي:
ـ كانوا على تماس مع اليهود وقد سمعوا منهم أخبار التبشير بنبي سيظهر وعرفوا منهم علاماته، فلما التقوا النبي محمد (ص) وجدوا تلك العلامات متواجدة فيه (ص).
ـ أهالي المدينة كانوا يمتهنون الزراعة، وهذه المهنة بدورها تغرس بدورها البساطة والطيبة في النفس، لذا كانوا على استعداد لتقبل دعوة الإسلام التي تتبنى المناحي الروحية والقيم المثالية.
ـ العداء الطاحن الذي طالما استمر بين الاوس والخزرج والذي وصل الى حالة صار يبحث بسببها الطرفان عن وسيلة للخلاص، وهذا ما تثمل بمجيء النبي الأكرم (ص) اليهم حيث يجمعهم تحت لواءه قوة موحدة.
الأعراب سكان البادية: وهم السواد الأعظم من سكان الجزيرة، وهؤلاء بطبيعتهم البدوية التي لا تنظر إلا الى القوة كمعيار للإتّباع، لهذا كان تعاملهم مع الدعوة الإسلامية أن طووا عنها كشحا اثناء مسيرها ككتلة ضعيفة إزاء قريش وقوتها، وآمنوا وأذعنوا الى النبي (ص) بعد انتصاره الساحق على قريش وبسط نفوذه في الجزيرة، ثم تراهم انقلبوا وارتدوا بعد وفاة النبي (ص) حيث أن الوفاة كانت مؤشر ضعف بالنسبة اليهم، وحين تغير التوجه الإسلامي الى تكوين قوى محاربة للفتوحات، بما في الفتوحات من غنم ومكسب، تحشدوا صفوفا متراصة في جيوش الدولة الإسلامية باسم الجهاد الاسلامي.

كانت المحصلة لجهوده (صلى الله عليه وآله) قبل الهجرة في مدة تقرب من عشر سنين هي:
[اشترك]
أولاً: مواجهة مجتمع قريش في مكة بإعلان دعوته الشريفة بشجاعة وإصرار، مع ما سبق من جهات مناقضتها لمفاهيمهم وثقافتهم السائدة منذ مدة طويلة، وللواقع المنظور في موازين القوى المادية.
وثانياً: إرباك المجتمع المكي وانشقاقه على نفسه، نتيجة تقبل جماعة كبيرة لدعوته واعتناقهم الإسلام، وهم منبثون فيهم على اختلاف بطونهم.
وثالثا: خروج الإسلام إلى الحبشة بهجرة من هاجر من المسلمين إليها واقتناع ملكها به في الجملة، بحيث خابت قريش في محاولتها استرجاع المسلمين، وهو مؤشر على قوة الإسلام، كما سبق.
ورابعاً: تهيئة المسلمين للثبات والصبر على الأذى في سبيل دينهم وعقيدتهم، من دون أن يتعجّلوا بردود فعل مضادة، قد تشوه صورتهم وتضخم من قبل المشركين، بحيث تغفل الناس عن ظلامتهم وعن عدوان المشركين عليهم.
وروي أن جماعة من المسلمين ممن لقوا الأذى من قريش استأذنوا النبي (صلى الله عليه وآله) في قتالهم، فأبى عليهم، وبه نزل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (1).
قال الشيخ الطبرسي (قدس سره): «قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص. كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فإنهم قد آذونا، فلما أمروا بالقتال وبالمسير إلى بدر شق على بعضهم، فنزلت هذه الآية» (2).
وخامسا: إقناع الأنصار بدعوته (صلى الله عليه وآله) الشريفة، ثم تبنيهم لها بعد أن
أيس (صلى الله عليه وآله) من إقناع قريش ـ كجماعة موحدة متماسكة لها هيبتها ـ بها.
تبني الأنصار الدعوة مع شعورهم بفداحة الثمن.
كل ذلك مع شعور الأنصار بفداحة الثمن الذي يتعرضون لدفعه، حتى قال لهم العباس بن نضلة الأنصاري عند بيعة العقبة الثانية:
«يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبةً وأشرافكم قتال أسلمتموه، فمن الآن. فهو والله خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة» قالوا: «فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله؟» قال: «الجنة».
وذكر اليعقوبي أن بيعة الأنصار تمت على أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم، وعلى أن يحاربوا معه الأسود والأحمر، وأن ينصروه على القريب والبعيد، وشرط (صلى الله عليه وآله) لهم الوفاء بذلك والجنة» (3).
وذكر الشيخ الطبرسي (قدس سره) أنها تمت على أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم، قالوا: فما لنا بذلك؟ قال: الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا (4).
الهوامش:
(1) سورة النساء الآية: ٧٧.
(2) مجمع البيان في تفســر القرآن ج:3 ص:134 في تفسري الآية الشريفة، واللفظ له. مرآة العقول في رشح أخبار آل الرســول ج:26 ص:456. التفسير الكبري للطبراني ج:2 ص:263. السرية الحلبية ج:2 ص:341. تفسري الثعلبي ج:3 ص:341. وغريها من المصادر.
(3) الكامــل في التاريخ ج:2 ص:99-100 ذكر بيعة العقبة الثانية، واللفظ له. أســد الغابة ج:3
ص:108-109 في ترجمة العباس بن عبادة بن نضلة. تاريخ الطربي ج:2 ص:93. المنتظم في تاريــخ الأمم والملوك ج:3 ص:37 ذكر الحوادث التي كانت في ســنة ثالث عرشة من النبوة:
ذكــر العقبة الثانية. دلائل النبوة ج:2 ص:450 باب ذكر العقبة الثانية. وباختصار في الإصابة
في معرفة الصحابة ج:3 ص:511 في ترجمة العباس بن عبادة بن نضلة.
(4) تاريخ اليعقوبي ج:٢ ص:٣٨ عند الكلام في قدوم الأنصار مكة.
(5) إعلام الورى بأعلام الهدى ج:١ ص:١٤٢ في الفصل الســابع في ذكر عرض رســول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه على قبائل العرب...
المصدر: خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، ص52-55.