تاريخ
فقهاء شيعة شغلوا منصب ’المرجعية العليا’.. تعرّف عليهم
المرجعية العليا بمعنى اتساع رقعة المقلدين لها وكثرتهم في البلدان المختلفة، من الأمور الحادثة قبل قرن من الزمن تقريباً، فإنّه قبل زمان الشيخ مرتضى الأنصاري ـ الذي كان مرجع الطائفة في زمانه ـ كان يرجع عامة الشيعة في التقليد إلى مَن عندهم من العلماء، ويرسلون الحقوق والوجوه إليهم، فربّما يجتمع في زمان واحد مجموعة من العلماء، وتكون المرجعية لكلّ واحد منهم في بلدانهم.

[اشترك]

فحينما كانت المرجعية العليا بالنجف للشيخ كاشف الغطاء وبعده لبعض أنجاله ثم لصاحب الجواهر، كان عامة الناس في كربلاء يرجعون للسيد علي الطباطبائي صاحب الرياض، وفي كاشان للمحقق النراقي، وفي قم للميرزا القمي، وفي أصفهان للسيد محمد باقر الأصفهاني، وهكذا.

إلى أن وصلت المرجعية بالنجف للشيخ مرتضى الأنصاري ـ بعد صاحب الجواهر ـ، فصارت ترجع عامة الشيعة بالبلدان المختلفة إليه، قال السيد حسن الصدر في [تكملة أمل الآمل ج6 ص44] في ترجمة الشيخ الأنصاري: « وبسببه فتح على علماء العتبات أمران عظيمان، أحدهما: رجوع عامّة الشيعة في التقليد إلى علماء العتبات، وهذا لم يكن قبل الشيخ، كانوا يقلّدون مَن عندهم من الفقهاء. والثاني: إرسال الوجوه والحقوق إلى العلماء المراجع في العراق، وهذا أيضاً لم يكن قبل الشيخ ».

فالمرجعية العليا ـ حقيقة واصطلاحاً ـ لم تكن بذاك الوضوح قبل الشيخ الأنصاري، وأمّا في زمن الشيخ الأنصاري ومَن بعده إلى هذا الزمان فالأمر بغاية الوضوح، وهذا تسلسلهم:

الشيخ مرتضى الأنصاري، ثم الميرزا محمد حسن الشيرازي، ثم الشيخ محمد كاظم الهروي الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي، ثم السيد أبو الحسن الأصفهاني، ثم السيد حسين البروجردي، ثم السيد محسن الحكيم، ثم السيد أبو القاسم الخوئي، ثم السيد عبد الأعلى السبزواري (قدست أسرارهم)، ثم السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف).

ويمتاز التشيّع بأنّه حافل بالكثير من الفقهاء الماهرين منذ زمن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) وإلى هذا الزمان، فلم ينقطع عنهم العلم في فترة من الفترات، فالعلم عند علمائنا مأخوذ بالشفاه والتلقي الشفهي عمّن سبقهم كما هو مأخوذ ومتلقى من الكتب أيضاً، فلم ينقطع عنا العلم في برهة زمنية واحدة، بل في كل عصر يوجد علماء كثيرون، وسنذكر في المقام جملة من تلك الأسماء اللامعة في سماء الفقه والفقاهة منذ زمن الغيبة الكبرى ـ التي بدأت بوفاة السفير الرابع سنة 329 هـ ـ إلى العصر الحاضر، ولا نقصد بذلك الحصر:

القرن الرابع:

1ـ الشيخ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد القميّ.

2ـ الشيخ الحسن ابن أبي عقيل العمانيّ.

3ـ الشيخ جعفر بن محمد ابن قولويه القميّ.

4ـ الشيخ محمّد بن علي بن داود القميّ.

5ـ الشيخ محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافيّ.

6ـ الشيخ محمّد بن علي بن موسى بن بابويه القميّ، المعروف بالشيخ الصدوق.

القرن الخامس:

1ـ الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد.

2ـ السيد علي بن الحسين بن موسى الموسوي، المعروف بالشريف المرتضى.

3ـ الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بشيخ الطائفة.

4ـ الشيخ أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي، المعروف بسالار أو سلار.

5ـ الشيخ أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الحلبي.

6ـ الشيخ عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز الطرابلسي، المعروف بابن البراج.

7ـ الشيخ محمد بن علي بن عثمان الكراجكي.

8ـ الشيخ أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، ابن شيخ الطائفة.

القرن السادس:

1- السيّد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبيّ.

2ـ الشيخ محمد بن منصور بن أحمد الحليّ، المعروف بابن إدريس.

3ـ الشيخ يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي الحليّ، المعروف بابن بطريق.

4ـ الشيخ أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسيّ.

5ـ الشيخ عماد الدين محمد بن علي الطوسي، المعروف بابن حمزة.

6ـ الشيخ أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبيّ.

7ـ الشيخ قطب الدين محمد بن الحسن البيهقي الكيدريّ.

8ـ الشيخ قطب الدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي.

9ـ الشيخ محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندرانيّ.

القرن السابع:

1ـ السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر بن طاوس الحليّ.

2ـ السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحليّ.

3ـ السيّد غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن موسى ابن طاوس الحليّ.

4ـ السيد شمس الدين فخار بن معد بن فخار الموسوي الحائريّ.

5ـ الشيخ نجيب الدين محمّد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحليّ

6ـ الشيخ جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحليّ

7ـ الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحليّ، المعروف بالمحقّق الحليّ.

8ـ الشيخ يحيى بن أحمد بن سعيد الحليّ، صاحب الجامع للشرائع.

9ـ الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن مطهر الحليّ، والد العلّامة الحليّ.

10ـ الشيخ عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي، المعروف بالفاضل الآبي.

11ـ الشيخ عماد الدين الحسن بن علي بن محمد الطبري، المعروف بالعماد الطبريّ.

القرن الثامن:

1ـ السيد عميد الدين عبد المطلب بن محمد بن علي الأعرج الحسيني.

2ـ السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن علي الأعرج الحسيني.

3ـ السيد مهنا بن سنان بن عبد الوهاب المدنيّ، صاحب المسائل المهنائية.

4ـ الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحليّ، المعروف بابن داود.

5ـ الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحليّ، المعروف بالعلامة الحليّ.

6ـ الشيخ فخر الملة محمد بن الحسن بن يوسف ابن المطهر الحليّ، المعروف بفخر المحققين.

7ـ الشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي.

8ـ الشيخ محمد بن مكي العامليّ، المعروف بالشهيد الأول.

9ـ الشيخ عبد الله بن سعيد بن المتوج البحرانيّ.

القرن التاسع:

1ـ الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد الله بن سعيد بن المتوج البحرانيّ.

2ـ الشيخ جمال الدين المقداد بن عبد الله بن محمد السيوري الحليّ، المعروف بالفاضل المقداد.

3ـ الشيخ جمال الدين أحمد بن فهد الأسدي الحليّ، المعروف بابن فهد الحلي.

4ـ الشيخ مفلح بن حسن بن رشيد بن صالح الصيمري.

5ـ الشيخ الحسن بن محمد بن الحسن الاسترآبادي النجفيّ.

6ـ الشيخ محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي.

القرن العاشر:

1ـ الشيخ الحسن بن مفلح بن حسن الصيمري.

2ـ الشيخ الحسن بن جعفر بن الحسن الأعرج الحسيني.

3ـ الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن ابن عبد العالي العاملي الكركي، المعروف بالمحقق الكركي.

4ـ الشيخ عبد العالي بن نور الدين علي ابن عبد العالي العاملي الكركي.

5ـ الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي النجفيّ، المعروف بالفاضل القطيفي.

6ـ الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، المعروف بالشهيد الثاني.

7ـ الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي، والد الشيخ البهائي.

8ـ الشيخ علي بن الحسين بن محمد الجزيني العاملي، المعروف بالصائغ.

9ـ الشيخ أحمد بن محمد الأردبيلي النجفيّ، المعروف بالمحقق الأردبيلي.

القرن الحادي عشر:

1ـ الشيخ جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني، المعروف بصاحب المعالم.

2ـ السيد محمد بن علي بن الحسين الموسوي الجبعي العامليّ، المعروف بصاحب المدارك.

3ـ السيد نور الله بن شرف الدين الحسيني المرعشي التستري.

4ـ الشيخ عناية الله بن علي بن محمود القهبائي النجفي.

5ـ الشيخ عبد النبي بن سعد الجزائري النجفي.

6ـ الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي، المعروف بالشيخ البهائي.

7ـ الشيخ محمد جواد بن سعيد بن جواد الكاظمي الأصفهاني، المعروف بالفاضل الجواد.

8ـ الشيخ محمد تقي بن مقصود علي المجلسي، المعروف بالتقي المجلسي.

9ـ الشيخ محمد بن مرتضى بن محمود الكاشاني، المعروف بالفيض الكاشاني.

10ـ الشيخ عبد الله بن محمد التوني البشروي، المعروف بالفاضل التوني.

11ـ الشيخ الحسين بن جمال الدين محمد الخوانساري، المعروف بالمحقق الخوانساري.

12ـ الشيخ محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري، المعروف بالمحق السبزواري.

القرن الثاني عشر:

1ـ السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الكتكاني البحراني، المعروف بالمحدث البحراني.

2ـ السيد نعمة الله بن عبد الله الموسوي الجزائري.

3ـ الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد المشغري العاملي، المعروف بالحر العاملي.

4ـ الشيخ محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي المجسي، المعروف بالعلامة المجلسي.

5ـ الشيخ عبد الله بن صالح بن جمعة السماهيجي البحراني.

6ـ الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم ابن عصفور الدرازي البحراني.

7ـ الشيخ جمال الدين بن الحسين بن جمال الدين الخوانساري، المعروف بالآقا جمال الخوانساري.

9ـ الشيخ محمد جعفر بن عبد الله القاضي الأصفهاني، صاحب حاشية اللمعة.

10ـ الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسن الأصفهاني، المعروف بالفاضل الهندي.

القرن الثالث عشر:

1ـ الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني، المعروف بالوحيد البهبهاني.

2ـ الشيخ محمد علي بن محمد باقر البهبهاني، صاحب المقامع.

3ـ السيد محمد مهدي بحر العلوم، المعروف بالسيد بحر العلوم.

4ـ السيد محمد جواد العاملي، صاحب مفتاح الكرامة.

5ـ الشيخ جعفر بن خضر الجناجي النجفي، المعروف بكاشف الغطاء.

6ـ الشيخ علي بن جعفر بن خضر الجناجي النجفي.

7ـ الشيخ موسى بن جعفر بن خضر الجناجي النجفي.

8ـ الشيخ حسن بن جعفر بن خضر الجناجي النجفي.

9ـ الميرزا أبو القاسم القمي، صاحب القوانين.

10ـ السيد علي الطباطبائي، صاحب الرياض.

11ـ السيد محمد بن علي الطباطبائي، صاحب المناهل والمفاتيح.

12ـ الشيخ أسد الله التستري الكاظمي، صاحب المقابس.

13ـ السيد محمد القصير الخراساني

14ـ السيد محسن الأعرجي الكاظمي، صاحب المحصول.

15ـ الشيخ محمد شريف بن حسن علي الحائري، المعروف بشريف العلماء.

16ـ المولى أحمد النراقي، صاحب المستند.

17ـ الشيخ محمد تقي بن محمد رحيم الرازي الأصفهاني، صاحب حاشية المعالم.

18ـ السيد عبد الفتاح المراغي، صاحب العناوين.

19ـ السيد محمد باقر الشفتي الأصفهاني، المعروف بحجة الإسلام.

20ـ الشيخ محمد إبراهيم بن محمد حسن الخراساني، المعروف بالكلباسي.

21ـ السيد إبراهيم القزويني، صاحب الضوابط.

22ـ الشيخ محمد حسن بن محمد باقر النجفي الجواهري، صاحب الجواهر.

23ـ السيد صدر الدين محمد بن صالح العاملي الأصفهاني النجفي، المعروف بالسيد صدر الدين.

24ـ الشيخ محسن خنفر النجفي.

25ـ الشيخ خضر بن شلال العفكاوي النجفي.

26ـ الشيخ محسن الأعسم، صاحب مصابيح الظلام.

27ـ السيد عبد الله شبر الكاظمي، صاحب التصانيف الكثيرة.

28ـ الشيخ مرتضى بن محمد أمين الدزفولي التستري الأنصاري، المعروف بالشيخ الأنصاري.

القرن الرابع عشر:

1ـ السيد حسين بن محمد التبريزي الكوهكمري.

2ـ السيد ميرزا حسن الشيرازي، المعروف بالميرزا الشيرازي.

3ـ الشيخ الميرزا حبيب الله بن محمد علي الرشتي النجفي، المعروف بالمحقق الرشتي.

4ـ الشيخ محمد حسن بن جعفر الآشتياني الطهراني النجفي.

5ـ الشيخ محمد رضا بن محمد هادي الهمداني النجفي، المعروف بالآقا رضا الهمداني.

6ـ السيد محمد كاظم بن عبد العظيم اليزدي النجفي، صاحب العروة.

7ـ الشيخ محمد كاظم الهروي الخراساني النجفي، المعروف بالآخوند الخراساني.

8ـ الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني الغروي، المعروف بالشيخ النائيني.

9ـ السيد أبو الحسن الأصفهاني النجفي.

10ـ السيد حسين البروجردي.

11ـ الشيخ عبد الكريم الحائري.

12ـ السيد محسن الحكيم.

13ـ السيد يوسف بن محسن الحكيم.

14ـ السيد محمد هادي الميلاني.

15ـ السيد حسين القمي.

القرن الخامس عشر:

1ـ السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي.

2ـ الميرزا هاشم الآملي.

3ـ السيد روح الله الموسوي الخميني.

4ـ السيد محمد رضا الكلبايكاني.

5ـ السيد عبد الأعلى السبزواري.

6ـ السيد علي الحسيني السيستاني.

7ـ السيد محمد سعيد الحكيم.

8ـ الشيخ محمد إسحاق الفياض.

9ـ الشيخ حسين الوحيد الخراساني.

10ـ السيد محمد صادق الروحاني.

11ـ السيد محمد تقي القمي.

12ـ السيد موسى الشبيري الزنجاني.

13ـ الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني.

14ـ الميرزا جواد التبريزي.

15ـ السيد محمد الروحاني.

وغيرهم كثيرون.

2022/11/15

هل أنكر ’السيد الخوئي’ كسر ضلع الزهراء (ع)؟!
لقد أثار بعض المتحدثين مؤخراً سجالاً علمياً عندما ذكر أن السيد الخوئي (رحمه الله) كان لا يعتقد بتحقق فاجعة كسر الضلع في مصيبة الصديقة الزهراء (عليها السلام)، وذكر أن سبب عدم اعتقاده أنه لا توجد رواية كسر الضلع إلا في كتاب واحد وهو كتاب سليم، ولم يثبت عنده هذا الكتاب بطريق معتبر، ولهذا عبر (رحمه الله) عن القضية بأنها مشهورة، والمشهور ليس بحجة، وفي مقام التعليق على هذا الكلام أذكر نقاطاً:

[اشترك]

النقطة الأولى: الظلامة وطريقة التحقيق العقلائية

لا ينبغي الشك في أصل ظلامة فاطمة (عليها السلام)، كما لا ينبغي الشك في بعض تفاصيل الظلامة من قتلها، و كسر ضلعها، وإسقاط جنينها، و سوف أتحدث حول ظلامتها في أمور:

الأمر الأول: إن روايات العامة في الهجوم تفيد القطع بوقوعها فقد رواها ابن عقبة في مغازيه بأكثر من طريق إلى ابن عوف، وروى عنه جماعة كثيرة، منهم أبو الربيع الأندلسي، والطبري، ومحمد بن يوسف الشامي، وحسين بن محمد الدياربكري، والحاكم، وقال: صحيح بشرط الشيخين، و البيهقي، وأبو الفداء الشامي وقال: إسناده جيد وغيرهم، كما إن سعيد بن منصور قال فيه: إنه حديث حسن.

  ورواها أبو الحسن النوفلي، و الواقدي، ونصر بن مزاحم، وروى عنه ابن عبد ربه الأندلسي، وابن أبي الحديد، و الخطيب الخوارزمي والقلقشندي، وغيرهم.

  كما رووا تأسف الأول من كشف بيتها (عليها السلام)، وممن روى ذلك الحافظ بن عبيد، وسعيد بن منصور، واليعقوبي، والطبري، و الأندلسي، و الطبراني، و ابن عساكر، والضياء المقدسي، والذهبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم، ومما رواه البلاذري أن أبا بكر قال عن علي ائتني به بأعنف العُنْف. راجع أنساب الأشراف ج 1 ص 587 .

 نعم، حاول البعض التشكيك في السند، ولكن البحث ليس في صحة آحاد الروايات وإنما إفادة المجموع لليقين، ونقل القوم لها يفيد القطع بوقوعها؛ لأنها على خلاف مذهبهم، ولا يحتمل من عاقل أن يتعمد وضع ما على خلاف مذهبه، فهذه قرينة عقلائية على صحة الواقعة.

  ولوضوح وقوع الهجوم صرح بوقوعها المخالفون وممن صرح به:

1ـ ابن أبي دارم حيث نقل عنه الذهبي في ميزان الاعتدال أن الزهراء بسبب رفسة أسقطت بمحسن. راجع ج 1 ص 139 ونقل الشهرستاني في الملل والنحل مثله عن النظام المعتزلي .

2ـ قال ابن تيمية: نحن نعلم يقيناً أن أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى، بل ولا على سعد بن عبادة المتخلِّف عن بيعته أولاً وآخراً، وغاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء. منهاج السنة: ج 4ص343.

ويكفي الهجوم على دار من يريب رسول الله ويؤذيه ما يريبها ويؤذيها لاتخاذ موقف من المهاجمين.

الأمر الثاني: هو إن المطلوب في القضايا التاريخية يختلف باختلاف مطلوب الباحث في عملية البحث التاريخي، فتارة يريد الباحث تحصيل اليقين بحدث، وأخرى يريد الإثبات بالنحو الذي يعتمد عليه العقلاء، وهو تحصيل الاطمئنان وسكون النفس، فإن حصول اليقين في المعارف مختص ببعض القضايا، والأعم الأغلب من الناس في أغلب العلوم لا يملكون أكثر من الاطمئنان.

 كما أن غرض الباحث يحدد كيفية تعامله مع الشواهد التاريخية، فتارة يكون غرضه إثبات كل حدث باليقين أو الاطمئنان، و أخرى يكون غرضه إثبات قضية محددة بتحصيل التواتر المعنوي فيها، كما إذا كان غرضه أن يثبت شجاعة عنترة العبسي، وفي النحو الثاني يكون الباحث معنياً بحشد كل الشواهد ولو كانت ضعيفة في نفسها لكي يحصل بتراكب الاحتمال القطع أو الاطمئنان، وهذا جار في موضوع ظلامة فاطمة (عليها السلام)، فإن الشيعة تعتمد على مظلومية الزهراء (عليها السلام) لتحديد موقف من خلافة من تقدم على أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولا بد في سبيل ذلك من حشد الشواهد وجمع القرائن لإثبات أصل الظلامة، كما أن هدف الخطباء ترسيخ المظلومية بذكر كل شواهدها وما نقل فيها، لتكون راسخة مؤثرة في وجدان الناس، فيصعب التشكيك ورفع قناعة الناس فيها، ولهذا يكون التشكيك في الشواهد أمام العامة غير مستقيم ولا محمود النتائج، لأن بعض العامة لا يحسن البحث العلمي، و يتصور أن ضعف بعض الشواهد تاريخياً هو ضعف في أصل القضية، مع أنها حق وثابتة.

الأمر الثالث: إن من الخطأ أن يضعف الباحث مضمون رواية في حدث من أحداث ظلامة الزهراء (عليها السلام) بمجرد وقعوها في كتاب ضعيف عنده أو بسند ضعيف في كتب معتبر، بل لابد أن يلاحظ الباحث مضمون الرواية والشواهد الواردة فيه، فإن التحقيق التاريخي لتحصل الاطمئنان نظير التحقيق الجنائي حيث لا يهمل المحقق فيه خبر رجل مجهول، وإنما يعمل النظر بدراسة الظروف والملابسات، والشواهد المختلفة، و بعد ذلك ينتهي إلى حكم و يتخذ موقفاً، ولكي أقرب هذه الفكرة أذكر مثالاً من أحداث ظلامات مولاتنا (عليها السلام)، وهو ضربها:

1- فإن روايات الضرب متعددة في كتاب سليم ص 96، و تفسير العياشي ج2 ص 207، و الهداية الكبرى للخصيبي ص 407، و كامل الزيارات ص 332 و أمالي الشيخ الصدوق ص 115، و الاختصاص المنسوب إلى الشيخ المفيد ص 185، و الشافي للسيد المرتضى ج4 ص 115، و تلخيصه للشيخ الطوسي ج3 ص 156، وكامل البهائي ج1 ص 312 و المختصر للحلي كما نقل عنه في البحار ج31 ص 120.

2- وهذا المضمون وافق فيه بعض العامة، كالنظام وابن أبي دارم.

٣ـ وهذه النصوص مع وجودها في كتب قديمة معتضدة بمشهور ومعروف الشيعة في كسر الضلع، فقد وجه إلى السيد الخوئي (رحمه الله) هذا السؤال (سؤال 980: هل الروايات التي يذكرها خطباء المنبر، وبعض الكتاب عن كسر فلان لضلع السيدة فاطمة (عليها السلام) صحيحة برأيكم؟)، فأجاب بقوله: ذلك مشهور معروف، والله العالم).

4- وفي كسر الضلع عدة روايات كما في كتاب سليم ص 83، و أمالي الصدوق المجلس 24 ح 2 ص 99، و إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ص 625 وفيما نقله العلامة المجلسي ج 101 ص 44 .

5- كما إنها معتضدة بروايات الهجوم والتهديد بالحرق، وشدة طلب القوم للمنصب وعدم تحرجهم عن حرق آل الرسول (صلى الله عليه وآله).

6- وما ورد في حالهم و موقفهم من خصومهم كسعد بن عبادة، و قتلهم لبعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) كابن نويرة بمجرد منع الزكاة .

7- وما ورد في أنها (عليها السلام) مظلومة شهيدة، وكانت عليلة ومريضة، وأن مرضها بسبب الضرب وإسقاط الجنين كما في دلائل الإمامة ص 104 و134، حتى أن الإمام الجواد (عليه السلام) أطال الفكر وهو ابن أربع سنين فيما صنع بها (عليها السلام) كما البحار ج 50 ص 59 عن دلائل الإمامة، وهذا ما يدل على شناعة ما صنع بها.

وغير ذلك مما جمعه السيد الجليل مرتضى العاملي (رحمه الله) في (مأساة الزهراء عليها السلام) من شواهد، وقرائن في الشعر، و الأدب، والروايات، وكلمات الأعلام ، و تصريح المخالفين بذهاب الشيعة قاطبة إلى تحقق ضرب الزهراء (عليها السلام).

النقطة الثانية: وضوح نسبة الظلامة إلى الشيعة في الأزمنة المتقدمة، و بيان أحد معاني اصطلاح (المشهور).

من تتبع كتب المخالفين الذين تحدثوا عن موقف الشيعة من الأحداث الواقعة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يدرك أن من الواضح عندهم ذهاب الشيعة إلى ظلامة فاطمة (عليها السلام) الجسدية، فهذا هو القاضي عبد الجبار المعتزلي المعاصر للشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه تثبيت دلائل النبوة يقول: (وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، وأبي يتيم الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد اللّه محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن فلان قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته صلّى اللّه عليه وسلم وللشك في نبوته، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك). تثبيت دلائل النبوة، ج ٢، القاضي عبد الجبار الهمذاني، ص ٢٨٨ – 289.

 وذكر أن الشيعة قد ادعوا رواية رووها عن جعفر بن محمد (عليه السلام) وغيره: إن فلان ضرب فاطمة بالسوط. المغني للقاضي عبد الجبار: ج 20 ق 1 ص 335

وقال (...ومن جملة ما ذكروه من الطعن ادعاؤهم: أن فاطمة (عليها السلام) لغضبها على فلان وفلان أوصت أن لا يصليا عليها، وأن تدفن سراً منهما، فدفنت ليلاً وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد وغيره: أن فلان ضرب فاطمة بسوط، وضرب الزبير بالسيف. وذكروا: أن فلان قصد منزلها، وعلي، والزبير، والمقداد، وجماعة ممن تخلف عن أبي بكر يجتمعون هناك، فقال لها: ما أجد بعد أبيك أحب إلى منك. وأيم الله، لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك ليحرقن عليهم، فمنعت القوم من الاجتماع، ولم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر إلى غير ذلك من الروايات البعيدة.

الجواب: إنا لا نصدق بذلك...)، المغني للقاضي عبد الجبار: ج 20 ق 1 ص 335، وراجع: الشافي للسيد المرتضى: ج 4 ص 110.

وقد تحدث الأعلام في رد ما أثير حول ذلك من شبهات، فقال السيد المرتضى (رحمه الله) رداً على القاضي عبد الجبار الذي لم يستبعد التهديد بالخرق لعلة أخذ البيعة واستبعد الضرب (… وبعد، فلا فرق بين أن يهدد بالإحراق للعلة التي ذكرها، وبين ضرب فاطمة لمثل هذه العلة، فإن إحراق المنازل أعظم من ضربة بالسوط... فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربة سوط، وتكذيب ناقلها "الشافي: ج 4 ص 120.

وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله تعالى). " ومما أنكر عليه: ضربهم لفاطمة (عليها السلام)، وقد روي: أنهم ضربوها بالسياط، والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن فلان ضرب على بطنها حتى أسقطت، فسمي السقط (محسنا). والرواية بذلك مشهورة عندهم. وما أرادوا من إحراق البيت عليها - حين التجأ إليها قوم، وامتنعوا من بيعته. وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك، لأنا قد بينا الرواية الواردة من جهة العامة من طريق البلاذري وغيره، ورواية الشيعة مستفيضة به، لا يختلفون في ذلك. وليس لأحد أن يقول: إنه لو صح ذلك لم يكن طعناً، لأن للإمام أن يهدد من امتنع من بيعته إرادة للخلاف على المسلمين؛ وذلك: أنه لا يجوز أن يقوم عذر في إحراق الدار على فاطمة (عليها السلام) وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهما السلام). وهل في مثل ذلك عذر يسمع؟ وإنما يكون مخالفاً للمسلمين وخارقا لإجماعهم إذا كان الإجماع قد تقرر وثبت، وإنما يصح ذلك ويثبت متى كان أمير المؤمنين ومن قعد عن بيعته ممن انحاز إلى بيت فاطمة (ع) داخلاً فيه غير خارج عنه. وأي إجماع يصح مع خلاف أمير المؤمنين (عليه السلام) - وحده، فضلاً عن أن يبايعه على ذلك غيره؟ ومن قال هذا من الجبائي وغيره - بانت عداوته، وعصبيته، لأن قصة الاحراق جرت قبل مبايعة أمير المؤمنين (عليه السلام) والجماعة الذين كانوا معه في منزله، وهم إنما يدعون الإجماع - فيما بعد - لما بايع الممتنعون... فبان: أن الذي أنكرناه منكر ". تلخيص الشافي: ج 3 ص 156 و157.

  وقال عبد الجليل القزويني، في كتابه الذي رد فيه على كتاب "بعض فضائح الروافض "، ما ترجمته: "... يقولون: إن فلان ضرب على بطن فاطمة، وقتل جنينا في بطنها كان الرسول سماه محسناً...".

  فجوابه: ".. إن هذا الخبر صحيح. وقد نقله الشيعة وأهل السنة في كتبهم. ولكن قد روي عن المصطفى (صلى الله عليه و آله) قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، فإن كان قصد فلان هو أخذ علي للبيعة، ولم يقصد إسقاط الجنين، ولعل فلان لم يكن يعلم أن فاطمة كانت خلف الباب، فيكون قتله للجنين خطأ لا عن عمد. وحتى لو كان قد قتله عمداً، فإنه لم يكن معصوماً. والله هو الذي يحكم فيه، وليس لنا نحن ذلك، ولا يمكن أن يقال، أكثر من ذلك هنا. والله أعلم بأعمال عباده وبضمائرهم، وسرائرهم ".

وقال: " يقولون: إن فلان وفلان منعا فاطمة الزهراء من البكاء على أبيها الخ.." من كتاب النقض لعبد الجليل القزويني: ص 298.

وهذه القرائن كافية لإفادة الاطمئنان بوقوع مثل هذه الظلامات العظيمة، كالضرب، وكسر الضلع.

وإن المرء ليحصل له الاطمئنان بمثل إخبار مجهول بموت جاره مع سماع النائحة من بيت الجار و ازدحام الناس على بابه، مع قلة القرائن، فكيف في مثل ضرب الصديقة (عليها السلام) وكسر ضلعها مع تظافر الشواهد و تكثرها، و في ظل ثبوت مثل الضرب و كسر الضلع ينبغي قراءة الروايات الواردة في التفاصيل الأخرى، فإنها لو كانت ضعيفة سنداً تكون محفوفة بما يجعلها تفيد الاطمئنان أو ما يقرب منه أو عدم الظن بالوضع، وهي تساهم في زيادة أصل مظلومية الزهراء (عليها السلام) وضوحاً.

ونلاحظ في قول الشيخ الطوسي (رحمه الله): (والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن فلان ضرب على بطنها حتى أسقطت) أن اصطلاح المشهور في التاريخ لا يقابل القطعي الذي لا خلاف فيه، و أن أصل الظلامة لا خلاف فيه.

 وإطلاق  المشهور على الواضح القطعي مشهور معروف في كتب الأعلام، وليس هذا هو المورد الوحيد، ومن تتبع كلمات الأعلام يعلم بذلك، وسوف نذكر بعض الموارد في النقطة التالية.

النقطة الثالثة: وجّه إلى السيد الخوئي (رحمه الله) السؤال التالي (سؤال 980: هل الروايات التي يذكرها خطباء المنبر، وبعض الكتاب عن كسر فلان لضلع السيدة فاطمة (عليها السلام) صحيحة برأيكم؟)، فأجاب (رحمه الله) بقوله: (ذلك مشهور معروف، والله العالم)، وقد صار جوابه هذا سبب في التشكيك في ذهاب السيد الخوئي (رحمه الله) إلى تحقق ظلامة كسر الضلع، إذ لو كان رأيه على تحققها لقل بوقوعها، ولم ينسب ذلك إلى المشهور مع أنه لا يرى حجية الشهرة.

 وفي مقام التعليق على ذلك نقول:

أولاً: إن اصطلاح (المشهور) قد يقصد به الواضح الذي لا خلاف فيه، وقد استعمل كثيراً في هذا المعنى كما في رواية عمر ابن حنظلة: (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا ـ في ذلك الذي حكما به ـ المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لاريب فيه)، وفي مرفوعة زرارة بن أعين: (قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال (عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر)، وقد قال المحقق البحراني (رحمه الله): (الفائدة الثالثة عشرة: في إطلاق المشهور على المجمع عليه قد عبر في المقبولة المذكورة عن المجمع عليه بالمشهور، وهو لا يخلو بحسب الظاهر من نوع تدافع وقصور)، قم أخذ في ذكر وجوه لحل مشكلة التعبير عن المشهور بالمجمع عليه فقال: (أو بأن يقال بمرادفة المشهور للمجمع عليه، فإن تخصيص المشهور بهذا‌ المعنى المشهور- وهو ما قال به الأكثر والجمهور- لعله اصطلاح حادث. ولعل هذا أقرب الاحتمالات في المقام، كما يعطيه سياق الخبر...) الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، ج‌1، ص: 315‌.

وعلى هذا كان تعبير الشيخ الطوسي (رحمه الله) في قوله المتقدم: (والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن فلان ضرب على بطنها حتى أسقطت)، وعليه فلو كان السيد الخوئي (رحمه الله) قد عبر عن مصيبة كسر الضلع بالمشهور، فهذا لا يدل على إنكاره لها، مع احتمال إرادته الوضوح والجلاء والظهور بالنحو الذي أوجب عدم الخلاف عند الشيعة (أنار الله برهانهم).

وثانياً: إن السيد الخوئي (رحمه الله) لم يعبر بلفظ (المشهور) فقط، وإنما قال: (المشهور المعروف)، وهذ تعبير دارج بين العلماء يستعمل في الأمر الواضح المفيد للقطع أو الاطمئنان، ومن ذلك:

1- ما عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَتِ الصَّلَوَاتُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ- وَ لَمْ تُقَدَّمْ وَ لَمْ تُؤَخَّرْ لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ الْمَشْهُورَةَ الْمَعْلُومَةَ- الَّتِي تَعُمُّ أَهْلَ الْأَرْضِ فَيَعْرِفُهَا الْجَاهِلُ وَ الْعَالِمُ أَرْبَعَةٌ- غُرُوبُ الشَّمْسِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ تَجِبُ عِنْدَهُ- الْمَغْرِبُ الشَّفَقُ مَشْهُورٌ تَجِبُ عِنْدَهُ الْعِشَاءُ- وَ طُلُوعُ الْفَجْرِ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ تَجِبُ عِنْدَهُ الْغَدَاةُ- وَ زَوَالُ الشَّمْسِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ يَجِبُ عِنْدَهُ الظُّهْرُ- وَ لَمْ يَكُنْ لِلْعَصْرِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ- مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْأَرْبَعَةِ- فَجُعِلَ وَقْتُهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي قَبْلَهَا- وسائل الشيعة؛ ج‌4، ص: 159.

فالمشهور المعروف هنا بمعنى المشهور المعلوم.

2- قول السيد المرتضى (رحمه الله): (وفي رواية أخرى: «فلأولى رجل ذكر عصبة». فالجواب عنه: أن هذا خبر مقدوح في روايته وطريقه بما هو معروف، ومع هذا فإنه يخالف ظاهر الكتاب الذي تلوناه، والعمل بالكتاب أولى من العمل به. وأيضاً فإن ابن عباس الذي أسند هذا الخبر إليه خالف مضمون الخبر، وقوله في نفي العصبة مشهور معروف، وراوي الحديث إذا خالفه كان قدحاً في الحديث) المسائل الناصريات؛ ص: 408.

فإن غرضه رد الخبر بالمعلوم من رأي ابن عباس إذ هذا ما ينفع للرد يوجب قدح ما يخالف من الحديث، وعبر عن رأيه بأنه مشهور معروف.

3- قول المحقق البهبهاني (رحمه الله): (و الحقّ أن يقال: إنّ زمان علي بن الحسين (عليه السّلام) ما كان يوجد المؤمن العارف إلّا نادرا نهاية الندرة لو قلنا بوجوده، إذ مثل سعيد بن المسيّب ممّن عدّ من الحواريين له عليه السّلام، كان من فقهاء العامّة، مذهبه مشهور معروف غير خفي على أحد من الفقهاء في الفقه و غيره، فما ظنّك بغيره؟) مصابيح الظلام؛ ج‌10، ص: 640.

ووصفه للمشهور المعروف بأنه غير خفي على أحد من الفقهاء واضح في إرادة الواضح المعلوم.

وعليه فإن تعبير السيد الخوئي (رحمه الله) ظاهر في أنه يرى الثبوت، ولا أقل لا يمكن أن يكون مستنداً لنسبة النفي إليه.

وثالثاً: إن رأي السيد الخوئي (رحمه الله) في كسر الضلع معروف عند تلامذته لا سيما الكبار منهم، وهم أفهم بمراده من عباراته، وقد عاصروه و قارنوه في جميع المناسبات الدينية ولم ينقل أحد منهم عنه أنه ينكر كسر الضلع، وهذا الشيخ التبريزي (رحمه الله) لما مر على عبارة السيد الخوئي (رحمه الله) وقوله: (مشهور معروف) لم يعلق ويستدرك عليها، بل وافقه فيها، مع أنه من القائلين بكسر الضلع، يراه أمراً واضحاً لا مرية فيه، فقد قال (رحمه الله): (في جواب سؤال ((1209) حينما يتحدث بعض المراجع الكرام في معرض إجابتهم عن ثبوت قضية كسر الضلع الشريف للسيدة الزهراء عليها السلام يقولوا المشهور ذلك فهل المقصود من التعبير بالمشهور هو ثبوته، و هل المشهور في الثبوت بين الفقهاء هنا أم في الرواية؟ وهل هناك فرق بين من لا يرى ثبوتها اجتهاداً أو اشتباهاً أي هل تصل بصاحبها لما يقال بأنه إنكار الضروري أو بعبارة أخرى كيف تكون بحكم إنكار الضروري؟) ما نصه: (بسمه تعالى هذه القضية من المسلمات التاريخية كسائر القضايا المسلمة المشهورة وقد روتها كتب السير والتواريخ بما لا مجال للشك في ثبوتها والتشكيك في ثبوتها بعد كثرة النقل وتسالم الشيعة على تحققها جهل أو انحراف عن المنهج المتبع في القضايا المسلمة والمشهورة والله العالم) صراط النجاة (للتبريزي)؛ ج‌10، ص: 430.

وبهذا ينكشف أن مرادهما بالتعبير بالشهرة المعنى اللغوي المتداول في كتب التاريخ، والذي لا ينافي الإجماع والقطع، وبالتالي تكون عبارة السيد الخوئي (رحمه الله) دالة على أنه كما يرى ثبوت القضية يراها أيضاً واضحة جلية لا ينبغي الشك فيها.  

2022/11/14

لـ «علماء الشيعة» القِدح المعلى في تطوير العلوم وبناء الحضارة

 

فيما يخص دور الشيعة الإمامة في الحضارة الإسلاميّة، فنورد ما ذكره المحقّق العلّامة الشيخ جعفر السبحانيّ في هذا الصدد في كتابه (بحوث في الملل والنحل)، (ج6/ص525 وما بعدها).

[اشترك]

إذْ يُبيّن أنّ الحضارة الإسلامية تستمد من الكتاب والسنّة، فكل من قدّم خدمة للقرآن لفظاً ومعنى، صورة ومادة فقد شارك في بناء الحضارة الإسلامية ومثله السنّة، فيبيّن أنّ لعلماء الشيعة الإمامية الدور الأساسي في ازدهار العلوم والفنون وكانوا في الطليعة من العلماء المشاركين في ذلك سواءٌ أكان ذلك في علم النحو أم علم الصرف أم علم اللغة والعروض أم علم التفسير أم علم الحديث والرجال أم علم الكلام أم علم الفلسفة أم علم الفقه أم علم العقليات أم غيرها من العلوم، فيبدأ بذكر الأدلّة على ذلك في عدّة نقاط، نوردها لك مع الاختصار بحسب ما يسع المقام.

1- قدماء الشيعة وعلم النحو:

إنّ دراسة القرآن بين الاُمة ونشر مفاهيمه، يتوقّف على معرفة العلوم الّتي تعد مفتاحاً له إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة، ونشرها في ربوع العالم غير ميسور، جدّاً. بل لولا هذه العلوم ونضجها لحرم جميع المسلمين حتّى العرب منهم من الاستفادة من القرآن الكريم. لأنّ الفتوحات فرضت على المجتمع العربي الاختلاط مع بقية القوميات وسبَّب ذلك خطراً على بقاء اللغة العربية وكان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على النحو الّذي في القرآن إلاّ من خالطهم من الموالي والمتعرّبين، ولكن اللحن لم يكثر إلاّ بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق فشارع اللحن في قراءة القرآن فمست الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللغة(جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1 / 219 ) .

فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ فأبو الأسود إمّا واضع علم النحو أو مدوّنه وكان من سادات التابعين، صاحب عليّاً وشهد معه صفين. ثمّ أقام في البصرة. يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي: إنّ علياً دخل عليه أبو الأسود يوماً. قال: فرأيته مفكّراً، فقلت له: مالي أراك مفكّراً يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت من بعض الناس لحناً وقد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب. فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك فألقى إليّ صحيفة فيها: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف. فالاسم ما دلّ على المسمّى، والفعل ما دلّ على حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل وجعل يزيد على ذلك زيادات قال: واستأذنته أن اصنع في النحو ما صنع فأذِن وأتيته به فزاد فيه ونقص، وفي رواية أنّه ألقى إليه الصحيفة وقال له: انح نحو هذه فلهذا سمّي النحو نحوا (حسن الصدر: تأسيس الشيعة 51) .

ومن المعلوم إن هذه القواعد لم تكن تسد الحاجة الملحّة. ولكن أبا الأسود قام بإكمالها وضبطها وبتمييز المنصوب من المرفوع والاسم من الفعل بعلامات نسمّيها الاعراب فالروايات مجمعة على أنّ أبا الأسود (وهو شيعي المذهب توفّي سنة 69) إمّا مدوّن علم النحو أو واضعه وأضحى ما دوَّنه مصدراً لهذا العلم في العصور الّلاحقة وهناك كلام لابن النديم دونك لفظه. يقول:

قال محمّد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أنّ النحو اُخذ عن أبي الأسود الدؤلي وأنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .

ثمّ نقل عن الطبري وقال: انّما سمّي النحو نحواً لأنّ أبا الأسود الدؤلي قال لعلي ـ عليه السلام ـ وقد ألقى عليه شيئاً من اُصول النحو قال أبو الأسود: واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع، فسمّي ذلك نحواً(ابن النديم: الفهرست 66) .

2- وإذا كان أبو الأسود الدؤلي واضعاً للنحو فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقّح له والباسط له. قال أبوبكر محمّد بن الحسن الزبيدي: والخليل بن أحمد، أوحد العصر، وفريد الدهر، وجهبذ الاُمة واُستاذ أهل الفطنة الّذي لم ير نظيره ولا عرف في الدنيا عديلة، وهو الّذي بسط النحو ومدّ اطنابه وسبب علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه، حتّى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى ابعد غايته...

نذكر من خدم علم النحو من قدماء الشيعة فقط منهم.

1- عطاء بن أبي الأسود: قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن علي: ومنهم ابن أبي الأسود الدؤلي. وقال الحافظ السيوطي في الطبقات: عطاء، استاذ الأصمعي وأبو عبيدة. (تأسيس الشيعة 65 .) .

2- أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي: قال السيوطي: هو أوّل من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو وسمّاه الفيصل وهو اُستاذ الكسائي والفرّاء(تأسيس الشيعة 67 .) .

قال النجاشي: روى هو وأبوه عن أبي جعفر وأبي عبداللّه ـ عليهما السلام ـ وله كتاب الوقف والابتداء، وكتاب الهمز، وكتاب اعراب القرآن. (النجاشي: الرجال 2 / 200 برقم 884 ) .

3- حمران بن أعين أخو زرارة بن أعين: كان نحوياً إماماً فيه، عالماً بالحديث واللغة والقرآن.

4- أبو عثمان المازني: بكر بن محمّد: قال النجاشي: كان سيد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة ومقدمته بذلك مشهورة، وكان من علماء الإمامية.

5- ابن السكيت: يعقوب بن إسحاق السكيت: كان مقدّماً عند أبي جعفر (الجواد) وأبي الحسن (الهادي) ـ عليهما السلام ـ وكانا يختصّانه.

2- قدماء الشيعة وعلم الصرف:

إنّ أوّل من دوّن الصرف أبو عثمان المازني وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو، كما ذكره في كشف الظنون، وشرحه أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّي في 392 هـ. (كشف الظنون 1 / 249 مادة «كافية» .).

3- قدماء الشيعة وعلم اللغة:

ونريد بعلم اللغة، الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث اُصولها، واشتقاقها، ومعناها وهو يطلب لنفسه تأليف معاجم لغوية إمّا في موضوعات خاصّة كالخيل والشاة والوحوش والإنسان فقد اُلّف حولهما كتب تحتوي كلّ منها أسماء الحيوانات وأعضائها، ومن الإنسان أعضائه وأسماؤه. أو موضوعات عامة وأوّل من ألّف في القسم الثاني هو:

1- أبو عبد الرحمان الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الأزدي: سيد أهل الأدب، هو أوّل من ضبط اللغة وأوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود. (آداب اللغة العربية 427 ـ 428 .) .

4- قدماء الشيعة وطرائف الشعر:

لا نريد من الشعر في المقام، الألفاظ المسبوكة، والكلمات المنضَّدة على أحد الأوزان الشعرية. وانّما نريد منه ما يحتوي على المضامين العالية، في الحياة ويبث روح الجهاد في الإنسان أو الّذي يشتمل على حجاج في الدين أو تبليغ للحق. وعلى مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الإنسانية وهو مقياس ثقافة الاُمّة ورقيّها وله خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور والأيّام .

وإليك أسماء قليل من شعراء الشيعة.

1- قيس بن سعد بن عبادة:

وهو سيد الخزرج، الصحابي الجليل، كان زعيماً مطاعاً، كريماً ممدوحاً، وكان من شيعة علي ـ عليه السلام ـ .

2- الكميت (60 ـ 126):

وهو الكميت بن زيد شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها من شعراء مضر. وكان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم مشهوراً بذلك وقد حظى بتقدير الأئمة لا صحاره بالحق، ولجهاده في سبيله، وهاشمياته المقدّرة بـ 578 بيتاً أخلد ذكراه في التاريخ وهي مشتملة على ميمية وبائية ورائية وغيرها.

3- السيد الحميري (ت 173):

أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الملقّب بالسيد، الشاعر المعروف، ومن المكثرين المجيدين، ومن الثلاثة الذين عدّوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام وهم «السيّد» و«بشار» و «أبو العتاهية».

4- دعبل الخزاعي (ت 246):

أبو علي دعبل بن علي الخزاعي وهو من بيت علم وفضل وأدب.

5- قدماء الشيعة وعلم التفسير:

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ الأكرم إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسيراً على أصعدة مختلفة، وخدمت الذكر الحكيم بصور شتّى، فأتى بوجه موجز، لما اُلّف في القرون الإسلامية الاُولى .

ولقد ألّف أصحابنا في بداية التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر قليلا من كثير .

1- غريب القرآن: لأبان بن تغلب بن رباح البكري (ت 141).

2- غريب القرآن: لمحمّد بن السائب الكلبي من أصحاب الامام الصادق ـ عليه السلام.

3- غريب القرآن: لأبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي، قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت.

6- قدماء الشيعة وعلم الحديث:

وممّا يدلُّ على اهتمام الشيعة بعلم الحديث وتدوينه ما تراه في سيرة أمير المؤمنين (ع) في هذا الصدد، إذْ قام الامام أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ بتأليف عدة كتب في زمان النبي، فقد أملى رسول اللّه كثيراً من الأحكام عليه وكتبها الامام واشتهر بكتاب علي وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث». وباب «أثم من تبرّأ من مواليه». وقد تبعه ثلّة من الصحابة الذين كانوا شيعة الامام وإليك أسماء من اهتمّ بتدوين الآثار وما له صلة بالدين وإن لم يكن حديث الرسول (ص).

1- قام أبو رافع صحابي الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بتدوين كتاب السنن والأحكام والقضايا.

2- قام الصحابي الكبير سلمان الفارسي المتوفى سنة 34 بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الّذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال الشيخ الطوسي: روى سلمان حديث الجاثليق الّذي بعثه ملك الروم بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ( الطوسي: الفهرست 8) .

3- وألّف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفّى سنة 32 كتاب الخطبة يشرح فيها الاُمور بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (( الطوسي: الفهرست 54)) .

هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة وأمّا الشيعة من غير الصحابة أعني التابعين وتابعي التابعين منهم، فقد قام لفيف منهم بتدوين السنّة إلى عصر الغيبة الكبرى، قد تكفّل بذكرهم وتآليفهم معاجم الرجال قديماً وحديثاً وإليك عرضاً موجزاً من محدّثي الشيعة وموّلّفيهم في القرن الأوّل وبداية الثاني. وهناك عدة من الشيعة لهم الدور البارز في هذا الصدد منهم:

الطبقة الاُولى:

1- الأصبغ بن نباتة المجاشعي.2- عبيداللّه بن أبي رافع، المدني، 3- ربيعة بن سميع،

4- سليم بن قيس الهلالي: أبو صادق، 5- علي بن أبي رافع..6- عبيداللّه بن الحر الجعفي، الفارس، الفاتك 7- زيد بن وهب الجهني

الطبقة الثانية:

1- الامام السجاد زين العابدين ـ عليه السلام ـ ، له الصحيفة الكاملة، المشتهرة بزبور آل محمّد ـ عليهم السلام ـ .2- جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبداللّه، المتوفّى سنة 128، له كتب (النجاشي: الرجال 1 / 313 برقم 330) .3 زياد بن المنذر.4- لوط بن يحيى بن سعيد.5- جارود بن منذر.

الطبقة الثالثة:

وهم من أصحاب السجاد والباقر ـ عليهما السلام ـ :

1- برد الاسكاف، 2- ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي الأزدي.3- ثابت بن هرمز، الفارسي، أبو المقدم العجلي.4- بسام بن عبداللّه، الصيرفي، 5- محمّد بن قيس البجلي، وغيرهم. ولقد خصّص أبو عمرو الكشّي باباً للمحدّثين المتقدّمين من الشيعة وجعله في صدر رجاله، وتبعه النجاشي في رجاله فخصّ الطبقة الاُولى بباب ثمّ أورد أسماء الرواة على حسب الأحرف الهجائية . ولقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرّف على طبقات الشيعة بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى عصره فذكر الأئمّة الاثني عشر، وذكر أصحاب كل إمام.

7- قدماء الشيعة والفقه الإسلاميّ

إنّ الفقه الامامي يعتمد في الدرجة الاُولى على القرآن الكريم ثمّ على السنّة المحمدية المنقولة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق العترة الطاهرة ـ عليهم السلام ـ أو الثقات من أصحابه والتابعين لهم باحسان ، وكما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب والسنّة كذلك يتّخذ من العقل مصدراً في المجال الّذي له الحق في ابداء الرأي. كأبواب الملازمات العقلية أو قبح التكليف بلا بيان أو لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني.ولا يكتفي بذلك بل يستفيد من الاجماع في الاستنباط ولكن الاجماع المفيد هو الكاشف عن وجود النص في المسألة أو موافقة الامام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور.

ومن فقهاء الشيعة البارزين في القرنين الأوّل :زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم الطائفي، وبريد بن معاوية، والفضيل بن يسار، وكلّهم من أفاضل خريجي مدرسة أبي جعفر الباقر وولده الصادق ـ عليهما السلام ـ . فأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء وانقادت لهم في الفقه والفقاهة .ويليهم في الفضل لفيف آخر، هم أحداث خريجي مدرسة أبي عبداللّه الصادق نظراء جميل بن دراج، وعبداللّه بن مسكان، وعبداللّه بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان .وهناك ثلة اُخرى يعدّون من تلاميذ مدرسة الامام موسى الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا ـ عليهما السلام ـ نظراء يونس بن عبدالرحمان، ومحمّد بن أبي عمير، وعبداللّه بن المغيرة، والحسن بن محبوب، والحسين بن علي بن فضال، وفضالة بن أيّوب. وغيرهم.وهناك عد من الفقهاء البارزين في القرن الرابع كالحسن بن علي بن أبي عقيل شيخ الشيعة وفقيهها صاحب كتاب المتمسك بحبل آل الرسول وعلي بن الحسين بن بابويه، المتوفّى 329، صاحب كتاب الشرائع ومحمّد بن الحسن بن الوليد القمي، جليل القدر، شيخ القميين وفقيههم جعفر بن محمّد بن قولويه. اُستاذ الشيخ الصدوق وغيرهم..

ومن مشاهير الفقهاء في القرن الخامس الشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الكراجكي والشيخ الطوسي  وسلاّر الديلمي مؤلف المراسم، وابن البراج  وغيرهم..

8ـ قدماء الشيعة وعلم الرجال:

اهتمّ علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال، نذكر المؤلّفين الأوائل:

1- عبداللّه بن جبلة الكناني.2- علي بن الحسن بن فضال .3- الحسن بن محبوب السراد .4- أبو عمرو الكشي البصير بالأخبار والرجال. 5- الشيخ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي. 6- والشيخ الطوسي. هذا فضلاً عن المؤلّفين المتأخرين والمعاصرين.

9ـ متكلّمو الشيعة في القرن الثاني:

وأمّا في مجال علم الكلام فهناك علماء بارزون من الشيعة، نذكر منهم:1- زرارة بن أعين. 2- محمّد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي: مولى الأحول «أبو جعفر»، كوفي، صيرفي يلقب بـ «مؤمن الطاق». 3- هشام بن الحكم، 4- قيس الماصر: أحد أعلام المتكلمين وغيرهم.

هذا فضلاً عن وجود علماء ومشاهير في الفلسفة والمنطق من أمثال نصير الدين الطوسي. والفاضل المقداد السيوري وغيرهم. هذه ما لدينا باختصار شديد عن دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية. ومن أراد التفصيل أكثر، فليرجع إلى أصل الكتاب الذي اعتمدناه في ذلك.

2022/10/30

أسسه النبي.. أصل التشيع: من آية قرآنية أم رواية؟!

من الذي جاء بالتشيع، وحمل الناس عليه؟ وهل يرجع إلى أصل من أصول الإسلام، ومصدر من مصادره كآية من كتاب اللّه، أو رواية من السنة النبوية؟

[اشترك]

وقد أجاب الشيعة عن ذلك إجابة حاسمة وواضحة، وأثبتوا بالأرقام من أقوال أهل السنة، وكتبهم الصحاح أن النبي هو الذي بعث عقيدة التشيع، وأوجدها، ودعا إلى حب علي وولائه، وأول من أطلق لفظ الشيعة على أتباعه ومريديه، ولولاه لم يكن للشيعة والتشيع عين ولا أثر.

قال العلامة الحلي في كتاب «نهج الحق»: ذكر الإمام احمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره أنه لما نزلت الآية 214 من سورة الشعراء: «وانذر عشيرتك الأقربين» جمع النبي من أهل بيته ثلاثين، فأكلوا، وشربوا، ثم قال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون خليفتي، ومعي في الجنة؟ قال علي: أنا. فقال له: أنت.

ونقل الشيخ محمد حسن المظفر في كتاب دلائل الصدق ج 2 ص 233 عن كتاب كنز العمال ج 6 ص 397 أن النبي قال لعشيرته: قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا؟ قال علي: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ النبي برقبته، وقال: إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لولدك علي[1].

وبهذه المناسبة ننقل ما ذكره الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في كتاب «محمد رسول الحرية»، قال في ص 80 الطبعة الأولى:

«ورأى محمد أن يجمع أسرته من بني عبد المطلب، ويدعوهم إلى الإيمان بما جاء به، فليس أحب إليه من عشيرته. وأولم لهم في بيته، وبدأ يتكلم. وبدأوا كلهم يسمعون لمحمد، وهو يحدثهم عما جاء به. ولكن أحداً لم يستجب إليه: إلا علي بن أبي طالب. هو وحده الذي انتفض يؤكد أنه سينصر محمداً بسيفه. وضحك من الاستخفاف بعض الكبار، فقد كان علي هذا أصغر الحاضرين، كان اذ ذاك ما يزال فتى صغير السن، تتقدم به سنه إلى أول الشباب، ولكن محمداً لم يستخف بحماسة علي، فقد قام إليه، فعانقه وبكى».

وقال الأميني في الجزء الأول من كتاب «الغدير»[2] ص 9 طبعة 1372 هجري: بعد أن رجع النبي من حجة الوداع، وهي الحجة التي لم يلبث بعدها إلا قليلاً، ووصل إلى غدير خم جمع الناس، وخطبهم وقال فيما قال:

إن اللّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه يقولها ثلاث مرات، ثم قال: اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وابغض من بغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب.

ثم ذكر الأميني من رواة هذا الحديث 120 صحابياً، و84 تابعياً، أما طبقات رواته من أئمة الحديث وأساتذته فقد بلغوا 360، وبلغ المؤلفون في حديث الغدير من السنة والشيعة 26 مؤلفاً.

وقد اعتبر الشيعة حديث الغدير هذا نصاً بخلافة علي بعد النبي، ومن هنا اهتموا به هذا الاهتمام البالغ، وأهل السنة يعترفون بصحة هذا الحديث، ويقولون بصدوره عن النبي، ولكنهم أوَّلوا الولاء بالحب والإخلاص، لا بالحكم والسلطان، فحديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» أشبه عندهم بحديث «يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق» وغيره من الأحاديث الدالة على مكانة أهل البيت وعلو شأنهم، والحب وعلو الشأن شيء، والنص على الخلافة شيء آخر.

وأجاب الشيعة عن ذلك بأن قول النبي أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه يدل بصراحة ووضوح على أن نفس ولاية النبي الدينية والدنيوية هي بعينها قد جعلها النبي لعلي بعده، إذ جعل علياً نظير نفسه في أنه أولى بهم من أنفسهم، ولا شيء سوى ذلك، ولو كان للفظ المولى ألف معنى ومعنى.

لفظ الشيعة

وكما أثبت الشيعة من كتب السنة وأقوالهم أن النبي هو الذي بعث عقيدة التشيع ودعا إليها أثبتوا أيضاً من طرق السنة أن النبي أول من أطلق لفظ الشيعة على من أحب علياً وتابعه، قال الشيخ محمد حسين المظفر في كتاب «تاريخ الشيعة» ص 5 طبع النجف: جاء في كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر وفي كتاب النهاية لابن الأثير، إن النبي قال: يا علي إنك ستقدم على اللّه أنت وشيعتك راضين مرضيين.

وجاء في الدر المنثور للسيوطي إن النبي قال: إن هذا - وأشار إلى علي - وشيعته لهم فائزون يوم القيامة.

ثم قال صاحب «تاريخ الشيعة»: فكانت الدعوة إلى التشيع لعلي من محمد تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة إلى شهادة لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه.

وبهذا يتبين معنا إن المصدر الأول والأخير للشيعة والتشيع هو النبي دون سواه، فإن كان التشيع هو السبب لتمزيق المسلمين وتفريق كلمتهم كما زعم بعض السنة فالمسؤول عن ذلك هو النبي وحده دون سواه.

الشعر

وكان لأحاديث الشيعة والتشيع أثر ظاهر في أشعار الصحابة، نقل طرفاً منها الشريف المرتضى في كتاب «العيون والمحاسن»[3] والشيخ الأميني في كتاب «الغدير». من ذلك ما جاء في ج 1 ص 11 و ج 2 ص 39 من كتاب الغدير إن حسان بن ثابت قال للنبي بعد أن أعلن قوله من كنت مولاه فعلي مولاه: ائذن لي يا رسول اللّه أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن، فقال له النبي: قل على بركة اللّه، فقام حسان، وقال: يا معشر مشيخة قريش، اتبعها قولي بشهادةٍ من رسول اللّه في الولاية:

يناديهم يوم الغدير نبيهم*** بخم واسمع بالنبي مناديا

وقد جاء جبريل عن أمر ربه*** بأنك معصوم فلا تك وانيا

وبلغهم ما أنزل اللّه ربهم*** إليك ولا تخشَ هناك الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفه*** بكف علي معلن الصوت عاليا

فقال فمن مولاكم ووليكم*** فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا

إلهك مولانا وأنت وليّنا*** ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني*** رضيتك من بعدي إِماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه*** فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليّه*** وكن للذي عادى علياً معاديا

فيا رب انصر ناصريه لنصرهم*** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا

وفي ج 2 ص 67 من كتاب «العيون والمحاسن» أن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين صاحب رسول اللّه، قال:

إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا*** أبو حسن مما نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس انه*** أطب قريش بالكتاب وبالسنن

وإن قريشاً لا تشق غباره*** إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن

وصي رسول اللّه من دون أهله*** وفارسه قد كان في سالف الزمن

وأول من صلى من الناس كلهم*** سوى خيرة النسوان واللّه ذو المنن

وصاحب كبش القوم في كل وقعة*** يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن

فذاك الذي تثني الخناصر باسمه*** امامهم حتى أغيب في الكفن

وفي الكتاب المذكور أن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب قال عندما بويع أبو بكر:

ما كنت أحسب أن الأمر منتقل*** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتهم*** واعلم الناس بالآيات والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ومن*** جبريل عون له في الغسل والكفن

ماذا الذي ردكم عنه فنعلمه*** ها ان بيعتكم من أول الفتن

وقال عبد اللّه بن سفيان بن الحرث بن عبد المطلب:

وكان ولي الأمر بعد محمد*** علي وفي كل المواطن صاحبه

وصي رسول اللّه حقاً وجاره*** وأول من صلى ومن لان جانبه

وقال الصحابي جرير بن عبد اللّه البجلي:

فصلى الإله على أحمد*** رسول المليك تمام النعم

وصلى على الطهر من بعده*** خليفتنا القائم المدعم

علياً عنيت وصي النبي*** يجالد عنه غواث الأمم

وقال عبد الرحمن بن حنبل:

لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة*** على الدين معروف العفاف موفقا

عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجداً*** صدوقاً وللجبار قدماً مصدقا

أبا حسن فارضوا به وتبايعوا*** فليس كمن فيه لذي العيب منطقا

علي وصي المصطفى ووزيره*** وأول من صلى لذي العرش واتقى

وهذا الشاعر الصحابي هو الذي قال في عثمان بن عفان[4]:

واحلف باللّه جهد اليمين*** ما ترك اللّه أمراً سدى

ولكن جعلت لنا فتنة*** لكي نبتلي بك أو تبتلى

دعوت الطريد فأدنيته*** خلافاً لما سنه المصطفى

ووليت قرباك أمر العباد*** خلافاً لسنة من قد مضى

وأعطيت مروان خمس الغنى*** -مة آثرته وحميت الحمى

وفي الجزء الثاني من كتاب «الغدير» ص 67 أن الصحابي قيس بن سعد بن عبادة قال:

وعلي إمامنا وإمام*** لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبي من كنت مولا*** ه فهذا خطب جليل

إنما قاله النبي على الأمة*** حتم ما فيه قال وقيل

وفي كتاب «أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» لكاظم آل نوح سنة 1374 هجري ص 43: نقلاً عن جمهرة الخطب أن سعيد بن قيس الهمداني كان يرتجز يوم صفين بقوله:

هذا علي وابن عم المصطفى*** أول من أجابه لما دعا

هذا الإمام لا يبالي من غوى

وفي الكتاب المذكور ص 44 أن الفضل بن أبي لهب قال:

الا إن خير الناس بعد محمد*** مهيمنه التاليه في العرف والنكر

وخيرته في خيبر ورسوله*** تبيد عهود الشرك فوق أبي بكر

وأول من صلى وصنو نبيه*** وأول من أردى الغواة لدى بدر

فذاك علي الخير من ذا يفوقه*** أبو حسن حلف القرابة والصهر

وفي صفحة 45 نقلاً عن كتاب «صفين» لنصر بن مزاحم أن زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي قال يوم صفين:

فحوطوا علياً فانصروه فانه*** وصيي وفي الإسلام أول أول

وان تخذلوه والحوادث جمة*** فليس لكم عن أرضكم متحول

وفي كتاب «أمالي الشيخ المفيد» ص 91، منشورات المطبعة الحيدرية بالنجف:

إن علي بن أبي طالب لما بلغه مسير طلحة والزبير لحربه خطب في الناس، وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه: أما بعد، فإن اللّه تبارك وتعالى لما قبض نبيه قلنا نحن أهل بيته وعصبته

وورثته وأولياؤه أحق خلائق اللّه به، لا ننازع حقه وسلطانه، فبينما نحن على ذلك إذ نفر المنافقون، فانتزعوا سلطان نبينا منا، وولوه غيرنا. وايم اللّه لولا مخافة الفرقة من المسلمين أن يعودوا إلى الكفر، ويعود الدين لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا، وقد ولي ذلك ولاة مضوا لسبيلهم، ورد اللّه الأمر إليّ، وقد بايعني طلحة والزبير، ثم نهضا إلى البصرة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم، اللهم فخذهما لغشهما هذه الأمة، وسوء نظرهما للعامة.

فقام الصحابي بو الهيثم بن التيهاني، وقال: يا أمير المؤمنين إن حسد قريش إياك على وجهين: أما خيارهم فحسدوك منافسة في الفضل، وارتفاعاً في الدرجة، وأما شرارهم فحسدوك حسداً أحبط اللّه به أعمالهم، وأثقل أوزارهم، وما رضوا أن يساووك، حتى أرادوا أن يتقدموك، فبعدت عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحق قريش بقريش، نصرت نبيهم حياً، وقضيت عنه الحقوق ميتاً، واللّه ما بغيهم إلا على أنفسهم، ونحن أنصارك وأعوانك، فمرنا بأمرك ثم انشأ:

إن قوماً بغوا عليك وكادوا*** ثم عابوك بالأمور القباح

ليس من عيبها جناح بعوض*** فيك حقاً ولا كعشر جناح

أبصروا نعمة عليك من اللّه*** وقرماً يدق قرن النطاح

وإماماً تأوي الأمور إليه*** ولجاماً يلين غرب الجماح

كلٍ ما تجمع الامامة فيه*** هاشمياً له عراض البطاح

حسداً للذي أتاك من اللّه*** وعادوا إلى قلوب قراح

ونفوس هناك أوعية البغض*** على الخير للشفاء شحاح

من مسر يكنه حجب الغيب*** ومن مظهر العداوة لاح

يا وصي النبي نحن من الحق*** على مثل بهجة الاصباح

فخذ الاوس والقبيل من الخز*** رج بالطعن والوغى والكفاح

ليس منا من لم يكن لك في اللّه*** ولياً على الهدى والفلاح

فأشعار الصحابة والأحاديث النبوية تدل دلالة واضحة على أن التشيع بمعنى وجود النص على علي بالخلافة بعد النبي بلا فاصل كان موجوداً في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله.

*مقتطف من كتاب الشيعة في الميزان للشيخ محمد جواد مغنية (ره)

 


[1] ذكر هذا الحديث محمد حسين هيكل في كتاب «حياة محمد» طبعة أولى، ثم حذفه في الثانية لقاء 500 جنيه، ودليلنا المقابلة بين الطبعتين. انظر التعليق ص 114 من «أعيان الشيعة» ج 1 قسم 1 طبعة 1960. [2] هذا الكتاب للشيخ عبد الحسين الأميني، وقد بلغ 12 مجلداً ضخماً، جمع فيه النصوص على خلافة علي من طرق السنة ورواياتهم عن النبي، وقد بلغت المئات، وطبع الكتاب أكثر من مرة في طهران، والمؤلف من علماء الشيعة في هذا العصر ومحل ثقة الجميع واحترامهم. [3] 1 - هذا الكتاب جمعه الشريف المرتضى من أقوال استاذه الشيخ المفيد، وطبع في النجف سنة 1937 باسم الفهرست خشية ان تمنعه السلطة يومذاك لو طبع باسمه الحقيقي. [4] كتاب «الاستيعاب» ج 2 ص 407 طبعة 1939
2022/10/25

التشيّع.. فكرة أجنبية أم إسلامية؟!
هل التشيع فكرة ابتدعها الشيعة من أنفسهم، ثم طبعوها بطابع الدين، وصبغوها بالإسلام تمويهاً ورياءً لغايات سياسية، لا تمت إلى الإسلام بسبب قريب أو بعيد؟ أو أن التشيع عقيدة إسلامية، جاءت من عند اللّه، وبلغها محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وآله، تماما كوجوب الصوم والصلاة، والحج والزكاة؟ وبكلمة هل الإسلام أصل للتشيع، أو أن أصل التشيع أجنبي عن الإسلام؟

وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل نمهد بما يلي:

أسباب المعرفة

مهما اختلف المفكرون في أسباب المعرفة، وانها التجربة أو العقل أو الحدس فإنهم متفقون كلمة واحدة على أن السبب الوحيد لمعرفة آراء الغير ومعتقداته هي أقواله وتصريحاته... فاذا اردنا أن نعرف ما تدين وتعتقد به طائفة من الطوائف الدينية، ونتحدث عن عقيدتها فعلينا أن نسند الحديث إلى أقوالها بالذات، إلى كتب العقائد المعتبرة عندها، ولا يسوغ بحال الاعتماد على قول كاتب أو مؤلف بعيد عنها ديناً وعقيدة، لأن هذا البعيد قد يكون جاهلاً متطفلاً، فيحرف الواقع عن غير قصد، أو حاقداً متحاملاً، فيفتري بقصد التنكيل والتشهير، أو خائناً مستأجراً فيكذب ويدس بقصد التفرقة وإيقاظ الفتنة... بل لا يجوز الاعتماد على أقوال راوٍ أو كاتب من أبناء الطائفة نفسها اذا لم تجتمع كلمتها على الثقة بمعرفته وعلمه، فإن الكثيرين ممن كتبوا عن طائفتهم وعقائدها قد تجافوا عن الواقع، وخبطوا خبط عشواء، ورفض الكبار من علماء الطائفة أقوالهم، وصرحوا بضعفها وعدم الاعتماد عليها.

وكذا لا يصح الاعتماد على العادات والتقاليد المتبعة عند العوام، لان الكثير منها لا يقره الدين الذي ينتمون إليه، حتى ولو أيدها وساندها شيوخ يتسمون بسمة الدين.

كتب العقائد عند الشيعة

وكتب العقائد المعتبرة عند الشيعة كثيرة، ومطبوعة تتداولها الأيدي، وتعرض للبيع في مكتبات العراق وإيران، نذكر منها على سبيل المثال: أوائل المقالات، والنكت الاعتقادية للشيخ المفيد، والشافي للشريف المرتضى، والعقائد للشيخ الصدوق، وشرح التجريد، وكشف الفوائد للعلامة الحلي، والجزء الأول من أعيان الشيعة ونقض الوشيعة للسيد محسن الأمين، وأصل الشيعة وأصولها للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والفصول المهمة والمراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين، ودلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفر.

وبالتالي، نكرر - هنا - ما قلناه أكثر من مرة في ردودنا ومؤلفاتنا، وما أعلنه المعتمد عليهم من علمائنا، أن الشيعة لا يقرون ولا يعترفون بشيء مما قيل عن عقيدتهم، إذا لم تتفق مع ما جاء في الكتب المعتبرة عندهم. سواء أكان القائل مستشرقاً أو عربياً، سنياً أو شيعياً، متقدماً أو متأخراً.

معنى التشيع

لم يكن للعرب وحدة سياسية قبل الإسلام، فكل قبيلة تحكم نفسها، وكل مدينة لا تعرف لغيرها سلطاناً عليها، وبعد الإسلام أوجد النبي سلطة عامة خضع لها جميع العرب، ومارس هو السلطة بكافة معانيها: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، فكان يبين الأحكام والحلال والحرام، ويقود الجيش، ويخابر الملوك، ويعقد المعاهدات، ويقضي بين الناس، ويقيم الحدود، وقد ربط القرآن الكريم هذه السلطات بشخص الرسول، ففي الآية 6 من سورة الأحزاب : «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وفي الآية 36 من السورة نفسها : «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» وفي الآية 7 من سورة الحشر : «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» وغيرها كثير.

واتفق المسلمون بكلمة واحدة على أن السلطة الزمنية والدينية التي كانت للرسول تعطى لخليفته، ثم اختلفوا فيما بينهم: هل يعين الخليفة بالنص عليه من النبي، أو يترك الأمر فيه إلى اختيار الأمة؟. قال الشيعة: إن الخليفة يتعين بالنص لا بالانتخاب، أي أن اللّه سبحانه يأمر النبي أن يبلغ المسلمين بأنه قد اختار (فلاناً) خليفة بعده، وان عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وقد صدر هذا النص بالفعل من النبي على علي بن أبي طالب.

هذا هو التشيع.. إن التشيع في حقيقته وجوهره يتلخص بهذه الكلمة، وهي الإيمان بأن الإمام المنصوص عليه يتولى الحكم، ويحكم بإرادة اللّه لا بإرادة الناس، وقد أنكر السنة عليهم ذلك، وبالغوا في الإنكار، حتى قال بعض المؤلفين: إن هذه العقيدة نزعة فارسية استقاها الشيعة من الفرس...

ونجيب بانها إسلامية بحتة، لا شائبة فيها لغير الإسلام، وقد أُخذت من كتاب اللّه وسنة نبيه، كما يظهر من الأدلة الآتية. وإذا اخذ الشيعة هذه النزعة من الفرس. فمن أين أخذ عثمان بن عفان قوله - حين طلب اليه أن يتخلى عن الخلافة - «ما كنت لأخلع قميصاً قمصنيه اللّه». وقال ايضاً: «لان أقدم فتضرب عنقي أحب من أن انزع سربالاً سربلنيه اللّه».

يجوز أن تكون الخلافة قميصاً بل سربالاً من اللّه لعثمان، ولا يجوز أن تكون حقاً الهياً لعلي. ثم أي فرق بين قول عثمان هذا، وقول الشيعة بان الخلافة منصب الهي أمرها بيد اللّه لا بيد الناس؟... ولماذا كان قول الشيعة نزعة اجنبيه، وقول عثمان نزعة إسلامية؟!

من أدلة الشيعة

استدل الشيعة على أن الخلافة تكون بالنص لا بالانتخاب بأدلة:

منها: أن الخليفة يحكم باسم اللّه لا باسم الشعب، فيجب والحال، أن يُختار من اللّه بلسان نبيه، لا من الشعب بطريق الانتخاب.

ومنها: قوله تعالى في الآية 68 من سورة القصص: «وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة». فاللّه سبحانه حصر الاختيار به، ونفاه عن جميع الناس. (دلائل الصدق ج 3 ص 21 طبعة 1953).

ومنها: أن الأكثرية غير معصومة عن الخطأ، فمن الجائز أن تختار رجلاً لا تتوافر فيه صفات الإمام من العلم والخلق، فتعم الفوضى والفساد. وقد نص القرآن على سقوط رأي الأكثرية في الآية 116 من سورة الأنعام: «وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه». وفي الآية 106 من سورة المائدة: «وأكثرهم لا يعقلون». وفي الآية 71 من سورة المؤمنون: «وأكثرهم للحق كارهون». وغيرها من الآيات (كتاب فدك للصدر ص 113 طبعة 1955. وج 4 من كتاب الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي ص 109 طبعة سنة 1376هجري).

وجاء في الحديث النبوي أن محمداً صلى الله عليه وآله يرى يوم القيامة اكثر أمته تدخل النار. وحين يسأل عن السبب يقال له: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى (كتاب الجمع بين الصحيحين. الحديث 267).

واهل السنة الذين قالوا: إن الخليفة يكون بالانتخاب لا بالنص يعترفون بان الأكثرية قد تخطئ، وتختار غير الكفوء، لكن بعضهم قال: إذا انحرف الخليفة، عزلناه، وأتينا بالأصلح... واعلن أبو بكر من على المنبر قائلاً: «اذا استقمت فأعينوني، واذا زغت قوِّموني».

وأجاب الشيعة عن ذلك بان وظيفة الإمام أن يقوّم المعوج من رعيته، فاذا قومته الرعية انعكست الآية، وأصبح محكوماً، والرعية هي الحاكمة، قال الشاعر الشيعي1:

وقالوا رسول اللّه ما اختار بعده*** إِماماً ولكنا لأنفسنا اخترنا

أقمنا إماماً إن أقام على الهدى*** أطعنا وإن ضل الهداية قوّمنا

فقلنا إذن أنتم أمام إِمامكم*** بحمدٍ من الرحمن تهتم وما تهنا

ولكننا اخترنا الذي اختار ربنا*** لنا يوم خم ما اعتدينا ولا حلنا

يسخر الشاعر من قولهم: انهم يطيعون الإمام إن استقام، ويقوِّمونه إن اعوج، ويرد عليهم بأنهم أصبحوا هم الإمام، وهو المأموم.

*مقتطف من كتاب الشيعة في الميزان للشيخ محمد جواد مغنية (ره)

[اشترك]

2022/10/10

فرحة الزهرة: هلاك عدو وتنصيب إمام جديد!

ينشر «موقع الأئمة الاثني عشر» إجابة سماحة آية الله العظمى المرحوم الشيخ جواد التبريزي [قدس سره] حول يوم "فرحة الزهراء" الذي يثير سنوياً جدلاً واسعاً بين عامة الناس، ويتبنّى العديد منهم - في هذه المسألة - آراء مختلفة دون الرجوع إلى أهل الاختصاص من العلماء.

[اشترك]

وفيما يلي نص السؤال مع إجابته [قدس سره]:

السؤال: كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن عيد الزهراء (عليها السلام)، أرجو إعلامنا بمدى مصداقية هذا العيد، وما هي حقيقته؟

الجواب:

بسمه تعالى..

هذا الأمر معروف عند الشيعة وله وجوه متعددة منها: ان في هذا اليوم توج الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) بالإمامة بعد وفاة والده الإمام الحسن العسكري في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول، وهو المنتقم من أعداء الزهراء (عليها السلام) وأعداء الدين والموكل بإقامة دولة الحق.

ومنها: أن في هذا اليوم قتل عمر بن سعد قاتل الحسين (عليه السلام) كما في بعض المنقولات التاريخية. وعلى كل حال فهو يوم فرح للشيعة عامة ولأهل البيت (عليهم السلام).

المصدر: الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية ـ آية الله الميرزا جواد التبريزي.

2022/10/06

مع الرقابة المشددة.. هل استطاع الإمام العسكري بناء ’كوادر علمية’؟!
اعتنى الإمام العسكري (عليه السلام) ببناء كوادر علمية مؤهلة في مختلف التخصصات العلمية المهمة، كي يقوموا بأدوار قيادية ودينية وعلمية وفكرية.

[اشترك]

 ومن أهم هذه الأدوار نشر العلوم والمعارف الإسلامية في أصقاع الدنيا، وإيصال منهج وفكر أهل البيت للناس، وربط المجتمع بالقيادة الشرعية، وتدوين الأحاديث والروايات، وبثها بين العلماء والفقهاء، وتأسيس المدارس العلمية لتأهيل علماء وفقهاء ينتمون لمدرسة أهل البيت.

وبناء الكوادر العلمية ليس بالأمر السهل في ظروف سياسية بالغة التعقيد كعصر الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث وضع تحت المراقبة الشديدة، ومع ذلك تجاوز كل القيود والسدود من خلال المكاتبة لأصحابه وتلامذته، وتزويدهم بتوجيهاته وإرشاداته الدينية والعلمية، والالتقاء بهم متى ما سمحت له الظروف بذلك.

وقد كان لتلامذة وأصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) دور بارز في نشر علوم ومعارف الإمام (عليه السلام)، وقد كان فيهم الرواة الأثبات للحديث، وفيهم الفقهاء الكبار، وفيهم الوكلاء والثقات، وفيهم الكُتّاب المتميزون.

ويعود لهؤلاء الفضل في نشر علوم الإمام ومعارفه بين الناس، فقد دونوا ما سمعوه أو وصل لهم كتابة من الإمام، وما كتبوه بأقلامهم من كنوز وتراث وعلوم الإمام، ونشره في الآفاق رغم كل الظروف الصعبة، والتضييق عليهم، إلا أنهم استطاعوا إيصال بعض فتاوى وأحاديث ووصايا الإمام العسكري (عليه السلام) إلى العلماء والفقهاء والموالين والأتباع من مدرسة أهل البيت، بل وغيرهم من سائر المذاهب الإسلامية.

وقد اختلف الباحثون والمؤلفون لسيرة وحياة الإمام العسكري (عليه السلام) في عدد تلامذته وأصحابه بين الكثرة والقلة، فالشيخ باقر شريف القرشي أحصى (106) من أصحاب الإمام وتلامذته ورواته وثقاته، وقد ترجم لأغلبهم ترجمة وافية، وبعضها مختصرة، وذكر منزلتهم ودرجة وثاقتهم، وجملة من مروياتهم ومؤلفاتهم.

أما الشيخ محمد حسن آل ياسين (رحمه الله) فقد ترجم لـ (103) من الرواة والمحدثين والتلامذة، وقد ركز على ذوي المصنفات والمؤلفات منهم.

أما الشيخ محمد جواد الطبسي فقد بلغ عدد ما أحصاه من أصحاب وتلامذة الإمام (عليه السلام) (213) محدثاً وراوياً، إذ يقول: «وأما نحن فلم نكتفِ بما نقله الشيخ الطوسي من أصحابه، بل أضفنا إليه أسماء من صـحبه-ولو كان قليلاً- وروى عنه قولاً أو فعلاً وهكذا تعرضنا لذكر من كـاتبه وروى عنه بـعض المسائل بالمكاتبة وإن لم يشاهده ويلتقِ به».

أما السيد محمد كاظم القزويني فقد ترجم لـ(242) راوياً ومحدثاً وتلميذاً، ورتبهم على طريقة (الألف باء)، وقد تتبع ترجمات أصحاب الإمام (عليه السلام)، وأشبعه بحثاً وتحقيقاً، ودوّن أقوالهم وما نقلوه عن الإمام العسكري (عليه السلام) من رواية، أو رسالة، أو فتوى، أو وصية، أو حكمة، أو توجيه وإرشاد...حتى أصبح معظم كتابه عن تراجم أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام).

بينما الشيخ الطوسي ذكر في رجاله من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ما عدده (103) فقط.

وواضح أن من أسباب اختلاف العدد هو اختلاف المنهج في إضافة أي راو أو تلميذ لمدرسة الإمام العسكري (عليه السلام)؛ فالشيخ الطبسي سجل كل من كاتب الإمام ونقل عنه من أصحابه ورواته، أما الشيخ محمد حسن آل ياسين فركز على أصحاب المؤلفات والمصنفات من تلامذة وأصحاب الإمام... وهكذا يتباين العدد بين القلة والكثرة.

ومهما يكن العدد، فإن الشيء المؤكد أن الإمام العسكري (عليه السلام) كان له اهتمام بالغ -كآبائه الأطهار- بتربية جيل من الرواة والمحدثين والثقات والأصحاب والطلاب كي يتحملوا مسؤولية نشر الإسلام، وبث علوم ومعارف أهل البيت في كل أصقاع الدنيا، وربط الناس بالقيادة الشرعية، والتمهيد لمرحلة الغيبة الكبرى، وما ستواجه الأمة الإسلامية في مستقبل أيامها، وبيان كيفية التعامل مع الحوادث الواقعة.

وقد حظي مجموعة من الأصحاب والرواة بالتتلمذ على الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، ونالوا شرف حضور مجالسه العلمية، وبحوثه الفقهية والقرآنية، فنهلوا من علومه ومعارفه، واستضاءوا بنور حكمته وهديه مما جعلهم يبلغون مراتب عالية في معرفة الدين، وكسب العلوم والمعارف الإسلامية.

وكان منهم المحدثون والرواة والفقهاء والمفسرون والقادة والكُتَّاب والعلماء، وقد كان لهم دور ملموس فيما بعد في نشر معالم ومفاهيم الدين، وبيان مسائله وأحكامه، وتوضيح أصوله وفروعه.

وأصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) وتلامذته ليسوا في مرتبة واحدة، سواء من الناحية العلمية، أو من جهة العدالة والوثاقة والضبط، بل يتفاوتون كما يتفاوت غيرهم من الطلاب والتلاميذ، فقد امتاز بعضهم بتدوين الأحاديث وتسجيل الأصول، وامتاز بعضهم بالفقه وما يرتبط به من علوم، وامتاز آخرون بتصنيف المؤلفات حيث أنجزوا عشرات المؤلفات في شتى العلوم والمعارف الإسلامية.

وكان من أبرز طلابه وتلامذته ورواته: إبراهيم بن أبي حفص و إبراهيم بن مهزيار وأحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدان و أحمد بن إدريس بن أحمد القمي وإسحاق بن إسماعيل النيسابوري و الحسن بن موسى الخشاب و داود بن القاسم الجعفري و سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي وعبد العظيم بن عبد الله الحسني وعبدالله بن جعفر الحميري القمي وعبدالله بن حمدويه البيهقي وعثمان بن سعيد العمري وعلي بن جعفر الهماني والفضل بن شاذان و محمد بن أحمد بن جعفر القمي ومحمد بن الحسن الصفار ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب ومحمد بن عثمان بن سعيد العمري....وغيرهم.

وقد كان لهؤلاء الرواة والتلاميذ والأصحاب ممن تخرجوا من مدرسة الإمام العسكري (عليه السلام) العلمية دور مهم ومؤثر في نشر علوم ومعارف الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في مختلف الحواضر العلمية، وأسهموا من خلال مؤلفاتهم وتصنيفاتهم العديدة في إيصال فقه وفكر مدرسة أهل البيت إلى العلماء والفقهاء والمحدثين والرواة والمفسرين، وهو الأمر الذي ساهم في نشر علوم وآثار ومعارف أئمة أهل البيت الأطهار (عليه السلام) إلى المدارس والمراكز والحواضر العلمية الكبرى.

2022/10/05

بعد اغتيال مبكّر.. كيف نسعد قلب الإمام العسكري (ع)؟
أورد الشيخ الأقدم ابن شعبة الحراني في تحف العقول عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنه قال في وصية وجهها لأتباعه وشيعته: «فَإِنَّ اَلرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ وَأَدَّى اَلْأَمَانَةَ - وَحَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ اَلنَّاسِ قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، اِتَّقُوا اَللَّهَ وَكُونُوا زَيْنًا وَلاَ تَكُونُوا شَيْنًا جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ وَاِدْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ»[1] .

[اشترك]

الإمام الحسن العسكري عليه السلام عاش كآبائه الطاهرين حياة صعبة قاسية، ولعلّ الصّعوبة في حياته أشدّ من حياة آبائه وأجداده في بعض الجوانب والظروف.

ومن ذلك قصر عمره الشريف، فولادته كانت سنة 232 هـ، وشهادته سنة 260 هـ، مما يعني أنّ عمره كان 28 سنة فقط، فهو وجدّه الإمام الجواد عليهما السلام من أقصر الأئمة عمرًا، فقد استشهد الإمام الجواد وعمره 25 سنة، وهذا مما يدعم القول بأنّ رحيلهما عن الدنيا لم يكن بشكل طبيعي، وإنّما بعامل الاغتيال والقضاء على حياتهما بالسّم، وإن كانت الآجال بيده سبحانه، خصوصًا مع ملاحظة الظروف والأجواء التي كان الأئمة يعيشونها في ظلّ السّلطة المناوئة لهم.

وبالإضافة إلى قصر عمر الإمام العسكري عليه السلام فإنه عاش حالة الحصار طوال حياته، وهذا أمر لم يعانه آباؤه بمثل ما عاناه، فبعض الأئمة كانت تتاح لهم بعض الفرصة بحيث لا يكون فيها تحت رقابة السّلطة، كأن تكون حياته في بدايتها بعيدة عن مركز السّلطة، فيكون في المدينة مثلاً والخليفة في بغداد أو دمشق، لكن الإمام العسكري عاش حالة لحصار والرقابة المشدّدة من صغره.

فحينما رُحِّلَ مع أبيه الإمام الهادي عليه السلام بأمر المتوكّل العباسي من المدينة إلى سامراء (سُرَّ مَن رأى) كان عمره سنتين أو أربع سنوات فقط، وكانت المنطقة التي أُسكنوا فيها منطقة الجيش والجند، ولذلك كانت تسمّى (عسكر)، ومَنْ يقيم فيها يسمى (عسكري)؛ نسبة إلى هذه المنطقة، ولذلك أطلق على الإمام هذا اللقب.

وفي سامرّاء لم يكن هناك جمهور الأمة ولا نخبتها العلمية من الذين قد يختلط بهم الإمام، أو يلتفّون حوله، ويتعاطفون معه، بل كانت عاصمة الدولة آنذاك، فكان سكّانها الحاكم مع جنوده وحاشيته والمقربين إليه.

وقد أبقى الخليفة العباسي الإمام الهادي وابنه العسكري فيها وشدّد عليهما الرقابة، وبقي الإمام العسكري فيها إلى أن التحق بالرفيق الأعلى.

لذلك يمكننا أن نتصوّر صعوبة الظروف التي قاساها الإمام، لدرجة أنّ بعض الروايات التاريخية تنقل أنّ الإمام كان مفروضًا عليه أن يحضر إلى ديوان الحاكم مرّتين في الأسبوع ليثبت تواجده وحضوره.

وهذا كلّه يبيّن أن الفرصة في أن يلتقي الإمام بالناس كانت ضعيفة، والفرصة الوحيدة كانت حينما يكون الإمام في الطريق عندما يخرج لبعض شؤونه أو إلى قصر الخليفة، وإلّا فإنّ التردّد على الإمام وزيارته كانت محفوفة بالمخاطر.

وحتى اللقاء به في الطرقات العامّة لم يكن آمنًا دائمًا، وهذا ما نستشفّه من رواية تنقل عنه أنه كتب إلى بعض شيعته يقول لهم: «أَلَا لَا يُسَلِّمَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَلَا يُشِيرُ إِلَيَّ بِيَدِهِ، وَلَا يُومِئُ أَحَدُكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَأْمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ»[2] .

وورد عنه عليه السلام أنه قال: «مَا مُنِيَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي بِمِثْلِ مَا مُنِيتُ بِهِ»[3] .

ورغم هذه الظروف الصّعبة القاسية، كان الإمام يبذل جهده في نشر معارف الدين، وتوجيه الأمة، وقد أحصى المؤرخون والباحثون عدد الرواة عنه فبلغوا (149) رجلًا حدّثوا عنه أحاديثَ بلا واسطة، وأثبتَها المحدّثون.

كما تناقل العلماء بعض ما أفاض به الإمام من معارف وتوجيهات ونقف هنا على قبس من توجيهاته: «فَإِنَّ اَلرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ وَأَدَّى اَلْأَمَانَةَ - وَحَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ اَلنَّاسِ قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ اِتَّقُوا اَللَّهَ وَكُونُوا زَيْنًا وَلاَ تَكُونُوا شَيْنًا جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ وَاِدْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ»[4] .

موجبات سرور أهل البيت (ع)

حين يحب الإنسان أحدًا فإنه يحرص على أن يقدّم له ما يفرحه ويسرّه.

وحيث وفقنا الله تعالى لمحبة أهل البيت وولايتهم، فإنّ علينا أن نعمل ما يسرّهم ويفرحهم.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَنْ أَرَادَ اَلتَّوَسُّلَ إِلَيَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدِي يَدٌ أَشْفَعُ لَهُ بِهَا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَلْيَصِلْ أَهْلَ بَيْتِي وَيُدْخِلِ اَلسُّرُورَ عَلَيْهِمْ»[5] .

وفي عدد من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تحدّث الأئمة عمّا يوجب سرورهم وفرحهم.

ومثله ما ورد في صحيحة زيد الشحّام عن الإمام الصادق عليه السلام: «فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ هَذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ»[6] .

إنّ أهم ما يدخل السّرور على أئمة أهل البيت من شيعتهم الأمور التالية حسب ما ورد عنهم:

1/ الالتزام الديني بالورع في الدين: وهو الكفّ عن المحارم والتحرّج منها.

وردعنه عليه السلام: «مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَعٌ يَصُدُّهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِذَا خَلَا لَمْ يَعْبَأِ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ»[7] .

وجاء عن الإمام علي عليه السلام: «وَرَعُ اَلرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ»[8] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ فَإِنَّهُ اَلدِّينُ اَلَّذِي نُلاَزِمُهُ وَنَدِينُ اَللَّهَ تَعَالَى بِهِ وَنُرِيدُهُ مِمَّنْ يُوَالِينَا»[9] .

وعنه عليه السلام: «لَيْسَ مِنَّا وَلاَ كَرَامَةَ مَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ فِيهِ مِئَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ اَلْمِصْرِ أَحَدٌ أَوْرَعَ مِنْهُ»[10] .

2/ حسن التعامل مع الآخرين: بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الأخلاق.

3/ السمعة الطيبة: وتؤكد الروايات التي سبق نماذج منها على صنع السّمعة الطيبة لخطّ أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم وقد جاءت فيها العبارات التالية: (قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ)، (قِيلَ هَذَا جَعْفَرِيٌّ)، (قِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ).

إنّ الورع في الدين يتمثل في احترام حقوق الناس المادية والمعنوية، وفي القيام بواجبات الوظيفة في أيّ عمل أو مؤسسة، وفي التزام العفّة والاحتشام في العلاقة بين الجنسين، واجتناب أيّ تصرف حرام.

لقد كان أئمة أهل البيت عليهم السلام في قمة الالتزام الأخلاقي، وكانوا يحسنون إلى من يسيء إليهم، ويغمرون بإحسانهم كلّ من حولهم.

وعلى من ينتمي إلى خطّ أهل البيت عليهم السلام، أن يتمثل أخلاقهم وسلوكهم، في حسن القول، وطيب المعاشرة، والتواصل مع الناس، وخدمة أبناء مجتمعه ووطنه.

يتحمّل شيعة أهل البيت عليهم السلام مسؤولية صنع السّمعة الحسنة لمجتمعهم الإيماني، وذلك بالحرص على التفوق العلمي، والتميّز في الأداء العملي، واجتناب كلّ ما يشوّه ويشين سمعة المذهب ومدرسة أهل البيت عليهم السلام.

الهوامش: [1]  تحف العقول: ص487. [2]  قطب الدين الراوندي: الخرائج والجرائح، ج1 ص439، ج20. [3]  تحف العقول، ص487. [4]  نفسه، ص487. [5]  أمالي الشيخ الصدوق، ج1 ص379. [6]  الكافي، ج2 ص636. [7]  كتاب الورع لابن أبي الدنيا، ح11. [8]  غرر الحكم، ج1 ص725. [9]  وسائل الشيعة، ج15 ص248. [10]  الكافي، ج2 ص78.
2022/10/05

أساطير طرد ’الجن’.. تكسير البيض ونثر الرز في الشوارع!
منذ أن وُجِد الإنسان على وجه الأرض وهو يبحث عن حلول لمشاكله النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

ولم تقتصر رحلة البحث عن العلاج للمشاكل على بعد واحد، بل تعددت الأبعاد والجوانب على أمل الوصول إلى حلول جذرية وقادرة على شفاء الغليل وعلاج المريض.

وقد كان لطرد الشياطين والعفاريت والجن من الأشخاص والمجتمعات والأماكن العامة، والتخلص من تأثيراتهم السلبية على حياتهم الخاصة والعامة في الموروث الشعبي الكثير من الأساطير والخرافات والأوهام الخيالية والعادات المتوارثة منذ قديم الزمان واستمر لليوم وإن كان بوتيرة أقل.

وعندما نراجع أرشيف ثقافات وعادات الشعوب المختلفة سنجد فيها من العجب العجاب الشيء الكثير، بدءاً من التعلق بالخرافات والأساطير مروراً بالأوهام والتخيلات والافتراضات غير العلمية وليس انتهاء باللجوء إلى المشعوذين والدجالين والسحرة!

وقد انتشرت الخرافات والأساطير الخيالية عند بعض الشعوب والأمم نتيجة لغياب العلم والوعي في القرون الماضية مما جعل الناس يتعلقون بها بحثاً عن الحلول للمشاكل المستعصية والمزمنة التي تحل بهم سواء كانت شخصية: نفسية أم جسدية، أو كانت على المستوى الاجتماعي العام.

وكان من ضمن الخرافات والأساطير السائدة في بعض المجتمعات؛ ومنها المجتمع العربي: ضرب البقر لطرد الجن والعفاريت، وربط ذيل البقر بأغصان من الأشجار ثم حرقها لجلب المطر.

 ومنها: إذا مات أحد الزعماء حبسوا جملاً في حفرة ويتركوه من دون طعام أو ماء حتى يموت، اعتقاداًً منهم أن المتوفى سيحشر راكبًاً معه جمله وليس راجلاً!

ومن الخرافات التي كانت منتشرة: إذا مات عزيز قوم عندهم قاموا بذبح ناقة أو جمل عند قبره تكريماً لشخصه بعد الموت؛ وتعويضاً عنه لعدم قدرته على ذبح النوق والجمال للضيوف!

ومنها: إذا ظهرت عدوى بين الجمال يقومون بكي لسان وعضد أحد الجمال السليمة لوقف العدوى عن باقي الجمال!

ومنها: تعليق أسنان الثعلب أو النمر أو القطط على أعناق الأطفال حفاظاً عليهم من تأثير العفاريت والشياطين والجن!

ومنها: تكسير البيض عند الأبواب أو العيون الارتوازية، ونثر الرز المطبوخ بالسكر في الشوارع لطرد الشياطين والجن، وحماية الأولاد من شر الحساد والأشرار!

وبالإضافة إلى تلك الخرافات والأساطير والأوهام لجأ بعض الناس - ولا يزالون - إلى ألوان أخرى بحثًاً عن التنبؤ بمستقبلهم كقراءة الكف والفنجان، ومطالعة الأبراج علّهم يجدون فيها ما يشير إلى سعادتهم أو معرفة ما يخبؤوه لهم القدر، أو اللجوء إلى المشعوذين والدجالين لعلاج أمراضهم وحل مشاكلهم، وما ذاك إلا سراب في سراب!

والحقيقة المؤكدة: إنه كلما تقدم العلم وارتفع الوعي عند الناس قل الاعتقاد بالخرافات والأساطير، وكلما ازداد الجهل وقل الوعي زاد الإيمان بها، واندفعوا نحو التعلق بكل سراب ووهم!

والإسلام الذي يدعو إلى العلم ويحث عليه، حارب الخرافات والأساطير بأساليب دينية وعلمية متعددة، وأوجد البدائل، وحث على التداوي بما يقرره الطبيب الحاذق. كما يعد العلاج بالدين من أهم الوسائل في معالجة الكثير من الأمراض النفسية والعصبية وغيرها.

وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات الشريفة التي تحث على التفكر والتفكير، وإعمال العقل، وبيان فضل العلم، والنهي عن اتباع الأوهام والخرافات والأساطير، وذم الجهل، وإتباع الهوى، وتحريم اللجوء إلى السحرة والمشعوذين والدجالين.

وكذلك عمل الرسول الأعظم وأئمة أهل البيت الأطهار على تطهير الفكر من الخرافات والأساطير، وإيقاظ العقل، وتنمية التفكير المنطقي بما يساعد على التخلص من أغلال الأوهام وقيود الأساطير الخيالية التي لا حقيقة علمية أو واقعية لها.

 

2022/09/27

ما حقيقة كسر رباعية النبي (ص) في معركة أحد؟
ما مدى صحة ما رويّ عن رسول الله (ص): "ألم تكسرْ رباعيَّتي؟ .. ألم يُعفّر جبيني؟".

[اشترك]

الفقرةُ المذكورة وردت في روايةٍ أوردها الشيخُ الصدوق في الأمالي بسندٍ ينتهي إلى عبد الله بن عباس (رحمه الله) قال: لمَّا مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه، قام إليه عمار بن ياسر (رضي الله عنه)، فقال له: فداك أبي وأمي يا رسول الله، مَن يُغسِّلك منا، إذا كان ذلك منك؟ قال: ذاك علي بن أبي طالب، لأنَّه لا يهمُّ بعضوٍ من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك .. ثم قال (ص): يا بلال، هلم عليَّ بالناس، فاجتمع الناس فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعصِّباً بعمامته، متوكئاً على قوسه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: معاشر أصحابي، أيُّ نبيٍّ كنتُ لكم! ألم أُجاهد بين أظهركم، ألم تُكسر رباعيتي، ألم يُعفَّر جبيني، ألم تسلِ الدماء على حرِّ وجهي حتى لثقت لحيتي، ألم أُكابد الشدَّة والجهد مع جهَّال قومي، ألم أربطْ حجرَ المجاعة على بطني؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لقد كنتَ لله صابرا، وعن منكر بلاء الله ناهي، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء .."(1).

شرح الرواية:

فقولُه (ص) -بحسب الرواية-: "ألم تُكسر رباعيتي، ألم يُعفَّر جبيني، ألم تسلِ الدماء على حرِّ وجهي حتى لثقت لحيتي" يُشير إلى ما وقع له يوم أُحد بعد أن قُتل من أصحابه قرابة السبعين وفي طليعتهم حمزة بن عبد المطلب وانهزم المسلمون، وثبت هو (ص) والإمامُ عليٌّ (ع) وعددٌ يسير من أصحابه لا يتجاوز السبعة، وحينها أصابت النبيَّ (ص) جراحةٌ بليغة في جبهته الشريفة من رمية رماه بها أحدُ المشركين، وأخرى في وجنتِه من حجرٍ رضخه بها عتبة بن أبي وقاص -وقيل غيره- فشجَّت وجهه الشريف وأصابت رباعيتَه وأدمت لثَّته وشقَّت شفتيه أو شفته السفلى، وورد أنَّ الرسول (ص) تعثَّر يومذاك في أرض المعركة في حفرة فأقامه أميرُ المؤمنين (ع)(2) وهذا -ظاهراً- هو معنى قوله (ص): "ألم يُعفَّر جبيني" ومعنى لثِقت من قوله (ص): "حتى لثِقت لحيتي" هو أنَّها اخضلَّت وابتلت بالدماء.

ومعنى الرباعيَّة هي السنُّ الذي يكون بين الثنيَّة والناب، اثنان منهما في الفكِّ الأعلى واحدٌ عن يمين الثنيَّة والآخر عن يسارها، واثنان في الفكِّ الأسفل عن اليمين واليسار، فرباعيتان في الفكِّ الأعلى ورباعيتان في الفكِّ الأسفل، وكلُّ واحد من الأربعة يُسمَّى رباعية، والرباعية التي قيل إنَّها كُسرت من رسول الله (ص) هي السفلى، والظاهر أنَّها الواقعة في الجهة اليسرى.

وأمَّا أنَّه هل ثبت أنَّ رباعيَّة الرسول (ص) قد كُسرت؟

فجوابه أنَّ ذلك قد ورد في العديد من الروايات الواردة من طُرق الفريقين، فممِّا ورد من طرقنا -مضافاً للرواية المذكورة- هو ما أورده الشيخ الصدوق في الخصال وعيون أخبار الرضا (ع) عن الإمام الرضا (ع) أنَّه قال: "ويوم الأربعاء شُجَّ وجهُ النبيِّ (صلى الله عليه وآله) وكُسرتْ رباعيتُه"(3).

ومن ذلك ما أورده العياشي في تفسيره عن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) وذكر يوم أحد أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كُسرت رباعيتُه وان الناس ولَّوا مصعدين في الوادي، والرسول يدعوهم في أخريهم .. وجاء أبو سفيان فعلا فوق الجبل .. فقال: أعلُ هبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ: اللهُ أعلى وأجلُّ، فكُسرتْ رباعيةُ رسول الله واشتكت لثَّتُه .."(4)

وأورد الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: لمَّا كان يوم أُحد شجَّ النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) في وجهِه، وكُسرت رباعيته، فقام (عليه السلام) رافعاً يديه يقول: إنَّ الله اشتدَّ غضبُه على اليهود أنْ قالوا: عزير بن الله، واشتدَّ غضبُه على النصارى أن قالوا: المسيح بن الله، وإنَّ الله اشتدَّ غضبُه على من أراقَ دمي وآذاني في عترتي"(5).

هذه بعض الروايات الواردة من طرقنا وقد اشتملتْ على إفادة أنَّ الرسول (ص) قد كُسرت رباعيته يوم أحد، والمعنى المستظهَر بدواً من كسر رباعيته هو أنَّها تشظَّت بفعل الضربة التي أصابتها فانفصل شيءٌ منها.

الروايات النافية لكسر رباعيَّته (ص):

وفي مقابل هذه الروايات ورد ما ينفي أنَّ رباعية رسول الله (ص) قد كُسرت، فمن ذلك ما رواه الشيخ الصدوق بسندٍ موثَّق عن زرارة قال: ".. أتينا أبا جعفر (عليه السلام) فقال لنا: أين كنتم أمس فإنِّي لم أركم فأخبرناه -إلى قوله- فقلنا له: ورُويَ لنا أنَّه كسرت رباعيته - الرسول (ص). فقال (ع): لا، قبضه اللهُ سليما ولكنَّه شُجَّ في وجهه فبعث عليَّاً (ع) فأتاه بماءٍ في حجفة فعافه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنْ يشرب منه وغسل وجهَه"(6).

ومن ذلك ما ورد في كتاب أبان بن عثمان: "إنَّه لمَّا انتهت فاطمة (عليها السلام) وصفية إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونظرتا إليه قال لعليٍّ (عليه السلام): أمَّا عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة فدعها، فلما دنت فاطمة (عليها السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورأته قد شُّجَّ في وجهه وأُدمي فوه إدماءً صاحت وجعلت تمسح الدم، وتقول: اشتدَّ غضبُ الله على مَن أدمى وجهَ رسول الله (ص)، وكان يتناول في يده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يسيل من الدم فيرميه في الهواء فلا يتراجع منه شيء. قال الصادق (عليه السلام): والله لو سقط منه شيء على الأرض لنزل العذاب.

قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة، قال: قلتُ: كسرتْ رباعيته كما يقوله هؤلاء؟ قال: لا والله ما قبضه اللهُ إلا سليماً، ولكنَّه شُجَّ في وجهه، قلتُ: فالغار في أحد الذي يزعمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صار إليه، قال: والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم؟ قال: "اللهمَّ اهدِ قومي"(7).

الجمع بين الروايات وتعيُّن عدم الكسر:

ومقتضى الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات هو أنَّ رباعيَّة النبيِّ (ص) قد أُصيبتْ يوم أُحد ولكنَّها لم تُكسر بمعنى أنَّه لم يتشظَّ منها شيء، والمراد من الكسر هو أنَّها دُقَّت -كما عبَّر بعضهم (8)- أي أنَّها رُضَّتْ بفعل الحجر الذي أصابته ويؤيِّد ذلك ما ورد في بعض الروايات من التعبير بأنَّ رباعيته قد أُدميت والتعبير في روايةٍ أخرى أنَّها ضربت.

فالأول: ورد في كتاب الغيبة للنعماني بسنده إلى بشير النبال قال: ".. لمَّا قدمتُ المدينة قلتُ لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): إنَّهم يقولون: إنَّ المهديَّ لو قام لاستقامتْ له الأمور عفوا، ولا يُهريق محجمةَ دم، فقال: كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحدٍ عفوا لاستقامت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أُدميت رباعيته، وشُجَّ في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق، ثم مسح جبهته"(9).

أقول: الاستعاضة عن الكسر بالإدماء ظاهر في عدم تحقق الكسر بالمعنى المتبادر وإلا كان ذلك هو الأولى بالذكر.

الثاني: ورد أيضاً في كتاب الغيبة للنعماني بسنده عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: "ألا أريك قميص القائم الذي يقوم عليه؟ فقلت: بلى. قال: فدعا بقمطر ففتحه وأخرج منه قميص كرابيس فنشره، فإذا في كمه الأيسر دم، فقال: هذا قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي عليه يوم ضُربتْ رباعيته، وفيه يقومُ القائم، فقبلت الدم ووضعته على وجهي، ثم طواه أبو عبد الله (عليه السلام) ورفعه"(10).

 

أقول: التعبيرُ بـ "ضُربت" بدلاً من كُسرت يؤيد أنَّ رباعيته (ص) لم تُكسر بمعنى التشظِّي وإلا كان الأولى التعبير بالكسر.

وعلى أيِّ تقدير فإنَّه يكفي لترجيح عدم الكسر بالمعنى المتبادر هو النفي الصريح الوارد في موثقة زرارة، ورواية أبان، وأما الروايات التي عبَّرت بالكسر -فبغض النظر عن أسنادها- فهي لا تزيد عن الظهور في المعنى المتبادر، ولهذا يتعيَّن صرف هذا الظهور إلى المعنى المناسب للنفي الصريح للكسر -الوارد في موثقة زرارة، ورواية أبان- المؤيَّد بالروايات التي عبَّرت بالإدماء والضرب.


الهوامش: 1- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص733. 2- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج1 / ص277. 3- الخصال -الشيخ الصدوق- ص389، عيون أخبار الرضا (ع) -الشيخ الصدوق- ج2 / ص598. 4- تفسير العياشي -العياشي- ج1 / ص201. 5- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص142. 6- معاني الأخبار -الشيخ الصدوق- ص406. 7- إعلام الورى بأعلام الهدى -الشيخ الطبرسي- ج1 / ص179. 8- شرح نهج البلاغة -الشيخ ابن ميثم البحراني- ج4 / ص367. 9- الغيبة -الشيخ النعماني- ص294، 295. 10- الغيبة -النعماني- ص250.
2022/09/25

ما موقف عمر بن عليّ (ع) من واقعة الطف؟
إنّ من يرجع إلى كتب التاريخ التي عُنيت بواقعة كربلاء وكذلك التراجم التي عرضت لشخصية عمر بن عليِّ بن أبي طالب الملقَّب بعمر الأطرف ربّما يرى موقفه في واقعة الطف قد شابه بعض الغموض الذي ينبغي كشفه وبيانه وفقاً لقواعد النقد العلميّ الذي سلكه العلماء وذوو الاختصاص، إذْ وردت بعض الأخبار التي تفيد أنّه استشهد في واقعة الطف، وبإزائها أخبارٌ أخرى تفيد أنّه مـمّنْ تخلّف عن الأمام الحسين (ع)، وإليك بيان ذلك بحسب ما يسع المقام.

[اشترك]

فأقول: أمّا المصادر التي أفادت أنّه ممن استشهد في واقعة الطف، فقد وجدنا مصدرين يذكر ان ذلك بحسب تتبّعنا:

أحدهما: ما ذكره ابن أعثم الكوفي في الفتوح - وتبعه على ذلك الخوارزمي في مقتل الحسين (ع)- أنَّ عمر بن عليٍّ كان ضمن من استُشهد من أولاد أمير المؤمنين (ع) بين يدي الحسين (ع) في كربلاء، إذْ قال في سياق الاستعراض لتفاصيل ما وقع يوم عاشوراء في كربلاء: ثم تقدَّم إخوةُ الحسين عازمين على أنْ يموتوا من دونه، فأولُ من تقدَّم أبو بكر بن علي- واسمه عبد الله .. فحمل عليه رجلٌ من أصحاب عمر بن سعد يُقال له زُحر بن بدر النخعي فقتله (رحمه الله) فخرج من بعده أخوهُ عمر بن عليٍّ فجعل يقول:

أضربكم ولا أرى فيكم زُحر ذاك الشقيُّ بالنبيِّ من كفر

قال: ثم حملَ على قاتل أخيه فقتلَه، واستقبل القوم فجعل يضربُ فيهم بسيفه ضربًا منكرًا وهو يرتجز ويقول:

خلُّوا عداة الله خلوا عن عمر         خلُّوا عن الليث العبوس المكفهر

ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قُتل (رحمه الله). [ينظر: الفتوح -ابن أعثم الكوفي- ج5 / ص112. مقتل الحسين ع الخوارزمي- ج2 / ص33].

والمصدر الآخر: ما أورده ابن شهر اشوب في المناقب فهو يذكر ما يقرب من هذا النصِّ، ثمَّ بعد ذلك يقول: ثم برز أبو بكر بن علي (ع) قائلا:

شيخي عليٌّ ذو الفخار الأطولِ

فلم يزل يقاتل حتى قتلَه زجر بن بدر الجعفي، ويُقال عقبة الغنوي. ثم برز أخوه عمر وهو يرتجز:

خلُّوا عداة الله خلو عن عمر          خلوا عن الليث الهصور المكفهر

وقتل زجرا قاتل أخيه ثم دخل حومة الحرب". [ينظر: مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب-ج3 / ص255].

وأمّا الأمور التي أفادت بأنّه ممَن تخلَّف عن الإمام الحسين (ع) فلم يحظَ بالشهادة بين يديه، فمنها:

أوّلاً: هناك مجموعة من الأخبار يظهر منها بقاؤه إلى ما بعد أحداث كربلاء بزمنٍ ليس باليسير، فقد قيل إنَّ عمره بلغ خمسًا وسبعين أو سبعًا وسبعين سنة كما في كتاب (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب- ابن عنبة- ص362). وبناءً عليه تكون وفاتُه قد وقعت في أيَّام إمامة الإمام السجاد (ع) وقيل إنَّه بقي إلى أيام الوليد بن عبد الملك كما في كتاب (تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج45 / ص306)، وبناءً عليه تكون وفاتُه قد وقعت بعد السنة السادسة والثمانين التي تسلَّم فيها الوليد زمام الخلافة الأمويَّة بل قيل إنَّ عمره امتدَّ إلى أنْ بلغ خمسًا وثمانين سنة كما في كتاب (سر السلسلة العلويَّة -لأبي نصر البخاري- ص96)، فإذا كان مولده في بداية خلافة عمر فوفاته بناءً على ذلك تكون في نهاية العقد التاسع من الهجرة.

وثانياً: قال أبو نصر البخاري في سرِّ السلسلة العلويَّة (ص96) عن عمر بن عليٍّ أنَّه: "دعاه الحسين (عليه السلام) إلى الخروج معه فلم يخرج، فلمَّا أتاه مصرعُه خرج في معصفراتٍ له وجلس بفناء داره. ويقول: أنا الغلامُ الحازم ولو خرجتُ معهم لذهبتُ في المعركة وقُتلت. [ينظر أيضاً: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب- ابن عنبة- ص 362].

وثالثاً: أورد الشيخ المفيد في الإرشاد (ج2 / ص150) قال: روى هارون بن موسى قال: حدَّثنا عبد الملك بن عبد العزيز قال: لمَّا وليَ عبد الملك بن مروان الخلافة ردَّ إلى عليِّ بن الحسين صلوات الله عليهما صدقات رسول الله وعليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما، وكانتا مضمومتين، فخرجَ عمر بن عليٍّ إلى عبد الملك يتظلَّم إليه من نفسه، فقال عبد الملك: أقول كما قال ابن أبي الحقيق، وتمثَّل بأبياتٍ له، وامتنع من إعطائه أو إشراكه في الولاية على صدقات أمير المؤمنين (ع).

وفي أنساب الأشراف (ج7 / ص231) أنَّ عبد الملك قال بعد تمثله بأبيات ابن أبي الحقيق: "لا لعمري لا أُخرجها من ولد الحسين إليك، ووصله عبد الملك ورجع من عنده. وأورد هذه القضية -مرسلة- ابنُ شهراشوب في المناقب (ج3 / ص308) مع اختلافٍ في شيء من تفاصيلها.

ورابعاً: ما نقله ابن شهر اشوب في المناقب (ج3 / ص308) قال: دخل محمد بن عمر على علي بن الحسين (ع) فسلَّم عليه وأكبَّ عليه يُقبِّله، فقال عليٌّ (ع): يابن عم لا تمنعني قطيعةُ أبيك أنْ أصل رحمك، فقد زوجتُك ابنتي خديجة ابنة علي.

وخامساً: ومـمّا يؤيّد ذلك أنّ المزّيّ أحد علماء السنّة ترجم له في كتابه تهذيب الكمال (ج2 / ص479)، ولكنَّه لم يذكر أنَّه استُشهد في كربلاء بل ذكر أنَّه درج أي مات، على أنَّه نصَّ على أسماء من قُتل في كربلاء ولو بنحو الاحتمال ولم يذكره منهم.

ولأجل التعارض بين الأخبار في موقفه من واقعة الطف توقّف في أمره بعض العلماء كالعلامة المامقانيّ (قدس) كما ذكر ذلك المحقّق التستريّ في قاموس الرجال (ج8/ص214).

ولكنْ جملة من أعلامنا المحقّقين أكّدوا على أنّه ممّن تخلّف عن واقعة الطف، فمثلاً: السيدّ الخوئيّ قدس حين عرض إلى ترجمته في معجم رجال الحديث (14/52) أكّد على أنّه لم يذكر في المستشهدين في واقعة الطف في شيءٍ من الكتب المعتمد عليها.

وجزم بذلك المحقّق التستريّ في كتابه (قاموس الرجال، ج ٨، ص ٢١٤) لـمّا قال: أمّا عدم حضوره الطفّ فأمر مقطوع، فذكر الطبري وابن قتيبة وابن عبد ربّه وأبو الفرج والمفيد وغيرهم من العامّة والخاصّة من شهد الطفّ ومن قتل معه - عليه السّلام - ولم يذكروه فيهم ولم يشيروا إلى اختلاف فيه، كما أشاروا في عبيد اللّه بن عليّ، وإبراهيم بن عليّ، وعليّ بن عقيل ، وجعفر بن محمّد بن عقيل.

2022/09/08

وطنٌ موحىً به وأرث عظيم قد تَنخَّلَ النجف

*حسن الشمري

إشارة: المقال يتعلق بالموروث المغيب من تراث النجف وكربلاء وما يعنى بتلك الهضبة النفيسة التي كادت تُدرس قاعاً أثارها وتطمس ظلماً أحوالها لولا كلمات على عليه السلام.

[اشترك]

 

١- النجف وكربلاء وحدة جغرافية متسقة:

 يحسب اغلب النظّار والباحثين أن ظهر الكوفة يتحدد بالنجف فقط ‏بيد أن الروايات تشير إلى أبعد من ذلك.

 ‏كقوله عليه السلام بحق ولده :(بأبي وأمي الحسين المقتول بظهر الكوفة) [كامل الزيارات]

 ‏ومنه يعرف ان ظهر الكوفة يبدأ بقبر أمير المؤمنين -عليه السلام- فطارات (هضاب) النجف انتهاءً بطارات كربلاء وحتى قبر  الحسين -عليه السلام-.

٢- ‏البحر الأحمر والكوفة الحمراء :

 في الجنوب الشرقي من الهضبة يقع بحر النجف، وعثر له في المسماريات تسمية أخرى تعد مهجورة اليوم ، حيث كان يعرف باسم "بانقيا" وهي من لفظ "فينيقيا" وتعني الأرض الحمراء ؛ ‏- (با) تعني الأرض  (نيقيا)تعني أحمر- وإنما سمي كذلك تبعاً لتسمية الأرض التي كانت تعرف باسم "الكوفة الحمراء" أو الأرض الحمراء" ؛ إذ كان فيما مضى يتخذ منها ما يصير في اصباغ  الدباغة والزينة.

ثم اعلم أنه كان يتصل بالخليج العربي مداً، ولذا تجد في خريطة "هيرو دوت"  «البحر الأحمر» مكان الخليج العربي وفي غيرها «الخليج الأحمر »  وإنما اكتسب التسمية لأتصاله ببحر النجف[ بحر الأرض الحمراء].

وقال الإمام الجوهري في الصحاح في قوله: الكوفة: الرملة الحمراء، وبها سميت الكوفة([1]).

٣- وطنٌ موحىً به قد أستعجم على الباحثين من ساح فيه :

 من كان ليدري أن بين ربوع هذه البقعة المباركة حلَّ غير واحد من أولي العزم  يصلي فيها راتباً ويتخذ منها سكناً ..

 ‏لولا ما ورد معتبرا عن أهل البيت عليهم السلام ، سيما ما روي عن علي -عليه السلام - ‏حيث قال (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله بما لم يحبُ به أحداً مِنْ فَضْلِ مُصَلاَّكُمْ بَيْتِ  آدَمَ وَ بَيْتِ  نُوحٍ وَ بَيْتِ  إِدْرِيسَ وَ مُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلِ وَ مُصَلَّى أَخِي  اَلْخَضِرِ (١) عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ مُصَلاَّيَ وَ إِنَّ مَسْجِدَكُمْ هَذَا لَأَحَدُ اَلْأَرْبَعَةِ اَلْمَسَاجِدِ اَلَّتِي اِخْتَارَهَا اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَهْلِهَا...، وَ لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ زَمَانٌ يكون مُصَلَّى  اَلْمَهْدِيِّ مِنْ وُلْدِي.. -الخبر- ).

1): هو إلياس صاحب الرجعة في بني إسرائيل والذي كان موجودا في السبي البابلي ومن أسماءه ايضا: (إيليا ،وأرميا وحسقيال، وعزير) واعلم أنه غير  العبد الصالح الذي كان موسى- عليه السلام- محجوجاً به يوم خرقَ السفينة وقتل الغلام ؛إذ ذاك لآخرُ فلا يُتاه بك .

٤-  الكوفة  أول الطور:

وهو ما جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله اختار من البلدان أربعة، فقال عز وجل " والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين " فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكة -الخبر-)

وقوله عليه السلام :(أدفنوني في هذا الظهر فإنه أول طور سينين(2).

يتحصل من مجموع الأخبار ، كالخبرين الآنفين أن طور سينين من الكوفة ، أو أن الكوفة من طور سينين ، أو هما متطابقان ، أو لبيان الحد.


*مقتطف من أبحاث السيد سامي البدري
الهوامش: (1): سينين وسيناء من أسماء بابل وتعني الحكمة والمعرفة  ويعاضده أن الفرات الذي يشق سيناء –بابل- له تسمية  تشاكله في المعنى اذ يسمى (اب گال) وتعني :الاب الحكيم ، بل تسمية شطر منه اليوم  بالهندية لم تأتي عن فراغ وإنما هي لفظة أكدية- انديقي-  وتعني الحكمة ايضا. (2)  الصحاح للجوهري 4: 1424. مادة كوف.

 

2022/09/04

ما حقيقة كثرة زيجات الإمام الحسن (ع)؟!

عددُ أولادِ الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السّلام): وقعَ خلافٌ فيه وهو على أقوال:  

فقيلَ: أحدَ عشرَ ذكراً وثلاثُ بناتٍ، (ينظرُ: تاجُ المواليد ص103). وقيلَ: ثلاثةَ عشرَ ذكراً وبنتٌ واحدةٌ، (ينظر: مناقبُ آلِ أبي طالب ج3 ص192).  وقيلَ: خمسةَ عشرَ ولداً ذكراً وأنثى، ينظر: (الإرشادُ ج2 ص20). وقيلَ: ثلاثةٌ وعشرونَ ولداً ذكراً وأنثى، (ينظر: لبابُ الأنسابِ ج1 ص342، المُختصرُ في أخبارِ البشرِ ج1 ص183). وهناكَ أقوالٌ أخرى، ولكنّها مِن حيثُ العدد دونَ القولِ الأخير.  

وأمّا عددُ زوجاتِ الإمامِ المُجتبى (عليهِ السّلام): فقد أحصى بعضُ المُحقّقينَ [ينظر: سيرةُ الحسنِ (عليهِ السّلام) ج2 ص112] أسماءَ النّساءِ اللاتي ذُكرَ في أنّهنَّ نلنَ شرفَ الزوجيّةِ بالإمامِ (عليهِ السّلام) أو المشكوكِ بزواجهنّ، فإذا بها لا تزيدُ على العشرين. ومنَ المعلومِ أنّ هذا العددَ يتناسبُ معَ عددِ الأولاد.  

[اشترك]

والأقوالُ المذكورةُ عندَ المؤرّخينَ وغيرِهم في عددِ زوجاتِ الإمامِ كثيرةٌ جدّاً، يصعبُ الرّكونُ لها والجمعُ بينَها، بل بعضُها غريبةٌ وشاذّةٌ، والملاحظُ أنّ جملةً مِنها لمُستشرقينَ ولعلماءِ المُخالفينَ، وقد ذهبَ بعضُ المُحقّقينَ إلى أنّ هناكَ أياديَ مُغرضةً للمساسِ بسبطِ النبيّ الأكرمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) واللمزِ به ـ كما سيأتي الإشارةُ لها، ينظر: سيرةُ الحسنِ (عليهِ السّلام) في الحديثِ والتّاريخ ج2 ص95، موسوعةُ أهلِ البيتِ (عليهم السّلام) ج11 ص447.  

وأمّا ما حُكيَ في كتبِ الإماميّةِ عَن أئمّتِنا (عليهم السّلام) بهذا الخصوصِ فهوَ ما رُويَ في [الكافي ج6 ص56] عنِ الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السّلام): « إنّ الحسنَ بنَ عليٍّ (عليهما السّلام) طلّقَ خمسينَ إمرأةً، فقامَ عليٌّ (عليهِ السّلام) بالكوفةِ فقالَ: يا معاشرَ أهلِ الكوفةِ، لا تُنكحوا الحسنَ، فإنّهُ رجلٌ مطلاقٌ، فقامَ إليهِ رجلٌ فقالَ: بلى واللهِ لنُنكحنَّه، فإنّهُ إبنُ رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وإبنُ فاطمةَ (عليها السّلام)، فإن أعجبَتهُ أمسَك وإن كرهَ طلّق »، وهذهِ الرّوايةُ في سندِها كلامٌ لدى المُحقّقينَ، فحكمَ عليها مثلَ العلّامةِ المجلسيّ بالجهالةِ، (ينظر: مرآةُ العقولِ ج21 ص96).. وهيَ مُرتبطةٌ بما وردَ مِن أنّ الإمامَ الحسنَ كانَ مِطلاقاً.  

وهذهِ الرّواياتُ التي ذكرَت أنّ الإمامَ الحسنَ (عليهِ السّلام) كانَ مِطلاقاً فيها مناقشاتٌ صدوريّةٌ ودلاليّةٌ، نذكرُ بعضَها على نحوِ الإجمال:  

الأوّلُ: أنّ أسانيدَ الرّواياتِ في ذلكَ ليسَت نقيّةَ الإسنادِ، وفيها مجالٌ للمُناقشةِ بأسانيدِها والقدحِ بها وفقَ جملةٍ مِن مباني العلماءِ، ومجرّدُ ورودِها في كتبِنا لا يجعلُها مسلَّمةً عنِ المُناقشةِ والنّقدِ. خصوصاً أنّ كثرةَ الزّوجاتِ لا يتناسبُ معَ عددِ الأولادِ، كما أنّه لم يُعثَر على أسماءٍ تزيدُ على العشرينَ إسماً مِن زوجاتِه (عليهِ السّلام)، يضافُ لذلكَ ما قيلَ مِن أنّهُ لم يُعثَر في التاريخِ على أنّ الإمامَ (عليهِ السّلام) طلّقَ زوجةً غيرَ عائشة الخثعميّة التي أظهرَت الشّماتةَ بقتلِ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السّلام)، فقالَ لها الحسنُ (عليه السّلام): « ألِقتلِ عليٍّ تُظهرينَ الشّماتةَ؟! إذهبي فأنتِ طالق » [ينظر: تاريخُ دمشقَ ج13 ص249]، فأينَ كثرةُ الطّلاق؟!  

الثاني: لو فرضنا أنّها سليمةُ الإسنادِ، ولكنّها مِن أخبارِ الآحادِ، وهيَ حجّةٌ في المسائلِ الشرعيّةِ، وأمّا المسائلُ المعرفيّةُ كقضيّتِنا التي نبحثُ عنها ـ فلا يكفي كونُ الخبر ِواحداً، بل يجبُ أن يكونَ متواتراً أو واحداً مجبوراً ومحفوفاً بالقرائنِ الموجبةِ للقطعِ، كما هوَ مبنى جماعةٍ منَ الأعلامِ ـ كالآخوندِ الخراسانيّ ـ في معنى الحُجّيّةِ مِن أنّها جعلُ المُنجزيّةِ والمعذريّةِ، وهيَ لا تتعقّلُ إلّا فيما إذا كانَ لمؤدّاهُ أثرٌ شرعيّ، وهوَ مُنتفٍ في المقامِ، (ينظر: مصباحُ الأصولِ ج2 ص239).   

الثالثُ: لو سلّمنا أنّها تامّةُ الصّدورِ، فإنّ هذهِ الرّوايةَ المرويّةَ عنِ الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السّلام) وغيرِها، فيقالُ بأنّها صدرَت منَ الأئمّةِ (عليهم السّلام) على نحوِ التقيّةِ؛ فإنّ أحدَ أنواعِ التقيّةِ هوَ الإخبارُ بما هوَ متداولٌ عندَ الغيرِ، ومثلُ هذا ـ أي كونُ الحسنِ مِطلاقاً ـ قضيّةٌ إشتهرَت في زمانِه لدى الأغيارِ، والإمامُ جاراهُم في ذلكَ تقيّة. وقد رجّحَ مثلُ الشيخِ باقر شريف القرشيّ (رحمَه اللهُ) أن يكونَ أصلُ القضيّةِ مِن إفتعالاتِ أبي جعفرٍ المنصورِ العباسيّ ـ وعنهُ راجَت بينَ المؤرّخينَ والنّاسِ ـ؛ بسببِ ما قامَ بهِ الحسنيّونَ منَ الثّوراتِ التي كادَت أن تطيحَ بسلطانِه، وقد خطبَ خُطباً مليئةً بالأكاذيبِ والمُغالطاتِ للقدحِ والنّيلِ مِن أميرِ المؤمنينَ وإبنِه الحسنِ (عليهما السّلام)، ينظر: موسوعةُ سيرةِ أهلِ البيتِ (عليهم السّلام) ج11 ص456. 

الرّابعُ: أنّ المُسلمينَ كانَت لهُم الرّغبةُ بنيلِ شرفِ الإتّصالِ بالنبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، وكانوا يعرضونَ على الإمامِ الحسنِ (عليهِ السّلام) الزّواجَ مِن بناتِهم، معَ تخييرِه بالإمساكِ أو الطّلاقِ، حيثُ كانَت غايتُهم شرفُ المُصاهرةِ معَ ذريّةِ النّبيّ الأعظمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، وهوَ فخرٌ ومجدٌ غيرُ خافٍ على العاقلِ المُنصفِ، معَ ما كانَ للحسنِ (عليهِ السّلام) مِن جمالٍ وصفاتٍ وسجايا، وكانَ الحسنُ (عليهِ السّلام) يُلبّي طلبَهم وينزلُ تحتَ رغبتِهم..

وهذا ما وردَ في نفسِ تلكَ النّصوصِ، فقد وردَ في نفسِ الرّوايةِ المُتقدّمةِ مِن قولِهم لأميرِ المؤمنينَ (عليه السّلام): « بلى واللهِ لنُنكحنّهُ، فإنّه إبنُ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وإبنُ فاطمةَ (عليها السّلام)، فإن أعجبَتهُ أمسكَ وإن كرهَ طلّق». وقد جعلَ الشّيخُ الكلينيّ هذهِ الرّوايةَ وغيرَها ضمنَ (بابِ تطليقِ المرأةِ غير ِالموافقةِ)، والمُرادُ هوَ طلاقُ الزّوجاتِ اللّاتي لم يحصُل توافقٌ بينهنَّ وبينَ الزّوجِ، وفي مثلِ ذلكَ لا غضاضَة منَ الطّلاقِ كما لا يخفى.  

2022/09/04

ما صحة الروايات التي تذمّ ’ المختار الثقفي’؟!
وردت روايتان بهذا المضمون في حقّ المختار، ولكنّهما ضعيفتان، وقد نبّه على ذلك كثير من أهل العلم منهم السيّد الخوئيّ (قدس) حين عرض لترجمة المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ في كتابه (معجم رجال الحديث، ج ١٩/ص ١٠٦).

[اشترك]

إذْ نبّه هناك على أنّ بعض العلماء ذهب إلى أن المختار بن أبي عبيدة لم يكن حسن العقيدة، وكان مستحقا لدخول النار، وبذلك يدخل جهنم، ولكنه يخرج منها بشفاعة الحسين عليه السلام، ومال إلى هذا القول شيخنا المجلسي - قدس الله نفسه - وجعله وجها للجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب. البحار: باب أحوال المختار 49، من المجلد 45 من الطبعة الحديثة، في ذيل حديث 5، الذي حكاه عن السرائر.

واستند القائل بذلك إلى روايتين ، الأولى : ما رواه الشيخ بإسناده ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن أحمد بن أبي قتادة ، عن أحمد بن هلال ، عن أمية بن علي القيسي ، عن بعض من رواه ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قال لي : يجوز النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصراط، يتلوه علي ، ويتلو عليا الحسن ويتلو الحسن الحسين ، فإذا توسطوه نادى المختار الحسين عليه السلام : يا أبا عبد الله إني طلبت بثأرك فيقول النبي صلى الله عليه وآله للحسين عليه السلام : أجبه فينقض الحسين في النار كأنه عقاب كاسر ، فيخرج المختار حممة ولو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه . التهذيب: الجزء 1، باب تلقين المحتضرين من الزيادات، الحديث 1528.

وذكر في السرائر عن كتاب أبان بن تغلب ، قال : حدثني جعفر بن إبراهيم بن ناجية الحضرمي ، قال : حدثني زرعة بن محمد الحضرمي، عن سماعة بن مهران، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا كان يوم القيامة مر رسول الله صلى الله عليه وآله بشفير النار، وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ، فيصيح صائح من النار: يا رسول الله يا رسول الله يا رسول الله أغثني. قال : فلا يجيبه، قال: فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني، فلا يجيبه، قال: فينادي يا حسن يا حسن يا حسن أغثني، قال فلا يجيبه، قال: فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك، قال فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله قد احتج عليك ، قال : فينقض عليه كأنه عقاب كاسر، قال : فيخرجه من النار، قال: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: من هذا جعلت فداك؟ قال عليه السلام: المختار، قلت له : فلم عذب بالنار وقد فعل ما فعل؟ قال عليه السلام: إنه كان في قلبه منهما شئ، والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لو أن جبرئيل، وميكائيل، كان في قلبهما شئ لأكبهما الله في النار على وجوههما (انتهى ).

أقول: الروايتان ضعيفتان، أما رواية التهذيب فبالإرسال أولاً، وبأمية بن علي القيسي ثانيا. وأما ما رواه في السرائر فلان جعفر بن إبراهيم الحضرمي لم تثبت وثاقته، على أن رواية أبان عنه وروايته عن زرعة عجيبة، فإن جعفر بن إبراهيم إن كان هو الذي عده الشيخ من أصحاب الرضا عليه السلام فلا يمكن رواية أبان عنه وإن كان هو الذي عده البرقي من أصحاب الباقر عليها السلام فروايته عن زرعة عجيبة، وقد أشرنا في ترجمة محمد بن إدريس، إلى أن كتاب ابن إدريس فيه تخليط.

هذا وقد قال ابن داود فيما تقدم منه (478) بعد ما ذكر روايات المدح وما روي فيه (المختار) مما ينافي ذلك: قال الكشي: نسبته إلى وضع العامة أشبه. انتهى.

أقول : ما نسبه ابن داود إلى الكشي ، لم نجده في اختيار الكشي ، ولعل نسخة أصل الكشي كان عنده ، وكان هذا مذكورا فيه ، وقد ذكرنا أنه مضافا إلى ضعف إسناد الروايات الذامة ، يمكن حملها على صدورها عن المعصوم تقية، ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيت سلام الله عليهم بقتله قتلة الحسين عليه السلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيت عليهم السلام يستحق بها الجزاء من قبلهم ، أفهل يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت ( ع ) يغضون النظر عن ذلك ، وهم معدن الكرم والاحسان ، وهذا محمد بن الحنفية بين ما هو جالس في نفر من الشيعة وهو يعتب على المختار (في تأخير قتله عمر بن سعد ) فما تم كلامه، إلا والرأسان عنده فخر ساجدا ، وبسط كفيه وقال: اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار أجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب. البحار: باب أحوال المختار من المجلد 45، من الطبعة الحديثة، المرتبة الرابعة مما حكاها عن رسالة شرح الثأر لابن نما في ذكر مقتل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد. (انتهى كلام السيد الخوئيّ).

ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب المختار بن أبي عبيد الثقفيّ للشيخ باسم الحليّ من إصدارات العتبة الحسينيّة المقدّسة ففيه تفصيل وتوضيح لكثير من الأمور الملتبسة.

2022/07/28

مقال جديد للسيد محمد باقر السيستاني: واقعة الغدير ودلالات اختيار الطريق
لقد ألقى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة الغدير في حالة السفر في أثناء العودة من مكة إلى المدينة بعد سفر الحج، وهذا الأمر يمثل خياراً غير اعتيادي من وجوه متعددة:

الأوّل: أنّ السفر لا يمثل موضعاً اعتيادياً للخطاب؛ لأنّه حالة عبور ومسير، والجموع المسافرة حتى وإن كانت متشاركة في الطريق لا تكون مجتمعة في مكان واحد، بل تنتشر على مساحة واسعة سواء في حال الاستراحة أو المسير، ومِن ثَمَّ فإنّ اجتماعها في مكان واحد لأجل سماع الخطبة لا يخلو عن عناء إضافي في سفر لا يخلو في أصله عن عناء.

الثاني: على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خطب في جموع المسلمين عدة خطب في مكة المكرمة في حجة الوداع على ما جاء في تاريخ السيرة النبوية والروايات التي تروي أحداثها، فقد خطب في مكة يوم التروية، ثُمَّ في اليوم التاسع عند الوقوف بعرفات، ثُمَّ في منى يوم العيد، ثُمَّ فيها في أوسط أيام العيد، ثُمَّ في مسجد الخيف يوم النفر، ثُمَّ كان سادسها خطبته في غدير خم بعد الخروج من مكة المكرمة، فلماذا لم يذكر ولاء عليّ على المسلمين في بعض خطبه بمكة.

وعليه فإنّه كان بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر ما جاء في خطبة الغدير في إحدى هذه الخطب، لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعل ذلك، بمعنى أنّه لم يذكر الولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) على المسلمين، رغم أنّه ذكر العديد من الإرشادات والأحكام، كما يظهر بمراجعتها لأجل الوقوف على وضوح ملاءمتها لذكر هذا المعنى.

الثالث: أنّ الحضور مِن المسلمين في مكة المكرمة كانت أكثر من الحضور مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الطريق إلى المدينة، مِن عدة جهات ثلاثة:

أوّلاً: حضور أهل مكة فيها، دون الطريق.

وثانياً: حضور أهل البلاد التي كانت وجهتهم تختلف عن اتجاه المدينة كما أهل الطائف واليمن.

وثالثاً: حضور أهل المناطق التي تقع بين مكة وبين غدير خم، فهم توقفوا عند الوصول إلى مناطقهم طبعاً، ولم يرافقوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غدير خم.

إذن نلاحظ أنّ اختيار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطريق إلى المدينة لإلقاء الخطبة خيار غير اعتيادي.

وفي ذلك دلالة على اهتمام غير اعتيادي طارئ مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمضمون الخطبة.

وهذا الأمر يؤكّد أنّ مضمون الخطبة كان أمراً غير اعتيادي، وليس تأكيداً على أمر معهود وعام.

وهذا يلائم كون مفاد الخطبة عقد الولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) على المسلمين؛ لأنّه فعلاً أمر خطير للغاية؛ لأنّه يفي بأمر متوقع بشكل أكيد، وهو تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مصير الحكم بعده، لا سيما وقد أخبر المسلمين من قبل في خطابه عن أنّه قد لا يلقاهم بعد عامهم هذا، كما أخبر في أوّل خطبة الغدير عن قرب وفاته.

وأمّا الولاء القائم بينه (عليه السلام) وبين المسلمين المتفرّع على الولاء العام لآحاد المسلمين بجامع الإسلام فذلك أمر قائم مِن قبل على أساس معلوم منذ بداية الإسلام، ولا سيما بعد تشكيل الدولة للمسلمين في المدينة قبل عشر سنوات من زمان إلقاء خطبة الغدير.

نعم، يبقى السؤال عن سرّ تأخير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيان الولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) عن مكة رغم المزايا المتقدمة لبيانها فيها لسعة الحضور والتسهيل على الناس.

والجواب عن هذا السؤال يقع على وجهين:

أمّا الوجه الأوّل: فهو أنّ من الجائز أنّ هذا الأمر لم يكن باختيار منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كان من جهة أنّ جبرئيل نزل عليه في الطريق وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، كما جاء في بعض روايات الإمامية.

ويشبه ذلك ما اتفق قبل واقعة الغدير بسنة تقريباً في اليوم الأوّل مِن السنة التاسعة للهجرة باتفاق مؤرخي السيرة والمحدثين، وذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر إلى مكة بآيات من صدر سورة البراءة ليقرأها على أهلها. فجاء جبرئيل من عند الله العزيز فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً على ناقته العضباء أو الجدعاء أثره فقال: أدركه فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه واذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم فلحقه عليّ عليه السلام في العرج أو في ذي الخليفة أو في ضجنان أو الجحفة وأخذ الكتاب منه وحج وبلغ وأذن([1]).

ومن الملاحظ تأخر جبرئيل في هذه الحادثة عن الوقت المتوقع، حيث جاء بعد أن بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر إلى مكة لقراءة أوّل السورة على المشركين، وبعد أن قطع أبو بكر مسافة من الطريق، بينما المتوقع أن يبلغه منذ البداية أو قبل خروج أبي بكر.

والذي يبدو أنّ السر في التأخير في هذه الواقعة هو أن يعلم أبو بكر وغيره من الصحابة أنّ تفضيل عليّ (عليه السلام) وتقديمه على الآخرين رغم صغر سنه بالمقارنة مع شيوخ الصحابة أنّما هو من الله تعالى وليس انحيازاً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابن عمه، فلو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّف علياً (عليه السلام) مِن أوّل الأمر بذلك لسبق إلى أذهان القوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دائماً يميز علياً (عليه السلام)، وليس إلا لأنّه ابن عمه، ولا ينصف فيه الآخرين، لكن لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر حتى خرج ثمَّ أرجعه بأمر جبرئيل وبعث بدله علياً (عليه السلام) كان في ذلك دلالة واضحة على أنّ ذلك ليس منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم يكن يحتمل أحد من أخلاقه ولا من صدقه أن يتكلّف هذا المشهد تكلفاً.

وقد يحتمل مثل ذلك في المقام، وذلك أنّه لو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن ذلك للقوم في مكة اتهموه بأنّ ذلك برغبة منه إلى عليّ (عليه السلام)، فلما ترك ذلك حتى انتهى إلى وسط الطريق جاءه جبرئيل بالأمر ليوقن الصحابة أنّ ذلك لم يكن بهوى منه، بل كان امتثالاً لأمر جاء من الله تعالى.

وعلى كل تقدير فإنّ من الوارد على الإجمال وجود حكمة منظورة في التأخير في شأن واقعة الغدير، وإن لم نتبيّنه تفصيلاً، لا سيما مع عدم نقل جميع الحوادث والأمور التي كانت تجري بين الصحابة آنذاك.

والوجه الآخر: أنّ لنا أن نتوقع بعض الأسباب لتأخير إعلان الولاء الخاص للإمام (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى الخروج من مكة وبلوغ غدير خم من خلال تأمل حوادث السيرة آنذاك؛ ذلك أنه قد يتراءى مِن بعض الروايات أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تعرّض في خطبته في بعض مشاعر الحج ـــ وهي عرفات ـــ لمن يكون فيه الأمر من بعده، وذكر أنّ الأمر في قريش أو قال بني هاشم، وذكر أنه يكون منهم اثنا عشر خليفة، لكن حدث عند ذلك ضوضاء متعمّد مِن بعض الحضور أوجب عدم سماع بعض كلامه، مما يمكن أن يكون قد أدّى إلى عدم إتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) لكلامه حول ذلك.

وهذا حدث غريب اتفق على روايته المحدثون في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها مِن طريق جابر بن سمرة وإن خلا عنه سائر ما جاء عن خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعرفات.

فقد روى البخاري في صحيحه مِن طريق شعبة عن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (ص) يقول: يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي: إنه يقول: كلهم من قريش([2]).

وروى مسلم في صحيحه مِن طريق حصين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع النبي فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ثم تكلم بكلام خفي عليّ فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش([3]).

وروى أبو داود في سننه: بإسناده عن عامر عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثنا عشر خليفة فكبّر الناس وضجوا ثُمَّ قال كلمة خفيت قلت لأبي: يا أبه ما قال؟ قال: كلهم من قريش([4]). ويقرب منه ما رواه احمد في مسنده.

وروى الطبراني في المعجم الكبير بطريقه عن جابر بن سمرة قوله: فسمعته يقول: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهراً حتى يملك اثنا عشر كلهم... ثُمَّ لغط القوم وتكلموا فلم أفهم قوله بعدَ كلهم، فقلت لأبي: ما قال بعدَ كلهم؟ قال: كلهم من قريش)([5])

ومن الملاحظ أنّ الروايات عن جابر تجمع على خفاء جُزء مِن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذ الخطبة، إلا أنّ بعضها لا تذكر سبب الخفاء كرواية البخاري ومسلم، وبعضها الآخر الأكثر تفصيلا تنصّ على أنّ السبب في الخفاء تكبير القوم وكلامهم ولغطهم وضجيجهم كما في لفظ رواية أبي داود والطبراني، مما يدل على عدم احتمال القوم لكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لما كانوا يتوقعونه مِن تتمةٍ له بدرجة أدت إلى مشاكستهم إياه، وحيلولتهم دون سماع كلامه، بحيث ينتفي الأثر مِن إلقائه.

وعليه فإنّ هؤلاء المشاكسين سعوا من خلال الضجيج والضوضاء إلى إخفاء كلامه عن سائر الحضور حتى أنّ جابر لم يسمع الكلمة التي حدثت الضوضاء حين إلقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إياها فسأل أباه، وفي بعض الروايات ذكر أنّه سأل أباه وعمر بن الخطاب، وفي بعضها الآخر أنّه سأل عمه.

وهذا تصرف غريب للغاية، ولم أقف على مورد مماثل لذلك في السيرة النبوية، بأن يحدث جماعة من الصحابة لغطاً في أثناء كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطبته حتى لا يسمعه الناس.

وجاء في بعض آخر من ألفاظ الرواية (فجعل الناس يقومون ويقعدون)([6])، وهذه حركة غريبة تعبر عن أنّهم كانوا يبدون به عدم استقرارهم بشكل تلقائي قلقاً مما يمكن أن يبديه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسمعه للناس في هذا الشأن، أو تكون هذه الحركة منهم لأجل إبداء أنّهم مستعدون لإثارة الفتنة إذا استمر (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلامه في هذا الاتجاه.

وفي لفظ الرواية في بعض طرقها بني هاشم بدلاً عن قريش، ويبدو ذلك أنسب بأن يكون اللفظ الأصلي للرواية، لكنها غُيّرت إلى قريش كي لا تصادم خلافة الخلفاء الثلاثة الأوّلين، فغلب لفظ (قريش) في نقل الرواية واشتهر؛ لأنّه يبدو هو اللفظ المعقول في ضوء الواقع الذي وقع بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلّت رواية الحديث باللفظ الأصلي، وليس وقوع مثل ذلك بغريب في نقل الروايات كما يظهر بالممارسة والمقارنة بين ألفاظها كما يعلمه نقاد الحديث وصيارفته.

ومِن المحتمل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما ذكر أنّ الأمر في قريش أو بني هاشم أثار جماعة من الحضور الذين لم يكونوا يتحملون كون الأمر في قريش، أو في بني هاشم، فعارضوه بإثارة الضوضاء والكلام والقيام والقعود، وهذه المعارضة تدل على مبلغ اهتمامهم ورقابتهم على كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعدادهم للتعامل مع ما كان يصدر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث أنّهم أحسّوا بمجرد اقترابه (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن ذكر ما يكرهون حول ولاية الأمر.

وربما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد التدرج بذكر أهل البيت (عليهم السلام) والإمام عليّ (عليه السلام) كما فعل في خطبة الغدير، فانقطع (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن تتميم كلامه حذر الفتنة.

وليس هناك تفسير آخر قريب لإحداث الضجيج في وسط كلامه غير ذلك؛ فلماذا يقع الضجيج بين كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه لا يسمع صوته، وقد أمر المسلمين في القرآن برعاية الأدب في محضره؟ كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صوت النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ]([7]).

ويحتمل أن تكون هذه المعارضة قد حدثت مِن قبل الأنصار الذين يدلّ ما جرى منهم في السقيفة على أنّهم كانوا يريدون أن يكون الأمر لأنفسهم، دون قريش؛ لأنّهم الذين قام هذا الكيان على أكتافهم، والمدينة عاصمة هذا الكيان هي مدينتهم وموطنهم.

ولكن الأقرب أنّ المعارضة كانت من قبل سائر بطون قريش حذراً من ترجيح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعشيرته الأقربين، ونعني بها بني هاشم، وخاصة أقربهم إليه وهو الإمام عليّ (عليه السلام)، انحيازاً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـــ وفق تقديرهم ـــ إليهم، وجزاء على التزامهم منذ بداية البعثة بحمايته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل سائر بطون قريش.

وقد يحتمل الناظر أنّ الكلمة التي خفيت على جابر كانت كلمة (أهل بيتي)، ولكن الراوي لم يحكه على وجهه؛ لأنّه مِن الاتجاه الموالي لتولي قريش للأمر؛ لأنّهم قبيلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عدا بني هاشم وأهل بيته، فإنّ جابر سأل عمر وأباه سمرة، وعمر مِن قيادات هذا الاتجاه كما تمثل في موقفه في السقيفة على ما تقدم، و أمّا سمرة والد جابر فهو كان صهر سعد بن أبي وقاص ـــ من بطن بني زهرة من بطون قريش ـــ على أخته خالدة، وكان هو ـــ وكذا ابنه جابر ـــ من حلفاء بني زهرة، الذين صاهرهم، وكان اتجاه سعد تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وبني هاشم مثل اتجاه عمر وفق شواهد عديدة منها انحيازه إلى جانب عثمان دون عليّ (عليه السلام) في ستة الشورى، وامتناعه من بيعة الإمام (عليه السلام) بعد خلافته في نفر قليل من المهاجرين، وقد علم موقف ابنه عمر بن سعد من الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة كربلاء.

وقد يسأل سائل عن كيفية حدس الناس من الأنصار أو من قريش أنّه يريد أن يذكر قريش أو بني هاشم حتى يمانعوا من سماع صوته.

والجواب عن ذلك أنّ هناك عدة أسباب كانت توجب الحدس بذلك للنابهين، بل لعامة الناس المعنيين بهذا الأمر والمتحسسين له، منها:

أوّلاً: أنّ بني هاشم هم الأقربون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وترجيح الأقرب أمر طبيعي للغاية في المجتمع القبلي، بل في غالب المجتمعات القديمة.

ثانياً: أنّ بني هاشم هم الذين حموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل قريش، ومنعوا وصول أذى سائر بطون قريش له وحالوا دون قتله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحماية أبي طالب شيخ بني هاشم له (صلى الله عليه وآله وسلم) معروفة حتى سمي عام وفاته بعام الحزن، ولما افتقده اضطر إلى الهجرة إلى المدينة تخلصاً عن مكيدة سائر قريش به، وكان ابنه عليّ (عليه السلام) ظهره وحاميه وناصره في مواقفه كلها.

ثالثاً: أنّ علياً (عليه السلام) هو ابن عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبيه وأمه، وكان أبوه أبو طالب عمّ النبي هو الحامي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل جبروت قريش ومكائدها منذ بعثته إلى وفاته.

رابعاً: أنّ علياً (عليه السلام) كان أقرب الناس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد أودعه أبو طالب منذ صغره عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرافقه وتربى على يديه، وعندما بُعِث (صلى الله عليه وآله وسلم) آمن به بمحض الاطلاع عليه، فكان  (عليه السلام) أوّل من أسلم له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصلّى معه بعد زوجته خديجة، ثُمَّ كان (عليه السلام) هو الذي استجاب له (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جمع (صلى الله عليه وآله وسلم) عشيرته الأقربين في أوائل البعثة، وذكر أنّ من كان عوناً له ومؤدياً لدينه إن مات فإنّه يكون وزيره ووصيه، ثُمَّ لم يزل يميزه بتكليفه بأموره مثل تكليفه في الحرب إذا اشتدت، وتكليفه بأمر من السماء بتبليغ سورة البراءة بعد أن كان قد كلّف أبا بكر أوّلاً، ولم يزل يثني عليه ثناء مميزاً كلما وُفّق عليّ (عليه السلام) في أمر أوكله إليه في حروبه وغزواته، حتى آخى بينه وبين نفسه مرتين عندما آخى بين الصحابة مثنى ومثنى، وقد اعتبره منه بمثابة هارون من موسى، وقد خصّه بمزايا منها تزويجه من ابنته فاطمة، وجعل ابناءه (عليه السلام) ابناءه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل بيته بين بيوته، وكان متميزاً بكثرة اجتماعه معه، وقد سدّ أبواب الصحابة إلى المسجد إلا بابه، وصرّح أن حبه إيمان وبغضه نفاق.

إذن كان من السهل الحدس أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا عيّن أحداً للأمر بعده فإنّه سوف يعين ـــ لا محالة ـــ علياً (عليه السلام)، ولا يحتاج ذلك إلى مزيد ذكاء وتدقيق؛ ولذا أحدثوا الضوضاء للتشويش على كلامه بمجرد أن قال: (إن الأمر…) قبل أن يكمل كلامه، ولولا أنّ المشاكسين حدسوا باتجاه كلامه لانتظروا إتمام هذه الفقرة.

ويشبه ما وقع في هذه الحادثة في الحيلولة دون كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما وقع في الحادثة الأخرى المعروفة برزية يوم الخميس التي اتفق المحدثون أيضاً على روايتها من طريق ابن عباس كما في صحيح البخاري عنه، قال: لما حضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع! وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا! منهم مَن يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا، قال عبيد الله: وكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم([8]).

ومن المتوقع جداً كما تنبّه العديد مِن أهل العلم أنّ عمر فهم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يوصي باتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بالنظر إلى ما عهد منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين من قبل، ولذلك قال: (حسبنا كتاب الله)، وإلا فمن أين علم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يوصي بشيء آخر فلعله أراد تثبيت الوصية بالكتاب أو بآية منه، ومن أين فهم أنّه قد غلبه الوجع على وجه يهذي ويهجر كما هو لفظ الرواية في نقل آخر، معاذ الله من ذلك، فإنّ علامة هجر المريض هو أن يتكلم بما لا يليق، ولم يصدر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلام غير معقول، وأعجب من ذلك أنّه بينما يقول إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر إذا به يجيبه جواب مَن تلقى الكلام جاداً فخاطبه بأنّ حسبنا كتاب الله، فإن صدقت هذه الرواية وهي صادقة باتفاقهم فإنّه يبدو أنّ عمر كان شديداً في هذا الأمر جداً، ولم يكن يطيق الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) بأي حال، و هناك مؤشرات أخرى على ذلك مثل الترجيح في ستة الشورى بابن عوف المقرّب من عثمان، وإلى مثل ذلك أشار الإمام (عليه السلام) في شكايته المتكررة المعروفة في سيرته بعد الخلافة من الشكاية من قريش.

فهاتان الحادثتان فريدتان فيما ذكر في السيرة النبوية، وكلاً منهما فيما يرجح كان مرتبطاً بولاية الأمر من بعده.

وعليه فإنّنا نتوقع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قاصداً لذكر ولاء أهل البيت بمكة، لكنه وجد صدوداً عنه، ولذلك أخّر ذلك إلى ما بعد الخروج عنه.

فإن قيل: وماذا كان يختلف الأمر في غدير خم عنه بمكة، وقد كان الممانعون معه ـــ من الاتجاه القرشي المخالف لكون الأمر في بني هاشم مثل أبي بكر وعمر وغيرهما ـــ حاضرين معه في الرجوع إلى المدينة.

فالجواب: أنّه ربما كان الاختلاف بين الموضعين مِن وجهين:

الوجه الأوّل: ما قد يظهر من روايات الإمامية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ جبرئيل (عليه السلام) جاء للنبي في أثناء طريقه إلى المدينة، وأنزل عليه [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]([9])، فلما نزلت هذه الآية اطمئن بها عما كان يحذره من إثارة الفتنة عند طرحه لذلك، لما فيها من وقايته مِن كيد الناس، والواقع أنّ نزول هذه الآية بنفسه كان تهديداً صريحاً لمن يريد أن يثير الفتنة، كما أنّه كان تفهيماً ضمنياً للصحابة الذين كانوا يشعرون في أنفسهم بانحيازه لعلي (عليه السلام) دون الآخرين، وهو في ذلك يشبه ما نقلناه قبل قليل من مجيء جبريل (عليه السلام) إليه بعد أن بعث أبو بكر بسورة البراءة إلى مكة من أنّ عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرسل علياً (عليه السلام) بها، ويرجع أبي بكر، مع أنّ جبريل (عليه السلام) هو الذي كان قد أتاه بهذه السورة من عند الله تعالى، ولو أذن الله سبحانه لبلّغه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ذاك بأنّه لا بدّ من ارسال عليّ (عليه السلام) لهذه المهمة، لكن أخّر الله تعالى ذلك ليعلم أبو بكر وغيره من الطامحين والمقارنين أنفسهم بعلي (عليه السلام) أن تمييز عليّ (عليه السلام) ليس من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تلقاء نفسه، بل من قبل الله تعالى.

ومن الوارد هنا أيضاً مثل هذا المعنى، فلو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلّغ ولاء الإمام (عليه السلام) في مكة لظنوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قد فعل ذلك مِن تلقاء نفسه، لكن عندما اتفق ذلك في أثناء الطريق أيقنوا أنّه قد فاجأه أمر في ذلك، لا سيما في حال نزول الآية عليه عنده وتلاوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لها عليهم.

وربما يحتمل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بإبلاغ الأمر للمسلمين منذ كان في مكة، لكنه حذر من الفتنة وأخّر ذلك بما كان له متسع فيه منتظراً دعماً خاصاً له من الله تعالى، فجائه جبريل (عليه السلام) بالآية داعماً موقفه فبلّغ ذلك.

الوجه الآخر: إنّ إمكان إثارة الفتنة في مكة كان أكثر منه في أثناء الطريق لعدة أسباب:

السبب الأوّل: أنّ كثيراً من الممانعين من تصدي الإمام (عليه السلام) كانوا من ساكني مكة فبقوا فيها، وبذلك قلّ عدد الممانعين المرافقين له (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن يمكن أن يثير الفتنة.

والوجه في ذلك أنّ عمدة الممانعين في هذا الأمر كانوا هم سائر بطون قريش مِن قبيل بني أمية وبني زهرة وبني تيم وبني عدي وغيرهم، فهؤلاء لم يكونوا يتقبلون أن يكون هذا الأمر في بني هاشم أبداً فتجتمع لهم النبوة والخلافة، وترتفع بذلك عن سائر بطون قريش إلى الأبد، وهؤلاء كانوا على قسمين:

القسم الأوّل: مَن بقي في مكة إلى عام فتحها، وأسلم في هذا العام أو ما بعده إلى انتهاء الاتفاق مع المشركين على الإذن لهم بالبقاء في مكة، وهؤلاء كان أغلبهم معادين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا تمسكوا بشركهم حتى غُلِبوا على أمرهم، وكان إسلامهم طبعاً كرهاً لا طوعاً، ويعبّر عنهم بالطلقاء، ولعل هم جمهور قريش وأغلب رجالها، وكان لهم عداء خاص مع الإمام (عليه السلام)؛ لأنّه كان اليد الضاربة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حروبه مع قريش، وكان الرجل الثاني من بني هاشم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان أبوه أبو طالب شيخ البطحاء هو الذي حمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلّا لأنهوا أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ـــ بحسب تقديرهم ـــ سريعاً، وقد قتل (عليه السلام) أعلام قريش ورجالاتها وشجعانها، فهم كانوا يحملون تجاهه حقداً كبيراً، وتلك مما تقتضيه طبيعة الأمور مع شواهد تاريخية كثيرة في السيرة النبوية وسائر أخبار المسلمين معروفة للمؤرخين.

القسم الآخر: مَن هاجر إلى المدينة، لأجل ألا يُفتن عن دينه، أو نصرة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو عملاً بوجوب الهجرة شرعاً قبل الفتح، أو طلباً للدنيا التي توقعها أو وجدها مقبلة على أهل هذا الدين في المدينة، وهؤلاء منهم من سبق إلى الإيمان والهجرة، ومنهم من تأخر في ذلك.

وهؤلاء كانوا وفق الشواهد القرآنية والتاريخية والروائية على أصناف:

فمنهم: مَن كان سلماً لا يحمل شعوراً بالتنافس مع بني هاشم والإمام عليّ (عليه السلام)، ولا يثيره التميّز الظاهر للإمام بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حروبه ومواقفه، وكان من جملة هؤلاء مَن يحمل ولاء خاصاً وحباً شديداً له (عليه السلام) لخصاله وتضحيته ودوره في حماية المسلمين، ولمحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) له وتصريحاته في حقه.

ومنهم: مَن كان ينظر إلى الإمام (عليه السلام) بعين المنافس، ويثيره تميّزه وتمييز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) له في أقواله وتصريحاته ومواقفه، ويجد في ذلك كله حرجاً، لا سيما مع قلة عمر الإمام (عليه السلام) بالمقارنة مع أعمارهم، ويوسوس له أنّ النبي يفضل علياً (عليه السلام) لكونه ابن عمه، ولا يستسيغ ذلك، وفي هؤلاء من كان على حافة الإيمان في هذا الشأن بحيث يمكن أن يعدل عن الإسلام إذا أصرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إبرام الأمر لعلي (عليه السلام).

وقد وصف الله تعالى مراتب الإيمان عموماً في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ]([10]) وقوله تعالى أيضاً: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]([11]).

ومنهم: مَن كان منافقاً لم يؤمن بالإسلام أيضاً بحقيقة الإيمان أبداً، بل دخل في الإسلام من جهة انتصاره وغلبته وهيمنته، كما قال تعالى: [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ]([12])، وكان هؤلاء على مستويات مختلفة، منهم الذي يكيد بالمؤمنين، ومنهم من لا يكيد بهم لكن لم يؤمن بعد، ومِن هؤلاء مَن كان يؤلّف قلبه بإعطائه من الزكاة، حتى عدّ المؤلفة قلوبهم من جملة موارد الزكاة في القرآن الكريم.

وبهذا العرض يتضح أنّ قسماً كبيراً من الذين كانوا لا يتحملون الولاء الخاص للإمام (عليه السلام) كانوا ممن يسكن مكة، فهناك التقى من كان بهذه الصفة في مكة والمدينة من المنافقين والمبغضين للإمام، وسائر المسلمين الذين لا يتحملون الولاء الخاص لأهل البيت والإمام على (عليه السلام).

وعليه كان تأجيل بيان الولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) إلى الخروج من مكة وربما مع الابتعاد عنها بعض الشيء موجباً لقلة المعترضين والمثيرين للفتنة، مما يؤدي إلى قلة جرأتهم، لعدم وجود إسناد ظهورهم بمنافقي مكة ومعادي الإمام عليّ (عليه السلام) فيها.

السبب الثاني: أنّ معارضة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغ الولاء الخاص للإمام (عليه السلام) في مكة كانت أسهل منها في حال السفر؛ لأنّ المهاجرين من قريش هم في الأصل من أهل مكة، وهي وطنهم ومحلهم، ولم تزل بيوت الكثير منهم فيها، ومن المعلوم أنّ الإنسان أمكن نفسياً في موطنه منه في السفر؛ لأنّه يشعر في موطنه بالتمكن والاستقرار ويجد فيه الملجأ والمأوى، ويملك فيه الإمكانات والأصدقاء، ويعرف الطرق والدروب، وأمّا في السفر فالمرء طارئ فيه مثل بلاد الغربة، فلذلك لا يجد ذلك التمكن والجرأة، وهذا المعنى مما يجده المرء بالتأمل والممارسة، فهو ظاهر.

وعليه فإنّ المعارضة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يقوله بشأن الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن سهلاً ميسراً في الطريق كما كان ميسراً في مكة ومشاعرها.

السبب الثالث: أنّ خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اجتماعات المسلمين في مكة المكرمة ربما كان متوقعاً لأنّه اجتماع جماهيري في مقام أداء المناسك، ومثله يمثل مناسبة للخطاب العام من قبل القائد الحاضر في مراسم الحج، وقد كانت هذه المراسم تاريخياً محل الخطابات العامة؛ لأنّه يوفر التقاء طبيعياً للناس، ولا سيما أنّ هذه الفرصة كانت الأولى لحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جماهير المسلمين من البلاد المختلفة، كما أنّها كانت آخر فرصة أيضاً لوفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان قد ذكر في كلامه في الحج أنّه قد لا ألقاكم بعد عامي هذا، وهذا بخلاف إلقاء الخطبة في حال السفر وفي الطريق، فإنّه أمر غير متعارف؛ لأنّ الطريق ليس محل استقرار بل موضع عبور، ولذلك تكون مفاجأة غير متوقعة.

ولهذا الأمر تأثيره في إمكان إثارة الفتنة من عدمها؛ لأنّ إثارة الفتنة قد تتوقف على تدبير مسبق، من خلال التنسيق بين الأفراد الساعين إليها، والاهتمام بالحضور في الزمان والمكان المناسب، وبذلك يتعذّر في حال كون الاجتماع واللقاء والخطاب فجائياً ومباغتاً.

إذن يعلم بذلك أنّ تأخير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة الغدير إلى ما بعد خروجه من مكة قد يبتني على سبب مناسب.

على أنّ مِن الوارد أن تكون هناك مزيد عناية من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعلام المسلمين في المدينة وما حولها، ثُمَّ الأقرب فالأقرب، بولاية الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمقارنة مع الأبعدين عنها؛ بالنظر إلى أنّ المدينة كانت هي بمثابة العاصمة للجزيرة العربية، وهي مركز القرار فيها، وفيها أهل الحل والعقد في أمور المسلمين وحماة الدين وحرسه، من الأنصار والمهاجرين السابقين إلى الإسلام والهجرة المؤسسين لهذه الدولة، وفيها يلي الأمر مَن يليه بعد وفاة  النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومِن ثَمَّ يكون الأمر فيها أكثر خطورة وأهمية، نعم قد يكون مِن المهم تعريف جملة مِن القبائل الأخرى خارجها بمَن يلي الأمر بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يعلم أهلها أنّ  العلم بالجهة الشرعية لتولي الأمر لا ينحصر بهم، بل هناك في خارج المدينة مَن هو مسبوق بذلك، وهذا ما حققته واقعة الغدير حيث كان عليها شهود كثرة خارج المدينة بعد أن اتبع جلّ أهلها سبيلاً آخر في تعيين مَن تولى الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبما ذكرنا يتضح الخطأ في طرح آخر ذي صلة بالموضوع هذا، وهو أن يعتبر تأخير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيان ولاء الإمام (عليه السلام) على المسلمين عن مكة دليلاً على أنّه لم يكن ناظراً في هذه الخطبة إلى الوصية بالولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام)، على أساس أنّه كان من المناسب فيما لو أراد ذلك حقاً أن يلقيه في بعض مواقف الحج، مثل البيت الحرام، أو عند وقوف المسلمين بعرفات، أو بمشهد منى.

فهذا الطرح خاطئ للغاية، لما بيّناه مِن أنّ هناك سبب محتمل ملائم لهذا التأخير، مِن غير أن ينفي كون اختيار المكان أمراً غير اعتيادي ذي دلالة على كون مضمون الخطبة أمراً مهماً حتى كأنه استدراك على خطبه في مكة المكرمة.

على أنً الواقع أنً هذا الطرح خاطئ على كل حال، وذلك لوجهين آخرين:

الأوّل: أنّ هذا السؤال عن سرّ تأخير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر الولاء للإمام (عليه السلام) وارد على كل حال؛ لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اهتمّ على كل حال بإلقاء هذه الخطبة في الجماهير، وإلا لم يعدل من الطريق إلى الجحفة نحو غدير خم وهو يبعد عنها ميلين، ولا أمر بجمع المسافرين المنتشرين في مساحة واسعة في مكان واحد، ولا دعا إلى الصلاة جامعة، فهؤلاء كلهم كانوا في مشاهد الحج مجتمعين بنحو طبيعي، فلماذا أخّر إلقاء هذه الخطبة حتى خرج من مكة وكان في طريقه إلى الجحفة.

ومن الخطأ ادعاء أنّ هناك سبب حدث في الطريق وهو شكاية بعض المسلمين من الإمام علياً (عليه السلام)، والذين كانوا قد رافقوه في سفره إلى اليمن ورجعوا قبيل ذلك، فأوجب ذلك خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيأتي وجه الخطأ في ذلك في الإيضاح اللاحق.

الآخر: هَب أنّنا لم نعرف سبب عدم إلقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الخطبة في مكة أو بعض مشاعر الحج، لكن لا يمكن أن ننفي بذلك أنّ إلقاء الخطبة في غدير خم على نحو ما وصفناه من قبل في الإيضاح السابق يمثل اهتماماً مميزاً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان الولاء للإمام عليّ (عليه السلام) لجماهير واسعة من المسلمين، وعناية منه بتعريف العرب من مختلف البلاد والأماكن به حتى يكون شخصية عامة، وإلا أمكن أن يقول ذلك لأصحابه في وسط الطريق مِن غير أن يجمع المسافرين في مكان واحد، أو يؤجله حتى يبلغ المدينة، ولم يكن موجب على كل حال بأن يعدل في طريقه إلى غدير خم.

ولا ينبغي بالباحث عن الحق أن يجادل فيما يعلم بإثارة السؤال عما لا يعلم، ليجعل منه حجة على إنكار الأمر المعلوم.

إذن تبيّن بما ذكرنا أنّ اختيار المكان وهو الطريق لإلقاء الخطبة يدلّ على كون مضمونها أمراً مهماً ومميزاً، وهو يلائم كونها مسوقة لبيان الولاء الخاص للإمام عليّ (عليه السلام) على المسلمين.

والحمد لله ربِّ العالمين.

 


([1]) لاحظ: مسند أحمد: 1/151 (عن علي رضي الله عنه قال لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أدرك أبا بكر رضي الله عنه فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نزل في شيء قال لا ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك). ([2]) صحيح البخاري: 8/127، كتاب الأحكام. ([3]) صحيح مسلم: 6/3، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. ([4]) سنن أبو داود: 2/309، كتاب المهدي. ([5]) لاحظ المعجم الكبير: 2/196 (فسمعته يقول لن يزال هذا الدين عزيزا منيعا ظاهرا على من ناوأه حتى يملك اثنى عشر كلهم ثم لغط الناس وتكلموا فلم أفهم قوله بعد كلهم فقلت لأبي يا أبتاه ما بعد قوله كلهم قال كلهم من قريش). ([6]) مسند أحمد: 5/99. ([7]) سورة الحجرات: آية 2. ([8]) صحيح البخاري: 7/9، كتاب المرضى والطب. ([9] ) سورة المائدة: آية 67. ([10] ) سورة الحج: آية 11. ([11] ) سورة النساء: آية 65. ([12] ) سورة الحجرات: 14.
2022/07/18

واقعة الغدير ودلالات المشهد الجماهيري العام.. آية الله السيد محمد باقر السيستاني
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اختار إلقاء خطبة الغدير التي خصّها بإثبات الولاء للإمام (عليه السلام) على المسلمين في مشهد جماهيري عام يحضره عامة المسلمين.

وهذا ينبّه على أنّ نوع مضمون الخطاب كان يقتضي إلقاءه على المجتمع العام، وهو يلائم النظر إلى إثبات الولاء الخاص (السياسي) للإمام عليّ (عليه السلام)؛ لأنّ هذا الولاء قضية موجهة لعامة الناس طبعاً، بينما لو أريد بالخطبة بيان الولاء الثابت بين آحاد المسلمين من جهة جامع الإسلام، فإنّ ذلك لم يكن يقتضي تعريف الإمام (عليه السلام) لعامة المسلمين، فهذا الولاء بينه وبين عامة المسلمين ثابت بثبوته بين آحاد المسلمين جميعاً.

بيان ذلك: أنّه ليس هناك مِن شك في أنّ الاهتمام بنوع الحضور المخاطبين بالكلام وعددهم يأتي مناسباً مع طبيعة مضمون الخطاب، وخطورته والاهتمام بإيصاله لأجل ذلك إلى عدد أكبر، بشكل مباشر وغير مباشر.

وهذا المعنى أمر بديهي بالالتفات إلى أنّه متى كان المتكلم بليغاً وحكيماً، فهو يراعي التناسب بين مضمون الكلام وبين المشهد الذي يلقي الكلام فيه فيختار المشهد المناسب للكلام الذي يريد إلقاءه، والكلام المناسب للمشهد الذي يخاطبه بالكلام، فيتكلّم في كل مقام بما يناسبه.

وفي ضوء ذلك إذا لاحظنا أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّها كانت على أقسام:

الأوّل: ما خاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) به شخصاً واحداً بالأصالة وإن سمعه الآخرون: إمّا جواباً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) على سؤال سأله منه الشخص الخاص، أو ابتداء منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكلام.

الثاني: ما خاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) به الجماعة الذين يحضرونه (صلى الله عليه وآله وسلم) عادة في المجلس الذي يجلس فيه.

الثالث: ما خاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) به الجماعة الذين كانوا يحضرونه عادة عند إتيانه بالصلوات الفرائض، فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي جماعة، فيخاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) الحضور.

الرابع: ما خاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه الناس بعد استدعائهم للاجتماع في موطنه بالمدينة، وكان طلبه اجتماع الناس يكون عادة بدعوتهم للصلاة جماعة، فيكون الحضور حينئذٍ أزيد ممن يحضر الجماعة عادة.

الخامس: ما خاطب به الناس في خطبة الجمعة في موطنه بالمدينة، والحضور في صلاة الجمعة أضعاف من يحضر للجماعة عادة؛ لأنّ صلاة الجمعة ليست على حدّ غيرها من الصلوات الفرائض؛ لأنّها لن تصحّ إلا جماعة؛ ولأنّه لا يجوز تعدد صلوات الجماعة إلا مع بُعد إحداهما عن الأخرى بمسافة كبيرة، كما هو معروف، وعليه فكان يحضرها المسلمون الذين كانوا في أطراف المدينة أيضاً.

السادس: ما خاطب به جمهور المسلمين، وكان ذلك بطبيعة الحال يتوقف على أن يكون الاجتماع في الحج أو من توابعه، حيث يتسع الحضور ليشمل المسلمين من البلاد المختلفة.

السابع: ما اهتم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بشكل خاص بمخاطبة الغائبين أيضاً، من خلال توصية الحاضرين بتبليغ الغائبين بما يذكره لهم.

وهذه الأقسام ذات المستويات المتعددة تتعلق بأمور:

الأوّل: أن يكون الموضوع خاصاً يخصّ فرداً أو يعم جماعة أو قوماً أو يكون أمراً عاماً.

الثاني: أن يكون الموضوع عاماً في نفسه يتعلق بعامة الناس، لكن ينبغي لكل فردٍ أن يبحث عنه ويسعى إلى الاطلاع عليه مثل تفاصيل الأحكام الشرعية، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يبينها في خطبه، بل ينيط الاطّلاع عليها بسعي كل امرئ مسلم إلى ذلك بنفسه ولو كان بالسؤال من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومما يوضح ذلك أنّ القبائل العربية التي كانت تفد في السنة التاسعة والعاشرة للهجرة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتسأل عن الدين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يذكر لها إلا أصول الفرائض مثل وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج والخمس، ولم يكن يزيد كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم على سطر أو سطرين، وكانت تعلم أنّ تفاصيل هذه الفرائض وسائر تعاليم الدين منوطة بسعيهم إلى ذلك.

وقد جاء في القرآن الكريم تشويق المسلمين الداخلين في الإسلام من البلاد المختلفة بإرسال وفود إلى المدينة لأجل الاطلاع على تعاليم الدين، قال تعالى: [وَمَا كان الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]([1]).

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبه في حجة الوداع ـــ كالتي ألقاها في عرفات وفي منى ـــ لم يكن يذكر تفاصيل الأحكام الشرعية، بل ينيط ذلك بتعلم القرآن الكريم، أو السؤال مِن المتعلمين من المسلمين، وإنّما كان يركز على مفاصل مهمة، أو أحكام معينة يجد حاجة خاصة للتبليغ العام فيها.

وكذلك القرآن الكريم نفسه لا يهتم بذكر كثير من التفاصيل موكلاً إياها إلى السنة، ويقتصر على طرح أمور معينة يستوجب ذكرها، وهذا بالرغم من تكرار كثير من المعاني فيها تأكيداً مثل أصول الدين وفرائضه ومعاني العدل والاحسان.

الثالث: أن يكون الموضوع مما يتعلق بالشأن العام، والفرق بين الشأن العام والحكم العام أنّ الحكم العام هو كل وظيفة مشتركة بين الناس، ولو كان حكماً فردياً مثل وجوب الصلاة بتفاصيلها، وحرمة غيبة الآخرين والتجسس عليهم وسوء الظن بهم وغير ذلك. وأمّا الشأن العام فهو من قبيل تعيين أولياء الأمور.

على أنّ الشأن العام يختلف مقتضاه في كيفية بيانه، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً كان يعين عند الخروج من المدينة مَن يلي الأمر فيها؛ كي يكون هناك قوة مركزية في المدينة تحول دون حدوث خلأ فيها وتقي من الفتنة والنزاع فيها أو أي حادث اجتماعي أو سياسي مهم آخر، ولكنه لم يكن يحتاج إلى عقد اجتماع عام في المدينة، بل يبين ذلك على وجه اعتيادي.

وعلى ضوء هذه المقدمة يظهر أنّه كان من الممكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤجل بيان الولاء الثابت للإمام عليّ (عليه السلام) على المسلمين إلى حين الوصول إلى المدينة فيذكره لبعض أصحابه في مجلسه، أو بعد صلاة الجماعة لمن يحضرها بشكل اعتيادي، أو يدعو الناس إلى الصلاة جماعة حتى يحضر عدد أكثر، أو يبينه في يوم الجمعة عندما يجتمع الناس كلهم ممن يكون في المدينة أو أطرافها.

كما كان يمكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبينه في سفره هذا ولكن على نحو محدود؛ إذ كان المسلمون معه ـــ وهم عشرات الآلاف ـــ متفرقين في الطريق، شأن كل عدد هائل من المسافرين يكونون في الطريق إلى مقصد مشترك، فيكون لكل جماعة أو أسرة خيمتهم، وينتشرون في مساحة واسعة، فيذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك مثلاً لبعض أصحابه ممن هو قريب عليه في مكانه، أو يدعو من يعتني بإسماعه إياه ـــ لمناسبة خاصة مثل معرفته منه إعراضه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـــ فيذكر ذلك له، أو يذكره لمن صلى معه جماعة بعد الصلاة.

لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعل ذلك، بل اهتم بالإبلاغ العام للمسلمين به بملاحظة ما يأتي:

أوّلا: أنه اختار وجوده (صلى الله عليه وآله وسلم) في حضور جماهيري من توابع الحج، والحج وتوابعه أكبر اجتماع جماهيري طبيعي ومتنوع للمسلمين من حيث الكم والكيف.

والمراد بالكم: العدد فقد ذكر أنّه قد حضر معه إلى الحج عشرات الآلاف مِن المسلمين في أوّل حج له (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إسلام الجزيرة العربية كلها تقريباً بعد وفود العشائر في تلك السنة وهي السنة العاشرة للهجرة، وقيل أنّه بلغ عددهم مائة ألف أو يزيد، وهذا عدد لم يكن يجتمع في أكبر اجتماع للمسلمين في المدينة ـــ وهو ما كان يتفق في صلاة الجمعة ــــ.

كما أنّ المراد من حيث الكيف: تنوّع الحضور مِن البلاد المختلفة، فالجمهور الذي يجتمعون في مدينة ما مهما كثروا فإنّهم يكونون من أهل تلك المدينة، لكن المجتمعون في الحج وتوابعه هم من أهل مدن وقرى مختلفة حيث يحضر الحج جمع معتد به أو غفير، فلا يقتصر الحضور على مدينة واحدة.

ثانياً: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتنى بجمع كل الجماهير المشاركة في المسير، وهم عشرات الآلاف وهم منتشرون في مساحة واسعة، كلّ يكون في مكانه وخيمته، رغم العناء في ذلك عليه وعليهم، لما فيه من اقتضاء خروج الناس من خيمهم ومحاملهم إلى الوادي، واجتماعهم جميعاً وهم بهذا العدد الكبير وهو ما يستدعي الانتظار، وضرورة اقتراب بعضهم من بعض أو تلاصقهم حتى يسمعون صوته (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعاً، وكل ذلك في حر شديد موصوف.

ولأجل تحفيزه (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم جميعاً إلى الحضور نادى (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة جامعة، وهذا النداء ينبّه الناس على أنَّ هناك عناية خاصة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحضورهم جميعاً، وأنّ له رسالة مهمة يريد استماعهم إياها مباشرة.

ولو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شاء لخطب في مَن حوله ومَن قد يحضر ممن يبلغه ذلك قبل انتهاء الخطبة، وهم يبلّغون الآخرين طبعاً؛ لأنّ خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) على أيّ حال حدثٌ جديد يرغب الناس في نقله وتداوله وهم مقترنون في السفر الذي يكثر فيه الحديث والاجتماع، لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حرص على أن يسمع الجميع كلامه من غير استثناء، وبشكل مباشر من دون وسيط.

ثالثاً: أنّه اهتم بأن يُرِي الإمام عليّ (عليه السلام) لجميع الحضور، حيث جعل له مكان مرتفع، فصعد عليه وأخذ بيد الإمام (عليه السلام) ورفعه حتى يشهده الجميع في حاله هذا، علماً أنّ الكثير من الحضور ربما لم يكن يعرف الإمام علياً (عليه السلام) أصلاً؛ لأنّه وإن كان معروفاً لدى المهاجرين والأنصار، وقد يعرفه العديد ممن كان قد قاتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن قَبل مِن جهة كونه فارساً بارزاً في الحرب، وسمع به آخرون لكن مع ذلك فإنّ ذلك لا يقتضي أنّ كلّ المسلمين بقبائلهم وعشائرهم كانوا يعرفونه رجالاً ونساء، فضلاً أن يميزوه بشخصه وملامحه، فقد دخل جلّ الجزيرة العربية في الإسلام بعد فتح مكة من خلال الوفود التي وفدت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و رجعت إلى بلادها، ولم تكن تعرف الإمام (عليه السلام)، فضلاً أن ترى له تلك المكانة المميزة.

إذن يُعلم من ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يُعرّف عامة المسلمين بعلي (عليه السلام)، وينقل الإمام علياً (عليه السلام) من شخصية خاصة يعرفها الأنصار والمهاجرين في المدينة وبعض آخر من المسلمين كفارسٍ مميز في حروب المسلمين مع الكفار واليهود إلى شخصية عامة يعرفها جمهور المسلمين باسمه وشخصه، ليكون ثاني شخصية عامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوساط المسلمين من دون أن يكون لهما أي شخص ثالث يقترن بهما أو يليهما في ذلك؛ إذ لم يرقَ أحد بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الدرجة من التعريف العام به بين المسلمين.

لقد كانت خطبة الغدير وأسلوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إلقائها ـــ بوقوفه في مكان مرتفع يراه الجميع وأصحاب عليّ معه وبالأخذ بيده رافعاً إياه أمام الجمهور ـــ تريد أن تبيّن أنه (عليه السلام) ثالث الثلاثة في الولاء بعد الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن تُظهر اهتماماً بليغاً ومؤكَّداً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجعل علياً (عليه السلام) شخصية عامة معروفة ومرئية مقرونة بالله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوساط المسلمين.

ومن المعلوم أنّ مثل هذا الأمر لا يلائم أن يكون مفاد خطبته هذه إعلام المسلمين بأنّ ما يربطهم بعلي ولاء الإيمان الثابت بين كل مؤمن وآخر. فهذا الولاء القائم بين آحاد المؤمنين كلهم يثبت لعلي (عليه السلام) كما يثبت لغيره، وقد يحسن توجيهه إلى مَن يعاديه (عليه السلام) خاصة وليس إلى جماهير المسلمين. وما الذي ينتفع به عامة المسلمين في البلاد ببيان ذلك لهم أصلاً!.

نعم، مثل هذا الأمر يلائمه أن يكون المراد هو عقد الولاء الخاص لعلي (عليه السلام)؛ لأنّه ولاء يجب أن يعرفه ويستحضره كل مؤمن، بعد أن اقتربت وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيابه عن الأمة، ليكون المسلم على بيّنة مِن الأمر متعهداً بالولاء لأهله، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث عديدة ـــ صححها المحدثون ـــ أكّد فيها على المسلمين في ألّا يبقى أحد منهم من دون إمام يواليه، حتى لا يكونوا هدفاً لكل صاحب هوى يريد أن يُدعى رأساً.

إذن نلاحظ أنّ في مخاطبة جماهير المسلمين بولاء الإمام (عليه السلام) عليهم دلالة أخرى على النظر إلى الولاء الخاص.

وقد يقول قائل: إنّ الذين كانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن الحجاج لم يكونوا إلا حجاج المدينة وما حولها؛ لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد خرج من مكة وبلغ ما يقرب من نصف المسافة بينها وبين المدينة، وقد فارقه ـــ بطبيعة الحال ـــ الحجاج الذين كانوا من أهل مكة، وكذا الذين كانت بلادهم في وجهة مختلفة كالطائف واليمن، وكذلك الذين كانت مواطنهم بين مكة والمدينة ولكن قبل غدير خم، فهؤلاء كلهم كانوا قد فارقوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين خطبته هذه.

والجواب: أنّ هذا القول خطأ، كما ينبه عليه على الإجمال أنّه إن صحَّ ما ذكر لم يكن هناك ما يوجب إيقاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس في هذا المكان، لا سيما مع عدم وقوع غدير خم ـــ كما قيل ـــ في الطريق السائد بين مكة والمدينة، وإنّما يمر الطريق بينهما بالجحفة، وهو يبعد عن غدير خم بعض الشيء إلا أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اتجه إلى غدير خم لأجل جمع الناس فيه، فما الذي دعاه إلى الاتجاه إلى هذا الغدير إذا كان الحجاج الذين معه يرافقونه بعد ذلك إلى حدود المدينة.

والواقع أنّ هناك العديد من قوافل الحجاج الذين كانت مقاصدهم في الطريق بين غدير خم وبين المدينة، وذلك أنّ بين مكة والمدينة عشر مراحل يبدو أنّها كانت عامرة تسكنها قبائل عربية.

قال المؤرخ اليعقوبي في تاريخه: (ومِن المدينة إلى مكة عشر مراحل عامرة آهلة: فأولها: ذو الحليفة ومنها يحرم الحاج إذا خرجوا من المدينة، وهي على أربعة أميال من المدينة، ومنها إلى الحفيرة وهي منازل بني فهر من قريش، وإلى ملل وهي في هذا الوقت منازل قوم من ولد جعفر بن أبي طالب، وإلى السيالة وبها قوم من ولد الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) وكان بها قوم من قريش وغيرهم، وإلى الروحاء وهي منازل مزينة، وإلى الرويثة وبها قوم من ولد عثمان بن عفان وغيرهم من العرب، وإلى العرج وهي أيضاً منازل مزينة، وإلى سقيا بني غفار وهي منازل بني كنانة، وإلى الأبواء وهي منازل أسلم، وإلى الجحفة وبها قوم من بني سليم وغدير خم من الجحفة على ميلين عادل عن الطريق، وإلى قديد وبها منازل خزاعة، وإلى عسفان، وإلى مر الظهران وهي منازل كنانة، وإلى مكة)([2]).

وبذلك نلاحظ أنّ المراحل بين الجحفة التي يقع غدير خم مسافة ميلين عنها وبين المدينة سبعة وكلها كانت مأهولة في عصره، ولا يبعد أنّ العديد منها كانت كذلك من قبل.

يضاف إلى ذلك أنّه ربما كانت هناك قبائل أخرى تسكن على بعد مناسب من هذه المراحل بحيث تعبرها أو تقترب منها في طريقها من مكة إلى مواطنها، وذلك مما يسهل الاطلاع عليه بمراجعة خريطة انتشار القبائل في الجزيرة العربية في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

على أنّنا نحتمل أنّ العديد من الناس ممن كانت مساكنهم دون غدير خم شايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بعض الطريق إكراماً له وتعلّقاً به، لا سيما وكان قد نعى نفسه لهم في بعض مواقفه خلال الحج، ومشايعة المرء صاحبه أمر كان شائعاً لمسافات غير قليلة، بل جاء الأثر باستحبابه وفضله.

نعم يتجه هنا سؤال آخر عن سرّ عدم إعلان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الولاء الخاص للإمام (عليه السلام) في مكة، وقد كان الحضور فيه أوسع، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ألقى خطباً فيها، فكان يمكنه أن يضمن بعضها ما جاء في خطبة الغدير.

والجواب عن هذا السؤال سيأتي في الإيضاح اللاحق.


([1] ) سورة التوبة: آية 122.

([2]) البلدان لليعقوبي: 1/152.

2022/07/17

لماذا أصبح يوم الغدير عيداً؟

العيد هو كل يوم يجمع الناس عامة، وأصله من العود لأنه يعود كل عام ويتكرر، وقيل معناه اليوم الذي يعود فيه الفرح والسرور.

لكن الاسلام ينظر الى الاعياد بنظرة متميزة، فيرى أن العيد فرصة للاجتماع الإيماني الكبير بهدف ذكر الله وإحياء السنن وذكر الله والتوجه إليه بالدعاء والابتهال اليه فعَنِ الامام علي بن موسى الرِّضَا (عليه السلام)‏: "أَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَ يَوْمُ الْفِطْرِ الْعِيدَ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ مُجْتَمَعاً يَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَيَبْرُزُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُمَجِّدُونَهُ عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ يَوْمَ عِيدٍ وَيَوْمَ اجْتِمَاعٍ ..." 1.

[اشترك] 

فيوم العيد إنما هو يوم شكر على ما منَّ الله علينا من النعم، ويوم فرح وسرور للمؤمنين لاجتماعهم على طاعة الله ومرضاتهم وذكره وعبادته.

عيد الغدير يوم إكمال الدين وإتمام النعمة

لقد أكمل الله عَزَّ وجَلَّ دينه وأتم نعمته على المؤمنين بتنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة ووصياً وإمام من بعد النبي صلى الله عليه وآله في يوم غدير خم فهو عيد عظيم بل من أعظم الأعياد لأنه يوم إكمال الدين وتمام النعمة وأي نعمة أعظم من نعمة إكمال الدين وإتمام النعمة الالهية، وهذه النعمة تستحق الشكر والثناء وتمجيد الله عَزَّ وجَلَّ من قِبَل المؤمنين على ما منَّ عليهم في هذا اليوم المبارك.

روى أبو المؤيد، الموفق بن أحمد بن محمد المكي الخوارزمي، المتوفى سنة: 568 هجرية، روى بإسناده، عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما دعا الناس إلى علي ( عليه السلام ) في غدير خم و أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقُمَّ، و ذلك يوم الخميس، فدعا علياً فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... ﴾ 2 . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي " 3.

و روى أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر، المتوفى سنة: 571، بإسناده عن أبي هريرة قال: من صام ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، و هو يوم غدير خم لما أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيد علي فقال: " ألست ولي المؤمنين"؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".

فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، فأنزل الله: ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ 2 4.

عيد الغدير أعظم الأعياد وأشرفها

رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ غَيْرَ الْعِيدَيْنِ؟

قَالَ: "نَعَمْ يَا حَسَنُ أَعْظَمُهُمَا وَأَشْرَفُهُمَا ".

قُلْتُ: وَأَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟

قَالَ: "هُوَ يَوْمٌ نُصِبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَماً لِلنَّاسِ".

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيهِ؟

قَالَ: "تَصُومُهُ يَا حَسَنُ، وَتُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانَتْ تَأْمُرُ الْأَوْصِيَاءَ بِالْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يُقَامُ فِيهِ الْوَصِيُّ أَنْ يُتَّخَذَ عِيداً".

قَالَ قُلْتُ: فَمَا لِمَنْ صَامَهُ؟

قَالَ: "صِيَامُ سِتِّينَ شَهْراً ... " 5.

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّه قال: "أَعظم الاعياد وأَشرفها يومُ الثامن عشر من شهر ذي الحجَّة، وهو اليوم الَّذي أَقام فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أَميرَ المؤمنين عليه السلام ونصبهُ للنَّاس علماً".

قال الراوي قلْت: ما يجبُ علينا في ذلك اليوم؟ قال: يجبُ عليكم صيامُهُ شُكراً للَّه وحمداً له «مع أَنَّهُ أَهلٌ أَنْ يُشكر كلَّ ساعة»، ومنْ صامهُ كان أَفضل منْ عملِ ستِّينَ سنة" 6.

وعن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في بيان عظمة هذا اليوم: "إِنَّ يومَ الغدير في السَّماءِ أَشهرُ منهُ في الأَرضِ... واللَّه لو عرف النَّاسُ فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهمُ الملائكةُ في كلِّ يوم عشر مرَّات" 7.

الهوامش: ع٤

1. من لا يحضره الفقيه: 1 / 522، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق، المولود سنة: 305 هجرية بقم، و المتوفى سنة: 381 هجرية، طبعة انتشارات اسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية، سنة: 1413 هجرية، قم / إيران .

2. a. b. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 3، الصفحة: 107.

3. مناقب علي بن أبي طالب: 135، طبعة: قم / إيران .

4. تاريخ ابن عساكر: ترجمة الامام علي ( عليه السلام ): 2 / 78، طبعة: دار الفكر / بيروت.

5. الكافي: 4 / 148، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني، المُلَقَّب بثقة الإسلام، المتوفى سنة: 329 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية / شمسية، طهران / إيران .

6. وسائل الشيعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة): 10 / 443، للشيخ محمد بن الحسن بن علي الحُر العاملي، المولود سنة: 1033 هجرية بجبل عامل لبنان، والمتوفى سنة: 1104 بمشهد الإمام الرضا و المدفون بها، طبعة: مؤسسة آل البيت، سنة: 1409 هجرية، قم / إيران.

7. تهذيب الأحكام: 6 / 25، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المولود بخراسان سنة: 385 هجرية، و المتوفى بالنجف الأشرف سنة: 460 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية / شمسية، طهران / إيران.

2022/07/16

لا تجلسوا معهم: كيف تعامل النبي (ص) مع المتشبهين بالنساء؟!
ممَّا يحرم لبسه هو أنْ يلبس الرجل لباس المرأة أو لباسًا يُشبهُ لباس المرأة، فقد ورد أنَّ الرسول الكريم (صلَّى الله عليه وآله): "لعن المتشبِّهين من الرجال بالنساء ولعنَ المتشبِّهات من النساء بالرجال، فقال (صلَّى الله عليه وآله) "لعنَ اللهُ المتشبِّهين من الرجال بالنساء والمتشبِّهات من النساء بالرجال"([1]).

[اشترك]

والتشبُّه بالنساء يكون بالتكسُّر والتأنُّث، ويكون بمثل لبس القميص والسروال والثوب وما يُوضع على الرأس، وما يلبس في الرِجل كالنعال والحذاء، وما يوضع في العنق كالقلادة وما يُلبس في اليد كالأساور والخواتيم، كلُّ ذلك وشبهه يُعدُّ من أنحاء التشبُّه بالنساء فيكون موجبًا للدخول في دائرة اللَّعن النبويِّ -نعوذ بالله تعالى من سخطه- والمراد من اللَّعن هو الطرد من رحمة الله والخذلان وإيكال الإنسان إلى نفسه، ومَن أوكلَه اللهُ إلى نفسِه هلَك.

وورد عن الرسول الكريم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: "أخرجوهم" يعني المتشبِّهين بالنساء "أخرجوهم من بيوتكم فإنَّهم أقذرُ شيء"([2]).

ومعناه النهي عن مجالستِهم ومخالطتهم وأنَّ لمخالطتهم تبعات وعواقب ممقوتة، ورُوي عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه رأى رجلًا به تأنيث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: اخرُجْ من مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وآله يا لعنةَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال عليٌّ (عليه السلام): سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله يقول: لعنَ الله المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال"([3]).

وثمة روايةٌ أخرى عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) قال: "كنتُ مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله جالسًا في المسجد حتى أتاه رجلٌ به تأنيث فسلَّم عليه، فردَّ عليه السلام ثم أكبَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله إلى الأرض يسترجعُ ثم قال: مثلُ هؤلاء في أُمَّتي، إنَّه لم يكن مثلُ هؤلاء في أُمَّةٍ إلا عُذِّبت قبل الساعة"([4]).

فمعنى قوله (ع) "رجلٌ به تأنيث" هو أنَّه يُشبهُ الإناث إمَّا في لباسه وتصفيف شعره أو في مشيته وحركات جسده، وهذا إمَّا أنْ ينشأ عن التربية الخاطئة كالذي يُنشَّأ في الحلية كما تنشَّأ النساء فيعتادُ على الرقَّة والنعومة وحبِّ التزيُّن ويحاكي النساء في حركاتهن لأنَّه تربَّى في أوساطنَّ أو ينشأ ذلك عن خللٍ في طبيعة خلقه وتكوينه، ومثل هذا لا بدَّ من معالجته وترويضه ليكتسب بالترويض ما يسدُّ الخلل الذي ابتُلي به. فالأمَّة التي تترك مثل هؤلاء على رسْلِهم ودون معالجة تكون في معرض العذاب.

وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله فيما رُوي عنه: "لعن اللهُ وأمَّنت الملائكة على رجلٍ تأنَّث، وامرأةٍ تذكَّرتْ، ورجلٍ جلس على الطريق يستهزئ بابن السبيل"([5]).

ثلاثة أصناف من الناس لعنَهم الرسولُ (ص) في هذه الرواية، فلعَن رجلًا تأنَّث أي تشبَّه بالإناث في لباسه أو مشيه أو أفعاله، ولعَنَ امرأةً تذكَّرت أي تشبَّهت بالذكور، ولعَن رجلًا يجلسُ في طريق المسلمين يستهزأ بابن السبيل يعني يستهزأ بالمارَّة اللذين يعبرون الطريق.

والتشبُّه -كما ذكرنا- لا يختصُّ بالثياب، نعم هو مِن أبرز مظاهر التشبُّه لكنَّه لا يختصُّ به، فلبسُ الرجل -مثلًا- للقلادة التي تلبسُها المرأة يُعدُّ من التشبه، وتصفيف الرجل شعره بالكيفيَّة التي تُصفف بها المرأة شعرها يُعدُّ من التشبُّه، ولبس الرجل خاتمًا يُشبه خاتم المرأة يعدُّ من التشبه، وكذلك لو لبس الرجل نعلًا أو حذاء يُشبهُ نعل المرأة أو حذاءها فهذا يُعدُّ من التشبه، وهكذا فإنَّ من التشبُّه أنْ يمشي الرجل متكسِّرًا كما تمشي النساء، وثمة صور أخرى كثيرة للتشبُّه بالنساء منها كما ورد في الروايات أنْ يلبس الرجل ثيابًا يجرُّها كما نجدُ ذلك شائعًا في أوساط الأولاد، يمشي أحدُهم وثيابه تزحف على الأرض، فقد ورد أنَّ الإمام (ع) رأى رجلًا يجرُّ ثيابه فانزعج لذلك وقال: أكرهُ للرجل أنْ يتشبَّه بالمراة" فاعتبر لبس الثياب الطويلةِ الذيل من التشبُّه بالمرأة.

*سماحة الشيخ محمد صنقور

الهوامش: [1]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص285. [2]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص285. [3]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص284. [4]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص285. [5]- مستدرك الوسائل -النوري- ج17 / ص122.
2022/07/12

الإمام الباقر (ع) يواجه المحن والشدائد بـ ’سلاح الصبر’!
لقد كان الصبر من الصفات الذاتية للأئمة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام) فقد صبروا على مكاره الدهر، ونوائب الأيام، وصبروا على تجرّع الخطوب التي تعجز عن حملها الجبال.

[اشترك]

فقد استقبل الإمام الحسين (عليه السلام) على صعيد كربلاء أمواجاً من المحن الشاقة التي تذهل كل كائن حي، مترنّماً بقوله (عليه السلام): «صبراً على قضائك يا رب، لا معبود سواك».

وصبر الإمام الباقر (عليه السلام) كآبائه على تحمل المحن والخطوب.

وإليك بعض تلك المحن:

1 ـ انتقاص السلطة لآبائه الطاهرين، وإعلان سبّهم على المنابر والمآذن، وهو (عليه السلام) يسمع ذلك، ولا يتمكن أن ينبس ببنت شفة فصبر وكظم غيظه، وأوكل الأمر الى الله الحاكم بين عباده بالحق.

2 ـ ومن بين المحن الشاقة التي صبر عليها التنكيل الهائل بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وملاحقتهم تحت كل حجر ومدر وقتلهم بأيدي الجلادين من عملاء السلطة الاموية، وهو لا يتمكن أن يحرك ساكناً، وقد فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة، ورفضت كل طلب له في شأن شيعته.

3 ـ وروى المؤرخون عن عظيم صبره انه كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صيحة عالية في داره، فأسرع اليه بعض مواليه فأسرّ إليه بشيء فقال (عليه السلام):

«الحمد لله على ما أعطى، وله ما أخذ، إنْهَهُم عن البكاء، وخذوا في جهازه، واطلبوا السكينة، وقولوا لها: لا ضير عليك أنت حرة لوجه الله لما تداخلك من الروع...».

ورجع إلى حديثه، فتهيّب القوم سؤاله، ثم أقبل غلامه فقال له: قد جهّزناه، فأمر أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده ودفنه، وأخبر أصحابه بشأنه فقال لهم: إنه قد سقط من جارية كانت تحمله فمات[١].

4 ـ وروي أيضاً: أنه كان للإمام (عليه السلام) ولد وكان أثيراً عنده فمرض فخشي على الإمام لشدة حبه له، وتوفي الولد فسكن صبر الإمام، فقيل له: خشينا عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجاب وهو مليُّ بالاطمئنان والرضا بقضاء الله قائلاً:

«إنّا ندعو الله فيما يحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب»[٢].

لقد تسلّح الإمام (عليه السلام) بالصبر أمام نوائب الدنيا وقابل كوارث الدهر بإرادة صلبة، وإيمان راسخ، وتحمّل الخطوب في غير ضجر ولا سأم محتسباً في ذلك الأجر عند الله تعالى.

*مقتبس من كتاب أعلام الهداية

الهوامش: [١] عيون الاخبار وفنون الآثار: 218. [٢] تأريخ دمشق: 51 / 52 ، عيون الاخبار لابن قتيبة : 3 / 57.
2022/07/07

محاط بالمخاطر: الإمام الباقر (ع) يعاصر الانحراف السياسي الأموي!
اتّبع الحكّام الاُمويون سياسة من سبقهم في تحويل الخلافة الى ملك يتوارثه الأبناء عن الآباء دون سابقة علم أو تقوى، وتوزيع المناصب المهمّة والحسّاسة في الدولة على ابنائهم واقربائهم والمتملقين لهم، واستبدوا بالأمر فلا شورى ولا استشارة إلاّ مع المنحرفين والفسّاق من بطانتهم.

[اشترك]

ولشعورهم بعدم الاحقيّة بالخلافة استمروا على نهج من سبقهم في اتخاذ الارهاب والتنكيل وسيلة لتثبيت سلطانهم، فحينما وجد الوليد بن عبد الملك أنّ ولاية عمر بن عبد العزيز على مكة والمدينة قد أصبحت ملجأً للهاربين من ظلم بقية الولاة، قام بعزله [1] تنكيلاً منه بالمعارضين وارهابهم وغلق منافذ السلامة أمامهم.

وكان سليمان بن عبدالملك محاطاً بثُلّة من الرجال الذين عرفوا بفسقهم وانحرافهم وسوء سيرتهم كما وصفهم أعرابيّ عنده، بعد أن أخذ منه الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين، انه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنّهم لم يأتوا إلاّ ما فيه تضييع وللاُمة خسف وعسف، وأنت مسؤول عما اجترموا، وليسوا مسؤولين عمّا اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك[2].

واتّبع ابناء عبد الملك الوليد وسليمان سيرة أبيهم، والتزموا بوصيته في قتل الرافضين للبيعة، والتي جاء فيها: ادع الناس الى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا[3].

وأقرّ  كثير من الفقهاء سياسة الحكّام الأمويين خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للأمر الواقع، فقد أقرّوا ما ابتدعوا من ممارسات في تولية الحكم كالعهد الى اثنين أو أكثر، فقد عهد سليمان بالحكم الى عمر بن عبد العزيز ومن بعده ليزيد بن عبد الملك، فأقرّ كثير من الفقهاء ذلك، حتى أصبحت نظرية من نظريات تولّي الحكم[4].

وحينما تولّى عمر بن عبد العزيز الحكم حدث انفراج نسبي في السياسة الاُموية، كما لاحظنا، وقام ببعض الاصلاحات ومنح الحرية النسبية للمعارضين، وألغى بدعة سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وردّ الى أهل البيت (عليهم السلام) بعض حقوقهم، واعترف بالممارسات الخاطئة لأسلافه من الحكّام.ىولكن حكمه لم يدم طويلاً ; إذ عاد الوضع الى ما كان عليه.

وامتازت هذه المرحلة بسرعة تبدّل الحكّام، فقد حكم سليمان ثلاث سنين، وحكم عمر بن عبد العزيز ثلاث سنين أو أقل، وحكم يزيد بن عبد الملك أربع سنين، وكان كل حاكم ينشغل بالإجهاز على ولاة من سبقه، وكثرت الاختلافات في داخل البيت الاُموي تنافساً على الحكم، كما كثرت الفتن الداخلية في عهدهم، حتى قام قتيبة بن مسلم بخلع سليمان والاستقلال في خراسان[6].

وقام يزيد بن المهلب في سنة ( 101 هـ ) بخلع يزيد بن عبد الملك وجهّز اليه يزيد من قتله وقتل أتباعه.

وأحاط يزيد نفسه بالمتملّقين الذين يبررون له انحرافاته حتى افتوا له انه ليس على الخلفاء حساب [7].

وهكذا كانت الاُمة الاسلامية محاطة بالمخاطر من كل جانب، ففي سنة ( 104 هـ ) ظفر الخزر بالمسلمين وانتصروا عليهم في بعض الثغور.

وفي عهد هشام بن عبد الملك ازداد الارهاب والتنكيل بأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم وسائر المعارضين، حتى اجترأ هشام بن عبدالملك على سجن الإمام الباقر (عليه السلام) وأقدم على اغتياله[8]. وأصدر أوامره بقتل بعض أتباع الإمام الباقر (عليه السلام) إلاّ أنّ الإمام استطاع أن ينقذهم من القتل[9].

والتجأ الكثير الى العمل السرّي للإطاحة بالحكم الاُموي، فكان العباسيون يعدّون العدّة ويبثون دعاتهم في الاقاليم البعيدة عن مركز الحكومة وخصوصاً في خراسان، وأخذ زيد ابن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يعدّ العدّة للثورة على الاُمويين في وقتها المناسب، لأنّ الاُمويين كانوا قد أحصوا انفاس الناس عليهم لكيلا يتطرقوا إلى انحرافاتهم السياسية أو يعلنوا عن معارضتهم لها.

*مقتبس من كتاب أعلام الهداية

الهوامش: [1] الكامل في التاريخ: 4 / 577. [2] الكامل في التاريخ : 3 / 178. [3] البداية والنهاية: 9 / 161. [4] الاحكام السلطانية: 13، الماوردي. [6] تاريخ ابن خلدون: 5 / 151. [7] البداية والنهاية: 9 / 232. [8] مناقب آل أبي طالب: 4 / 206. [9] بحار الانوار: 46 / 283.
2022/07/07

مركب وثوب وامرأة.. هذه هي الدنيا التي زهد فيها الإمام الباقر (ع)
زهد الامام أبو جعفر (ع) في جميع مباهج الحياة وأعرض عن زينتها فلم يتخذ الرياش في داره، وإنما كان يفرش في مجلسه حصيرا (١).

[اشترك]

لقد نظر الى الحياة بعمق وتبصر فى جميع شئونها فزهد في ملاذها، واتجه نحو الله تعالى بقلب منيب، يقول جابر بن يزيد الجعفي: قال لي محمد بن علي: « يا جابر إني لمحزون، واني لمشتغل القلب .. »

فأنبرى إليه جابر قائلا:

«ما حزنك، وما شغل قلبك؟» فأجابه (ع) بما أحزنه وزهده في هذه الحياة قائلا:

«يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عز وجل شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون، هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها .. » (٢)

مقتبس من كتاب : حياة الإمام محمّد الباقر عليه السلام دراسة وتحليل – سماحة الشيخ شريف باقر القرشي

الهوامش: (٢) البداية والنهاية ٩ / ٣١٠. (١) دعائم الاسلام ٢ / ١٥٨.

 

2022/07/07

فزت ورب الكعبة: ما اللغز في مقولة أمير المؤمنين (ع) الأخيرة؟!

فزت ورب الكعبة هي الكلمة التي ختم بها أمير المؤمنين (عليه السلام) مسيرة حياته الدنيوية، حيث بدأت بانشقاق جدار الكعبة وختمت بانشقاق رأسه الشريف في محراب الصلاة، وما بينهما كانت حياته مصداقاً لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

[اشترك]

فلم يرف لأمير المؤمنين (عليه السلام) جفن ولم تغمض له عين إلا في سبيل الله تعالى، فكانت جميع سكناته وحركاته تجسيداً لإرادة الله تعالى، فهو الذي كان يخشي أن تفوته طاعة أو أن تتسلل إلى افعاله سيئة، حيث كان يقول: (آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته ولا يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء).

 وقد شهدت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) بعظيم منزلته وعلو درجته في خطبتها الفدكية حيث قالت: (.. كُلّما أوقدوا نارًا للحربِ أطفأها اللهُ، أو نجمَ قرنٌ للشيطان، أو فغرتْ فاغرةٌ من المُشركين، قذفَ أخاه في لهواتِها، فلا ينكفِئُ حتّى يطأَ صماخَها بأخمصِه، ويخمدُ لهبَها بسيفِه، مكدودًا بذاتِ الله، مُجتهدًا في أمرِ الله، قريبًا من رسولِ اللهِ، سيّدًا في أولياءِ الله، مُشمِّرًا ناصحًا، مُجِدًّا كادحًا، وأنتم في رفاهيةٍ من العيشِ وادعونَ فاكهونَ آمنونَ، تتربّصونَ بنا الدوائر، وتتوكّفونَ الأخبارَ وتنكصون عندَ النزالِ، وتفِرّونَ من القتال)

 فبصبره على الحق كان هو الشاهد على كل من سقط في الطريق، وبثباته على الهدى كان هو الحجة على كل من أنحرف عن المسير، فكان بذلك الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، والميزان الذي يميز المؤمن عن المنافق، فمن سار على نهجه وتمسك بهديه نجى ومن تخلف عنه ضل وهوى، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يا ابن سمرة، إذا اختلفت الاهواء، وتفرقت الآراء، فعليك بعلي بن أبي طالب، فإنه إمام أمتي، وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز بين الحق والباطل) وقد امتحن الله هذه الأمة وابتلها بالتسليم لإمامته، فسقط منهم الكثير ولم يثبت على العهد إلا القليل، فعانا أمير المؤمنين من غدر الأمة وخذلانها، إلا أنه لم يداهنهم في حق ولم يجاريهم على باطل، وإنما فضل مرارة الصبر على الحق، حيث قال: (وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ! فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذًى، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أَرَى تُرَاثي نَهْباً). وقال (عليه السلام) في خطبته عند مسيره للبصرة: (إنَّ الله لما قبض نبيّه، استأثرتْ علينا قريش بالأمر، ودفعتْنَا عن حقٍ نحن أحقُّ به من الناس كافّة، فرأيت إنَّ الصّبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسَفْكِ دمائهم، والناس حديثُوا عهد بالإسلام، والدين يُمخَضُ مَخْضَ الوطْب، يُفسِدُه أدْنى وَهن، ويعكسه أقل خُلف، فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهاداً، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، والله وليُّ تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم...)

فكان حري به أن يقول: (فزت ورب الكعبة) وهو يودع هذه الدنيا بعد صبر طويل وجهاد مرير، فكيف لا يفوز وقد أدى أمانته وصان عهده؟ وقد كان أميراً للمؤمنين الذين وعدهم الله في كتابه بالفوز العظيم، حيث قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فقد حاز أمير المؤمنين (عليه السلام) على رضوان الله الأكبر فاستحق بذلك الفوز العظيم.

فمع كل تلك المحن التي مرت عليه كان همه الوحيد في سلامة دينه، فعندما أخبره رسول الله بمقتله قائلاً له: كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة صالح فيضربك ضربة على مفرق رأسك، ويشقه نصفين ويخضّب لحيتك من دم رأسك. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ فقال (ص): في سلامة دينك؛ ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا علي من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنك مني كنفسي، وروحك من روحي وطينتك من طينتي، وإن الله عز وجل خلقني وإياك واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة واختارك للإمامة، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي، يا علي أنت وصيي وأبو ولدي وزوج ابنتي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد موتي، أمرك أمري، ونهيك نهيي، أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية أنك لحجة الله على خلقه وأمينه على سره وخليفته على عباده.

2022/07/06

دخول إعجازي.. جدار الكعبة يرحّب بقدوم ’علي بن أبي طالب’
مما لا شك فيه أن ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكعبة فضيلة ومنزلة تدل على عظيم شانه عند الله تعالى، فالكعبة لا تنشق لتدخل فاطمة بنت أسد ومن ثم تعود إلى حالها إلا بإرادة إلهية، مما يعني أن الله هو الذي اختار جوف الكعبة ليكون مكاناً لولادته المباركة.

[اشترك]

وقد كان بالإمكان حدوث ذلك بشكل طبيعي كأن تدخل فاطمة بنت أسد عبر باب الكعبة، إلا أن الله أراد أن يكون دخولها بشكل إعجازي ليتأكد للجميع بأن استقبال الدنيا للإمام (عليه السلام) كان بتدخل مباشر من الله تعالى. وعليه فإن مجرد اختصاص أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الفضيلة يغني عن السؤال لماذا لم يولد فيها غيره؟ لأن الإجابة حينها ستكون لأن الله جعلها له خاصة فلو شاركه غيره لما كانت له فضيلة، وهذا ما أكده الحاكم النيسابوري بقوله: ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه إكراما له بذلك، وإجلالا لمحّله في التعظيم.

وقد تواتر خبر ولادته (عليه السلام) في الكعبة في جميع مصادر المسلمين السنة والشيعة، وصرح الحاكم بهذا التواتر بقوله: (وقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة) وهذا اعتراف بكثرة الأخبار التي روت الحادثة، وقد بحثها العلامة الأميني مفصلاً في كتابه الغدير حيث جمع المصادر الحديثية والتاريخية التي تناولت ذلك يمكن للمهتم مراجعته.

 إلا أن البعض وكالعادة حاول نفي هذه الفضيلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مع كثرة الأخبار وشهرتها، حيث أدعي بحسب رواية مسلم بأن حكيم بن حازم هو الذي ولد في الكعبة، مع أنه أسلم بعد الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم، ولا يمكن قبول مثل هذا الخبر في قبال كل الأخبار التي وصفها الحاكم بالتوتر.

*الشيخ معتصم السيد أحمد – باحث وأستاذ في الحوزة العلمية

2022/06/30

ما حقيقة تعيير الإمام الحسين (ع) لـ ’الشمر’ بـ ’ابن راعية المعزى’؟!
لقد نص الطبري على صدور هذا التعبير من الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء قبل بدء المعركة، وجاء ذلك أيضاً في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (ره) في سياق رواية الإمام السجاد (ع) لدعاء الإمام الحسين (ع) صبيحة يوم عاشوراء.

[اشترك]

وقد يستوحى من ذلك أن الإمام السجاد (ع) ينقل صدور ذلك من الإمام الحسين (ع)، لكنه ليس واضحاً، بل الظاهر أن المروي عنه (ع) خصوص الدعاء الصادر من الإمام الحسين (ع)، وأما بقية ما جاء بعد ذلك فهو نقل من الشيخ المفيد (ره) عن المصادر التاريخية.

وعلى أي حال، ليس في التعبير المذكور أدنى إهانة ولا مسبة أو تعيـير لأن شمر بن ذي الجوشن يعرف بالضبابي، والضبابي نسبة إلى بني ضبة، وبنو ضبة كانوا يعرفون منذ القديم عند العرب بأبناء راعية المعزى، لحادثة تاريخية أشير إليها في بعض المصادر التاريخية مثل كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، نعم لم يعرف منشأ توصيفهم منذ ذلك الوقت بهذه الصفة، لكنها صفة أطلقت على المنتمين لهذه العائلة، وصاروا يعرفون بها، وقد تشير لشيء من التوهين والاحتقار، لكنه أمر معروف ومشهور، وليس أمراً خفياً.

ومنه يظهر عدم تمامية الجواب عن ذلك بالطعن في نسبه، وأنه ولد من فاحشة لقصة تذكر أن أمه خرجت يوماً وأصابها العطش واستسقت راعياً فلم يقبل أن يسقيها إلا تمكنه نفسها وقد حملت بشمر جراء ذلك اللقاء، وينسبون ذلك لكتاب المثالب لهشام بن محمد الكلبي، إلا أنها غير موجودة في ذلك الكتاب.

على أنه لو سلم ورود هذه القصة، فإنه لا معنى لأن يوصف بابن راعية المعزى، لأن القصة لا تذكر أن أمه كانت تقوم بذلك، ولو بني على أنه تعبير كنائي أراد منه الإمام الحسين (ع) تعريفه بحقيقته وأصله ونسبه، فإنه من التعبير الخفي، وليس جلياً واضحاً.

ثم إنه لو سلم بوجود هذه القصة في الكتاب المذكور، فإنه سوف يحمل الفعل الصادر من الإمام الحسين (ع) على التعيـير والنبز، وهو ما لا يليق بشأن الإمام الحسين (ع).

اللهم إلا أن يلتـزم بالتوجيه الذي ذكره العلامة الجليل السيد عبد الرزاق المقرم(ره) في كتابه مقتل الحسين(ع)، فقد جاء في الحاشية تعقيباً على قول الإمام الحسين (ع) لمروان بن الحكم: يا ابن الزرقاء، التالي:

غير خفي أن أدب الشريعة وإن حرّج على المؤمن التنابز بالألقاب والطعن في الأنساب، ومن تستفاد منه الحكم والآداب الإلهية أحرى بالأخذ بها، إلا أن إمام الأمة والحجة على الخليقة العارف بالملابسات لا يتعدى هذه المقررات. وابتعادنا عن مقتضيات أحوال ذلك الزمن يلزمنا بالتسليم للإمام المعصوم (ع) في كل ما يصدر منه، خصوصاً مع مطابقته للقرآن العزيز الذي هو مصدر الأحكام، والتعيـير الصادر من الحسين لمروان صدر مثله من الجليل عز شأنه مع الوليد بن المغيرة المخزومي، إذ يقول في سورة القلم:- (عتل بعد ذلك زنيم)، والزنيم في اللغة الدعي في النسب، اللصيق به.

وورد في حديث النبي (ص) كما في كنـز العمال: العتل الزنيم، الفاحش اللئيم. ويروي الآلوسي في روح المعاني: أن أباه المغيرة ادعاه بعد ثمان عشرة سنة من مولده. فإذا كان ينبوع الأدب والأسرار يغمز في حق رجل معين ويسمه بالقبيح في كتابه الذي يتلى في المحاريب ليلاً ونهاراً فلا يستغرب من ابن النبوة إذا رمى مروان بالشائنة، وهو ذلك المتربص بهم الغوائل[1].

[1] مقتل الحسين ص 130-131.

*الشيخ محمد العبيدان القطيفي – باحث وأستاذ في الحوزة العلمية

2022/06/27

لا سيف إلا ذو الفقار.. أين اختفى سيف الإمام علي (ع)؟!
أين ذهب سيف ذو الفقار بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)؟ وأين هو الآن؟

[اشترك]

إنّ سيف ذو الفقار يعدّ من الأشياء التي يتوارثها حجج الله تعالى كابراً عن كابر، وقد ورثها الإمام الحسن (عليه السلام) ثم الإمام الحسين (عليه السلام) ثمّ ولده السجّاد (عليه السلام) وهكذا إلى أن وصل إلى بقية الله الأعظم (عجل الله فرجه)، فهي الآن مع غيره من مواريث الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) عند الإمام المهدي (عجل الله فرجه).

روى الشيخ الصدوق في كتبه الثلاثة [الخصال ص528، وكمال] بالإسناد عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: « للإمام علامات، يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس.. ويكون عنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة...».

وهذه الرواية واضحة الدلالة في أنّ سيف ذو الفقار يكون عند الإمام المعصوم (عليه السلام)، والإمام المعصوم فعلاً وصاحب الأمر والزمان هو الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فلا بدّ أن يكون عنده.

وفي المقام رواية أخرى أوضح دلالة على هذا الأمر، وهي ما رواها ابن أبي زينب النعمانيّ في كتاب [الغيبة ص320] بالإسناد عن أبي بصير، قال: « قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يخرج القائم (عليه السلام) حتّى يكون تكملة الحلقة، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره... ثم قال: يا أبا محمد ، إنه يخرج موتوراً غضبان أسفا لغضب الله على هذا الخلق ، يكون عليه قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان عليه يوم أحد، وعمامته السحاب، ودرعه درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) السابغة، وسيفه سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذو الفقار».

وهذه الرواية واضحة جليّة في أنّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يخرج ومعه سيف ذو الفقار.

*السيد عبد الهادي العلوي

2022/06/25

لماذا لم يعزل الإمام علي (ع) شريحاً القاضي وزياد ابن أبيه؟!
شريح القاضي الذي كان قاضيا في عهد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، لماذا لم يعزله الإمام من منصب القضاء مع علمه بفسقه؟

[اشترك]

الجواب من سماحة آية الله السيد منير الخباز:

 

إن الإمام علياً حينما استلم الخلافة كانت مرافق الدولة آنذاك مملوءة بالثغرات والعيوب، ولم يمكن للإمام علي عليه السلام في الأيام الأولى إصلاح جميع الأخطاء وجميع المعايب التي كانت في مرافق الدولة، لأن ذلك كان سبباً لهياج الناس عليه، فلو نلاحظ أن الإمام علياً  دخل مسجد الكوفة أيام شهر رمضان ورأى الناس تصلي النافلة جماعة، ولمّا أراد أن ينبه الناس على أن النافلة لا تقع جماعة وإنما تقع فرادى، قام كثير من الناس في وجهه وصاحوا، وقالوا «وا سنة عمراه» لأن الخليفة الثاني هو الذي سنَّ الجماعة في النافلة المعبر عنها في شهر رمضان بصلاة القيام وصلاة التراويح، فإذا كان هذا الأمر البسيط الذي هو من الأمور الشرعية والذي يعلم المسلمون أن علياً باب مدينة العلم للنبي صلى الله عليه وآله، ومع ذلك ثاروا في وجهه لأنه أراد تغييره، فكيف بالأمور الأخرى التي لها صلة بأموال الناس وصلة بمعائشهم، فلذلك رأى الإمام  انه لا يمكنه إصلاح كل الأخطاء في مرافق الدولة في الأيام الأولى، فأراد أن يبدأ بالأولويات، فبدأ أولاً بعزل معاوية بن أبي سفيان، لأنه كان رأس الغدر والنفاق، ونتج عن ذلك حرب طاحنة وهي حرب صفين، وبدأ بالمساواة في الخراج فليس لأحد راتب أكثر من مسلم آخر من دون فرق بين القرشي وغيره والعربي وغيرهن وهذا أيضاً أجّج كثيراً من الصحابة ضد الإمام  لأنه ساوى بينهم وبين غيرهم من المسلمين في رواتب الخراج، ووضع نظام الشرطة لإصلاح أمور الناس، كما وضع نظاماً اقتصادياً لحفظ الثروات وتوزيعها.

فمسألة بقاء شريح القاضي وبقاء زياد بن أبيه واليا لفترة قصيرة على البصرة بعد مجيء الإمام إلى الخلافة كان لأجل أنه لم يمكن إحداث هذا التغيير في الأيام الأولى.

2022/06/20

ثاني أكبر جماعة شيعية.. ماذا تعرف عن ’الإسماعيلية’ و ’البُهرة’؟
الظاهر من كتب الفرق والمذاهب الإسلاميّة أنّ البهرة هم فرقة من فرق الإسماعيليّة، كتب عنها كثيرٌ من الباحثين والدارسين قديماً وحديثاً، ونحن بحسب ما يسع المقام سنذكر باختصارٍ ما يُمكن أنْ يُعطي فكرة عن هذه الفرقة، فنقول:

[اشترك]

إنّ الإسماعيلية، هي إحدى الفرق الشيعية الثلاث (الإمامية، الزيدية والإسماعيلية)، والتي اعتقدت بإمامة إسماعيل بن جعفر أو ابنه محمد بعد الإمام الصادق عليه السلام، وقد تمكنت هذه الفرقة من المحافظة على بقائها عبر القرون الماضية، كما لعبت قياداتها أدواراً سياسية مهمة في التاريخ السياسي للأمّة الإسلامية، وتعتبر الفرقة الإسماعيلية ثاني أكبر جماعة شيعية بعد الإمامية، من جهة عدد الأتباع.

كذلك وقعت انقسامات كثيرة بين أتباع هذه الفرقة عبر القرون الماضية من نشأتها، فصاروا فِرقاً وجماعات، منهم «الواقفة الإسماعيلية (أو الإسماعيلية الخالصة)، والدروز، والمستعلية، والأخيرة انقسمت إلى: المستعلية الحافظية، والمستعلية الطيبية (بُهرة) والأخيرة انقسمت أيضاً إلى: طيبية داودية ، وطيبية سليمانية، وطيبية علوية، والنزارية والأخيرة انقسمت إلى: النزارية المؤمنة، والنزارية القاسمية (الأغاخانية)»، ولعلّ أهم الاسباب الواضحة، والتي ساعدت وكرّست هذا الانقسام، هو النزاع الذي حصل بينهم على الملك والحكم، بعد أن تمكنوا من إقامة عدّة حكومات في تونس ومصر وسورية واليمن وغيرها من الأوطان الإسلامية.

وجه التسمية لهذا المذهب، ترجع إلى ابن الإمام الصادق الأكبر، إذْ لقّبوا بـ « الإسماعيلية» لأنّهم ذهبوا إلى القولِ بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، من بعد أبيه الإمام الصادق(ع) ، ورفض بعضهم التسليم بأنّ إسماعيل بن جعفر الصادق، قد توفى في زمن أبيه عليه السلام، مدّعين بأنّ الإعلان بموته والجنازة التي خرجت في زمن أبيه عليه السلام، كانت تقيّةً من أبيه الإمام الصادق (ع)، للحفاظ عليه وإخفائه عن عيون بني العبّاس، الذين كانوا يتربصون به لقتله،

أمّا البعض الآخر فقد أقرّ بموت إسماعيل بن جعفر الصادق، وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر، ثمّ بقيت الإمامة متواصلة عندهم إلى يومنا هذا، مع الاختلاف في تشخيص شخص الإمام، وهو الذي أدّى بهم إلى التفرقة والتشعّب الحاصل بينهم عبر القرون المتلاحقة.

ومن أشهرهم:

المستعلية الطيّبية (البُهرة) وأئمتهم، إذْ إنّهم الفرقة الثانية من "" المستعلية ""، فبعد موت "" الآمر بأحكام الله ""، بايعوا ابنه: الطيب بن منصور بن أحمد، الملقّب بــ"" شفيع يوم المعاد "" ولد سنة 524هـ. وعنده تقف الإمامة عند "" الطيبية "" ويرون أنّه قد استتر هو وذريّته من الأئمة، والطيبية هم نفسهم المسمون في زمننا بــ "" البهرة "" الذي هو لفظ هندي يفيد بالعربية معنى "" العمل، والجد ""، وقيل يفيد معنى "" التاجر ""، وهم الذين يقولون بإمامة "" الطيب بن المنصور ""، والذي مات والده وهو في بطن أمّه.

وبعد تَوَقّفِ الإمامة عندهم، تَبنّو القول بالداعي المطلق، واتبعوا نظام الدعاة إلى سنة (999 هـ)، ثمّ وقع الخلاف في ما بينهم في تشخيص هوية الداعية المطلق، فانقسموا إلى ثلاثة فرق:

وقد قسّمت هذه الفرقة الحياة إلى أدوار، وكل دور 7000 سنة، وفي كل دور هناك سبعة أنبياء لهم شريعة خاصة بهم، وأطلقوا عليهم "" النطقاء ""، وآخرهم هو نبي الله محمد صلی الله عليه وآله وسلم وهو الناطق الآخير، وبعد كل ناطق لابد من وصي له، وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وبعد كل وصي أئمة مقسمين على أقسام، وكل قسم له مقام خاص.

وتتواجد بقايا الفرق الإسماعيلية حاليًا، في:

إيران: (نزارية)

الهند وباكستان وأفغانستان: (نزارية، ومستعلية طيبية داودية "" بهرة "" ، ومستعلية طيبية سليمانية "" بهرة ""، ومستعلية طيبية علوية "" بهرة "")

اليمن: (مستعلية طيبية سليمانية "" بهرة "")

بلاد الحجاز [ السعودية ]: (مستعلية طيبية سليمانية "" بهرة "")

سوريا: (دروز، ونزارية قاسمية أغاخانية)

لبنان: (دروز)

مصر: (النزارية)

ولهم جالية متمكّنة ومقتدرة ماديا في الإمارات وبعض دول الجزيرة العربية، وكذلك في بعض الدول الأوربية، وفي القارتين الأمريكية وأستراليا، ومن أراد المزيد من التفصيل عن هذه الفرقة ودعاتها، فليرجع إلى بعض المصادر التي عرضت لهذه الفرقة وأقسامها، فمنها: المذاهب الإسلامية للسبحانيّ: ص 258- 260، أعيان الشيعة للعامليّ: ج 3 ص 316، تاريخ الإسماعيلية: ج 4 ص 69، سمط الحقائق: للداعي الدعاة علي بن حنظلة الوادعي ص 39 – 42].

*السيد رعد المرسومي - باحث إسلامي

2022/06/20

عرش في ’مهب الريح’.. تعرّف على أخطر مخطط للإيقاع بالإمام الرضا (ع)
قبل الحديث عن هذه الدوافع والأسباب لولاية العهد نرى أنه لا بد من المرور ولو سريعاً على الماضي الأسود للخلافة العباسية التي سبقت عهد المأمون ومن ثم كيفية وصول المأمون للسلطة وما واجهه من التحديات التي كادت أن تزيل خلافته لولا حنكته ودهائه ومكره وغدره.

[اشترك]

ومن المعروف إن العباسيين وصلوا إلى الخلافة عن طريق الدعوة لأهل البيت (عليهم السلام) والبيعة إلى (الرضا من آل محمد)، واستغلوا تعاطف الناس مع مظلومية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من قبل الأمويين وخاصة واقعة الطف الدموية، وغيرها من المجازر التي ارتكبها الأمويون بحق العلويين، وقد بايع (السفاح) و (المنصور)، محمداً بن عبد الله بن الحسن المثنى، ثلاث مرات، مرة بالإبواء وأخرى بالمدينة وأخرى بمكة، في جملة من بايعه، ولولا اعطاء دعوتهم صبغة الثأر لأهل البيت والقيام لهم لما قامت للعباسيين قائمة.

فلما آلت الخلافة الى السفاح (ابو العباس)، عمل كل ما بوسعه على استبعاد العلويين من كونهم هم (أهل البيت) و (العترة)، ولصق هذه الصفة بالعباسيين وسخّر لدعايته هذه الولاة والشعراء وغيرهم، ولم تفارق هذه السياسة الخلفاء الذين جاؤوا بعده، بل تعددت انشطتها وكثر محرفوا الآيات من وعاظ السلاطين ومزيفوا الحقائق من المؤرخين والشعراء وغيرهم.

وهذه السياسة لم تكن جديدة في تاريخ الخلافة، فقد سبقهم الأمويون إليها عندما حضر عشرة من علماء الشام وحلفوا للسفاح انهم ما كانوا يعرفون أهل بيت للنبي (صلى الله عليه وآله) غير بني أمية!!

ولازال هذا الأمر مستمراً حتى الآن فلا زال أحفاد هؤلاء الطلقاء يبذلون جهودهم ويحاولون بكل ما بوسعهم تزييف الحقائق لإبعاد أقرب الناس إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وإلصاق البعيد به، وهذا الحديث يجرنا إلى موضوع لسنا هنا بصدده فله جذور تاريخية بدأت في السقيفة، واتبعته الحكومات التي تلتها.

وقد سلك بنو العباس في خلافتهم نفس السياسة الأموية فقد دعوا إلى أهل البيت (عليهم السلام) ونجحت دعوتهم بهم فسرقوا باسمهم الخلافة وعندما استقرت لهم الخلافة أبعدوا العلويين عنها وحاربوهم وقتلوهم، ولكنهم لم ينسوا أن يلجأوا إليهم كلما اضطرب عرشهم وتزعزع ملكهم، وهذا الإسلوب اتبعه المأمون في عقد ولاية العهد للامام الرضا (عليه السلام)، وهو أحد الأسباب في ذلك كما ستأتي بقية الأسباب الأخرى.

لذة القتل عند العباسيين

منذ أن استولى العباسيون على زمام السلطة انصب اهتمامهم على تصفية العلويين فمارسوا أبشع الأساليب القمعية لإبادة العلويين عن بكرة أبيهم.

وفي عرض موجز لسياسة كل خليفة تجاه العلويين قبل المأمون تتضح السادية التي جُبل عليها بنو العباس وشغفهم بسفك الدماء.

فقد سلّط السفاح على العلويين جلاوزته لقتلهم، وكان يضع عليهم الجواسيس والعيون، أما المنصور فقد اتبع سياسة هوجاء تجاه العلويين فكان يضعهم في الاسطوانات، ويبنيها عليهم، ويسمّرهم في الحيطان، ويتركهم يموتون جوعاً، ثم يهدم المطبق على من تبقى منهم حياً، وهم في أغلالهم، إلى الكثير من الأساليب البشعة، وتعد سياسة المنصور تجاه العلويين، من أقبح صفحات التاريخ العباسي ومن أقسى فترات العلويين في عهدهم.

أما المهدي فقد كان يتهم من يوالي أهل البيت بالإلحاد، وهي ذريعة للإيقاع بهم وقتلهم، أما الهادي فقد عاش العلويون في عصره عصر رعب وكان يتشدد في طلبهم وقتلهم، وقد جرت في عصره واقعة فخ الدموية التي حمل فيها أكثر من مائة رأس علوي إليه فأمر بصلبها وعرضها على الناس، أما الرشيد فليس أدل من قول (الخوارزمي) في وصف سياسته القمعية الدموية تجاه العلويين حيث قال: (الذي حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الامامة). ومن أراد التوسّع فليرجع إلى كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الاصفهاني الذي نقل بعض جرائم العباسيين بحق العلويين لأن جرائمهم لا تعد ولا تحصى حتى قال الشاعر:

تالله ما فعلت أمية فيهم *** معشارَ ما فعلت بنو العباسِ

اعتراف المأمون بجرائم أسلافه

وهذه الجرائم اعترف بها المأمون نفسه في الكتاب الذي أرسله إلى العباسيين حيث قال: (حتى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم، وضيّقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم..... ويحكم إن بني أمية قتلوا من سلّ سيفاً وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم هاشمية بأي ذنب قتلت؟ ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء......) إلى آخر الرسالة.

ولم يكن المأمون في موقفه هذا بموقف المنتصر للعلويين أو المطالب بحقوقهم المهدورة، وهو يصف ما فعل أسلافه من جرائم بحق العلويين انما اقتضت سياسته أن ينتصر شكلياً للعلويين لأسباب سنوضحها، فكانت رسالته تلك، كلمة حق يراد بها باطل.

ولكن ما هي الأسباب التي دعت المأمون لأن يمالئ العلويين ويشيد بفضلهم ويندد بالجرائم التي ارتكبت بحقهم، ومن ثم يعقد ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام)؟

وقد عرفنا أن المأمون لم يكن بذلك الزاهد بالخلافة وقد قتل من أجلها أخاه حتى يعقدها لألد خصومه، كما انه لم يكن أفضل ممن سبقه من الخلفاء العباسيين في سياسته القمعية.

الثورات العلوية

وفي استقرائنا للثورات العلوية وغيرها التي قامت ضد الخلافة العباسية واشتدت وقويت شوكتها في بداية عهد المأمون تتوضح الصورة أكثر والتي آلت إليها الخلافة العباسية والتي كانت من جملة الاسباب التي دعت المأمون لعقد ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام) ليحافظ على كرسي الخلافة.

فمن الطبيعي أن تواجه سياسة العباسيين القمعية سخط الناس وقيام الثورات وفي مقدمتها الثورات العلوية، ففي عهد المنصور ثار ابراهيم قتيل باخمرى و أخوه محمد ذو النفس الزكية، ثم خرج عيسى بن زيد بن علي الشهيد، وفي أيام الهادي خرج الحسين بن علي صاحب فخ، وفي عهد الرشيد خرج يحيى قتيل الجوزجان، وكل هذه الثورات إلى جانب الثورات غير العلوية، زعزعت أركان الخلافة العباسية، وازداد سخط الناس على سياستهم الجائرة.

وعندما تسنّم المأمون الحكم، كان عرش الخلافة في مهب الريح تزعزعه الثورات والاضطرابات تقول الدكتورة سميرة مختار الليثي في كتابها (جهاد الشيعة) (ص316): (في الوقت الذي ثار فيه صراع عنيف بين الأخوين ـ الأمين والمأمون ـ اشتعلت نار  الثورة في بلاد الشام إذ ثار السفياني وهو علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ودعا إلى نفسه، واستولى على دمشق والمنطقة المحيطة بها، وكاد أن يقيم حكماً في بلاد الشام، لولا أن نشب نزاع بين اليمنيين والمصريين أضعف من قوته... وانتشرت الفوضى في بغداد خاصة وفي أرجاء الدولة العباسية عامة).

اضطراب وفتن وثورات

وثارت ثائرة الناس، وسخطوا على المأمون بعد أن رأوا ظلمه وظلم عماله وجورهم ما يطول شرحه، وكثرت الفتن، وأصابت المجاعات الكثير من البلاد الاسلامية، ووقع الموت فيها، ففي بغداد كان إبراهيم بن المهدي عم المأمون يرمي المأمون بأمه ويدعو العباسيين بالثورة عليه، وفي الكوفة خرج أبو السرايا بجيش كبير وأعلن الثورة، وخرج زيد بن موسى بن جعفر ومعه علي بن محمد بالبصرة، وفي مكة خرج محمد بن جعفر الملقّب بالديباج، وفي اليمن خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر، وخرج محمد بن سليمان العلوي في المدينة، وخرج جعفر بن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي في واسط، وفي المدائن خرج محمد بن إسماعيل.

 

نسج خيوط المؤامرة

في تلك الأوضاع الخطرة والحرجة كان كرسي الخلافة العباسية تتقاذفه الأمواج في مهب الريح، ولكن المأمون الذي عرف بدهائه ومكره، لم يكن ليستسلم بهذه السهولة لهذه الثورات مهما بلغت ضراوتها ويترك الخلافة وقد قتل أخاه من أجلها وخططّ لسنوات طوال في سبيل الوصول إليها، لذا فقد اقتضت السياسة العباسية أن تشرك العلويين ألد خصوم العباسيين في الخلافة لإخماد الثورات العلوية وغيرها والحصول على شرعية للخلافة واكتساب ثقة الناس وامتصاص نقمتهم، وهكذا تحتم على سياسة السيف والقمع والدم والتعذيب والتنكيل أن تخفي أساليبها الوحشية للضرورة لفترة من الزمن بعد أن رأت أن العنف لا يجدي مع هذه التحديات الكبيرة لتحوك المؤامرات والدسائس للتخلص من مناوئيها بعد أن رأت أن لا طاقة لها بهم.

فرأى المأمون أن يعقد ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام) لكي ينال تأييد الناس وترجع للخلافة قوتها ونفوذها كما أقام أسلافه خلافتهم بالدعاية للعلويين والبيعة (للرضا من آل محمد)، إذن فقد قرر أن يعيد المأمون كذبة آبائه وأجداده فهو يعلم ما للإمام من قاعدة شعبية واسعة وقوية، وما يحظى به من تقدير واحترام من قبل مختلف شرائح المجتمع.

الأهداف الدنيئة

وإضافة إلى الأهداف والمآرب التي ذكرناها والتي كان المأمون يسعى لتحقيقها من خلال تقليده ولاية العهد للإمام الرضا، فقد كان يسعى لجعل الإمام تحت المراقبة الشديدة وإبعاده عن الناس والشيعة من أصحابه وخواصه وقطع صلاته معهم ليمهد بذلك الطريق إلى التخلص منه.

والهدف الأهم من ذلك هو محاولة تسقيط الإمام اجتماعياً، وجعل الناس ينظرون إليه بأنه رجل دنيا بقبوله ولاية العهد، وتشويه صورته التي ينظر بها الناس إليه وهذا ما واجه به الإمام (عليه السلام) المأمون كما سنرى في محادثته معه، إلى غيرها من الأهداف التي لم تكن خافية على الإمام (عليه السلام) الذي كان يعلم دخائل المأمون، وما تنطوي عليه نفسه من الخبث، بل لم تكن مآرب المأمون خافية على أكثر العلويين فكان جواب الإمام: الرفض القاطع.

البيعة أو القتل

لم تفلح كل محاولات المأمون لثني الإمام عن إصراره في الرفض، وقد تنوّعت وتعددت محاولاته، إلا أن كل هذه المحاولات كانت تبوء بالفشل ورجع رسولاه الفضل والحسن، ابنا الربيع، وقد عجزا عن تنفيذ ما يطمح إليه، ولما رأى المأمون إن الإمام مصرٌ على الرفض، لجأ الى أسلوب التهديد، فأرسل رجاء بن أبي الضحاك ليأتي بالإمام من المدينة ليعقد له البيعة بالتهديد والإكراه.

حضر الإمام من المدينة وعرض عليه المأمون ولاية العهد فرفض الإمام (عليه السلام) رفضاً شديداً، وبقي المأمون يعرضها عليه لمدة شهرين والإمام يرفض حتى غضب المأمون وجرت بينهما محاورة كشف فيها الإمام الرضا (عليه السلام) عمّا يضمره المأمون من عقد البيعة له فقال له: (إني لأعلم ما تريد)، فقال المأمون: وما أريد؟ فقال (عليه السلام): (تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة..)؟!

لقد واجه الإمام (عليه السلام) المأمون بمآربه التي أخفاها وهدفه الدنيء من وراء عقد هذه الولاية مما أثار غضب المأمون وهو يواجَه بهذه الحقيقة فقال: (بالله أقسم لئن قبلت بولاية العهد وإلّا ضربت عنقك).

شروط البيعة

فلما رأى الإمام إنه مجبر على تقلّد ولاية العهد ولا خيار أمامه سوى القتل قال له: (على شرط: إني لا آمر، ولا أنهي، ولا أقضي، ولا أغير شيئاً، مما هو قائم على أصوله). فقبل المأمون بذلك.

لقد وضع الإمام هذه الشروط لكيلا يتحمل شيئاً من تبعات الحكم العباسي فقد كشف (عليه السلام) في الفقرة الأخيرة من قوله إنه خارج من العهد بمجرد وضعه للشروط التي اشترطها، والعمل بها يعني إنه لم يكن ضمن نظام السلطة الذي لا يمكن أن يتلاءم مع فكره وأخلاقه.

موقف الإمام من البيعة

كما أوضح (عليه السلام) موقفه من هذه البيعة بقوله: (قد علم الله كراهيتي لذلك فلما خُيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل.. أما علموا إن يوسف (عليه السلام) كان نبياً ورسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز، قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد إشراف على الهلاك على أني ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول الخارج منه).

كما كشف (عليه السلام) في قوله: (إني لا آمر ولا أنهي ولا أقضي ولا أغير شيئاً مما هو قائم على أصوله) فساد السلطة العباسية أمام الناس، وعدم شرعيتها، ومخالفتها لكتاب الله، وإلا لماذا لا يقوم الإمام بكل هذه الأعمال وهو ولي العهد؟

فالإمام لو رفض ولاية العهد فبغض النظر عن القتل الذي ينتظره فانه سوف يفتح باباً للقتل على أتباعه وأهل بيته والإمام أحرص الناس على حقن الدماء فكان (عليه السلام) يوازن بين النتائج والمعطيات المترتبة على القبول والرفض فآثر القبول.

انقلاب السحر على الساحر

ولكن كل هذا التدبير من قبل المأمون قد انقلب عليه فرغم أنه ضيّق على الإمام ووضع الجواسيس عليه ومنع أصحابه من الإتصال به، إلا أن القاعدة الشعبية للإمام اتسعت خاصة بعد مجالس المناظرات التي كان يعقدها المأمون ويجمع فيها أصحاب الديانات والمذاهب المختلفة للمناظرة، وكان يستدعي الإمام إليها فيفحم (عليه السلام) المناظرين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم فتنتهي المناظرة بقولهم: (والله إنه أولى من المأمون بالخلافة)، وهكذا انقلب السحر على الساحر ووقع المأمون في البئر التي حفرها للإمام.

الحقد المتوارث

هل يطيق المأمون سماع هذه الكلمات؟ وهل يتحمل أن يرى أمامه رجلاً هو أولى منه ومن الناس جميعاً بالخلافة؟ ويرى التفاف الناس حوله ويسكت على ذلك؟ إنه يرى الخلافة تضيع من بين يديه، الخلافة التي قتل من أجلها أخاه الأمين، وقتل من خدموه وثبّتوا ملكه وكان لهم الفضل في تصفية خصومه أمثال طاهر بن الحسين والفضل بن سهل وغيرهم حينما خافهم عليها فكيف بالإمام الرضا (عليه السلام) وهو عدوه اللدود وأشد الناس خطراً عليه فهل يصبر وهو يرى كل هذا؟

لقد اسودّت الدنيا في عينيه وأقضّ مضجعه الحقد الأسود على الإمام وهو يرى نفوذه يتسع وشعبيته تزداد يوماً بعد يوم ويقف هو عاجزاً على أيقاف هذا المد الكاسح فسوّلت له نفسه قتل الإمام بدسّ السمّ إليه وهكذا نفذ المؤامرة الجبانة.

فشل المؤامرة

لقد خسر المأمون بمؤامرته هذه وفشل فشلاً ذريعاً، فسرعان ما أفصح عن نواياه الخبيثة في رسالته إلى العباسيين والتي بين فيها أهدافه الدنيئة من عقد البيعة للإمام الرضا فقال ما نصه:

(أما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى الرضا فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم والذائد عنكم وإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة فأني في تدبيري والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم وانتم ساهون لاهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم).

ويتضح جلياً من مضمون كلامه إن ولاية العهد كانت كذبة أراد بها الحفاظ على كرسي الخلافة العباسية ودفع الأخطار التي أحاطت حوله واستيعاب ما كان منتظراً منها في ذلك الظرف من المضاعفات التي قد تسبب له ولخلافته الكثير من المتاعب وتعرضه لأسوأ الاحتمالات.

وهكذا انتهت لعبة المأمون القذرة التي ربح بها قتل الإمام لكنه لم يستطع تحقيق غاياته الدنيئة في الحط من كرامته وتقليل منزلته بين الناس وما إقدامه على قتل الإمام بالسم إلا دليل قاطع على فشل المؤامرة.

*محمد طاهر الصفار - كاتب وشاعر عراقي

2022/06/11

متى ظهرت «المرجعية الدينية» ومن نصبّها؟!
مصطلح المرجعية الدينية أخذ شكله الواضح في عصر الغيبة، بعد أن انقطع الاتصال بالإمام (عج)، فكان هناك - في بادئ الأمر - اتّصالٌ مع السفراء الأربعة فقط، ثم بعد ذلك انقطع الاتصال مع الإمام (عج)، وتصدى الفقهاء بشكل رسمي لقيادة الأمة.

[اشترك]

ولكن هذا لا يعني عدم وجود جذور واقعيّة لهذا النوع من القيادة قبل عصر الغيبة، بل كان هناك نوع من المرجعية عند بعض الفقهاء في عصر الأئمة عليهم السلام، وخصوصاً في المناطق البعيدة عنهم، إذْ كان الشيعة في عصور الأئمة (ع) يرجعون الى فقهاء بلادهم، بإرشاد من الأئمة عليه السلام، وربما أمر الإمام (ع) الفقيه من أصحابه أن يفتي الناس.

فقد نقل النجاشيّ في ترجمة (أبان بن تغلب)، والحر العاملي في وسائل الشيعة (ج30/ص291) عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لأبان بن تغلب: (أجلس في مسجد المدينة وَأفْتِ الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك).

و قال الإمام الصادق عليه السلام لأحد شيعته: ائتِ أبان بن تغلب، فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً، فما رواه لك فاروه عني».[ وسائل الشيعة (ج 27/ص 147)].

وقال الإمام الرضا عليه السلام: «خذ معالم دينك من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا. قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم، فسألته عما احتجت إليه». [ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 27، ص 146].

وعن المفضل بن عمر، أن أبا عبد الله عليه السلام قال للفيض بن المختار في حديث : فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومأ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين.[ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 27، ص 143].

وممّا تقدّم يتبيّن أنّه في عهد وجود الأئمة (ع) كانت هناك مرجعيات دينية للشيعة، ولكن في المناطق البعيدة عن وجود الإمام، وهذا ما أشارت له المصادر التاريخية، فقد كان من تلاميذهم فقهاءُ كبار مراجع لأهل مناطقهم. وفي زمن الغيبة الصغرى للإمام عليه السلام أجمع الشيعة على وثاقة النواب الأربعة وجلالتهم قدس الله أرواحهم، وأنهم كانوا حلقة الوصل بين الشيعة وإمامهم (عج)، وبعد الغيبة الصغرى تصدى العلماء والمراجع لإدارة أمور الناس الشرعية، والدنيوية، وكان للشيعة في عصر الغيبة الصغرى علماء كبار أيضاً، وخصوصاً في الكوفة، وبغداد وقم، وكان النواب أحياناً يرجعون الناس اليهم.

وقد أخبر الإمام المهدي عليه السلام شيعته بغيبته الكبرى وأرجعهم الى الفقهاء العدول الجامعي الشروط كما في حديثه المشهور: «أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك، إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» .[ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 27، ص 140]. 

ومن هنا يعلم كلّ منصفٍ أنّ مسألة تنصيب المراجع كانت من المسائل المهمّة التي تجري وفق تخطيط سليم ومنظّم، وبرعاية إمام الزمان (عج)، والأئمة السابقين من آبائه عليهم السلام، فلذا كانت هذه المرجعيّات - ولا تزال - صُلبةً على مرّ التاريخ، متّزنةً في قراراتها، وتواكب الأحداث وتضع الحلول لكثير من الأمور، ولا ينكر ذلك إلا مطموس البصيرة معصوب العينين.

2022/06/04

’مرجع الشيعة’ يشرف على تدريب المقاتلين.. كيف حصّن ’كاشف الغطاء’ النجف الأشرف؟

هذه الحادثة معروفة ومشهورة، كتب عنها الكثير من المؤرخّين، وبحسب ما يقتضي المقام سنقتصر في إيراد ما جرى على كتاب (منهج الرشاد لمن أراد السداد للشيخ جعفر كاشف الغطاء)، إذْ جاء في الصفحة 510 وما بعدها ما يلي:

[اشترك] 

لقد كان الشيخ كاشف الغطاء مدركا المتغيرات السياسية، والصراع القائم بين القوى المتنازعة على الخليج فحاول أن يظهر النجف مركزا مستقلا عن مدار صراعات دول المنطقة، وأن يجنب المرجعية الدينية العليا من الدخول في هذا الصراع.

ومن هنا يمكن تفسير العلاقة الودية التي أقامها مع شيخ الوهابية بالمكاتبة مرة، وبتقديم الهدايا مرة أخرى، ونجاحه في حفظ الكيان الشيعي بعيدا عن المتغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة.

وبمقدار النجاح الذي حققه كاشف الغطاء مع الشيخ عبد الوهاب، فإنه أراد أن ينحو المنحى نفسه مع وريثه الأمير عبد العزيز بن سعود، وهو وإن نجح في تحييده قرابة العقد من الزمن إلا أن ذلك لم يمنع ابن سعود من غزو مدينة كربلاء المقدسة عام 1216 ه‍، ونهب (الكنوز) المودعة في حرم الإمام الحسين بن علي عليه السلام، وقتل أهالي البلدة قتلة مأساوية شنعاء.

إن الهجوم الوهابي على (كربلاء) عام 1216 ه‍ لم يكن مستهدفا الشيعة بمقدار ما كان يهدف إلى إحلال الفوضى في الأمبراطورية العثمانية، وتهديد سلامتها وسرقة الخزائن التي ملأها ملوك الهند والفرس بنفائس الجواهر في النجف وكربلاء.

وبعد واقعة كربلاء عام 1216 ه‍ / 1801 م أحس كاشف الغطاء بضرورة تحصين النجف، وتعبئة الأهالي للدفاع عنها. فتهيأت لذلك مراكز تدريب قتالية خارج البلدة يشرف عليها كاشف الغطاء بنفسه. كما تم تعيين عدد من المقاتلين للحراسة، وتنظيم المجاميع الأخرى للتصدي للغزو الخارجي من وراء الأسوار.

وقد فشلت جميع الهجمات الوهابية الخمسة التي تكررت على النجف والتي كان أعنفها الهجمة التي حدثت أواخر عام 1218 ه‍ / 1803 م حيث دافع النجفيون دفاعا عنيفا، ولم تستطع القوة الغازية من اقتحام المدينة.

وفي عام 1221 ه‍ / 1806 م تعرضت النجف لغارة مفاجئة إلا أن ثقة النجفيين بممارساتهم القتالية وتحصنهم بالأسوار والأسلحة جعلهم يتغلبون هذه المرة على القوة المهاجمة بسهولة. (منهج الرشاد) - النسخة الخطية وهي نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، وقريبة لزمن التأليف كتبها العلامة الشيخ قاسم الدلبزي سنة 1210 ه‍ / 1795 م، وعليها تعليق له.

2022/05/12

كم مرة هُدمت ’قبور البقيع’؟

إنَّ دينَ الوهابيّةِ قائمٌ على مُحاربةِ القبور، فما يرتبطُ بالقبور - ما عدا الزيارةِ - فهوَ محظورٌ عندَهم، إمّا بدعةً وإمّا كُفراً وإمّا شركاً.

[اشترك]

وعندَ مُطالعةِ تاريخِ الوهابيّةِ لا نجدُ غيرَ الغزوِ لبُلدانِ الإسلام، وتكفيرِ المُسلمين، واحتلالِ أراضي المُسلمين، وإراقةِ دمائهم المعصومةِ، وأوّلُ همّهم هوَ الإغارةُ على قبورِ المُسلمين والقبابِ التي بُنيَت عليها، فيقومونَ بهدمِها وتدميرِها، فنجدُ أوّلَ قبّةٍ قد هُدمَت هيَ القبّةُ الموضوعةُ على قبرِ زيدٍ بنِ الخطّاب، في اليمامةِ، بمقبرةِ الجبيلةِ، حيثُ قامَ محمّدٌ بنُ عبدِ الوهابِ بنفسِه بهدمِها، بمعونةِ حاكمِ العيينةِ عثمانَ بنِ حمدٍ بنِ معمر. (عنوانُ المجدِ في تاريخِ نجد، للمؤرّخِ الوهابيّ ابنِ بشر: 1 / 39).

وقد اعترفَ ابنُ عبدِ الوهابِ في رسالتِه لأهلِ مكّةَ التي أرسلَها سنةَ 1204 هـ أنّ ممّا نقمَ عليهِ المُسلمونَ وثارَت الفتُن لأجلِها هدمُه لقبورِ الصالحينَ. (عنوانُ المجد: 1 / 171).

وقد دوّنَ مؤرّخُهم الكبيرُ عُثمانُ بنُ عبدِ الله بنِ بشر (المولودُ سنةَ 1210 هـ ، والمتوفّى سنةَ 1290 هـ) كتابَ عنوانِ المجدِ في تاريخِ نجد، وكانَ مُعاصراً لظهورِ هذهِ الدّعوة، وأرّخَ لها مِن بدايةِ ظهورِها، إلى سنةِ 1268 هـ .

يقولُ عن هذهِ الدعوة: وسارَت عمّالُهم إلى جميعِ الأعراقِ في الشام، والعراقِ واليمنِ وأقصى الحجاز، إلى ما وراء الينبع، إلى دونَ مصرَ إلى عدن، وما دونَ البصرة، والبحرين وأقصى عُمان، وكذا ما احتوَت عليه هذه الجزيرةُ منَ العربان، فيقبضونَ منهم الزكاةَ بالكمالِ، ويضربونَ مَن تعدّى، أو تخلّفَ عن الجهادِ، ويأخذونَ مِن مالِه النكال، وهدموا القبابَ والمواضعَ الشركيّة في تلكَ الأقطار. (عنوانُ المجد: 1 / 28).

فمِن أوجبِ الواجباتِ وأهمِّ الأعمالِ عندَهم هدمُ القبابِ التي على القبور.

وقالَ عن سنةِ وفاةِ محمّدٍ بنِ عبدِ الوهاب ( 1206 هـ ) مُترجِماً له: وهدمَ المُسلمونَ ببركةِ علمِه جميعَ القبابِ والمشاهدِ التي بُنيَت على القبور، وغيرِها مِن جميعِ المواضعِ المُضاهيةِ لأوثانِ المُشركينَ في أقاصي الأقطارِ منَ الحرمينِ وتُهامة واليمنِ وعُمان والإحساءِ وقُرى نجد، وغيرِ ذلكَ منَ البلاد. (عنوانُ المجد: 1 / 182 – 183).

وفي هذا النصِّ نلاحظُ أنّه إلى زمانِ تأليفِ كتابِ عنوانِ المجدِ قد قامَ الوهابيّةُ بهدمِ القبابِ والقبورِ في جميعِ الأقطارِ الإسلاميّة التي كانَت تحتَ سيطرتِهم أو التي غزوها، حتّى القبابَ التي في مكّةَ والمدينةِ المنوّرة.

وفي سنةِ 1207 هـ: هجموا على الإحساءِ وهدموا جميعَ ما فيها منَ القبابِ، والمشاهدِ التي على القبور. (عنوانُ المجد: 1 / 202).

وفي سنةِ 1216 هـ: هجموا على كربلاءَ المُقدّسةَ عنوةً وقتلوا أغلبَ أهلِها في الأسواقِ وهدموا القبّةَ التي على قبرِ الإمامِ الحُسين (ع) وسرقوا ونهبوا جميعَ ما فيها، وسرقوا النصيبةَ التي على القبرِ وكانَت مرصوفةً بالزمرّدِ والياقوتِ والجواهر، وسرقوا ونهبوا كربلاء. (عنوانُ المجد: 1 / 257).

وفي سنةِ 1217 هـ: هدموا جميعَ القبابِ التي بُنيَت على القبورِ والمشاهدِ في مكّةَ المُكرّمة، وكانَت مكّةُ مليئةً بالقبابِ والمشاهدِ المُشرّفة، بحيثُ استغرقَت مُدّةُ الهدمِ بضعةَ عشرَ يوماً، يباكرُ الوهابيّةُ منَ الصباحِ في هدمِها إلى الليل. (عنوانُ المجد: 1 / 263). 

وقالَ الجبرتي: إنَّ عبدَ العزيزِ بنَ مسعودٍ الوهابي دخلَ إلى مكّةَ مِن غيرِ حربٍ ... وأنّه هدمَ قبّةَ زمزمَ والقبابَ التي حولَ الكعبةِ والأبنيةَ التي أعلى منَ الكعبة. (عجائبُ الآثارِ للجبرتي: 2 / 585).

وفي سنةِ 1218 هـ: هجموا على مدينةِ البصرة، وهدموا جميعَ القبورِ والقبابِ التي في الزبير، ومِنها القبّةُ التي على قبرِ الحسنِ البصري، وطلحةَ بنِ عُبيدِ الله. (عنوانُ المجد: 1 / 280).

 

هدمُ قبورِ وقبابِ البقيعِ في المدينةِ المنوّرة:

الهدمُ الأوّل ( سنةَ 1220 هـ - 1805 م ): 

ذكرَ جماعةٌ منَ المؤرّخينَ أنّ الوهابيّةَ والدولةَ السعوديّةَ الأولى، لمّا سيطروا على المدينةِ المنوّرة، بعدَ حصارٍ خانقٍ دامَ سنين، كما يقولُ ابنُ بشر، أو سنةٍ ونصف، كما يقولُ الجبرتي، فاضطرَّ أهالي المدينةِ المنوّرةِ إلى تسلميها لسعود، فأوّلُ فعلٍ قاموا به هوَ هدمُ جميعِ القبابِ والقبورِ في المدينةِ المنوّرة، ما عدا القبّةِ التي على قبرِ رسولِ الله (ص)! وذلكَ سنةَ 1220 هجري.

ـ قالَ مؤرّخُ البلاطِ الوهابي عثمانُ بنُ عبدِ الله بنِ بشر (ت 1270 هـ): وفي أوّلِ هذهِ السنةِ - قبلَ مُبايعةِ غالب – بايعَ أهلُ المدينةِ المنوّرةِ سعوداً على دينِ اللهِ ورسولِه والسمعِ والطاعة، وهُدمَت جميعُ القبابِ التي وضعَها على القبورِ والمشاهد، وذلكَ أنّ آلَ مضيان رؤساء حربٍ وهُما بادي وبداي أبناء بدوي بنِ مضيان ومَن تبعَهم مِن عربانِهم، أحبّوا المُسلمينَ (ويقصدُ الوهابيّة) ووفدوا على عبدِ العزيزِ وبايعوه، وأرسلَ معهم عثمانَ بنَ عبدِ المُحسن أبا حسين، يعلّمُهم فرائضَ الدينِ ويقرّرُ لهم التوحيدَ! فأجمعوا على حربِ المدينة، ونزلوا عواليها، ثمَّ أمرَهم عبدُ العزيز ببناءِ قصرٍ فيها، فبنوهُ وأحكموه واستوطنوه، وتبعَهم أهلُ قبا ومَن حولهم وضيّقوا على أهلِ المدينة، وقطعوا عنهم السوابل، وأقاموا على ذلكَ سنيناً ! وأرسلَ إليهم سعودٌ وهُم في موضعِهم ذلكَ الشيخُ العالمُ قرناس بنُ عبدِ الرحمن صاحبُ بلدِ الرسِّ المعروفِ بالقصيم، فأقامَ عندَهم قاضياً مُعلّماً كلَّ سنةٍ يأتي إليهم في موضعِهم ذلك، فلمّا طالَ الحصارُ على أهلِ المدينة، وقعَت المكاتباتُ بينَهم وبينَ سعودٍ وبينَ حسن قلعي وأحمد الطبار والأعيانِ والقُضاة، وبايعوا في هذهِ السنة. (عنوانُ المجدِ لابنِ بشر: 1 / 288، حوادثُ سنة 1220هـ).

ـ وقالَ الجبرتي (ت 1237 هـ): وفيهِ وردَت الأخبارُ بأنَّ الوهابيّينَ استولوا على المدينةِ المنوّرةِ على ساكنِها أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم، بعدَ حصارِها نحوَ سنةٍ ونصف مِن غيرِ حرب، بل تحلّقوا حولَها وقطعوا عنها الواردَ، وبلغَ الأردبُ الحنطةَ بها مائةَ ريالٍ فرانسة، فلمّا اشتدَّ بهم الضيقُ سلّموها، ودخلَها الوهابيّونَ، ولم يُحدثوا بها حدثاً غيرَ منعِ المُنكرات، وشربِ التنباكِ في الأسواق، وهدمِ القبابِ ما عدا قبّةِ الرسولِ (ص). (عجائبُ الآثارِ للجبرتي: 3 / 91 ، وفي طبعةٍ أخرى: ص549، حوادثُ سنةِ 1220 هـ.) 

وقالَ حسن الريكي واصفاً عهدَ سعود: ثمَّ إنّه رتّبَ في المدينةِ أحداً مِن آلِ سعود، وخرجَ إلى البقيعِ يريدُ نجداً، فأمرَ بتهديمِ كلِّ قبّةٍ كانَت في البقيعِ، وتلكَ القببُ قبّةُ الزهراءِ فاطمة بنتِ الرسولِ (ص)، وقبّةُ الحسنِ بنِ عليّ رضيَ اللهُ عنه، وقبّةُ عليٍّ بنِ الحُسين رضيَ اللهُ عنه، وقبّةُ محمّدٍ الباقرِ، وقبّةُ جعفرٍ الصادقِ، وقبّةُ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهم جميعاً. ثمَّ سارَ إلى أحدٍ وهوَ جبلٌ يقربُ منَ المدينةِ على فرسخٍ مِن جهةِ الشرق، وهناكَ قبرُ الحمزةِ، عمِّ رسولِ الله (ص) وعليهِ قبّةٌ كبيرةٌ، ثمَّ أمرَ بتهديمِها. (لمعُ الشهابِ في سيرةِ محمّدٍ بنِ عبدِ الوهاب، ص187).

ـ ويصفُ المُستشرقُ بوركهارت حالَ مقبرةِ البقيعِ سنةَ 1815 م وذلكَ بعدَ عشرِ سنواتٍ مِن هدمِها حيثُ يقول: هذهِ المقبرةُ ليسَ فيها قبرٌ واحدٌ جيّدٌ، وليسَ فيها أيُّ شاهدٍ مِن شواهدِ القبورِ التي تحملُ النقوشَ والكتابات، ونجدُ بدلاً عن تلكَ الشواهدِ أكواماً منَ الطينِ لها حوافٌّ منَ الأحجارِ السائبةِ الموضوعةِ حولَ تلكَ الأكوام. الوهابيّونَ مُتّهمونَ بتشويهِ هذه المقابرِ، والشاهدُ على ذلكَ بقايا القبابِ الصغيرةِ والبناياتِ الصغيرة، التي كانَت مِن قبلُ تغطّي قبرَ عُثمانَ وقبرَ العبّاس، وقبرَ السيّدةِ فاطمة، وكذلكَ عمّاتِ النبيّ محمّد، اللاتي دُمّرَت قبورهنَّ بأيدي الوهابيّين، لكنَّ الوهابيّينَ لم يقربوا القبورَ البسيطةَ الأخرى المبنيّةَ منَ الحجر، وهذا هوَ ما فعلَه الوهابيّونَ أيضاً في كلٍّ مِن مكّةَ والأماكنِ الأخرى ... المكانُ كلّه عبارةٌ عن أكوامٍ غيرِ مُنتظمةٍ منَ الطين، وحفرٍ واسعةٍ، وأكوامٍ منَ النفايات، ولا يوجدُ في المقبرةِ كلّها حجرٌ واحدٌ مِن أحجارِ شواهدِ القبور. (ترحالٌ في الجزيرةِ العربية، جون لويس بوركهارت: 2 / 145، ترجمةُ: صبري محمّد حسن).

ـ ثمَّ وصفَ لنا مُشاهداتِه لجبلِ أحد، قالَ: وكانَ الوهابيّونَ قد أطاحوا بقبّةِ ذلكَ المسجد، لكنّهم أبقوا على القبرِ، والمسجدُ يضمُّ قبرَ سيّدنا حمزة، وقبورَ كبارِ رجالاتِه الذينَ قُتلوا معَه في معركةِ أحد، وبخاصّةٍ مصعبَ بنَ عُمير، جعفراً بنَ شمّاس، وعبدَ اللهِ بنَ جحش، المقابرُ موجودةٌ في فناءٍ مكشوف، وهيَ مثلُ مقابرِ البقيعِ عبارةٌ عن أكوامٍ منَ الطين، حولها بعضُ الأحجارِ السائبة ... معَ الاقترابِ أكثرَ مِن جبلِ أحد، توجدُ قبّةٌ صغيرةٌ تُحدّدُ المكانَ الذي رُميَ فيه محمّدٌ (ص) بحجرٍ في إحدى المعارك، الأمرُ الذي أدّى إلى إسقاطِ أربعٍ مِن أسنانِه الأماميّة، وجعلِه يسقطُ على الأرض، وظنَّت جماعةٌ أنّه قُتل، وعلى مقربةٍ مِن تلكَ القبّةِ التي جرى تدميرُها مثلُ سائرِ القبابِ الأخرى، توجدُ مقابرُ إثني عشرَ آخرينَ مِن أتباعِ النبي (ص) الذينَ قُتلوا معهُ في المعركة، هذهِ القبورُ جميعُها تكونُ أكواماً عدّةً منَ الأحجارِ والنفايات، التي لا يمكنُ تمييزُ القبورِ مِن خلالها. ( ترحالٌ في الجزيرةِ العربيّة، جون لويس بوركهارت: 2 / 148 - 149، ترجمةُ: صبري محمّد حسن).

ـ محاولةُ هدمِ القبّةِ النبويّة:

نقلَ بعضُ المؤرّخينَ المُعاصرينَ لتلكَ الحادثةِ أنَّ لسعودٍ الحاكمِ الوهابيّ محاولةٌ لهدمِ القبّةِ الموضوعةِ على قبرِ النبي (ص) ولكنّه لم يستطِع هدمَها، قالَ بوركهارت: قامَ سعودٌ بعدَ ذلكَ مباشرةً بزيارةٍ للمدينةِ المنوّرة، وأمرَ بتجريدِ قبرِ مُحمّدٍ (ص) منَ الأشياءِ الثمينةِ التي كانَت على القبرِ إلى ذلكَ اليوم، وحاولَ سعودٌ أيضاً تحطيمَ القبّةِ المُقامةِ فوقَ القبر. (ملاحظاتٌ عن البدوِ والوهابيين: 2 / 118).

ـ إعادةُ إعمارِ ما دمّرَه الوهابيّةُ في مكّةَ والمدينة:

تنصُّ الوثائقُ التاريخيّة أنّه بعدَ انتصارِ محمّد علي باشا، وتخليصِ مكّةَ والمدينة مِن سيطرةِ الوهابيّة، توجّهَ مجموعةٌ منَ الحرفيّينَ والصنّاعِ مِن استانبول إلى مكّةَ المُكرّمة والمدينةِ المنوّرة، لإصلاحِ التخريباتِ التي أحدثَها الوهابيّون. (العثمانيونَ وآلُ سعود في الأرشيفِ العُثماني، زكريّا قورشون، ص92).

وأعادَ المُسلمونَ بناءَ القبورِ والقبابِ التي هُدمَت في مكّةَ والمدينةِ، وقد جاءَ وصفُها في كتاباتِ العديدِ منَ الرحّالةِ والعُلماء، لاحِظ: رحلةَ بيرتون إلى مصرَ والحجاز، لريتشارد بيرتون، الجزءُ الثاني. وكتابُ مرآةِ الحرمين، لإبراهيم رفعت باشا: 1 / 425 – 426. وقد نصَّ في هذا على رحلتِه هذه التي كانَت سنة 1318 هجري، أنَّ جملةً مِن هذهِ القبابِ في البقيعِ بناها السُّلطانُ محمود سنةَ 1233 هجري. ولاحِظ كتابَ البقيعِ للمُهندس يوسف الهاجري، ص90 وما بعد.

الهدمُ الثاني: (8 شوّال 1344 هـ - 1925 م):

حيثُ هدمَ آلُ سعود بعدَ قيامِ دولتِهم الثالثة، القبابَ والمشاهدَ في مكّة والمدينة، بعدَ أن وجّهوا إلى المدينةِ قاضي القُضاة عبدَ اللهِ ابنَ بلهيد، وبدورِه وجّهَ سؤالاً إلى علماءِ المدينةِ يسألهم عن حُكمِ القبابِ المبنيّةِ على القبور؟ ليجعلَها ذريعةً لفعلِه، ويُعطيَ غطاءً شرعيّاً لفعلتِهم الشنيعة.

فهدموا جميعَ القبورِ والقبابِ في البقيع.

{ وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }

2022/05/10

«حادثة هوزان»: 8 أمور تكذّب قصة سبي النبي للنساء!

ذكر مؤرخون في غزوة أوطاس أن النبي (ص) سبى نساء قبيلة هوازن، وقسّم السبايا بين المقاتلين، فكل واحد أخذ قسمًا من النساء له، وقد أباح الرسول  للمقاتل أن ينكح المرأة المسبية.

[اشترك]

كما زعموا أنه إذا كان لها زوج ينتظر أن تستبرئ بحيضة، فإذا استبرأت فلمن أعطيت له حق نكاحها وإن كانت ذات زوج، وذكروا أن هذا هو المقصود بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، فهل هذا يليق برسول عبّر عنه القرآن بأنه الرحمة للعالمين؟! وأي فرق بين هذا التاريخ وما يقوم به الدواعش حتى نعتبر فعلهم إرهابًا؟!

الجواب من آية الله السيد منير الخباز:

 

إنّ هذه الرواية غير تامة سندًا ولا مضمونًا لعدّة وجوه:

أولًا: إنّ مصادر القصة أغلبها من مصادر أهل السنة بطرق غير معتمدة، وذكرها من مصادر الشيعة الشيخ الطوسي «ره» في التهذيب «ج8، ص176» عن الحسن بن صالح عن الصادق ، إلا أنّ الحسن بن صالح بتري مجهول.

كما ذكرها ابن شهرآشوب مرسلة في المناقب، وقد يقال: إنّ ذلك غير ضائر؛ لأنه ذكر في مقدمته «ص14» أنه حذف أسانيده لشهرتها، وأشار إلى الرواة لتخرج من حدّ الإرسال للإسناد، لكن هذا غير كاف في البناء على تمامية سند الرواية كما ذكره جمعٌ من الأعلام في مثل كتاب «تحف العقول» و«عوالي اللآلي».

نعم، قال في موضع آخر من المناقب: أنبأني الطبرسي بمجمع البيان لعلوم القرآن وبأعلام الورى، فلعل مصدره هو ما ذكره الطبرسي في «أعلام الورى» عن أبان عن محمد بن الحسن بن زياد الميثيمي الثقة، إلا أنه لم يحرَز طريق الطبرسي لكتاب أبان، كما أنه لم تشتهر الرواية بين الفريقين شهرة موجبة للوثوق بحصولها.

ثانيًا: إنّ هذه المصادر متناقضة في المضمون، فبعضها ذكر تقسيم السبايا على المقاتلين، وبعضها ذكر أنّ النبي (ص) انتظر بالسبايا وفد هوازن، وحين أقبل الوفد خيّرهم بين الأموال والأهل، فاختاروا الأهل، فأرجع الأهل إليهم.

ثالثًا: إنّ الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع) تذكر أنّ ما حازه النبي منهم أربعة آلاف رأس و12 ألفًا من الأنعام، وما سوى ذلك من الغنائم، ولم يذكر سبايا النساء أصلًا، مع أنه حدث مصيري خطير هو أولى بالذكر والإشارة.

وقد يقال: إنّ الروايات عبّرت بأنه سبى أربعة آلاف رأس، والسبي ظاهرٌ في أسر النساء، ولكن ذلك محلّ تأمّل؛ لاستعمال السبي في مطلق الأسر والجلب، كما يظهر من عبارة الصحاح للجوهري.

رابعًا: إنّ قبيلة هوازن - كما يذكر المؤرّخون - وثنية، والنساء الوثنيات لا يجوز للمسلم نكاحهن في الإسلام حتى لو كنّ من الأسرى.

خامسًا: إنّ أغلب المصادر التي تعرّضت للواقعة ذكرت أنّ النبي  قبل شفاعة الشيماء - وهي أخته من الرضاعة - في قبيلة هوازن، كما أنه عندما قدم وفدهم - وهم بضعة عشر رجلًا - وأسلموا قبل النبي  إسلامهم، وقال: ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون والأنصار: ما لنا فهو لله ولرسوله، وردَّ عليهم جميع النساء، وهذا مانع موضوعي من قبول قصة التقسيم وإباحة النكاح؛ إذ مع علمه  بأنه سيقبل شفاعة أخته الشيماء فيهم أو أنه سيقرّ إسلام الرجال منهم  كما يظهر من انتظاره مجيء وفدهم  فلا وجه لتقسيم النساء على المقاتلين ثم إعادتهم لرجالهم؛ فإنّ ذلك لا ينسجم مع الحكمة وحسن الإدارة.

سادسًا: إنّ النبي (ص) عفا عن مالك بن عوف قائدهم، مع أنه قتل بعض المسلمين وقطّع جسمه، فكيف يتسلّط على النساء وهن لا ذنب لهن بتقسيمهن على الرجال وإباحة نكاحهن؟!

سابعًا: لو أغمضنا النظر عن سائر المحاذير، فإنّ نكاح المرأة ذات الزوج عارٌ كبيرٌ عند العرب، وخصوصًا قريش، فكيف يرتكبه الرسول الذي كان معروفًا بالحكمة وحسن التدبير؟! إذ من غير المناسب أن يقوم من يريد جذب العرب إلى رسالته بارتكاب ما هو عار فظيع عندهم.

ثامنًا: إنّ الآية المباركة - وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ - ليس مفادها استثناءً من الجملة التي قبلها، وهي ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، كي يقال: إنّ مفادها جواز نكاح المتزوجات عن طريق ملك اليمين، وإنما هي استثناء من أصل تحريم نكاح المرأة، حيث إنّ آية 22 من سورة النساء بضمّ آية 23 قد تعرّضت للنساء المحرّمات بأقسامهن، وكان المستفاد من سياقها حرمة أربعة أقسام من النساء: المحارم النسبية، والرضاعية، والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء، أي المتزوجات، وجاء الاستثناء بعد ذلك ليبيّن أنّ ملك اليمين في نفسه مباح نكاحه، فهو استثناء من أصل تحريم المرأة، وليس استثناءً من الجملة السابقة عليه كي يكون مفاد الآية حلية النساء ذوات الأزواج.

وإنما أباح القرآن نكاح ملك اليمين لكونه نكاحًا مشروعًا لدى المجتمعات البشرية آنذاك، فأمضاه الإسلام بحدوده المشروعة عندهم، أي في إطار ما يقبله البناء العقلائي آنذاك، ممّا لا يراه المجتمع الإنساني مورد عيب أو ضرر اجتماعي بنظرهم، وقام الإسلام بتضييق حدود ملك اليمين بحدود صعبة التحقق بعد خلافة أمير المؤمنين ، لعدم ثبوت إمضاء الأئمة  للفتوحات الإسلامية في عهد الدولتين الأموية والعباسية، وبالتالي لم يكن استرقاق إماء هذه الفتوحات شرعيًا.

هذا بالنظر لنفس الآية، ولكن قد يقال: إنّ هناك رواية صحيحة في تفسير الآية تفيد أنّ فقرة ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استثناء من التي قبلها، حيث روى الشيخ الطوسي «ره» في التهذيب «ج7، ص346» عن الحسن بن محبوب عن محمد بن مسلم عن الباقر  ما مضمونه جواز نكاح السيد لأمته المتزوّجة بعد استبرائها بحيضة، ولعل مستنده الكافي «ج5، ص481»، كما ذكر في التهذيب ما هو قريب من هذا المضمون، كما في رواية مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي، وما أكثر غرائب عمار!

فمن يرى انسجام الروايات المذكورة مع روح القرآن الكريم - المستفادة من مجموعة من النصوص الدالة على كرامة الإنسان، واحترام نكاحه وعلاقته الزوجية - فيمكنه التعويل على مضمون الرواية، كما يظهر ذلك من كثير من الأعلام والباحثين، كالمرحوم الوائلي في كتابه «من فقه الجنس في قنواته المذهبية، ص205»، ومن لا يرى ذلك فالروايات من حيث مضمونها محلّ تأمّل، فيُرَدّ علمُها إلى أهلها.

2022/05/04