فكر وثقافة
هل يعالج الدين ’الأمراض النفسية’؟

قبل الوقوف على الدور الإيجابي للدين فيما يصيب النفس من توتر وعدم استقرار، لابد من الوقوف على الأسباب التي تؤدي لمثل هذه المشاكل النفسية، فلو ثبت أن الدين يقدم معالجات حقيقيةً لتلك الأسباب حينها يمكننا الجزم بدور الدين في العلاج النفسي.

[اشترك]

إلا أن البحث عن تلك الأسباب ليس بالأمر السهل لوجود تباين حولها بين المختصين في علم النفس، فهناك مدارس ونظريات متعددة ولكل واحدة منها تشخيصاتها الخاصة للأمراض النفسية، ومن هنا سوف نكتفي بالرؤية النهائية بعيداً عن التفاصيل التي تمثل مورد اهتمام للدارسين لعلم النفس، ويبدو أن المدرسة التحليلية التي بدأت مع فرويد شكلت الأساس لكثير من الدراسات الجدية لتركيبة النفس الإنسانية، ومع أن نظرية فرويد اختصرت الإنسان في جانبه الغريزي إلا أنها أشارت إلى تأثير العقل الباطن في خيارات الإنسان السلوكية، حيث حملت المدرسة التحليلية لفرويد اللا شعور والعقد الكامنة فيه مسؤولية الوضع النفسي، أي ما نراه من سلوك واع هو تعبير عما لا نراه من سلوك لا واع في الباطن، ومع أن هذه المدرسة امتلكت قدرةً تحليليةً مقدرةً إلا أنها لا تعكس رؤيةً فلسفيةً شاملةً لها القدرة على تفسير كامل للإنسان؛ وذلك لكونها غفلت عن الجانب الروحي واختصرت الإنسان في مجموعة من الغرائز البدائية، وبخاصة الغريزة الجنسية التي أرجع إليها فرويد كل الأسباب المؤدية للاضطرابات النفسية، وفي ذلك إهمال متعمد لعوامل البيئة والثقافة وجميع مؤثرات المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، وقد التفت العلماء لهذا القصور فعملوا على تطوير المدرسة التحليلية بحيث تستوعب جميع هذه الأسباب، ولذا اعتبر روادها الجدد أن المشكلة النفسية تعود إلى خليط بين الثقافة واللاشعور، واعتقد آخرون أن المحرك الأساس للأزمات النفسية هو الثقافة والتنشئة الاجتماعية، وهكذا بدأ علم النفس التحليلي يوسع دائرة الأسباب كما يوسع تبعاً لذلك أساليب العلاج، فكان من الطبيعي أن تصبح تقوية الروح والإرادة الإنسانية من العوامل المهمة لعلاج الأمراض النفسية، وبذلك تجذرت مدرسة جديدة قائمة على العلاج بالمعنى، أي تحفيز النفس الإنسانية بمعان إيجابية وبنظرة متفائلة للحياة، الأمر الذي يفتح الباب أمام الدين ليكون في عمق المعالجات النفسية، وذلك لكون الدين له قدرات خاصة في التحفيز الإيجابي وخلق الأمل من خلال رسم معان جديرة بالاهتمام فيما يخص الحياة، وبالتالي أقل البشر عناءً وشقاءً هم الذين يمتلكون معنىً يدفعهم إلى الاستمرار في الحياة، وحقيقة الدين قائمة على توسيع إطار الحياة بحيث لا تتوقف عند حدود المادة وما فيها من عناء، وإنما يجعل من الحياة رؤيةً متكاملةً تستوعب أيضاً القيم السامية والأهداف العالية، وبذلك يتمكن الإنسان من تجاوز كل عقبات المادة وضغوطاتها، كما أن الارتباط بالله بوصفه المهيمن على الوجود والقادر على كل شيء يورث الإنسان ثقةً عاليةً لا تدعه يستسلم للإحباطات، أما من يعتقد أن الحياة نتاج لتقلبات الطبيعة وأن المادة هي المتحكمة في مصير الحياة، لا يجد سبيلاً غير الاستسلام والخضوع للحوادث الطارئة والظروف القاهرة، ولا شك من يخيم عليه هذا التفكير سوف تتحول حياته إلى جحيم، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا) وهذا بخلاف من ينطلق في الحياة من وحي الإيمان بالله تعالى، حيث يكون متحدياً لكل قيود الحياة ومتجاوزاً لكل ما يقال عنه حتميات، وكلما ازداد الإنسان وعياً بهذه العقيدة، كلما ازداد عزماً، ونشاطاً واستقامة.

فحياة الإنسان مليئة بالعقبات، التي تحيط بواقعه الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، ولا يتجاوزها الإنسان إلا إذا كان مشبعاً بالأمل في الله، معتقداً في قدرته على كل شيء، وبذلك يكون الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص هو الذي يلهم الإنسان آليات التحدي والتغيير للواقع، من خلال بث روح المثابرة والصبر على الأذى والإصرار على بلوغ الغايات، وعليه فالدين مهم جداً لخلق السكينة في النفوس والوعي في العقول والعزيمة في الإرادة، قال تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ۗ ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذٰلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) 

وفي المحصلة، إن الدين يقضي على أسباب التوتر والاضطراب قبل حدوثها من خلال بناء شخصية واعية للحياة ومتأملة في عون الله وتوفيقه.

2021/12/30

من يُسأل ومن لا يُسأل في القبر؟!

يذكر الشيخ المفيد أن هناك أناساً لا يعذبون في القبر وإنما ينتظرون البعث وهناك أناس ينعمون ويعذبون وهم من محض الإيمان والكفر محضاً. 

فهل هناك من العلماء من يرى هكذا رأي أيضاً أم لا؟ 

[اشترك]

لقد أفاد الشيخ المفيد ذلك في أجوبته على المسائل السروية، وقد نقلها عنه العلامة المجلسي في بحاره حيث قال: وقال الشيخ المفيد رحمه الله في أجوبة المسائل السروية حيث سئل: ما قوله أدام الله تأييده في عذاب القبر وكيفيته؟ ومتى يكون؟ وهل ترد الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا؟ وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين؟

الجواب: 

الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل. 

وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: ليس يعذب في القبر كل ميت، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر محضاً، ولا ينعم كل ماض لسبيله، وإنما ينعم منهم من محض الإيمان محضاً، فأما ما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم، وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصةً، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه، فأما عذاب الكافر في قبره ونعيم المؤمنين فيه فإن الخبر أيضاً قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته ينعمه فيها إلى يوم الساعة، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف، وأمر به إلى جنة الخلد، فلا يزال منعماً ببقاء الله عز وجل غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا، بل تعدل طباعه، وتحسن صورته، فلا يهرم مع تعديل الطباع، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب، والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محل عذاب يعاقب به، ونار يعذب بها حتى الساعة، ثم أنشئ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد، ويركب أيضاً جسده تركيباً لا يفنى معه، وقد قال الله عز وجل اسمه: "النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" وقال في قصة الشهداء: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون" فدل على أن العذاب والثواب يكونان قبل يوم القيامة وبعدها، والخبر وارد بأنه يكون مع فراق الروح الجسد من الدنيا، والروح ههنا عبارة عن الفعال الجوهر البسيط، وليس بعبارة عن الحياة التي يصح معها العلم والقدرة لأن هذه الحياة عرض لا يبقى ولا يصح الإعادة فيه فهذا ما عول عليه بالنقل وجاء به الخبر على ما بيناه) (بحار الأنوار، ج6، ص 272)  

وقد وافق العلامة المجلسي الشيخ المفيد بقوله: (اعلم أن الذي ظهر من الآيات الكثيرة والأخبار المستفيضة والبراهين القاطعة هو أن النفس باقية بعد الموت، إما معذبة إن كان ممن محض الكفر، أو منعمةً إن كان ممن محض الإيمان، أو يلهى عنه إن كان من المستضعفين، ويرد إليه الحياة في القبر إما كاملاً أو إلى بعض بدنه كما مر في بعض الأخبار، ويسأل بعضهم عن بعض العقائد وبعض الأعمال، ويثاب ويعاقب بحسب ذلك، وتضغط أجساد بعضهم، وإنما السؤال والضغطة في الأجساد الأصلية، وقد يرتفعان عن بعض المؤمنين كمن لقن كما سيأتي، أو مات في ليلة الجمعة أو يومها أو غير ذلك مما مر وسيأتي في تضاعيف أخبار..)  

ويتضح من ذلك أن ما قاله الشيخ المفيد والعلامة المجلسي مصدره روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فقد عقد محمد بن يعقوب الكليني باباً في الكافي تحت عنوان (المسألة في القبر ومن يسأل ومن لا يسأل) وأورد تحت هذا العنوان مجموعةً من الأحاديث التي تحصر عذاب القبر ونعيمه فيمن محض الكفر أو الإيمان، ومثال لذلك عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً والآخرون يلهون عنهم). وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما يسأل في قبره من محض الإيمان محضاً والكفر محضاً وأما ما سوى ذلك فيلهى عنهم). وعن منصور بن يونس، عن ابن بكير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال، إنما يسأل في قبره من محض الإيمان محضاً والكفر محضاً وأما ما سوى ذلك فيلهى عنه) (الكافي - الشيخ الكليني - ج ٣ - الصفحة ٢٣٥) 

وأورد العلامة الحلي في كتابه (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، ولا يسأل في الرجعة إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، قلت: فسائر الناس؟ قال: يلهى عنه) (ج1، ص 254) 

وفي المحصلة ما قاله الشيخ المفيد ليس وجهة نظر شخصيةً حتى يتم الرد عليه، وإنما تابع في ذلك لروايات أهل البيت (عليهم السلام)، ولم نقف على من خالف هذا الأمر من العلماء.

2021/12/25

أدوات ناعمة وعناوين براقة تهدد المجتمعات الإنسانية.. 8 طرق للمواجهة

بسمه تعالى

السؤال: يجد الشخص المسلم من بعض الجهات توجهاً لفرض ثقافات مغايرة على المجتمع من خلال استخدام جملة من الوسائل كالمال والإعلام، فما هي طرق العلاج والوقاية؟

[اشترك]

الجواب: يجد أي متابع للساحة الثقافية والإعلامية والنشاطات المختلفة أن هناك صراعاً ثقافياً بالفعل بين المجتمعات المعاصرة، حيث تسعى بعض هذه المجتمعات إلى النفوذ في المجتمعات المغايرة له في ثقافتها والتأثير عليها لتفقد خصوصياتها وتتبع ثقافة المجتمع الآخر.

وهذه صورة حديثة من الصراع في المجتمعات البشرية، حيث كانت الصور السائدة من الصراع من قبل هي الصراعات القومية مثلاً، حيث يسعى بعض الأقوام إلى إزاحة كيان أقوام آخرين بالقتل والاستعباد أو جعل كيانها تابعاً لها من خلال الاستعمار على سبيل المثال، وكذلك الصراعات السياسية التي كان يسعى فيها بعض الحكام للتوسع على حساب حكام آخرين، والصراعات الدينية التي يسعى فيها أهل بعض الأديان إلى فرض عقيدتهم على الآخرين من منطلق توسعة النفوذ، والصراعات الاقتصادية التي تسعى فيها بعض المجتمعات إلى السيطرة على خيرات بلاد مجتمعات أخرى من خلال السيطرة على ثروتها وإمكاناتها أو من خلال جعل أهلها مستهلكين فحسب للسلع التي تصدّر إليهم.

فكانت الصورة الأكثر تطوراً من الصراع في المجتمع البشري هو الصراع الثقافي للتأثير على فئة من المجتمع المستهدف وضرب كيانه وتاريخه وحضارته، خاصةً وأن التأثير أصبح أكثر سهولة بعد اختلاط المجتمعات والأقوام وأهل الأديان والثقافات مع بعضها البعض بفعل وسائل الاتصالات والتواصل الحديثة.

على أنّ هذه الصورة رغم وجهها الثقافي لم تكن تخلو في عمقها عن دوافع قومية وسياسية ودينية واقتصادية.

كما أنّ أدوات الصراع المعاصرة قد اختلفت بعض الشيء عن العصور السابقة حيث كانت الأدوات المعروفة من قبل أدوات خشنة كالاحتلال العسكري والاستعمار الصريح، ولكن أصبحت الأدوات المعتمدة اليوم أدوات ناعمة من خلال عناوين برّاقة لا تثير حساسية المجتمع الذي يتم غزوه ولا تجرح كبرياءه ليدعوه إلى المقاومة، وهي إمّا عناوين فكرية مثل نسبية الحقيقة، أو عناوين أخلاقية مثل حقوق الإنسان التي تُتخذ ذريعة للمطالبة بعناوين أخرى كالحرية الشخصية والمساواة بين الناس، وكل ذلك مما تنطبق عليه المقولة المعروفة: (كلمة حق يراد بها باطل)، وهذا هو الخطر الذي يهدد المجتمعات الإنسانية المعاصرة، حيث إن المجتمع الذي يكون أكثر تمسكاً بثقافته وأكثر امتلاكاً لأدوات التأثير سيكون مهيمناً على المجتمع الذي يكون غافلاً عن مجريات هذا الصراع ويتساهل في التمسك بثقافته وأعرافه الرصينة، وبذلك يكون فريسة سهلة لإزاحة كيانه الثقافي من غير حاجة إلى غزو عسكري واستعمار واستعباد لأهله، ولا استعجال في هذا الصراع، فالمهم أن التغيير الثقافي يتم خلال جيل أو أكثر بشكل تدريجي بعد النفوذ في المجتمع الآخر.

وليس هذا التوجس في أصله مغالاة ناشئة عن سوء الظن والبناء على نظرية المؤامرة، ولكنه واقع يجد الباحث شواهده واضحة من خلال المقارنة بين السلوكيات المجتمعة لتلك المجتمعات إزاء القضايا المتماثلة، ومن خلال طبيعة مساعداتها للمجتمعات الأخرى التي تغزوها والمجالات التي تهتم بها، ومن خلال بعض التصريحات لقياداتها، فضلاً عن الاطلاع على الوضع العالمي واتجاهاته ومسارات الصراع والتنافس فيه وملاحظة التقريرات الاستخبارية التي تتسرب بين حين وآخر، وهناك أمثلة لهذا الصراع مشهودة وواضحة لكل متابع.

وليس مقتضى ذلك أن يكون كل فرد يعمل في اتجاه معين منتبهاً وقاصداً إلى العمل في تلك الاتجاهات المشبوهة، فالإنسان في الحرب الثقافية ـــ بل السياسية ـــ قد يقع من حيث لا يحتسب في سياق معين كبير وواسع ومخطط له من غير أن يستحضر بنفسه حقيقة الدور الذي يؤديه والنتائج التي تترتب على دوره، فيكون لبنة في بناء الآخرين من غير أن يستحضر اتجاه البناء وغاياته وآثاره.

لا ينظر الإنسان المؤمن بالدين الطالب للحقيقة في هذه الحياة إلى هذا المشهد من خلال التعصبات القومية والنعرات الجاهلية أو المصالح المؤقتة.

ولكنه ينظر إليه من زاوية تحري الحقيقة والإخلاص لها والانتباه إلى مسارات الحق والباطل في الحياة، وليس اعتناقه للدين كعقيدة وقيم وسلوكيات تقليداً وعصبية، وإنما هو للإيمان بأنه الفكر الصائب والبصيرة النافذة والرؤية الثاقبة للحياة التي أرادها الله سبحانه لهذا الكون وخلق عليها الإنسان، فالإنسان مزود بفطرة خلق عليها واتجاه يسير إليه ليختبر الله سبحانه معرفته واتجاهه وسلوكه، ليؤتيَ سبحانه كل ذي فضل فضله ويجزيَ الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ولذلك يجد الالتباسات التي تطرأ في هذا الشأن مصداقاً للشبهات التي يختبر الله سبحانه بها خلقه في الحياة في كل زمان بحسبه، فقد كان لهذا الاختبار صورة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) تمثّلت في عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك، ثم كان بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في الإذعان لاصطفاء أهل البيت (عليهم السلام) وإمامتهم وكونهم الثقل القرين لكتاب الله سبحانه والعاصم من الضلال، ثم كان في خلافة الإمام علي (عليه السلام) واتباعه في مقابل الشبهات المثارة ممن حاربه، ثم كان في زمان الإمام الحسن (عليه السلام) في الخيار الحكيم بين مسار الصلح والحرب بداية وانتهاء، ثم كان في زمان الإمام الحسين (عليه السلام) في الإباء عن البيعة وعدم الرضوخ للظالم، ثم كان في زمان الأئمة (عليهم السلام) بعد الحسين (عليه السلام) في طبيعة السلوك الملائم مع التحديات حينها.

وإذا كان الإنسان المؤمن دائماً يستذكر الوقائع التاريخية في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) ويتمنى لو كان معهم فيفوز بالاقتداء بهم فينبغي أن يعلم أن لكل زمان شبهاته وفتنه والاختبار الأصعب في هذه الحياة ليس في السير في المسار الصحيح من بعد تشخيصه فحسب، بل التبصر في تشخيص المسار الحق بين الاتجاهات المختلفة والشبهات المكتنفة للحقيقة التي تحجب الرؤية الثاقبة والنافذة لها، وإذا كان المرء يجد الحقيقة في شأن الحوادث السابقة فإنّ ذلك لن يعني بالضرورة أنّه كان يجدها لو عاش حينها، لأن الفتن إذا أقبلت كانت كقطع الليل المظلم، ثم تكشف بعد فترة ـــ كما في كلامٍ للإمام (عليه السلام) في نهج البلاغة ـــ ولذلك من المهم أن يتبصّر المؤمن في الشبهات والفتن التي اختبر بها في زمانه؛ مستفيداً ومعتبراً ومتعظاً مما مر بالأقوام السابقة من اختبارات،  وذلك باكتشاف الشبهة والاتجاه الحق في ضوضاء الفتنة التي ابتلي بها من خلال التبصر، ثمّ السلوك الصائب والحازم والثابت على المسار الصحيح.

وأمّا طرق الوقاية والعلاج في المستوى الفردي والاجتماعي فهي ترتكز على عدة أمور:

1 ــ التبصّر في الموضوع، بالانتباه إلى أبعاده وآفاقه والتذكير بها، لأنّ الغفلة عن ذلك تؤدي إلى أن لا يعرف الإنسان موضع خُطاه واتجاه سيره حقيقة، ولا يعرف وظيفته في هذا السياق.

2 ــ الاتصاف بالعلم وبالعناصر الثقافية الرشيدة والتثبت أو التوقف في المواضع المناسبة، فإن التسلح بذلك يعطي المرء القدرة على التمييز بين الحق والباطل وبين الحقيقة والخرافة، ويُجنب المرء الوقوع في مستنقعها والاتصاف بها، كما سيُجنبه من فعل ما يشوّه الحقيقة ـــ ولو من غير عمد ـــ، وربَّ امرئ قاصد للحق ولكن يخرجه بما يشوّهه، مما يثير الشك فيه ويوجب الريبة تجاهه، فيذهب باطله بحقه.

ولذلك كان على المرء الالتزام بالموضوعية في الطرح وتجنب الأقوال المتسرّعة والخطوات الانفعالية، فإن ذلك أسلم له في نفسه وللرسالة التي يريد أداءها من الدعوة إلى الاتجاه الراشد والسليم.

3 ــ الاتصاف بجوامع الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة التي هي جزء من الفطرة الإنسانية وجزء من تعاليم الدين الحنيف، فإنها أساس في العقيدة الراشدة والمنهج الصائب، وهي مع ذلك عامل مساعد على صيانة النفس عن الشبهات وصلوح المرء للدعوة بسلوكه أو بقوله للاتجاه الصائب في الحياة.

4 ــ تحريك روح التصحيح في المجتمع وعدم الوقوف متفرجاً تجاه الأمواج العاتية الوافدة، كما هو مقتضى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومصداق الحديث النبوي المعروف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

5 ــ الاهتمام بالعمل الجماعي للتثقيف وفق قواعده وسننه المقبولة، لما يوجبه تراكم الأفكار والإمكانات من مقدرة كبيرة وبيئة ملائمة، وصيانة عن الأخطار، ولذلك قال سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)([1])، وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)([2]).

6 ــ الاعتناء بالأسرة وروابطها، فإن الأُسَر ـــ من المرأة والشباب والأطفال ـــ هم الهدف الأوّل للأمواج الثقافية، فالعناية بتماسكها وصلاحها وسلامتها يكون أساساً متيناً في مقابل هذه الأمواج التي تحاول اختراق هذه الوحدة الاجتماعية الأساسية.

7 ــ اتخاذ الأساليب الصالحة والملائمة في نشر الثقافة الراشدة كالتي يسلكها أصحاب الثقافات الغازية الوافدة لنشر اتجاههم، من الأساليب الإعلامية المؤثرة، مع تجنب ما يستعمله الآخرون أحياناً من الأساليب الوضيعة والذميمة البعيدة عن الاحتراف والموضوعية.

8 ــ خلق بيئة مناسبة للرشد والسلامة تكون بديلاً عن البيئات الفاسدة والموبوءة وتكون أرضية رصينة للثبات والصلاح والسداد وتساعد على الحفاظ على العقائد الراشدة والقيم الفاضلة وتقي من الزلل والخطايا.

وبعد، فإنّ لروح الإخلاص لله سبحانه وللحقيقة والبعد عن الأنانيات الضيقة والمنافع الشخصية أكبر الأثر في صلاح العمل والتوفيق فيه وبركته.

وإنّ الإنسان المؤمن مهما وجد صعوبة وغربة في هذا السبيل، لكنه لا يفقد الثبات والعزيمة على السير الراشد وتثبيت الآخرين عليه، ولا يستوحش من غلبة الشبهة وكثرة المفتتنين، فمنذ القدم كانت القلة من الناس ممن يتبصر التبصر الملائم ويتحرك وفق الاتجاه السليم، بل كان أكثر الناس هم بين قوم يتساهلون في معرفة الحق، وآخرين تتغلب عليهم المطامع والعصبيات والأهواء رغم معرفتهم بالاتجاه السليم.

كما يثق المؤمن في الأحوال كلها بأن للحق دولة كما أن للباطل جولة، ويطمئن بأن مسار الحق والرشد لا بدّ أن يغلب يوماً وأنّ هذه الحياة إنما هي اختبار للإنسان، فالمهم فيه أن يدرك الحقيقة ويسير في اتجاهها، لأنه قد يجد في ذلك عناءً ولكنه لن يشقى، وإنه في الأحوال كلها بعين الله سبحانه، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)([3])، وقال عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([4]).

14/ج1/1443هـ


([1]) سورة المائدة: 2.

([2]) سورة التوبة: 71.

([3]) سورة العنكبوت: 69.

([4]) سورة آل عمران: 200.

 

2021/12/23

ولدي يتابع حسابات الملحدين.. ما الحل؟

د. جاسم المطوع:

قال: أنا منزعج من ولدي الذي يبلغ من العمر (15) عاما لأنه يتابع حسابات الملحدين في تويتر وفيسبوك ومواقع أخرى.

[اشترك]

قلت: ما هو سبب انزعاجك؟

قال: أخاف أن يتأثر بهم وهو من يومين أخبرني عن أستاذه في المدرسة أنه طرح مسألة هل الله موجود أم لا؟ وأستاذه هذا كان متحمسا لنظرية دارون في تطور الإنسان ولم يذكر أن الله هو خالق الإنسان.

قلت له: إن أكثر الشباب والفتيات في سن المراهقة يهمهم معرفة إجابات الأسئلة الوجودية وربما ولدك لهذا السبب يتابع حسابات الملحدين، فاحرص أنت أن تتابع الحسابات معه حتى تعرف ما هي المعلومات التي يقرأها فتناقشه بها، قال: ولكني منعته من متابعة الحسابات هذه، قلت: وهل تعتقد أنه امتنع عن متابعتها؟ قال: لا أعرف، قلت: حاول أن تبنى علاقتك مع ولدك على الثقة والأمانة والحوار، لأن في هذا الزمن لو منعت ابنك من شيء لديه ألف طريقة للوصول لهدفه،

قال: وما الحل؟ قلت: لابد من مواجهة الفكر بالفكر وأن تتحاور مع ولدك في الأفكار التي يقرأها أو يسألك عنها، وإذا كنت لا تعرف الإجابة على سؤاله أخبره أن تذهبا لمختص في الفكر الإلحادي ويتحاور ابنك معه حتى يستفيد، قال: نحن لم نمر بمثل هذه المرحلة عندما كنا مراهقين، قلت: لكل زمن تحدياته ولكن المهم أن تكون متفهم وتعالج المشكلة بهدوء وحوار وثقة ولا تعالجها بالضرب أو الصراخ أو بالعنف.

قال: وهل ترى أن أسئلة ولدي الإلحادية في محلها؟ قلت: الطفل يمر بمرحلتين يكثر من أسئلة الإيمان ووجود الله تعالى، المرحلة الأولى من عمر 3 إلي 5 سنوات والمرحلة الثانية في سن المراهقة، فهذا أمر طبيعي ولكن المهم أن لا تهمل الإجابة على أسئلته، فقد يسأل ابنك لزيادة الاطمئنان والإيمان، وليس بالضرورة أنه يسأل لأنه شاك، وهذا ما حصل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام حين طلب من الله تعالى أن يري كيف يحي الموتى ليطمئن قلبه (وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

وتذكر ايضا ان الله استجاب لحواريي عيسى عليه السلام حين طلبوا مائدة من السماء لتطمئن قلوبهم (إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ... قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّهِدِينَ) فالسؤال لطلب المزيد من اليقين واطمئنان القلب ليس شكا.

قال إذن الموضوع طبيعي؟ قلت: نعم، ومن واجبات الوالدين أن يتحاورا مع الأبناء ويحصنونهم إيمانيا من خلال تعليمهم الصلاة والصيام والأذكار والدعاء والارتباط بالقرآن والسنة، فاحرص أن لا تسكت ولدك، فأبناؤنا يكبرون ويتعلمون في المدارس ويتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي ويستخدمون محركات البحث في الانترنت، وبالتالي ستصل اليهم افكار الالحاد وشبهات الملحدين شئنا ام ابينا، قال: والله إن التربية في هذا الزمن صعبة جدا، قلت: المهم أن تصادق ابنك وأن تحسن تربيته وأن تحسن اختيار أصدقائه واختيار مدرسته ومعرفة المواقع والحسابات التي يتابعها حتى تحافظ على إيمانه وعبادته.

2021/12/22

لماذا لا يدرّس الطب في كلية الزراعة؟!

اسألوا أهل العلم

إن للكون مظاهر شتى لا يجمعها علم واحد، لأنها تفوق الحصر عدا بخاصة في هذا العصر الذي تشعبت فيه العلوم، وما زالت تتسع وتتنوع كلما تكشفت حقيقة من حقائق الكون، وإذا أحاط أرسطو بعلوم زمانه كافة، فيستحيل عليه لو وجد اليوم، وعلى أي عبقري سواه أن يجمع بين علومنا كلها أو جلها.

[اشترك]

لذا اضطر العلماء إلى الاقتصار والاختصاص، وانقسم العلم بينهم، كما انقسم العمل بين التاجر والفلاح والعامل.

وهكذا تقسم الكون إلى مناطق، واكتفت كل طائفة من الباحثين بمنطقة واحدة، كالأفلاك، أو الأشكال الهندسية، أو الانسان أو الحيوان أو النبات، وغير ذلك.

وهذه العلوم، إن كانت متباينة إلا أن اتصالها بكون واحد، واستخدامها جميعا في حياة عملية واحدة جعل بينها ارتباطا قويا؛ بحيث إذا كشف بعض العلوم عن حقيقة جديدة أدى ذلك إلى التبديل أو التعديل في وجهات النظر من العلوم الأخرى، وعلى الرغم من هذا الاتصال الوثيق بين العلوم فإنك إذا سألت أحد العلماء عن مسألة لا تدخل في الفرع الذي تخصص به يجيبك بأن هذا خارج عن دائرة اختصاصه، كما لو سألت عالم النبات -مثلاً- عن أمر يتعلق بالتشريح، بل لو سألته

ما هي المادة المشتركة بين النبات وغيره من المعادن لقال لك لا أعلم، وهو محق لأنه لا يريد الكلام عن جهل.

 

إذن، ما بال بعض الشباب من الذين درسوا الحقوق أو الطب أو الآداب، ولم يدرسوا فلسفة ما وراء الطبيعة، ما بال هؤلاء يقفون موقف المنكر المعاند، ويصدرون أحكاما في أشياء لا يعرفون منها كثيرا ولا قليلا؟! ان مصطفى محمود تخرج من كلية الطب، ولم يدرس اللاهوت ولا الفلسفة. ومع ذلك ألّف كتابا موضوعه «اللّه والانسان»! لا يا أستاذ، إنك لا تصلح ساعتك عند «سمكري» ولا تنظف بدلتك عند «إسكافي»، ولا تتعلم الطب في كلية الزراعة. إذن كيف تكلمت عما وراء الطبيعة، وعلم ما كان قبلها، ويكون بعدها وأنت لا تعلم عنه شيئا؟ وهل ترضى أن نتكلم نحن عن الطب الذي درسته أنت في كلية الطب بالقصر العيني؟!

ومهما يكن، فإن كل فئة من علماء الكون تقتصر على ناحية خاصة لا تتجاوزها، فعالم النبات لا يتعرض للمعادن والحيوان، والطبيب البيطري لا يبحث في جسم الانسان وعلله وأمراضه، وكذلك عالم الفلك وعالم الكيمياء فإنه لا يرى إلا ناحية واحدة من الكون على أن معرفته بها تبقى ناقصة مهما اجتهد وتقدم، فكيف بمعرفة أسرار الوجود وأسبابه، وطبيعته ونظمه؟! ومن هنا تخصص لمعرفة الكائن وراء الطبيعة طائفة من العلماء لا يفكرون بشأن غير شأنه، ولا يهتمون بأمر غير أمره.

إن علماء الطبيعة يدرسون المادة، ويطلبون أسبابها القريبة، ويقفون عند الظواهر، ولا يذهبون إلى الأعماق، أما الفلاسفة، أما علماء ما وراء الطبيعة فيبحثون عن علة العلل، والسبب الغامض البعيد عن المادة والمحرك الأول لها. لقد تجرد هؤلاء، وهم عدد غير قليل من العقول الكبيرة العظيمة، تجردوا إلى البحث عن خالق الكون ومدبره، ووضعوا الأسفار الطوال في البراهين القاطعة على وجوده، ودفعوا عنها كل شبهة، حتى أصبحت كالشمس في رائعة النهار.

فإلى هؤلاء وحدهم يجب أن نرجع في معرفة الفكرة عن اللّه، وأن ندرس أقوالهم، ونحاكمها بتجرد واخلاص. أما أن نجحد ونعاند دون أن نستمع إلى أرباب العقول من ذوي الاختصاص فقد جادلنا بغير علم ولا هدى.

وبالتالي، فإذا بحثنا عن نواحي الطبيعة وحدها وتركنا البحث عما بعدها لظلت فكرة الألوهية دون حل، وتصوراتنا عما يتعلق بها دون امتحان، لأنها لا تعلل بالمادة، ولا تطرح على بساط البحث في المصانع والمختبرات، ولا يسأل عنها رجال السياسة أو علماء الأخلاق والاجتماع.

إذن لا بد من الرجوع إلى علم ما بعد الطبيعة الذي يبحث عن واجب الوجود وامتناعه و

إمكانه، وواجب الوجود هو ما اقتضت ذاته وجوده بالضرورة، وألزم العقل بافتراض وجودها على كل حال وإن عجز العلم عن إثباته بالطرق الموضوعية. وممتنع الوجود على العكس، أي ما اقتضت ذاته امتناع وجوده، وأحال العقل افتراض وجودها، أما الممكن فهو ما خلا من هذا الاقتضاء، ولم يحكم العقل لا بضرورة الوجود، ولا بضرورة العدم فيحتمل أن يكون موجودا، كما يحتمل ألا يكون له وجود.

ومن الخير أن نشير إلى أن الفلاسفة يلتقون هنا مع رجال الدين، لأن كلا من الفريقين يتطلع إلى ما وراء الطبيعة، والفرق بينهما ان الفلاسفة يعتمدون على العقل وحده، ورجال الدين يعتمدون على الوحي والعقل، لأنهم يعتقدون أن العقل إذا استقل في معرفة وجود الخالق وصفاته، وارسال الرسل وما اليه فإنه محتاج إلى معونة خارجية لإدراك كثير من المسائل.

المصدر: كتاب الإسلام والعقل

2021/12/19

هل ’الاعتدال الشيعي’ يعني مجاملة الباطل؟!

الاعتدال هو الحد الوسط الذي يحفظ التوازن بين شيئين، مثل اعتدال كفتي الميزان بحيث لا تكون كفة راجحة على الكفة الأخرى.

[اشترك]

والاعتدال في السلوك الإنساني هو الوسطية التي لا يكون معها إفراط أو تفريط، ولا يعني ذلك أن الاعتدال رؤية ضبابية في ما يخص الحدود الفاصلة بين الحق والباطل؛ لأنه بالأساس لا علاقة له بالفكرة التي يتبناها الإنسان وإنما له علاقة بالنفسية التي تتبنى الفكرة، فالأفكار قد تكون مشتركة بين مجموعة من البشر إلا أن بعضهم متطرف بينما البعض الاخر معتدل، وبالتالي مهما بلغت الفكرة من الحق والوضوح فإنها لا تعطي صاحبها مبرراً في أن يكون معتدياً على حقوق الاخرين، ومن هنا لا يعد الاعتدال موقفاً سلبياً أو نظرة حيادية للحق والباطل؛ وذلك لأن الاعتدال لا يعمل على أحداث توازن بين الحق والباطل، وإنما يعمل على أحداث توازن للنفس التي تتصور أنها صاحبة الحق، ومن يرفض الدعوة للاعتدال إنما يتصورها مجاملة للباطل وتنصل عن الحق، وهذا فكرة خاطئة عن الاعتدال، فقد يكون الاعتدال مطلوب بين أهل الحق في ما بينهم أكثر من كونه مطلوباً بينهم وبين أهل الباطل.

فالتحليل الموضوعي لظاهرة التطرف وعدم الاعتدال يقودنا إلى القول إن النفسية المتطرفة هي التي تصنع الفكرة المتطرفة وليست الفكرة هي التي تصنعه، وعليه لا يمكن أن نتصور أن الأديان السماوية جاءت لكي تصنع مجموعة من المتطرفين، وإنما المتطرفين هم الذين يفهمون الدين على النحو الذي ينسجم مع نفسياتهم.

 أما الأسباب التي تجعل بعض النفسيات متطرفة فيعود بعضها إلى عوامل التربية ومحيط الأسرة، مثل من يعاني في صغره من صدمات نفسية قاسية، أو عاش مرارات في سن مبكرة، أو أن الضغوط الاجتماعية ولدت عنده حالة من الكراهية والعدوانية، أو أن البيئة القاسية جعلت منه إنساناً قاسياً مع الاخرين، أو أن الوضع السياسي القائم على المظالم والاقصاء والتهميش هو الذي كرس العدوانية والانانية بين الجميع، أو قد يعود ذلك إلى مرض نفسي واضطرابات عصبية، أو غير ذلك من العوامل التي تبني شخصية الإنسان بشكل متطرف، وفي النتيجة التطرف مرض يصيب الإنسان لا بوصفه شيعي أو سني، أو حتى مسلم أو غير مسلم، وإنما يصيب الإنسان بوصفه إنسان، ومن هنا يجب أن تشمل الدعوة للاعتدال جميع المجتمعات، فإذا نظرنا للمجتمع الشيعي بعيداً عن علاقته بالمذاهب الأخرى لوجدنا أنه يعيش حالات من التطرف وعدم الاعتدال بين تياراته الدينية والسياسية بل وحتى العشائرية، فلا وجود لمجتمع محصن من ظاهرة التطرف أياً كان هذا التطرف، ومن هنا فإن الاعتدال مطلوب دائماً ولكل المجتمعات البشرية، بل الاعتدال مطلوب حتى على مستوى الفرد، فلابد أن يكون معتدلاً في اكله، وملبسه، ومسكنه، وعمله، وقناعاته وطريقة تفكيره، فكل سلوك يبتعد عن الاعتدال إفراطاً أو تفريطاً يعد سلوكاً منحرفاً يجب تقويمه.

 وعليه فإن الاعتدال كقيمة حضارية تعني استقامة الفرد والمجتمع على نمط سلوكي ليس فيه تفريط في الحقوق أو تعدي على حقوق الأخرين، فهو في الحقيقة يعد نهجاً تربوياً يستهدف تقويم النفس وجعلها أكثر توازناً واستقامة، وقد خص القرآن المؤمن بضرورة الاعتدال وحرم عليه أي نوع من أنواع التعدي، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فالآية تؤكد على عدم التطرف حتى مع من يمارس التطرف عليك، فقوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) تعني أن لا يكون تطرف الاخرين مبرر لتطرفكم عليهم، وإنما تجب الاستقامة والقسط والعدل في كل الظروف والاحوال، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)

وفي المحصلة التشيع كفكر وعقيدة وانتماء لأهل البيت (عليهم السلام) ليس فيه تطرف إلا أن الشيعة لا يخلون من وجود نفسيات متطرفة سواء في سلوكها الاجتماعي أو السياسي أو الديني، وعليه من الضروري أن تكون هناك دعوات دائمة ومستمرة للاعتدال؛ لأن في ذلك دعوة للاستقامة سلوكياً واخلاقياً ومعرفياً.

 

2021/12/06

مع تطور الوعي.. هل انتهى زمن الأديان؟!

قال صاحب كتاب «اللّه والانسان» ص 108: «إن الأديان تمر بمرحلة انهيار تشبه المرحلة التي مرت بها ديانة الإغريق، وهناك صفحة ثانية في طريقها لأن تطوى. والسبب هو نفس السبب في الحالين.. هو العلم وتطور الوعي وظهور المعارف الجديدة».

[اشترك]

يفترض هذا القائل أن جميع الديانات حتى الإسلام جهل وخرافة تماما كديانة الإغريق، والنتيجة الحتمية لهذا الافتراض أنه كلما تقدمت العلوم تأخرت الأديان. فالمقدمة بديهية، والنتيجة طبيعية!.

ذكرني هذا القول بمنطق السفسطائيين وأقيستهم الماجنة. رأى سفسطائي شابا، فقال له: هل تحب أن أبرهن لك بالعقل على أنك حمار؟

قال الشاب: تفضل واتحف السمع.

قال السفسطائي للشاب: أنا لست أنت، أليس كذلك؟

الشاب: أجل، أنت غيري؛ وأنا غيرك.

السفسطائي: وأنا لست حمارا.

الشاب: بكل تأكيد، ان الحمار يمشي على أربع، وأنت تمشي على رجلين.

السفسطائي، وقد امتلأ سرورا بهذا الانتصار: اذن أنت حمار.

ولا فرق بين هذا القياس، وبين تشبيه الإسلام - مثلا - بديانة الإغريق. لقد قضى العلم على عقيدة الإغريقيين، لأنهم عبدوا أعضاء التناسل والنبات والحيوان والإنسان، وارتكب بعض آلهتهم، وهو زيوس، أسوأ العيوب وأقبح الجرائم، فقتل أباه وضاجع بنته، وطارد العرائس وغازل البنات.

أما الإسلام فقد حارب الوثنية بشتى ألوانها، وبكل وسيلة، ودعا إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق، وحث على العلم، وأثنى على الراسخين به. وذم التقليد وشبّه الجهل بظلمات بعضها فوق بعض، والجاهل بالميت، وبالأعمى الأصم الأبكم: وهل يرفع العدو من شأن عدوه؟! وهل يقضي العلم على دين يقوم على أساس الحق والعدل، ويقول:

«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ»؟! وهل ينكر العلم نبوة من قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. أتيتكم بالشريعة السهلة السمحة» ! وهل يحارب العلم دينا يخرج الناس من العبودية إلى الحرية، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى؟! ولو صح قول هذا الكاتب بأن العلم إذا تقدم تأخر الدين لكان العلم عدو نفسه. والحقيقة أن العدو الأول للعلم هو الذي يتكلم عن الدين والعلم بلا دين ولا علم. فلقد تحدث الكاتب عن الأديان، وهو لا يعلم عنها إلا أن ديانة الإغريق قد زالت من الوجود، وإذا زالت هذه من الوجود فلا بد أن تزول جميع الأديان، ومنها الإسلام! ألا يشبه قوله هذا قول السفسطائيين الذين يلغون بالتهريج والتضليل، ويتلهون بالمغالطات والسخافات!

وربما اعتذر معتذر عن الكاتب بأنه لم يتعرض للإسلام، وإنما قال إن الأديان تمر بمرحلة انهيار.

قلت: إن تركه لذكر الإسلام، وعدم استثنائه من الأديان دليل واضح على أنه لا يفرق بين الإسلام وسائر الأديان التي تسير في طريق الزوال والانهيار

لقد أكثر القرآن من الحث على طلب العلم «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً».

وأوجبه الرسول الأعظم على الذكور والإناث: «العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» وأمر بإرسال البعثات العلمية: «اطلبوا العلم ولو بالصين».

وقال الإمام علي بن أبي طالب: «العلم دين يدان به. أعلم الناس من جمع علوم الناس إلى علمه».

وهذه دعوة صريحة إلى التعاون الثقافي بين الأمم والشعوب، بل إلى توحيد التربية والتعليم الذي هو أساس التآلف والتكاتف. فرب شعبين أو أخوين تباعدا، لأن أحدهما يتخبط في ظلمات الجهل، والآخر يهتدي بنور العلم، أو لأن كلا منهما جاهل بما عند الآخر، أو يتجه بمعارفه وجهة معاكسة، فإذا تعاهدا على التعاون الثقافي تم بينهما التقارب، وأصبح كل منهما قوة لأخيه.

أمر الإسلام اتباعه ان يجمعوا علوم الناس إلى علومهم ليسيروا في طليعة الأمم، وليزدادوا يقينا بعقيدتهم، ودعا أهل الأديان الأخرى ان يتدبروا كل حكم من أحكامه، وكل آية من آياته «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» ليتأكدوا أنه دين العقل والعدل: «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ». أجل، لقد رأى العلماء بعد أن تقدمت معارفهم أن في القرآن أسرارا لا تفسر إلا بصدق الإسلام وعظمة المبدع وقد تجاوزت الآيات الواردة في وصف الكون حد الإحصاء نذكر بعضها على سبيل المثال.

فقد جاء في الآية 38 يس: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ». وكان العلم إلى عهد قريب يرى أن الشمس ثابتة، ولما تقدمت العلوم الرياضية وآلات الرصد اكتشف ما نطق به القرآن الكريم منذ أكثر من 13 قرنا من أنها تجري لمستقر وهذا المستقر نجمة تدعى بالنسر الواقع على شكل لولبي.

وجاء في الآية 49 الذاريات: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». اكتشف العلم الحديث ان الزوجية متأصلة في كل شيء حتى أن الذرة مركبة من الألكترون والبروتون كهربائية سالبية، وأخرى موجبة، وأن جميع ما في الكون من حيوان ونبات وإنسان وجد بصورة زوجية، فمن أوجد هذا الازدواج، هل الصدفة أو قوة عظيمة حكيمة تسيطر على الكون بمن فيه وما فيه؟

وجاء في الآية 14 فاطر: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» تشير الآية الكريمة إلى أن الجاذبية ليست بين الأرض وما عليها فقط، بل بينها وبين ما عداها من الكواكب أيضا، وأن كل كوكب يجذب كل كوكب بقوة متناسبة. ولو أن العلماء درسوا القرآن بإمعان، وتدبروا ما أشار اليه من حقائق، ووضعوا تصاميمهم على أساسها لتكشفت لهم هذه الحقائق بوضوح من خلال دراستهم ومختبراتهم، ولتوفر عليهم الكثير من الوقت والجهد، وللّه در ابن عباس حيث قال: « في القرآن معان سوف يفسرها الزمن » وهذي المعاني هي اسرار الكون التي تكشفت للعلماء يوما بعد يوم.

أين تلقى محمد (ص) هذه الدروس! وعمن أخذ نظرية الجاذبية، والتزاوج، وعلم الفلك، وغير ذلك مما عجز عن إدراكه كبار المخترعين، وعظماء المكتشفين! وهل كان لديه آلات ومختبرات، أو أن كل ذلك وجد صدفة، ونزل الوحي به على قلب العربي الأمي صدفة!

ثم نود أن نوجه إلى مصطفى محمود هذا التساؤل:

لقد حكمت دون تردد بأن الأديان تمر بمرحلة انهيار وبديهة أن الحكم في قضية ما يستدعي العلم بطرفيها، فهل أحطت بجميع أسرار الكون، وتتبعتها واحدا واحدا، ثم استقرأت الأديان والآيات القرآنية والأحاديث النبوية بكاملها، وبعد أن شاهدت وجربت رأيت أن الدين والعلم ضدان لا يجتمعان، وعدوان لا يتفقان! ثم إنك أشدت بفضل العلم وعظمته، لكنك في نفس الوقت شننت الحملات على دين يدعم العلم، ويؤازره العقل، ويحث أتباعه والناس أجمعين على البحث والنظر والتأمل والتفكير، فكيف جمعت بين الضدين! وعلى أي شيء يدل هذا التضارب والتناقض! هل يدل على «العلم وتطور الوعي!». وإذا كان الدين جهلا وخرافة يتأخر كلما تقدم العلم، فبماذا تفسر - يا أستاذ - تقدم العرب بعد الإسلام وتحولهم من جاهلية جهلاء إلى حضارة أدهشت العالم، وقلبته رأسا على عقب، مما جعلتهم يدعون بجدارة آباء العلم الحديث، كما قال نهر رئيس وزراء الهند!

ان الإسلام لن يزول ولن ينهار، لأنه حق «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه». ولأنه واقع «لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم». أما الذي ينهار إلى غير رجعة فهو الذي يقول بغير علم ويعتقد قبل أن يتصور إن صح التعبير.

وبالتالي، فمهما تقدم العلم وتطور الوعي فان الإسلام أرحب وأوسع من أن يضيق به. إن عظمة الإسلام لا تظهر إلا بالعلم ومن هنا لم ينكر هذه العظمة إلا جاهل أو مكابر.

المصدر: كتاب الإسلام والعقل

 

 

2021/12/04

كفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره.. نخب مثقفة لكنّها متكبرة!

من النماذج المتكبرة الخفية: ما يعرف بالنخب الثقافية. فإن قسمًا من هؤلاء يقرأون الكتب، ويتعمقون فيصبحون على مستوى ثقافي متميز، ولا سيما إذا اطلع على الثقافة الأجنبية أو قرأ بلغاتها الأصلية، أو لكتاب مشهورين!

[اشترك]

فعندئذ (يتسامى) بعضهم كالغاز في الهواء، ويرى نفسه شيئا عظيمًا متفردًا بين الناس! ناظرًا إليهم من الأعلى، فيستهزئ بهذا العامي، وبذلك المعمم، وبعامة الناس الذين لا يفهمون رأيه ولا يفقهون، وكلما قرأ بعض هؤلاء كتابًا جديدًا زاد استخفافه بالناس! وزادت قسوة انتقاده له، وانفصاله بالتتبع عنهم وانحيازه بعيدا منهم.

فيراه ينتقد العبادات والمظاهر العبادية للمجتمع أحيانا وتراه يسفه بعض الممارسات الشعائرية للناس كثيرًا وتصدم آراءه في الغالب الحالة العامة! وكلما صنع ذلك زاد انفصالًا عن الناس وزاد الناس تجاهلًا له وهذا يؤذيه أكثر ويجعله متطرفًا بنقده إياهم بنحو أعظم ويتعجب كيف للناس أن يستمعوا في رأيه (لمهرجين) و (جهلة) ويسيروا وراء أقوالهم، بينما يغفلون آراء الجهبذ الفحل المتنور (وهو هو)؟

إن هذه النماذج من المتكبرين الحقيقيين، وإن كانوا لا يبدو عليهم التكبر الفج، كما يفعل أمثال قارون وفرعون.. يحملون نفس الروح ويعتقدون بنفس الاعتقاد، ويتصورون أن العالم يدور حولهم وأنهم لو تكلموا بكذا لغيّروا وبدّلوا، يكتب الواحد منهم كلمات في الفيسبوك أو تويتر فيحصل على تأييدات و(لايكات) فيتصور أن العالم سيتغير بناء على كلماته أو تغريداته. وهكذا يبدي ذلك العالم كلمة في درسه أو الخطيب فكرة في منبره فيتصور أن الدنيا ستقوم ولا تقعد لأجل ذلك، ولا يعلم الجميع أن تفاصيل الأمور اليومية في الدنيا تنسي الناس ما يفعله أكبر زعمائها ورؤسائها بعد يومين من حدوثه فضلا عما يقوله.

إن هؤلاء يذكرون بما قيل من المثل من أن الديك يتصور أن الشمس لا تشرق إلا إذا خرج مناديًا لها بصياحه!

ومثله ذلك الوالي الذي قيل إنه صعد المنبر وخطب خطبة أعجب بها وكأنّ السامعين أيضًا أعجبوا بها فقالوا له: كثر الله في المسلمين أمثالك. فقال لهم: لقد كلفتم الله شططًا! أي لا يمكن لله أن يأتي بأمثال لي.

نذكّر هذا النمط بقول أمير المؤمنين عليه السلام "العَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ وكفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره ".

المصدر: الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط، ج ١

2021/12/02

أزمة الملحد.. يتذوّق طعم التفاحة بعينه لا بلسانه!

الإلحاد ومشكلة تعطيل أدوات الإدراك

إحدى أهمّ معوّقات المعرفة هي عدم تفعيل أدوات الإدراك إذ يتسبب ذلك في جهالة حتّى أبسط الأشياء وأكثرها وضوحاً.

[اشترك]

فمثلاً لتعرف أنّ الشمس قد أشرقت يجب أن تُخرج رأسك من الغرفة المظلمة لترى نور الشمس، وإذا أردت معرفة طعم فاكهة معيّنة يجب أن تتذوقها أي يجب تفعيل الحاسّة التي تسانخ نوع المعلومة المراد تحصيلها وتتكفل باستشعارها لا أنّ أي حاسة تعرف كلّ شيء.

هذا في المدركات الحسيّة ولكن هناك مدركات عقليّة هي الأخرى لها أدواتها الخاصة فلا يتمكّن الإنسان من العلم بها ما لم يفعّل أدواتها التي من سنخها فمثلاً لتدرك استحالة اجتماع النقيضين يجب أن تتصور (زيد) و (عدم زيد) وبمجرّد تصورهما ستذعن بعدم إمكان اجتماعهما في آن واحد من جهة واحدة، فإدراك مثل هذه المعلومة يحتاج إلى تفعيل الذهن والتوجه للقضية.

ومن أهمّ المدركات العقليّة قانون العليّة البديهي الذي يقضي بأنّ (لكلّ ممكن علة) فلابدّ من علّة وراء إيجاد هذا الكون. لكنّ المُلحد يتحايل على أدواته العقليّة فيركنها جانباً ويذهب للبحث عن الله في تجاربه المختبرية.

مرّة قلتُ لأحدهم بعد نقاش عقيم: حسنا يا صديقي أقول لك كلمة واحدة: كما أنّك لو نظرتَ إلى التفاحة ألف عام لن تدرك طعمها ما لم تتذوقها كذلك لن تجد الله في المختبر ما لم تفعل عقلك! لأنّ كل معلومة تحتاج إلى أدوات من سنخها.

2021/11/25

ما هي ’الثقافة’.. ما الذي تضيفه لنا؟

الثقافة

هي ما يكتسبه الفرد من علوم ومعارف أو هي حالة الفرد من إلمامه بالعلوم والمعارف، وقد يضاف اليها الموسيقى والفنون، وتطلق ايضا بصورة تتجاوز الفرد الى الجماعة، فنقول عن مجموعة العلوم والمعارف والفنون التي يتعاطاها أو ينتجها أبناء المجتمع على الصعيد المحلي أو الأممي، ثقافة وطنية.

[اشترك]

بالإضافة الى الثقافة الشعبية، وتعني السلوكيات والتقاليد التي درج عليها أبناء المجتمع لا من حيث العلوم والمعارف بل ما درجوا عليه في حياتهم اليومية. وقد كانت تطلق بمعنى الاعتناء بالأرض وتهذيبها فانتقلت عن طريق المجاز الى العقل، فصار معناها الاعتناء بالعقل وتزويده بالمعرفة.

وأصلها في العربية صناعة شيء من مادة خام سيما في السلاح، مثل تحويل العود الى سهم فنقول ثقف العود ومنها أطلقت كلمة مثقف للسيف.

ظهر مصطلح الثقافة في اللغة الفرنسية في عصر الأنوار ومن ثم تسلل الى اللغة الانكليزية والألمانية منقولا من أصله اللاتيني الذي يعني رعاية الارض والماشية. 

في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في أوروبا؛ ارتبط مفهوم الثقافة بالتربية لأجل تطوير وتحسين مهارات الإنسان النافعة وخلال القرن التاسع عشر، حظي مفهوم الثقافة بمجال واسع من محاولات التعريف سيما في علم الإنسان (الانثروبولوجيا) وقد انتهت تلك التعريفات الى نهاية واحدة تقريبا تدور في محور المعرفة والمعتقدات والأخلاق والقانون والعادات والإمكانيات الاجتماعية وأية طبائع اكتسبها الفرد من المجتمع. غير أنه في القرن العشرين توسع مفهومه بشكل كبير في الكتابات الأدبية والفكرية. 

وأما في العالم العربي فيعتبر الأديب المصري سلامة هو أول من استخدم هذا المصطلح في عشرينات القرن العشرين للدلالة على النشاط الفكري والإبداعي.

ويمكننا القول عن مفهوم الثقافة في أنه يعني كل ازدياد معرفي يذكر عن الصفر المعرفي لدى الانسان، فمثلا تحديده لطريقة معينة في إشعال النار في فجره الاول يعتبر مؤشرا ثقافيا.

وربما كانت النقطة الأهم في موضوع الثقافة هو دورها الإيجابي في حياة الإنسان، والذي يحدده علماء الاجتماع بـ:

1- تنمية النواحي الفكرية والجمالية والروحية.

2- التعبير عن طريقة معيشة الشعوب أو المجموعات خلال فترة من الفترات.

3 - تطور جميع الأعمال والممارسات الخاصة بالنشاط الفني والفكري.

وهذا يقودنا الى الحديث عن النخبة المثقفة، التي تسعى للاستفادة من الثقافة العامة في عملية التطوير، وما عليه أن يكون لتلك النخبة من حضور إيجابي خلاق.

إن الفلاسفة العدميين مثلاً هم أناس في الخط الأول من الإلمام المعرفي والقدرة على صياغة الفكر في قوالب تحتوي بدورها على ثقافة المجتمع، ولكنها خارجة عن النخبوية الإيجابية التي تحقق منفعة المجتمع. وهذه الإيجابية تتأتى من خلال نقاط منها: 

1ـ الضمير الحي: إن السياسات العالمية التي تسعاها للهيمنة على الشعوب واستغلالها تسرع الى بث ثقافات فاسدة مضرة، فتنهض لمهمة بثها نخب مثقفة ولكنها معدومة الضمير او ما يمكن تسميته بالأقلام المغرضة المأجورة، كتلك التي تقوم ببث الأفكار الداعية للإنحلال الخلقي والرذيلة، سواء في الغرب أو بلداننا الاسلامية.

2ـ الانطلاق من معرفة وعلوم حقيقيين، وليس من تجربة معينة مثل فلاسفة الغرب الذي حاربوا الدين بشكل تام نتيجة معايشتهم لحكم الكنيسة.  

3ـ الحرص على نفع المجتمع. حيث أن الكثير من النخب المثقفة قد مارست دورها برغبة منها في البروز، وهذا ما يؤدي بالمثقف الى جملة من المزالق مثل حرصه على تقديم عطاءه الفكري بمعزل عن قيمة ذلك العطاء الإيجابية.

ومما لا شك فيه في موضوع الثقافة ودورها الاجتماعي، أن وسائل التثقف لها المجال الرحب في الطرق والآليات، فربما بلغ الفرد مستوى عالياً في الإلمام المعرفي والفكري بجهود ذاتية، ولكن هذا النمط لا يعد عملياً في بناء مجتمع متطور راق. لهذا فإن المدارس والمعاهد الدراسية تبقى آلية أكثر جدوى في خلق الكوادر المثقفة.       

2021/11/23

المنزل ’سجن المرأة’.. هل تغيّرت الطبيعة البشرية؟!

أيديولوجية المساواة

كتب إيفا هيرمان:

"الرجل والمرأة واحد؛ وإذا لم يكونا واحدًا يجب جعلهما واحداً..." هذه الفرضية هي واحدة من أكثر الادعاءات المدمرة في وقتنا الحالي، ويمكننا أن نقول إنها أيديولوجية استولت على جميع مجالات المجتمع.

[اشترك]

تعود فكرة أيدولوجية المساواة إلى الستينيات عندما أصبحت الحياة الخاصة أيضًا سياسية.

وتضمن التوسع اللاحق للسياسة بين الجنسين بعض المفاهيم الخاطئة.

هل تحققت الحرية والمساواة والأخوة؟ هل أمكن تطبيق ذلك بكل عواقبه على جميع الرجال والنساء؟

عندما اقترحتْ أخيرًا العلوم الاجتماعية، في الستينيات والسبعينيات، أننا نحن البشر يمكن أن نتغير جذريّا، من خلال التعليم والمحيط الاجتماعي، تلت ذلك مناقشات حامية، وساد إقناع ثوري رنان بأن -تقريبًا- لا شيء محدد من قبل الطبيعة، وبأن كل شيء قابل للتشكيل، حتى الأدوار الجنسية للرجل والمرأة.

وهتف الكثيرون: أيعني ذلك العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة بين الأبيض والأسود والرجل والمرأة؟

كان ذلك هو الأساس الذي قامت عليه الحركة النسائية التي تشكلت آنذاك. والمساواة المعلنة حديثًا قضت على جميع الأطروحات حول طبيعة الأنثى التي وضعها علماء النفس والمحللون تأسيًا بسيغموند فرويد.

لكن أليست الأفكار تتشكل في النهاية من خلال ادعاءات القوة البشرية؟

هل تتوافق حتى مع الحقائق العلمية اليوم؟

هل هي متوافقة مع قوانين الطبيعة؟

الجواب: ليسوا كذلك!

انتهى النقاش حول ما إذا كان يجب جعل النساء والرجال متشابهين من الناحية العلمية. أما النساء اللاتي يربطن مفهومهن بالحياة بالمساواة بين الرجل والمرأة، فيقعن في أخطاء جسيمة.

يعترف العلماء بتأثير الثقافة، لكنهم يعترفون أيضًا بأن الطبيعة البشرية لا يمكن تغييرها أبدًا. ولم تكن حقيقة وضع الأدوار الجنسية المحددة موضع تساؤل جوهري في سبعينيات القرن الماضي فقط موضة علماء الاجتماع أو بسبب الجدل الشديد السائد من قبل الحركة النسائية.

إنها تتناسب تمامًا مع المشهد الاجتماعي السياسي، أدت النهضة الاقتصادية إلى ارتفاع اقتصادي عال، ونتج عن ذلك ندرة القوى العاملة. ولهذا السبب كان يجب نشر المرأة العاملة كنموذج اجتماعي جديد. وكان ينبغي ألا يكون العمل نقصًا بالنسبة إلى النساء، بل شيئًا طبيعيًا.

جاءت الحركة النسائية بأحلامها في تحقيق الذات وزعم طبيعية المساواة بين الرجل والمرأة في ظل هذه الظروف. وقيل -فجأة- إنه ينبغي للمرأة المتحررة ألا تجلس في المنزل دون عمل شيء مفيد فقط تطبخ المهروس للطفل، وأنه يجب عليها الخروج للعمل لإثبات نفسها. وأكثر من ذلك: حُقرت أدوار المرأة مثل الزوجة والأم، واعتُبرت الآن متخلفة ورجعية.

كل ما يمكن أن تستخدمه ربة البيت للدفاع عنها حُكم عليه؛ ففي ألمانيا مثلًا عندما اقترح الاتحاد المسيحي الديمقراطي في السبعينيات، ما يسمى "راتب ربة البيت" لتحسين وضع ربات البيوت، قالت الناشطة النسوية "أليس شفارتسر" في كتابها "الاختلاف البسيط": "مثل هذا الراتب من شأنه أن يعوق بشدة تطلعات النساء إلى الاستقلال الذاتي، بالإضافة إلى ربطهن بواجباتهن النسائية من جديد. عندما تكون النساء أقل استعدادًا للاستقرار في سجنهن المنزلي، فإن هذا السجن سيكون مطليًا بالفضة عند دفع راتب ربة المنزل وسيكون جذابًا مرة أخرى". وبعبارة أخرى، ينبغي للنساء الخروج من حياة ربة المنزل، وينبغي عدم إعطائها طريقًا للعودة.

أصبحت تجربة الدكتور جون ماني دليلًا مؤلمًا على نتائج البحوث العديدة التي نشرها في السنوات الأخيرة علماء البيولوجيا؛ لا تقتصر الاختلافات بين الجنسين فقط على السمات المرئية الخارجية؛ إنها تشمل أيضًا الكثير من الحالات العقلية والنفسية.

 لذلك يوجد اختلاف واضح بين بنية دماغ الذكور وبنية دماغ الإناث، يترتب عليها وجود أنماط ومهارات سلوكية خاصة بكل نوع غير خاضعة لأي نقاش أيديولوجي.

كان الهدف الأكبر للمناصرات لحقوق المرأة هو الهروب من التقسيم الجنسي، لذلك قيل: "اخرجي من دور المرأة وادخلي في دور الرجل".

إنها استراتيجية إشكالية، ويمكن أن يؤدي إنكار الاختلافات بين الجنسين إلى معاناة الأطفال من العنف النفسي.

التعليم المشترك للفتيان والفتيات وهو ما يسمى بالتربية المشتركة يتجاهل الاختلافات بين الجنسين، مما يؤدي إلى تجاهل المواهب الخاصة بالبنين والبنات. في جميع أنحاء العالم، أداء المدارس يكون أفضل بكثير إذا كان التعليم يفصل بين الجنسين، والسبب هو التمكن من مراعاة الاختلافات في الإدراك والسلوك التعليمي والتعامل مع الضغوطات بين الجنسين بشكل أفضل.

المصدر: المرأة الجديدة دراسة لكتاب مبدأ حواء: من أجل أنوثة جديدة

2021/11/20

هذيان الملحد.. تشكيكات بلا أهمية!

حاول ريتشارد دوكينز صاحب كتاب (وهم الإلٰه) وغيره من الملحدين التشكيك في الأدلّة العقليّة على وجود الخالق، وعدّوها فاقدةً للقيمة المعرفيّة من وجهة نظرهم، نرجو من سماحتكم بيان كيفيّة نقد تلك التشكيكات؟

[اشترك]

من أهمّ الأمور الّتي ركّز عليها دوكنز في كتابه (وهم الإلٰه) هو استغلال نظريّة الانتخاب الطبيعيّ (نظريّة التطوّر) الّتي ذهب إليها دارون، وهي عبارة عن وجود سلفٍ مشتركٍ لكلّ الكائنات الحيّة الحيوانيّة، وبسبب تغيّر الظروف تولّدت طفراتٌ جينيّةٌ متمايزةٌ بشكلٍ تدريجيٍّ، بعضها يثمر في تكيّف الكائن الحيّ مع المحيط وبعضها متلفٌ ضارٌّ، وتتكفّل الطبيعة باقتضائها إبقاء التمايزات النافعة ونبذ الضارّة، ثمّ تتوارث الكائنات الحيّة هٰذه الجينات الجديدة الّتي تصبح بدورها مصدرًا لأنواعٍ متعدّدةٍ من الكائنات الحيّة. فقد ذكر دوكنز في كتابه (وهم الإلٰه) كيفيّة استغلاله لهٰذه النظريّة بقوله إنّ حجّة الاحتماليّة تنصّ على أنّ الأشياء المعقّدة لا تأتي بالصدفة، بمعنى أنّها لا تأتي بدون غايةٍ لتصميمها؛ ولذٰلك فليس من المفاجئ أن يتصوّر بأنّ الاحتماليّة هي دليلٌ على التصميم. إنّ الانتخاب الطبيعيّ الداروينيّ يظهر لنا خطأ حجّة الاحتماليّة عند اعتبار عدم الاحتماليّات فيما يتعلّق بالبيولوجيا.

وعلى الرغم من أنّ الداروينيّة لا تتعلّق بشكلٍ مباشرٍ بالأشياء الجامدة كعلم الكون مثلًا، فإنّها ترفع مستوى الوعي خارج نطاق مجالاتها المحصورة بالبيولوجيا. وقال: ومرّةً أخرى التصميم الذكيّ ليس البديل الصحيح للصدفة، إنّ الانتخاب الطبيعيّ ليس حلًّا معقولًا فقط، بل إنّه الحلّ الفعّال الوحيد الّذي تمّ طرحه حتّى الآن بديلًا للصدفة المقترحة منذ الأزل.

فهو يريد استغلال هٰذه النظريّة لإثبات أنّ الكون أيضًا لا يدور مدار خطّين فقط وهما إمّا الصدفة أو التصميم، بل كما أنّ الكائن الحيّ انطلق في مسيرته عبر الانتخاب الطبيعيّ من دون أن يلجأ لسيناريو الصدفة ولا لمنهج التصميم، كذٰلك يمكن أن تكون ولادة الكون بهٰذا النحو ناشئةً عن الانتخاب الكونيّ لا عن الصدفة ولا عن التصميم؛ لذٰلك كلامه محلّ مناقشةٍ في تطبيق نظريّة الانتخاب على الكائنات الحيّة، فضلًا عن تطبيقها على الكون بأسره، وذٰلك من خلال عدّة ملاحظاتٍ:

 الملاحظة الأولى: أنّه تصوّر احتمالًا ثالثًا بين الصدفة والتصميم، وهو الانتخاب الطبيعيّ، بينما هٰذا التصوّر غير منطقيٍّ، والسرّ في ذٰلك أنّ المحال لا يتغيّر من كونه قد حدث دفعةً أو حدث تدريجًا، وعلى نحو التدريج السريع أو على نحو التدريج البطيء، فلا يمكن أن يقال: إذا تحوّلت الخليّة الأولى إلى بعوضةٍ عبر ملايين السنين فهو أمرٌ ممكنٌ، وأمّا إذا تحوّلت دفعةً إلى إنسانٍ أو طيرٍ فهٰذا محال، فإنّ المحال يبقى محالًا سواءٌ حصل دفعةً واحدةً أو حصل بالتدرج البطيء. إنّ الخليّة الأولى إمّا واجدةٌ لجينات هٰذه الكائنات المتعدّدة أو غير واجدةٍ، فإن كانت واجدةً لها فتولّدها منها أمرٌ ممكنٌ دفعةً أو تدريجًا، سريعًا أو بطيئًا، وإن لم تكن واجدةً لجيناتها فلا يمكن تولّدها منها ولو عبر التدرّج البطيء لآلاف السنين، إذن ليس هناك احتمالٌ ثالثٌ وراء الصدفة والتصميم يعبّر عنه بالانتخاب، هٰذه هي الملاحظة الأولى.

الملاحظة الثانية: أنّ الانتخاب إمّا هادفٌ ناشئٌ عن تصميمٍ أو لا، فإن كان الأوّل كان تصميمًا لا انتخابًا، وإن كان الثاني كان صدفةً، إذ إنّ وجود الشيء بنفسه من دون سببٍ خارجٍ عن ذاته محالٌ، سواءٌ كان ذٰلك دفعةً أم تدريجًا.

الملاحظة الثالثة: أنّه كيف استطاعت المادّة العمياء أن تميّز بين أن تفرز التمايزات النافعة أو المميّزات النافعة من المميّزات الضارّة، بحيث تتوارث جيناتها هٰذه المميزات النافعة دون المميزات أو الصفات أو السمات الضارّة.

ورابعًا: أنّ المادّة إمّا واجدةٌ لطاقة التطوّر للأفضل أو لا، فإن كانت واجدةً لطاقة التطوّر للأفضل صحّ التطوّر بلا حاجةٍ للتراكم البطيء كما في تطوّر الجنين في بطن أمّه من نطفةٍ إلى إنسانٍ متكاملٍ، ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وإن لم تكن واجدةً لطاقة التطوّر فتحوّلها لإنسانٍ متكاملٍ محالٌ، ولا يجدي في ذٰلك التراكم ملايين السنين.

والملاحظة الخامسة: أنّ وجود سلفٍ مشتركٍ للكائنات الحيّة وتطوّرها عن طريق الصراع بين ما يقتضيه طبع الكائن الحيّ وما تقتضيه عوامل الظروف المحيطة، لا يلغي البحث عن الحاجة للمبدإ الأوّل الّذي هو منبع شرارة الحياة، فهو ليس مادّةً ولا طاقةً، وإنّما هو قوّةٌ وعقلٌ وعلمٌ؛ ولذٰلك قال فرانسس كولينز رئيس مشروع الجينوم البشريّ في الولايات المتّحدة: من الّذي يمنع الله عن استعمال آليّة التطوّر في الخلق؟! فالتطوّر آليّةٌ يستعملها الإلٰه تمامًا كما يستعمل آليّة الخلق الخاصّ.

والمناقشة الأخيرة: أنّ الحياة ليست أمرًا مادّيًّا يقع نتيجةً للصراع بين المادّة العمياء وبين العوامل المحيطة بهٰذه المادّة، بل الحياة عقلٌ وشعورٌ وإدراكٌ، ولتعميق هٰذه الجهة نقول إنّ الحياة ظاهرةٌ معلوماتيّةٌ وليست ظاهرةً كيميائيّةً. يقول أستاذ البايولوجيا الأمريكيّ كوفمان المولود عام 1939: إذا أخبرك أيّ إنسانٍ أنّه يعرف كيف نشأت الحياة على كوكب الأرض منذ حوالي ثلاثة مليارات وسبعمائة مليون سنةٍ، فإنّه إمّا جاهلٌ غبيٌّ أو محتالٌ، فلا أحد يعلم من أين جاءت المعلومات اللازمة لنشأة الحياة، ولا أحد يعلم كيف جاءت هٰذه المعلومات الّتي أحدثت هٰذا التنوّع الهائل أثناء الانفجار الأحيائيّ الكامبريّ.

لذٰلك يرد السؤال: كيف استطاعت الطبيعة دون تصميمٍ وتوجيهٍ أن توفّر المعلومات الهائلة المطلوبة لنشأة الحياة والّتي تبلغ ملايين بيتز في أبسط الكائنات الحيّة، فضلًا عن الكائنات المعقّدة كالإنسان.

وممّا يدلّل على ذٰلك أنّه في العشرين من أيّار عام 2010 أعلن عالم البايولوجيا الجزيئيّة الأمريكي الكبير وينتر أنّ فريقه البحثيّ قد حقّق بعد خمسة عشر عامًا من الجهد إنجازًا علميًّا كبيرًا يتلخّص في أنّهم تمكّنوا من تجميع الشفرة الوراثيّة DNA لإحدى الخلايا البكتيريّة من مكوّناتها الأوّليّة، ووضعوا هٰذه الشفرة في جسم خليّةٍ بكتيريّةٍ حيّةٍ من نوعٍ آخر بعد نزع شفرتها الوراثيّة، فإذا بالخليّة تمارس وظائفها الحيويّة كبناء البروتينات تبعًا للشفرة الجديدة، واعتقد أنّهم بذٰلك أصبحوا قادرين على صنع الحياة وقادرين على تخليق الخليّة الحيّة، مع أنّ ما قاموا به مجرّد استبدالٍ لمركّبٍ كيميائيٍّ معيّنٍ وهو c- DNA بمركّبٍ كيميائيٍّ آخر مصنّعٍ هو m- DNA.

فالـ DNA الّذي استبدلوه ليس هو منبع الحياة، إنّه فقط المعلومات المطلوبة لبناء بروتينات الخليّة وانقسامها، أما الخليّة نفسها فقد جاءوا بها بكلّ مكوّناتها؛ لذٰلك بما أنّ الحياة ظاهرةٌ معلوماتيّةٌ فإنّه لا يمكن أن تفرزها المادّة العمياء، وهٰذا ما يؤكّده القرآن الكريم عندما يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، والتمثيل بالذباب ليس لأنّه المخلوق المعقّد فقط، بل لأنّه يحمل شرارة الحياة. فالإنسان لا يمكنه أن يخلق أو أن يصنع حبّة قمحٍ تدبّ فيها الحياة، فضلًا عن أن يصنع ذبابًا يحمل أسرار الحياة؛ ولذٰلك نرى القرآن الكريم يركّز على مسألة صنع الحياة. ومن أجل ترسيخ هٰذه النقطة نذكر أنّه منذ أن تمّ اكتشاف بنية الـ DNA وطريقة أدائه لوظائفه عام 1953 وما تبعه من تأسيس علم البايولوجيا الجزيئيّة، أدرك العلماء أنّهم يتعاملون مع علمٍ يقوم على أربعة حروفٍ، لا أنّهم يقومون مع مختبرٍ كيميائيٍّ مجرّدٍ. والسؤال المطروح كيف تمّ ترتيب هٰذه الحروف الأربعة؟ بحيث أصبحت مصدرًا لحياة الكائن الحيّ؟ ولذٰلك يضع جورج جونسون في كتابه (هل كان دارون مصيبًا) الداروينيّين أمام مفارقةٍ فيقول: إذا هبطت علينا من الفضاء الخارجيّ أسطوانةٌ مدمجةٌ تحمل المعلومات المسجّلة في شفرة أحد الكائنات الوراثيّة، فإنّ كلّ من يتلقّى ذٰلك يقطع فورًا بنسبة ألفٍ في ألفٍ على وجود ذكاءٍ في الكون خارج كوكب الأرض، فكيف إذا قرأنا هٰذه المعلومات مسجّلةً في الشفرة الوراثيّة للإنسان؟ فهل نقول إنّها وجدت صدفةً أو نتيجة التراكم التدريجيّ البطيء؟ ولذٰلك فإنّ كولنز مدير مشروع الجينوم البشريّ عندما تمّ الانتهاء من قراءة الخريطة الجينيّة، وما تمّ التوصّل إليه من المعلومات ممّا يساوي خمسةً وسبعين فاصلة أربعمئةٍ وخمسين صفحةً من صفحات جرائدنا اليوميّة قال: الآن علّمنا الله اللغة الّتي خلق بها الحياة.

المصدر: الدليل

2021/11/16

معارف وتكنولوجيا: هل يرفض الإسلام ’العولمة’؟

العولمة من حيث المبدأ فكرة مقبولة ولا تتعارض مع الإسلام، وإنما يستهدف الإنسان بما هو في أي مكان وزمان، فرسالة الله لجميع العباد وخطابه لجميع البشر.

[اشترك]

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، واعتبر القرآن التباينات العرقية والثقافية من المكاسب الإيجابية التي تمكن البشرية من التعاون والتكامل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وحرم الإسلام على المؤمنين أي شكل من أشكال السخرية والاستهزاء بالآخرين، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وقد ذكّر القرآن الإنسانية بأصلها المشترك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) ومن كل ذلك جاز لنا أن نقول إن الإسلام يدعو للعولمة على أساس التوحيد ومكارم الأخلاق والتعاون المشترك، فالإسلام ضمن هذه الرؤية يجب أن يكون مبادراً وفاعلاً وليس مجرد متلقي ومنفعل بعولمة الآخرين.

فمن المؤكد أن الإسلام لم يضع حدوداً أمام الأمة الإسلامية في انفتاحها على الأمم الأخرى، إلا أننا يجب أن نفرق بين الأمة التي أراد الإسلام أن يواجه بها الأمم الأخرى، وبين الواقع الفعلي للأمة، فمن المعروف أن انفتاح الشعوب والأمم على بعضها يصاحبه تأثير وتأثر، وكلما كانت الأمة قوية ومتماسكة فكرياً وثقافياً وتحمل مشروعاً ورؤية حضارية واضحة كلما كان تأثيرها قوياً على الأمم الأخرى، إلا أن الواقع الفعلي للمسلمين يجعلهم أكثر عرضة للتأثر والانفعال السلبي، فالواقع الراهن يشهد بأن العولمة الغربية هي التي غزت المسلمين في عقر دورهم، ومع الأسف لم يكونوا مستعدين لذلك لا ثقافياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً، فاصبحوا بذلك عرضة للذوبان والاستسلام أمام كل ما تشترطه العولمة الحديثة، فتقلصت بشكل كبير هوامش المبادرة الإسلامية والعربية.

وإذا تتبعنا الوضع الذي يعيشه العالم اليوم لوقفنا على هيمنة القطب الواحد على كل مفاصل الحياة الإنسانية، وقد صودرت كل الخيارات الخاصة بالإسلام لصالح الخيارات التي تطرحها الحضارة الغربية، وليس الأمر متوقف على النظم السياسية ومفاهيم الحكم والدولة، أو النظم الاقتصادية والتجارة الدولية أو النظم التي تحكم علاقة المجتمعات الداخلية، أو النظم التعليمية والإعلامية، بل وصلت الهيمنة والتأثير إلى مستوى تبدلت معه الشخصية التقليدية للإنسان المسلم، ففرضت العولمة سلوكها وآدابها وثقافتها الحياتية ابتداءً من طريقة اللبس والأكل وانتهاءً برفع كل الحدود الفاصل بين الرجال والنساء.

صحيح أن هناك مكاسب إيجابية للعولمة مثل انتقال العلوم والمعارف والتكنلوجيا الحديثة، إلا أننا كمسلمين مجرد مستهليكن غير مساهمين، وما نعيشه من ضعف وهوان جعلنا غير مستعدين لمواجهة الحضارة العالمية فأصبحنا لقمة سائغة تلتهمها الحضارة الغربية بكل يسر وسهولة، فلم تكن الأمة الإسلامية مستعدة على مستوى الهوية الإسلامية أو حتى الهوية والوطنية، ولم تكن مستعدة على مستوى التجارة والاقتصاد حيث ابتلعت العولمة الغربية كل خيارات المسلمين، ولم تكن مستعدة سياسياً حيث أصبحت حكوماتنا ألعوبة في يد الغربيين، وهكذا أصبحنا منفعلين ومتأثرين أكثر من كوننا فاعلين.

2021/11/16

إعلام ضعيف ونفسيات مضطربة.. هكذا ينمو الإلحاد!

الإلحاد ومسبباته

انتشار ظاهرة الإلحاد خصوصاً بين الشباب المبتعثين هل هو لضعف الثقافة الدينية أم لقوة في منطق الإلحاد وأدلته؟

[اشترك]

ظاهرة الإلحاد كسائر الظواهر التي عندما نريد أن ندرسها لا بد من أن ندرسها بطريقة علمية وفي تسليط الضوء على العوامل والأسباب التي أسهمت وساعدت في تولد هذه الظاهرة وانتشارها خصوصاً بين شبابنا المبتعثين في الخارج للدراسات. ونحن عندما نسلط الضوء على ظاهرة الإلحاد نكتشف أنّ هناك عدة عوامل ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، فهناك عوامل فكرية وهناك عوامل إعلامية وهناك عوامل نفسية ونحن نتحدث عن كل عامل من هذه العوامل بتفصيل ووضوح.

العامل الأول: ألا وهو العامل الفكري بمعنى أن يرجع الإلحاد إلى مدارس فكرية، وجذور فكرية وأيدلوجية مؤسسة ينتج عنها تبني الإلحاد، في البداية لا بد أن نفرق بين عدة ألوان؛ فهناك الملحد وهناك اللا ديني وهناك الربوبي وهناك المشكك وهناك اللا أدبي وهناك العلماني؛ هناك ألوان لا ينبغي أن نخلط بعضها بالبعض الآخر. الملحد وهو الذي ينكر وجود المبدأ لهذا الكون ووجود الخالق. هناك اللا ديني الذي يعترف بوجود خالقه ولكن يقول أنا لا أعترف بجميع الأديان واعتبرها اجتهادات وأفكار بشرية وضعها ما يسمى بالأنبياء والرسل.

هناك مثلاً الربوبي وهو الذي يعتقد بوجود الله ولكن يعتقد أن الله برأ هذا الكون وأبدع هذا الوجود ثم اعتزل وترك الكون يسير عبر أنظمة فيزيائية دقيقة فهو يُحكم مسيرته بنفسه بلا حاجة إلى أن يتدخل الإله في مراحل مسيرة الكون. هناك اللا أدبي الذي يقول أنا لا أريد أن أشغل نفسي في الفكر الديني هل هو صحيح أم لا، أنا مهمل أنا لا أدري عن شيء من ذلك أو أنا لا أستطيع أن أتصور هذه المفاهيم فأتركها. وهناك المشكك الذي يقول بأنني استمعت إلى أدلة رجال الدين استمعت إلى البراهين التي تطرحها الأديان على وجود المبدأ على وجود النبوات فلم أقتنع بشيء منها.

وهناك العلماني وهو الذي يفصل الدين عن الحياة ويقول بأن الدين هو ظاهرة ودور شخصي بين الإنسان وبين ربه صح أم أخطأ وليس للدين بصمات منعكسة على مجالات الحياة المختلفة سواء بالسياسة أو في الاقتصاد أو في العلاقات الاجتماعية العامة. نحن الآن نركز على الأقسام الثلاثة الأولى:

الأول: من ينكر المبدأ تعالى، والثاني: من يعترف بالمبدأ وينكر الأديان، والثالث: من يعترف بالله وينكر نفوذه ونفوذ سلطنته وقدرته في إدارة هذا الوجود. فنحن عندما نتحدث عن هذه الألوان الثلاثة نقول: هناك عوامل أسهمت في بروز ظاهرة الإلحاد التي تشمل الألوان الثلاثة، العامل الأول كما قلنا هو العامل الفكري، والعامل الفكري يتمثل في نوعين:

النوع الأول: هو نجاح العلم الحديث سواء على مستوى فيزيائه وكيميائه وفلكه أم نجاح العلم الحديث في تفسير الظواهر. لاحظوا أنّ الطرح الديني الذي كان سائداً قبل -لنفترض- 300 سنة أو 400 سنة كيف كان يتعامل مع الظواهر كظاهرة المطر وظاهرة الخسوف والكسوف وظاهرة الزلازل وظاهرة الأوبئة المنتشرة كيف كان يتعامل معها الطرح الديني آنذاك، كانت هذه الظواهر تطرح بصفتين صفة ميتافيزيقية غيبية وصفة غائية، الصفة الميتافيزيقية أن يقال: إنّ المطر تديره ملائكة والرياح تديرها ملائكة وكذلك الخسوف والكسوف يرجع إلى تدخل ملائكي في إبراز هذه الظاهرة تفسر ظواهر الكون التي تحيط بالإنسان بأن لها بعداً ميتافيزيقياً غيبياً لا يصل الإنسان إلى حقيقته وكُنهه، لذلك يتعامل الإنسان مع جميع الظواهر التي حوله بأنه يستسلم لها لأنه لا يستطيع أن يفهمها ولا أن يفسر كيف يتعامل، ومعها الصفة الثانية هي الصفة الغائية بأنّ جميع أحداث الكون حتى الزلازل وحتى البراكين جميع أحداث الكون وحتى الأمراض التي تحدث على الأرض هي لغاية إلهية يريدها الله، فهناك غاية يعرفها الله تبارك وتعالى وجميع ما في الكون من أحداث حتى لو كانت أحداثاً مدمرة هي أحداث منوطة بغاية وليست أحداثاً اعتباطية، وفي مقابل هذا الطرح الديني نجح العلم بنظر الناس في أن يبدد هذا الطرح الديني بكلتا الصفتين؛ أولاً استطاع أن يفسر هذه الظواهر تفسيراً مادياً خالياً من البعد الغيبي، ليس هناك بعداً غيبياً في ظاهرة المطر، هناك عملية تكوينية واضحة أنّ الشمس تسطع بأشعتها على ماء البحر فيتبخر الماء فيتحول إلى هذه المادة الغازية المكثفة وتمر الرياح عليها فترجع ماءً مرة أخرى من دون بعدٍ ميتافيزيقي آخر. ظاهرة الخسوف وظاهرة الكسوف كلها ظواهر كونية لها أسبابها الكونية المعروفة، لا نحتاج إلى أن ندخل بعداً غيبياً في تكون هذه الظواهر

وثانياً: في الصفة الأخرى لا توجد غاية، فهذه الظواهر أمور طبيعية تحدث عند حدوث أسبابها من دون وجود غاية وراء ذلك ولا هدف وراء ذلك، فاستطاع العلم تبديده لصفتي الغيبية والغائية في تحليل ظواهر الكون وأن يعبر إلى أذهان الملحدين فيقال إذا استطاع العلم أن يفسر هذه الظواهر فإنّه سيستطيع أن يفسر الظواهر الأخرى. ما يقال عنه بأنّه روح ليس هناك روح ليس هناك إلا أبعاد مادية كان الناس يسمونها بالروح؛ لأنهم لم يكونوا يدركون أسبابها المادية، ليس هناك فرق بين الموت والحياة إلا بفرق فيزيائي محض، وأما دعوة أنّ هناك روحاً يستلمها ملك الموت وتعرج إلى عالم آخر فكل هذا إنما هو تفسير ميتافيزيقي غيبي، والعلم كما فسّر ظاهرة المطر وظاهرة الخسوف والكسوف سيفسّر لنا ظاهرة الموت بتفسير فيزيائي واضح من دون أن نحتاج إلى إدخال الأبعاد الميتافيزيقية والغيبية. مثلاً عندما نأتي إلى مسألة الانفجار العظيم لهذا الكون وما طرحه (ستيفن هوكينج) في هذا المجال يقال بأنه إذا قرأنا هذه النظرية التي أصبحت الآن تتربع على جميع النظريات في تفسير وتحليل مبدأ الكون نجد أنّ الانفجار حدث صدفة وبشكل عشوائي بدون أسباب غيبية أو غائية وراء ذلك، إذن يمكن للعلم أن يُزحزح الدين عن كونه مصدراً للإجابة عن الأسئلة ويحل العلم محله وتنتهي ظاهرة التديّن من هذا الوجود، ومن هذا المجتمع البشري. هذا عامل من العوامل الفكرية التي أسهمت في انتشار ظاهرة الإلحاد. والنوع الثاني: هو بروز الفلسفة الوضعية. ففي القرن الثامن وعلى يد الفيلسوف الفرنسي (كانت) أسس ما يسمى بالفلسفة الوضعية تبتني هذه الفلسفة على أنّ ما لا يمكن رصده فلا وجود له، أنت تستطيع أن ترصد الخسوف والكسوف وله وجود، تستطيع أن ترصد الجاذبية من خلال رصد أثارها، فالجاذبية لها وجود، تستطيع أن ترصد الثقوب السوداء بألحاظ أثارها، فلها وجود، أما المَلَك أو الروح أو الإله أو الآخرة بما أنّه لا يمكن رصدها إذن لا وجود لها. ثم جاء الفيلسوف الانكليزي (آلن) عام 1936 ورسخ الفلسفة الوضعية وأضاف إليها هذه الصفة (الفلسفة الوضعية المنطقية)، والفلسفة الوضعية المنطقية تقوم على مبدأ التثبت، ما هو مبدأ التثبت؟

يقال: كل قضية تعرض عليك لها معيار في تصديقها أو تكذيبها، والمعيار العلمي في تصديق القضية إما معيار تجريبي وإما معيار رياضي وإما معيار منطقي، ولا يوجد معيار رابع بحسب الحصر العلمي. ففي المعيار التجريبي نقول: كل ماء تبلغ درجة حرارته (100) فإنّه يغلي، هذه قضية هي بحد ذاتها قضية تجريبية نعرضها على المعيار التجريبي لنثبت صحتها من فسادها، نأتي إلى القضية الرياضية فنحن عندما نقول 4 نصف 8 و4 ربع 16 هذه قضية معيار صدقها هو المعيار الرياضي، والمعيار المنطقي بمعنى أنّ القضية عندما تعرض بألفاظها يعني بما لها من مادة وصورة في عالم الألفاظ فهي تثبت صدقها من كذبها من خلال ألفاظها، فأنا عندما أقول أنا مفكر فهذه قضية بنفسها تثبت صحتها أو فسادها؛ لأنها تبتني على مادة وصورة ومضمون يتلقفه ذهن المخاطب ليستطيع أن يحلل صدقه من كذبه، أما القضايا الميتافيزيقيا  -المَلَك، الآخرة، الله، الروح- هذه القضايا لا يمكن عرضها لا على المعيار التجريبي ولا على المعيار الرياضي ولا على المعيار المنطقي، فإذا لم يوجد معيار لمحاكمتها فهي إذن قضايا افتراضية لا نشغل أنفسنا بها، لذلك الفلسفة الوضعية المنطقية التي تقول لا تعنينا هذه القضايا الدينية لأنه لا يمكن إخضاعها لمقياس التصحيح والتخطئة لذلك أنتجت عن هذه الفلسفة الوضعية بروز ظاهرة الإلحاد.

لاحظوا (أنتوني فلو) هذا أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد الذي كان 80 سنة من حياته ملحداً ثم انقلب على الإلحاد وكتب كتابه المشهور (هناك إله)، هذا المفكر في زمان إلحاده كتب عدة كتب منها (فرضية الإلحاد) جعل الكرة في ملعب المتدينين، قال نحن لا نحتاج إلى أن نثبت عدم وجود الإله!! أنتم أيها المتدينون تحتاجون إلى إثبات وجود الإله؟! لأننا عندنا مقياس لصحة كل قضية إما تجريبي وإما رياضي وإما منطقي؟ قضاياكم لا تخضع لهذا المقياس أنتم الذين تحتاجون إلى إثبات فرضية الإله!! لأننا الذين لا نحتاج إلى نفي هذه الفرضية؛ فجعل الكرة في ملعب المتدينين. من العوامل الفكرية التي أسهمت في بروز ظاهرة الإلحاد هو مبدأ حساب الاحتمالات، ومبدأ حساب الاحتمالات ألغى المنطق الأرسطي، وأنا لا أريد أن أدخل في تحليل هذه الجهة، والمنطق الأرسطي يعتبر بحسب المنطق الرياضي أنه منطق عقيم، منطق لا ينتج؛ لأنّ النتيجة مستبطنة ومختزنة في إحدى مقدمتي القياس، فبما أنّ النتيجة مستبطنة في إحدى مقدمتي القياس إذاً هو قياس صوري واستدلال شكلي، وإلا فالمقدمة والنتيجة هي موجودة في رحم المقدمة، لذلك إنّ المنطق الأرسطي لا يصلح للاستدلال لإثبات القضايا، فاستبدل بمنطق حساب الاحتمالات، وبما أنه استبدل بمنطق حساب الاحتمالات، كثيراً من العلم الديني أو ما نعبّر عنه بعلم الكلام كثيراً من علم الكلام فقد مصداقيته كعلم ناهض، فنحن نثبت وجود الله من خلال براهين عقلية؛ برهان الإمكان وبرهان الحدوث، مثلاً برهان الصديقين نحن نثبت نبوة النبي من خلال حكم العقل العملي بقبح إعطاء المعجزة بيد الكاذب، بالنتيجة نحن نعتمد في إثبات المبدأ والنبوة على المنهج الأرسطي على القياس المنطقي الأرسطي، وبما أنّ هذا قياس أثبت فشله وعقمه إذاً خسرنا علماً كثيراً من علم الكلام الذي كنّا نعتمد عليه في إثبات المبدأ والعدل والنبوة والمعاد يوم القيامة، لأجل ذلك بروز دليل حساب الاحتمالات كمنطق رياضي حاكم هو الذي استوجب من أمثال السيد الشهيد السيد محمد باقر الصدر+ أن يقتحم هذا الميدان ويكتب كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء) ليحاكم دليل حساب الاحتمالات، وأنه هل دليل حساب الاحتمالات صالح للإجابة على جميع الأسئلة من دون عوامل كيفية تنضم إلى هذا الدليل، فأسّس كتابه على هذه النقطة ليصح استخدام دليل حساب الاحتمالات في إثبات المبدأ وإثبات النبوة وفي إثبات المنتهى ألا وهو يوم المعاد.

هذه نعبر عنها بالعوامل الفكرية التي أسهمت في بروز ظاهرة الإلحاد.

نأتي إلى القسم الثاني من العوامل ألا وهو العامل الإعلامي: فالإعلام قد خدم الإلحاد؛ لأن المتدينين لا يملكون إعلاماً مؤثّراً، لا يملكون إعلاماً نافذاً، لاحظوا (دوكنز) معروف وهو من أشهر الملحدين في عصرنا الحاضر صاحب كتاب (الجيل الأناني) وكتاب (صانع الساعات الأعمى) وكتاب (وهم الإله) وهو من أشهر كتب الإلحاد المنتشرة بين شباب الغرب وشبابنا المبتعثين في الغرب، هذا الباحث الانكليزي قد أنشأ مؤسسات، والمتدينون غافلون لا ينشئون مؤسسات في الدعوة إلى الدين، بينما الملحدون ينشئون مؤسسات للدعوة إلى الإلحاد، قد أنشأ مؤسسات تتبنى استغلال الإعلام في نشر الإلحاد. مثلاً نذكر عدة خطوات قامت بها هذه المؤسسات:

الخطوة الأولى: استغلال كل وسائل الإعلام كالاتوبوسات في بريطانيا والقطارات والمطاعم ومحطات البنزين والحدائق العامة وكل الأماكن التي يقطنها أو يرتادها الإنسان مقيماً عابراً مسافراً يلقى شعارات الإلحاد فيها حتى يقربوك من الإلحاد شيئاً فشيئاً، مثلاً يكتبون: (على الأغلب ليس هناك إله فاستمتع بحياتك) يعني لا تقلق أن هناك إله، مثلاً يصوّرون طفلاً يخاطب والديه يقول لهما: من فضلكما لا تصنّفاني متديّناً دعوني أكبر وأختار لنفسي وبإرادة حرة. فهم الآن يعتبرون -في بريطانيا- تعليم الطفل الدين يتنافى مع الحرية الفكرية، اتركوا الطفل، لا تتحدث معهم عن الدين أبداً إلى أن يكبر ويقرّر مصيره بنفسه. يعتبرون حديثك مع الطفل عن الدين هو إرهاق وخلاف الحرية الفكرية التي يمتلكها الطفل! من الشعارات: الحياة الممتعة لا تحتاج إلى إيمان، فبإمكانك أن تستمتع بحياتك بدون إيمان.

الخطوة الثانية: قد عقدوا مؤتمرات كثيرة لتسفيه واحتقار الفكر الديني واستبدال العلم بدله فقالوا البديل عن الدين هو العلم والعلم الذي يستطيع أن يجيب عن الأسئلة المصيرية التي تمر بالإنسان في مؤتمر كاليفورنيا عام 2006م طرحت هذه المفاهيم منها "الدين وهم يدعو إلى العنف والحروب" يقولون ماذا حصلنا من الدين!! سواء الحروب بين المسلمين والمسيحيين والحروب الصليبية والفتوحات الإسلامية؟

ماذا حصلنا من الدين غير ظهور القاعدة وربيبتها داعش، ماذا حصلنا من الدين غير تدمير البشرية، الدين وهمٌ يدعو إلى العنف والحروب، لا نحتاج إلى الإله كي نكون على خُلُق، فأنتم لاحظوا الأمين الصادق لا يحتاج أن يكون متديّناً، فيمكن للإنسان أن يكون أميناً عفيفاً وصادقاً مع الآخرين من دون أن يكون متديّناً. فلماذا نقحم الدين حتى في علاقاتنا الاجتماعية!! فإذا تخلّصنا من الدين سنستطيع أن نجيب على جميع الأسئلة، هذه الخطوة الثانية. الخطوة الثالثة: لقد ملؤا عالم الانترنت كصفحات الفيسبوك مثلاً ملؤوها بصور العمليات الانتحارية التي تقوم بها داعش وأخواتها وصور اختطاف الأبرياء وصور اغتصاب الأطفال من قبل هذه الزمر الظلامية التي تتبنى الإسلام وصور سرقة بعض مَن يتسمى بالدين أموالَ الناس باسم الدين.

فظاهرة الرق قد عادت من جديد كما تعرفون، واسترقاق الناس، وسوق النخاسة وبيع النساء من طرف إلى طرف آخر. ومما أجّج استغلال الإلحاد لوسائل الإعلام هي أحداث 11 سبتمبر عام 2001م، أكدت على استغلال الإلحاد لوسائل الإعلام، لذلك نفسه (دوكنز) مباشرة بعد هذه الأحداث ظهر على شاشات التلفزيون في بريطانيا وفي عدة مقابلات قال "تحولت (أنا كنت محايداً فالآن أنا لست محايداً) بعد هذه الأحداث إلى متطرف راديكالي وتلاشى من قلبي بقايا -لقد كانت عندي بقايا احترام للدين تلاشى- وتلاشى من قلبي بقايا احترام الديانات فتلاشى الاحترام مع الدخان والتراب الذي تصاعد نتيجة التفجير في أحداث 11 سبتمبر!!" هذا العامل الإعلامي.

والعامل الأخير الذي أتعرض له هو العامل النفسي: الإلحاد أحياناً تقوده عوامل نفسية تؤدي إلى تبني الإلحاد، على سبيل المثال أذكر عدة عوامل؛ فنحن من خلال الاستقراء استقرأناها من عدة تجارب إلحادية استمعنا إليها فالعامل الأول هو الراحة، فيقول أحدهم: (أنا الآن سعيد مع كوني ملحداً، فعندما أصبحت ملحداً شعرت بالسعادة؛ فليس هناك رقابة عليّ، وليس هناك من يتابعني، وليس هناك إله يراقبني ويحصي عثراتي، فأنا شعرت بالسعادة لأني أنا ملحد، فلماذا أخرج من هذا العالم -عالم السعادة- إلى عالم قيود وتضييق ورقابة ومتابعة وهو عالم التدين؟)

مثلاً عامل نفسي آخر ألا وهو السأم من العبادة، فلماذا نتعب أنفسنا بالعبادة 50 سنة أو 70 سنة كلها عبادة يوميّاً؟ لماذا، بما أنّ الله الذي يطرحه المتدينون لا يحتاج إلى عبادتنا فلماذا نحن نتعب أنفسنا في العبادة؟ فلنترك هذه العبادة ونتجه إلى حياتنا ونستثمر الوقت الذي سنستثمره في العبادة، فلنستثمره في الدراسة وفي العلم وفي الإنتاج والعطاء وفي تطوير الحياة. إذاً هذا عامل نفسي وهو السأم من طول العبادة أو من فكرة العبادة.

ومن العوامل النفسية الأخرى الحرية الإباحية، فتعرفون جيداً بأنّ هناك نمط من الناس يعيش فرطاً في النزعة الجنسية وكذلك يعيش فرطاً في النزعة العاطفية، يجد أن لا متنفس له في المجتمع الديني وفي المجتمع المحافظ، فعندما يتجاوز الدين ويتحول إلى ملحد يجد إشباعاً لنهمه الجنسي والعاطفي، إنّه يجد في المجتمعات الإباحية مجالاً لإشباع غريزته؛ لذلك يخرج عن إطار التدين إلى إطار الإلحاد انقياداً للعامل النفسي الذي يعيشه. هنا أذكر أيضاً من الأسباب النفسية ما طرحه (بدز) أستاذ الطب النفسي في جامعة نيويورك، هذا كان ملحداً لمدة 40 سنة ثم أصبح متديناً، ولما أصبح متديناً أجرى دراسات نفسية على مجموعة من الملحدين فاكتشف عاملاً مشتركاً بينهم، فعبّر عنه بخلل عصابي وراء هؤلاء الملحدين، فما هو هذا الخلل العصابي؟ هو (الميول والرغبة الشديدة للانتماء للطبقة الأفضل في المجتمع)، وكثيراً من شبابنا المبتعثين مع كل الأسف يشعرون بأنهم طبقة هابطة عندما يذهبون إلى الغرب، هو يرغب بأن ينتمي لتلك الطبقة الراقية في الغرب، الطبقة المستحوذة على الشركات وتمتلك الإعلام وتمتلك النجومية وتمتلك الشهرة وتمتلك العطاء والإنتاج في الغرب، فرغبته في أن ينتمي إلى هذه الطبقة تعني أن يتخلى عن الدين، وخصوصاً إذا كان الدين هو الإسلام فهو دين مبغوض لأجل ذلك حتى يتخلص من هذا العبء وينتمي إلى تلك الطبقة، يتخلّص من الدين ويصبح ملحداً ليكون شخصاً مرغوباً أو يتحرر من المحيط الأسري والاجتماعي الذي يشعر بأنّ المحيط الشرقي في دول الخليج وفي العراق وفي إيران؛ هذا المجتمع الشرقي مجتمع أسري ضيق يتابع الإنسان ويراقبه ويجهز على حريته، فلكي يتخلّص من هذا المجتمع لا بدّ أن يتبنى الإلحاد، لذلك كتب (بدز) هذا الكتاب (منظور التقصير الأبوي) يعني الأسرة دائماً تربي الطفل على الخنق والضيق بحيث يكون هذا العامل التربوي سبباً في بعده عن الدين كما ظهر هذا الكتاب عام 1999م. هذه مجموعة العوامل الفكرية والإعلامية والنفسية التي أسهمت في بروز ظاهرة الإلحاد.

2021/11/14

كتاب يمنحك فرصة لـ ’حياة جديدة’!

أهمية المطالعة في حياة الإنسان

كتبت أسماء ربابعة:

تمرين العقل على القراءة يعود بالكثير من الفوائد على الجسم ومن أهمها تفعيل أجزاء مختلفة من الدماغ.

[اشترك]

أثناء القراءة يختبر الدماغ قدراته على الفهم والتحليل، كما أنّها تُحفّز الخيال ومركز الذاكرة في العقل، ممّا يعني تسهيل مهمة تذّكر المعلومات على العقل واستقرار العواطف، وهذا يعني أنّها أفضل التدريبات الذهنية نظراً لأنّها تقوّي العضلات العقلية، وهذا ما يمنع أو يُبطئ الأمراض التي تُصيب العقل كالزهايمر والخرف.

تزيد القراءة أيضاً من سعة العقل وتوفّر الكثير من الأفكار فيه، وتجعل العقول شابة وصحيّة وناضجة، لتمنع الذاكرة من التدهور مع مرور العمر، حيث أنّ القراءة والكتابة تعملان معاً لتنشيط العقل وتوسعته لتطوير الخيال والأفكار والأحلام.

إيجاد الذات

 يشعر الإنسان بعد قراءته لعدد كبير أو قليل من الكتب بأنّ منظوره لهذا العالم بدأ يتوسع، وأنّه حدّد موقف ثابت تجاه الآخرين والحياة، كما يبدأ بالتفكير بطريقة جديدة لحياته اليومية، وهذا يعني أنّه قد بدأ بإيجاد هويته التي تُعبّر عن شخصيته، ليقرّر بعدها كيف يريد أن يكون، ويقتبس تصرفات وأفكار من الشخصيات الخيالية المتواجدة في هذه الكتب، ممّا يعني أنّها تُلهمه ليُصبح واحداً من هذه الشخصيات كالمحققين أو الأطباء.

القراءة تحفز التفكير الإبداعي وتحسن التركيز

 تسمح القراءة أيضاً للعقل بـ تطوير التفكير الإبداعي، واستغلال الوقت في الاستفادة والانتعاش في القراءة بدلاً من الملل والإحباط والبحث عن الجوانب الإبداعية بالحياة، كما تساعد في تحسين التركيز وتقوية القدرة على الاندماج، وهذا الأمر مهم جداً تحديداً للأشخاص الذين ينشغلون أثناء الدراسة أو الوظيفة لا إرادياً بالتفكير في أمور أخرى أو لا يستطيعون التركيز، فالقراءة تنقل الدماغ من وضعية تعدّد المهام التي يستخدمها دوماً إلى وضعية التركيز على شيء واحد ليكون حاضراً تماماً فيه، ممّا يعني زيادة نسبة النجاح في أمور الحياة الأخرى كالعمل، نظراً لأنّه سيصبح قادراً على التركيز أكثر والعمل بكفاءة وإنجاز المهام في وقت أقل.

زيادة الفهم وتوسيع مخزون المصطلحات للفرد

 تزيد القراءة كذلك من القدرة على الفهم الذي يزيد كمية المصطلحات التي يعرفها الإنسان، وذلك من خلال سماع القصص وقراءة الكثير من الكلمات، ممّا يعني بناء مفردات جديدة وتحسين الفهم عند سماع شيء جديد بسرعة، ومن الأمثلة على ذلك؛ قراءة الأطفال للقصص التي تمنحهم فهم جديد لجميع الكلمات التي يسمعونها أو يقرؤونها، وإن لم يتمكنوا من فهم كل المفردات فسماع الأصوات والكلمات والعبارات الجديدة ستجعلهم يحتفظون بها ليسهل فهمها أو تقليدها لاحقاً، ويشجعهم على إيلاء المزيد من الاهتمام للمطالعة.

يقرأ الإنسان الكثير من المفاهيم والكلمات التي قد تكون جديدة

 كلّما قرأ كتاباً جديداً، ممّا يعني توسعة المفاهيم والقدرة على الحديث بلباقة وبثقة نتيجة المصطلحات الكبيرة التي يُخزنها، والذي سيؤدي لزيادة ثقته بنفسه وتقديره لذاته، كما سيجعله محبوباً أكثر في النقاشات الاجتماعية نظراً لأنّه سينخرط في أيّ موضوع ويُبدي رأياً صائباً أو منطقياً فيه، بالتالي سيكون مثالاً للأشخاص المُلمّين بالأحداث العلمية والعالمية، ويُمكن أيضاً تعلّم لغات جديدة في حال قراءة كتب من لغات أخرى.

القراءة تساعد على اكتشاف العالم

تُعدّ القراءة البوابة الكبرى لتعلّم كل شيء واكتشاف الأشياء الجديدة وزيادة الثقافة والمعرفة في جميع مجالات الحياة التي يهتم بها الإنسان، وهناك عدد هائل من الكتب في هذا العالم وبكافة المواضيع التي يُمكن أن يتخيلها الإنسان، للغوص فيها وقراءتها والبدء بالتعلّم منها، ممّا يعني أنّ الإنسان الذي يقرأ يكتشف العالم من خلال الكتب، والمجلات، ومواقع الإنترنت، وقد يختار الإنسان تثقيف نفسه في مجال معيّن أو القراءة بكافة مجالات الحياة للاستفادة أكثر.

القراءة تساعد في تطوير الصورة الذاتية وتحسين العلاقات مع الآخرين

 تُساعد القراءة على تعلّم المفاهيم، والأماكن الغريبة واكتشاف وجهات نظر الآخرين، ممّا يعني بناء صورة ذاتية جيدة وتعزيز احترام الذات، كما أنّها تصنع صورة ذاتية إيجابية للأطفال عن نفسهم، وتمنحهم القدرة على مناقشة القصص مع الآخرين وتكوين الصداقات وفقاً للاهتمامات المشتركة، كما تزيد الثقة بالنفس وتمنعهم من العيش في عقلية دور الضحية الذي يجعلهم غير قادرين على مواجهة التحديات التي يواجهونها في حياتهم، بالإضافة لتحسين القدرة على التواصل الاجتماعي في وقتٍ أصبح الجميع فيه متّجهون للعالم الإلكتروني، وتشجيع الناس على التفاعل والمشاركة من خلال نوادي الكتب والمنتديات الأخرى.

القراءة تطور الذاكرة وتخفف التوتر

 تزيد القراءة القدرة على تركيز الانتباه بالكامل على مهمة معيّنة، كما تزيد كمية المعلومات التي من شأنها أن تُحسّن التركيز والذاكرة، ثُمّ أنّ الانخراط في قراءة كتاب يمنح الشخص الاسترخاء والشعور بالهدوء، كذلك عند قراءة كتاب ما سيحتفظ الدماغ بالشخصيات وأدوارهم وتاريخهم وشخصياتهم والحبكة الموجودة في الكتاب، ممّا يسمح للعقل بالتّذكر أكثر وإنشاء مسارات جديدة في الدماغ.

تطوير مهارات التفكير النقدي والكتابة

 تطوّر القراءة أيضاً القدرة على تطوير مهارات التفكير النقدي والكتابة، فمثلاً عند قراءة رواية غامضة يتأهب الدماغ للتركيز في القصة والوصول إلى الاستنتاج وحلّ غموض هذا الأمر، بالإضافة للقصص الخيالية التي تدفع الإنسان لتخيلها والتفكير إن كانت صحيحة أم لا، وهذا التفكير النقدي الذي يتطوّر مع قراءة هذه الكتب يُعدّ مهماً في اتخاذ القرارات المهمة اليومية، لأنّها تعلّمه كيفية التفكير ومعالجة المعلومات وفهم الأمور بشكل أعمق، بالإضافة لتحسين المهارات التحليلية للأمور ليصبح الإنسان أكثر نُضجاً.

القراءة خاصية جوهرية في الحياة اليومية ومهارة مهمة

 وذلك لإيجاد العمل تُعدّ القراءة خاصية مهمة للإنسان ليحصل على عمل جيد، فمعظم الوظائف تتطلب أن يكون الإنسان قادراً على القراءة بشكل جيد، وذلك لقراءة التقارير والمذكرات والرد عليها، بالإضافة لتحسين الاستيعاب والتفاعل في مكان العمل.

نصائح لتشجيع الطفل على القراءة فيما يأتي نصائح للقارئ لتشجيع الأطفال على القراءة:

تشجيع الطفل على قراءة ما يُحب حتى وإن رَغب في التكرار فلا بأس في ذلك. ربط ما يقرأه الطفل مع الواقع وتمثيلها بقصص واقعية.

مساعدة الطفل على القراءة في أوقات الفراغ وأثناء الانتظار واصطحاب الكتب دوماً لأيّ مكان.

طرح أسئلة على الطفل حول شخصيات القصة لتشجيعه على الانخراط فيها.

اختيار الكتب التي تناسب الطفل وعمره ومستوى قراءته.

ترك الطفل يختار الكتب التي يُفضل قراءتها.

2021/11/10

الخطر الأشد فتكاً من ’المخدرات’.. انتبهوا لأولادكم!

ولدك وكتب الضلال!

كتب السيد ضياء الخباز:

حينما يأتيك ولد الصغير، ويطلب منك أن تشتري له بعض الحلويات التي تقطع بضررها، لا شك أنك لن تفكر في شرائها له، حتى ولو كانت متوفرة في السوق، بتوهم أنك إن لم تشترها فسوف يقوم هو بشرائها، بل ستقوم - كأي أب عاقل- بالحديث معه حول مخاطرها وأضرارها، حتى ينفر منها ولا يرغب في تناولها .

[اشترك]

وحينما يتوجه ولدك نحو تعاطي المخدرات، فلا شك أنك ستبذل قصارى جهدك من أجل منعه من ذلك، ولن تقول: دعه فليجربها ليدرك خطرها وضررها بنفسه، ثم إنني سوف آخذه إلى المصحة من أجل علاجه، فإن مثل هذا التفكير مما يربأ عنه أي عاقل.

وهكذا هي كتب الضلال، بل هي أشد خطرا وفتكاً مما ذكر؛ إذ أن ضلالها لو ترسخ في قلب إنسان فإنه سيبقى ملازما له إلى يوم القيامة، وربما كان هذا الضلال فكرة إلحادية يسلب الإنسان حتى دينه وإيمانه، وينتهي به إلى الخلود في النار، ولذا فليس من المنطق أن يعين الأب ولده على قراءة كتب الضلال، ويترك ضلالها يترسخ في قلبه وعقله، ثم يحاول أن يقتلعها من ذهنه من خلال عقد جلسة حوارية بينه وبين أحد المختصين - والذي ربما ينجح في مهمته وربما لا يحالفه التوفيق۔ بل الذي يقتضيه المنطق السليم هو أن يبادر الأب إلى تحصين ولده بالعقائد الحقة والأفكار المحكمة، ومتى ما استوثق من نضجه الفكري والعقائدي والمعرفي، واستيقن بقدرته على محاكمة الشبهات، أمكنه أن يخلي بينه وبين كتب الضلال ليدرك هشاشتها بنفسه .

وهذا هوما أرشد إليه أئمة الهدى عليهم السلام، فعن الإمام علي صلوات الله عليه: (علموا صبيانكم ما ينفعهم الله به، لا تغلب عليهم المرجئة برأيها)، وعن الإمام الصادق صلوات الله عليه: (بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة).

2021/11/09

ما خُفي عن بعض المسلمين: الحرب آخر الحلول!

الجانب الذي لا يعرفه بعض المسلمين من الإسلام

عندما نقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله مع أعدائه المحاربين له والمكذبين لدعوته من صناديد قريش وعُتات العرب، نجد أنه لم يبدأهم بقتال، ولم يجابههم بعنف ولا شدة، ولم يقابلهم بحرب كلامية، وإنما كانت دعوته لعامة الناس تتسم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.

[اشترك]

وأما اللجوء إلى الحرب فكان آخر الحلول بعد أن يستنفد معهم كل الوسائل المتاحة لمهادنتهم، أو قبول الدعوة الإسلامية، أو الرضا بدفع الجزية، ولهذا لم يذكر التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد بالحرب من لم يقصده بسوء، أو عمد إلى حرب استنزاف تأكل الأخضر واليابس.

وكانت كل الحروب التي عزم عليها رسول الله صلى الله عليه وآله في سبيل الدعوة إلى دين الله تعالى أو كانت بأمره، تنتهي بمجرد عدم رغبة الأطراف الأخرى في الدخول معه في حرب، بقبولهم النطق بالشهادتين، أو دفع الجزية، من دون أي مفاوضات أو عراقيل في الأمر.

ومع وضوح هذه السيرة النبوية العطرة التي أوضحت طريقته صلى الله عليه وآله في التعامل مع أعداء الإسلام الذين كانوا يحاربونه ويقتلون أتباعه والمنتمين إليه، إلا أنا نرى أن بعض الجماعات الإسلامية التي تبنت باسم (الجهاد) قتل غير المسلمين المتواجدين في البلاد الإسلامية، لا يعطون من يقع في أيديهم من هؤلاء أي خيار، ولا يقبلون منهم النطق بالشهادتين، ولا الإقرار بكل العقائد الحقة، ولا ينجيهم منهم رغبتهم في دفع الجزية إليهم، أو دفع أي فدية أخرى أو غير ذلك، ولا يرضون منهم إلا بقطع رؤوسهم، من غير فرق بين من جاء إلى بلاد المسلمين مسالماً يطلب رزقه، أو سائحاً، أو تابعاً لغيره، أو جاء غازياً ومحارباً، مع أن قرار قتل هؤلاء أو عدم قتلهم من وظائف إمام المسلمين، فإنه كما يقرّر الحرب والسلم، كذلك يقرّر بحسب ما تقتضيه المصلحة من يستحق القتل ومن لا يستحقه بحسب الموازين الشرعية، ويقرّر كذلك الطريقة التي يقتل بها من كان مستحقاً للقتل، ولا حق لكل من هبَّ ودرج في اتخاذ أمثال هذه القرارات التي تتوقّف عليها المصالح العليا للمسلمين.

والغريب أن هذه الجماعات التي تبنّت قتل الكفار في العراق أو أفغانستان أو غيرهما من البلاد الإسلامية، يقتلون من المسلمين أضعاف من يريدون قتله من الكفّار، ومن المعلوم عند كل أحد أن قتل المسلمين الأبرياء غير جائز بأي مبرّر من المبرِّرات، ولا سيما إذا كان قتله بالسيارات المفخَّخة التي تستوجب تقطيعه إلى أشلاء، وتثير الرعب بين الآمنين، وتتلف أموال المسلمين الآخرين بغير وجه حق.

ثم إن هذه الجماعات كما تبنَّت باسم الجهاد قتل الوافدين إلى البلاد الإسلامية من غير المسلمين فإنها أيضاً تبنّت قتل أتباع الطوائف الأخرى، خصوصاً المنتمين إلى مذهب الشيعة الإمامية، بنفس الطريقة التي يُقتل بها الكفار الآخرون، بل صار قتلهم للشيعة هو هدفهم الأول، مع أن الشيعة لا يستهدفونهم بحرب ولا قتل.

 ورغم تقطيع هذه الجماعات لرؤوس الشيعة المسالمين وأكلهم أكبادهم، إلا أنا لم نسمع في وسائل الإعلام المختلفة أن هذه الجماعات قامت بعملية واحدة لمحاولة قتل اليهود المحاربين الذين يبيدون الفلسطينيين كل يوم، ويهدمون بيوتهم، ويصادرون أرضيهم وبساتينهم، ويزجّون بالصغار والكبار منهم في السجون الإسرائيلية.

إن هذه الجماعات لم تفهم الإسلام بصورته الناصعة، ولم تتلمّس في تعاليم الإسلام جوانب الرحمة، والحب، والشفقة، والعدل، والمساواة، وفهمت فهماً مغلوطاً كلّ الآيات التي وردت في قتال الكفار كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: 123]، وقوله سبحانه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، فطبّقوها على المسلمين، وانشغلوا بقتل المسلمين عن قتال الكافرين.

إن الإسلام هو دين الرحمة والسلام، وهو دين المحبّة والحرية، الذي كفل لكل الناس حقوقهم، وحفظ لهم كرامتهم، ولم يُكرههم حتى على قبول الإسلام نفسه، كما قال تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256].

لقد استطاع المسلمون الأوائل أن يَدْعوا إلى دين الإسلام بالحجة والدليل، لا بالسيف والإرهاب؛ لأن الإسلام هو الدين الوحيد من بين جميع الأديان المعروفة الذي يخاطب العقول، ويحث على التأمّل والتفكير، والإسلام لا يحتاج إلى السيف حتى يتوسّع وينتشر، ووصوله إلى أقاصي الدنيا لم يكن بحرب ولا بقوّة، وإنما كان بسبب أنه هو الدين الحق من بين سائر الأديان.

ومحاربة أعداء المسلمين لا تتحقّق بالعمليات الإرهابية في بلاد المسلمين، التي تطال الأبرياء الآمنين، وتهدر طاقات المسلمين، وتبدّد أموالهم، وتزعزع الأمن في بلادهم، وإنما تتحقّق ببث العلم والوعي بين المسلمين، والعمل على تجسيد مبادئ الإسلام في كل جانب من جوانب حياتهم.

ومن لا يقدر على مواجهة أعداء الإسلام بالحرب النظامية المعروفة، فليعرف كيف يداريهم، ويكف شرّهم عن بلاد المسلمين بالوسائل السلمية وبالطرق الدبلوماسية، وقد استفاد أعداء الإسلام من العمليات الإرهابية التي قامت بها الجماعات الإسلامية أكثر مما تضرّروا به؛ لأن الضرر قد لحق أفراداً قلائل منهم، وألوفاً كثيرة جدًّا من المسلمين، ولكنهم استفادوا تشويه صورة الإسلام في جميع أنحاء الدنيا، حتى صارت السمة الغالبة على المسلمين أنهم إرهابيون، قتلة، متوحّشون.

نسأل الله تعالى أن يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم، وأن يجمع كلمتهم، ويؤلّف بين قلوبهم، إنه سميع مجيب، قادر على ما يشاء، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

2021/11/08

ذرّية طاهرة: فئة من البشر لا تمسّهم النار!

ورد في بعض الروايات أنَّ السادة -أي المنتسبين إلى الرسول (ص)- لا تمسُّهُم النار فما مدى صحة ومعنى هذه الروايات؟

[اشترك]

إن الثابتُ من الروايات أنَّ الذين لا تمسُّهُم النار من المنتسبين للرسول الكريم (ص) هم خصوص مَن وَلَدتْهم السيِّدةُ فاطمة (ع) دون واسطة، وأما سوى هؤلاء الكرام فشأنُهم شأنُ سائر الناس، مَن أطاعَ اللهَ وأصلَح كان من أهلِ الجنَّة، ومن عصاه كان مُستحِقّاً للنار.

والرواياتُ في ذلك عديدة:

منها: ما رواه الصدوق في معاني الأخبار بسندٍ معتبر عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (ع) قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع) هل قال رسول الله (ص) إنَّ فاطمةَ أحصنت فرجَها فحرَّم اللهُ ذريَّتَها على النار، قال (ع): نعم، عنى بذلك الحسنَ والحسينَ وزينبَ وأُمَّ كلثوم عليهم السلام" 1.

ومنها: ما رواه الصدوق بسندٍ معتبرٍ عن حمَّاد بن عثمان قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع): ما معنى قولِ رسول الله (ص) إنَّ فاطمةَ أحصنتْ فرجَها فحرَّم اللهُ ذريَّتَها على النار، فقال (ع): "المُعتَقون من النار هم ولدُ بطنِها الحسنُ والحسينُ وزينبُ وأُمُّ كلثوم" 1.

ومنها: ما رواهُ الصدوقُ بسندِه عن الحسن بن موسى الوشَّاء البغدادي قال: كنتُ في خراسان مع عليِّ بن موسى الرضا (ع) في مجلسِه، وزيدُ بنُ موسى حاضرٌ، وقد أقبلَ على جماعةٍ يفتخرُ عليهم ويقول: نحنُ ونحنُ وأبو الحسن مُقبِلٌ على قومٍ يُحدِّثُهم فسمِعَ مقالةَ زيدٍ فالتفتَ إليه فقال: "يا زيد أغرَّكَ قولُ باقلي الكوفةِ إنَّ فاطمةَ أحصنَتْ فرجَها فحرَّم اللهُ ذريَّتَها على النار، واللهِ ما ذلك إلا للحسنُ والحسينُ وولدُ بطنِها خاصَّة. فأما أنْ يكونَ موسى بنُ جعفر (ع) يُطيعُ اللهَ ويصومُ نهارَه ويقومُ ليلَه وتعصيه أنتَ ثم تجيئانِ يومَ القيامة سواءً، لأَنت أعزُّ على اللهِ عزَّ وجلَّ منه؟!!. ثم قال (ع): "إنَّ عليَّ بنَ الحسينِ (ع) كان يقولُ: لمُحسِنِنا كفلانِ من الأجرِ ولمُسيئنِا ضِعفانِ من العذابِ" 1.

هذا وقد ورد الحديث من طُرق العامة أيضاً، فمِن ذلك ما أخرجه الحاكمُ النيسابوري في المستدرك بسنده عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ فاطمةَ أحصنتْ فرجَها فحرَّم اللهُ ذريَّتَها على النار" 2.

وعلَّق النيسابوري على سند الحديث بقوله: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1. معاني الأخبار -الشيخ الصدوق- ص106.

2. المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص152.

2021/11/07

تربية أطفالنا وسط ثورة تكنولوجية وعولمة سياسية.. من يربح المعركة؟!

تربية الطفل وتحديات العولمة

كتبت ريما الحاج علي:

إن عملية تربية الطفل وتنشئته في عصرنا الحاضر تعتبر من معايير تقدم المجتمعات وتطورها؛ لأن أطفال اليوم هم رجال الغد، وبهم يقوم يبنى المجتمع ويتقدم.

[اشترك]

وتتطلب تربية الطفل وتنشئته استيعاباً جيداً وفهماً لكثير من الحقائق التي تتعلق بخصائص المرحلة العمرية التي يعيشها الطفل في كافة الجوانب الحياتية، فالتنشئة الاجتماعية تعد من أهم المهام في حياة الفرد وتكوين شخصيته؛ لأنها عملية تفاعل اجتماعي يتعدل فيها سلوك الفرد بما يتفق مع مجتمعه وبذلك تسهم إسهامًا فعَّالًا في بناء الفرد، وتشكيل الأسرة، وتكوين المجتمع، وبناء المستقبل.

قد تواجه الجماعات الإنسانية عادةً بعضَ التحديات في تنفيذ عملية التنشئة الاجتماعية لأجيالها، لكن مشكلة التنشئة الاجتماعية في هذا العصر في ظل العولمة والتكنولوجيا الطاغية بدت أكثر صعوبةً وأشد تعقيدًا، خاصة وقد أصبَحت المؤسسات الإعلامية تنازع المؤسسات التقليدية للتنشئة، وتؤثر تأثيراً مباشراً في غرس القيم وتنمية الاتجاهات.

والعولمة هي العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً معين على بلدان العالم أجمع، ومن أهم أنواع العولمة هي الاقتصادية، الثقافية، السياسية، العسكرية والتربوية التي تعتبر اكثرها اهمية وخطورة.

التطور السريع في مجال الثقافة الإلكترونية حمل أساليب جديدة لجذب الطفل ودفعه للإدمان وهي نوع من أنواع السيطرة على وعي الطفل في نمط ثقافي محدد يؤمن بقيم الصراع والقوة والدعوة للحرية غير المسؤولة.

ومن البديهي أن تنشأ لدى الطفل دوافع نفسية متناقضة بين ما يتلقاه عبر الثقافة الإلكترونية وبين ما يعيشه في واقعه اليومي في البيت والمحيط الاجتماعي، مما يؤدي الى شعوره بحالة نفسية معقدة نتيجة لوجود مجموعة قيم متنافرة ومتناقضة.

ومن المؤسف ان أطفالنا لا يدركون سوى أبواب الألعاب الإلكترونية التي تتنافس الشركات المنتجة على ترويجها كنوع من أنواع الغرس الثقافي الفكري المباشر مما يجعلهم ينغمسون فيها بصورة خطرة غير مدركين لأثرها السلبي عليهم.

فالتربية تعد أمرا صعباً لا يستطيع القيام به كل على حدة فهي مسؤولية البيت أولاً ومن ثم المدرسة والمحيط وكلما اتسع نطاق البيئة التي تتم فيها هذه المهمة ازدادت تحدياتها وصعوبتها وبرز فيها خطر التأثر بما يمكن اكتسابه وتلقيه من أفكار وسلوكيات، وفي عصر العولمة البيئة هي العالم كله على ما فيه من تنوع واختلاف في الثقافات والديانات.

إن زماننا هذا زمن الانفتاح والتغيرات ومع كثرة التقنيات والفضائيات وكثرة الثقافات أصبح الجيل يعيش اليوم في مفترق طرق وتحت تأثير هذه التغيرات ولا شك أنها تسبب لهم كثيرا من المشكلات النفسية والتربوية والاخلاقية.

فلا يمكن اعتبار الأسرة هي المسؤول الوحيد عن التنشئة الاجتماعية اذ أصبح هناك العديد من المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي تشارك في هذه العملية إلا أنها تظل الأكثر أهمية وتأثيراً خاصة في سنوات الطفولة الاولى، ولا شك أن دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية اكتسب أهمية مضاعفة مع انتشار الفضائيات والبرامج الإلكترونية وما تطرحه العولمة من فرص وتحديات جديرة بالتأمل والدراسة، فبقدر ما كانت عمليات التنمية والتغيير الاجتماعي تطرح على الأسرة مشاكل وتحديات تتعلق بتكوينها وتماسكها ودورها في عملية التنشئة بقدر ما كانت هذه المشاكل والتحديات تبرز دور الأسرة وتعقده وتؤكد أهمية الأدوار التقليدية التي يجب أن تقوم بها الأسرة خاصة في ظل الانفتاح اللامحدود الذي فرضه عالم العولمة الجديد كي لا تفقد قيمها ومبادئها.

العولمة تلعب دوراً رئيسياً في زيادة الفجوة والتباعد والتفاوت الاجتماعي والتعليمي والمعرفي بين الناس، كما أن نتائج العولمة الاقتصادية قد تفرض على بعض الدول الى التحكم بمؤسسات التنشئة الاجتماعية كالتعليم والإعلام وبالتالي تحجيم الرؤية التربوية، وفوق كل شيء تحديد أنماط العولمة الجديدة، إذ تصبح الأهداف الانسانية والثقافية والاجتماعية للتعليم تخدم أهداف القرية الكونية الواحدة.

فلسنا مبالغين ان قلنا أن العولمة أصبحت أمرًا واقعيًا أمام كل المجتمعات العالمية، واصبح العالم قرية واحدة تمارس أنشطتها الهادفة من خلال إمكانياتها المختلفة والمتطورة، متحدية كل الحواجز التي تحول بينها وبين جميع المجتمعات البشرية ومن هنا نوصي بالآتي:

1ـ يجب على الآباء ضرورة إعطاء الثقة لأطفالهم وتنمية الاستقلال لديهم لينشئوا أصحاب نفوس صحية سليمة ويصبح بإمكانهم أن يستجيبوا بإيجابية لجميع عوامل التحدي الآتية من العولمة وما تحمله من توجهات قد لا تخدم تماسك الأسرة والمجتمع.

2ـ ضرورة وجود حاجة ملحة لبناء وتفعيل برامج التربية الوالدية السليمة والتي يتم عن طريقها تدريب الآباء وأولياء الأمور على الممارسات والتفاعل السليم بين مكونات الأسرة، لكي تكون قيادة الأسرة على وعي وإدراك لما سوف تؤدي إليه من نتائج لدى ابنائها.

النبأ

2021/11/07

أصالة الدين أم العلمانية في المجتمع العراقي؟

في البدء.. ماذا نعني بأصالة الدين أو العلمانية في المجتمع العراقي؟ 

هل هي الحالة المتأصلة فيه، كما هو الحال بالنسبة للغلظة والخشونة في ابناء المجتمع البدوي؟  

فيكون الدين او العلمانية هو الاساس الذي يتمسك به ابناء المجتمع العراقي، فإن فرض عليهم الآخر استبطنوا النفور منه، وارتدّوا الى الآخر عند زوال الفرض!

[اشترك]

في ظني أن ليس هناك معنى على هذه الشاكلة لمصطلح الاصالة والاعتبارية بالنسبة الى أبناء النوع الإنساني، وإنما هي السيرورة التاريخية بما تضخّه من عوامل مادية ترسم شكل الصبغة العامة للمجتمع، فتتغير الصبغة بتغير العوامل. فحتى في مثال الغلظة للبدوي، التي ذكرتها قبل قليل، فإنها تلاشت في طبع البدوي حين استوطن المدن.

وعلى هذا فإن الصبغة العامة للمجتمع العراقي أميَل الى تأثير الدين منها الى العلمانية، وذلك بسبب:

1ـ السواد الأعظم من أبناء المجتمع العراقي يدينون بالإسلام منذ اربعة عشر قرنا.

2ـ التعددية الدينية والعرقية في المجتمع العراقي، والتي كان التكتل على أساسها طاغيا الى بدايات القرن العشرين، إنما كان طاغيا بسبب توفير عناصر الحياة من حماية وسبل العيش، وحين يتجاوز الأمر هذه الحدود يرتد الحال الى الدين. فابن الريف ـ مثلا ـ حين يلتحم بأبناء القبيلة ويرضخ لرئيسها، طلبا للأمن والحماية ولأن الرئيس صاحب الارض التي يعمل أجيرا فيها، إلا إنه خارج هذا النطاق يكون في مدار الثقافة الدينية وإن كان ذلك المدار بعيدا عن واقع الاسلام الذي يدين به، ومن جهة زعيم القبيلة فأن الامر حين لا يمس حدود مصلحته وما يمليه واقع الحياة التي يعيشونها، يظهر انتماءه الديني ويترك لرجل الدين المجال.

3ـ العلمانية التي ظهرت في الغرب هي أفكار أصيلة انتجتها عقول الفلاسفة الغربيين بتأثير من واقعهم المعاش. وهي التي انتجب التطور الاقتصادي والتكنلوجي، وهذه الاخيرة انتجت بدورها نموذجا أخلاقيا وسلوكيا مغايرا، الى حد كبير، للنموذج الذي كان أيام الهيمنة الكنسية، مثل البعد المادي في العلاقات الاجتماعية والانفتاح الجنسي وغير ذلك. بينما نجد العلمانية في العراق، على العكس، فهي أفكار مستوحاة من الغرب وقد نتجت عن التطور الاقتصادي. وبالتالي فإن الانسلاخ عن الدين ـ في أوروبا ـ كان أمرا لصيقا بالتطور الحضاري، أي ان الاوربي المسيحي كان أمام خيارين هما أن يبقى على مسيحية الكنيسة او ينسلخ عنها فيواكب التقدم الحضاري. أما العراقي فإنه تطور أولا ثم وجد الافكار العلمانية تحيط به. بمعنى أن الاوروبي الذي كان يعمل وعائلته في ورشة بسيطة لإحدى الحرف اليدوية وجد أن الكنيسة تعارض العلم الذي حوّل أدواته البسيطة الى أدوات متطورة وحوّل الورشة البسيطة الى مصنع يوفر فرص عمل أفضل وربح أوفر. وصار أفراد العائلة غير مضطرين للعمل بشكل التحامي في الورشة، وإنما يعملون متباعدين في المشاريع الصناعية والتجارية التي وفرتها النهضة المصنوعة من قِبل الفكر العلماني. ثم راحت العلمانية تضخ فيهم أفكارها عن الحرية والفردانية وتهميش الغيب ونسبية الأخلاق، فتدفعهم إلى الاستغراق بالعمل لصنع حياة سعيدة. مما أدى الى اكتساب العلاقة الاجتماعية لونا من المادية وتمتع المرأة بقسط وافر من الاستقلالية والحرية التي وصلت الى حقها في ممارسة الجنس خارج إطار الزواج.

الفرد العراقي لم يمر بكل هذه المراحل، وإنما وجد نفسه أمام التطور دفعة واحدة، وقد كان السبب في حصول تطوره، بشكل أساس، عاملين ماديين بشكل محض، وهما فتح قنوات السويس وظهور النفط. فلم يعش ـ بذلك ـ حالة التخيير بين الدين والتطور. إن ما أحدثه التطور في المجتمع العراقي الى السبعينيات من القرن العشرين، هو تهاون واستخفاف بمفردات الدين وليس انسلاخا عنه، فالعراقي وإن آمن بفكرة الاخلاق المستقلة عن الدين وأن الدين ليس مصدرا للأخلاق، إلا إنه لم يعشها، فهو إما أن يضع حدودا لتهاونه بمفردات الدين، أو أنه آمن بأفكار كالليبرالية والعلمانية والشيوعية، القائلة باستقلال الاخلاق عن الدين، إلا إنه ظل وفيا للثابت الاجتماعي العراقي. وهذا الوفاء يتجسد بالفارق الكبير بين الواقع العراقي في ذروة انفتاحه في خمسينيات وستينيات القرن العشرين وبين ما وصل اليه المجتمع التركي من إباحية، بعد أن أحل النظام العلماني محل الخلافة العثمانية في الحكم، ولم يقم بتجاوزات صارخة على ثوابت الشريعة الاسلامية كما فعلت العلمانية في تونس حين منعت التزوج من أكثر من زوجة أو ساوت بالإرث بين الرجل والمرأة.

إن الثابت الاجتماعي ظل قادرا على صنع دائرة محدودة لأبناء المجتمع العراقي، يعيشون فيها قيما روحية كالترابط العائلي والجيرة والشرف. فمثلا المسيحي الاوروبي حين انصهر بالفكر العلماني قد أفضى به ذلك الى أن يقبل لابنته ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، في حين نجد المسيحي العراقي الذي انصهر أيضا في الفكر العلماني يرفض هكذا حالة. ومما لاشك فيه أن رفضه ذلك نابع من عراقيته وارتباطه النفسي والتربوي بالثابت الاجتماعي.

2021/11/07

البلوغ وثورة الأسئلة المخيفة عن ’أسرار الوجود’.. لا تقلقوا!

فترة البلوغ وثورة التساؤلات

إن مثل هذه الأفكارـ التي تدور في ذهني آنذاك عن أسرار الوجود ـ إنما تحدث لأغلب الأفراد تزامنا مع فترة البلوغ أو تتأخر عنها قليلا، حيث تكون تلك الفترة قصيرة وعابرة لدى البعض، وبالعكس قد تكون طويلة ومريرة على البعض الآخر.

[اشترك]

لكن أتعلمون أن ظهور مثل هذه الأسئلة في ذهن الإنسان لا يدعو إلى أي قلق واضطراب، بل بالعكس فذلك علامة على الاستقلال الروحي والنضج الفكري ودليل على تفتح استعداداته وقابلياته الباطنية.

نعم، هذه علامات تبث الأمل في بلوغ الإنسان مرحلة جديدة من حياته؛ أي أن جميع الأفراد الذين يتزامن نضجهم الفكري مع بداية بلوغهم الجسمي والفسلجي، فإنهم يعومون في سن البلوغ في بحر من هذه الأفكار، بحيث يتشبثون بكل وسيلة من أجل الخلاص منها أما من يتأخر نضجهم الفكري فإن المدة قد تطول لتخترق زوايا أفكارهم مثل هذه الأسئلة.

وبالطبع فإن الأفراد الذين يعيشون حالة طفولية من الناحية الفكرية والنفسية، فإنهم لا يرون قط حالة النضج العقلي، فليس هنالك مثل هذه الأسئلة التي تؤرقهم، فهم يعيشون على الدوام حالة من الاستقرار الممزوجة بالجهل، فلا يشعرون أبدأ بحالة من الاستقرار الفكري؟

على كل حال، ينبغي عليكم ألا تشعروا بالقلق من ظهور مثل هذه الأفكار، فهي دلالة على نضجكم الفكري وإنكم قد وردتم مرحلة جديدة في الحياة، ألا وهي مرحلة البلوغ الفكري.

فإن راودتكم مثل هذه الأفكار فاعلموا أنكم تخطيتم مرحلة التقليد والتبعية ودخلتم مرحلة الاستقلال، فينبغي لكم أن تجدوا وتجتهدوا وبكل هدوء للظفر بالحلول المنطقية والمقنعة لهذه الأسئلة والاستفسارات.

طبعا قضية مراودة هذه الأفكار وإن كانت تدعو للأمل والتفاؤل، إلا أنها قد تشكل ظاهرة خطيرة إن لم تجد هذه الأسئلة بعض الأجوبة الصحيحة، لأن الجهد الممتزج بالأمل في هذه الحالة يتحول إلى نوع من الخمود واليأس والتشاؤم، لذلك يشاهد العديد من الشباب الذين لم يحصلوا على ردود صحيحة لهذ الأسئلة وبغية الهرب من شباك مثل هذه الأفكار، قد لجأوا إلى المسلّيات الخاطئة والإشباع الطائش لغرائزهم المستعرة، في محاولة للحصول على استقرار زائف وكاذب.

على كل حال، فمن الطبيعي عندما يقتحم الإنسان وسطا جديدة فإن كل شيء سيكون لديه مبهماً ومدعاة للتساؤل والاستفسار، فيسعى من خلال ما يملك من فكر لاختراق حجب هذا الابهام والوقوف على الحقيقة، إلا أن حداثة هذه الأجواء إنما تبدأ حين يرد الإنسان مرحلة البلوغ، وهنا يرى كل فرد العالم بصورة جديدة، وبالطبع ترافق ذلك عملية انبثاق مختلف الأسئلة والاستفسارات، وبناء على هذا فلا ينبغي لكم أن تشعروا بأي امتعاض من مخالجة هذه الأفكار لأذهانكم، بل عليكم أن تنظروا إليها بكل تفاؤل وسرور.

المصدر: كتاب أسرار الوجود

2021/11/03

الوجود الديني والعلماني في العراق

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

 

لو تأملنا واقع الطروحات الفكرية والتوثيقية المتعلقة بالوجود الديني والعلماني في العراق، نجدها تنقسم تحت عنوانين رئيسيين هما:

[اشترك]

ـ صلاحية الحكم:

من حيث انسجامها مع طبيعة المجتمع العراقي والنسيج المكوّن له، فيقول بصلاح العلمانية اعتمادا على طبيعة المكوّن العراقي وتراكمه التاريخي، حيث يعتبر ـ مثلا ـ التعددية العرقية والدينية ـ التي تعد من أبرز سمات المجتمع العراقي ـ دليلا على أن العلمانية لا الدين هي الاصلح للحكم، بعد أن يتوحد العراقيون جميعا في إطار المواطنة.

ومن جهة أخرى فإن العلمانية مفهوم يقترن بالتقدم والمعاصرة ويحمل في طياته المنجز الاوروبي الحديث وما يعنيه من تطور حضاري كبير على الصعيد التكنلوجي والاداري. فيما ينحصر الدين في دائرة الفعل العبادي الذي يستلزم تحديده جملة من علوم لا تكاد تمس واقع الحياة.

كما ويتخذ العلماني من المصير المأساوي الناجم عن تسلم الأحزاب الدينية ـ اليوم ـ دفة الحكم في العراق دليلا أوضح من الشمس في رابعة النهار، على صحة مقالته.

ـ الاصالة والاعتبارية:

ويدور الحوار في هذا العنوان اعتمادا على أدلة عدة منها ـ مثلا ـ التاريخ العراقي، فالقائل بأصالة العلمانية يحتج بتاريخ العراق الممتد الى آلاف السنين حيث الحضارات البشرية الاولى التي كانت تذعن لقوانين مدنية، وحتى بعد الاسلام، لم يعش العراق حالة مطلقة من الحكم الثيوقراطي الاسلامي. فبغداد الرشيد ـ قبلة الدنيا حينها ـ لشدة ما كانت تضج بمظاهر الانفتاح الاجتماعي فضلا عن انفتاح السياسة الحاكمة.

وقد ظل ذلك الانفتاح نبضا ملموسا طوال المراحل التاريخية التي تلت الدولة العباسية وهي المغولية والصفوية والعثمانية، وصولا الى الدولة العراقية الحديثة التي قامت عام 1921 . فيما يحتج أنصار الدين بالصبغة الاسلامية التي هيمنت على المجتمع العراقي منذ أن طاله الفتح في العقد الثاني من هجرة النبي الاكرم (ص).

إن مناقشة هذين العنوانين أمر يطول، وخارج عن موضوع البحث. ولكن ثمة نقطة تهمني فيه وهي الثابت الاجتماعي الذي يرتكز عليه المجتمع العراقي في طبيعته وسلوكياته، سيما في وقتنا الراهن، الثابت الذي يتجاوز تباين الأفراد واختلاف الانتماءات والأفكار والاتجاهات ويشكل لونا بارزا في الهوية الاجتماعية للعراقيين.

لهذا سأتناول العنوانين، بشكل مختصر، فأقول:

لا يختلف اثنان في أن اليقظة العربية الاسلامية منذ بواكيرها، في بداية القرن التاسع عشر، وعلى يد مفكرين من أوائلهم السيد جمال الدين الافغاني وأواخرهم السيد محمد باقر الصدر (قد). قد انتجت فكرا اسلاميا تميز بالنضج العالي. عنِيَ بإنقاذ الاسلام من الرقاد الفكري والعجز عن مواكبة المسيرة الحضارية العالمية. وذلك من خلال طروحات علمية وفلسفية شملت مختلف الجوانب الحياتية والعلوم المتعلقة بها كالسياسة والقانون والاقتصاد وغيرها.. وإن نظرة منصفة لتلك الاطروحات قادرة على بث الثقة من حيث صلاحيتها ـ نظريا ـ في التدليل على كون الاسلام منظومة قيادية بوسعها صنع النموذج الحياتي الصالح. وهذا مايضعنا ـ فيما يخص استدلالات العلماني ـ أمام نقاط هي:

1ـ الطوائف العراقية القائمة على الاساس العرقي كالتركمان او الاكراد مثلا، أو الاساس الديني كاليزيدين والصابئة. ليس فيهم من أعلن عن قدرة مكونه، العرقي أو الديني، على انتاج منظومة فكرية تتناول شؤون الحياة، ليكون بالتالي مكونا موازيا للمكون الاسلامي، فلا تحل مشكلة اشتراكهم في بقعة جغرافية واحدة إلا بإلغاء الجميع وفرض العلمانية كحل نهائي وأوحد. بمعنى ان المواطنة ليست حكرا على تطبيق العلمانية، اللهم إلا أذا حصرنا الاسلام في دائرة الفعل العبادي وما بعد الموت، وهذا ما أثبت المنجز الفكري الاسلامي الذي انتجته مرحلة اليقظة، خطله. إن دولة الرسول الاعظم ص تبدو فيها حالة المواطنة بشكل واضح من خلال احتضانه للنصارى واليهود وغيرهم في دولته ضمن سياقات معينة.

2ـ يشير دعاة العلمانية الى بعض المظاهر الحضارية التي دخلت المجتمع العراقي كحصول بعض الشباب العراقي على شهادات في الطب والحقوق، أو انشاء صالات للعرض السينمائي او المسرحي، على انها من تجليات الوجود العلماني ومنجزه الايجابي في المجتمع.  والحال أن مظاهر التحضر من إيجاد كوادر علمية في شتى المجالات بل وحتى العمران والتكنولوجيا ليست حكرا على النظام العلماني، وخير دليل دولة ماليزيا التي تدين حكومتها بالإسلام. وبالنسبة للفنون فإن المؤسسة الدينية لم تمنع منها غير الاستخدام السيء والمتجاوز لحدود القيم الفاضلة. وعليه فإنه لاحقّ للعلمانيين في احتساب هذه النقطة دليلا على تفوقهم في الحكم على الدين.

3ـ التطور الحضاري الذي عاشه العراق منذ بدايات القرن العشرين لم يكن بسبب تطبيق العلمانية بل بسبب الانتعاش الاقتصادي وظهور النفط. فالإسلامي والشيوعي والبوذي والعلماني والمنتمي لأي جهة كانت، قادر على استغلال الوفرة المادية وتحقيق القفزة العمرانية، وخير دليل ما شهدته دول الخليج العربي منذ عقود، من قفزات حضارية هائلة حققتها لهم حكومات تدين بالمشيخة البدوية. والتطور الحضاري ـ كما رأينا ـ هو السبب في الحراك الفكري والثقافي. وعليه فإن الاحزاب الحاكمة اليوم، لم تدمر العراق بانتمائها الاسلامي بل بتكالب قادتها على نهب المال العام. وهذا ما يمكن أن يفعله العلماني والاسلامي على السواء.     

2021/11/03

المثقف أم الفقيه أم الفن.. من المسؤول عن تنقية التراث الإسلامي؟!

التأمل الأولي في مصطلح (التراث الإسلامي) قد يقود بالضرورة إلى تصنيفه ضمن اهتمامات المؤسسة الدينية، لكونها الجهة الرسمية المشتغلة في الشأن الإسلامي عقائدياً وفقهياً وأخلاقياً وفكرياً، فهي الجهة المختصة رسمياً بما له علاقة بالعلوم الإسلامية.

[اشترك]

إلا أن التراث في معناه العام الذي يستوعب جميع ما بذله المسلمون تاريخياً من جهود وأنشطة حضارية يتسع إلى أكثر من اهتمامات المؤسسة الدينية، الأمر الذي ينفتح معه الباب لمساهمة جميع أهل الاختصاصات لدراسته وتنقيته، فتراث المسلمين يشمل في طياته أرثاً خصباً وذاخراً بكل أشكال الفنون والآداب والمعارف المختلفة، فمثلاً المعمار في التراث الإسلامي يجب دراسته من مهندسي المعمار، والفنون من شعر ومسرح وموسيقى يتم دراستها من أهل الفن والشعر والآداب، والتراث الفكري والفلسفي والثقافي يتم دراسته من أهل الفلسفة والفكر والثقافة، وعليه لا يمكن توكيل جهة واحدة بمهمة دراسة التراث الإسلامي، إلا أن في الغالب عندما تذكر كلمة التراث الإسلامي يقصد منها التراث الديني، ومن هنا لابد من التأكيد على أن الدخول في ساحة العلوم الدينية يستوجب توفر الأدوات الخاصة بتلك العلوم لمن أراد الدخول فيها، ولا يجوز التصدي لها من باب أنها أمر مشاع لجميع المسلمين، فهناك مغالطة يرتكز عليها البعض في تسويق تدخله في هذه العلوم؛ وهي أن الدين للجميع وليس خاصاً بفيئة معينة وعليه يجوز للجميع أبداء الرأي، وهذا مغالطة لا يحسن السكوت عليها، فهناك فرق بين أن يكون الإسلام خطاب للجميع في حدود التكليف والامتثال، وبين وجود علوم ومعارف تشكل تخصصات لها أدواتها ومنهجياتها الخاصة، والعلوم الإسلامية حالها حال بقية العلوم لها مناهجها الدراسية التي تميزها عن غيرها من التخصصات، وكل من أراد دراستها يمكنه ذلك من خلال توفير الشروط التي تؤهله لمعرفة مسائلها وموضوعاتها، وهذه الحقيقة ليست خاصة بالعلوم الإسلامية وإنما تشمل كل العلوم والمعارف، فلو أخذنا العلوم الإنسانية مثالاً نجد أن علم النفس أو علم الاجتماع أو علم الاقتصاد أو غير ذلك لها مدارسها ومناهجها التي تضبط مسائل تلك العلوم وموضوعاتها، ولا يحق لغير الدارس المختص أن يبدي وجهة نظره في هذه العلوم، ومن هذا البعد يمكننا أن نقول أن التراث الديني من مسؤوليات أهل الاختصاص في العلوم الدينية والباب مفتوح أمام الجميع للمساهمة في البحث طالما كانت بحوثهم منضبطة بالأدوات المعهودة في دراسة المسائل الدينية.

2021/11/02

ثقافات تهدد ’هويتنا الإسلامية’.. افتحوا أبواب المساجد!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

 

ثقافة الضد النوعي

بين الفينة والأخرى نكون أمام حدَثٍ يتعارض مع ثقافة المجتمع (المسلم) ويبدأ المهتمون في محاولة تكوين رأي عامٍ رافضٍ له وهذه خطوة مهمة جداً ويجب الحفاظ عليها لكنها لوحدها غير عملية إطلاقاً.

[اشترك]

تلك الأصوات التي تتعالى بين الفينة والأخرى رافضة مسخ هويتنا الإسلامية وإن كانت مهمة لكنّ مردودها لا يروي ظمآناً ولا يُحدِثَ تغييراً يُعتدّ به على أرض الواقع، إذا أردنا التغيير حقا فيجب أن نعمل على إيجاد نمطٍ ثقافي يوازي الثقافات الدخيلة ويعالج تلك الندوب التي تكون منفذاً للميكروبات، أعني يجب الانتقال الى ثقافة إيجاد الضدّ النوعي، يجب الاهتمام بالفعاليات التي تجتذب الشباب قبل أن يجتذبهم الخمّارة وأصحاب المراقص.

هذه ليست وظيفة طلّاب العلوم الدينية لوحدهم بل هي وظيفة المجتمع بأسره، كلّ شخص يجب أن يبادر وفق إمكاناته وقدر استطاعته في السعي بهذا الاتجاه، إذا كنتَ تملك الأموال و القدرة على إنشاء مرافق سياحيّة ترفيهية خاضعة للمعايير الاسلامية فهذه وظيفتك، وإذا كنتَ قادراً على إنشاء نادٍ علمي تثقيفي فعليك بها، وإذا كنت تملك قلماً واعيا فاملأه حبراً وتوكل على الله، وإذا كنت قادرا على توعية صديق أو قريب فلا تتردد أو تتكاسل، كلّ واحد منّا يتحمَّل قسطاً من هذه المسؤولية، والتهاون بها سيكون له مردود سلبي علينا جميعا .

حتّى المساجد التي باتت لا تفتح أبوابها إلّا بضعة دقائق لأجل الصلاة يجب إعادة النظر في جدواها وكيفية استثمارها فلم يكن المسجد يوماً في التاريخ موصد الأبواب كما هو اليوم .

الذي أريد أن أقوله دعونا نفكر في هذه المسؤولية الجماعيّة، إذا لم تكن قد فكّرتَ بها من قبلُ فباسم الله دعك من الاكتفاء بالتذمر وانتظار مواقف الآخرين، منذ صباح الغد ابدأ بما تستطيع وسترى النتائج بعد زمنٍ يسير.

2021/10/31

حبس العقل في حدود ’الحس’ جريمة تنتهي إلى ’الإلحاد’!

يعاني الإلحاد من إشكالية لها علاقة بطبيعة التفكير، والإلحاد ليس إلا ضحيةً للتفكير الذي عظم الحس وأهمل العقل، فالموجود عندهم لابد أن يكون مادياً بالضرورة، فالذي يكتفي بالحس لا يمكنه رؤية شيء خارج حدود المادة.

[اشترك]

ومعالجة هذه الإشكالية لها علاقة بنظرية المعرفة بوصفها العلم الذي يبحث في إمكانية المعرفة ومصادرها وأدواتها، وقد ناقشت الفلسفة الإسلامية هذا الأمر بإسهاب وأثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الموجود أعم من الوجود المادي.

ومن هنا تتميز الفلسفة الإسلامية على الفلسفات المادية بعدم إهمالها لأي مصدر من مصادر المعرفة، حيث لا يمكن الاكتفاء بالحواس لمعرفة كل الحقائق لبداهة وجود حقائق غير حسية، كما لا يمكن الاكتفاء بالعقل دون الحواس لأن في ذلك إهمالاً للحقائق الحسية، فمن يحصر أدوات المعرفة في الحواس لا يمكنه الاعتراف حتى بالعقل والروح بوصفهما خارجان عن دائرة الحواس.

أما من يؤمن بالعقل طريقاً إلى المعرفة بجانب الحواس، يمكنه التصديق بما هو حسي وبما هو خارج عن حدود الحس؛ وذلك لأن العقل له قدرة على الاستنتاج والاستنباط واستخلاص النتائج من المقدمات، أي أن العقل له القدرة على الانتقال من بعض الأسباب والظواهر الحسية لإثبات حقائق أخرى غير منظورة حسياً، وبالتالي كما للعقل القدرة على الإحاطة علماً بما هو حسي وشهودي، له القدرة أيضاً على العبور من الشهود إلى الغيب، وإذا كان العقل في ما هو مادة يحتاج إلى التجربة والمختبر، فهو في ما هو غير مادي يحتاج إلى البرهنة والاستنتاج والاستنباط، والعقل الذي يثق في نتيجة التجربة إذا اكتملت شروطها الطبيعية، هو ذاته العقل الذي يثق في الاستنباط والاستنتاج والبرهنة إذا اكتملت شروطها العقلانية. وإذا كان نظام التصديق في الأمور الحسية هو المطابقة مع الواقع، فإن نظام التصديق بالحقائق غير الحسية هو مطابقتها بما أودع في فطرة الإنسان من حقائق؛ وهذه الحقائق الفطرية لها من الوضوح والظهور أكثر مما للحس من ظهور، فمثلاً البديهيات التي يعتمد عليها العقل التجريبي نجدها أكثر ظهوراً من نتائج التجربة الحسية نفسها، وإذا اعترف الإنسان بهذه البديهيات فمن السهل عليه الاعتراف بوجود فطرة تمثل أصول الحقائق الغيبية، يقول عزمي بشارة: "فهل هناك بنية ذهنية تزرع في العالم شعور الإنسان باللامحدود واللانهائي والكلي القدرة والعظيم والمرهوب، وتجعل هذه كلها شعوراً غامضاً بالقداسة؟ ربما توجد مثل هذه البنية في العواطف الإنسانية، لم لا؟ الواضح أن افتراض وجودها يفسر الكثير"[1] ومن هنا كان تحجيم التفكير الإنساني في إطار ضيق هو الذي يضيع على المعرفة الإنسانية كثيراً من الحقائق.

وما يجده الإنسان من إحساس وجودي، وما يشعر به من إلحاح داخلي يجعله مضطراً للبحث عمن أوجده، كما أن حاجة الإنسان إلى الكمال من جهة وتطلعه إلى مصير الحياة ومستقبلها المجهول من جهة ثالثة، يحتم عليه التطلع إلى الغيب والبحث خارج حدود المادة، وهذا النوع من الوعي المتسامي عن المادة والمترفع عن الحس، يمثل جانب الإشراق في الإنسان..

وعليه فإن أبجديات التفكير العقلي تقود الإنسان وفي أول مراحل تفكيره؛ إلى السؤال عن علل الأشياء وغاياتها، وهو سؤال العقل الأول؛ بل العقل ليس شيئاً آخر غير هذا السؤال، فكون الإنسان عاقلاً هو معنىً آخر لكون الإنسان متسائلاً عن فلسفة الأشياء وغاياتها، والذي يكتفي بالأجوبة الحسية يتغافل عن كون الأسئلة في شقها الأكبر غير حسية، فالسؤال عن العلة لا يقف عند حدود العلة المباشرة وإنما يتجاوزها حتى يصل إلى العلة الأولى، والسؤال عن الغاية لا يقف عند الغاية المحسوسة؛ لأنها لا تشبع طموح الإنسان وتطلعه.

يقول الفيلسوف ريتشارد سوينبرن في مقام توضيح ما يقوم به الدين تكميلاً للعلم: "عندما أتحدث عن الإله، فإنني لا أطرح إلهاً ليسد الثغرات التي لم يجب عنها العلم حتى الآن، فأنا لا أنكر قدرة العلم على استكمال التفسير. ولكنني أطرح الوجود الإلهي لأفسر لماذا صار العالم قادراً على التفسير؟"[2]

فحبس العقل في حدود الحس جريمة في حق العقل وفي حق الإنسان، فقيمة العقل في إدراك عمق الحياة لا في معرفة ظاهرها، وقيمة الإنسان بأن يعيش في ذلك العمق لا في ظاهر السطح، والغيب ليس شيئاً آخر غير عمق الحقيقة ولب المعنى.


الهوامش:

[1] - العلمانية والدين، عزمي بشارة، ص 251

[2] - دكتور عمرو شريف، خرافة الالحاد، مكتبة الشروق الدولية، مصر الجديدة ، ص 70

2021/10/31

4 قنوات في مواجهة ’مسخ الهوية’: وفّروا البديل واهتموا بالشباب!

لا شك أن لتطور شبكة الاتصال أثراً بالغاً في حياة الإنسان لا سيما وأنها أوجدت تحولاً جذرياً في سلوكه وتدبير أموره وكيفية تعامله مع الناس.

[اشترك]

وبات واضحا أن وسائل الاتصال، كالتلفزة، والأقمار الصناعية، والإنترنت، قد غمرت العالم بأفكارها، وساهمت في ترويج فكرة العولمة الثقافية والاقتصادية.

ففي هذه الظروف الخطيرة التي تزداد فيها الهجمة الثقافية شراسة على المسلمین بغية مسخ هويتهم وذوبانها تتضاعف مسؤولية المسلمين، عملا بقوله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

ومن هنا فإن انطلاقة أي وعي إسلامي في المجتمع يتم عبر عدة قنوات:

الأولى: الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان المسلم، فالمسؤولية الأولى تقع على عاتق الوالدين في تربية أبنائهم تربية إسلامية بناءة.

الثانية: أجهزة التربية والتعليم فهي التي تنمي طاقات الإنسان الفكرية والمعنوية من خلال عرض برامج تثقيفية وإسلامية تتناسب مع أعمارهم و يا للأسف فإن تلك الأجهزة تتقاعس عن القيام بهذه المهمة الكبرى.

الثالثة: إقامة المهرجانات والأعياد الدينية والشعائر الحسينية وإلقاء الخطب ودعوة رجال العلم والصلاح لإلقاء المحاضرات التي تتجاوب مع روح الشباب لها من الأهمية في بث الروح الدينية وتوثيق أواصر الصلة بين الإخوة المؤمنين وتعزيزها.

الرابعة: تنظيم الرحلات العلمية وإقامة المخيمات بين الشبيبة والتعرف على بعضهم البعض بغية ملء أوقات فراغهم.

وفوق هذا كله فلابد للجهات المعنية بالجانب الثقافي من إنتاج برامج إسلامية بديلة عن البرامج التي يبثها الغرب.

إن الناشئ کالفسيلة بحاجة إلى مراقبة مستمرة لكي تنمو حتى تصبح شجرة تضرب بجذورها في الأرض على وجه لا تزعزعها العواصف المدمرة، وهكذا حال الناشئ فهو بحاجة ماسة إلى توعية وتربية إسلامية بناءة غير منقطعة حتى تكتمل شخصيته الإيمانية للحيلولة دون تسرب الشيطان إلى قلبه.

ومن أهم الأساليب التي تؤثر في تنمية حالة التقوى لدى الشباب هو ألا يجد الشاب فراغا في أوقاته ليملأها بما فيه الضرر والضلال على نفسه أولاً، وعلى مجتمعه ثانياً.

ولقد قالوا: ان الفراغ والشباب والجدة        مفسدة للمرء أي مفسدة.

المصدر: رسائل ومقالات ج2

2021/10/28

هل الإسلام ضد الوطن؟!

موقف الإسلام حيال القومية

إن الإسلام يحترم كافة القوميات دون أن يرجح قومية على أخرى، بل ينظر إلى الجميع بعين الأخوة، ويقول: (إنما المؤمنون إخوة) ويقول أيضا: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

[اشترك]

ويقول النبي صلى الله عليه وآله: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

فهذه هي الوصفة التي كتبها الإسلام لإسعاد البشرية كافة، ومع ذلك لم يلغ القومية وإيجابياتها بل احترمها.

روى المفسرون أن النبي لما هاجر عن مكة المكرمة ووصل في طريقه إلى "جحفة" تذکر موطنه وحن إليه فامتلأت عيناه بالدمع، فنزل عليه أمين الوحي يسليه بالآية المباركة: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك

إلى معاد) وقد حقق سبحانه وعده، ففتح النبي (ص) مكة بعد ثمانية أعوام ودخلها من ناحية «أذاخر» وهي أعلى نقطة في مكة، ولما وقع نظره على الكعبة وبيوتات مكة هاج به الحزن، وقال مخاطباً ربوعها بأني أحبك ولولا أني هجّتر لما تركتك .

لا شك أن الإنسان إذا نشأ في ربع من الربوع وترعرع فيه منذ نعومة أظفاره وحتى بلوغه وهرمه، يجد في نفسه حباً ورغبة ووداً حياله، فذلك أمر جبلي قد فطر عليه الإنسان ولم تكافحه الشريعة التي هي دين الفطرة بل احترمته، لذا تجد أنه يحاول بكافة السبل الحفاظ على لغته الأم وثقافته، وبذل كافة الجهود في سبيل ازدهار وطنه ورفاه قومه.

فالمترقب من کل مسلم إعمار بلده واستثمار ثرواته في سبيل خدمة قومه وثقافته القومية إذا كانت متجاوبة مع القيم والمثل الإسلامية وهذا أمر مرغوب إليه من قبل الإسلام، ولكن المحظور هو جعل القومية ملاكاً للتفاخر والتفوق.

*آية الله السبحاني: مرجع شيعي معاصر من إيران له مؤلفات مميزة في علوم الكلام والتفسير والفلسفة.

المصدر: كتاب رسائل ومقالات

2021/10/26

شعوباً وقبائل: البشرية مجتمع واحد والتعارف يصنع الحضارة

الحضارة -3-

حين نجد الإسلام يعتمد الإنسانية كأساس ومعيار ليكون بعد ذلك صنع الحضارة مشاعاً للجميع ما داموا يمتلكون الصفة الإنسانية، فيقول القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)[1]...

[اشترك]

فهذه الآية الكريمة بيّنت الأساس المعتمد في أن البشرية مجتمع واحد ينتسب إليه كل ابن ذكر وأنثى من الناس، والاختلاف في الشعب والقومية والجنس هو من خارج النوع الإنساني فهو جعلٌ من الله، ويكون التعارف أساسا لصنع الحضارة، فتكون بذلك الحضارة منجزاً مصنوعاً من قبل عموم الجنس البشري لتدفع بعمومه إلى التطور والخير والرفاه، ولاشك أن التعارف هنا خليق بصنع حضارة ذات مؤشر أعلى بكثير مما نجده في الحضارات الأممية، فالملايين التي أبادتها الأمم المتحضرة استبداداً وطغياناً، لاشك أن فيها من الطاقات والكفاءات ما يمكن أن يرتفع بها المؤشر الحضاري العالم، أو المناخ الاجتماعي الخانق الذي لا تسمح الدول الاستعمارية بغيره للدول الضعيفة لابد إنه قد ضيع على أصحاب مواهب وطاقات فرصة الوصول لما يتمكنوا به من تطور مواهبهم وإنضاجها، وكمثال ما نشهده اليوم من أعداد كبيرة من ذوي اللون الأسود وهم يبدعون على مختلف الأصعدة فيؤدي هذا بنا إلى سؤال مهم وهو أن البشرية كم أهدرت من طاقات وكفاءات طوال عشرات القرون وهي تعكف على معاملة العبيد كالحيوانات؟!

ننتهي من كل هذا إلى أن ما ينتج عن العلاقة بين البنى التحتية والفوقية هو التموضع أو النسبية أو ما يسمى بداخل التاريخ، وقبالته الوحي المطلق، حيث أنه منزه عن كل خلفية مسبقة، ومنزه عن كل الآليات والعلاقات الجدلية، أو كما بينت في تعريفي للدين، هو ما لله من إشراف مطلق على الواقع الكلي.

وبذلك تصير لدينا نتيجة واضحة وهي أننا إذا أردنا أن نغير الإنسان أو المجتمع علينا أن نغير بناه الفوقية من خلال تغيير بناه التحتية لينتج لنا مجتمعا متموضعاً بشكل مغاير عن الحالة الأولى... أو أنه يهطع لقيادة الوحي كيما نحصل على إنسان ومجتمع مثاليين.    

بمعنى أن المشكل الإنساني على صعيد المعرفة متأتٍّ إما من محدودية العقل الإنساني فينسحب هذا على قدرته على التشخيص، أو الوقوع تحت تأثير الظرف التاريخي الذي ينتج عادة من الطغيان البشري فينتج فكراً لا يمثل غير ردة فعل حيال التجربة التاريخية وليس واقعاً فعليا وفي الحالين ربما تورط بالخروج عن دائرة القليل الممكن من العلم والمعرفة[2]، وخير شاهد على ذلك ما نقف عنده اليوم من حلقات غير منتهية للمسلسل الفكري البشري.

 

الهوامش:


[1] الحجرات 13

[2] أشير بهذا الى قوله تعالى

2021/10/21

الصراع الشيعي السني.. ضرورات الحاضر أم هيمنة التاريخ؟!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

ينطلق التشيع من تصور خاص لخلافة النبي (ص)، يقوم على كون الإمامة منصب إلهي وليس من شأن الأمة، على غرار ولاية رسول الله (ص) على الأمة، الّتي لا تخدع لترشيح الناس وبيعتهم، وإنَّما تقوم على التعيين المباشر والانتخاب الإلهي.

[اشترك]

هذا المنظور الخاص لخلافة المسلمين بعد رسول الله (ص) شكل خطاً معارضاً لواقع الخلافة الإسلامية تاريخياً، كما إنَّه شكل فهماً للإسلام يختلف في كثير من مبانيه عن ما هو موجود عند أهل السنة، وبهذا نتفهم الصراع الفكري والعقدي بين التوجهين، الذي وصل في كثير من محطاته التاريخية الى قطيعة حقيقية، ومازالت الأمة الى اليوم تعاني من هذا الانقسام الذي يرجع سببه الأساسي للانقسام التاريخي حول خلافة الرسول (ص) ومستقبل الرسالة، وما تشهده الساحة السياسية اليوم من اقتتال في سوريا والعراق واليمن وغيرها يؤكد على استغلال واضح لهذا التباين بين أبناء الأمة، وقد عمل الأعلام على إذكاء كل محاور الخلاف بين الشيعة والسنة، كما عملت الدول المتنافسة سياسياً على تجييش المؤيدين من خلال تبني الخطاب الطائفي الذي أصبح مشكلة حقيقية تهدد المنطقة برمتها، وتحول الكلام عن الشيعة والسنة من مجرد حديث عما وقع في التاريخ، الى اشتباكات دموية نشهدها بشكل يومي في ساحات الصراع في المنطقة، كما انتقل النقاش العلمي الذي كان يدور في مراكز البحث والتحقيق إلى شعارات سياسية ملأت شاشات التلفزة فتسممت الأجواء بشكل غير مسبوق.

ولكي نرجع هذا الخلاف لحجمه الطبيعي لابد من تفهم الخيار الشيعي في الإمامة، وذلك بعد طرحه ضمن المساحة التي يتموضع فيها كخلاف علمي ووجهة نظر أخرى لفهم الإسلام، ولو قمنا برصد ما يقال لتأجيج الخلاف بين التوجهين نجده يرجع بشكل مباشر الى موقف الشيعة من الخلافة والخلفاء الذين هم في نظر الشيعة قد تعدوا على حق أهل البيت (ع) في الإمامة والقيادة، وفي نظر السنة يمثلون شخصيات مقدسة لم يفهم الإسلام في المنظور السني إلاّ من خلالها، وبالتالي ما تعانيه الأمة اليوم من انقسام ترجع أسبابه المباشرة الى الانقسام الذي حدث بعد سقيفة بني ساعدة وما أعقبها من حروب في الجمل وصفين والنهروان وغيرها، وبذلك لا يمكن أن ننظر لتلك الحوادث التاريخية كحوادث منفصلة عما نعيشه اليوم، أو نعتبرها بعيدة عن ما يؤثر على خياراتنا السياسية والثقافية، بل أصبح واقعنا صورة أخرى عن تاريخنا، ومن هنا يمكننا أن نشخص بعض الخيارات ذات التأثير المحدود لمواجهة هذا الصراع الطائفي.

 فمن يحاول أن يتجاوز تلك الفترة التاريخية بالقول: (حرب سلمت منها سيوفنا فلتسلم منها السنتنا)، لا يمكنه تقديم مساهمة حقيقية؛ طالما فهمنا للإسلام اليوم، إما قائم على تقديس الخلفاء واستلهام الشرعية من تجربتهم التاريخية، أو قائم على الوقف ضد الخلفاء وخيارات الأمة التاريخية، ومحاولة حل الأزمة الطائفية من خلال تجاوز تلك الفترة ونسيانها، أشبه بالحكم على السنة والشيعة بالتنازل عن فهمهما للإسلام والتنصل عنه، فالإسلام في المنظور الشيعي يرتكز على الحق الإلهي والشرعي لإمامة أهل البيت (ع)، وبالتالي يقوم على رفض كل الخيارات التي لا تنتمي لهم، والإسلام في المنظور السني يعتقد إنَّ صحابة رسول الله (ص) وكل ما أنجزوه في التاريخ يمثل الفهم الأصيل للإسلام، وبكلا الفهمين لا يمكن أن تقبل الدعوى القائمة على تناسي أو تجاهل ما جرى في التاريخ. فتلك الدماء التي سفكت في التاريخ هي ذاتها الدماء التي تسفك اليوم، وهذا الصراع الراهن هو امتداد لذلك الصراع.

فما وقع من حروب بين علي ومعاوية، وبين الحسين ويزيد، وما تبعها من ثورات العلويين ضد النظام الأموي والعباسي، كل ذلك يمثل الجذر التاريخي لكثير مما يحدث في ساحتنا الإسلامية اليوم، من اختلاف مذهبي، وتباين سياسي، وصراع عسكري، وبالتالي كل الدماء التي جرت في التاريخ مازالت يجري في واقعنا المعاصر، سواء في سوريا، أو العراق، وحتى اليمن، وما زالت الأنظمة الحاكمة تستغل الاختلاف المتجذر بين السنة والشيعة لتحقيق مكاسب سياسية آنية، وقد وصل واقع المنطقة السياسي الى شفا جرف سوف ينهار بالجميع وحينها لن يكون هناك رابح.

 وفي ظني إنَّ العقدة الكبرى امام الوضع الثقافي المتحكم في الوسط الإسلامي، هو هيمنة التاريخ الذي مازال يتحكم في خياراتنا المعاصرة، فما دام أهل السنة ينظرون الى التاريخ كهوية إسلامية يؤدي الانفكاك عنها انفكاك عن الإسلام، وما دامت خيارات الأمة السياسية مستمدة من واقع التجربة التاريخية، وما دام الموقف من الحاكم محكوم برؤية دينية مستمدة من التاريخ أيضاً، لا يمكن ضمن هذه الهيمنة التاريخية أن نتأمل في صنع واقع تمليه علينا قناعاتنا وخياراتنا التي تفرضها علينا ضرورات الحياة الراهنة، ولا يمكن أن تحلم الأمة بمستقبل تتمتع فيه المنطقة بالاستقرار والتنمية، ولذلك من الضروري أن تكون هناك مواجهة تفتح فيها ملفات التاريخ من جديد، ودراستها ضمن السياق الذي تفرضه الضرورة المنهجية والأكاديمية بدون تحامل او تقديس، وحينها سوف تتمكن الأمة من تحقيق وعي خاص للإسلام، تكون قد ساهمت في صنعه وليس مجرد واقع موروث. وما لم تنجز الأمة هذه المهمة، سوف تستمر الأنظمة باللعب على هذه الاختلافات، فما لم نستطع أن نحسم الصراع التاريخي لا يمكن أن نحسم ما يجري في العراق وسوريا وغيرها من مواقع الاحتكاك الشيعي السني.

ومن هنا فإنَّ خيار الهروب من مواجهة التاريخ والتعفف عن تقييم ما وقع بين الصحابة، هو خيار خادع ومراوغ يتستر بالورع عما وقع بين الصحابة؛ وفي المقابل لا نجد هذا التورع فيما يقع اليوم بين المسلمين من صراع، فلا دمائهم سلمت من سيوفهم، ولا ألسنتهم كفت عن صب الزيت على النار، من تحريض وتكفير وإباحة دماء وأعراض، ومازالت تلك السيوف مشهورة في وجه بعضنا البعض، ولم تسلم الألسن من خلال هذا الضخ الإعلامي والتحريضي الذي دخل كل بيت عبر شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقد يرى البعض إنَّه ليس من الإنصاف اتهام السنة أو بعضهم بهذا التحريض الطائفي، فالشيعة يتحملون أيضاً نصيباً كبيراً مما يجري اليوم من صراع، وليس بوسعي الدفاع عن الشيعة مع إني أتمكن من أجراء مقارنة بين الفتاوى التي صدرت من الطرفين حول هذا التحريض، وسوف يصدم القارئ بحجم الفتاوى التي أصدرها أهل السنة في إباحة دماء الشيعة وفي المقابل لم أجد فتوى واحدة أصدرها مرجعاً شيعياً يحرض فيها على السنة، وما يثار إعلامياً عن ممارسات الشيعة ضد سنة العراق لا يثبت الكثير منه أمام التحقيق المحايد والمنصف، وإن ثبت بعضه لا يحسب على الشيعة لأنّه خلاف إرادة المؤسسة الدينية التي حرّمت ذلك بشكل واضح وصريح، وفي واقع الأمر إنَّ ما يثار من تهويل على الشيعة المقصود منه هو تهييج السنة وتحريضهم حتى يُستغلوا في هذا الصراع، حتى نتج عن ذلك داعش وجبهة النصرة وغيرها.

وما يهمني في هذا المقال هو التأكيد على تأثير التاريخ في خياراتنا الدينية والسياسية والاجتماعية، ويظهر هذا التأثير بشكل واضح في خيارات المذهب السني، أما الشيعة فهم لا يجدون حرج في مناقشة ما جرى في التاريخ وبالتالي لا يعانون من عقدة التاريخ كما يعاني أهل السنة.

وبالجملة يمكننا إرجاع التباين المذهبي، والعقدي، والسياسي، بين الشيعة والسنة، الى التباين الذي حصل في التاريخ، ومازالت معالم هذا الصراع تتجذر كل يوم أكثر مما مضى، وقد حاول كل من الشيعة والسنة الدفاع عن رؤيتهم التاريخية وخياراتهم العقائدية والفقهية، وقد أُلفت كتب كثيرة في هذا الشأن، وبرغم ما وقع على الشيعة من تهميش واستبعاد، إلاّ إنَّهم قد تمكنوا من توضيح خياراتهم والدفاع عنها في عشرات الكتب، وإذا حاولنا عرض ما كتب في عصرنا فقط من  كتب كان لها الدور الكبير في جعل التشيع حاضراً في ساحة الجدل والنقاش المذهبي، فإنَّه يفوق قدرة هذا المقال ويخرجه عن مساره المرسوم له، وقد نشط السنة في الفترة الأخيرة في تكثيف الجهود في الرد على الشيعة بعد الاختراق الواضح الذي أحدثه الشيعة في بعض المجتمعات السنية، فطبعت عشرات الكتب وأُسست قنوات فضائية مختصة في مناقشة الشيعة والرد عليهم، ولا يهمنا هنا عرض أدلة كلا الطرفين ومناقشتها، فالذي نسعى إليه هو التدليل على أثر التجربة التاريخية على الواقع المعاصر للأمة الإسلامية.

وسوف نكتفي هنا بذكر بعض النصوص التي تكرس التجربة التاريخية كخيار يجب أن يمضي عليه المسلمين إلى يوم القيامة.

فقد روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة.

فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت ([1] ).

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمّ قَالَ سَفِينَةُ: امْسِكْ عَلَيْكَ خِلاَفَةَ أَبي بَكْرٍ، ثُمّ قَالَ: وَخِلاَفةَ عُمَرَ وَخِلاَفَةَ عُثمان، ثُمّ قَالَ لي: امسِكْ خِلاَفَةَ عَلِيّ قال: فَوَجَدْنَاهَا ثَلاَثِينَ سَنَةً ([2] )

والذي ينظر الى هذه الروايات يجدها قد وضعت على طبق النسق التاريخي، ورويت بالشكل الذي يجعلها دالة على إخبار النبي بالغيب، الأمر الذي يخلق لها قداسة خاصة تجعل الإنسان المسلم يقف أمامها مسلّم غير معترض، وكأن ما حصل قدر لا يمكن الخروج عنه، وهذا الفهم الغيبي للتاريخ والاعتماد على هذه الأخبار، يساعد على تعطيل العقل التحليلي لما وقع في التاريخ، طالما المسار الإنساني قد نقش في هذا اللوح القدري، وما تنادي به داعش اليوم هو الدور الختامي الذي سكت عنده الحديث )ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)، وقد تسالم أهل السنة على هذا المسار، فبعد النبوة والخلافة التي فسرت بالخلافة الراشدة، والملك الذي فسر بالدولة الأموية والعباسية، والحكومات الجبرية التي تمثل هذه الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي، فالنتيجة الحتمية لأي تحرك إسلامي لابد أن يكون بالسعي لهذه الخلافة التي تكون على منهاج النبوة، ولا يخفى ما في هذه الدعوة من رجوع قهري الى الماضي لأي عملية إحياء سياسي إسلامي، ومن هنا يكون النموذج الذي يعمل على إعادته هو نموذج الخلافة الإسلامية، وقبل قيام هذه الخلافة لا يكون هناك أي موقف سلبي اتجاه ما هو قائم من انظمة طالما أخبر بوجودها الرسول، وبذلك نفهم مروياتهم في ضرورة السمع والطاعة للحاكم وإن كان ظالماً فاجراً. كما أخرج مسلم في صحيحه (1847) عن حذيفة قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثمان إنَّسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إنَّ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإنَّ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)

وينكشف مما قدمنا الحدود التي يمكن أن يتحرك فيها العقل السياسي السني، وهي حدود تتحرك من الماضي لتعود اليه من جديد، ولا تسمح للعقل المعاصر تأسيس أي تصور سياسي يرتكز على اجتهاداته التي تناسب المرحلة، ومحاولة التمرد على هذا النمط من التفكير هو تمرد على نفس الإسلام المحكوم بروايات البخاري ومسلم -المقطوعة الصحة عند أصحاب هذه المدرسة- والتمرد على ما أُنجز سابقاً من سلف الأمة هو خروج عن هذه المدرسة، فالذي لا يُسلّم بصحة كل هذه الأخبار ولا يرى في تجربة الخلافة الأولى فهم نهائي للإسلام لا يكون مسلم بالمنظور السني.

وفي المحصلة لا يمكن لهذه الامة الخروج من ازماتها إلا من خلال إعادة وعيها الديني من خلال الاجتهاد في النصوص الشرعية بعيداً عن التجارب التاريخية، ولا يمكن حسم الصراع بين جناحي الامة الشيعة والسنة إلا من خلال مواجهة علمية وموضوعية للتاريخ.

 


[1]  - مسند الامام احمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، اول مسند الكوفيين، رقم الحديث 18031

[2] - سنن الترمزي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم الحديث 2226

2021/10/20

التخلّي عن الدين.. لماذا ينتشر الإلحاد في مجتمعاتنا؟ (فيديو)

الإلحاد والغزو الفكري: الدوافع، الآثار والحلول

السيد منير الخباز

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)

الحديث حول ظاهرة الإلحاد من حيث الدوافع والمحاور

[اشترك]

وهنا نقطتان:

النقطة الأولى: ماهي أسباب وعوامل هذه الظاهرة؟

وهنا نلخص عوامل ظاهرة الإلحاد وأسبابه في ثلاثة أسباب:

السبب الأول: الرغبة في التحرر.

السبب الثاني: المنتج الديني، الفكر المنتج الديني عبر المنابر والمساجد والفضائيات ووسائل التواصل وهذا الفكر ينقصه عدة أمور:

أ - ينقصه المواكبة.

ب - ينقصه الجاذبية.

ج - تنقصه البلورة.

فهذا الفكر تنقصه هذه العناصر الثلاثة فهو ليس مواكب لثقافة العصر ومتغيراته، وليس فيه إجابات مقنعة عن الإشكالات والشبهات على مبدأ الألوهية ومبدأ الدين، ولأجل ذلك يعد سبباً رئيساً في انتشار ظاهرة الإلحاد.

السبب الثالث: الإعلام المضاد والإلحاد الآن يمتلك مال ويمتلك إلاعلام ويمتلك تخطيط كل فكر إيدلوجي لا يمتلك هذه العناصر الثلاثة لا ينجح.

مع عدم امتلاكنا إلى هذه العناصر فمن الطبيعي لا يكون لدى الفكر الديني ظهور وسيطرة على الساحة الفكرية فيبقى للفكر الإلحادي مجال السيطرة والبروز لأنه يمتلك هذه العناصر.

النقطة الثانية: ما هي محاور الإلحاد التي يركز عليها الاعلام؟

يمتلك الإلحاد عدة محاور ينطلق منها:

المحور الأول: المحور الكلاسيكي، وهذا الإلحاد المعروف قبل أكثر من مئتي سنة يركز على أسئلة ثلاثة:

أ - من خلق الله؟

والجواب عنه: العقل لا يقول بأن لكل شيء سبباً بل يقول لكل حادث سبب وفرق بين الإثنين والله تبارك وتعالى ليس بحادث حتى يحتاج إلى سبب ينقله من العدم إلى الوجود.  

ب - هل يستطيع أن يخلق إلهاً مثله؟

الجواب عنه:

هذا السؤال في حد ذاته خطأ فقد جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له " قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة ولا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إن الله لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟." (2).

 

ج -  كيف يستطيع العقل أن يتصور وجود لا حدود له؟

الجواب:

هناك فرق بين عالم الخيال وعالم البرهان.

عالم الخيال محدود لا يستطيع تصور إلا الأشياء المحدودة التي لها أبعاد وحدود؛ فالخيال لا يمكن ان يتصور الله.

وأما علم البرهان فيمكن الاعتماد عليه، فان الله خلق الزمن فلا يمكن للزمن ان يحده والله خلق المكان فكيف للمكان ان يحده، وهو خلق كل شيء فكيف يكون له مبدأ ومنتهى، إذ لو كان له مبدأ لكان له خالق وهذا يتنافى مع كونه خالق كل شيء، ولو كان له منتهى لكان هناك حد قسري يحده وهذا يتنافى مع كونه هو المصدر لكل شي، فكيف يتصور أن هناك حد يقصره ويحد من وجوده.

إذن البرهان العقلي نفسه يقودنا إلى إننا إذا أمنا بوجود مصدر للخلق فلابد أن يكون ذلك المصدر لا زمن له لأنه خلق الزمن ومكان له لأنه خلق المكان ولا أول له لأنه ليس هناك قبله خالق، ولا منتهى له لأنه ليس بعده خالق.

المحور الثاني: محور الحرية

نلاحظ الكثير من الشباب يقول أنا أدخل النار وأنا حر أفضل من أدخلها وأنا عبد، لأنه إذا أمنت بالله أصبحت عبداً لله وأنا لا أريد العبودية.

الجواب عنه:

أولاً: التحرر من جميع أنواع العبودية الإيمان بالله لان من لم يؤمن بالله فهو عبد لشهواته وعبد لرغباته.

ثانياً: نحن نطلب الحرية لا لكونها غاية بل لكونها وسيلة، فلماذا نطلبها؟، نطلبها لأنها تقودنا إلى الخير، والخير على قسمين:

القسم الأول: الخير مرحلي، والذي يطلب الحرية ولا يؤمن بالله فأنه يطلب الخير المرحلي، كالمنصب والمال والدنيا، هذه كلها خير مرحلي.

القسم الثاني: الخير الدائم، والحرية وسيلة للخير المطلق الدائم وهذه الحرية هي الايمان بالله تعالى التي لا تنحصر في عالم الدنيا بل تأخذك إلى العالم الطويل (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (3).

المحور الثالث: السعادة، ويدعي من لم يؤمن بالله أن الإيمان بالله تعالى يمنع السعادة، هل هو فعلاً سعيد أم لا؟.

الجواب:

هناك فرق بين السعادة الزائفة السعادة الحقيقية

أ - السعادة الزائفة: هي التي تنطلق من الشهوة الغريزة، فعندما يركز الشخص على الشهوة يرى السعادة أن يشبع غريزته، وأن يلبي شهوته.

ب - السعادة الحقيقية، وهي أن تصل إلى الكمال بحسب متطلبات المحيط التي تعيش فيه، فمثلاً لا تستطيع أن تصل إلى الكمال من دون أن تراعي أنظمة البلدية الصحية والتعليمية والمرورية.

كذلك كل إنسان منذ ان جاء إلى الوجود هو محاط بثلاثة أسئلة لا يمكن أن يتهرب منها.

من أين أتيت؟ والى أين ستمضي؟ وما هو الطريق الذي ستسلكه؟  فلا يجيبك عن هذه الأسئلة مالم يؤمن بالله تعالى، فلا يوجد طريق للإجابة إلا هذا لطريق.

المحور الرابع: محور الربوبية، هناك فئة التي تسمى بالربوبين، والربويون يعتقدون بوجود الله ولكنهم لا يؤمنون بالدين.

 

الجواب عنه:

هل أن الله ناقص أم كامل؟

فإذا قلتم إن الله ناقص، إذاً كيف خلق الكمال وهو ناقص، وكل ما في الوجود هو كمال فلابد أن يكون مصدر الكمال كاملاً أيضاً لآن فاقد الشيء لا يعطيه.

إذا كان الله كامل فلابد أن يكون حكيماً لأن الحكمة من مقومات الكمال فإذا كان حكيما فلابد من أن يكون خلقنا لهدف؟ فلماذا خلقنا إذاً؟ فلا بد أن يكون له هدف من خلقنا إذ لو لم يكن له هدف من خلقنا لم يكن حكيماً وإذا لم يكن حكيماً لم يكن كاملاً، وإذا لم يكن كاملاً فكيف خلق الكمال وهو ناقص؟

إذن خلقنا لغاية خلقنا لهدف معين فما هو ذلك الهدف؟

وهنا سؤال أخر: هل الله خلقنا الله لهدف يعود إليه؟ أم خلقنا لهدف يعود إلينا؟

الجواب: لا يمكن أني كون خلقنا لهدف يعود إليه فيقول الفلاسفة الفاعل الكامل لا يحتاج إلى غاية، الفاعل الناقص يحتاج إلى غاية، كالفقير الذي يريد الوصول إلى الكرم فيفعل أفعال الكرماء حتى يصل الكرم، فالفاعل الناقص يستكمل بعمله إلى أن يصبح كاملاً.

أما الفاعل الكامل غايته إفاضة كرمه، فالفاعل الكامل غايته الكرم ولو سألته عن سبب الكرم لقال لك ليس لي هدف بل أنا كريم بطبعي.

فالله تعالى فاعل كامل فعندما يُسأل لما خلقت البشر؟

لكان الجواب أنا لا أحتاج إلى البشر والى احتاج إلى عبادتهم، خلقتهم لكي يصلوا إلى الكمال اللائق بهم، فغاية خلهم إفاضة الكمال، (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (4).

فكيف نصل إلى الكمال؟ هل بعقولنا أم ببدين ينزله علينا؟

العقل لا يصلح أن يصل إلى الكمال المطلق وذلك لعاملين:

العامل الأول: العقل محدود وذلك بقول الفلاسفة العقل ابن بيئته فعقل الانسان ابن الثقافة الغربية وعقل الانسان الشرقي ابن الثقافة الشرقية، فهو عقل ابن بيئته.

العامل الثاني: العقل متغير: فالعقل الان غير العقل بعد عشر سنين، فالعقل يسير مع التجربة ويتكامل معها وكل ما نضجت التجربة نضج معها.

وبما أن العقل محدود ومتغير فلا يستطيع أن يدلنا ويوصلنا إلى الكمال المطلق؛ فمن أين نأخذ الكمال المطلق؟

نأخذ من الكامل المطلق من مصدر الكمال وهو الله سبحانه وتعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (5).

فهو الذي يخلق وهو الذي يختار تبارك وتعالى.

إذن نحتاج إلى أن يرشدنا إلى النظام الذي يوصلنا إلى الكمال وقد أرشدنا عبر الأنبياء والمرسلين (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ) (6)، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 45 وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (7).

المحور الخامس: محور الحس

فإذا كان الله واضحاً لماذا لم ينصب لنا دليلاً واضحاً إليه؟

الجواب:

أولاً: الحس ليس برهاناً قوياً فقد يخطئ فأنت تتصور السراب ماء وهو ليس بماء، فالحس ليس دليلاً قطعياً.

ثانياً: إنك تؤمن بكثير من الأشياء لم تصل إليها بالحس، كأيمانك بالثقوب السوداء مع إنك لم تصل إليها بالحس، وتؤمن بالقوى الأربع، القوة الكهرومغناطيسية، قوة الجاذبية، القوة النووية الشديدة، القوة النووية الضعيفة، فهذه القوى الأربعة التي تحكم الكون أنت تؤمن بها من غير أن تصل إليها عبر الحس بل وصلت إليها عبر معادلات رياضية؛ فليس الدليل على الإيمان منحصر بالحس.

ثالثاً: حتى الأدلة الحسية لا تنتج مالم يكن معها دليل عقلي، كما في القانون الذي جميعنا نؤمن به (أن كل ماء تبلغ درجة حرارته مئة فإنه يغلي في الظروف العادية) وهذه النتيجة لم نصل إليها ما لم نستخدم البرهان العقلي لما وصلنا إلى القانون، لو لم نؤمن بمبدأ السببية ومبدأ الحتمية لم نصل إلى هذا القانون.

ونفس هذان الدليلين العقليين هما دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.

ومن كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني، فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال:

لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملامس (8)، وقال الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة: "متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبا" (9).


حرره لموقع الأئمة الاثني عشر: علاء تكليف العوادي

الهوامش

(1) سورة فصلت - الآية 53.

(2) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٤، ص١٤٣.

(3) سورة العنكبوت - الآية 64.4

(4) سورة الملك - الآية 2.

(5) سورة القصص – الآية 68.

(6) سورة النساء - الآية 165.

(7) سورة الأحزاب - الآية 45.

(8) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، ج٢، ص٩٩.

(9) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج6٤، ص١٤2.

2021/10/20

المجهر لا يفك شفرات الحياة: عودوا إلى مُختبر الحياة العظيم!

يحاول الإنسان دائماً أن ينظر إلى كل قضية من القضايا من نافذة الحس، وأن يدرسها من خلال المنظار الحسي المادي، لأن أوثق المعلومات لديه هي تلك التي تتألف من هذه المعلومات الحسية، ولهذا فإن المسائل التي تحظى بأدلة حسية أكثر تكسب في العادة قسطاً أكبر من ثقة الإنسان، وتصديقه.

 [اشترك]

وعلى هذا الأساس عمد العالم اليوم إلى تأسيس آلاف المختبرات الضخمة للتحقيق في شتى القضايا العلمية، ويعكف العلماء في هذه المختبرات على دراسة وتحليل الأمور المتنوعة بأسلوب خاص وطريقة معينة.

ولكن هل يمكن -تری- أن تدخل المسائل والقضايا الاجتماعية في نطاق التجربة المختبرية، وتخضع للمجهر والميكرسكوب، ليمكن الحكم في هذه المجالات من خلال ذلك؟!

فمثلا؛ هل يمكن أن نعرف عن طريق التجارب المختبرية مايؤدي إليه الإختلاف والتشرذم في المجتمع الواحد، وما يصيب شعبًا من الشعوب أو أمّة من الأمم من هذا الطريق؟

أم هل يمكن تقييم ما تنتهي إليه جهود المستعمرين، أو ما يؤل اليه الظلم والحيف، من خلال تجربة حسية؟

أم هل يمكن الوقوع على نتائج «الاختلاف الطبقي»، و«التميز العنصري» في المجتمع عن طريق التجربة المختبرية؟

في الإجابة على كل هذه الأسئلة يجب أن نقول: كلا مع الأسف.

وذلك لأنه لا توجد للقضايا الاجتماعية، رغم أهميتها القصوى – مثل هذه المختبرات، وحتى لو أمكن توفير مثل هذه المختبرات المناسبة لتحليل وتقييم ودراسة القضايا الاجتماعية، فإن إنشاءها وإيجادها يكلف نفقات باهضة، وتستدعي جهوداً عظيمة.

ولكن الأمر الذي في مقدوره أن يقلل من حجم هذا النقص إلى حد كبير هو أننا نملك اليوم شيئا يسمى بـ: «تاريخ الماضين» والذي يشرح لنا ما كان عليه البشر. أفراداً وجماعات، طوال آلاف السنين من الحياة على هذه الأرض، كما ویعكس مختلف الذكريات والخواطر عنهم، من انتصارات وهزائم، ونجاحات وانتكاسات، ويوقفنا بالتالي على كل ما وقع في حياة الأمم والشعوب من حوادث مُرّة او حلوة.

وإن من حسن الحظ أننا لم نكن أول من حط قدمه على هذا الكوكب، فهذه الأرض بسهولها وشعابها العريضة، وتلك السماء بنجومها وكواكبها الساهرة شهدتا ملايين الملايين من البشر الذين سكنوا الأرض من قبلنا، وشهدنا أفراحهم وأتراحهم، همومهم وغمومهم، حروبهم، ومصالحاتهم، وكل ما رافق واكتنف حياتهم من حب وبغض وظلمات وأنوار، وارتقاء وهبوط، إلى غير ذلك من شؤون وشجون الحياة البشرية التي يزخر بها تاريخ الشعوب والأقوام والأمم.

صحيح أنهم قد اختفوا مع الكثير من أسرار حياتهم، وغابوا جميعاً، أشخاصاً وأسراراً في بحر من النسيان وانسدل عليهم الستار، إلا أن قسطا ملفتاً للنظر وجملة يعتد بها من تلك الأمور إما أنها قد دونت بأيدي أصحابها، أو لا تزال طبقات الارض وبطون التلال تحتفظ بها في ثناياها وطياتها، كما ولا تزال ذات الأطلال الصامتة في ظاهرها تشكل أضخم متحف، واغنى معرض وأكبر مختبر، يعيد لنا شريط التاريخ ويحكي وقائعه وأحداثه، ويشرح رموزه وأسراره.

إن مطالعة تلكم الصفحات من تاريخ الأمم الغابرة في الكتب، أو في الأطلال العظيمة، أو فيما يعثر عليه المنقبون في بطون التلال، وثنايا الارض تعلمنا أمور كثيرة، وتضيف إلى عمرنا مرة جديدة وزمناً إضافياً، لا يستهان به وذلك بما تقدم لنا من الخبرة والعبرة، والهدى والبصيرة...

أليست حصيلة العمر ماهي إلا ما استفاده المرء من تجارب؟ ألا يجعل التاریخ خلاصة أفضل التجارب تحت تصرفنا؟

ولقد اشار الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في وصية لولده إلى هذه الحقيقة حيث قال:

«أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي – فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ – وسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ – بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ – قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ».

[الخطبة ٣١ من نهج البلاغة]

المصدر: كتاب سيّد المرسلين، ج١.

2021/10/19

’إغراءات السلطة’.. كيف نختار المسؤولين في المناصب العليا؟

المسؤولية الشرعية والوطنية في العمل الوظيفي

لابد لإدارة شؤون المجتمع من جهاز وظيفي، فأي قائد مهما كانت قدراته وكفاءاته لا يستطيع إدارة الأمور بجهده وطاقته الشخصية المباشرة، وأي إدارة لعمل واسع متشعب تحتاج إلى الاستعانة بموظفين.

والجهاز الوظيفي مهم وحساس لأنه يشكل القناة بين الحاكم والناس، فعبره تصل أمور الناس وقضاياهم إلى الحاكم، وبواسطته تنفذّ الأنظمة والقوانين، فإذا كان الجهاز الوظيفي صالحا ويعمل بشكل سليم، انتظمت أمور الناس وفق النظام والقانون، أما إذا أصابه الفساد والخلل، فستضطرب أمور العباد والبلاد، وتتعثر الأنظمة والقوانين، ولن يغني صلاح الحاكم ولا يعوّض عن فساد الجهاز الإداري.

حسن الاختيار

ومن أجل أن يؤدي الجهاز الإداري والتنفيذي دوره على أحسن وجه، لابد من حسن الاختيار وخاصة لذوي المراتب المتقدمة، والمناصب العليا، وتركز النصوص الدينية على صفتين رئيستين يجب أن تتوفرا في الموظف المسؤول: صفة الأمانة وصفة الكفاءة. والأمانة تعني أن يحافظ على الإمكانات التي تكون تحت يده فلا يُصرف شيء منها إلا في موارده المقررة، وأن لا يسيء استخدام موقعه وصلاحياته تبعا لرغباته وميوله، وتنفيذا لمآربه الشخصية وانتماءاته.

والكفاءة تعني الجدارة والأهلية للمسؤولية الملقاة على عاتقه، يقول تعالى عن لسان نبيه يوسف   حينما رشّح نفسه لإدارة الاقتصاد في مصري: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) 1.

لقد وصف نفسه بصفتين اعتبرهما مبررا لأهليته وصلاحيته للمنصب: أنه حفيظ أي أمين مؤتمن يحفظ ما يكون تحت يده من ثروات وإمكانيات، وعليم أي صاحب معرفة وكفاءة تمكنه من تحمّل المسؤولية وأداء المهمة.

وفي مورد آخر ينقل القرآن الكريم عن ابنة نبي الله شعيب، حينما اقترحت على أبيها توظيف نبي الله

موسى للقيام بأمور خدمتهم، فركّزت على صفتين رأتهما في شخصيته تؤهلانه للوظيفة، يقول تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) 2.

ويقول الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: «ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ـ وفي نسخة اختيارا ـ ولا تولهم محاباة وأثرة»3 .

إن إعطاء الوظائف للمحسوبيات والمحاباة على حساب النـزاهة والكفاءة لهو سبب من أهم أسباب الفساد والخلل في الأجهزة الوظيفية والإدارية في أية مؤسسة من المؤسسات.

الرقابة والإشراف

حينما يستلم الإنسان وظيفة من الوظائف، ويجد نفسه صاحب أمر ونهي ضمن صلاحيات منصبه، ويرى تحت تصرفه إمكانيات وسلطات، فسيكون أمام امتحان حقيقي، ينجح فيه الصالحون الواعون الذين يخافون ربهم، ويخشون حسابه وعقابه، بينما يتساقط في هذا الامتحان أصحاب النفوس الضعيفة، والذين يعتبرون المنصب والوظيفة فرصة ومجالا لإشباع رغباتهم ونزواتهم، ولتحقيق مطامعهم، وتصفية حساباتهم مع الآخرين من خلال الموقع الذي تسلقوه.

وقبل أيام نقلت الصحف خبرا يعتبر عيّنة لما تعاني منه بلدان كثيرة من الفساد الإداري وسوء استخدام الوظيفة، وهو أن أحد كبار مسئولي الشرطة في بومباي/ الهند، عمد إلى إقفال مطعم صيني فخم اعتاد الأكل فيه مجانا من دون أن يدفع. وكان سبب الإقفال أن مسؤول الأمن طلب حجز طاولة، إلا أن صاحب المطعم اعتذر لأن كل الطاولات محجوزة، فما كان منه إلا أن أرسل قوة أقفلته لتأخره لمدة ربع ساعة بعد الموعد المحدد للإقفال وهو الواحدة والنصف فجرا4.

وقد يكون هذا الإنسان الموظف صالحا في بداية الأمر، لكن إغراءات المنصب، والفرص المتاحة أمامه قد تغريه، ويسوّل له الشيطان طريق الفساد، وإساءة استخدام الوظيفة، ويُلحظ أن بعض الأشخاص تطرأ على شخصيته تغييرات في سلوكه وأخلاقه بعد أن يتبوأ موقعا أو منصبا رفيعا. كما يقول تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ) 5.

ويقول الإمام علي عليه السلام: «الولايات مضامير الرجال»6 .

في مواجهة هذه الاحتمالات الواردة لابد من رقابة وإشراف على سير أعمال الموظفين، وسلوكهم في ممارسة مهامهم، ووجود الرقابة يشكل رادعا عن الانحراف، كما تُكتشف عبرها كثير من الأخطاء والمفاسد والثغرات.

ويروى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قوله: «أنه كان رسول الله إذا بعث جيشا فأمهم أمير بعث معه من ثقاته من يتجسس له خبره»7 .

وفي عهده لمالك الأشتر يوصي الإمام علي عليه السلام برقابة العمال والموظفين فيقول: «وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ـ العمال ـ فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة»8.

وقد تبلورت هذه الرقابة في تاريخ الدولة الإسلامية، وتحولت إلى مؤسسة تحمل عنوان ولاية المظالم أو ديوان المظالم، لتقوم بدور الإشراف والرقابة على موظفي الدولة وتقويم سلوكهم وممارساتهم الإدارية.

وفي العصر الحديث اعتمدت الدول الغربية هذا الاسلوب المؤسسي في الرقابة والإشراف منذ قيام الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر بعنوان مجلس الدولة، وأطلقت عليه بعض الدول "القضاء الإداري" أي بعد أكثر من ألف سنة على قيامه في الدولة الإسلامية.

كما تلعب الصحافة ووسائل الإعلام الحرة دورا أساسا في تلك الدول لملاحقة الأخطاء والمفاسد الإدارية.

الموظف وتحدي المسؤولية

للرقابة الإدارية، والإشراف الدقيق، دور في تقليص مفاسد الجهاز الوظيفي، لكن فرص الانفلات من تلك الرقابة، أو الالتفاف عليها، ليس معدوما أمام من تسوّل له نفسه خيانة الأمانة، والتلاعب بالمسؤولية، لذلك تشكو مختلف دول العالم اليوم من مشاكل الفساد الإداري، وأصبح يشكل ظاهرة عالمية.

تقول دراسة لمؤسسة "أرنست أنديونغ" للمحاسبة في لندن، حول موضوع الاحتيال على الشركات الدولية الكبرى: إنه يرتكب أربعة أعمال احتيال من كل خمسة على الشركات أشخاص يعملون في هذه الشركات، وغالبا ما يكونون موضع ثقة، وخدموا فترة طويلة. وجاءت الدراسة على شركات تعمل في (11) دولة، وشملت (17) قطاعا، وأكدت أن الاحتيال يكشف صدفة، وليس عن طريق أنظمة الضبط والتحكم المعمول بها.

كما جاء في تقرير نشر في أمريكا بتاريخ 24/12/1995م أنه تبلغ خسائر سرقة الوقت من قبل العاملين والموظفين في أمريكا (170) مليار دولار سنويا، وبمعدل تسع ساعات أسبوعيا من كل عامل وموظف، ويتساوى الرجال والنساء في معدل السرقة من وقت العمل.

لذلك فإن من أفضل وسائل مواجهة هذه المشكلة إيقاض الشعور بالمسؤولية في ذات الموظف، بحيث يدرك أن الوظيفة أمانة شرعية ووطنية في عنقه، وأن أي خيانة أو تفريط فهو محاسب عليه أمام الله تعالى، ويشكل أضرارا بمصلحة وطنه ومجتمعه.

فمن الناحية الشرعية يعتبر الموظف ملتزما بعقد يؤدي بموجبه عملا معينا ليستحق عليه أجرة محددة، وهو مؤتمن على مصالح وإمكانات يتحمّل مسؤولية الحفاظ عليها واستخدامها في مواردها المقررة بحسب نظام العمل.

إن التقصير في القيام بمهام الوظيفة والعمل بسبب الكسل وحب الراحة، والانشغال بالأمور الشخصية في وقت العمل هو حرام شرعا لما فيه من تفويت لمصالح الناس، حيث يعاني الكثير من المواطنين من مماطلة بعض الموظفين وتأخير إنجاز معاملاتهم، وإيذائهم بتكرار مراجعاتهم للدوائر، مع إمكان إنهاء المعاملة فورا وبوقت أقصر وأسرع.

وإلى جانب حرمة تفويت مصالح الناس وإيذائهم، فإن هناك إشكالا شرعيا فيما يستلمه من راتب وأجر مقابل هذا الوقت المضاع، إن كل يوم من أيام العمل وكل ساعة من ساعاته، يتغيّب فيها العامل أو يهدرها دون عذر مشروع، فإن المبلغ الذي يقابل ذلك الوقت من راتبه لا يحل له شرعا.

وقد قدم للإمام السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله الاستفتاء التالي:

هل يجوز للعامل أو الموظف في الدائر الحكومية أن يتغيّب بصورة عذر كاذبة أو بدون ذلك في أيام بعض المناسبات الدينية؟

فأجاب: إذا كان خلاف النظام، ويأخذ مع ذلك راتب وظيفته فلا يجوز.10 .

كما سئل المرجع الديني السيد علي السيستاني عن حكم تأخر الموظف أو المدرس عن الدوام بفارق 15 دقيقة أو 30 دقيقة فأجاب حفظه الله:

لا يجوز له ذلك ولا يستحق الراتب المقرر له بمقدار ما تخلّف عن أداء وظيفته.11.

كما أجاب على سؤال حول مخالفة النظام الإداري بما يلي:

لا يجوز للموظف المذكور كغيره من الموظفين التخلف عن الأنظمة التي التزم بتطبيقها بموجب عقد توظيفه ما لم تشتمل على محرّم 12.

وتشدد التعاليم الإسلامية على النـزاهة والأمانة تجاه الإمكانيات المرتبطة ببيت المال وثروة الشعب والوطن، فلا يجوز للموظف أن يستخدم شيئا منها لمصالحه الشخصية خارج النظام والقانون.

هكذا يربي الإسلام أبناءه على احترام المصالح العامة، والوفاء بالتعهدات، والأمانة في أعمالهم ووظائفهم.

فالوظيفة في منطق الإسلام ليست موردا للكسب والربح فقط وإنما هي قبل ذلك أمانة ومسؤولية. كما يقول الإمام علي عليه السلام في كتابه لواليه على أذربيجان أشعث بن قيس: «وأن عملك ليس لك بطعمه ولكنه في عنقك أمانة»14.

الموظف وأخلاق التعامل

يرى بعض الموظفين نفسه في موضع قوة وقدرة، وأن مصالح وقضايا للناس مرتبطة بقراره وتوقيعه وعمله، مما قد يخلق لديه شعورا بالتعالي على الناس، واستغلال حاجتهم له ضمن واجبه الوظيفي، ويحصل في أحيان كثيرة أن يطبق الموظف القانون بتعسّف وصلافة تجرح مشاعر الناس، وتسيء إلى كرامتهم وحقوقهم.

وينتج ذلك إما من وجود عقد نفسية عند الموظف، أو لعصبية انتماء قبلي أو مذهبي، أو لتصفية حسابات أخرى بينه وبين بعض المراجعين، أو ما أشبه ذلك.

إنه في هذه الحالة يسيء إلى الجهة التي ائتمنته على الوظيفة، ويخون مصالحها، كما يحمّل نفسه الوزر والإثم من قبل الله تعالى.

وقد ركز الإمام علي  عليه السلام على جانب التعامل مع الناس من قبل موظفي الدولة ومسئولي الأجهزة الحكومية في عهده لمالك الأشتر حينما ولاه مصر، حيث كتب له قائلا: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سَبُعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»8. وفي كلامه عليه السلام إشارة هامة إلى احترام الجانب الإنساني للمواطنين وإن اختلف الانتماء الديني.

إن الناس بطبيعتهم يستثقلون القوانين والأنظمة بشكل عام، وإن كانت ضرورية لتنظيم الأمور، فإذا ما أضاف الموظف بسوء أخلاقه عليهم ثقلا آخر، فإن ذلك يحدث في نفوسهم السخط والنقمة، وينفّرهم من النظام والقانون.

الإتقان والإخلاص في العمل

وكمواطنين يهمنا أن تتقدم بلداننا، وأن تنتظم شؤون حياتنا وتتطور إلى الأفضل، فإن كل واحد منا يتحمّل جزءا من المسؤولية في إنجاز هذا الهدف الهام. إن التخلف والمشاكل تحصل بسبب اجتماع وتراكم حالات الإهمال والتسيب والتقصير، فغياب موظف هنا، ومماطلة آخر هناك، وتقصير مسؤول في هذا الموقع، ومحاباة آخر في ذلك الموقع.. من مجموع هذه الممارسات والنواقص يحصل الخلل، وتتأثر مصالح الوطن والمواطنين.

إن أخطاءً قد تحصل في مؤسسات صحية عامة أو خاصة، بسبب الإهمال والتقصير، فتذهب ضحيتها أرواح مواطنين أعزاء، أو إصابتهم بإعاقات وأمراض خطيرة.

وإن تخلفا وتدنيا في مستويات بعض الطلاب مما يؤثر على مستقبلهم الدراسي قد ينتج عن تساهل وتقصير من بعض المدرسين، أو الإداريين في المؤسسات التعليمية.

وإن تعثرا في حركة التصنيع والإنتاج، أو سوءً وتخلفاً في صفات منتجات متداولة تضر بالناس، قد يكون بسبب خلل وإهمال في تطبيق القوانين والأنظمة من قبل الموظفين المعنيين.

وهكذا فإن حياة المواطنين وصحتهم ومستقبل أبنائهم وحركة إنتاجهم ومختلف شؤونهم.. وسيادة القانون والنظام في البلاد، كل ذلك يرتبط بمدى إتقان الموظفين لأعمالهم الموكولة إليهم، وإخلاصهم في أدائها.

إن أوطاننا وثرواتنا ومستقبلنا أمانة في أيدينا جميعا فلنتق الله في أنفسنا ومجتمعنا وبلادنا، وإن التدين الصحيح يجب أن يظهر أثره في أداء الأمانة والقيام بالواجبات والمهام في خدمة المصلحة العامة. 15


الهوامش:

1. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 55، الصفحة: 242.

2. القران الكريم: سورة القصص (28)، الآية: 26، الصفحة: 388.

3. الموسوي: الشريف الرضي/ نهج البلاغة/ كتاب رقم53.

4. الحياة ص6 بتاريخ21جمادى الثاني1421هـ الموافق 19سبتمبر2000م.

5. القران الكريم: سورة العلق (96)، الآية: 6 و 7، الصفحة: 597.

6. الموسوي: الشريف الرضي/ نهج البلاغة – قصار الحكم.

7. السبحاني: الشيخ جعفر/ معالم الحكومة الإسلامية ص602 الطبعة الأولى 1984م دار الأضواء – بيروت.

8. a. b. الموسوي: الشريف الرضي/ نهج البلاغة – كتاب رقم53.

9. السبحاني: جعفر/ معالم الحكومة الإسلامية ص604.

10. الخوئي: السيد أبو القاسم/ صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات ج2 ص300 مسألة رقم942.

11. السيستاني: السيد علي/ أجوبة المسائل الدينية/ مكتب سماحته بدمشق ص64 مسألة110.

12. المصدر السابق/ مسألة 111.

13. الحائري: الشيخ جعفر/ أجوبة المسائل الشرعية ص113 مسالة 401.

14. الموسوي: الشريف الرضي/ نهج البلاغة/ كتاب رقم5.

15. صحيفة اليوم 22 / 1 / 2002م.

2021/10/18