لكل سؤال جواب

«نادِ علياً مُظهِرَ العجائب».. هل هو دعاء أم حديث أم نص شعري؟!

تتداول العديد من العبارات والأدعية التي قد يختلط على الناس أصلها ومصدرها، ومن بين هذه العبارات الشهيرة التي انتشرت عبر الأجيال: "نادِ علياً مُظهِرَ العجائب". فما حقيقة هذه المقولة؟ وهل هي حديث نبوي أم دعاء مأثور أم شيء آخر؟

[اشترك]

الحقيقة التي ينبغي توضيحها ابتداءً هي أن هذه العبارة "ليست حديثاً نبوياً ولا رواية منقولة عن الرسول (ص) أو أحد أهل البيت (ع)". إنما هي أبيات شعرية يتداولها الناس، وقد ذكرها بعض العلماء ضمن ما يُعرف بالمجرَّبات لقضاء بعض الحوائج.

من بين العلماء الذين وثّقوا هذه الأبيات الشيخ إبراهيم الكفعمي في كتابه المصباح، حيث قال: "ورأيتُ بخطِّ الشهيد (رحمه الله): ذَكَرَ لردِّ الضائع والآبق تكرار هذين البيتين:

نادِ عليًّا مُظهِرَ العجائب ** تجدْه عونًا لكَ في النوائب

كلُّ همٍّ وغمٍّ سينجلي ** بولايتك يا عليٌّ يا عليٌّ يا علي"

الملاحظ في نقل الكفعمي أنه عبّر عن هذه المقولة بوصفها "بيتين" من الشعر، ولم ينسبها لأحد من أهل البيت (ع) ولم يصفها بأنها حديث أو أثر.

من المهم التنبيه إلى أن ما يُروى من أن النبي (ص) نودي يوم أحد بهذين البيتين هو ادعاء لا أساس له من الصحة. هذه مجرد دعوى لا أصل لها ولا مستند علمي يدعمها.

هذه الأبيات الشعرية ليست دعاءً بالمعنى الدقيق، كما أنها ليست من الأذكار المأثورة. يمكن وصفها بأنها ندبة وتوسل مخترع لا يصح الإتيان به بقصد أنه وارد عن المعصومين.

مع ذلك، يجوز للمؤمن أن يتوسل بهذه الأبيات بأمير المؤمنين علي (ع) دون اعتقاد أنها نص مقدس أو دعاء مأثور.

أما وصف أمير المؤمنين علي (ع) بأنه "مُظهِر العجائب" هو وصف صحيح لا ريب فيه. فالتاريخ يشهد بالكثير من العجائب والكرامات التي ظهرت على يديه بإذن الله تعالى.

كثير من المتوسلين بالإمام علي (ع) ومقامه السامي عند ربه قد فرّج الله جل وعلا كربتهم وقضى حوائجهم، إكراماً لهذا العبد الصالح الذي اصطفاه الله تعالى وانتجبه.

التوسل بالنبي الكريم (ص) وبأمير المؤمنين (ع) وبسائر أهل البيت (ع) أمر مشروع بل هو راجح ومستحب. ولا يشترط في التوسل أن يكون بصيغة خاصة، بل يصح بكل صيغة صحيحة وبكل لغة يتكلم بها المؤمن.

مع ذلك، فإن الأفضل الاقتصار على المأثور عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) من الأدعية والأذكار الثابتة.

"نادِ علياً مُظهِرَ العجائب" هي أبيات شعرية شاعت بين الناس وذكرها بعض العلماء ضمن المجربات، وليست حديثاً نبوياً ولا دعاءً مأثوراً. يجوز التوسل بها دون اعتقاد أنها وردت عن المعصومين، على أن الأفضل الاقتصار على ما ثبت من الأدعية المأثورة.

2025/05/11
مُرافق سرّي: ماذا تعرف عن «القرين»؟!

كان الشيخ مؤيد في حلقة الدرس التي عقدها في مسجد الحي عندما كان يتلو آيات من القران الكريم توقف عند قوله تعالى: "وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ".

رفع أحد الطلاب يده متسائلاً: "من هو القرين المذكور هنا يا شيخنا؟ أهو الشيطان أم الملك؟" ابتسم الشيخ وقال: "سؤال عميق يفتح لنا بابًا واسعًا لفهم العالم الخفي الذي يحيط بالإنسان في كل لحظة من حياته..."

[اشترك]

القرين في المفهوم القرآني

تُعد كلمة "القرين" من المفردات ذات الدلالات المتعددة في القرآن الكريم، فقد استخدمها النص القرآني للإشارة إلى كائنين روحانيين يرافقان الإنسان في رحلة حياته: الشيطان الذي يغوي الإنسان من جهة، والملك المُكلف بتسجيل أعماله من جهة أخرى.

تجلت الإشارة القرآنية للقرين الشيطاني بوضوح في سورة الزخرف، حيث يقول الله تعالى: "وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَنِ نُقَيِّض لَهُ شَيطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ"، ثم يصور مشهد الندم والحسرة عند لقاء هذا الإنسان بقرينه يوم القيامة: "حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعدَ المَشرِقَينِ فَبِئسَ القَرِينُ".

كما نجد إشارة أخرى إلى هذا القرين الشيطاني في سورة ق، حيث يتبرأ الشيطان من إغواء الإنسان: "قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطغَيتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ".

أما القرين المَلَكي، فقد أشار إليه القرآن في قوله تعالى: "وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ"، وهو الملك الذي يحفظ على الإنسان عمله ويسجله بدقة متناهية.

الوسواس الخنّاس

يبدو من خلال التأمل في النصوص القرآنية أن الوسواس يمثل صنفًا مختلفًا عن القرين الشيطاني، إذ تتمحور وظيفته حول الوسوسة في صدور الناس بشكل محدد. وفي هذا السياق، تأتي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) توضح هذه الثنائية، حيث قال: "ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان، أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: (وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنهُ)".

ومن الناحية اللغوية، يشير أصل كلمة "الوسواس" إلى الصوت الخفي أو حديث النفس، ويشمل مفهومه كل ما يخطر على قلب الإنسان من خواطر وأفكار عابرة.

الكرام الكاتبون: رصد دقيق لتفاصيل الحياة

أما الملائكة المعروفون بـ"الكرام الكاتبين"، فهم ملائكة الأعمال الموكلون بإحصاء أفعال البشر. ويرافق كل إنسان ملكان: أحدهما مختص بتسجيل الحسنات والأعمال الصالحة، والآخر مسؤول عن تدوين السيئات والأفعال السلبية.

وقد عُرفا في التراث الإسلامي باسمي "رقيب وعتيد"، حيث يتولى "رقيب" مهمة كتابة الحسنات، بينما يختص "عتيد" بتسجيل السيئات. ومن اللطائف المنقولة في هذا الباب أن "عتيد" لا يُسجّل شيئًا إلا بعد شهادة "رقيب"، ما يشير إلى أن كاتب الحسنات يتمتع بمرتبة أعلى من نظيره المسؤول عن تسجيل السيئات.

وهكذا، تقدم لنا الرؤية القرآنية صورة متكاملة عن المحيط غير المرئي الذي يرافق الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، سواء في شكل قرين شيطاني يحاول إغواءه، أو قرين ملكي يسجل أعماله، أو وسواس يهمس في صدره بالشر، أو ملك يلهمه الخير ويرشده إلى طريق الصلاح.

2025/05/06
بيع الوهم: هل يستطيع الإنسان تسخير الملائكة لخدمته؟!

في زاوية مظلمة من سوق شعبي قديم، جلس رجل يلتف حوله بضعة أشخاص يستمعون بلهفة. عيناه تلمعان بثقة زائفة وهو يهمس: "عندي القدرة على أمر الملائكة... يطيعونني دون تردد".

يضع أمامهم خرزات غريبة وأوراقاً مكتوبة بحروف مبهمة، ويطلب مبالغ كبيرة مقابل وعود بتسخير قوى علوية لخدمتهم. هذا المشهد المتكرر في أماكن مختلفة يثير سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لبشر أن يتحكم بالملائكة كما يدّعي هؤلاء المشعوذون؟

[اشترك]

هناك من يدَّعي بأنَّه قادرٌ على تسخير الملائكة، وأنَّها حينئذٍ تكون مؤتمرة بأمره ونهيه ولا قُدرة لها على مُخالفته ثُمَّ إنَّه يدَّعي أنَّه يأمرها بإبطال السّحر أو إيقاع ضرر أو نفع على إنسان أو جانّ، فهل أنّ هذه الدّعوى صحيحة؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

هذه الدَّعوى باطلة والمُدَّعي لها كاذب أو واهم فالملائكة ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ / لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾(1)، كما وصفهم القرآن بذلك وهو ما يُعبِّر عن عصمتهم وتمحُّض طاعتهم لله جلَّ وعلا قال تعالى يصفّ الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(2).

الهوامش:

1- سورة الأنبياء / 26-27.

2- سورة النحل / 50.

2025/04/28
قطعُ الأعناق ولا قطع الأرزاق.. مثَل شائع أم رواية؟!

قطعُ الأعناق ولا قطع الأرزاق" مَثَلٌ شائع بين الناس، يُعبّر في ظاهره عن شدّة قُبح السعي في قطع أرزاق الآخرين. يستخدم هذا المثل أسلوب التشبيه البلاغي لإيصال فكرة خطورة حرمان الناس من مصادر رزقهم ومعيشتهم.

إذا كان الغرضُ من تشبيهِ قطع الأرزاق بقطعِ الأعناق هو المبالغة والتعبير عن شدّة قُبح وشناعةِ حرمان الناس من أرزاقهم، فهذا المضمونُ صحيحٌ ومقبول. فمن أغراض التشبيه في البلاغة العربية المبالغة، وهي الأكثر شيوعاً في استعمالات التشبيه.

[اشترك]

تتحقق المبالغة عادة بتشبيه الشيءِ بما هو أكملُ منه وأشدُّ وأظهرُ في وجه الشبه. فعندما نقول: "زيدٌ كالشمس"، فإننا نعبّر عن جماله وبهائه بتشبيهه بالشمس للمبالغة، وليس للادّعاء بأن جماله مساوٍ تماماً لجمال الشمس وبهائها.

تقييم المساواة بين الطرفين

ولكن إذا كان المرادُ من هذا المَثَل الشائع هو إثبات المساواة بين قطع الأرزاق وقطع الأعناق، أو الادّعاء بأن قطع الأرزاق أشد وأخطر من قطع الأعناق، فهذا المعنى غير صحيح.

فإنّ قطع الأرزاق، رغم قبحه وشناعته، لا يرقى إلى مستوى قطع الأعناق في القُبح والشناعة، كما أنه لا يصل إلى مستوى قطع الأعناق في الحرمة الشرعيّة. فقطعُ الأعناق (القتل) أشدُّ حرمةً عند اللهِ تعالى من قطعِ الأرزاق.

هناك صياغةٌ أخرى للمثَل قد تكون أكثر دقة وانضباطاً، وهي: "قطعُ الأرزاق مِن قطع الأعناق".

مفادُ هذه الصياغة هو اعتبار قطع الأرزاق من مصاديق قطعِ الأعناق على سبيل المبالغة. فالمقصود أن مآلَ قطعِ الأرزاق عن الناس وحرمانِهم من أقواتِهم ومعائشِهم قد يؤدي في النهاية إلى هلاكهم.

وبهذا المعنى، فإن الحكم على الناس بقطع الأرزاق يشبه الحكم عليهم بالإعدام وقطع الأعناق، لأن النتيجة النهائية قد تكون واحدة في بعض الحالات، وهي الموت.

2025/04/05
هل يحقق الإسلام «السلام العالمي»؟

يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهذه الحقيقة الربانية تؤكد لنا أن الإسلام هو الشريعة الإلهية الخاتمة التي جاءت لتكون منهاجاً كاملاً للبشرية. فهو دين يتميز بالشمولية في تنظيم حياة الإنسان على المستوى الفردي والاجتماعي والسياسي، كما يتميز بصلاحيته للبقاء عبر الزمان والمكان دون أن تعتريه التغييرات أو التبديلات.

[اشترك]

وحيث إنه خاتمة الشرائع السماوية، ولا نترقب شريعة أخرى لإصلاح البشر المنغمسين في الظلم والفساد، فلا بد أن يأتي يوم يقوى فيه الدين الإسلامي ليشمل المعمورة بعدله وقوانينه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

ولو نظرنا إلى الآثار المترتبة على التطبيق الصحيح والكامل للشريعة الإسلامية، لوجدنا أنها كفيلة بتحقيق السلام العالمي، وإسعاد البشرية جمعاء، وإيصال الإنسان إلى أقصى درجات الرفاه والعزة. كما أنها تضمن انقشاع الظلم من الدنيا، وسيادة المحبة والإخاء بين الناس أجمعين، ومحو الفقر والفاقة من صفحة الوجود.

لكن الواقع المؤلم الذي نشهده اليوم عند من يسمون أنفسهم بالمسلمين يكشف حقيقة مرة، وهي أن الإسلام لم يُطبق بنصه وروحه منذ القرن الأول الهجري. فما نراه من تخلف وانحطاط ليس نتيجة التمسك بالدين، بل هو ثمرة مرة للتمرد على تعاليمه والاستهانة بقوانينه. فقد انتشر الظلم والعدوان في المجتمع الإسلامي من أعلاه إلى أدناه، من الملوك إلى الصعاليك، ومن الخاصة إلى العامة، مما أدى إلى شلل حركة التقدم، وإضعاف القوة، وتحطيم المعنويات.

يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقد صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾، و﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، و﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

وكيف يمكن للدين أن ينتشل الأمة من وهدتها وهو لديها مجرد حبر على ورق، لا يُطبق منه حتى أقل القليل من تعاليمه؟ فالأسس الأولية للإسلام من إيمان وأمانة وصدق وإخلاص وحسن معاملة وإيثار، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، قد هجرها المسلمون منذ زمن بعيد.

وكلما تقدم الزمن، تفرق المسلمون إلى أشتات وأحزاب وفرق متناحرة، يتكالبون على الدنيا، ويتطاحنون على الأوهام، ويكفّر بعضهم بعضاً بسبب آراء غامضة أو أمور لا تعنيهم. فانشغلوا عن جوهر الدين ومصالحهم بنزاعات عقيمة حول مسائل كخلق القرآن، والوعيد والرجعة، وهل الجنة والنار مخلوقتان أم سيُخلقان.

وازداد الانحراف مع مرور الزمن حتى غرق المسلمون في الجهل والضلال، وانشغلوا بالتوافه والقشور، والخرافات والأوهام، والحروب والمجادلات والمباهاة. وفي خضم هذه الغفلة، تمكن الغرب المتيقظ - العدو اللدود للإسلام - من استعمار البلاد الإسلامية ورميها في هوة سحيقة لا يعلم مداها إلا الله تعالى.

ولا سبيل للخلاص من هذا الواقع المرير إلا بمحاسبة النفس والعودة الصادقة إلى تعاليم الدين. فعلى المسلمين النهوض لتهذيب أنفسهم والأجيال القادمة وفق التعاليم الإسلامية القويمة، ليمحوا الظلم والجور من بينهم. وحينها سيتمكنون من النجاة من هذه الطامة العظمى، وسيملؤون الأرض قسطاً وعدلاً كما وعد الله تعالى ورسوله في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.

وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أن المهدي من ولد فاطمة سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. فلا بد من إمام ينفي عن الإسلام ما علق به من أوهام وبدع وضلالات، وينقذ البشرية مما وصلت إليه من فساد شامل، وظلم دائم، وعدوان مستمر، واستهانة بالقيم الأخلاقية والأرواح البشرية. عجل الله فرجه وسهل مخرجه.

مقتبس بتصرّف من كتاب عقائد الإمامية، للشيخ محمد رضا المظفر

2025/02/23
هل تصدّق أن إبليس يحب علي بن أبي طالب؟!

خاص لـ "موقع الأئمة الاثني عشر": سؤال مثير حول روايتين لافتتين وردتا في كتابي "علل الشرائع" و"الأنوار النعمانية" تتحدثان عن علاقة غريبة بين إبليس - عليه اللعنة - وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

نص السؤال: وردت هناك روايتان في علل الشرائع 1/210 وفي الأنوار النعمانية 2/168 مفادهما أن إبليس عليه لعنة الله يحب الإمام علي (عليه السلام) بل هما صريحتان في ذلك فهل هما صحيحتان سندا؟ وهل هم مضمونهما صحيح؟

[اشترك]

وفي الجواب، دعونا ننظر لهذه المسألة بنظرة تحليلية:

أولاً: الروايتان تحت المجهر

- الرواية الأولى: جاءت عن جابر بن عبد الله الأنصاري

- الرواية الثانية: نُقلت عن سلمان الفارسي، وهي التي صرّحت بقضية "الحب" المزعوم

في دراسة السند، يتبين لنا ضعف كلتا الروايتين:

فرواية سلمان الفارسي تعاني من علتين:

- الإرسال في السند

- وجود رواة مهملين كعمير بن مرداس الدوانقي وجعفر بن بشير المكي

أما رواية جابر، فحالها ليس بأفضل، إذ يظهر في سندها راويان مهملان:

- عمرو بن منصور

- يعقوب بن إسحاق

والسؤال الأهم: ماذا عن المضمون؟

[اشترك]

معظم ما ورد في الروايتين يتوافق مع الروايات المعتبرة، لكن النقطة المثيرة للجدل تكمن في ادعاء إبليس محبته للإمام علي (عليه السلام) بقوله: "ما أنا من هو إليه ولا من شيعته ولكني أُحبّه".

وهنا نقف وقفة مهمة:

إن مجرد نقل الرواية لادعاء إبليس لا يعني تصديقه! فكيف نصدق من هو أصل الكذب والضلال؟ خاصة وقد ثبت في الحديث النبوي الشريف المروي عن بريدة وغيره قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: "فوالله لا يبغضك مؤمن ولا يُحبّك كافر".

ولنا في القرآن الكريم عبرة، حيث كشف لنا كذب إبليس في ادعائه خوف الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.

إن ادعاء إبليس محبة الإمام علي (عليه السلام) لا يعدو كونه محاولة أخرى من محاولاته الخبيثة للتلبيس والخداع، فكيف يجتمع الحب الصادق مع العداء المستحكم لله ورسوله وأوليائه؟

2025/02/20
ما حقيقة ما يعرف بـ «التابعة» التي تؤخّر الحمل؟!

السؤال: هل صحيح أن هناك مايسمى بالتابعة؟ وهل يوجد علاقة بين تأخر الحمل ومايسمى بالتابعة؟

الجواب:

لم نجد فيما صحَّ عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) انَّ تأخر الحمل وشبهه قد ينشأ عما يُسمى بالتابعة، نعم ذلك موجود في المورثات الشعبية وقد تسرَّب لها من تراث العصر الجاهلي، وكذلك من كلمات وإملاءات السحرة والمشعوذين، ونسب بعضهم ذلك للنبي (ص) زوراً وافتراء، وادعوا انَّ التابعة نوع من نساء الجن ليس لهنَّ من غاية سوى إيذاء نساء الانس، وذلك إما بعمل ما يمنعهن من الزواج أو الحمل أو بعمل ما يُوجب اجهاض الحوامل، وكذلك فهنَّ يعملن على إيذاء الاطفال والذي قد ينتهي بهم إلى الموت أو الاصابة بالفزع أو الخبل أو الصرع أو الاصابة ببعض الامراض العضوية.

[اشترك]

وكلُّ هذه الدعاوى ليس لها أساس شرعي ولا منطقي بل هي من تسويلات السحرة والمشعوذين ليأكلوا أموال الناس بالباطل تحت ذريعة المعالجة أو الوقاية من أثر ما يسمى بالتابعة والتى لاتعدو كونها من الاساطير المختلقة. قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(1) فكلَّ من تأخر زواجها أو حملها أو اُصيب ولدها بسوء فلتجأ إلى الله تعالى فانَّه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ولتعتمد الطريق الذي أمر الرسول (ص) وأهل بيته (ع) به وهو -مضافاً إلى الدعاء- الرجوع إلى أهل الإختصاص من الاطباء.

ثم إنْ عُوفيت وعوفي ولدها فذلك من فضل الله تعالى وإلا فلتصبر فإنَّ لله في خلقه شئون، وهو يجزي على الصبر والاحتساب أحسن الجزاء.

قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ / أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾(2).

الهوامش:

1- سورة يونس / 107.

2- سورة الشورى / 49-50.

2025/02/16
حروب وفتن.. هل نحن في آخر الزمان؟!

هل ما يجري في أيامنا هذه له ارتباط بالروايات حول آخر الزمان؟!

الجواب: أولاً: ليس كلّ ما يحصل يجب أن يكون قد ورد له ذكر بخصوصه في رواية مكتوبة.

ثانياً: نحن دائماً نقول: إنّ هذه النظرة ليست موجودة عندنا.

[اشترك]

فالإسلام لم يأخذ على عاتقه أن يكتب التاريخ قبل حصوله، وإنّما أخذ على عاتقه هداية الأمة ورعايتها، وإرشادها إلى ما فيه صلاحها.. وقد علم أن فتناً ستحدث في طول الزمان، وأن من المصلحة أن يُعَرِّفُهم بأنه لا ينجو من هذه الفتن إلاّ من عرفها قبل أن تقع ـ كما تقول الرّواية ـ .

والمقصود بالفتن: الأمور التي يخوض فيها الناس، ولا يعرف وجه الحق فيها، لما فيها من الشبهات والأهواء، مثل فتنة الدجّال.. فأخبر الناس بأن الدّجال سوف يأتي، وحذَّرهم من فتنته لكي لا يقعوا في المحذور الكبير، وأخبر الناس أيضاً بأن هناك من سيدعي ـ زوراً ـ المهدية لنفسه، وأنهم سيملأون الأرض قسطاً وعدلاً، فيقول الله تعالى للناس: إنّ هؤلاء كاذبون، وأنا الذي أدلّكم على المهدي، وجعلت لكم علامات تدلّكم عليه، فكلّ من ليس معه هذه العلامات لا يكون هو المهدي.

فالله يخبرنا عن هذه الأمور، أي عن الفتن الّتي يريد أن يحفظنا منها حتّى لا نقع فيها، فإن الذي ينجو منها ـ كما ورد في الرّوايات ـ هو من عرفها قبل وقوعها.

أو لأن هناك أموراً تتسبب بحالات من الضعف، والفشل، والإحباط للمؤمنين.. بحيث يحتاجون إلى أن تظهر أمور غيبيّة يلمسون من خلالها أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي يحفظهم، ويرعاهم، وذلك حين يعيشون حالة من القهر والاضطهاد، الذي لا يجدون معه سبيلاً للخلاص، أو حين تبهرهم نهضة علمية مادية هائلة، فيصل أهل الكفر إلى القمر والمريخ، ولا يجد المؤمنون أنفسهم إلا في حالة مزرية من العدم والفقر والجهل بمثل هذه العلوم..

وكذلك حين يهيمن عليهم الطغيان والطوفان الإعلامي الذي يعمل على قهرهم نفسياً، وبث روح اليأس فيهم، ويغريهم بالشبهات والأباطيل، ولا يجدون وسيلة لدمغها، لأن علماءهم مقهورون ممنوعون عن بيان الحق..

إلى غير ذلك من أسباب القهر وموجبات الإحباط، فتأتي أحداث يرون أنها مذكورة في نصوصهم الدينية على لسان نبيّهم وأئمّتهم، ولا سبيل للعلم بها إلا بالإتصال بعلام الغيوب، فتنقذهم من اليأس والفشل، وتعود السكينة لتربط على قلوبهم..

أمّا أنّ موت إسحاق رابين مثلاً قد ذكر في الرّوايات أم لم يذكر، فهذا الكلام لا مورد له، وكذلك الحال بالنسبة لذكر بعض الحروب في الروايات، فإن الحروب على طول التاريخ ما زالت قائمة، وكل يوم هناك حرب، فهناك يسقط مليون شهيد، وفي مكان آخر يسقط مليونا قتيل، وهناك حروب كونية كبرى يسقط فيها عشرات الملايين، فهل كلّ هذا يجب أن يسجّله لنا الأئمة «عليهم السلام»؟!

إن أمر الحروب واضح لكل الناس، فلماذا يُذكر في الرواية، وليست الحرب من رايات الضلال، ليبادر الأئمة إلى تحصينك منها، وهم خائفون عليك من أن تفتتن بها، بل أنت محصّن منها أصلاً، وتعرف أمثال هذه الألاعيب، وكيف يتآمر هؤلاء على البشر؟!

فلا داعي لذكر هذه الأمور، فإن الأمور الواضحة والبديهية لا يتكلم عنها الأئمة، وإنّما يتكلمون عن الأمور الغامضة، أو عن أمور يريدون حفظنا بها عندما نكون في خطر الإحباط ونتعرض لخطر الإنهيار العقائدي.

فحينها يحصّنوننا بمثل هذه الإخبارات الغيبية، وموارد هذا قليلة جدّاً في التاريخ.

المصدر: مختصر مفيد، ج15.

 

2025/02/08
ما المقصود بـ «الجنة تحت أقدام الأمهات»؟

"الجنَّة تحت أقدامِ الأُمهات" هل هو حديثٌ مأثورٌ عن النبيِّ الكريم (ص) أو أحد المعصومين من أهل بيته (ع)؟ وما هو المراد منه؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

نعم أوردَ هذا الحديثَ الشريف القطبُ الراوندي في لبِّ اللُّباب عن النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "الجنَّةُ تحتَ أقدام الأمهات" قال: وقال (صلَّى الله عليه وآله): "تحتَ أقدامِ الأمهاتِ روضةٌ مِن رياضِ الجنَّة"(1).

[اشترك]

وورد كما في المصنَّف للصنعاني والمستدرك للحاكم النيسابوري أنَّ رجلاً جاء النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إنِّي أريدُ الغزوَ، وقد جئتُك أستشيرُك، قال (ص): هل لك مِن أُم؟ قال: نعم، قال: ألزمْها فإنَّ الجنَّة عند رجلها"(2).

وفي روايةٍ أخرى أنَّ الرجل قال: أتيتُ رسول الله (ص) فقلتُ: يا رسول الله إنِّي كنتُ أردتُ الجهاد معك، أبتغي بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة، قال: ويحك أحيَّةٌ أمُّك؟ قلتُ: نعم، قال: ارجع فبرَّها .. -فأعادَ عليه الطلب- فقال (ص): "الزم رجلَها فثَمَّ الجنة"(3) أي فعند رجلِها الجنَّة.

وفي لسانٍ آخر: "الزمْها فإنَّ الجنَّة تحتَ أقدامِها"(4).

[اشترك]

مفاد الحديث الشريف:

ومفاد الحديث الشريف هو الحثُّ على الخضوع والتصاغر والانقياد للأم، فالمستظهَر من أنَّ الجنَّة تحت أقدام الأم هو أنَّ محلَّ الجنَّةِ كائنٌ عند موضعِ أقدام الأم، فمَن أراد دخولها فليطأطئ وينزل عند أقدام الأُم فمِن هناك المدخلُ إلى جنَّة الله تعالى، وفي ذلك تعبيرٌ عن أنَّ طريق الدخول إلى الجنَّة يمرُّ مِن تحت أقدام الأم.

ففي الحديث الشريف كنايةٌ عن أنَّ الخضوع والانقياد للأم وسيلةٌ لدخول الجنَّة، فالجنَّة كائنةٌ تحت أقدام الأم، وعليه فلا يُتاح الوصول والدخول إليها إلا بالانحناء والنزول عند أقدام الأم، والانحناء والنزول عند الأقدام تعبيرٌ كنائي يستعملُه العرب للدلالة على الخضوع والتصاغر والانقياد، وبذلك يكون مفادُ الحديث هو الحثّ على التواضع والتكريم للأم والنزول عند رغباتها، فليس مفادُ الحديث هو الدعوة إلى أنْ يضع الرجلُ خدَّه أو جبهته عند أو تحت أقدام أمِّه، فذلك لا يظهرُ من الحديث أنَّه بصدد الدعوةِِ إليه بل الواضحُ مِن مَساق الحديث الشريف هو أنَّه بصدد الدعوة لرعاية الأم وتكريمها والاحتفاء بها وفاءً لحقِّها الكبيرِ عليه.

فمؤدَّى الحديث هو الدعوة إلى البرِّ والإحسان للأمهات مع استشعار الامتنان وإظهار التخضُّع لهن، فإنَّ ذلك هو ما يُوحيه التعبير بجعل الجنَّةِ تحت أقدامهنَّ، فلا يكفي السعيُّ لقضاء حوائجهنَّ بل يتعيَّن التواضع لهنَّ واشعارهن بالامتنان حال القضاء لحاجاتهن.

[اشترك]

فالقضاء لحاجاتِ الأُم مع الاستعلاء عليها أو استصغارها وتوهينها لا يكون امتثالاً للحديث الشريف، وكذلك فإنَّ إظهار الاحترام للأم والتبجيل لمقامها مع التجاهل لحاجاتها لا يكون امتثالاً للحديث النبويِّ الشريف فلا يصدق الامتثال للحديث الشريف إلا بالاحسان المصاحب للتواضع والتكريم.

الهوامش:

1- مستدرك الوسائل -النوري- ج15 / ص180، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج21 / ص428.

2- المصنَّف -ابن أبي شيبة- ج5 / ص176، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج4 / ص151.

3- سنن ابن ماجه -محمد بن يزيد القزويني- ج2 / ص930.

4- جامع الأحاديث -السيوطي- ج6 / ص75.

 

2025/02/03
طرق خبيثة تستخدم لـ «تدمير الدين»!

عن الإمام عليِّ أمير المؤمنين (ع) قال: "من غشَّ الناسَ في دينِهم فهو معاندٌ للهِ ولرسولِه (ص)"(1).

كيف يتحققُ غشُّ الناسِ في دينِهم؟

الجواب:

نسبة ما ليس من الدين إلى الدين مكايدةً: 

يتحقَّقُ ذلك بأنْ يحتالَ عليهم ويخدعهم فيقدِّم لهم ما ليس من الدين على أنَّه من الدين، فالغشُ يعني الخديعة والاحتيال والتمويه والتلبيس والتدليس وهو في كلِّ شيء بحسبه، فالغشُّ في البيع مثلاً يكونُ بنحوِ إظهار المبيع الرديء في صورة الجيِّد أو إظهار المبيع على خلافِ حقيقته وواقعِه كإظهار معدن الحديد في صورة الذهب أو الفضَّة وذلك بمثل تمويهه وتغليفه.

[اشترك]

كذلك هو غشُّ الناس في دينِهم فإنَّه يكونُ بمثل نسبة شيءٍ إلى الدين وهو ليس من الدين واقعاً، ويسعى لإقناعهم بذلك من طريق تزويقِ مغالطةٍ وصياغتها في صورةِ برهان فيستدلُّ بها على دعواه من نسبة شيءٍ إلى الدين وهو ليس من الدين واقعاً.

وقد يُقنعُهم بذلك من طريق الفِرية والكذب فيختلقُ حديثاً متضمِّناً لدعواه وينسبُه للرسول الكريم (ص) أو ينسبُه كذباً لمَن يثقُ الناس بصدقِهم وتثبتهم. أو يُحيلُهم -مثلاً- على مصادرَ معتمدةٍ لدى الناس والحال أنَّها خاليةٌ من مزاعمِه ويعتمد في ذلك على أنَّ الناس لن يُراجعوا تلك المصادر أو أنَّهم لن يفهموا لو اتَّفق لهم أن راجعوها. وقد يعتمد في إقناعهم -بما نَسَبَه زوراً إلى الدين- على ثقةِ الناس بصدقِه وعلمِه وتثبُّته.

وقد يعتمدُ في إقناعهم بمزاعمِه على مثل طريق الشعوذة أو السحر أو التعاطي للعلوم الغريبة فيلبِّس عليهم ويخدعُهم ويُوهمهم أنَّه من أصحاب الكرامات وأنَّ الله تعالى يُجري المعجزات وخوارقَ العادات على يديه فيكون ذلك سبباً في تصديق الناس لمزاعمِه. فكلُّ ذلك وشبهه يكون من غشِّ الناس في دينهم.

وكذلك فإنَّ من غشِّ الناس في دينهم تفسير آيات القرآن المجيد بالرأي وبالأهواء، وتقديمُ ذلك للناس على أنَّه من مُرادات القرآن ومقاصده، ومن ذلك تأويل آيات القرآن وصرفها عن مدلولها الذي يقتضيه ظهورُها العرفي وتقتضيه قواعدُ اللغة دون الاستناد في ذلك إلى ما ثبت عن النبيِّ الكريم (ص) والأئمة المعصومين(ع) يفعل ذلك في مقام الخصومة أو للانتصار لرأيه أو مذهبه.

يقول أمير المؤمنين (ع) كما في نهج البلاغة: ".. وآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِه، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ، ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِه، وعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِه .. فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَه، ولَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْه، وذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ"(2).

إثارة الشبهات والتشكيكات بطرقٍ ماكرة:

ومن الغشِّ في الدّيِن إثارة الشبهات حول بعض القضايا الدينيَّة، فيأتي لما هو ثابتٌ من الدين بالضرورة أو هو ثابت بالأدلَّة المعتبرة فيُثيرُ حولَه الشبهات والتشكيكات دون التصدِّي لمعالجتها وتفنيدها فيكون ذلك سبباً في زعزعة ثقة الناس بدينِهم أو ببعض قضاياه، فذلك من أجلى مصاديق غشِّ الناس في دينهم. فمثلُ هؤلاء أضرُّ على الناس من جيش يزيد كما ورد ذلك في الاحتجاج عن الإمام العسكري (ع) قال: في صِفَةِ عُلَماءِ السَّوءِ-: ".. هُم أضَرُّ عَلى ضُعَفاءِ شيعَتِنا مِن جَيشِ يَزيدَ عَلَى الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ (ع) وأصحابِهِ .. وهؤُلاءِ عُلَماءُ السَّوءِ النّاصِبونَ المُتَشَبِّهونَ بِأَنَّهُم لَنا مُوالونَ، ولأعدائِنا مُعادونَ، يُدخِلونَ الشَّكَّ والشُّبهَةَ عَلى ضُعَفاءِ شيعَتِنا فَيُضِلّونَهُم ويَمنَعونَهُم عَن قَصدِ الحَقِّ المُصيبِ .."(3).

السخرية والاستهزاء بالقضايا الدينيَّة وحمَلَة الدين:

ومن الغشِّ في الدين السخرية والاستهزاء ببعض القضايا الدينيَّة أو الأحكام الشرعيَّة أو السخرية والاستهزاء بحمَلَة الدين فيكون مآل ذلك إضعاف تمسُّك الناس بدينهم، وقد حذَّر القرآنُ المجيد من ذلك في أكثر من موضع.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾(4).

ومنها: قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ / وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ / لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾(5).

الإغراء بالمعصية بتزيينها أو تهوينها والتشجيع عليها:

ومن الغشِّ في الدين الإغراء بالمعصية وذلك من طريق تزيينها لعوام الناس أو تهوينها وتصغيرها أو التشجيع عليها بوسائل ماكرة فيأخذ من يفعل ذلك دور الشيطان الذي أخبر القرآن عنه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(6) وقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ .. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾(7).

قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾(8). فهم إنَّما يأمرون بالمنكر بعد أن يُلبسونَه لباسَ المعروف ويُضفون عليه بمكرِهم ما يُوجبُ تزيينه وتحسينه والإغراءَ به، وكذلك فهم حين ينهونَ عن المعروف فإنَّهم يعملون على التنفير منه والتزهيد في مزاولته وذلك من طريق التخويف من عواقبه الموهومة أو إظهاره في صورة الفعل المنافي -بزعمهم- لمقتضيات التعقل والحكمة، أو القول بأنَّ الظروف والأحوال قد تغيرت فلم يعُد هذا الفعل معروفاً كما كان عليه قبل تجدُّد الظروف والأحوال وبهذه الوسائل الماكرة وشبهها يزيِّنونَ للناس ما هو قبيح ويدفعونهم لمقارفته ويصرفون الناس عن فعل ما هو حسَن وذلك بالتنفير منه والتزهيد فيه. وقد وصف الإمامُ عليٌّ(ع) في نهج البلاغة مثل هؤلاء بقوله: "ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ .. يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ويُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وفِيهَا وَقَعَ، ويَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَه - ولَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْه وذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ"(9).

وخلاصة القول: إنَّ غشَّ الناس في دينهم يكونُ بمثل التلبيس على الناس بنسبة شيءٍ إلى الدين وهو ليس من الدين واقعاً كما هو شأن المبتدعة ويكون بمثل إثارة الشبهات والتشكيكات حول القضايا الدينيَّة كما يفعل ذلك أهل الرِيَب، ويكون بمثل السخرية والاستهزاء ببعض القضايا الدينيَّة أو الأحكام الشرعيَّة أو السخرية والاستهزاء بحملَة الدين ويكون بمثل الإغراء بالمعصية من طريق تزيينها لعوام الناس أو تهوينها وتصغيرها أو التشجيع عليها بوسائل ماكرة. ويفعل ذلك والذي سبقه المنافقون والمنافقات كما نصَّ على ذلك القرآن المجيد.

الهوامش:

1- عيون الحكم والمواعظ -علي بن محمد الليثي الواسطي- ص462.

2- نهج البلاغة الإمام علي (ع) -تحقيق صبحي الصالح- ص118.

3- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص264.

4- سورة النساء / 140

5- سورة التوبة / 64-66.

6- سورة الحجر/ 39.

 7- سورة النساء / 119-120.

8- سورة التوبة / 67.

9- نهج البلاغة الإمام علي (ع) -تحقيق صبحي الصالح- ص118.

2025/01/08
هل يوجد «دليل عقلي» على أن القرآن منزّل من الله؟!

كيف يقوم الدليل العقلي على أنّ القرآن هو منزل من اللَّه تعالى، وينفي أن يكون من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين. نعم إنّ العقل ينفي أن يكون القرآن من شخص الرسول صلى الله عليه وآله لكونه اُمّياً، لم يدرس ولم يتعلّم من أحد. ولكنّه لم يقم على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى دليل عقلي.

[اشترك]

الجواب: يحتوي السؤال على نقاط:

1 ـ إنّ القرآن الكريم، ليس من صُنْع الرسول صلى الله عليه وآله لأنّه كان اُمّياً لم يدرس ولم يتعلّم عند أحد، فالعقل يمنع أن يكون القرآن منه.

2 ـ احتمال أن يكون القرآن من صُنْع الجنّ الصالحين أو الملائكة.

3 ـ لم يدلّ العقل على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى.

أمّا النقطة الاُولى: فالقرآن ليس من صنع الرسول صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك ليست هي الاُمّية فقط، لأنّ مَن لم يكن اُمّياً، حتّى لو كان من كبار العلماء، لم يتمكّن من الإتيان بمثله. فالاُمّية ليست هي الدليل الوحيد على ذلك، بل هي ـ لو ثبتت بهذا المعنى ـ ملزمة للآخرين الذين كانوا يثيرون الشُبَهَ ضدّ القرآن، بأنّه « علّمه بعض الأعجمين ». بل الدليل على ذلك هو إعجاز القرآن ـ الذي ثبت بالعيان ـ فَعَجَزَ عن معارضته جميع بني الإنسان حتّى العلماء العظام من أهل الأديان.

ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله نفسه أعلن عن عدم كونه منه، وهذا الإقرار منه أدلّ على نفيه، من دون حاجةٍ إلى مثبت أو قافٍ، لنفوذه عليه بلا ريب، وهو الصادق الأمين قبل البعثة بالنبوّة، ولو ادّعاه لم يكن لأحدٍ أن يكذّبه. هذا كلّه، مع أنّ الاُمّية بمعنى عدم معرفة الكتابة والقراءة، ممّا لم تثبت للنبي صلى الله عليه وآله ولعلّ في نسبتها إليه إساءةٌ بمقامه الشريف، الذي يفرض عليه أن يكون أكمل الناس، والكتابة كمال بلا ريب حتّى عند أهل الجاهلية الذين كانوا يسمّون من يعرفها بالكامل، فكيف لا يكون النبيّ صلى الله عليه وآله عارفاً بها؟! والاُمّية، نسبة إلى « اُمّ القرى » وهي مكّة المكرّمة، كما أنّ عدم قيامه بالكتابة، وعدم قراءته للكتاب، لا يستلزم عدم معرفته صلى الله عليه وآله لهما، فإنّه أعمّ. وقد دلّت حوادث من السيرة على مزاولته صلى الله عليه وآله لهما بعد البعثة.

وأمّا النقطة الثانية: فاحتمال أن يكون القرآن من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين. فلا ريب أنّ الصلاح الثابت لهم يمنع أن يقوم هؤلاء بأمرٍ من غير اللَّه، ﴿... بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ 1 ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ... ﴾ 2.

مع أنّ الإعجاز الثابت للقرآن يعمّ تحديه كلّ المخلوقات التي يمكنها صنع الكلمات والجمع، ولذلك قال تعالى: ﴿... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾ 3.

فكلّ من هو غير اللَّه، ينتفي عنه الإتيان بمثل هذا القرآن، ولذلك عمّم القرآن نفسه التحدّي به فقال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ 4 فكيف بالجنّ وحدهم؟.

مع أنّ مثل هذه الدعوى رَجْمٌ بالغيب، وممّا لا يثبته دليل، وليس له في عالم الوجود مثيلٌ، والقرآن بنصاعة نصّه، وروعة بيانه، وعمق برهانه، وكمال هديه، أرفع من أن ينسب إلى هذه الخرافات. وبعد ثبوت حجّيته، فهو المنادي بوضوح العبارة أنّه من اللَّه منزل، وإلى نبيّه مرسل، نزل به الروح الأمين، شديد القوى، على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله.

وأمّا النقطة الثالثة: فالعقل إنّما يُثبت الكلّيات، ولا يتنزّل إلى المفردات، مثلاً: العقل لا يثبت أنّ زيداً ولده والداه، ولا دليل له على ذلك ولا طريق، ولكنّه يثبت أنّ زيداً لابدّ أن يولد من والدين من اُمّ وأب، وبما أنّ أحداً لم يدّع ولادة زيد سوى أبويه، وأنّ أقاربه يشهدون ويقرّون بذلك، ولم يعارضهما أحد، وأنّ زيداً نفسه يُصرّح وينادي بذلك، فالعقل لا ينفي هذا الموجود من نسب زيد. وإذا انحصرت الطرق في ذلك، أقرّ العقلاء به، أمّا أن يكون هناك دليل عقليّ ـ مثل النقيضان لا يجتمعان ـ على أنّ زيداً هو مولود من كلّ من الأب المعيّن والاُمّ المعيّنة، فليس من شأن العقل ذلك، ولا طريق له إليه. والقرآن، وهو هذا النصّ الخاصّ، المعجزة التي يعجز عن الإتيان بمثله أي أحد من البشر أو الجنّ أو الملائكة، لابدّ أن يكون له مصدر فوق هؤلاء، وهو ـ أي القرآن ـ ينادي أنّه من اللَّه ووحيه، والرسول الذي جاء به وصدع ببيانه ونشره وجاهد في حفظه وتثبيته وكتابته، لم يدّع أنّه من صنعه، بل نسبه إلى اللَّه تعالى ووحيه.

فلم تبقَ دعوى اُخرى تعارض هذه النسبة، أو تنافيها، فلابدّ للعقلاء أن يعترفوا بها ويسلّموا لها. وهذا هو الدليل العرفي والعقلائي على إثبات الجزئيات، التي لا طريق للعقل إلى دركها 5.

الهوامش:

  1. القران الكريم: سورة الأنبياء ( 21 )، الآية: 26، الصفحة: 324.
  2. القران الكريم: سورة الأنبياء ( 21 )، الآية: 27، الصفحة: 324.
  3. القران الكريم: سورة النساء ( 4 )، الآية: 82، الصفحة: 91.
  4. القران الكريم: سورة الإسراء ( 17 )، الآية: 88، الصفحة: 291.
  5. نشرت هذه الاجابة في الموقع الرسمي لسماحة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي تحت عنوان: الإجابة السديدة عن الأسئلة السيدة الرشيدة: السؤال الثالث.
2025/01/05
أمك ماتت.. اكتشف سر بكاء وضحك الطفل في مهده!

السؤال: نرى الأطفال يضحكون ويبكون في المهد وهم نائمون ولا ندري ما السبب، فتعتقد بعض النساء بأن هذا (اوخية او غزيل) يقول للطفل أمك ماتت يضحك ويقول له أبوك مات فيبكي، فما قصة بكاء الأطفال وضحكهم؟ لأني أعتقد بأنهم يرون حياتهم فيرون أشياء تبكيهم وأشياء تضحكهم، هل هذا صحيح؟

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

الطفل له مشاعر وأحاسيس ومستوى من الإدراك، فإذا شعر بالضيق عبَّر عنه بالبكاء، وإذا شعر بالارتياح عبَّر عنه بالابتسام أو الضحك ولا معنى لما ذكرتموه، فهو من حديث الخرافة.

2024/12/25
يفك طلاسم الغيب: ما حقيقة ما يعرف بـ «علم الجفر»؟!

ليس لما يُسمَّى بعلم الجفر اعتبارٌ ولا يصحُّ ترتيب الأثر على نتائجه، ودعوى انتسابِه للإمام عليٍّ (ع) أو للإمام الصادق (ع) لم تثبت.

[اشترك]

الجفر الوارد أنَّه من مواريث النبوَّة:

نعم ورد في مصادرنا أنَّ من مواريث النبوَّة كتاب الجفر وهو من مختصَّات النبيِّ الكريم (ص) والأئمة من أهل بيته (ع) لا يعلمُ بمضامينه غيرُهم.

فممَّا ورد في ذلك ما رواه الكليني بسندٍ صحيح عن أَبِي بَصِيرٍ عن أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): ".. قَالَ: وإِنَّ عِنْدَنَا الْجَفْرَ ومَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَفْرُ قَالَ: قُلْتُ: ومَا الْجَفْرُ؟ قَالَ: وِعَاءٌ مِنْ أَدَمٍ، فِيه عِلْمُ النَّبِيِّينَ والْوَصِيِّينَ وعِلْمُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل .."(1).

ومن ذلك: ما رواه الكليني بسندٍ موثَّق عن نُعَيْمٍ الْقَابُوسِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) أَنَّه قَالَ: إِنَّ ابْنِي عَلِيّاً أَكْبَرُ وُلْدِي، وأَبَرُّهُمْ عِنْدِي وأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ، وهُوَ يَنْظُرُ مَعِي فِي الْجَفْرِ، ولَمْ يَنْظُرْ فِيه إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ"(2).

ومنه: ما رواه الكليني أيضاً بسندٍ صحيح أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْجَفْرِ فَقَالَ: هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَمْلُوءٌ عِلْماً، قَالَ لَه: فَالْجَامِعَةُ؟ قَالَ: تِلْكَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِ الأَدِيمِ مِثْلُ فَخِذِ الْفَالِجِ، فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْه، ولَيْسَ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَّا وهِيَ فِيهَا حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ"(3).

ومنه: ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه وكتاب الخصال بسندٍ معتبر عن عليِّ بن الحسن بن فضَّال عن أبيه عن أبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السّلام) قال: للإمام علاماتٌ، يكونُ أعلمَ الناس، وأحكمَ الناس، وأتقى الناس .. ويكونُ عنده الجامعةُ، وهي صحيفةٌ طولُها سبعون ذراعاً فيها جميعُ ما يحتاجُ إليه ولدُ آدم، ويكونُ عنده الجفرُ الأكبرُ والأصغرُ، إهابُ ماعزٍ، وإهاب كبشٍ، فيهما جميعُ العلوم حتى أرشِ الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحفُ فاطمةَ (عليه السّلام)"(4).

ومنه: ما رواه الكليني بسندٍ صحيح عن الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي الْجَفْرَ الأَبْيَضَ قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ فِيه قَالَ: زَبُورُ دَاوُدَ وتَوْرَاةُ مُوسَى وإِنْجِيلُ عِيسَى وصُحُفُ إِبْرَاهِيمَ (ع) والْحَلَالُ والْحَرَامُ .. وعِنْدِي الْجَفْرَ الأَحْمَرَ قَالَ: قُلْتُ: وأَيُّ شَيْءٍ فِي الْجَفْرِ الأَحْمَرِ قَالَ: السِّلَاحُ .."(5).

ومنه: ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسنده عن سدير الصيرفي قال: دخلتُ أنا والمفضَّل بن عمر، وداود بن كثير الرقي، وأبو بصير، وأبان بن تغلب على مولانا الصادق (عليه السلام) قال: "إنِّي نظرت صبيحة هذا اليوم في كتاب الجفر المشتمل على علم البلايا والمنايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ اللهُ (تقدَّس اسمُه) به محمَّداً والأئمةَ مِن بعدِه (عليهم السلام) .."(6).

المستظهر من الروايات:

فالذي يظهرُ من هذه الروايات أنَّ الجفر وعاءٌ من أَدَم يعني من جلد، وفي هذا الوعاء كتبٌ مشتملةٌ على علوم النبيِّين والأوصياء، ومنها صُحُفُ إبراهيم (ع)، ومنها والتوراة التي أُنزلت على موسى (ع) والإنجيلُ الذي أُنزل على عيسى (ع) وزبورُ داود (ع)، وكذلك هو مشتملٌ على كتاب يحتوي على علوم الشريعة من الحلال والحرام، ومشتملٌ على علم البلايا والمنايا، وعلم ما كان وما يكون.

والواضحُ من هذه الروايات أنَّ الجفر ليس علماً بحدِّ ذاته وإنَّما هو وِعاءٌ أو كتابٌ فيه علومٌ متلقَّاة بواسطة الرسول الكريم (ص) عن الأنبياء والأوصياء الذين سبقوه، وبعضُها متلقَّى عن الرسول (ص) كعلوم الشريعة الإسلاميَّة، نعم لم تتصدَّ هذه الروايات لبيان كيفيَّة ضبط وكتابة هذه العلوم، فلعلَّ بعضَها مضبوطٌ بنحو الترميز. إلا أنَّ الواضح من الروايات أنَّ الجفر -بما يشتملُ عليه من علوم وبقطع النظر عن طريقة ضبطِها وتدوينها- هو مِن مواريث النبوَّة التي اختصَّ اللهُ تعالى بها نبيَّه (ص) والأئمةَ (ع) من بعده، فليس في أيدي الناس شيءٌ من هذه العلوم كما هو صريحُ رواية سدير وكما هو المستظهَر من قوله في موثقة نعيم القابوسي عن الإمام موسى بن جعفر(ع): "ولَمْ يَنْظُرْ فِيه إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ" وكذلك هو المستظهَر من صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عن أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): "وإِنَّ عِنْدَنَا الْجَفْرَ ومَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَفْرُ" وثمة روايات أخرى عديدة تشتمل على ما يقربُ من هذه المضامين.

لا يصحُّ التعويلُ على ما يُسمَّى بعلم الجفر:

والمتحصَّل أنَّ ما يُسمَّى بعلم الجفر الذي يتداولُه بعضُ الناس ويزعمون أنَّه مأثورٌ عن أمير المؤمنين (ع) وعن الإمام الصادق (ع) هو شيءٌ آخر غيرُ الجفر الذي نصَّت الرواياتُ على أنَّه من مواريث النبوَّة، نعم قد يكونُ لبعض قواعد ما يُسمَّى بعلم الجفر أصلاً يرجعُ إلى الإمام أمير المؤمنين (ع) أو الإمام الصادق (ع) ويكونُ البعضُ الآخر من قواعده قد تمَّ الاختراعُ لها وابتداعُها من قِبَلِ بعض المشتغلين بمثل هذه العلوم الغريبة ثم إنَّهم أو غيرهم قد نسبوا قواعد علم الجفر بتمامِها إلى أحدِ الإمامين (ع) فالأمرُ لا يعدو الاحتمال الذي لا يُغني من الحقِّ شيئاً، ولهذا لا يصحُّ التعويل على شيءٍ ممَّا يُسمَّى بعلم الجفر لعدم إمكان التثبُّت من المقدار الذي كان قد صدرَ عن أحد الإمامين (ع) هذا لو كان قد صدر واقعاً، كيف والحال أنَّ أصل الصدور عنهما حتى لبعض هذه القواعد أمرٌ لا طريق إلى إثباته.

==============

الهوامش:

1- الكافي -الكليني- ج1 / ص239.

2- الكافي -الكليني- ج1 / ص311.

3- الكافي -الكليني-ج1 / ص241. الأديم الجلد، والفالج هو الجمل الضخم، ذو السنامين، يُحمل من بلاد السند، فمعنى الفقر هو أن عرض الصحيفة هو عرض فخذ الجمل الضخم.

4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص419، الخصال -الصدوق- ص528، عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج1 / ص193. الإهاب هو الجلد، وأرش الخدش معناه عوض الخدشة والذي هو الجرح الصغير والسطحي.

5- الكافي -الكليني- ج1 / ص240. والجفر الأحمر وعاءٌ فيه سلاح رسول الله (ص) كدرعه وكسيف ذي الفقار.

6- الغيبة- الطوسي- ص169.

2024/12/07
ما هي شروط «تعدد الزوجات».. وهل فيه ظلم للمرأة؟!

لدي عدة أسئلة في موضوع تعدد الزوجات:

1- هل لتعدد الزوجات شروط أم أن الرجل يستطيع أن يتزوج بالثانية والثالثة والرابعة متى ما أراد حتى لو كان لمجرد شهوته الجنسية؟

[اشترك]

2- هل تستطيع أن تمنع الزوجة زوجها من الزواج بالثانية أو تمنعه من نفسها إذا تزوج، أو تُغيِّر معاملتها الأخلاقية معه؟

3- إذا كان الإسلام يسمح للرجل أن يتزوج بالثانية حتى مع عدم وجود نقص في الأولى، ألا يعد ذلك ظلما لها؟

4- النساء يعترضن على زواج الرجل من غيرهن، ويدخل على قلبهن الأذى لذلك، فهل هذا يعتبر من نقص الإيمان لأنها لم تسلم لحكم الله في هذا التشريع؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

1- ليس لتعدُّد الزوجات شروط، فيجوز للرجل أنْ يتزوَّج بأكثر من زوجةٍ مطلقاً ولكنَّه إذا تزوَّج لزمه شرعاً أداء حقِّ مَن تزوجها كاملاً من النفقة والبيتوتة والعدل في المعاملة.

2- لا يجوز لها ذلك بل يجب عليها أداء حقوقه كاملةً سواءً تزوَّج عليها بزوجةٍ ثانية أو ثالثة كما يجب على الزوج الالتزام بحقوق كلِّ زوجةٍ يتزوَّجها، ولا يجوز له التفريط بشيءٍ من حقوق كلِّ زوجةٍ يتزوَّجها ولا أنْ يفضِّل واحدةً على الأخرى في المعاملة. ولو فعل ذلك كان لها حقُّ الاعتراض بل والمقاضاة.

3- إنَّ الله تعالى لا يُبيح الظلم، فلو كان التعدُّد ظلماً للزوجة السابقة لما أباحته الشريعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(1) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾(2) فالتعدُّد ليس ظلماً لكنَّ المرأة التي ترى أنَّ الاختصاص بزوجها حقٌّ خالصٌ لها تعتبر أنَّ زواج زوجها من الثانية تعدٍّ على حقِّها، ولو أنَّها أذعنت أنَّ الاختصاص ليس من حقوقها لما شعرت بالظلم ولا بالغبن عندما يتزوَّج زوجُها بأخرى مع اِلتزامه بحقوقها المشروعة.

فشأنُ المرأة في ذلك شأنُ كلِّ أحدٍ يرى لنفسه حقاً ليس له، فهو حين لا يُعطى هذا الشيء يرى أنَّه قد مُنع من حقِّه فينتفض ويرى نفسه مظلوماً، ولو أنَّه أنصف وتحقَّق من مقدار حقوقه لطابت نفسُه ولم يطلب شيئاً ليس له، ولو طلبه كان ذلك من طلب التفضُّل وليس من طلب الحق.

4- نعم هو من نقص الإيمان وضعف التسليم بشرع الله تعالى.

==============

الهوامش:

1- سورة يونس / 44.

2- سورة الحج / 10.

2024/11/28
لماذا سميت فاطمة (ع) بالزهراء؟

لماذا سميت فاطمة (ع) بالزهراء؟

[اشترك]

1- لأن بنورها زهرت السماوات السبع.

روى المجلسي بحار الأنوار ج43/ ص17 عن إرشاد القلوب مرفوعاً إلى سلمان الفارسي في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) مخاطباً عمه العباس بن عبد المطلب في فضل أهل البيت (عليهم السلام) وفيه: (فلما أراد الله تعالى يبلو الملائكة أرسل عليهم سحابا من ظلمة وكانت الملائكة لا تنظر أولها من آخرها... فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي إلى أن قال:  فخلق نور فاطمة الزهراء يومئذٍ كالقنديل..

2- لأنها كانت تزهر لأمير المؤمنين (عليه السلام).

 رواه الصدوق في العلل بسنده عن أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد الله يا بن رسول الله لم سميت الزهراء (عليها السلام) زهراء؟ فقال: (لأنها تزهر لأمير المؤمنين (عليه السلام)  في انها ثلاث مرات بالنور....)

3- لأنها كانت تزهر لأهل السماء .

وفي (المعاني) بسنده عن جعفر بن محمد بن عماره عن أبيه قال سألت أبا عبد الله عن فاطمة (عليها السلام) لم سميت الزهراء؟ فقال لأنها إذا قامت في محرابها زهر نورها لا هل السماء كما يزهر .

نور الكواكب لأهل الارض... (مناقب آل ابي طالب ح3 ص330).

4- لأن الله خلقها من نور عظمته.

 قال الطبري وروي (انها (عليها السلام) سميت الزهراء لأن الله عزوجل خلقها من نور عظمته).دلائل الإمام ص54).

5- لأن لها قبة تزهر في أفق السماء.

فعن الحسن بن يزيد قال قلت لأبي عبد الله لم سيمت فاطمة الزهراء، قال: لأن لها في الجنة قبة من ياقوته حمراء ارتفاعها في الهواء... (مناقب آل أبي طالب ح3 ص330).

نقلاً عن مركز الأبحاث العقائدية

2024/11/13
لماذا خلق الله الحشرات؟

الله تعالى لم يخلق شيء من دون فائدة، فما هي فوائد الحشرات ولماذا خلقها الله؟

[اشترك]

إنّ الجواب عن الفوائد التفصيليّة للحشرات موكول إلى علم الأحياء وغيرها من العلوم المختصة، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال أنّها تشكّل غذاءً لغيرها من الحيوانات المنتسبة الى دورة الحياة الطبيعية والتي تعود بالنفع على عالم الطبيعة ككل وعلى الانسان بشكل أساس.

وما يهمّنا من وجهة نظر دينية أن نقول إنّ الله تعالى بعلمه وحكمته وقدرته لم يوجد شيئا عبثًا أو بهدف الاضرار بل إنّ كل ما أوجده الله تعالى إنما أريد به أولا وبالذات الخير الكثير الذي فيه وإن لازمه بعض الشر.

المصدر: الأسئلة الدينية

2024/11/12
أنهار وفاكهة وأزواج: هل بالغ القرآن الكريم في وصف الجنّة؟!

الشيخ إبراهيم البصري: اعلم - رعاك الله - أنَّ الآيات التي صوّرت نعيم الجنّة في القرآن الكريم على قسمين:

الأوّل: فيه آيات تشير الى الأمور المادّية مثل أصناف الفواكه والحور العين ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: {وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الدخان: 22].

وقوله تعالى: {لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ} [يس: 57].

وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يشاؤون كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 31]، وغيرها من آيات الذكر الحكيم.

والقسم الآخر: فيه آيات تشير الى الأمور المعنويّة، وهي رضوان من الله تعالى ورحمة منه، كما في قوله تعالى: {قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ} [آل عمران: 15].

وقوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ} [التوبة:21]، ونحوهما من الآيات القرآنيّة الكريمة، التي تشير الى اختلاف درجات الجنّة، وفقاً لطبقات المؤمنين، كما في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: « أمّا الجنان المذكورة في الكتاب فإنّهنّ جنّة عدن، وجنّة الفردوس، وجنّة النعيم، وجنّة المأوى » [الكافي ج8 ص100].

فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّ المتتبّع لآيات الذكر الحكيم يرى أنّ كلّاً من الجنّة والنار قد وصفتا بكلا الوصفين، أيْ الأوصاف المادّية والمعنويّة معاً، وأمّا لماذا كان التركيز كثيراً على النعم المادّية؟ فمردّه إلى أنّ الذهن البشريّ يستأنس بذلك؛ إذْ من الصعب على أكثر الناس أنْ يحصلوا على المعرفة من خلال الأمور الروحانيّة والمعنويّة، فلذا يعجز الذهن البشريّ في كثير من الأحيان عن فهم وإدراك المقامات والمفاهيم المعنويّة السامية للجنّة، كما قال تعالى في كتابه الكريم: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْينٍ} [السجدة: 17]، كذلك ورد في الحديث النبويّ أَنَّهُ قَالَ: « إنّ الله يقول: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » [بحار الأنوار ج8 ص92].

فلـمّا صَعُب على البشر تصوّر النعم الروحانيّة والمعنويّة للجنّة، اعتمد الوصف القرآنيّ أسلوب التقريب من خلال الإشارة إلى النعم المادّية التي يستأنس بها الذهن البشريّ، ويفهمها كثيرٌ من الناس، وقلّل الحديث عن النعم المعنويّة والروحانيّة.

هذا، وإنّ وصف الله تعالى للجنّة في الآيات السابقة وإنْ كان لتقريب المعاني الإلهّية للنعيم والعطاء، لكنْ مع الأخذ بعين الاعتبار أنّها - أيْ الجنّة - أساساً عَرْضُها عرض السماوات والأرض؛ كما قال تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 18]، وقال تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]. وأنّ نعيمها لا يمكن للعقول إدراك وصفه، ويؤيّد ذلك ما نقله الشيخ المفيد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): « بشّر أولياءك ومحبّيك من النعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » [المزار ص244]، ومثله في [تفسير فرات الكوفي ص415]، وهكذا في [تفسير القميّ ج2 ص414]، ونقله ابن طاووس في [إقبال الأعمال ج3 ص231]، وغيرها من الروايات الكثيرة التي هي بهذا الصدد.

المقال رداً على سؤال: السؤال: أفرط الدينُ الإسلاميّ في التصوير الحسّي للجنّةِ والنار، وهو ممّا أدّى الى إغواء المستمعين، هكذا أشار المستشرق "نيكولاس ومفر بالنيه"، وجاء في دائرة المعارف الإسلاميّة: "إنَّ فكرة محمّد عن الجنّة مادّية حسيّة، يعني لا نعيم معنوي في الجنة".

2024/10/06
ما المقصود بقائد الغرّ المحجّلين؟
السؤال: يكثر وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقائد الغرّ المحجّلين ، فما المقصود بذلك ؟

الجواب من السيد محمد صادق الروحاني [طاب ثراه]:

باسمه جلت أسماؤه : التحجيل بياض يكون في قوائم الفرس ، والغرّ جمع الأغرّ من الغرّة ، وهي بياض الوجه ، ومنه قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : « أُمّتي الغرّ المحجّلون » ، أي بيض مواضع وضوئهم من الأيدي والأقدام ، وقد استعار نور الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه .

وبذلك يظهر أنّ المراد من الوصف المذكور : أنّ عليّاً ( عليه السلام ) قائد للجماعة التي تكون مواضع الوضوء منهم - إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنّة - شديدة البياض لإشعاعها بالنور .

المصدر أجوبة المسائل في الفكر والعقيدة والتاريخ والأخلاق ، ج - نقلاً عن رياض العلماء 
2024/06/24
هل سند دعاء كميل مُعتبر أم ضعيف؟
هل هناك سند معتبر لدعاء كميل، أم وصلت إلينا بسند ضعيف؟

[اشترك]

الجواب:

دعاء كميل من الأدعية المعتبرَّة وقد رواه شيخ الطائفة الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد وقد تلقاه العلماء المتقدمون منهم والمتأخرون بالقبول وهو أحد موجبات الاعتبار للرواية كما هو المعروف عند علماء الرجال والدراية.

2024/06/13
ما المقصود بيوم «دحو الأرض»؟
قال الله عَزَّ و جَلَّ : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ 1
قال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية ( رحمه الله ) : أي بسطها و مهدها بحيث تصبح صالحة للسكن و السير ، و في كتاب محاولة لفهم عصري للقرآن ما نصه :

[اشترك]

" دحاها " أي جعلها كالدحية " البيضة " و هو ما يوافق أحدث الآراء الفلكية عن شكل الأرض .. و لفظة دحا تعني أيضا البسط ، و هي اللفظة العربية الوحيدة التي تشتمل على البسط و التكوير في ذات الوقت ، فتكون أولى الألفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكورة في الحقيقة .. و هذا منتهى الإحكام و الخفاء في اختيار اللفظ الدقيق المبين 2 .
يوم دحو الأرض:
يوم دحو الأرض هو الخامس و العشرون من شهر ذي القعدة ، و هو يوم مبارك و يُستحب فيه الصوم ، فعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي وَ أَنَا غُلَامٌ فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَ الرِّضَا ( عليه السَّلام ) لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ .
فَقَالَ لَهُ : " لَيْلَةُ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ ( عليه السَّلام ) ، وَ وُلِدَ فِيهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَ فِيهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ كَمَنْ صَامَ سِتِّينَ شَهْراً " 3 .
وَ رُوِيَ عَنْ الإمام مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ( عليه السَّلام ) أَنَّهُ قَالَ : " فِي خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ كَفَّارَةَ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ أُنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى آدَمَ ( عليه السَّلام ) " 4 .
وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْقَلِ ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو الْحَسَنِ ـ يَعْنِي الرِّضَا ( عليه السَّلام ) ـ فِي يَوْمِ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَقَالَ : " صُومُوا ، فَإِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً " .
قُلْنَا : جُعِلْنَا فِدَاكَ ، أَيُّ يَوْمٍ هُوَ ؟
قَالَ : " يَوْمٌ نُشِرَتْ فِيهِ‏ الرَّحْمَةُ ، وَ دُحِيَتْ فِيهِ الْأَرْضُ ، وَ نُصِبَتْ فِيهِ الْكَعْبَةُ ، وَ هَبَطَ فِيهِ آدَمُ ( عليه السَّلام ) " 4 .
وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( عليه السَّلام ) قَالَ : " أَوَّلُ رَحْمَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَ قَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَلَهُ عِبَادَةُ مِائَةِ سَنَةٍ صَامَ نَهَارَهَا وَ قَامَ لَيْلَهَا " 5 .
هذا و قد ذكر في بعض كتب الأدعية و أعمال الأيام أنّ زيارة الإمام الرضا ( عليه السلام ) في يوم دحو الأرض من أفضل الأعمال المستحبّة .
دعاء يوم دحو الأرض :

وَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْعَا فِي هَذَا الْيَوْمِ بِهَذَا الدُّعَاءِ:

"اللَّهُمَّ دَاحِيَ‏ الْكَعْبَةِ، وَ فَالِقَ الْحَبَّةِ، وَ صَارِفَ اللَّزْبَةِ، وَ كَاشِفَ الْكُرْبَةِ، أَسْأَلُكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ أَيَّامِكَ الَّتِي أَعْظَمْتَ حَقَّهَا، وَ قَدَّمْتَ سَبْقَهَا، وَ جَعَلْتَهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَدِيعَةً وَ إِلَيْكَ ذَرِيعَةً، وَ بِرَحْمَتِكَ الْوَسِيعَةِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُنْتَجَبِ فِي الْمِيثَاقِ، الْقَرِيبِ يَوْمَ التَّلَاقِ، فَاتَّقِ ‏كُلَّ رَتْقٍ، وَ دَاعٍ إِلَى كُلِّ حَقٍّ، وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الْأَطْهَارِ، الْهُدَاةِ الْمَنَارِ، دَعَائِمِ الْجَبَّارِ، وَ وُلَاةِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، وَ أَعْطِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا مِنْ عَطَائِكَ الْمَخْزُونِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ وَ لَا مَمْنُونٍ، تَجْمَعُ لَنَا التَّوْبَةَ وَ حُسْنَ الْأَوْبَةِ، يَا خَيْرَ مَدْعُوٍّ وَ أَكْرَمَ مَرْجُوٍّ، يَا كَفِيُّ يَا وَفِيُّ، يَا مَنْ لُطْفُهُ خَفِيٌّ الْطُفْ لِي بِلُطْفِكَ، وَ أَسْعِدْنِي بِعَفْوِكَ، وَ أَيِّدْنِي بِنَصْرِكَ، وَ لَا تُنْسِنِي كَرِيمَ ذِكْرِكَ بِوُلَاةِ أَمْرِكَ وَ حَفَظَةِ سِرِّكَ، وَ احْفَظْنِي مِنْ شَوَائِبِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَ النَّشْرِ، وَ أَشْهِدْنِي أَوْلِيَاءَكَ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِي وَ حُلُولِ رَمْسِي وَ انْقِطَاعِ عَمَلِي وَ انْقِضَاءِ أَجَلِي.

اللَّهُمَّ وَ اذْكُرْنِي عَلَى طُولِ الْبِلَى إِذَا حَلَلْتُ بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى وَ نَسِيَنِي النَّاسُونَ مِنَ الْوَرَى، وَ أَحْلِلْنِي دَارَ الْمُقَامَةِ وَ بَوِّئْنِي مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ، وَ اجْعَلْنِي مِنْ مُرَافِقِي أَوْلِيَائِكَ وَ أَهْلِ اجْتِبَائِكَ وَ أَصْفِيَائِكَ، وَ بَارِكْ لِي فِي لِقَائِكَ، وَ ارْزُقْنِي حُسْنَ الْعَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بَرِيئاً مِنَ الزَّلَلِ وَ سُوءِ الحطل [الْخَطَلِ‏].

اللَّهُمَّ وَ أَوْرِدْنِي حَوْضَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ اسْقِنِي مَشْرَباً رَوِيّاً سَائِغاً هَنِيئاً لَا أَظْمَأُ بَعْدَهُ، وَ لَا أُخَلَّا وِرْدَهُ وَ لَا عَنْهُ أُذَادُ، وَ اجْعَلْهُ لِي خَيْرَ زَادٍ وَ أَوْفَى مِيعَادٍ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

اللَّهُمَّ وَ الْعَنْ جَبَابِرَةَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لِحُقُوقِ أَوْلِيَائِكَ الْمُسْتَأْثِرِينَ.

اللَّهُمَّ وَ اقْصِمْ دَعَائِمَهُمْ، وَ أَهْلِكْ أَشْيَاعَهُمْ، وَ عَامِلَهُمْ [عَالِمَهُمْ‏]، وَ عَجِّلْ مَهَالِكَهُمْ، وَ اسْلُبْهُمْ مَمَالِكَهُمْ، وَ ضَيِّقْ عَلَيْهِمْ مَسَالِكَهُمْ، وَ الْعَنْ مَسَاهِمَهُمْ [مُسَاهِمَهُمْ‏] وَ مَشَارِكَهُمْ [مُشَارِكَهُمْ‏].

اللَّهُمَّ وَ عَجِّلْ فَرَجَ أَوْلِيَائِكَ، وَ ارْدُدْ عَلَيْهِمْ مَظَالِمَهُمْ، وَ أَظْهِرْ بِالْحَقِّ قَائِمَهُمْ، وَ اجْعَلْهُ لِدِينِكَ مُنْتَصِراً وَ بِأَمْرِكَ فِي أَعْدَائِكَ مُؤْتَمِراً.

اللَّهُمَّ احْفَظْهُ [احففه‏] بِمَلَائِكَةِ النَّصْرِ، وَ بِمَا أَلْقَيْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُنْتَقِماً لَكَ حَتَّى تَرْضَى، وَ يَعُودَ دِينُكَ بِهِ وَ عَلَى يَدَيْهِ جَدِيداً غَضّاً، وَ يُمَحِّصَ الْحَقَّ مَحْصاً، وَ يَرْفَضَ الْبَاطِلَ رَفْضاً.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَ عَلَى آبَائِهِ وَ اجْعَلْنَا مِنْ صَحْبِهِ وَ أُسْرَتِهِ، وَ ابْعَثْنَا فِي كَرَّتِهِ حَتَّى نَكُونَ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَعْوَانِهِ.

اللَّهُمَّ أَدْرِكْ بِنَا قِيَامَهُ، وَ أَشْهِدْنَا أَيَّامَهُ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ ارْدُدْ إِلَيْنَا سَلَامَهُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ" 6 .

الهوامش: *         1. القران الكريم : سورة النازعات ( 79 ) ، الآية : 30 ، الصفحة : 584 . *         2. تفسير الكاشف : 7 / 510 . *         3. وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ) : 10 / 449 ، للشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي ، المولود سنة : 1033 هجرية بجبل عامل لبنان ، و المتوفى سنة : 1104 هجرية بمشهد الإمام الرضا ( عليه السَّلام ) و المدفون بها ، طبعة : مؤسسة آل البيت ، سنة : 1409 هجرية ، قم / إيران . *         4. a. b. وسائل الشيعة : 10 / 450 . *         5. وسائل الشيعة : 10 / 451 . *         6. إقبال الأعمال ( الإقبال بالأعمال الحسنة ) : 312 ، للسيد رضي الدين بن طاووس ، المولود بالحلة / العراق في 15 / محرم / 589 هجرية ، و المتوفى ببغداد سنة : 664 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، طهران / إيران ، سنة : 1367 هجرية شمسية .
البلد الأمين و الدرع الحصين : 243 ، الطبعة الحجرية ، للشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي ، المولود سنة : 840 هجرية بقرية كفر عيما من قرى جبل عامل ، و المتوفى بها سنة 905 هجرية ، و دفن بها .
المصباح ( مصباح الكفعمي ) : 658 ، الطبعة الثانية سنة : 1405 هجرية / انتشارات رضي ، قم / إيران ، للشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي ، المولود سنة : 840 هجرية بقرية كفر عيما من قرى جبل عامل ، و المتوفى بها سنة 905 هجرية ، و دفن بها .
مصباح المتهجد : 669 ، طبعة مؤسسة فقه الشيعة ، بيروت / لبنان ، سنة : 1411 هجرية ، للشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، المولود بخراسان سنة : 385 هجرية ، والمتوفى بالنجف الأشرف سنة : 460 هجرية .
2024/06/03
المعصومون 14.. لماذا سمّيت فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم (ع) بـ «المعصومة»؟!
من المعلوم أن المعصومين هم أربعة عشر بدءاً من الرسول صلى الله عليه وآله وختاماً بالإمام المنتظر عجل الله فرجه فما هو تفسير تسميتها بالمعصومة؟

[اشترك] 
لا شك في أن المعصومين في عقيدتنا هم أربعة عشر وهناك كلام بالنسبة إلى السيدة زينب عليها السلام كما يقول المامقاني بأنه من رأى شأنها وجلالتها وعظمتها ثم ادعى عصمتها فليس ببعيد أما بالنسبة إلى فاطمة المعصومة فإن عصمتها ليست بهذا المعنى، نعم هي من الطيبات والعالمات والمحدثات اللواتي اختصت وخصّها اللَّه بملكة العقل والرشاد والإيمان والثبات إلى جانب العزيمة والتضحية. مودعاً فيها العفة والطهارة وبواعث الكمال والغلبة والحق... مع تجنبها عوامل الذل والخوف والاستسلام والانحراف إضافة إلى اشتهارها بمقامات معنوية جليلة فلعله من هذا الباب وصفها العلماء بوصف من أوصاف الصديقة الزهراء الطاهرة وإن لم أعثر لقلة تحقيقاتي في هذا الموضوع على هذا الوصف مع أنه مشهور لكن صاحب رياحين الشريعة ينسب كلمة معصومة إلى الإمام الرضا عليه السلام والذي يقول: "من زار المعصومة في قم فقد زارني". هذا ولم يبلغ الزهراء أحد من نساء العالمين بل هي سيدة نساء العالمين كما في روايات الخاص والعام وهي المعصومة بضرورة المذهب على ما صرح بذلك الإمام الخوئي في المعجم.

مقتطف من حوار أجرته مجلة بقية الله مع سماحة العلامة المحقق الشيخ نجم الدين الطبسي 
2024/05/10
هل أنا على صواب أم على خطأ؟!
هل هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ توجب اليأس؟

هل هذا استفهام استنكاري، يستنكر فيه الخالق جل وعلا ما يتوهمه البعض من غفران الذنوب جميعها، وجعل حياتهم سهلة لا نكد فيها؟.. فقد ارتكبت ما ارتكبت وتبت وحججت بيت الله الحرام، ومنذ ذلك الحين وأنا قد انتقلت إلى الضفة الأخرى البيضاء، وأعيش عالما مختلفا عما كنت فيه.. ولكن قراءة هذه الآية يؤرقني ويعذبني ويبكيني.. فهل أنا على صواب أم على خطأ؟


الجواب من سماحة الشيخ حبيب الكاظمي:

أولا اعلموا أن اليأس من رحمة الله تعالى من الكبائر، فيكفي أن يعيش العبد حالة الندامة، ليغفر الله تعالى ذنوبه جميعا.
وأما الآية فمعناها: استنكار أن تكون حياة المؤمنين ومماتهم كحياة الفاسقين ومماتهم، فكما أنهم يعيشون حالة الاطمئنان في الحياة الدنيا والرضوان الإلهي يوم القيامة، فإن الذين خرجوا من طاعة الله تعالى-بالعكس منهم- يعيشون معيشة الضنك كما ذكرها القرآن في الدنيا، والخزي والعذاب في الآخرة.
وأما البكاء والتضرع من خشية الله تعالى، فهو مطلوب دائما، بشرط أن لا يكون مصحوبا بالوسوسة واليأس من رحمة الله تعالى، فإن الشيطان قد يبالغ للإنسان سوء حاله، ليقع فيما هو أعظم من الذنب، ألا وهو البقاء على الخطيئة رافعا شعار: أنا الغريق فما خوفي من البلل!.. ولا تنسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ .

2024/04/28
هل ما تقوله «أبراج الحظ» حقيقي؟!
ما حكم الشرع في ما ينشر بالصحف من الأبراج (أبراج الحظ) التي يعتقد بها بعض الناس .. هل الاستدلال بمواقع النجوم والأبراج على معرفة الحظ والأمور المغيبة جائز؟ الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

لا اعتبار لها ولا تعدو عن كونها من الرجم بالغيب، فلا يصح ترتيب الأثر عليها.

على ان ما يُنشر في الصحافة والمواقع الالكترونية فيما يتصل بما يسمى بأبراج الحظ ليس عفوياً وإنما يستهدف المروجون لذلك تزريق مفاهيم وسلوكيات واقعة في سياق العمل على تغيير البنية الثقافية والنفسية في المجتمعات العربية والإسلامية.

2024/04/18
ما حقيقة ما يعرف بـ «طبّ الأئمة»؟وهل كانوا يصفون العلاجات لأمراض أتباعهم؟
الإمامُ هو من ينوبُ عن رسول الله في كلّ مهامّهِ ماعدا الوحي، وليس من مهام رسولِ الله التصدّي لمداواة الناس وعلاج مرضاهم، إلا أنّ ذلك لا ينفي اهتمامَ الإسلام بالأبدان مضافاً لاهتمامه بالأرواح، فتعاليمُ الإسلام وآدابه كما توفرُ بيئةً روحيةً توفر أيضاً بيئةً صحيةً.

ومن المؤكد أنّ رسول الله والأئمة من أهل البيت لهم علمٌ تكويني كما لهم علمٌ تشريعي، وبذلك يعرفون خواصّ الأشياء وآثارها على بدن الإنسان وصحته، ومن هذا الباب كانت لهم نصوصٌ ارشادية فيما يخصّ صحة الأبدان، فبعض هذه النصوص لها علاقة بالوقاية من الأمراض وبعضها وصفات علاجية، وقد اهتمّ المسلمونَ في طول تاريخهم بهذه الآثار في علاج أمراضهم، وهناك الكثيرُ من الكتب التي جمعت وشرحت كيفية الاستفادة العلاجية من هذه النصوص، ولتأكيد ذلك نشيرُ إلى بعض النصوص التي تدلّ على الاهتمام بالصحةِ دون الإشارة للنصوص التي تحتوي على وصفاتٍ علاجية. ففي الخصال للصدوق أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لولده الحسن (عليه السلام): ألا اُعلّمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب؟ فقال: بلى يا أميرَ المؤمنين، قال (عليه السلام): «لا تجلس على الطعام إلاّ وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلاّ وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نمتَ فأعرض نفسكَ على الخلاء، فإذا استعملتَ هذا استغنيتَ عن الطب». وقال (عليه السلام) أيضاً: «إنّ في القرآن لآية تجمعُ الطبّ كلّه (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)».وفي الدعوات للرواندي قال زرّ بن حبيش: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أربع كلمات في الطبّ لو قالها بقراط وجالينوس لقدّم أمامها مائة ورقة ثمّ زيّنها بهذه الكلمات وهي قوله: توقوا البردَ في أوّله، وتلقوهُ في آخره، فانّه يفعلُ في الأبدان كفعله بالأشجار، أوّلهُ يحرق، وآخرهُ يورق». وقال (عليه السلام): «لا صحّة مع النهم».وفي البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لو اقتصدَ الناس في المطعم لاستقامت أبدانهم». وقال الامام الرضا (عليه السلام): «اجتنب الدواءَ ما احتملَ بدنك الداء، فإذا لم يحتمل الداء فالدواء».وفي الكافي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: «ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفعَ الداءُ عنكم، فإنّه بمنزلة البناء قليلهُ يجرّ إلى كثيره». وقال أيضاً (عليه السلام): «الحمية رأسُ الدواء والمعدة بيت الداء وعوِّد بدناً ما تعوّد». وقال أبو الحسن (عليه السلام): «ليس من دواء إلاّ ويهيجُ داءاً، وليس شيء في البدن أنفع من إمساك البدن إلاّ عمّا يحتاج إليه» وغير ذلك من النصوص التي تبينُ كيفية الوقاية من الأمراض، أمّا التعاملُ مع النصوصِ التي فيها وصفات علاجية فتحتاج إلى أهل الخبرة والاختصاص ولا يجوز التعاملُ معها بشكلٍ مباشر، يقول الشيخ الصدوق في كتابه اعتقاداتُ الصدوق: (اعتقادنا في الأخبار الواردة في الطبّ انّها على وجوه:منها: ما قيلَ على هواء مكّة والمدينة ولا يجوزُ استعمالهُ على سائر الأهوية.ومنها: ما أخبرَ به العالم ـ الإمام ـ على ما عرف من طبع السائلِ ولم يعتبر بوصفهِ إذا كان أعرفَ بطبعه منه.ومنها: ما دلّسهُ المخالفونَ في الكتب لتقبيح صورة المذهب عند الناس.ومنها: ما وقعَ فيه سهوٌ من ناقليه.ومنها: ما حفظ بعضهُ ونسي بعضه.وما رويَ في العسل أنّه شفاءٌ من كلّ داءٍ فهو صحيحٌ ومعناه شفاء من كلّ داءٍ بارد.وما وردَ في الاستنجاء بالماءِ البارد لصاحبِ البواسير، فإنّ ذلك إذا كان بواسيرهُ من الحرارة...الخ.

2024/03/09
هل يحاسب الله الحيوانات يوم القيامة؟
ما من شك أنّ الشّرط الاوّل للمحاسبة والجزاء هو «العقل والإدراك» ويستتبعهما (التكليف والمسؤولية).

[اشترك]

يقول أصحاب هذا الرأي: إنّ لديهم ما يثبت أن للحيوانات إدراكا وفهما بمقدار ما تطيق، ومن ذلك أن حياة كثير من الحيوانات تجري وفق نظام دقيق ومثير للعجب، ويدلّ على ارتفاع مستوى إدراكها وفهمها، فمن ذا الذي لم يسمع بالنمل والنحل وتمدّنها العجيب ونظامها المحير في بناء بيوتها وخلاياها، ولم يستحسن فهمها وإدراكها؟ فعلى الرغم من أنّ بعضهم يعزوا ذلك كله إلى نوع من الإلهام الغريزي، فليس ثمّة دليل على أنّ هذه الأعمال تجري بصورة غريزية لا عقلية.

ما الدليل على أنّ هذه الأعمال ـ حسبما يدل ظاهرها ـ ليست ناشئة عن تعقل وإدراك؟ كثيرا ما يحدث أنّ الحيوان يبتكر ـ استجابة لظرف من الظروف ـ شيئا لم يسبق له أن مرّ به وجربه، فالشاة التي لم يسبق لها أن رأت ذئبا في حياتها تفزع منه أوّل ما تراه وتدرك خطره عليها، وتتوسل بكل حيلة لدرء خطره عنها.

إن العلاقة التي تتكون بين الحيوان وصاحبه تدريجيا دليل آخر على هذا الأمر، فكثير من الكلاب المفترسة الخطرة تعامل أصحابها ـ بل وحتى أطفالهم ـ كما يعاملهم الخادم العطوف.

ويحكى الكثير عن وفاء الحيوانات وعن تقديمها كثيرا من الخدمات الإنسانية ولا شك أنّ هذه أمور ليس من السهل اعتبارها ناشئة بدافع الغريزة، إذ إنّ الغريزة تنشأ عنها أعمال رتيبة من طراز واحد باستمرار، أمّا الأعمال التي تقع في ظروف خاصّة كردود فعل لحوادث طارئة غير متوقعة، فهذه تكون إلى التعقل والإدراك أقرب منها إلى الغريزة.

نشاهد اليوم أنّ حيوانات مختلفة يجري تدريبها لأغراض متنوعة، فالكلاب البوليسية تدرب للقبض على المجرمين، والحمام الزاجل لنقل الرسائل، وحيوانات أخرى ترسل لابتياع بعض الحوائج من السوق، وحيوانات أخرى للصيد، وهي كلها تؤدي مهماتها بكل دقة وإتقان (حتى أنّهم افتتحوا مؤخرا مدارس خاصّة لتعليم مختلف الحيوانات)!

فضلا عن ذلك كلّه، فإنّ هناك بعض الآيات التي تدل ـ بوضوح ـ على أنّ للحيوانات فهما وإدراكا، من ذلك حكاية هروب النمل من أمام جيش سليمان، وحكاية ذهاب الهدهد إلى منطقة سبأ باليمن ورجوعه بأخبار مثيرة لسليمان.

ثمّة أحاديث إسلامية كثيرة حول بعث الحيوانات، من ذلك ما روي عن أبي ذر قال: بيّنا أنا عند رسول الله صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله ‌وسلم إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم «أتدرون فيما انتطحتا؟» فقالوا: لا ندري، قال: «ولكن الله يدري وسيقضي بينهما»(١.

وفي رواية بطرق أهل السنة عن رسول الله صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم في تفسير هذه الآية أنّه قال: «إنّه يحشر هذه الأمم يوم القيامة ويقتص من بعضها لبعض حتى يقتص للجماء من القرناء»(٢).

وفي الآية (٥) من سورة التكوير يقول سبحانه: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) وهي دليل آخر على ذلك.

الحشر والتكليف

تطرح هنا مسألة يتوقف فهم الآية عليها، وهي هل أن مقولة تكليف الحيوانات معقولة، مع أنّ من شروط التكليف العقل، ولهذا لا يكون الطفل والمجنون مكلّفين؟ فهل للحيوانات ذلك العقل الذي يؤهلها للتكليف؟ وهل يمكن أن نعتبر الحيوان أكثر عقلا وإدراكا من الصبي غير البالغ ومن الجنون؟ فإذا لم يكن له مثل هذا العقل والإدراك، فكيف يجوز أن يكلّف، وبأي تكليف؟

للجواب على هذه السؤال نقول: إنّ للتكليف مراحل ودرجات، وكل مرحلة تناسب درجة معينة من العقل والإدراك، وانّ التكاليف الكثيرة المفروضة في القوانين الإسلامية على الإنسان تتطلب مستوى رفيعا من العقل والإدراك لإنجازها، ولا يمكن أن نفرض مثل تلك التكاليف على الحيوانات طبعا، لأنّ الشرط المطلوب لإنجازها غير متوفر في الحيوانات، إلّا أنّ مرحلة من التكاليف البسيطة التي يكفي لها ما يناسبها من الفهم والإدراك يمكن تصورها وقبولها في الحيوان ولا يمكن إنكارها، بل من الصعب أن نرفض كل تكليف بشأن الأطفال والمجانين القادرين على فهم بعض المسائل، فالصبي الذي لم يبلغ سن الرشد ـ كأن يكون عمره ١٤ ـ سنة مثلا ـ لو ارتكب جريمة قتل، وهو عالم بكل أضرار هذا العمل، فلا يمكن اعتباره بريئا، والقوانين الجزائية في العالم تضع عقوبات على بعض جرائم الأطفال غير البالغين، وإن كانت العقوبات أخف طبعا.

وعليه، فإنّ البلوغ واكتمال العقل من شروط التكليف في المراحل العليا المتكاملة، أمّا في المراحل الأدنى، أي في الذنوب التي لا يخفى قبحها حتى على من هم أدنى مرتبة، فان البلوغ والتكامل العقلي ليسا شرطا لازما.

فإذا أخذنا اختلاف مراحل التكليف واختلاف مراتب العقل بنظر الاعتبار، يمكن حل قضية الحيوانات أيضا بهذا الشأن.

*مقتطف من تفسير الأمثل

الهوامش: (١) تفسير مجمع البيان، ونور الثقلين في تفسير الآية المذكورة. (٢) تفسير المنار، ذيل الآية، والجماء عكس القرناء: الحيوان الفاقد للقرن.
2024/01/07
لماذا نقلّد المرجع الأعلم؟
السؤال: إنَّ أمر رجوع الجاهل للعالم أمرٌ مفروغٌ منه، لكن إذا ضربنا المثال بالطبيب مثلًا فإنَّ كُلَّ طبيبٍ يُلجأُ إليه في مرضٍ مُعيَّن، فإنَّ طبيب القلب مثلًا لا يمتلك تشخيص طبيب العين وعلى ذلك فقس، فكيف أنَّ الشّرع ألزمنا بالرّجوع إلى مرجعٍ واحدٍ فقط؟

[اشترك]

الجواب من سماحة السيد ضياء الخباز:

الإلزام بالرجوع لمرجع واحد إنما هو في صورة العلم بتقدمه على غيره في نفس التخصص ، فيكون مثاله الصحيح : أن لو كان لنا عشرة من أطباء القلب مثلاً ، وكان أحدهم أعلم من البقية ، فإن الارتكاز العقلائي يقضي بالرجوع إليه دونهم ، وأما المثال المذكور في السؤال فهو خاطئ وأجنبي عن المسألة .

2024/01/02
ما الفرق بين الروح والنفس؟
ما الفرق بين الروح والنفس؟

[اشترك]

لكلّ من النفس والروح معانٍ مختلفة وقد يتلاقيان في بعض المعاني ، فالنفس تطلق في اللغة والعرف على المعاني التالية :

۱. ذات الشيء ، كما تقول : « جاء زيد نفسه » أو « هذا نفس الشيء » أيّ ذاته.

۲. الدمّ السائل الخارج من العروق ، فتقول : « كلّ ما كانت له نفس سائلة فحكمه كذا ».

۳. الهوى وميل الطبع ، وشاهده قوله تعالى : ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) [ يوسف : ٥۳ ].

٤. جوهر لطيف نوراني مدرك للجزئيّات والكلّيات له تعلّق بالبدن ، تعلّق التدبير والتّصرف والموت إنمّا هو قطع هذا التعلّق.

وبهذا المعنى يتّفق مع الروح ، ولذا قال الصدوق في رسالة العقائد : « اعتقادنا في النفوس أنّها الأرواح التي بها الحياة ، وأنّها الخلق الأوّل لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّ أوّل ما أبدع الله سبحانه وتعالى هي النفوس مقدّسة مطهّرة فأنطقها بتوحيده ، ثمّ خلق بعد ذلك سائر خلقه » ». [ بحار الأنوار / المجلّد : ٦ / الصفحة : ۲٤۹ / الناشر : مؤسسة الوفاء ]

ثمّ إنّ الروح أيضاً تستعمل في معان مختلفة :

۱. الحياة ، وهو واضح.

۲. القرآن ، لقوله : ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا )[ الشورى : ٥۲ ].

۳. ملك من ملائكة الله أعظم من جبرئيل مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السّلام يسدّدهم. قال الله تعالى : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ ) [ النبأ : ۳۸ ].

٤. جبرئيل ، قال الله تعالى : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ) [ النحل : ۱۰۲ ] يعني جبرئيل.

2024/01/01
هل كثرة الكفار تدل على فشل الإسلام؟!
هناك سؤال عقائدي مطروح من قبل البعض، مفاده: لو جاء أحد وبنى مشروعًا تعليميًا وتدريبيًا (جامعة) لتهيئة عمالة ذات كفاءة لعمارة البلد، فإذا تبين أن 80% من الطلبة لم يتخرجوا من هذه الجامعة، ألا ترى أن هناك خللًا فيها سواء من المدرسين أو النظام التعليمي أو غير ذلك؟ وهذا يعني أن مثل هذا المشروع فاشل من نظرة علمية وعقلائية.

[اشترك]

السؤال: إذا كان الهدف من خلق البشر هو عبادة الله عز وجل -كما هو مفاد قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}- فلم نرى أكثرهم لا يبلغ هدفه؟ بل نرى في عدة آيات ذم الخالق تعالى للكثرة في القرآن، من قبيل:

﴿وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُّؤمِنِينَ﴾
﴿فَأَعرَضَ أَكثَرُهُم فَهُم لَا يَسمَعُونَ﴾
﴿وَلَـكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُونَ﴾
﴿وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ﴾
 ﴿فَأَبَى أَكثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾

فهذا يعني هناك خلل إما في نظام الخلق أو في الإنسان أو في التبليغ والرسالة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

الجواب: حاصل ما يمكن أن يقال في الجواب عن الإشكال المذكور: إن الغاية المذكورة في الآية الشريفة (إلا ليعبدون) لا يوجد في الآية – أو خارجها – ما يدل على أنها غاية خلق الأفراد، بل الظاهر من لسان الآية أنها غاية خلق النوع، وبهذا يندفع الإشكال من أساسه؛ إذ أنه يبتني على أن الغاية من خلق كل فرد فرد بنحو العموم الاستغراقي هي العبادة، فينتقض ذلك بأن أكثر الخلق لا يعبدون، ولكن إذا بنينا على أن العبادة هي غاية خلق النوع بنحو العموم المجموعي، فهي متحققة ولو بعبادة البعض، من غير أن يكون هنالك خلل في النظام أو واضعه أو كيفية تبليغه.

2023/11/14
هل يقبض ملك الموت الأرواح بمفرده؟!
عملية قبض الأرواح عملية غيبية لا نعرف عنها سوى ما ذكرها الله عَزَّ و جَلَّ في كتابه الكريم ، و سوى ما أشار اليها النبي محمد صلى الله عليه و آله و الأئمة من آله عليهم السلام فيما رُوِيَ عنهم.

[اشترك]

قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : " قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ عليه السلام : كَيْفَ تَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ وَ بَعْضُهَا فِي الْمَغْرِبِ وَ بَعْضُهَا فِي الْمَشْرِقِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ؟

فَقَالَ : أَدْعُوهَا فَتُجِيبُنِي .

قَالَ : فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ عليه السلام : إِنَّ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيَّ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا مَا شَاءَ ، وَ الدُّنْيَا عِنْدِي كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ "1.

أعوان ملك الموت:

ثم إن لمَلَك الموت أعوان من الملائكة يعينونه في قبض الارواح ، فقد سُئِلَ الامام جعفر الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ : ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ... ﴾ 2، وَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ : ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ... ﴾ 3، وَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ... ﴾ 4 و ﴿ ... الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ 5 ، وَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿ ... تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ... ﴾ 6 ، وَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ... ﴾ 7 ، وَ قَدْ يَمُوتُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ، فَكَيْفَ هَذَا ؟

فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَعَلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَاناً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَقْبِضُونَ الْأَرْوَاحَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لَهُ أَعْوَانٌ مِنَ الْإِنْسِ يَبْعَثُهُمْ فِي حَوَائِجِهِ فَتَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَ يَتَوَفَّاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ مَا يَقْبِضُ هُوَ وَ يَتَوَفَّاهَا " 8 .

الهوامش:

1. من لا يحضره الفقيه : 1 / 134 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق ، المولود سنة : 305 هجرية بقم ، و المتوفى سنة : 381 هجرية ، طبعة انتشارات اسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، الطبعة الثالثة ، سنة : 1413 هجرية ، قم / إيران .
2. القران الكريم: سورة الزمر (39)، الآية: 42، الصفحة: 463.
3. القران الكريم: سورة السجدة (32)، الآية: 11، الصفحة: 415.
4. القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 32، الصفحة: 270.
5. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 97، الصفحة: 94.
6. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 61، الصفحة: 135.
7. القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 50، الصفحة: 183.
8. من لا يحضره الفقيه : 1 / 136 .

2023/11/11
متى ارتدين نساء النبي وبناته الحجاب؟

 

هل كان نساء النبي (ص) وبناته يتحجبن قبل نزول آيات الحجاب؟

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

الحجاب قبل نزول آيات الحجاب وإنْ لم يكن مفروضاً ولكنَّه كان مناسباً لمقتضيات الحِشمة والعفاف والإلزام به من قِبَل الآباء والأزواج مناسبٌ لمقتضيات المروءة، لذلك فنساءُ النبيِّ (ص) وبناته وكذلك الكثير غيرهن ملتزِماتٌ بالستر والحجاب قبل فرضِه على المسلمين، تماماً كاِلتزام الكثير من الرجال من ذوي المروءة والسُؤدد بعدم شرب الخمر قبل تحريمه، والتزام الكثير من العقلاء بعدم اللَّعب بالقمار قبل تحريمه.

2023/11/04
كيف أقاوم وساوس الشيطان والشهوات؟!
الى سماحة السيد حفظه الله... ابعث برسالتي إليك أيها المربي الفاضل وأنا من المتابعين لكم وقد ارتأيت أن أبعث إليك بالخصوص لأني على ثقة بكم أن تدلني على ما ينير بصيرتي في سبيل الطريق إلى الله فأنا طالبة علم ومنيتي أن أرتقي بالنفس إلا أنني في كل مرة أخفق ويغلبني هواي.. لقد يئست من نفسي ولا أدري إلى ما يكون مصيري.. أرشدني بما يداوي قلبي المغلوب لعل الله يفتح لي نور البصيرة.

[اشترك] 

الجواب من سماحة آية الله السيد منير الخباز:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ المداومة على صلاة الفجر، والتسبيح والدعاء بعدها، وقراءة أدعية الصحيفة السجادية، خصوصا المناجاة الخامسة عشرة، والتَّدبُّر في القرآن الكريم، خصوصاً في آيات الموت والعذاب وأوصاف الآخرة؛ كفيلٌ بأن يعطي الإنسان رصيداً روحياً يقاوم به وساوس الشيطان، وتأثير الأهواء والشهوات على نفسه.

2023/10/25
ما حقيقة أن «الجرجير» من نبات جهنم؟
لم أقفْ على روايةٍ في طرقِنا مفادها أنَّ الجرجير أصلُه في جهنم وإنَّما وردت رواياتٌ عديدة بألسنةٍ مختلفة مفادُها أنَّ الجرجير سوف يكونُ من الزروع التي تنبتُ في جهنَّم.

[اشترك]

الرواية الأولى: رواها البرقي في المحاسن عن محمد بن عليٍّ عن عيسى بن عبد الله العلويِّ عن أبيه عن جدِّه قال: نظر رسولُ الله (ص) إلى الجرجير فقال: "كأنِّي انظرُ إلى منبتِه في النار"(1).

وظاهرُ الرواية أنَّ الجرجير سوف يكون من نبات جهنَّم، فقولُه: "كأنِّي أنظر إلى منبتِه في النار" معناه كأنِّي أرى الموقع الذي سوف يكون محلاً لنبات هذه البقلة في النار، فمساقُ هذا التعبير هو التأكيد على أنَّ الجرجير من الزروع التي سوف تنبتُ في النار.

الرواية الثانية: رواها البرقي أيضًا بسندٍ إلى أبي جعفر(ع) قال: "شجرةُ الجرجير على بابِ النار"(2).

الرواية الثالثة: رواها البرقي أيضًا بسندٍ إلى أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: "كأنِّي أنظر إلى الجرجير يهتزُّ في النار"(3).

الرواية الرابعة: رواها البرقي بسندٍ إلى أبي عبد الله (ع) قال: إنَّ رسولَ الله قال: "أكرهُ الجرجير وكأنِّي أنظر إلى شجرتِها نابتة في جهنَّم"(4).

الرواية الخامسة: رواها القطب الرواندي في الدعوات عن النبيِّ (ص) قال: "مَن أكلَ الجرجير ثم نام يُنازعُه عرقُ الجذام في أنفِه"، وقال (ص): "رأيتُها في النار"(5).

هذه هي الروايات التي وقفتُ عليها في طرقِنا وأكثرُها ضعيفُ السند، فالأولى مشتملةٌ على عيسى بن عبد الله العلوي وهو من المجاهيل، والثانيةُ مشتملةٌ على أبي جميلة وهو الفضل بن صالح وهو ضعيفٌ جدًا، وضعْفه متسالمٌ عليه بين الرجاليِّين بل إنَّ بعضَهم نسب إليه تعمُّدَ الوضع للحديث، والرابعةُ ضعيفةُ السند أيضًا لاشتمالِها على قتيبة بن مهران وهو مهمل وحمَّاد بن زكريا وهو مهمل أيضاً، وأمَّا الروايةُ الخامسة المرويَّة في الدعوات للقطب الراوندي فهي ضعيفة أيضًا لأنَّها مرسلة أي أنَّ الراوندي (رحمه الله) لم يذكر سندَه للرواية. فلم يبقَ إلا رواية واحدة وهي الرواية الثالثة التي ذكر لها البرقي طريقين فإنَّ الظاهرَ هو اعتبار سنديها.

وفي مقابل هذه الروايات تُوجد روايةٌ -إلا أنَّ في سندها ضعفًا- مرويَّةٌ عن موفَّق مولى أبي الحسن(ع) قال: كان إذا أمر بشيءٍ من البقل يأمرُ بالإكثار من الجرجير فيُشترى له، وكان يقول: ما أحمق بعض الناس يقولون: إنَّه ينبتُ في وادي جهنَّم، واللهُ تبارك وتعالى يقول: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾(6) فكيف ينبتُ البقل(7).

هذا وقد أفاد صاحبُ البحار العلامة المجلسي رحمه الله: إنَّ من المحتمل صدور الأخبار المثبِتة لنبات الجرجير في جهنم تقيةً، أي إنِّها كانت قد صدرت لغرض المجاراة لأخبار العامَّة وليس لغرض الإخبار عن الواقع.

فلأنَّه وردت في طرق العامَّة رواياتٌ مفادها إنَّ الجرجير ينبت في جهنَّم، لذلك كان من المحتمل صدور ما ورد من طرقِنا مدارةً لهم لاقتضاء ظروف الصدور لذلك، ولهذا لا يمكن الاطمئنان بصحَّة ما اشتملت عليه هذه الروايات من مضمون خصوصاً بعد الالتفات إلى أمرين:

الأول: أنَّ أكثرها ضعيفُ السند.

والثاني: هو غرابة المضمون الذي اشتملت عليه، وذلك يقتضي لكي يتمَّ الاطمئنان بصدقِه أنْ تتراكم القرائن على الصدق بمستوىً يتناسب مع غرابةِ هذا المضمون.

فالعقلاءُ قد يطمئنون إلى صدق خبرٍ لمجرَّد كون الجائي به ثقة، وذلك لأنَّ مضمون الخبر الذي جاء به كان مألوفاً أو متوقعاً، أمَّا لو كان الخبرُ غريباً فإنَّ العقلاء لا يكتفون في مثلِه بخبر الواحد وإنْ كان ثقةً، فما لم يتعزَّز الخبرُ ذو المضمون الغريب بإخباراتٍ أخرى وقرائن تُساهم في تضعيف احتمال الكذب والاشتباه وتُساهم في مضاعفة احتمال الصدق إلى أنْ ترقى به إلى مستوى الاطمئنان بالصدق فإنَّ مثل هذا الخبر لا يكون معوَّلاً عليه عقلائيًا وكذلك يكون ساقطًا عن الحجيَّة شرعًا إمَّا لأنَّ حجيَّة الطرق والأمارات لم تكن تأسيسيَّة وإنَّما هي إمضاءٌ لما عليه العقلاء، وقد قلنا إنَّ العقلاء لا يُعوِّلون على مثل هذه الأخبار ما لم تكن معتضدة بقرائن موجبة للاطمئنان بالصدق، وإمَّا لأنَّ حجيَّة خبر الثقة تعبُّدًا ثابتة لخصوص الروايات المتضمِّنة لبيان حكم شرعيٍّ أو نفي حكمٍ شرعي أو بيان مضمونٍ ذي أثرٍ شرعي، ومثل هذه المضامين ليست كذلك، فلا هي بيانٌ لحكمٍ شرعي ولا هي نفيٌ لحكمٍ شرعي ولا هي بيانٌ لمضمونٍ ذي أثرٍ شرعي. لذلك لا تكونُ مشمولةً لأدلة حجيَّة خبر الواحد الثقة.

كلُّ ذلك مبنيٌّ على القبول بغرابة المضمون الّذي اشتملت عليه الروايات المذكورة، وأمَّا بناءً على انتفاء الغرابة وذلك لأنَّ منشأ الإستغراب ليس تاماً فحينئذٍ لا يكون ثمَّة مانع من اعتماد هذه الروايات خصوصاً وأنَّها متعدِّدة وفيها ما هو معتبرٌ سندًا فلا بدَّ إذن من ملاحظة منشأ الغرابة في المضمون الذي اشتملت عليه هذه الروايات.

والظاهر أنَّ منشأ الغرابة والاستيحاش هو أمور ثلاثة مجتمعة:

الأوّل: هو عدم قابليّة الجرجير وغيرِه من الزروع لأنْ ينبتَ في وسط النّار خصوصاً نار جهنّم التي وصفها القرآنُ الكريم بقولِه: ﴿إِذَا أُلقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ / تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ...﴾(8)، وقوله: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى﴾(9)، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ / نَارٌ حَامِيَةٌ﴾(10)، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ / نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ / الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ / إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ / فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾(11).

فإذا كانت النّار كما وصفها القرآن الكريم كيف يُتَعقَّل أن ينبتَ فيها مثلُ الجرجير والّذي هو من أضعف الزروع ساقاً وأقلّها تجذّراً.

الثّاني: إنَّ كلَّ ما في جهنَّم هُيِّئَ ليكون وسيلةً لتعذيب أهل النّار، وليس في الجرجير ما يقتضي ذاك، فليس هو من قبيل الأشواك كما إنَّه ليس مرَّ المذاق، وليس هو من قبيل الأطعمة السامَّة والّتي يترتَّب على تناولها آلامٌ وأسقام، فلو كان للجرجير واحد من هذه الخصوصيَّات وأمثالها لأمكن القول بأنَّ اللهَ سيُعذِّب الكافرين بهذه النبتة إلا أنَّ الأمر ليس كذلك.

الثالث: إنَّ الجرجير من البقول التي يرغبُ النّاس في تناولِها، فهي مستساغةُ الطعم وهي في الوقت نفسه ذاتُ قيمةٍ غذائيَّة، وحينئذٍ لا تكونُ صالحةً لأنْ يُخوَّف بها العصاة والكافرين. فهي ليست من قبيل الضريع الّذي هو غير مستساغِ الطعم عند الإنسان بل وربَّما الحيوان أيضًا.

هذه الأمور الثلاثة لعلَّها هي منشأ الاستيحاش والاستغراب من مفاد الروايات المذكورة إلا أنَّه وبالتأمّل اليسير يتَّضحُ عدم اقتضائها جميعاً للاستغراب.

أمَّا الأمر الأوَّل: فلأنَّ من المقطوع به أنَّ الجرجير إذا كان سوف ينبتُ في جهنَّم فإنَّه سيكون واجدًا لخصوصيَّاتٍ تقتضي أهليَّته التكوينيّة للإنبات في وسط جهنَّم، فليس من الصحيح افتراض نباتِه في جهنَّم مع الالتزام ببقائه على ما هو عليه من خصوصيَّات في هذه الحياة. فإنَّ فساد ذلك أوضح من أنْ يخفى على أحد.

ولهذا لم يطرأ في ذهن متوهِّم ٍأو لا ينبغي أنْ يطرأ وهمٌ في أنَّ نبتةَ الضريع المعهودة هي بعينِها وبتمام خصوصيَّاتها سوف تكون طعامًا لسكَّان جهنّم، إذ من غير المعقول أن يتصوَّر أحدٌ قابليَّة هذه النبتة مهما كانت صلابتها لمقاومة نار جهنَّم، وهذا هو ما يلزم افتراضه لنبتة الجرجير لو كانت ستنبتُ في جهنَّم.

وعليه لا يصحُّ اعتبار الأمر الأوّل منشاً للاستغراب بعد أنْ كان اختلاف الخصوصيَّات في النشأتين أمراً مفروغاً عنه.

ويمكنُ تأكيد ذلك بملاحظة الكثير من الآيات التّي لا مصحِّح للقبول بمضامينها إلا الالتزام بالاختلاف في بعض الخصوصيَّات بين النشأتين.

ونذكر لذلك نماذج من هذه الآيات:

النموذج الأوّل: قوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ / يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾(12).

فرغم أنَّ أسباب الموت تنتابُه مجتمعةً ومتوالية إلا أنَّه ليس بميِّت، فهل يصحُّ قبول هذا المعنى لولا الإيمانُ بأنَّ ثمَّة خصوصيَّةً لتلك النشأة منتفية عن هذه النشأة.

النموذج الثاني: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ / يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ / وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ / كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾(13).

فالثياب من نار والغَسول حميم وأثرُه انصهار الأحشاء وما بطَن وظهر ثمَّ إنَّهم لا يموتون بل كلَّما خرجوا من عذابٍ أُعيدوا فيه، فأيُّ روح هذه التي تستقرُّ في بدنٍ رغم كلِّ هذا العذاب لولا أنَّ الله تعالى أراد لها الاستقرار على خلاف ما تقتضيه طبيعة النشأة الأولى.

النموذج الثالث: قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ / إِنَّا جَعَلنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ / إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ / طَلعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾(14).

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ المُكَذِّبُونَ / لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ / فَمَالِؤُونَ مِنْهَا البُطُونَ / فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾(15)، فالزقوم شجرةٌ تنبتُ في أصل الجحيم، والظاهر أنَّها ليست شجرةً واحدة بل إنَّ ثمَّة أشجار زقّومٍ كثُر كما هو المُستظهَر من قوله تعالى: ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾(16).

فهذه الشجرة إمَّا أن تكون مسانخة في حقيقتِها وخصوصيَّاتها مع شجر الدنيا، وإمَّا أنْ تكون مباينة لها في حقيقتِها وتمام خصوصيَّاتها.

فالاحتمال الأوّل ممتنعٌ لافتراض امتناع أنْ تنشأ شجرةٌ بالخصوصيَّات المعهودة في أصل الجحيم.

والاحتمال الثّاني وهو أنَّ شجرة الزقُّوم ليست شجرةً أصلاً وإنَّما هي حقيقةٌ أخرى أُطلق عليها اسم الشجرة، هذا الاحتمال خلاف الظاهر فلا يُصار إليه دون قرينة، فإنَّ لفظ الشجرة ظاهرٌ عرفًا ولغةً في المعنى المعهود للشجرة.

فيتعيّن احتمالٌ ثالث وهو أنَّ شجرةَ الزقُوم مسانخة في حقيقتِها للشجر المعهود في هذه النشأة، غايتُه أنَّها تختلف عنها في بعض الخصوصيَّات المناسبة لتلك النشأة.

هذه ثلاثةُ نماذج من آيات القرآن الكريم، وثمة نماذجُ أخرى كثيرة أعرضنا عن ذكرها لكفاية ما ذكرناه ورعايةً لعدم الإطالة.

هذا مضاف إلى ما ورد في السنَّة الشريفة من رواياتٍ كثيرة يصعب تأويلُها أو التنكُّر لصدورها، فهي متواترةٌ إجمالاً أو مستفيضة، ومفادها إنَّ الله تعالى سيعذِّب أقوامًا في النار بالحيَّات والعقارب، فإذا كان استيحاشٌ من نبات بعض الزروع في جهنَّم فليكن استيحاشٌ من وجود الحيَّات والعقارب في جهنم، إذ كيف يتمُّ القبول بإمكانيَّة بقائها حيةً في وسط الجحيم لولا القبول بمنحِها خصوصيَّاتٍ تُؤهلُها لذلك.

إذن فالأمر الأول لا يصحُّ اعتباره مبرَّرًا للاستيحاش والاستغراب من مفاد الروايات المتضمِّنة لنبات الجرجير في النار.

وأما الأمر الثاني والثالث: فكذلك لا يصلحان لتبرير الاستيحاش والاستغراب من الروايات المذكورة، وذلك لأنَّه لم يثبت أن كلَّ ما في جهنم سيكون مادَّةً لتعذيب العصاة من أهل النار، ولو تمَّ القبول بذلك فما المانع من إيداع هذه البقلة بعض الخصوصيَّات فتكون بذلك واحدًا من وسائل التعذيب لسُكان أهل النار بأن يُصبح الجرجير بقلةً شديدة النتَن يتأذَّى من رائحتها سكانُ جهنم أو يكون ذلك هو أثرها بعد الأكل، فهي مقتضية له في الدنيا فيكون مضاعفًا في الآخرة خصوصاً لو لم يكن في جوف مَن تناولها غيرها وكان ما تناولُه كثيرًا فإنَّ أثرها حينئذٍ لا يُطاق، فهي عذاب للمتملِّي منها قسرًا وعذاب لمتلقِّي أثرها، فالأول ينتابه الخزي والعار، والثاني ينتابه الغثيان، أو لا تكون كذلك ولكنَّها تكون طعاماً لذوي العز والكبرياء فيشعرون بالصغار والمذلَّة، فبعد صنوف الطعام وأجوده والذي كان يُحمل إليهم على أطباق الذهب والفضَّة ويحوطُهم الخدم والجواري ينتظرون أمراً ليسارعوا في إمضائه فإذا هم يقتاتون بقلةً ليست بذي بالٍ عند فقراء الدنيا فضلاً عن كبرائهم، فهم يحرصون على تحصيلِها وتناولِها لما المَّ بهم من جوعٍ فيجدونها كما وصف الله تعالى الضريع بقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾(17)، وقد يجدونها ملوَّثةً بصديد القروح ومٌلطَّخة بالدماء النازفة من حروق العصاة، فأيُّ مهانةٍ ومذَّلة أقسى على قلب العزيز من ذلك، فحتى لو كانت هذه البقلة مُستساغة في نفسِها فإنَّها لن تكون مُستساغة في هذه الأجواء الملبَّدة بألوان المهانة وصنوف التحقير، فكأنَّه معنيٌّ هو الآخر بقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾(18).

ثم إنَّه ما مِن شيءٍ إلا ويصلحُ أنْ يكونَ مادَّةً للتعذيب، فالجبابرةُ والطغاة قد يُعذِّبون أسراهم بشربِ الماء أو بتناول البطيخ، وقد ورد أنَّ الله تعالى يُعذِّب بعض العصاة بالثلج.

وبما ذكرناه يتَّضح أنَّ روايات الجرجير التي أفادت أنَّه من زروع الجحيم ليس فيها ما يقتضي تكذيبَها أو استبعادَ صدورها.

وأما أنَّ الجرجير بقلةٌ لبني أمية

قد وقفنا في ذلك على أربعِ روايات:

الرواية الأولى: رواها الكليني في الكافي بسندٍ له إلى أبي بصير قال: سأل رجلٌ أبا عبد الله (ع) عن البقل الهندباء والباذروج والجرجير فقال: إنَّ الهندباء والباذروج لنا والجرجير لبني أمية(19).

الرواية الثانية: رواها البرقي في المحاسن بسندٍ إلى أبي عبد الله (ع) انه قال: "إنَّ لبني أميَّةَ من البقول الجرجير"(20).

والرواية الثالثة: رواها في المستدرَك عن دعائم الإسلام عن رسول الله (ص) انَّه قال: "الهندباء لنا والجرجير لبني أميَّة"(21).

الرواية الرابعة: رواها في المستدرَك أيضًا عن ابن بسطام في طبِّ الأئمة (ع) عن الرضا (ع) انه قال: "الباذروج لنا والجرجيرُ لبني أميَّة"(22).

والظاهرُ أنَّها جميعًا ضعيفةُ الإسناد.

أما الرواية الأولى فيكفي لإسقاطها سندًا اشتماله على أحمد بن سليمان، وأما الثانية فيكفي لسقوط سندها اشتماله على عليِّ بن أبي حمزة البطائني رأس الوقف والمفتري على الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) وأمَّا الرواية الثالثة والرابعة فضعيفتان بالإرسال.

وأما ما هو المراد من هذه الروايات فله أكثر من احتمال:

الاحتمال الأول: إنَّ المراد من التعبير بأنَّ الهندباء لنا والجرجير لبني أميَّة هو أنَّ الهندباء محبوب لنا والجرجير محبوب لبني أميَّة.

الاحتمال الثاني: إن المراد هو أنَّه ينبغي أن يكون الهندباء مختصاً بنا وأن يكون الجرجير مختصَّاً ببني أميَّة.

الاحتمال الثالث: انَّ النسبة سيقت لغرض التعبير عن محبوبيَّة أكل الهندباء ومرجوحيَّة أكلِ الجرجير.

وثمة احتمالات أخرى استبعدناها فلم نذكرها. والاحتمالات الثلاثة تشترك جميعًا في إفادة المفاضلة بين الهندباء والجرجير وأنَّ الأول خيرٌ من الثاني، إما لأن الهندباء محبوبٌ لأهل البيت (ع) ولن يكون ذلك إلا لخصوصيَّة امتاز بها عن الجرجير أوجبت محبوبيَّته، وهذه الخصوصية إما أن تكون من قبيل القيمة الغذائيَّة وإما لكونه من زروع الجنَّة والجرجير من زروع الجحيم كما ورد في الروايات، وكذلك يقتضي الاحتمال الثاني تفضيل الهندباء على الجرجير، إذ أنَّه لن يكون ممَّا ينبغي اختصاصه بأهل البيت (ع) إلا لمزيَّةٍ فيه اقتضت الطلب للانتساب التشريفي لأهل البيت (ع) كما أن هذا الاحتمال يقتضي أنْ يكون الجرجير من السوء بحيث يكون المناسب لشأنه هو الانتساب لبني أميَّة.

ولعل المنشأ لتشريف الأول بالانتساب لأهل البيت (ع) هو قيمتُه الغذائية أو الأثر النفسي والذهني الذي يترتَّب على تناوله أو لأنَّه من زروع الجنَّة أو لتمام هذه المناشىء كما أنَّ من المحتمل كون المنشأ للانتساب التوهيني للجرجير هو ما يقتضيه من أثرٍ سيئ على مَن تملَّى منه ليلاً حيث أفادت العديدُ من الروايات أنَّ مَن ملأ منه بطنَه ليلاً بات على خطر الجذام أو البرص كما في رواية. كما أنَّ من المحتمل كون المنشأ لطلب الانتساب التوهيني هو أنَّه من زروع الجحيم.

وهكذا الحال بالنسبة للاحتمال الثالث فإنَّه يقتضي تميُّز الهندباء على الجرجير، فإنَّه لن تكون المحبوبيَّة لتناول الهندباء جزافيَّة كما أن المرجوحيَّة لتناول الجرجير لن تكون جزافيَّة.

وأمَّا ما هو المستظهَر من الاحتمالات الثلاثة فالظاهر أنَّه الاحتمال الثالث، فإنَّ الاحتمال الأول مستبعدٌ لأنَّه يقتضي أن يكون الإخبار عن محبوبيَّة الهندباء إخبارًا عن هوىً شخصي للهندباء وهو مخالفٌ لظاهر حال الإمام والذي كان بصدد الجواب عن سؤال السائل، والسائل لم يكن يسأل عن ما كان يهواه قلبُ الإمام شخصيَّاً وإنَّما كان يسأل عن حكم الشريعة في الهندباء والجرجير نظراً لكون الإمام ممثلاً للشريعة أو أنه يسأل عن طبيعة الهندباء والجرجير لاعتقاده بأنَّ الإمام (ع) مطّلعٌ على الخصائص التكوينيَّة للأشياء.

وأما الاحتمال الثاني فاستبعادُه ينشأ من اقتضائه لعدم فعليَّة انتساب الهندباء لأهل البيت (ع) والجرجير لبني أميَّة في حين أن الظاهر من قوله (ع): "الهندباء لنا والجرجير لبني أميَّة" هو فعلية انتساب كلٍّ منهما لكلِّ منهما.

فيتعيَّن الاحتمال الثالث وهو إنَّ النسبة سِيقت لغرض التعبير عن محبوبيَّة تناول الهندباء ومرجوحيَّة تناول الجرجير فإنَّ الإمام (ع) إما أن يكون بصدد بيان الحكم الشرعي لتناول البقلتين.

وإمَّا أنْ يكون بصدد بيان طبيعة البقلتين التكوينيَّة وأنَّ الأولى تقتضي تكويناً رجحان تناولها والثانية تقتضي تكويناً مرجوحيَّة تناولها.

وعلى كلا التقديرين تكون النسبة فعليَّة فإنَّ أهل البيت (ع) أولى بما هو محبوب شرعًا وهو ما يصحِّح نسبة كلِّ محبوبٍ شرعيٍّ لهم كما إنَّ أهل البيت (ع) سادة العقلاء فشأنُهم الفعل والأمر بكلِّ ما هو راجح عقلاً وذلك هو ما صحَّح انتساب التناول للهندباء لهم، فهم مَن حثَّ على تناولِه، وهم من كشفَ عن طبيعة آثاره.

كما أنَّ بني أمية والذين هم رمز الشر والسوء شأنُهم أن يُنسب لهم كلُّ مرجوحٍ شرعاً أو عقلاً، فالمصحِّح لنسبة بقلة الجرجير لهم هو أنها سيئة الأثر تكويناً أو أنَّها مرغوب عن تناولِها شرعًا لسوء أثرِها تكويناً أو لأنَّها من زروع الجحيم.

والذي يؤكد ما استظهرناه هو تصدِّي الروايات للحثِّ على تناول البقول التي نسبَها أهلُ البيت (ع) لأنفسِهم وبيان آثارها وفوائدها وتأكيد ذلك بالإخبار عن أنَّها ستكونُ من زروع الجنة، فإن ذلك يُعزِّز استبعاد الاحتمال الأول وترجُّح الاحتمال الثالث.

كما أنَّ الرويات التي حثَّت على عدم تناول الجرجير ليلاً وعدم التملِّي منه تُؤكد ما استظهرناه من أن نسبتَه لبني أميَّة إنَّما هو لغرض التعبير عن مرجوحيَّة تناوله، لأنَّ شأنَهم أن يُنسب لهم كلُّ ما هو مرجوح.

مقال رداً على سؤال: ما مدى صحَّة سند ودلالة الحديث الوارد عن المعصومين (ع) في شأن الجرجير أنَّ أصله في جهنَّم وهو طعام بني أميَّة؟ الهوامش: 1- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج25 / ص198. 2- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج25 / ص197. 3- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج25 / ص198. 4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج25 / ص187. 5- مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج16 / ص422. 6- سورة البقرة / 24. 7- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج8 / ص306. 8- سورة الملك / 7-8. 9- سورة الأعلى / 12. 10- سورة القارعة / 10. 11- سورة الهمزة / 5. 12- سورة إبراهيم / 16-17. 13- سورة الحج / 19-22. 14- سورة الصافات / 62-65. 15- سورة الواقعة / 51-54. 16- المصدر نفسه. 17- سورة الغاشية / 7. 18- سورة الدخان / 49. 19- الكافي -الشيخ الكليني- ج6 / ص368. 20- المحاسن -أحمد بن محمد بن خالد البرقي- ج2 / ص518. 21- مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج16 / ص422. 22- المصدر نفسه.
2023/10/24