





كربلاء - الأئمة الإثنا عشر: صدر عن شعبة البحوث الدراسات التابعة لقسم الشؤون الدينية في العتبة الحسينية المقدسة، العدد الأول من "مجلة البلاغ" الشهرية.
وتضم المجلة التي يشرف عليها المتولي الشرعي للعتبة الحسينية وممثل المرجعية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي أبواباً متعددة في الفقه والعقيدة والقرآن الكريم والتاريخ والمجتمع وغيرها.
لتحميل العدد الأول: إضغط هنا


[اشترك]
الأئمة الإثنا عشر: نود أن نستعلم من سماحتكم بحكم تتلمذكم على يدي المرجع الأعلى للطائفة اية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الشريف) ما هو شكل علاقته بالكتاب؟لقد عرف سماحته (دام ظله العالي) ـ منذ طفولته ـ برغبته الشديدة في أن يقضي معظم أوقاته وحده والكتاب بيده، لا يعنى ولا يهتم بالأسفار الترفيهية والتلاحمات الاجتماعية، فهو قليل الأصدقاء وقليل الزيارة للمجالس المختلفة، وقليل المزاح، وهمه في أن يعمر مجلسه العلمي أو التحليلي دون أي شيء آخر، وهذا عاملاً مهماً في بناء شخصيته الثقافية، حتى أصبح موسوعة متنوعة المعارف، متعددة الثقافات، ومكتبة متجسدة في شخصه المبارك.
الأئمة الإثنا عشر: بعض المتصيدين بالماء العكر يحاولون توجيه الإتهام لشخص السيد المرجع (دام ظله) في أنه إبان فترة الإحتلال الأمريكي للعراق لم يفتِ بوجوب الجهاد لمحاربة الأمريكيين، فما هو سر عدم توجيهه للعراقيين لهذا الغرض؟لقد كان بإمكان السيد المرجع (دام ظله) إستغلال ظرف الإحتلال الأمريكي للعراق في إصدار فتوى الجهاد والمقاومة المسلحة، ليحرز بذلك كبيراً في الأمة الإسلامية والعربية، ويكون بطلاً من أبطال العروبة، ولكنه تعامل مع الحدث بواقعية تامة، وركز على المصالح العامة للشعب العراقي، في إطار الممكن والميسور، فلم يفتِ بوجوب المقاومة المسلحة للإحتلال، ولكنه لم يحرمها ويمنع منها في نفس الوقت، وذلك لجهتين:
أ- فمن جهة، قد أدرك أن الشعب العراقي المظلوم على مدى خمس وثلاثين سنة قد نزف من الدماء والجراح عشرات الآلاف، وقدم من الضحايا والمآسي ما لا يحصى، فمقتضى حب القائد لشعبه وإخلاصه له، وحفظاً على دمائه وأعرضه وأمواله، أن لا يكلفه ويلزمه ببذل المزيد من الدماء، وتقديم الكثير من الضحايا، خصوصاً وأن قطاعاً كبيراً من هذا الشعب قد سئم كثرة الجراح والمآسي، وآثر أن يخلد الى الراحة وترميم الجراح.
ب- ومن جهة أخرى فإن التعامل مع الأمور بواقعية مجردة عن نداء العواطف والإنفعالات، أن تدرس المواقف ضمن قاعدة المهم والأهم، وقد رأس سماحته أن إخراج المحتل من العراق أمر مهم، ولكن إعطاء فرصة للشعب العراقي ليبني له كياناً سياسياً بإرادته واختياره أهم.
وقد شخص أنه لو أفتى بوجوب اخراج المحتل، وبذل الشعب العراقي آلاف الدماء والضحايا لمدة ثلاث سنوات فإن نتيجة المعركة وثمرتها لن يحصدها الشعب العراقي، حيث أن البعث الصدامي وتنظيم القاعدة كان في تلك الفترة قوة عسكرية واستخبارية، ممتدة في طول البلاد وعرضها، وبالتالي فهم قيادة جاهزة لركوب الموجة واغتنام الفرصة، بحيث متى ما خرج المحتل سيطروا على مقدرات البلاد من جديد، وحكموا بالحديد والنار وعاثوا في الأرض فساداً، ودونكم تجربة الشعب الجزائري وغيره من الشعوب التي بذلت آلاف الدماء في ثورات وحركات مستميتة، وكانت النتيجة أن حصد الثمرة فئة قليلة من المجتمع، وهي التي سيطرت على ادارته وقيادته.
فيتضح أن سماحة السيد (دام ظله الشريف) قدم ما هو أهم على المهم، وهذا التوجه وإن كان أمراً مراً وصعباً ومصادماً لغليان العواطف والمشاعر، إلا أنه هو المنسجم مع رشد القيادة وواقعيتها وإخلاصها.
مضافاً الى ذلك كله فإنه لم يحرم القيادة المسلحة، ولم يستقبل أي طرف يتعاون مع الإحتلال، أو يكون ممثلاً له، ولم يعبر عن الوجود الأمريكي والبريطاني في العراق إلا بالإحتلال، الى يومنا هذا، وأصر على اجراء الانتخابات، مع أن المخطط الأمريكي هو نصب حكومة موالية له بأساليب معينة، كما أصر على عدم عقد اتفاقية استراتيجية مع الجانب الأمريكي إلا إذا تضمنت عنصرين
ـ المحافظة على سيادة العراق واستقلاله.
ـ وتوفر الاجماع الوطني على قبولها والتفاعل معها.
الأئمة الإثنا عشر: مع أن سماحة السيد المرجع (دام ظله الشريف) هو المرجع الأعلى للطائفة، إلا أننا نرى أنه لا يمتلك أدنى مقومات الحياة المرفهة، فلم يلحظ عليه أنه عاش في بيت واسع أو ركب سيارة فارهة، فما السر في ذلك؟لقد جاء على لسان أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) في بيان وصف معيشته أنه قال (ألا وان لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن أمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه) وقد جسد السيد المرجع (دام ظله العالي) هذا العبارة بأدق تفاصيلها، فهو ـ منذ عشرات السنين ـ يسكن كوخاً من أكواخ النجف القديمة، بأجرة يدفعها في موعدها كل شهر، ويعيش عيشة الزاهد في المظاهر الدنيوية، من دون أن يعبأ بلذة أو إغراء.
وحاله في لباسه وأثاثه ومائدة طعامه بعد المرجعية، هو حاله عندما كان طالب علم في الثلاثين من عمره، يعيش على راتب قليل يستلمه من بعض أساتذته.
ثم إنه منع على نفسه وابنائه أن يتملكوا داراً أو سيارة أو أي جهاز مهم، كما منع نفسه وأبنائه قبول أي هدية توجب إنحيازاً نفسياً لأحد على حساب آخرين، ولم يقبل أن تخصه الحكومة العراقية بطاقة من الكهرباء، أو بإقامة معينة دون غيره من أبناء شعبه، مستشهداً بكلمات مثله الأعلى امير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) (إِنَّ اَللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ) .
وإن البيئة التي عاشها في مشهد ـ منذ نعومة أظفاره، حيث كانت بيئة زهد وإنصراف عن زخارف الدنيا ومظاهرها ـ جعلته يأبى أن ينشغل بأي مظهر يشعر أن فيه زهواً وبروزاً دنيوياً، فذلك نأى بنفسه عن الظهور في الوسائل الاعلامية المختلفة، إلا بمقدار الضرورة القصوى، حفظاً لنفسه السامية برصيد التقوى والورع عن التلذذ بأي مظهر دنيوي أو مادي.
كما أبى على وكلائه ومقلديه رفع صوره، أو إبرازه دون غيره من مراجع التقليد، حرصاً على أن لا توسم القيادة العلوية الإمامية بسمة الإنشغال بالدعاية والإعلام المادح، فإن رأيته وجلست بين يديه وجدت أن المثل العلوي (يا دنيا.... غري غيري) هو مظهره العام والخاص.
الأئمة الإثنا عشر: ما هو السبب الرئيسي الذي يجعل المرجعية ترفض إنشاء قناة فضائية تشرح من خلالها مواقفها الدينية والسياسية للناس؟ربما يرى بعض المحبين المخلصين، أن تعامل المرجعية مع الشعب والأمة، من خلال بيانات تصدر من بيت المرجع متضمن لنوع من الإحتقار والاستصغار للأمة، بينما لو إنشئت قناة تخص المرجعية، وتنهض بدور إبراز المرجع القائد، وهو يخاطب أبنائه بصوته وصورته واستعراض أخبار المرجعية بشكل يومي، وطرح بياناتها ورؤاها في جميع الظروف والمواقع، لكان ذلك مظهراً حضارياً للقيادة الأبوية، وعاملاً أساسياً في تعميق التواصل بين القائد وأمته.
إلا أن للسيد المرجع (دام ظله) نظرة أخرى تتضمن أموراً:
أ - إن المهم في احترام الأمة والإخلاص لها ليس في إنشاء القنوات والتحشيد الإعلامي، وإنشغال الناس بصور القائد وبياناته وكلماته، وإنما الإنجازات العملية على الأرض، فلذلك يرى (دام ظله) أن ما يقوم به المعتمدون من وكلائه، من إنشاء مراكز للعلوم العقائدية، ومراكز للتبليغ واعداد المبلغين ـ كما في مكتبه في قم ـ وما يقومون به من بذل آلاف الأموال على الفقراء لإنعاشهم وإنقاذهم، وإنشاء المستشفيات واعداد المؤسسات التنموية والمدنية العامة، ومن بعض الشواهد على ذلك:
ـ قناة هدهد للأطفال
ـ شبكة رافد للتنمية
ـ بناء المدن لطلبة العلم في النجف وقم
ونحو ذلك من الخدمات، مع كونه يعيش داخل بيته بنهج عيشة الفقراء، فهذا النهج هو المحقق لإحترام الأمة والإخلاص لها والمواساة لأوضاعها، وليس الإعلام.
ولذلك كان منهجه في كثير من الثورات والحركات تقديم خطوات عملية فاعلة، لا بإصدار البيانات النارية.
ب - أنه لو تصدى لإنشاء قناة تخصه، لكان ذلك سبباً لظاهرة قنوات المراجع، فسنرى بعد ذلك أن كل مرجعية تتبنى قناة تخصها وتعنى بشؤونها، وهو منا يخلق ساحة للإختلاف والتنافس المحموم، وإشغال الأمة بأمور ثانوية عن القضايا الأولية.
ج - إن في اختيار الظروف المناسبة للظهور، وتعويد الأمة على أن المرجعية لا تتحدث إلا في القضايا المهمة الشائكة، يجعل لبيان المرجعية وقعاً في النفوس أكثر تأثيراً، وأبلغ تحريكاً من كثرة البيانات واستهلاك الطرح.
ونعود لنقول: إن العامل المتجذر في شخصيته، في الرغبة عن الظهور، والإنصراف النفسي عن كل ما يراه مظهراً دنيوياً زائلاً، هو بالحقيقة سبب مؤثر في امتناعه عن البروز في وسائل الاعلام.
الأئمة الإثنا عشر: يجهل الكثير من الناس تعلق السيد المرجع (دام ظله) وولعه بالعبادة، فهل لسماحتكم أن تحدثونا عن هذا الجانب من حياته المباركة؟- كثير من علمائنا الربانيين قد ظهر مدى تعلقهم بالعبادة، حتى أن جمعاً منهم قد برز في ساحة العرفاء والمتعلقين بعالم الملكوت، ولكن سيدنا المرجع (دام ظله) يتمثل في حركته وسلوكه بالمقالة المشهورة للعارف المقدس السيد علي القاضي (أعلى الله مقامه) (من وصل لم يقل، ومن قال لم يصل).
فهو الذي يقضي الكثير من وقته في الخلوة مع نفسه، وفوق سطح بيته، ناظراً لقبة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) متذكراً سيرته متأملاً حياته ومنهجه، فهو مصداق لما ورد في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) (يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى).
وهو الذي يعيش لذة خاصة بالذكر والنافلة، ومع ذلك كله فهو لم يظهر يوماً من الأيام انتسابه الى لعالم العرفاء، ولم يتشدق بكونه من أهل العبادة والذكر، بل كان ايام قدرته على الخروج من بيته يواظب على زيارة قبر جده أمير المؤمنين (عليه السلام) وزيارة مسجد الكوفة بالذات والسهلة، في أوقات لا يراه إلا القليل من الناس.
كما أن علاقاته بالعرفاء الصادقين في النجف الأشرف، لم يطلع عليها حتى بعض خواصه المقربين لديه، فالعبرة عنده بصدق اليقين بينه وبين ربه، لا بالصورة السائدة بين الناس.
ولكن خير شاهد يدلك على تجذر نفسه العبادي وروحه العرفانية، أنك إذا جلست عنده وجدته مصداقاً للحديث عن الصادق (عليه السلام) حين سئل عن قول الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله) النظر في وجوه العلماء عبادة، قال (عليه السلام): العالم اذا نظرت اليه ذكرك الاخرة.
الأئمة الإثنا عشر: يتميز مراجع الطائفة بغزارة العلم وسعة الاطلاع، حتى عُد الكثير منهم أصحاب مدارس برأسها أمثال الشيخ الأعظم والمحقق صاحب الكفاية والشيخ النائيني والسيد الخوئي (قدست أسرارهم) وقد سار على خطاهم السيد المرجع (دامت بركاته) السؤال هنا: هل لكم أن تطلعونا على أهم ما تضمنته حركته الفكرية على مدى الثمانين عاماً التي قضاها في خدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؟مما لا شك فيه أن مقام المرجعية هو الإحاطة بجميع العلوم الدخيلة في الاستنباط، وتحديد الحكم الشرعي ومنها: اللغة والتفسير وعلم الكلام، بل لا بد من كون الفقيه صاحب رأي ونظر ثاقب في هذه العلوم كلها، وجميع المراجع الأعلام أساتذة الحوزة العلمية على هذه الصفة، من دون أن تنحصر مهارتهم في الفقه والأصول، وهذا يقتضي عرضاً تفصيلياً على العنصر العلمي لشخصية السيد المرجع (دام ظله).
والحديث عن المنهج العلمي الذي تبناه السيد المرجع (دام ظله) في محاضراته في الحقول الحوزوية الثلاثة: الأصول والفقه والرجال.
الحقل الأصولي
إن للسيد الأستاذ في علم الأصول منهجاً متميزاً، ومساراً يختلف عن مسار كثير من أرباب علم الأصول وأساتذته، ويتبين ذلك باستعراض معالم مدرسته الأصولية:
أ - إن الأستاذ قبل أن يشرع في بحث أي مسالة أصولية، وعرض تفاصيلها، يقرأ المسالة قراءة شمولية، من أجل اقتناص النكات العامة المؤثرة في بناء المسالة قبولاً أو رفضاً، وفرزها عن النكات الثانوية والجزئية، مما يعطي بصيرة لكل باحث يتناول المسألة، وهذا يختلف عن منهج كثير من الأساتذة الذين يتناولون كل مسألة بمنهج تجزيئي، والانتقال من فقرة الى أخرى بنحو تختلط فيه النكات العامة بالنكات الخاصة.
ب - تنوع الثقافات:
إن السيد الأستاذ كما هو فقيه متضلع وأصولي بارع ورجالي ماهر، وصاحب نظر ثاقب في الفلسفة والتفسير، فانه متعدد الثقافات أيضاً، فقد دأب على قراءة بعض العلوم الإنسانية : كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم القانون، ودقق النظر في القانون المصري والعراقي والفرنسي: كما أن له اطلاعاً وافراً بالتاريخ، وخصوصاً التاريخ السياسي للدول العربية والإسلامية، وهذا التنوع الثقافي تجلى أثره في بحوثه الأصولية، فقد استفاد من الألسنيات في تقسيم الدلالة في باب المفاهيم، وتقسيم الحكومة وتنوع ألسنة التنزيل في النصوص، كما استعرض ذلك في بحثه في قاعدة لا ضرر .
الحقل الفقهي
إن بحوثه الفقهية تتميز بسمات تشبع نهم الباحث، وتروي غليله باستيعاب نكات المسائل، والوصول لأفضل الآراء دقة ومتانة وهي عديدة:
السمة الأولى: تاريخ المسألة
إن السيد الأستاذ يستعرض المسالة منذ بداية طرحها في أول كتاب فقهي وصل إلينا، من كتب الخاصة أو العامة، ولاشك أن قراءة سير المسألة ونموها دخيل في تحقيق الأقوال، ومعرفة مدى ارتباطها أو بعدها عن لب المسالة وكنهها.
السمة الثانية: كتب القدماء
إن التركيز في بحثه على مراجعة كتب القدماء في المسألة، والتدقيق في عباراتهم عند تناول المسألة، له صلة وثيقة باستكشاف القرائن الارتكازية المعاشة عندهم، والتي لم تصل الينا بلحاظ أنهم أول من تلقى النصوص، وهم أقرب لزمان النصوص، وهم أقرب لزمان صدورها، وأكثر احاطة بقرائنها الحالية والارتكازية.
كما أن ذلك دخيل في معرفة حجم الحكم، وأنه بدرجة الشهرة، أو الإجماع، أو التسالم، أو الضرورة.
السمة الثالثة: أجواء النصوص
من الركائز الأساسية في بحثه قراءة الكتب الفقهية والحديثية للعامة، في كل مسألة، بلحاظ أن كثيراً من الروايات ما هي إلا تعليق على رأي الجمهور، لتخطئة أو إضافة.
فقراءة كلمات العامة في المسألة كاشف عن الأجواء المعاصرة للرواية الصادرة عن المعصوم، وقرينة من قرائن مفادها، كما تعرض لذلك جمع من الأعلام في وجوب الخمس في الأرض المشتراة من الذمي.
السمة الرابعة: الخبرة بكتب الحديث
فبحثه الفقهي يشتمل على مخزون وافر من الخبرة بالنسخ الخطية للكتب الأربعة، وغيرها من كتب الحديث والدقة في التتبع والمقارنة بيتن موارد الاختلاف فيها، والقدرة البارعة على ترجيح بعض النسخ على الأخرى، وهذا ما لاتجده في كثير من البحوث الحوزوية.
ومن مصاديق ذلك ما أشتهر من أن الكافي أشد ضبطاً من التهذيبين، لترجيح مصادر الكافي على مصادر غيره، فذهب (دام ظله) الى أنه هو لا شاهد عليه، بل الشواهد المتوفرة على عدمه بحسب نظره الشريف.
الحقل الرجالي
من سمات الشخصية العلمية للسيد الأستاذ أنه فارس في ميدان علم الرجال، لوضوح مهارته وبراعته الفائقة في عدة جهات من هذا العلم:
أ - خبرته بمختلف الكتب الرجالية لدى الخاصة والعامة، وتحديده للغرض من تدوين كل كتاب منها، لدخالة ذلك في قيمة التوثيق والتضعيف فيها .
ب - تمييز السابق من اللاحق، لتحديد كون الجرح أو التعديل تأسيساً أو موروثاً.
ج - التركيز على ألسنة التوثيق المتنوعة، من المدح أو الترضي أو التوثيق الصريح، أو النعت بأنه صحيح الحديث، أو صالح الرواية، أو أن حديثه لا ينكر، فان اختلاف العبارات ليس مجرد تفنن، وإنما هو دخيل في تقويم درجة الوثوق بالراوي، وقيمة الاعتماد على الرواية وفي اثبات حكم مخالف للقواعد، بل أن لكل رجالي مصطلحات خاصة به لا تعرف إلا بالخبرة بكتابه.
د - لقد ذهب السيد الأستاذ (أمد الله في عمره المبارك) الى أن قول الرجالي توثيقاً أو تضعيفاً، ليس شهادة وإنما هو رأي حدسي، فكلمات الرجاليين إحدى قرائن الوثوق، ومقتضى ذلك جمع القرائن المختلفة المتصيدة من كتب الحديث والفقه وكتب الأدب، كشهرة الراوي، أو كونه من مشائخ الإجازة، أو استحسان العامة له، أو رفضهم إياه، فان كل ذلك دخيل في تحديد وثاقته لدى الخاصة.
هـ - فن الترجيح: إن تقديم كلمات النجاشي على الشيخ، أو تقديم كلمات الكشي عليهما، يتقوم بالخبرة الاستقرائية لكتب الثلاثة، ومعرفة مدى الدقة والمهارة لكل منهما في مقام الجرح والتعديل، ومدى قيمة المصادر المعتمدة لدى مؤلفي هذه الكتب.
و - ثقافة الراوي: من جملة قرائن الوثوق بالراوي، استقراء رواياته المختلفة، لشهادة مضامينها بثقافته، وتحديد أن المتعارف في رواياته رواية ما هو مخالف للقواعد، أو ما هو منكر في علم الكلام، أو أن سنخ أحاديثه موافق للمضامين العامة للدين الحنيف والشرع المطهر.
ز - صفة الراوي: كما أن تحديد صفة الراوي وتمييز كونه من المجتهدين أو من الرواة، دخيل أيضاً في قيمة الوثوق بالمتن المروي من قبله عن المعصوم (عليه السلام).
ولا ننسى أن نشير الى أن من المواهب التي حباها تعالى لسيدنا الأستاذ (دام ظله) أن رزقه الله ولدين فقيهين جليلين هما من علية أساتذة حوزة النجف الأشرف، ولهما من النتاج العلمي ما يستفيد منه أهل الفضل والتدقيق.
حاوره: سماحة الشيخ أحمد الشبلي

تستضيف «مجلة البلاغ» الصادرة عن شعبة البحوث والدراسات، في باب "الحوار" جملة من العلماء والفضلاء لبيان آرائهم في مجالات الدين والفكر والثقافة، وفي العدد الثاني منها يسر أسرة "البلاغ" أن تستضيف رئيس قسم الشؤون الدينية التابع للعتبة الحسينية المقدسة سماحة الشيخ رائد الحيدري للحديث عن «المعجرة والكرامة».
البلاغ: ما هو الفرق بين المعجزة والكرامة وهل لكرامات الأولياء أصل في تراثنا الديني؟
- لا يوجد فرق بين المعجزة والكرامات من جهة كونها فعل خارق لنواميس الطبيعة الا من جهة الغرض والغاية من كل واحد منهما، فالمعجزة هي الفعل الخارق لنواميس الطبيعة والصادر من مدعي لمنصب إلهي كالنبوة والإمامة بقصد اثبات صدق دعواه. فلذلك نرى أن الأنبياء (عليهم السَّلام) إلى جانب ما أقاموه من الدلائل و البراهين على صدق دعواهم قد اظهروا معاجز تؤكد صدق ادعائهم ولا تدع مجالا للشك في حقانية نبوتهم.
بينما المراد من الكرامة ما يصدر من الولي من دون قصد التحدي، اي انه بفعله هذا لا يريد اثبات دعواه.
وبالتالي كثيرة هي الخوارق التي صدرت من النبي صلى الله عليه آله واهل بيته عليهم السلام لا بقصد اثبات صدق دعواهم حيث كانت موجهة لأشخاص مؤمنين بهم اصلاً.
ويمكن عد قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»([1])، فذكر الحق تبارك وتعالى حادثتين لنبيين من انبيائه هما ابراهيم وعزير وكلاهما خارق للعادة لأنهما يتضمنان احياء الموتى لكن لا يتصور منه انه معجزة لكون النبي لا يريد اثبات صدق دعواه لنفسه.
وكنزول الطعام على مريم عليها السلام، كما في وله تعالى: «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»([2]).
وأما في الحديث والسنة فهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعها وأحصاها علماء الحديث و دوّنوها في كتبهم و مؤلّفاتهم. ومن أراد الاطلاع فليراجع ما ألَّفه المُحدِّث الكبير الشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي ، في كتابه: " إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات " .
البلاغ: ذكرتم الغاية من المعجزة وهي البرهنة على صدق مدعي المنصب الإلهي كالنبوة او الإمامة، لكن ما هو الغرض والفائدة من الكرامة؟
- ذكر المفسرون عدة غايات:
منها تنفع في رفع درجة الولي بزيادة يقينه، فكما هو واضح كتاباً وسنة إن للمناصب الإلهية شروط يجب تحققها كمنصب الإمامة حيث يشترط القرآن وصول الإنسان الى درجة اليقين في العلم والصبر في العمل كما في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ»([3])، فتراه يشترط في جعل الانسان إماماً ان يكون في مقام العلم على درجة اليقين وفي مقام العمل على درجة الصابرين، لذا فتارة تكون فائدة الكرامة عائدة على نفس الولي كما في الآيات السابقة، فعلل ابراهيم طلبه من الله تعالى بقوله «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ.. » ([4])، وذلك من خلال التعرف على قدرة الله تبارك وتعالى.
ـومنها بيان كرامة ومنزلة صاحب الكرامة كما في قصة مريم عليها السلام المتقدمة حتى ان نبي الله زكريا لما رأى ذلك طلب من الله تعالى ان يرزقه ذرية، قال تعالى حكاية عنه: «هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ» ([5]).
ولعل من هذا الباب الكرامات التي نراها ونسمع عنها لأهل البيت عليهم السلام وذريتهم.
البلاغ: كيف نتعرف على الكرامة الحقيقية وتمييزها عن الشعوذة والسحر؟
- ذكر العلماء ضابطة مشتركة بين الكرامة والمعجزة هي ان لا يدعي صاحبها دعوة مستحيلة عقلاً او شرعاً، كما لو ادعى شخص الألوهية وجاء بفعل خارق للعادة، فنجيبه بأن هذا من السحر لأن دعواك مستحيلة عقلاً، لاستلزامه تعدد الآلهة، وكما لو ادعى شخص النبوة او الإمامة او السفارة عن الإمام وقد جاء بفعل خارق للعادة، فنجيبه بأن هذا من السحر لاستحالة هذه الدعوة شرعاً فقد نص القرآن على خاتمية النبوة «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»([6])، ونص الشرع على خاتمية الإمامة بذكر اسماء الأئمة وعددهم، والسفارة ـ أي الارتباط المباشر مع الإمام عليه السلام ـ من خلال توقيع علي بن محمد السمري "ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل ، وذلك بعد طول الأمد ، وقسوة القلوب ، وامتلاء الأرض جوراً . وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذابٌ مفتر" ([7])، او دعوى ان هذا الشخص قد نزلت فيه روح النبي الفلاني او الإمام الفلاني فهذه دعوة مستحيلة شرعاً، لأنه نوع من التناسخ الباطل عقلاً وشرعاً.
بالإضافة الى ان خرق العادة يعد كرامة إذا كان يحصل لشخص يعرف بالتقوى والصلاح، لأن الكرامة تكون للمؤمنين أولياء الله تعالى، وأولياء الله تعالى سمتهم الأساسية هي الإيمان والتقوى.
قال الله تعالى: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ»([8]).
فمن لم يكن متقياً، فخرق العادة له لا يعتبر كرامة؛ بل قد يكون من عمل الشعوذة والسحر وعمل الشياطين .
ومن الألفاظ المأثورة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة.
هذه أهم المعالم التي تُمَيَّز بها الكرامة.
البلاغ: هل للحسين عليه السلام خصوصية تقتضي ظهور الكرامات عند قبره الشريف عن سائر مراقد العصومين عليهم السلام؟
- الحسين عليه السلام كسائر الأئمة عليهم السلام في كونهم حجج الله على الخلق ووسيلتهم اليه، إلا ان لقربه وكونه من أصحاب الكساء خصوصية ولمقتله خصوصية اخرى جعلت من التوسل به ادعى لاستجابة الدعاء، فقد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن الله خص ولدي الحسين 8 بثلاث: الأئمة من ذريته، والشفاء في تربته، والدعاء مستجاب تحت قبته"([9]). فكان التوسل به اجدى، حتى ممن هو افضل منه، فإن للتفاوت في الفضيلة مقام، وللخصائص مقام آخر، يقول الشيخ جعفر التستري في الخصائص الحسينية: أني أمعنت النظر في الوسائل المتعلقة بالأئمة (عليهم السلام) فرأيت اجلّها فائدة وأعظمها مثوبة وأعمها نفعا وارفعها درجة وأسهلها حصولا وأكثرها طرقا وأيسرها شروطا وأخفها مؤونة وأعمها معونة ما يتعلق بسيد شباب أهل الجنة، ووالد الأئمة السيد المظلوم أبي عبدالله الحسين عليه السلام، فرأيت له خصوصية في التوسل إلى الله قد تفرد بها، وامتاز في ذلك حتى عمن هو أفضل منه.
فان للتفاوت في الفضيلة مقاما ولوحدتهم مقاما، نورهم وطينتهم مقام، والخصوصيات مقام آخر، فرأيت في الحسين (عليه السلام) خصوصية في الوسيلة إلى الله اتصف بسببها بأنه بالخصوص - باب من أبواب الجنة وسفينة للنجاة ومصباح للهدى. فالنبي والأئمة (عليهم السلام) كلهم أبواب الجنان، لكن باب الحسين مسلكه أوسع، وكلهم سفن النجاة ولكن سفينة الحسين مجراها على اللجج الغامرة أسرع، ومرساها على السواحل المنجية أيسر، وكلهم مصابيح الهدى، لكن محال الاستضاءة بنور الحسين أوسع دائرة، وكلهم الكهف الحصين، لكن منهاج كهف الحسين اسمح وأسهل([10]).
ويقول ايضا: وذلك أني وجدت في وسائله (عليه السلام) ما يبعث على كمال الإيمان وتقويته واستقراره مثل: "إن من زاره كان كمن زار الله تعالى في عرشه" فان زيارة الله تعالى كناية عن نهاية القرب إليه، وهذا لا يكون للإيمان المستودع، والقلب الذي يعلم الله منه الزيغ بعد الهداية.
ومثل أنه ورد أن الزائر يجيئه ملك ويقول له: "إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: استأنف فقد غفر لك ما مضى "، فإذا كان الشخص ممن يسلم الله عليه فلا يمكن أن لا يسلمه من أعظم المصائب وهو ذهاب الإيمان ولا أقل من ذلك ، فاطمأننت بذلك([11]).
البلاغ: هل ترون في نشر كرامات أهل البيت عليهم السلام فائدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وهل فيها من محاذير؟
- لا يخفى ما فيه من فائدة بعد ما اتضح ان من الغايات بيان فضل صاحب الكرامة، فإذا عرضت فائدة للإمام الحسين عليه السلام مثلاً او احد اولاد الأئمة ففي نشرها بيان لفضل صاحبها، لكن ينبغي ان يكون التداول بالنحو الذي لا يثير الشبه والاشكالات عند الغير، وذلك من خلال التثبت عن مصدر النقل وكونه موثوقاً، وعدم استخدام الكرامات في الاستدلال على مسائل الفكر والعقيدة.
* حاوره: الشيخ صلاح الخاقاني
([1] ) سورة البقرة: 160.
([2] ) سورة آل عمران: 37.
([3] ) سورة السجدة: 24.
([4] ) سورة البقرة: 260.
([5] ) سورة آل عمران: 38.
([6] ) سورة الأحزاب: 40.
([7] ) كمال الدين: 516.
([8] ) سورة يونس : 62 – 64 .
([9] ) بحار الأنوار: ج36، ص 286.
([10] ) الخصائص الحسينية: ص10.
([11] ) الخصائص الحسينية: ص14.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أي بُني إني.... بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور. وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته. فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك» [1].
يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) في طليعة اهتمامه على ما يبدو في فكره مسألة توثيق العلاقة الروحية في أجواء الأسرة من وجهة نظر إسلامية، موازنة بين المطالب الدنيوية والمطالب الأخروية طبقا لقوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» [2]. وهذا التوازن يقتضي بطبيعة الحال العمل في أولويات الواجبات التي تناط بالأسرة.
فيرى الامام (عليه السلام) من الواجب على الآباء أن يراعوا أبنائهم في كل مرحلة من مراحل نموهم ويغذوهم بما يحتاجونه من زاد ثقافي وأخلاقي بما يتناسب وكل مرحلة، وبصدد هذه المراحل ونمو العلاقة التربوية يقول (عليه السلام): «فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مئونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه»[3].
ومن هنا يستوقفنا أيضاً قول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «يثغر الغلام لسبع سنين ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرّق بينهم في المضاجع لعشر ويحتلم لعشر، ومنتهى طوله لاثنتين وعشرين، ومنتهى عقله لثمان وعشرين سنة الَّا التجارب» [4]. الذي يتماشى مع نمو الفرد بحيث لا تنفك عن مراقبته طوال حياته. وهذه المسؤولية الخطيرة ليست قصرا على الأسرة وحدها بل هناك حقوق لابد من تهيئتها من قبل الدولة ويجب المحافظة عليها، لتوفير الحياة السعيدة وإزالة الجهل من نفوس الناس يقول (عليه السلام) «أما بعد: فإن لي عليكم حقا، ولكم علي حق، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات الله، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا» [5].
يشير الامام (عليه السلام) في كلامه إلى ضرورة توعية الناس بكيفية المحافظة على الحقوق المتبادلة في المجتمع وفي الأسرة، التي تعد نوعا من التربية، كحقوق الآباء على الأبناء وحقوق الأبناء على الآباء، ويضع (عليه السلام) في ذلك أسسًا وموازين في كيفية استرشاد الأمور التربوية الإنسانية الصحيحة، التي تهدف لانتشال الإنسان من مهاوي الخوف والسمو بالنفس وصيانة الكرامة والتبصير بأساليب الحق.
ويدرك الإمام (عليه السلام) أن الأساليب التربوية لا تعدوا أن تكون ومضات سريعة بل تحتاج الوقوف عند كل موقف من مواقف الأبناء وما ينبغي أن يتربوا عليه ويستسقوا التعاليم الصحيحة، وفي هذا يقول (عليه السلام): «ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية»[6].
إشارة الى الشعور بالمسؤولية بأن يكون الوالد شفيقا على أولاده، وينظر في مصالحهم والاهتمام بأحوالهم، وابتدائهم بالتعليم والتأديب، وتوفير المناخات الروحية والنفسية لهم، عبر تعليمهم كتاب الله والوقوف على أحكامه وتشريعاته من حلال وحرام.
فالإنسان الذي يشعر بالمسؤولية من وجهة نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المقتدر على التعامل مع أسرته ومجتمعه على أسس أخلاقية تصون مكانته كإنسان من خلال احترامه لنفسه ومحافظته على كرامته وتحمل المسؤولية تجاه غيره.
الهوامش:
----------------
[1] ـ نهج البلاغة, خطب الإمام علي ( ع ), 3 /40 .
[2] ـ سورة القصص: 77 .
[3] روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه, محمد تقي المجلسي ( الأول ), 13 /82 .
[4]ـ الوسائل باب 74 حديث 5 من أبواب أحكام الأولاد ، ج 15 ص 183
[5] بحار الأنوار, العلامة المجلسي, 34/49 .
[6]ـ نهج البلاغة, خطب الإمام علي ( ع ), 3 /41 .

قالت شعبة البحوث والدراسات التابعة لقسم الشؤون الدينية في العتبة الحسينية المقدسة إنها تستعد لإصدار ترجمات عربية لكتب "العلم الممسوخ: المزيد من أيقونات التطور" و "المهرطق: رحلة عالِم من الداروينية إلى التصميم"، و "لا يقاوم: صعود تكنولوجيا الإدمان وكيف يتم تقييدنا بها".
وكتاب العلم الممسوخ لمؤلفه " جوناثان ويلز" يتناول الحجج التطورية -مثل اجنة هيكل والعث الإنكليزي والحيتان الماشية والزائدة الدودية وغيرها- التي ادعو تأييدها نظرية التطور الداروينية، وفقاً لمسؤول البحوث والدراسات الشيخ مقداد الربيعي.

وقال لـ "موقع الأئمة الإثني عشر" : " من المؤمل ان يتم اصدار النسخة العربية لكتاب العلم الممسوخ في شهر يناير من هذا العام بأذنه تعالى".
أما بشأن كتاب "المهرطق"، قال الربيعي: "إن كتاب المهرطق يحكي كيف تحول عالم الكيمياء الحيوية الأوروبي الصاعد ماتي ليسولا من أحد مُرِيدي داروين إلى أحد المُنشقين عنه".

وأضاف لـ "موقع الأئمة الإثني عشر" أنه "بدأ الأمر عندما قام طالب بإعارة العالم الفنلندي كتاباً ينتقد النظرية التطورية. فكان رد فعل ليسولا غاضباً، وشرع في الدفاع عن التطور، لكنه وجد أن جهوده أثارت أسئلة أكثر مما أجابت. وسرعان ما تحول إلى مشكك بداروين، رغم انه كان في طريقه ليصبح مهندسًا بيولوجيًا رائدًا."
وأوضح الشيخ الربيعي أن "المهرطق هي قصة مغامرات ليسولا في صنع المشاكل - والعديد من الأصدقاء والأعداء - في مختبرات الأبحاث والجامعات الرئيسية في جميع أنحاء أوروبا"، مشيراً إلى أن الكتاب "يتتبع مساره الاستقصائي، ويعتمد على خبرة ليسولا في البيولوجيا الجزيئية ليوضح كيف أن الأدلة تشير وبشكل اقوى من ذي قبل إلى عالم التكنولوجيا الحيوية الأصلي - وهو المصمم الذكي الذي مهارته وابداعه يقزمان حتى أفضل مهندسينا البيولوجيين، ويتركان التطور الأعمى في الوحل".
فيما حدد مسؤول البحوث والدراسات أن شهر أيلول/ سبتمبر من هذا العام سيكون موعد إصدار ترجمة هذا الكتاب.
اما كتاب "لا يقاوم: صعود تكنولوجيا الإدمان وكيف يتم تقييدنا بها" لمؤلفه عالم النفس والاجتماع "آدم آلتر" فيتحدث عن التكنولوجيا الرقيمة وتأثيرها "المخدر" عبر سرد العديد من القصص عن شخصيات معروفة مثل ستيف جوبز، مؤسس شركة آبل للتكنلوجيا الرقمية وكريس أندرسون، المحرر السابق لمجلة “وايرد” و مُؤسس منصات «بلوغر» و«تويتر» و«ميديم»، إيفان ويليامز والكثير غيرهم من عمالقة التكنلوجيا، حسبما أفاد به الربيعي.

صرَّح الإسلام بحرية العقيدة، وقد وردت في ذلك آيات قرآنية صريحة الدلالة بحرية الانتماء الديني والعقدي، ولم يُؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه أجبر شخصاً على الإسلام، وإنَّما كان يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة، وحتَّى عندما أسَّس الحكومة الإسلامية في المدينة المنورة، فإنَّه لم يلغِ الآخر المختلف، وإنَّما أسَّس لعلاقاتٍ سلمية مع النصارى واليهود الذين كانوا في المدينة المنورة، وقد عقد معهم المعاهدات التي تنظِّم الحقوق والواجبات، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعامل معهم ولم ينعزل عنهم، وقد استمرَّ على ذلك مدَّة حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) مُطبِّقاً لمبدأ حريَّة العقيدة الذي نادى به القرآن الكريم في قوله تعالى : ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) [سورة البقرة: 256] .
وقد سار على هذا المنهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فكان معترفاً بالآخر المختلف طيلة مدَّة حكمه، ولم يسعَ في يومٍ ما إلى إلغائه أو التجاوز على حقوقه أو واجباته، وإنَّما كان الآخر فرداً من أفراد دولته له ما للمسلمين وعليه ما عليهم . وهناك شواهد كثيرة على ذلك تحكي قمَّة التعامل الإنساني الذي كان أمير المؤمنين يتعامل به مع المختلف معه في العقيدة سواء أكان المختلف مسلماً بأن يرى الدين من منظار مخالف له أم كان غير مسلم.
ومن المواقف التي تشير إلى حرية العقيدة في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) ما نُقل عنه (صلوات الله عليه) أنَّه ((مرَّ شيخ مكفوف كبير يسأل فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ): ما هذا ؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين نصراني: فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه ! ! انفقوا عليه من بيت المال))([2]) .
فلم تقف عقيدة النصراني حائلاً بينه وبين حقوقه، وإنَّما كان على الرغم من عقيدته المخالفة للدين الإسلام صاحب حقوق في نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) له كرامته التي أقرَّها له القرآن الكريم، قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) [سورة الإسراء: 70] .
هذا على مستوى الآخر المختلف غير المسلم، وأمَّا من تجري عليه أحكام الإسلام، وهم مختلفون مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في فهم الدين والعقيدة، فهم كذلك كانت لهم حرِّيتهم في العقيدة، وما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلَّا أن نصحهم وأوضح لهم طريق الحقِّ والصراط القويم، ولم يُجبر أحداً منهم على عقيدةٍ معينة . ومن أولئك الخوارج الذين خرجوا على حكمه (صلوات الله عليه)، وهؤلاء وصل بهم الأمر أن كفَّروا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلَّا أنَّه لم يتعرَّض لهم ما لم يُقاتلوه، وفي شواهد كثيرة منها: ((قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَمَّا اعْتَزَلَتِ الْخَوَارِجُ دَخَلُوا رَأْيًا وَهُمْ ستة ألف وَأَجْمَعُوا أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَزَالُ يَجِيءُ إِنْسَانٌ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْقَوْمَ خَارِجُونَ عَلَيْكَ- يَعْنِي عَلِيًّا- فَيَقُولُ: دَعُوهُمْ فَإِنِّي لَا أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُونِي وَسَوْفَ يَفْعَلُونَ)) ([3]). ومن ذلك أيضاً أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يخطب في الناس ((فَقَالَ رجل من جانب المسجد: لا حكم إلا لِلَّهِ، فقام آخر فَقَالَ مثل ذَلِكَ، ثُمَّ توالى عدة رجال يحكمون، فَقَالَ علي: اللَّه أكبر، كلمة حق يلتمس بِهَا باطل، أما إنَّ لكم عندنا ثلاثا مَا صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فِيهَا اسمه، وَلا نمنعكم الفيء مَا دامت أيديكم مع أيدينا، وَلا نقاتلكم حَتَّى تبدؤونا، ثُمَّ رجع إِلَى مكانه الَّذِي كَانَ فِيهِ من خطبته.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيد، أن حكيم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيد البكائي كَانَ يرى رأي الخوارج، فأتى عَلِيًّا ذات يوم وَهُوَ يخطب، فَقَالَ:
((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)) [سورة الزمر: 65] ، فقال علي [عليه السلام]: ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ[سورة الروم: 60]))([4])
وهكذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مطبِّقاً لأحكام الشريعة في احترام حريَّة العقيدة، سواء أكان المختلف معه تجري عليه أحكام الإسلام أم كان من الذين يدينون بغير الإسلام، وهذا الحق هو ما يُنادى به اليوم، إذ يُعدُّ من أرقى ما وصلت له الإنسانية في تحضُّرها المعاصر .
الهوامش:
([1]) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، المتوفى : 460، تحقيق : تحقيق وتعليق : السيد حسن الموسوي الخرسان، خورشيد، الطبعة : الرابعة، 1365 ش: 6/293
([2])المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي الفسوي، أبو يوسف (المتوفى: 277هـ)، تحقيق: أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الثانية، 1401 هـ- 1981 م : 1/522
([3]) تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري) ، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية - 1387 هـ : 5/73
*نقلاً عن موقع مؤسسة علوم نهج البلاغة

وسائل التحكم والسيطرة على النفس في فكر الإمام علي (ع) التقوى أنموذجاً
ان الشح بالنفس والبخل عليها وامساكها عن الهوى والانجرار وراء الانحرافات لها وسائل ومستلزمات ومعايير تحكيم وسيطرة: من هذه الوسائل التقوى قوله "عليه السلام" "أمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيْثَارِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا وَأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ" [1]
التقوى لغةً
قال الراغب الاصفهاني في المفردات "وقى: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال: وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء. قال "فوقاهم الله، ووقاهم عذاب السعير، ومالهم من الله واق، مالك من الله من ولي ولا واق، قوا انفسكم وأهليكم نارا، والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه وصار التقوى في تعاريف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المباحات، لما روي: الحلال بين والحرام بين، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه" [2]
والتقوى اصطلاحا: "عبارة عن الاجتناب عن محارم الله تعالى، والقيام بما اوجبه عليهم من التكاليف الشرعية، والمتقي هو الذي يتقي بصالح عمله عذاب الله، وهو مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه، كما يقال: اتقي السهم بالترس، أي جعله حاجزا بينه وبين السهم" [3].
والتقوى بعد الايمان، التورع عن محارم الله واتقاء الذنوب التي تحتم السخط الالهي وعذاب النار، وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي اوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب، وينطبق على قوله سبحانه (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) [4]، (... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [5]، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [6]
فيظهر من الآيات الشريفة ان التقوى هي الورع عن محارم الله، أي المعاصي الكبيرة" [7].
أقول: والمحصل من تعاريف "التقوى" لغة واصطلاحا هو انها السور الذي يسور الانسان به نفسه من الوقوع في الحرام والرذيلة والمعصية.
او هي حق الله على العباد، فهو الذي خلقنا ومنحنا كل شيء وتنعم علينا بنعم كبيرة، وفي مقابل ذلك أراد منا ان نلتزم ونتقي بتحصين أنفسنا والمحافظة على الاطر والموازين الشرعية التي ارادها الله وقدرها للبشر.
ويشير الامام امير المؤمنين "عليه السلام" الى هذا المعنى بقوله "أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم. وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله. فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة. مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ. لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد الله ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل ما أسدى" [8]
والتقوى تؤدي الى عزة الانسان، لأنه يتصل بالعزيز المطلق، يقول الامام علي "عليه السلام" "التقوى تجل و الفجور يذل" [9] فالذلة في الفجور والعزة الانسانية في التقوى.
وقال امير المؤمنين، عليه السلام، "لا عزة اعز من التقوى" [10] فمن اراد العزة والكرامة ان يتصف بالتقوى.
وقد أولى أمير المؤمنين، عليه السلام، اهتماما كبيرا لمسألة التقوى في إحدى خطبه.
"فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب" [11]
وعنه، عليه السلام، الحث عليها "فإنّ تقوى اللَّه دواء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشى أبصاركم وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم. " [12]
ولذلك نجد ان أمير المؤمنين "عليه السلام" حينما يتحدث عن المنظومة القيادية وعن النجاح في الدور القيادي، يقف عند خصيصة التقوى ويعتبرها مفتاح التسديد والنجاح وذخيرة يوم الآخر الذي لا ينفع فيه مال ولابنون.
فينبغي هنا التميز بين صنفين من التقوى:
1ـ التقوى الشخصية
ويراد منها التحكيم بمسارات الانسان وخطواته فيما يرتبط بحياته الشخصية، وتشمل الاحكام الالهية التي تتعلق بعمل المكلف فيما ينبغي فعله ومالا ينبغي فعله.
2ـ التقوى السياسية
وهي التي تتحكم بالدور القيادي لمن يتصدى الى المسؤولية وقيادة الامة، في أي مستوى من مستويات التصدي، فالتقوى هنا تتحكم بسلوك الشخصية القيادية والدور القيادي والاداء القيادي بالشكل الذي ينسجم مع الحياة الاجتماعية، لأن الانسان في مواقع المسؤولية وفي مواقع الخدمة العامة، اذا لم يراع التقوى السياسية فانه سيصاب بهوس السلطة وشهوة القدرة، والنفوذ والفتك بالأخرين، فتتجلى وتتجسد الانا بشخصية بأروع صورها.
وهذا ما اشار اليه القران الكريم (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* ان رَّآهُ اسْتَغْنَى) [13]
وحينما يتحدث القران الكريم عن فرعون يستعرض الانا الفرعوني في كيفية تعامله وهو في موقع السلطة، عندما يفرض رؤية وقناعة ويعتبر حياة الناس بيده.
(فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [14] ويؤكد القران الكريم على التقوى السياسية وعلى المستوى الثقافي الديني للبشر (تلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [15] عدم العلو على الناس وعدم الفساد في الارض هو الفوز في السعادة الابدية.
وقال رسول الله، صلي الله عليه واله وسلم، "ومن أم قوما إمامة عمياء، وفي الأمة من هو أعلم منه فقد كفر" [16]
وقال، صلى الله عليه وآله: "من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف وإذا كان ضالا جاز قسمة ماله" [17]
فيتحصل:
من معنى الحديثين الشريفين ينبغي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب من ذو الاختصاص والكفاءات والامكانيات العلمية والتخلي من الاطر الشخصية والمحسوبية على مستوى جميع مرافق الدولة.
فثقافة اختيار الاصلح والاكفأ لإدارة امور الناس، يجب ان تكون هي الحاكمة على الثقافة الخاطئة التي يسعى الجميع في ظلالها الى ان يكونوا في الصدارة وهذا معناه تجاوز على الثقافة الاسلامية في ادارة المنظومة الإدارية.
يقول الامام "عليه السلام" في عهده لمالك الاشتر، رضوان الله عليه، في كيفية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب على وفق الرؤية الاسلامية، "فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ وَمِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ" [18].
*نقلا عن مؤسسة علوم نهج البلاغة
---------------
الهوامش:
[1] نهج البلاغة: 53
[2] المفردات في غريب القران: الراغب الاصفهاني: ص530 مادة :( وقى"
[4] النساء: 31
[5] الطلاق: 5
[6] المائدة: 65
[7] الميزان في تفسير القران: العلامة الطبطبائي: ج19: ص317
[8] نهج البلاغة: خطب الإمام علي " ع" الجزء: 2 ص124
[9] عيون الحكم والمواعظ: 34
[10] نهج البلاغة: الحكمة 371
[11] نهج البلاغة خطبة: 230
[12] نهج البلاغة خطبة: 198 وينظر تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: السيد حيدر الآملي الجزء: 1ص273
[13] العلق: 6، 7
[14] النازعات :24
[15] القصص :83
[16] الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي النباطي البياضي الجزء: 3 ص135. وينظر بحار الانوار: ج22: ص487: ح31
[17] مختلف الشيعة: العلامة الحلي الجزء: 4 ص452و ينظر: تهذيب الأحكام: ج 6 ص 148 - 151 ح 261، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب جهاد العدو ذيل ح 2 ج 11 ص 29.
[18] نهج البلاغة: 53

ذكر كامل النجار في كتابه قرأة منهجيه للإسلام أن مجموعة من المفكرين طرحوا إشكالية حول نظرة القرآن لدور الزوجة قالوا بأن القرآن الكريم يرى أن الزوجة مجرد أداة لإستمتاع الرجل وأنها ماكينه لتفريخ والإنجاب ولا يراها القرآن في موقع الشراكة الحقيقة للرجل في بناء الأسرة وتبادل العلاقات العاطفية وذلك من خلال عدة آيات مثلا قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، التعبير بالحرث إهانة للمرآة وجرح لشخصيتها لأن التعبير عنها بالحرث يحصر دورها وكأنها دجاجة تبيض وتفرخ وليس لها دور آخر بإعتبار أن الحرث هو ما كان خزانة للبذور التي تثمر وتنتج وفي آية أخرى قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾، هذه الآية صريحة في أن المرأة أداة لمتعة الرجل فقط ولذلك إذا لم تستجب لشهوة الرجل وغريزته فله أن يضربها حتى يحصل على قضاء وطره وإشباع شهوته وهذا إهدار لكرامة وشخصية المرأة.
وفي آية ثالثة يقول تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ جعل المرأة في صف الحمامات مما يعني أن المرأة بنظر القرآن علاقتها بالرجل كعلاقتها بالحمام، فكما يقذف الرجل أوساخه من بدنه في الحمام لأنه يقذف مائه في المرأة ويقوم عنها، إذا علاقة المرأة بالرجل بنظر القرآن الكريم مجرد أن المرأة أداة لاستمتاع الرجل وقضاء شهوته أو أنها مكان للتفريخ والإنجاب ولم يجعلها القرآن في موقعها الحضاري المناسب لها وهو موقع الشراكة الحقيقية للرجل في بناء الأسرة وتبادل العلاقات العاطفية.
نحن نسجل على هذه المقالة عدة ملاحظات:
لولا الزواج لانقرض الوجود البشري
الملاحظة الأولى: أن المرأة عنصر ضروري لاستقرار الحياة على الارض، الحياة الزوجية ما هو الهدف منها؟ قد يكون الهدف من الزواج والعلاقة الزوجية هدفاً اعتباريا كأن يتزوج الإنسان من عائلة معروفة بالذكاء حتى يخرج اولاده أذكياء، أو يتزوج الإنسان من امرأة أجنبية عن عائلته حتى يتخلص من أمراض تداخل القبائل والعروق هذا هدفاً اعتباري وليس هدفاً أصيلاً وحقيقياً، الهدف الأساس للعلاقة الزوجية استمرار الحياة على الأرض لو لم يكن هناك زواج لانقرض وتوقف النسل البشري عن وجه الأرض، من أجل استمرار الحياة والوجود البشري والنوع الإنساني على الأرض لابد من علاقة زوجيه فالعلاقة من أهدافها الرئيسية والأساسية استمرار الوجود البشري على الأرض وهذا الهدف ليس هدفاً اعتباريا أو ثانوياً بل هو هدف فرضته الطبيعة البشرية والفطرية للإنسان أن الهدف من الزواج هو استمرار الوجود الانساني على الأرض.. كيف ذلك؟ نذكر ثلاثة أدله:
الزواج هدف فطري
الدليل الأول: لا تجد مجتمعا بشريا من يوم آدم الى هذا اليوم إلا وفيه علاقة زوجة لا يوجد مجتمع بدون زواج ومهما اختلفت الأديان والمذاهب فهو يرى العلاقة الزوجية ولهذا هو هدف فطري انساني اتفقت كل المجتمعات البشرية على العلاقة الزوجية.
المرأة مصدر الوجود الإنساني
الدليل الثاني: لو نظرنا لطبيعة المرأة انظر إلى جهاز جسم المرأة، جهزت المرأة بالرحم والمبيض وثديين، لماذا هذا الجهاز الذي جهزت به المرأة؟ من أجل استمرار الحياة البشرية على الأرض، إذا استمرار الحياة البشرية على الأرض هدف ينسجم مع جهاز وطبيعة المرأة نفسها، إذا القرآن لم يجعل الهدف، هدف الإنجاب والنسل واستمرار البشر هدفٌ فرضته طبيعة المرآة ولم يفرضه القرآن الكريم ولم تفرضه نظرة السماء فولدت المرأة وطبيعتها مهيأة للإنجاب والإيلاد وفطرتها وخلقتها معدة لأن تكون مصدراً للوجود الإنساني على الأرض فهذا ليس هدفا اعتباريا بل هو هدفٌ طبيعي فطري.
لا يمكن الاستغناء عن المرأة
الدليل الثالث: عندما نلاحظ العقل يقرر حتى لو لم يذكر القرآن ولم يذكر أحد ولم تتفق المجتمعات البشرية على العلاقة الزوجية، العقل هو يقرر بنفسه يقول بأن استمرار الحياة على الأرض يتوقف على وجود المرآة إذا فلابد من هذه العلاقة تحقيقا لاستمرار الحياة البشرية على الأرض، هذا فرض فرضه العقل ولم يفرضه القرآن الكريم، بل إذا راجعنا علماء الطب والبيولوجيا ماذا يقولون؟
يقولون يمكن أن يستغنى عن الرجل لكن لا يمكن أن يستغني عن المرأة، يمكن الآن أن تلد المرأة عن طريق استنساخ الخلية ووضعها في رحمها بدون حويمن الرجل إطلاقاً، إذا دور المرأة أصبح ضرورياً لاستمرار الحياة لا يمكن أبدا الاستغناء عن المرأة في استمرار الحياة على الأرض فالمرأة عنصر ضروري بل هي العنصر الأساس في وجود الإنسان على الأرض، من هنا نفهم التعبير بالآية المباركة: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ليس المراد بهذا التعبير تصوير المرآة كدجاجة تبيض وتفرخ وإنما المقصود بهذا التعبير أنه لا يمكن الاستغناء عن المرأة فإنها هي العنصر الأساس لبقاء الحياة الإنسانية على كوكب الأرض هذا هو المعنى بـ "حَرْثٌ لَّكُمْ" والقرآن بهذا بين أهمية وضرورة وجود المرأة لا أنه احتقرها أو أهان كرامتها.
الزوجة شريكة وليست خادمة
الملاحظة الثانية: تنوع الأهداف القرآنية، نلاحظ بعض الكتاب اقتصر على آية واحده ولم يقرأ مجموع الآيات القرآنية ولو قرأ مجموع الآيات لرأى تنوع الاهداف القرآنية، أن القرآن ينص على شراكة المرأة وأنها شريك حقيقي في بناء الحياة والعلاقة العاطفية عندما يقول القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وهذا خطاب لجميع المؤمنين رجالا ونساء وجعل بينهم شراكة حقيقية ولم يقل القرآن خدماً لكم فجعل بينهم شراكة في تبادل العواطف والمشاعر قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لُهنَّ﴾، كما أن الرجل زينة للمرأة فالمرأة زينة للرجل قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾، أي أن حقوق
الرجل وحقوق المرأة متساويان فهما شريكان في الحقوق إلا ما استثني للرجل أو استثني للمرأة لبعض الخصوصيات فالقاعدة العامة ترى أنهما شريكان في الحقوق وتبادل العلاقة العاطفية.
ضرب المرأة
الملاحظة الثالثة: إن آية الضرب ذكرت الضرب كأخر وسيلة للردع عن الخطأ ولم تذكر الضرب وليس كوسيلة لتسخير المرأة لإشباع شهوة الرجل، تبين ذلك أن المرأة عندما ترفض اللقاء الجنسي تارة يكون رفضها بدافع عقلاني وتارة يكون بدافع عداوني، إذا كان رفضها للقاء الجنسي بدافع عقلاني أي أنها مريضة أو متعبة أو أنها في حرج هذا ليس نشوزاً فالعلاقة هي امرأة معدة نفسياً وجسدياً لتبادل الرجل في القيام بهذا الدور، لذلك لو لم تكن المرأة معدة لمرض جسديا او نفسيا او حرجا عليها فليس رفضها نشوزاً وينبغي للرجل أن يقدر ويدرك ذلك، إذا كان رفضها لداعي عقلاني فلا تستحق عليه الضرب والهجران أما إذا كان رفضها لداعي عدواني وهو الإعراض إنما رفضت للإعراض عن زوجها، الإعراض يعد خطأ جسيماً لأن إعراض المرأة عن الرجل يخلق جواً من الاحتدام والصدام داخل الأسرة المستقرة لذلك الإعراض عن الرجل خطأ والخطأ لابد من علاجه.
وقد ذكر القرآن خطوات لعلاج هذا الخطأ:
أولاً: النصيحة ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ النصيحة والموعظة فإن لم تجدي هذه الخطوة يصل الأمر الى الخطوة الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ كوسيلة للردع عن الخطأ فإن لم تجدي هذه الوسيلة تضرب المرأة ولكن ضرب غير مبرح أي ضرباً لا يوجب حتى احمرار البدن، لأنه ليس المقصود هو الضرب في القرآن هو الضرب وإنما المقصود التعبير والردع والتنبيه على الخطأ وذكر الفقهاء أن المقصود بالضرب هنا هو الضرب غير المبرح الذي لا يوجب دية.
إذن القرآن لم يذكر الضرب كوسيلة لتسخير المرأة لإشباع شهوة الرجل وإنما ذكر الضرب آخر أسلوب للردع عن الخطأ وإلا لو لم تكن المرأة معرضة عن الرجل لا تضرب، تضرب كآخر وسيلة للردع عن الخطأ، فكما أنت تعتبر ضربها خطأ فإن إعراضها خطأ أيضا وإعراضها يوجب إثارة أجواء الأسرة، إذن فبالنتيجة من أجل الردع عن الخطأ وكآخر أسلوب تضرب ضربا غير مبرح، ربما تقول امرأة في حال الرجل أعرض ما الحل؟ إعراض المرأة عن الرجل أيضا حرام لأنه يدخل أيضا ضمن الإضرار بالمرأة «ولا ضرر ولا ضرار» على مؤمن.
إذا اعرض الرجل عنها رفعت أمرها الحاكم الشرعي القرآن يقول: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، بأن يتعامل معها كما يحب أن تتعامل معه أن تكون علاقته معها كما تحب أن تكون علاقة به.
الملاحظة الأخيرة: في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾، ليس النساء هنا لخصوصية في النساء وإنما ذكر النساء في الآية كناية عن اللقاء الجنسي كما أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ هل هناك خصوصية للغائط إنما هو مثال وكناية عن الحدث أو من أحدث سواءً من أحدث بريحٍ أو بولٍ أو غائط فلا خصوصية للغائط كذلك قوله: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ لا خصوصية للنساء وإنما هو كناية عن اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة بعقد وإلا فغيره من اللقاءات فهي محرمه، لكن لو حصل هذا اللقاء المحرم فإنه يوجب الغسل قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ إذا كلمة أو لامستم النساء مجرد مثال ولا خصوصية للمرأة كي يقال جعلت المرأة في صف الحمامات وهذا إهانة للمرأة فلابد من الانتباه من خصوصيات الآيات القرآنية، إذاً القرآن وضع المرآة في موقع الشراكة مع الرجل قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يضع المرآة مجرد أداة لاستمتاع الرجل.
يتبع...

صورة النبي آدم عليه السلام في نهج البلاغة
إن الصور التي يرسمها الإمام (عليه السلام) لنا من خلال كلامه أنما هي صور تقرب مفهومه العميق في بيان وصفه لأمور غيبية، لم يتكلم عنها أي مخلوق سواه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن الصور الجميلة التي رسمها لنا الإمام (عليه السلام) صورة النبي آدم (عليه السلام) وكيفية خلقه.
ففي الخطبة الأولى من كتاب (نهج البلاغة) تكلم الإمام (عليه السلام) عن خلق آدم (عليه السلام) وقد صوَّرَ لنا أمير المؤمنين ذلك بقوله (عليه السلام): (ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَه مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وسَهْلِهَا، وعَذْبِهَا وسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، ولَاطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ ووُصُولٍ وأَعْضَاءٍ، وفُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وأَمَدٍ مَعْلُومٍ)[1].
فالله سبحانه جمع تربة آدم (عليه السلام) من مختلف تركيباتها؛ لأنَّ التربة منها الغليظة, ومنها السهلة, ومنها العذبة ومنها المالحة، وقد سأل يهوديٌّ الإمامَ (عليه السلام) لماذا سمي آدم آدم فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((... وسمى آدم آدم لأنه خُلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تعالى بعث جبرئيل (عليه السلام) وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات طينة بيضاء وطينه حمراء وطينة غبراء وطينة سوداء, وذلك من سهلها وحزنها, ثم أمره ان يأتيه بأربع مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرِّغ الماء في الطين وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينية، وجعل الماء المر في اذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه))[2].
وعنه (عليه السلام) قال: ((إن الله (عز وجل): خلق آدم من أديم الأرض، فمنه السباخ، ومنه الملح، ومنه الطيب، فكذلك في ذريته: الصالح، والطالح))[3].
وعن وهب بن منبه: أنه وجد في التوراة صفة خلق آدم (عليه السلام) حين خلقه الله (عز وجل) وابتدعه، قال الله تبارك وتعالى: إني خلقت آدم وركبت جسده من أربعة أشياء, ثم جعلتها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة، وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد وذلك إني خلقته من تراب وماء ثم جعلت فيه نفساً وروحاً، فيبوسةُ كلِّ جسدٍ من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت في الجسد بعد هذه الخلق الأول أربعة أنواع: وهن ملاك الجسد وقوامه بإذني لا يقوم الجسد إلا بهن ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى، منها المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم، ثم أسكن بعضَ هذا الخلق في بعض، فجعل مسكن اليبوسة في المرة السوداء ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء ومسكن الحرارة في الدم ومسكن البرودة في البلغم، فأيما جسد اعتدلت به هذه الأنواع الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كل واحدة منهن أربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدل بنيانه، فإن زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن ومالت بهن دخل على البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإذا كانت ناقصةً ثقل عنهن حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقارنتهن، وجعل عقله في دماغه، وسره في طينته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورغبته في ريته، وضحكه في طحاله، وفرحه في حزنه، وكربه في وجهه، وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا ))[4].
ونفهم من ذلك أن العلة في اختلاف الألوان واختلاف المبادئ والعادات سببها اختلاف الطينات، وبما أن آدم ابو البشر؛ لذلك خلقه الله من جميع الطينات فكان منه الابيض والاسود والاصفر والاسمر.
فالله سبحانه خلق الأنبياء والأولياء والحجج من طينة في علين، وورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أن المؤمنين خلقوا من فاضل طينة الأنبياء والمعصومين؛ لأن أرواحهم طيبة طاهرة لذا اختار لهم الله هذه الطينة المباركة.
[ذات صلة]
ثم قال (عليه السلام) في إفاضة الروح: (ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِه)[5].
قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }، الحجر: 29.
فبعد أن اكتمل جسد آدم واصبح مستعداً لإفاضة الروح نفخ الله فيه الروح، روى حمران بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، قول الله عز وجل (وروح منه)، قال: هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى (عليهما السلام))[6].
وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل (ونفخت فيه من روحي) كيف هذا النفخ ؟ فقال: إن الروح متحركٌ كالريح، إنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح، وإنما أخرجه عن لفظة الريح؛ لأن الروح متجانس للريح، وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت، وقال: (بيتي) وقال - لرسول من الرسل: (خليلي) وأشباه ذلك مخلوق مصنوع مربوب مدبر)[7].
فسبحان الله خالق الوجود فالجسد الذي خلقه الله لا يتحرك ولا يستطيع أن يعمل أي شيء إلا أن يستقر فيه الروح ولا زال العلم الحديث لا يعلم ما هو الروح هل هو شبيه بالجسد أم تختلف ام هو نور، أم هواء خفيف كما عبر عنه بعض الفلاسفة، وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، الاسراء: 85.
فبعض الأمور حجبها الله عن العباد والعلة في ذلك الأمر؛ كي يتفرد سبحانه وتعالى في بعض الخصائص ليبين للناس أنهم عاجزون عن أسراره لولا رحمته.
وقال (عليه السلام) بعد اتحاد الجسد والروح: (فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، ومَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ، والأَذْوَاقِ والْمَشَامّ،ِ والأَلْوَانِ، والأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، والأَشْبَاه الْمُؤْتَلِفَةِ والأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، والأَخْلَاطِ الْمُتَبَايِنَةِ مِنَ الْحَرِّ والْبَرْدِ، والْبَلَّةِ والْجُمُودِ)[8].
فالله سبحانه صور الانسان بأتم صورة وقد وضح لنا الإمام صورة آدم، ثم أشار الى القوة العقلية التي أعطاها الله للإنسان والأجزاء الأخرى كالقلب وباقي الجوارح والادوات فهذه الأدوات يستخدمها الإنسان في أمور معيشته وأساسها العقل، فلو فقد الانسان عقله اصبح كالبهيمة.
وكذلك لو انتقص منه شيء سوف يؤدي الى نقص في تركيبة جسمه، وإن مرض الانسان سوف يفقد بعض حواسه فلا تعمل حتى يشفى من مرضه كحاسة الذوق والشم.
فما أروع هذه الصورة وما أروع هذا التعبير الذي من خلاله نتوصل الى عظيم قدرة الله ونستدل به سبحانه من خلال هذا الجسد المتكامل، قال الإمام أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقد سئل عن الدليل إلى الله، قال: (اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكنّي فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه علمت ان لهذا البنيان بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات)[9].
فهذا الوصف الدقيق في خلق النبي آدم (عليه السلام) انما هي صورة واضحة رسمها لنا الإمام لتبين لنا عظيم منزلته وإنه باب علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فلو أمعنا جيداً كيف توصل الإمام الى وصف النبي آدم (عليه السلام) في خلقه ونحن نعلم ان النبي آدم (عليه السلام) أول من خلقه الله من بني البشر، ولكن للرجوع الى بعض الروايات الشريفة نجد أن الكثير منها تشير الى أن الخمسة الأطهار كانوا أشباح نور يدورون حول عرش الله([10])، قبل أن يخلق الله آدم بآلاف السنين وهذا ما بينه الإمام الحسين (عليه السلام) أيضا حينما سأله حبيب ابن مظاهر، وهذا وجه من الأوجه الذي نستدل به على كلامه (عليه السلام) كونه خلق قبل آدم بألاف السنين.
كذلك القرآن الكريم تطرق الى خلق آدم قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }، الحجر: 26- 28.
فهذه الآية توضح لنا خلق آدم بصورة مجملة، ولكن الإمام قرب هذه الصورة أكثر في هذه الخطبة الشريفة فلولا أمير المؤمنين لما عرفنا كيف خلق الله آدم بهذا التفصيل من خلال هذه الآيات, ففسر لنا الإمام ذلك، وهذا وجه آخر نستطيع ان نستدل به على أنه وصف لنا هذه الصورة بأدق ما يمكن، لأن الإمام ترجمان القرآن وهو القائل سلوني قبل أن تفقدوني، ولا شك أن الإمام يُكشف عنه الغطاء لكثير من الأمور كما كان سبحانه يكشف لرسوله الكريم (صلى اله عليه وآله) عن ذلك، فكان (عليه السلام) يرى نور الوحي ويشم ريح النبوة, الا أنه ليس بنبي ولكنه وصيه ووزيره وحامل لوائه في الدنيا والاخرة.
[1] - نهج البلاغة، الخطبة الأولى، صفة خلق آدم (عليه السلام)، ص42، تحقيق صبحي الصالح.
[2] - علل الشرائع، ج1، ص2، ح1.
[3] - علل الشرائع، ج1، ص83، ح3.
[4] - علل الشرائع، ج1، ص110، ح9.
[5] - تكملة الخطبة.
[6] - الإحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج2، ص56.
[7] - المصدر السابق.
[8] - تكملة الخطبة.
[9]- الكافي الشيخ الكليني ، ج1 ، ص78.
[10] - ينظر، علل الشرائع، ج1، ص23.
*نقلا عن مؤسسة علوم نهج البلاغة

اركان الصلاة هي: الأجزاء الأساسيّة لها، فتبطل الفريضة بنقصانها، وزيادتها عمداً او سهواً، أو كان جاهلا قاصرا. نعم، لا تبطل الصلاة بزيادة تكبيرة الإحرام سهواً.

واركان الصلاة هي:
١- النية.
٢- تكبيرة الاحرام.
٣- القيام اثناء تكبيرة الإحرام، والقيام المتصل بالركوع، وهو: ان يكون ركوعه عن قيام.
٤- الركوع.
٥- السجود.

1- خروج البول
2- خروج الغائط
3- خروج الريح من الدبر
4- النوم الغالب على الحواس أي ما يتعطل معه السمع والبصر والإدراك، ويلحق به ما يُذهب العقل كالجنون والإغماء.
5- استحاضة المرأة
6- الجنابة، فإنها تُنقض الوضوء، وإن كانت لا توجب إلا الغسل

يمثل فكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في التوحيد رؤية كونية متكاملة والحجر الأساس في الاصول النظرية والعملية، وعلى هذا فإن النصوص الواردة عن الامام علي (عليه السلام) مليئة بالاستدلال لإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى، ويمكن بيان شيئا من ذلك بحسب الآتي.
امتناع المحدودية عليه تعالى
من ذلك قول الإمام علي (عليه السلام): "من وصفه فقد حده ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال كيف فقد استوصفه، ومن قال أين فقد حيزه" [1].
إن نظرة عابرة للنص أعلاه تفصح عن أمور مهمة منها:
1ـ إنه لوكان الله سبحانه وتعالى واحد عددي لكان حادثا لان العد يدخل في الاشياء المثليّة فمن اعتقد العدّ فيه تعالى فقد قضى بإثبات امثال له، والقدم يحيل – ينفي- المثل، وينبو عن المماثلة.
2ـ ولو صار حادثا لاحتاج الى محدث يخرجه من العدم، وإذا احتاج الى المحدث صار ممكنا وليس بواجبا، ومن سمات الممكنات احتياجها الى غيرها بسبب فقرها، وبتعبير القرآن الكريم ليس غنيا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [2].
3ـ إن الاستدلال بنص الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يستلزم أن وحدة الله لو كانت وحدة عددية للزم بطلان أزليته سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن تكون وحدته وحدة عددية لامكن اتصافه تعالى بالفقر وهو الغني الحميد [3].
4ـ وقد وضّح الإمام علي (عليه السلام) هذه الناحية الحسّاسة بقوله إن صفات اللَّه هي عين ذاته، وأنه سبحانه غير قابل للتجزئة أو المحدودية، فلا يقال له (فيم)؟ و (علام)؟ و (متى)؟ و (حتى) و (ممّا)؟ التي هي من نعوت الأشياء المخلوقة، واللَّه منزّه عن ذلك[4]، ومنه قوله (عليه السلام): "الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود" [5]، وقال أيضا (عليه السلام): "من جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال: " فيم " فقد ضمنه، ومن قال: "علام ؟" فقد أخلى منه". [6]
وقال عليه السّلام في هذه الخطبة أيضا: "تعالى عما ينحله المتحدّدون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثّل المساكن وتمكَّن الأماكن فالحدّ لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب"[7]. وأوضح منهما ما في البحار من التّوحيد للصدوق بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللَّه عن أمير المؤمنين في خطبة طويلة له عليه السّلام قال: لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعض في صفاته ذوي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالحدود من كفرة العباد: {وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه سُبْحانَه وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ومثل هذه في الدّلالة على تنزّهه سبحانه من التحديد والتّشبيه أخبار كثيرة متواترة [8]، منها ما رواه في البحار من توحيد الصدوق عن إبراهيم بن محمّد الهمداني قال: "كتبت إلى الرّجل يعنى أبا الحسن عليه السّلام إنّ من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التّوحيد: فمنهم من يقول: جسم، ومنهم من يقول: صورة، فكتب عليه السّلام بخطه: سبحان من لا يحدّ ولا يوصف ليس كمثله شيء وهو السميع العليم أو قال البصير". [9].
وفيه أيضا عن الصادق عليه السّلام أنّه قال لهشام: "إن اللَّه تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وكلَّما وقع في الوهم فهو بخلافه"[10]
وقال الإمام علي (عليه السلام): "كل مسمى بالوحدة غيره قليل"[11].
يتحدث الامام (عليه السلام) في هذا النص عن الوحدة الغيرية العددية، فعندما تكون الوحدة عددية فتخضع لنظام العدد في السبق واللحوق في الاعداد، فإذا أضيف الى العدد الواحد اثنان فتصبح الاثنان أكثر من الواحد، وإذا أضيف الى الاثنين ثالث، فتصبح الثلاثة أكثر من الاثنين وهكذا الى الاربع والخمس.. وبذلك فإن ما يوصف بالوحدة العددية يكون قليل، لأن من مميزات هذه الوحدة المحدودية فعندما تضاف الى الغير تكون أقل وهذا مالا يصح على الباري تعالى.
الهوامش:
--------------
[1] نهج البلاغة، شرح محمد عبده: 1/ 14.
[2] سورة فاطر: 15
[3] التوحيد: السيد كمال الحيدري: 47.
[4] تصنيف نهج البلاغة: لبيب بيضون :74.
[5] - نهج البلاغة، شرح محمد عبده: 1/ 14.
[6] نهج البلاغة شرح محمد عبده:1/ 15.
[7] - نهج البلاغة، اشرح محمد عبده: 2/ 66.
[8] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: حبيب الله الهاشمي الخوئي الجزء: 13 -191.
[9] الوافي: الفيض الكاشاني الجزء: 1/389
[10] التوحيد الشيخ الصدوق :80.
[11] نهج البلاغة: 65.

يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني؛ لأنَّه ينظر إلى الإدارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما أنّ نظرة الإمام (عليه السلام) إلى المؤسسة الإدارية على أنّها مجتمعِ مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، وتوصف نظرته إلى الادارة على أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، لهذا الجهاز هدف سامٍ، فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة، هي إذاً- الإدارة- كيانٌ اجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. قد لخصها الإمام في مواقف معينة، - سنجتهد لبيانها في سلسلة من المقالات- ومن أهم تلك الأهداف مبدأ الاعتقاد والعبودية لله سبحانه وتعالى.
فما هي مدخلية العبودية لله في موضوع الإدارة؟
يريد الإمام (عليه السلام) أن يسلط الضوء على سلوكيات المدراء وانطباعاتهم وتصوراتهم وهم في موقع المسؤولية، فهناك انطباعات وسلوكيات تدفع الانسان نحو التسلط وحب الدنيا وحب الجاه. إذاً ماذا تكون خلفية من يحمل هذه السلوكيات والانطباعات فيمن يكون في موقع السلطة؟
لا شك إنّه حينما يصل إلى موقع المسؤولية سيتخذ مجموعة من الإجراءات القاسية والقرارات الظالمة ويسير نحو الانحراف في تضيع الأهداف وخدمة الناس، ويعتقد بأن من يعمل تحت أمرته هو عبد له، وليس تعامل رئيس مع مرؤوسين يستحقون الاهتمام والرعاية كما هو في فكر الإمام (عليه السلام) بينما هناك من ينظر إلى موقع المسؤولية على أنها محطة لهداية الناس وخدمتهم ومحطة يؤتمن فيها على مصالح الناس يضمن عن طريقها حقوق الاخرين.
فالجانب السلوكي والمعتقد له أثر كبير في مسار أداء المدراء على الاصعدة كافة، إذ يمكن أن يلعب المدير دورا بارزا وسلوكا مغايرا لمعتقداته، لكن على المستوى البعيد لا يستطيع المدير أن يخفي تأثير معتقداته.
ولذلك يقدم الامام (عليه السلام) مفتاحا سحريا من مفاتيح النجاح والتفوق في الإدارة لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) وهو العبودية لله تعالى والاعتقاد بالمبدأ.
وهذه القضية ليست قضية من القضايا الثانوية أو قضية لا صلة لها بموضوع الإدارة والقيادة. فالعبودية لله استحضار العلاقة بين الإنسان وربه، ولها الأثر الرئيس في مجمل السلوك الإداري في كافة المراتب، هذا الاستحضار يجعل الإنسان المسؤول والقيادي الذي يمارس العلاقة الانسانية على وفق النظرية الإسلامية، وليست العلاقة السلطوية مع غيره من العاملين تحت أمرته.
ومن الجدير بالذكر أنّ الدور الإداري والقيادي يجب أن تتوافر فيه حالة الحزم والقوة، وهذان الأمران يجب أن لا يتقاطعا مع علاقة الانسان وربه وعلاقة المسؤول في سلسلة المراتب ومع من يعمل تحت أمرته.
من هنا يشير الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر(رضوان الله عليه) واصفا حالة التعامل والانسجام في النظام الإداري على وفق الرؤية الإسلامية. ففي قوله:
"فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ ..... أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ )[1] الكلام عن معاقبة المسيء لا يعني أن تتحول طبيعة العمل إلى مجموعة قوانين عقابية وأن تصبح القسوة هي الحاكمة في التعاطي مع المرؤوسين، بل ينبغي بقاء مساحة للتسامح واللين ولا توصل إلى الفوضى ولكنها في نفس الوقت لا تلغي الليونة والفرصة الجديدة. فيبين لنا الإمام (عليه السلام) في هذا النص علاقة الإنسان بربه، فهي ليست علاقة تجميد وإنّما علاقة انطلاق وتكامل، فأن استعمال كلمة (عبدالله) تعني أنّ الإنسان في ذروة الكمال لا يمتلك سوى الرحمة والقدرة التي منحها الله له التي يتصل بها ويتزود منها ويتحرك عبرها، فيبقى الإنسان في هذا الظرف الوجودي والسعة الذاتية والقدرات الشخصية المحدودة ، فينبغي للإنسان المتصدي الارتباط بالمبدأ متوكلا عليه سبحانه وتعالى".
قال (عليه السلام):
"وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً وَالسَّلَامُ ."
نلاحظ إنّ الإمام (عليه السلام) في بداية كلامه وختامه كان يذكر الله تعالى ومرضاته والتأكيد على القضايا الخاصة في وضع الصور الظاهرية في الإطار العام للأهداف المرسومة عبر الفكر الابداعي للمسؤول صاحب الشعور والإدراك العميق للعبودية لله سبحانه وتعالى، من حيث صبره على القضايا الموقتة ولا يضيع نفسه باتباعه هواه، ولا يفقد توازنه وإن صار زعيما على الدنيا وما فيها، فإنّه يقف ليقول كلمة الفصل والارتباط لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
فيتحصل من ذلك: إنّ الرؤية الإسلامية التي يحملها المسؤول (العبودية لله والإيمان بالمبدأ) هما الركنان الأساسيان في تحقيق الأهداف الإدارية في مساراتها الصحيحة.
المصدر: مؤسسة علوم نهج البلاغة --------- [1] نهج البلاغة : رسالة 53
لعل التجربة العملية للإمام علي (عليه السلام) تكمن بالدرجة الأولى في علم الإدارة العامة، متجلياً ذلك في مواقفه، وعدد من رسائله إلى ولاته في الأمصار، وبالأخص عهده إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه). :كما برز الإمام (عليه السلام) في مجال علم الإدارة الشخصي عبر مقولاته الحكيمة، ودعواته في أن يحرك الإنسان كوامنه الذاتية ويثق بها، ومن ثم ينطلق بقدراته إبداعاً وعطاءً.
ونحن نلاحظ أن العديد من حِكم الإمام (عليه السلام) تندرج في إعادة صياغة الإنسان فكراً وسلوكاً ليكون قادراً على إدارة طاقاته ومواهبه بصورة ناجحة وذكية؛ لكي يتخطى الدنيا بنجاح، ويحرز الآخرة بجدارة[1].
ومن هذه المعايير (الاعمال الصالحة )، يقول (عليه السلام): (فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ)[2].
إذ يذكر الإمام (عليه السلام) أن واحدة من هذه المعايير التي يستدل بها على صلاح المسؤول والمتصدي هو تقييم الناس له عبر الحديث عنه وبيان أعماله الصالحة، ومن ثم انطباعات وتصورات الرأي العام وتقييم اداء المسؤول تمثل واحدة من المداخل التي عن طريقها يستدل على صلاح المسؤول ورشدة وحسن أداءه.
وقد أشار إليها القران الكريم في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [3].
وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [4], العمل الصالح يرفع الكلام الطيب ويعمل على ترسيخ العقائد السليمة في واقع الإنسان وقلبه. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[5].
لذا نلاحظ الإمام (عليه السلام) يؤكد في هذا المقطع من العهد الشريف على العمل الصالح الذي يعد من الذخائر النفيسة للإنسان المتصدي وغيره, ونتيجة هذا العمل يتحقق الاحترام والتقدير والمحبة في قلوب الناس التي تحضي بتأييد من الله سبحانه وتعالى, وعبر حسن ظن الناس وتقييمها يكون قادرًا على النفوذ إلى قلوب الناس والسيطرة على عواطفهم من دون الحاجة إلى إظهار حالات التصنع والتظاهر بأمور معينة, ومن دون الحاجة الى المكر والخداع أو التخويف والترهيب واستخدام الأساليب المغرية, وتضيع أموال بيت المال لأجل استمالة قلوب الآخرين وضمانة السمعة الجيدة.
فمعيار الرأي العام في تقييم المسؤول هو العمل الصالح الذي يقوم به المتصدي فالحديث عنه بخير واحترامه ونعته بصفاته الواقعية يعد من العطايا الإلهية لا يحتاج إليها استخدام الطرق الملتوية , بل يكفي أن يكون هذا المسؤول واضحًا مع الناس في أداءه وسلوكياته وانطباعاته, يسمع ويتشاور معهم ويحترم أراءهم في الخطأ والصواب, وكل عمل صالح يقدمه للناس ويقربه إلى الله سبحانه وتعالى يندفع إليه بالاتجاه الصحيح.
المصدر: مؤسسة علوم نهج البلاغة - العتبة الحسينية المقدسة-------------------
الهوامش:
[1] نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج10 ص294
[2] نهج البلاغة: رسالة 53
[3] سورة الكهف: 110
[4][4] سورة فاطر 10
[5] سورة العصر : الآيات: 1,2,3,4

جعل الله سبحانه وتعالى للجنة أبوابا تدخل منها كافة الخلق, وقسمها على ثمانية أبواب حسب الرواية الواردة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: (إنّ للجنّة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النّبيّون والصّديقون، وباب يدخل منه الشّهداء والصّالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا؛ فلا أزال واقفا على الصّراط أدعو وأقول ربّ سلَّم شيعتي ومحبّي وأنصاري وأوليائي ومن تولَّاني في دار الدّنيا؛ فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك ويشفع كلّ رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه ساير المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه ولم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت)[1].
وتعدد أبواب الجنة لم يكن لتسهيل أمر دخول الواردين نتيجة لكثرتهم، بل هي إشارة إلى الأسباب والعوامل المتعددة التي تؤدي لدخول الناس في الجنة، وأن لكل من هذه الدرجات باب معين يدخل بها من فاز بنعيم الآخرة وهي:
باب دخول النبيين والصديقين
قوله (عليه السلام): (باب يدخل منه النّبيّون والصّديقون).
في بادئ الأمر يجب توضيح من هم النبيون ومن هم الصديقون؟
النبيون: (هم أصحاب الوحي الذين عندهم نبأ الغيب ولا خبرة لنا من حالهم بأزيد من ذلك إلا من حيث الآثار)[2].
والصديقون: (هم الذين زكتْ فطرتهم، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل، والخير والشر بمجرد عروضه عليهم)[3].
فجعل الله (سبحانه وتعالى) للنبيين والصديقين باباً في الجنة يدخلون منها تكريماً لهم على صبرهم وجهدهم الذي بذلوه في سبيل إيصال الرسالة السماوية إلى أقوامهم, قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}[4].
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (عدن دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيين، والصديقين، والشهداء، يقول الله، عز وجل: طوبى لمن دخلك (ورضوان من الله أكبر) )[5].
باب دخول الشهداء والصالحين
قوله (عليه السلام): (باب يدخل منه الشّهداء والصّالحون).
الشَّهِيدُ : (المقْتول في سبيل الله، والجمع شُهَداء)[6].
يقول محمد جواد مغنية: (الشهداء: هم الذين يقتلون في سبيل اللَّه، أما أجرهم عند ربهم؛ فقد بينه سبحانه بقولهم:{إِنَّ اللَّهً اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ والْقُرْآنِ}[7], أما نورهم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: {يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}[8], وقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (ما من أحد يدخل الجنة، ثم يحب أن يخرج منها إلى الدنيا ولو كانت له الأرض بما فيها إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات لما رآه من الكرامة عند اللَّه), {والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ }, هذا على عادة القرآن الحكيم، يقابل المتقين بالمجرمين، وثوابهم بعقابهم بقصد الترغيب والترهيب)[9].
والصالحون: (هو جمع صالح، وهو الذي يؤدي فرائض الله وحقوق الناس)[10].
فإن الشهادة في سبيل الله مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية ووسام لا يهديه الله سبحانه وتعالى إلا لخاصة أوليائه بعد أن اجتاز العديد من العقبات التي تحول بينه وبين ذلك المقام الرفيع.
أبواب دخول الشيعة والمحبين
قوله (عليه السلام): (وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا؛ فلا أزال واقفا على الصّراط أدعو وأقول ربّ سلَّم شيعتي ومحبّي وأنصاري وأوليائي ومن تولَّاني في دار الدّنيا؛ فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك ويشفع كلّ رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه وأقربائه).
في هذه الفقرة يبين الإمام (عليه السلام) أبواب دخول الشيعة والمحبين؛ فالشيعة: (هم التابعون لأمير المؤمنين والأئمة المعصومين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولهم درجات ومراتب بمقدار متابعتهم للأئمة (عليهم السلام) في الأعمال؛ فمن ترك بعض الواجبات أو ارتكب بعض المحرمات لا يخرج عن كونه من شيعة علي(عليه السلام)، وعليه؛ فالحائز لجميع الكمالات والتابع لهم في تمام الأعمال هو الشيعي الحقيقي والإنسان الكامل، والفاقد لجميع الكمالات الجوارحية هو الناقص وما بينهما درجات والكل مشتركون في أصل فضائل الشيعة)[11].
أما المحبون؛ فهم المحبون لأهل البيت (عليهم السلام)، الموالون لهم المقرون بفضلهم, والملتزمون بنهجهم الذي وضعوه, ويذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فضل أهل بيته (عليهم السلام) والمحبين لهم؛ فعن عبد الرزاق عن أبيه عن عبد الرحمان بن عوف أنه قال : ألا أحدثك حديثا قبل أن تختلط الأحاديث بأباطيل؟ إنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنا شجرة، وفاطمة و علي فرعها، والحسن والحسين ثمرها، ومحبهم من أمتي ورقها، وحيث نبت أصل الشجر نبت فرعها في جنة عدن والذي بعثني بالحق)[12].
والتشيّع الحقيقي لأهل البيت إنما هو الالتزام بنهجهم، والأخذ بطريق الورع والتقوى والاجتهاد في تطبيق جهاد النفس، وإن التعبير عن حبهم وولائهم الحقيقي إنما هو بالمتابعة لهم في السلوك والعمل, قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (سمعت النبي يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول اللّه إنّ اللّه جل اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك، فكافئهم بما شئت، فأقول: يا رب الجنة فأُبوّؤهم منها حيث شئت، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به)[13].
وإن تكريم الله تعالى للمحبين لأهل البيت (عليه السلام) عظيم، لما سيناولون من الرحمة والمغفرة والرضوان، فعن بُريد العجلي وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) أنه سأل الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ({وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[14], قال: هم والله شيعتنا، حين صارت أرواحهم في الجنّة واستقبلوا الكرامة من الله عزّ وجل علموا واستيقنوا أنّهم كانوا على الحق وعلى دين الله عزّ وجل واستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من المؤمنين {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ})[15].
فلا أقل من أن يكون هذا التفضل الإلهي، والكرم الرباني، له إيثاره في قلوب بني البشر استجابة لأمر الله سبحانه، وتحقيقا لدعوة رسوله صلى الله عليه واله, والإيثار لحب أهل بيت النبوة، استجابة لله ولرسوله؛ فحبهم مبدئ للإسلام ودين الحق وأصل له لما يعتبر فيه وبه بناؤه وثباته[16].
باب دخول سائر المسلمين
قوله (عليه السلام): (وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه ولم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت).
أبواب الجنة مشرعة لجميع المسلمين المحبين لرسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام), الذين لم يكن في قلبهم حقد وبغض لأهل بيت النبوة (عليهم السلام), عن الإمام علي (عليه السلام): (إن للجنة إحدى وسبعين بابا يدخل من سبعين منها شيعتي وأهل بيتي ومن باب واحد سائر الناس)[17].
فمن يزعم أنه يؤمن بالله (عز وجل) وبما جاء به نبي الرحمة (صلى الله عليه واله) ويبغض ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فهو كاذب, لأن النبي محمد (صلى الله عليه واله) والإمام علي (عليه السلام) من نفس واحدة، فقد رويعن عبدالله بن مسعود قال: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (من زعم أنه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليّاً عليه السلام فهو كاذب ليس بمؤمن)[18].
لذا دخول الجنة لسائر المسلمين مرتبط بحب أهل البيت (عليهم السلام) فهم حجة الله على الأرض وبهم النجاة يوم القيامة من الهول والفزع.
*المصدر: مؤسسة علوم نهج البلاغة التابعة للعتبة الحسينية المقدسةالهوامش:
-----------------------
[1] - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة, حبيب الله الهاشمي الخوئي, ج2
[2] - تفسير الميزان, العلامة الطباطبائي, ج4, ص408.
[3] - التفسير الكاشف, محمد جواد مغنية, ج2, ص371.
[4] - النساء:69.
[5] - تفسير مجمع البيان, الشيخ الطبرسي, ج5, ص88.
[6] لسان العرب, ج3, ص242.
[7] - التوبة: 111.
[8] - الحديد: 12.
[9] - التفسير الكاشف, ج7, ص247.
[10] - مجمع البحرين: الشيخ فخر الدين الطريحي, ج2, 386.
[11] - الشيعة في أحاديث الفريقين, السيد مرتضى الأبطحي, ص543.
[12] - بحار الانوار, ج27, ص107.
[13] - الشيعة في أحاديث الفريقين, ص88.
[14] - الاعراف:170.
[15] - الوافي, ج5, ص804.
[16]- إحقاق الحق إزهاق الباطل، شهاب الدين المرعشي: 33/ 189.
- [17] مستدرك سفينة البحار, الشيخ الشاهرودي, ج4, ص445.
[18] - بحار الانوار, ج39, ص253.

لا تقتصر شخصية العظماء على أهل ملتهم بل تتعدى كل الحدود والمعتقدات، وهذا من الأمور الطبيعية التي فطرت عليها الشخصية الإنسانية إذ تسعى دائما إلى اكتشاف مواهب الآخرين، وكيف وصلوا إلى هذا، للاقتداء بهم واقتفاء أثرهم، والسير على منهاجهم أو مواصلة ابداعهم، ولا يخفى نور أهل البيت عليهم السلام على كل ذي بصيرة، فهم السراج الوهاج والقمر المنير، لذا كان لشخصياتهم أثر كبير عند كل إنسان على اختلاف دينه ومعتقده، فتجد سيرهم على لسان الناس يحكونها ويكتبون فيها؛ لأنهم (عليهم السلام) نعم المثل الأعلى الذي يقتدى به، وكيف لا! وهم المعصومون المنزهون الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ومن أكثر الأئمة (عليهم السلام) تأثيرا في الناس بكل جنسياتهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد لهج الكل بذكره وذكر فضائله حتى أعدائه؛ لأنه (عليه السلام) أعظم من الشمس، والشمس لا يحجبها غربال؛ فكيف هو؟.
ويبرز تأثير أمير المؤمنين (عليه السلام) في العلماء والمفكرين من الديانة المسيحية على اختلاف طوائفهم، فنجد الكثير منهم كتب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجالات شتى. ومنهم المفكر الأردني روكس بن زائد العزيزي الذي يدين بالديانة المسيحية الكاثوليكية، فقد ألف كتاباً في أمير المؤمنين (عليه السلام) أسماه ( الإمام علي أسد الإسلام وقدِّيسه): وذكر في مقدمته ((أحببت الإمام عليّاً كرّم الله وجهه، من اليوم الذي قرأت فيه سيرته الخصبة، وحياته النبيلة، وقد كنت أحسّ بأنّ انقسام الناس فيه دليل على العظمة!
وكم كنت أودّ أن أُسجّل انطباعاتي عنه فأتهيّب، كالّذي يريد أن يخوض البحر، وهو يرى البحر للمرّة الأُولى في حياته!
أو كالّذي يحاول أن يحلّق في الجو وهو يجهل الطيران!
هذا هو الشعور الذي كان يخامرني كلّما مددت يدي إلى القلم!
كنت في الخامسة والعشرين من عمري يوم كتبت مقالاً عنوانه( قدّيس الإسلام).
قرأته على صديق لي، فقال: (هذا شعر! لكن ثق بأنّك لن ترضي النصاري، ولا تُعجب المسلمين! ستكون متّهماً على أي حال!...).
وطويت المقال وها أنا ذا بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة أشعر بأنّ سحر هذه الشخصية يجذبني لأكتب، فإذا كتبت شيئاً يستحقّ القراءة، فإنّما أكتب بوحي من أسد الإسلام وقدّيسة))[1].
ويظهر من هذه المقدمة مدى الحب الذي في قلب هذا الشخص اتجاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكيف يبين لنا أن هذا الكتاب لم يكن وليد الساعة بل هو عبارة عن تأملات لعمر طويل في شخصية الإمام (عليه السلام) حتى استوت الفكرة في المرحلة التي كان فيها شيخ
كبير قد تمرس على الكتابة وبدا قلمه سيّالا لما في قلبه، فاستغل هذه الإمكانية التي حصل عليها في بلورة هذا الكتاب ليكون على أتم وجه، ليتناسب مع شخصية الإمام (عليه السلام).
ويقول العزيزي في نهج البلاغة "يقيناً إنّ كل مثقف عربي، كل كاتب عربي، كل شاعر عربي، كل خطيب عربي مدين للإمام علي، فإذا كان كل مسلم في الدنيا مدين للقرآن الكريم في تكون عقليته وتفكيره فإنّ كل مثقف عربي مدين لنهج البلاغة في تقويم قلمه"[2].
وهذا يشير إلى قراءته لنهج البلاغة بكل تأمل وتدبر حتى أن النهج ساعده في تقويم قلمه، ويبين أن على كل مثقف وكاتب وشاعر وخطيب أن ينهل من معين أمير المؤمنين (عليه السلام) ليرقى بنتاجه إلى اعلى المراتب.
ويختم كتابه بكلمات تنبع من روح عالية ونفس مولعة بحب أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ يطرزها بعبارات جمالية تبهر القارئ، إذ يقول مخاطبا أمير المؤمنين (عليه السلام):
"أبا الحسن!
أيّها الإمام العظيم
هذه انطباعات كانت تجول في خاطري نحوك من زمن بعيد!
حاولت أن اصوّر فيها نفسك الكبيرة شجاعتك وعلمك سخاءك وجودك.
كتبت ما أشعر به أنّه حق، واعتمدت على المراجع التي وثقت بها، ولا أقول إنّي اطّلعت على ما كُتب عنك لأنّه شيء كثير وكثير!
فإن نالت منك القبول يا أيها الإمام العظيم فحسبي ذلك.
إنّها كلمة لم يعوزها الإخلاص، ويقينا أنّ الكلمة التي تخرج من القلب لن تجد مستقرّاً لها إلّا القلب.
سيقول بعض الذين ما تعوّدوا الصدق والإخلاص المجرّدين: إنّ العزيزي متحمّس للإمام كأنّه من الشيعة، الحقّ إنّي لست شيعيّاً ولست مسلماً بل أنا عربي نصراني كاثوليكي، ومن هنا تعلّمت أن أقول ما أعتقد حقّاً، كائنة ما كانت نتائجه وأنا فوق هذا أعتقد أنّ العظيم كل عظيم ليس ملكاً لفرقة ولا هو حكرة لدين أو مذهب، فأنا كما قال البحتري:
وأراني من بعدُ أُكلف بالأشراف طرّاً من كل سنخ وأس"[3]
وما يميز هذا الكاتب عن غيره طريقته في السرد، فهو يجمع بين المنهج العلمي الرصين، والطريقة الروائية في طرح المعلومات، التي جاءت بأسلوب منمق جميل وبسيط.
هذا بعض ما تركه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أثر في نفوس الشخصية الإنسانية على وجه العموم، فهو كما يقول هذا المفكر أنّ العظيم كل عظيم ليس ملكاً لفرقة ولا هو حكرة لدين أو مذهب.
-----------
[1] الإمام علي أسد الإسلام وقدِّيسه: مقدمة المؤلف.
[2] المرجع نفسه: 225
[3] المرجع نفسه: خاتمة الكتاب.
*مؤسسة علوم نهج البلاغة – العتبة الحسينية المقدسة


اسمها ونسبها
السيّدة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق عليهم السلام ، المعروفة بالمعصومة .
لقبها بالمعصومة
ورد أنّ أخاها الإمام الرضا عليه السلام قد لقّبها بالمعصومة ، كما ورد أنّ جدّها الإمام الصادق عليه السلام لقّبها بكريمة أهل البيت ، قبل ولادتها .
ولادتها
ولدت السيّدة المعصومة في الأوّل من ذي القعدة 173 هـ بالمدينة المنوّرة .
أُمّها
السيّدة تكتم ، وهي جارية .
نشأتها
نشأت السيّدة المعصومة تحت رعاية أخيها الإمام الرضا عليه السلام ، لأنّ هارون أودع أباها عام ولادتها السجن ،ثم اغتاله بالسم عام 183هـ ، فعاشت مع إخوتها وأخواتها في كنف الإمام الرضا عليه السلام .
رحلتها إلى خراسان
اكتنفت السيّدة المعصومة - ومعها آل أبي طالب - حالة من القلق الشديد على مصير الإمام الرضا عليه السلام منذ أن استقدمه المأمون إلى خراسان .
فقد كانوا في خوف بعدما أخبرهم أخوها الإمام الرضا عليه السلام أنّه سيستشهد في سفره هذا إلى طوس ، فشدّت الرحال إليه عليه السلام .
سفرها إلى قم
رحلت السيّدة المعصومة تقتفي أثر أخيها الرضا عليه السلام ، والأمل يحدوها في لقائه حياً ، لكن وعثاء السفر ومتاعبها للذينِ لم تعهدهما أقعداها عن السير .
فلزمت فراشها مريضة مُدنَفة ، ثمّ سألت عن المسافة التي تفصلها عن قم - وكانت آنذاك قد نزلت في مدينة ساوة - فقيل لها إنّها تبعد عشرة فراسخ ، أي 70 كم ، فأمرت بإيصالها إلى مدينة قم .
وصولها إلى قم
حملت السيّدة المعصومة إلى مدينة قم ،وهي مريضة ، فلمّا وصلت ، استقبلها أشراف قم ، وتقدّمهم موسى بن خزرج بن سعد الأشعري ، فأخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله ، وكانت في داره حتّى تُوفّيت بعد سبعة عشر يوماً .
فأمر بتغسيلها وتكفينها ، وصلّى عليها ،ودفنها في أرض كانت له ، وهي الآن روضتها ، وبنى عليها سقيفة من البواري ، إلى أنبَنَت السيّدة زينب بنت الإمام محمّد الجواد عليه السلام عليها قبّة .
وفاتها
توفّيت السيّدة المعصومة في العاشر من ربيع الثاني 201 هـ ، ودفنت بمدينة قم المقدّسة .
كراماتها
ظهرت للسيّدة فاطمة المعصومة كرامات كثيرة ، نقل بعضها مؤلّف كتاب كرامات معصوميه ، ومن تلك الكرامات التي نقلها هي عن أحد المهاجرين العراقيين حَدَث يوماً أن وُصف لي طبيب حاذق ، فاصطحبت والدتي له ، فعاينها ووصف لها علاجاً ، ثمّ إنّي عُدت بوالدتي إلى البيت ، وبدأت بحثي عن الدواء الذي وصفه لها ، فما وجدته إلاّ بعد عناء ومشقّة عظيمة .
ولمّا كنت في طريقي إلى المنزل ، وقع بصري على القبة المقدّسة للسيّدة المعصومة عليها السلام ، فألهم قلبي زيارتها والتوسّل بها إلى الله تعالى ، فدخلت الحرم المطهّر ، وألقيت بالأدوية جانباً ،وخاطبت السيّدة بلوعة وحُرقة
يا سيّدتي ، لقد كنّا في العراق نلجأ إلى أبيكِ باب الحوائج في كلّ شدّة وعُسر ، ونستشفع به إلى الله تعالى في قضاء حوائجنا ، فلا نعود إلاّ وقد تيّسر لنا عسيرُها ، وها نحن لا ملجأ لنا هنا إلاّ لكِ، وها أنا سائلك أن تشفعي في شفاء أُمّي ممّا ألمّ بها .
قال ولقد منّ الله تعالى على والدتي بالشفاء في نفس ذلك اليوم ببركة السيّدة المعصومة ، فاستغنينا عن الدواء .
فضل زيارتها
1ـ عن سعد بن سعيد ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال سألته عن قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهم السلام، فقال من زارها فله الجنّة2 .
2ـ قال الإمام الجواد عليه السلام من زار قبر عمّتي بقم فله الجنّة3 .
3ـ عن سعد ، عن الإمام الرضا عليه السلام قال يا سعد ، عندكم لنا قبر، قلت له جعلت فداك ، قبر فاطمة بنت موسى ؟ قال نعم ، من زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة4 .
4ـ قال الإمام الصادق عليه السلام إنّ لله حرماً وهو مكّة ، وإنّ للرسول صلى الله عليه وآله حرماً وهو المدينة ، وإنّ لأمير المؤمنين عليه السلام حرماً وهو الكوفة ، وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم ، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمّى فاطمة ، فمن زارها وجبت له الجنّة5 .
ـــــــــ
1ـ أُنظر : أعيان الشيعة 8 / 391 ، مستدرك سفينة البحار 8 / 261 .
2ـ ثواب الأعمال : 99 .
3ـ كامل الزيارات : 536 .
4ـ بحار الأنوار 48 / 317 .
5ـ المصدر السابق 57 / 216 .

نواقض الوضوء سبعة:
(1 ، 2) البول ــ وفي حكمه ظاهراً البلل المشتبه به قبل الاستبراء ــ والغائط ، سواء أكان خروجهما من الموضع الأصلي ــ للنوع أو لفرد شاذ الخلقة من هذه الجهة ــ أم من غيره مع انسداد الموضع الأصلي ، وأما مع عدم انسداده فلا يكون ناقضاً إلاّ إذا كان معتاداً له ، أو كان الخروج بدفع طبيعي لا بالآلة ، وإن كان ــ الأحوط استحباباً ــ الانتقاض به مطلقاً. ولا ينتقض الوضوء بالدم ، أو الصديد الخارج من أحد المخرجين ما لم يكن معه بول أو غائط ، كما لا ينتقض بخروج المذي وهو الرطوبة الخارجة عند ملاعبة الرجل المرأة ونحو ذلك ممّا يُثير الشهوة ، والودي وهو الرطوبة الخارجة بعد البول ، و الوذي وهو الرطوبة الخارجة بعد المني.
(3) خروج الريح من مخرج الغائط ــ المتقدّم بيانه ــ إذا صدق عليها أحد الاسمين المعروفين.
(4) النوم الغالب على السمع.
(5) كل ما يزيل العقل ، من جنون ، أو إغماء ، أو سكر ، دون مثل البهت.
(6) الاستحاضة المتوسطة ، والقليلة.
(7) الجنابة ، فإنها تنقض الوضوء وإن كانت لا توجب إلاّ الغسل.
المصدر: موقع مكتب سماحة

اسمه ونسبه (عليه السلام): الإمام جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
كنيته (عليه السلام): أبو عبد الله، أبو إسماعيل، أبو موسى، والأُولى أشهرها.
ألقابه (عليه السلام): الصادق، الصابر، الطاهر، الفاضل، الكامل، الكافل، المنجي، و...، وأشهرها الصادق.

لقبه (عليه السلام) بالصادق: لقد جاء لقب الإمام (عليه السلام) بالصادق من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث قال: (يخرج الله من صُلبه ـ أي صُلب محمّد الباقر ـ كلمة الحق، ولسان الصدق)، فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا رسول الله؟
قال: (يقال له: جعفر، صادق في قوله وفعله، الطاعن عليه كالطاعن عليّ، والرادّ عليه كالرادّ عليَّ ...) (1).
تاريخ ولادته (عليه السلام) ومكانها: 17 ربيع الأوّل 83 هـ، المدينة المنوّرة / الأبواء.
أُمُّه (عليه السلام) وزوجته: أُمّه: السيّدة أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وزوجته: السيّدة حميدة البربرية أُم الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وهي جارية، وله زوجات أخرى.
مدّة عمره (عليه السلام) وإمامته: عمره: 65 سنة، وإمامته: 34 سنة.
المراسيم الشرعية: لقد استقبل الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) حفيده بحفاوة، قبّله وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية، من أذان في أُذنه اليمنى، ومن إقامة في أُذنه اليسرى، وغير ذلك.

المشهور عند الامامية ان ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السابع عشر من ربيع الاول ، وذهب اكثر علماء اهل السنة الى انها كانت في الثاني عشر منه والمشهور ان ولادته كانت عند طلوع الفجر من يوم الجمعة في عام الفيل ، اليوم الذي جاؤوا بالفيل لتخريب الكعبة المعظمة فاهلكهم الله تعالى بحجارة من سجيل.

روي انه لما كانت ليلة الجمعة عشية عرفة وكان عبد الله قد خرج هو واخوته وابوه ، فبينما هم سائرون واذا بنهر عظيم فيه ماء زلال ولم يكن قبل ذلك اليوم هناك ماء فبقي عبد المطلب واولاده متعجبين ، فبينما عبد الله كذلك اذ نودي يا عبد الله اشرب من هذا النهر ، فشرب منه ، واذا هو ابرد من الثلج ، واحلى من العسل ، وازكى من المسك ، فنهض مسرعا والتفت الى اخوته فلم يرو للنهر اثرا فتعجبوا منه ، ثم ان عبد الله مضى مسرعا الى منزله فرئته امنة طائشا ، فقالت له : مالك ؟ صرف الله عنك الطوارق ، فقال لها : قومي فتطهري وتطيبي وتعطري ، واغتسلي ، فعسى الله ان يستودعك هذا النور ، فقامت وفعلت ما امرها ، ثم جاءت اليه فغشيها تلك الليلة المباركة ، فحملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فانتقل النور من وجه عبد الله في ساعته الى امنة بنت وهب ، فقالت امنة : لما دنا مني ولامسني اضاء منه نور ساطع ، وضياء لامع ، فانارت منه السماء والارض ، فادهشني ما رأيت ، وكانت امنة بعد ذلك يرى النور في وجهها كانه المرآة المضيئة. (1)
روي انه ولد صلى الله عليه وآله وسلم في يوم السابع عشرة من شهر ربيع الاول في عام الفيل ، وانه ولد صلى الله عليه وآله وسلم عند طلوع الفجر من يوم الجمعة بعد خمس وخمسين يوما من هلاك اصحاب الفيل.
وذكر الطبري ان مولده صلى الله عليه وآله وسلم كان لاثنين واربعين سنة من ملك انوشيروان وهو الصحيح ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ولدت في زمن الملك العادل انو شيروان بن قباد قاتل مزدك والزنادقة (2).
وكانت ولادته في داره المباركة بمكة ، ثم وهبها النبي صلى الله عليه واله وسلم لعقيل بن ابي طالب.
وتقول امنة بنت وهب ام محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسقط الى الارض ، ثم رفع راسه الى السماء فنظر اليها ، ثم خرج مني نورا اضاء له كل شيء ، وسمعت في الضوء قائلا يقول : انك قد ولدت سيد الناس فسيمه محمدا (3) ، واتي عبد المطلب لينظر اليه وقد بلغه ما قالت امه ، فاخذه فوضعه في حجره ثم قال : الحمد لله الذي اعطاني هذا الغلام الطيب الاردان ، قد ساد في المهد على الغلمان.
ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتيما حيث توفي عبد الله بن عبد المطلب والد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند رجوعه من الشام في تجارة لابيه عبد المطلب ، فمرض وتوفي من مرضه وزوجته امنة حامل بمحمد صلى الله عليه واله وسلم ودفن جثمانه الطاهر في دار النابغة بالمدينة المنورة.
وروي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي بن ابي طالب عليه السلام : لما خلق الله عزوجل ادم ونفخ فيه من ررحه واسجد له ملائكته واسكنه جنته وزوجه حواء امته ، فرفع طرفه نحو العرش فاذا هو بخمسة سطور مكتوبات ، قال ادم : يارب من هؤلاء ؟ قال الله عزوجل له : هؤلاء الذين اذا تشفع بهم الي خلقي شفعتهم ، فقال ادم : يا رب بقدرهم عندك ما اسمهم ؟ قال : اما الاول : فانا المحمود وهو محمد ، والثاني : فانا العالي الاعلى وهذا علي ، والثالث : فانا فاطر وهذه فاطمة ، والرابع : فانا المحسن وهذا حسن ، الخامس : فانا ذو الاحسان وهذا حسين ، وكل يحمد الله عزوجل (4).
_____________________________________________
1 ـ البحار : ج 15 ص 103.
2 ـ نفس المصدر ص 250.
3 ـ نفس المصدر.
4 ـ نفس المصدر : ص 14.

غسل الجمعة من الأغسال المستحبة المؤكدة ، ويذهب جماعة من الفقهاء و المحدثين منهم الكليني و الصدوق و الشيخ البهائى رحمهم اللّه الى وجوبه على ما نقل عنهم لظاهر كثير من الاخبار، غير أن المشهور بين الفقهاء هو استحبابه، و الوجوب المذكور في تلك الاخبار يراد منه تأكد الاستحباب.

غسل الجمعة في الروايات الشريفة
كَانَ امير المؤمنين عَلِيٌّ عليه السلام يَقُولُ: "مَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ أَوْ لِعِلَّةٍ مَانِعَةٍ".
وعَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ أنَّهُ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَبِّخَ الرَّجُلَ يَقُولُ لَهُ: "أَنْتَ أَعْجَزُ مِنْ تَارِكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي طُهْرٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى".
و عن الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام أنَّهُ قال : "لَا تَدَعِ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَ شَمَّ الطِّيبَ، وَ الْبَسْ صَالِحَ ثِيَابِكَ، وَ لْيَكُنْ فَرَاغُكَ مِنَ الْغُسْلِ قَبْلَ الزَّوَالِ".
و رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنهُ قَالَ : "غُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا".
وقت غسل الجمعة
وقت غسل الجمعة هو من طلوع الفجر إلى الزوال، وأما لو أراد الاغتسال في ما بين وقت الظهر إلى غروب الشمس فيأتي به دون نية الأداء أو القضاء، و من فاته الاغتسال في يوم الجمعة يجوز له قضاء غسل الجمعة حتى غروب الشمس من يوم السبت.
كما يجوز لمن خاف عوز الماء أو نقصانه في يوم الجمعة تقديم غسل الجمعة والاغتسال يوم الخميس رجاءً.
وتستحب إعادة الاغتسال لمن اغتسل في يوم الخميس ثم وجد الماء في يوم الجمعة.

1ـ إن الغريزة الجنسية، أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقاً، وكانت عبر التأريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة حتى قيل: إن وراء كل حادثة مهمة امرأة.
فتعرّي النساء وما يرافقه من تجميل وتبرّج وما شاكل ذلك يحرّك الرجال ـ خاصة الشباب ـ ويحطّم أعصابهم وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي. وأحياناً يكون ذلك مصدراً للأمراض النفسية، فأعصاب الإنسان محدودة التحمل وهو لا يتمكن من الاستمرار في حالة الهيجان.
وينسب إلى أحد أطباء علم النفس: \أن هذه الحالة سبب للأمراض النفسية\. بينما يريد الإسلام للرجال المسلمين والنساء المسلمات نفساً مطمئنة وأعصاباً سليمة ونظراً وسمعاً طاهرين.
2-تبين إحصاءات موثقة ارتفاع نسب الطلاق وتفكك الأسرة في العالم بسبب زيادة التعري، لأن الناس أتباع الهوى غالباً وهكذا يتحول حب الرجل من امرأة إلى أخرى كل يوم بل كل ساعة.
فسوق التعرّي والحرية الجنسية يعتبر المرأة سلعة تباع وتشترى أو في أقل تقدير موضع نظر وسمع الرجال، عندها يفقد عقد الزواج حرمته وتنهار أسس الأسرة بسرعة؛ كانهيار بيت العنكبوت. ويتحمل الأبناء أعباء هذه المصيبة بعد أن يفقدوا أولياءهم ويفقدوا حنان الأسرة.
أما في البيئة التي يسودها الحجاب (والتعاليم الإسلامية الأخرى) فالعلاقة وثيقة بين الزوج وزوجته ومشاعرهما وحبهما مشترك.
3- إن لقضية ابتذال المرأة وسقوط شخصيتها في المجتمع الغربي دلالة واضحة لا تحتاج إلى أرقام، فعندما يرغب المجتمع في تعري المرأة ليتبعه اعتياد التجميل الفاضح والانحدار السلوكي وسقوط شخصية المرأة في مجتمع يركز على جاذبيتها الجنسية، ليجعلها وسيلة إعلامية يروج بها لبيع سلعة أو لكسب سائح.
وهذا السقوط يفقدها كل قيمتها الإنسانية، إذ يصبح شبابها وجمالها وكأنه المصدر الوحيد لفخرها ومكانتها، فلا يبقى لها من إنسانيتها سوى أنها أداة لإشباع شهوات الآخرين الوحوش الكاسرة في صور البشر.
ومن المؤسف كيف تلعب المرأة دوراً سلبياً باسم الفن، وتشتهر وتكسب المال الوفير وتنحط إلى حد الابتذال في المجتمع ليرحب بها مسيّرو هذا المجتمع المنحط خلقياً في المهرجانات والحفلات الساهرة وغيرها من مظاهر الفساد والانحراف.
4- انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين، يعتبران من أنكى نتائج إلغاء الحجاب وكما نرى ولا حاجة إلى إحصائية بهذا الصدد. فشواهدها ظاهرة في المجتمع الغربي وواضحة بدرجة لا تحتاج إلى بيان.
حتى أن علماء الغرب حذروا المسؤولين من مغبة هذا الوضع بسبب الخطر الذي أوجده هؤلاء الأبناء لأمن المجتمع فقد وجدوا أنهم يمثلون القسم الأعظم من ملفات القضايا الخاصة بالجرائم. ومن هنا ندرك أهمية هذه القضية، وأنها كارثة حتى للذين لا يؤمنون بدين ولا يهتمون بأخلاق.
5- كثرة الأمراض الجنسية التي تعصف بالمجتمع الإنساني نتيجة الممارسات المحرمة. وهذا ما يكلّف الدول والمجتمعات كثيراً من المال والجهد ونحوها. وهذا عامل اقتصادي، حيث تذهب كثير من الطاقات والأموال لعلاج الأمراض الجنسية، وبالتالي يتعرض النوع الإنساني للتشوّهات الخلقية.
*مقتطف من كتاب \التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع\ صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى...} ([1]).
(فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) أي لا ترققن القول وتلِنَ الكلام أي لا تجعلن كلامكنّ ليناً رقيقاً.
بل تكلَّمْنَ عند تحدثكنّ بجد وبأسلوب عاديّ لا كالنساء المتميعات الشخصية.
ومن المؤسف إن بعض النساء غير المتدينات يسعين من خلال حديثهنّ المليء بالعبارات المحركة للشهوة والتي قد تقترن بترخيم الصوت وأداء بعض الحركات لكي يدفعن الرجال إلى الفساد وارتكاب المعاصي.
{وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} للقول المعروف معنى واسع يتضمن مصاديق عديدة، إضافة إلى أنه ينفي كل قول باطل لا فائدة فيه، ولا هدف من ورائه وكذلك ينفي المعصية وكل ما خالف الحق، ثم يصدر أمراً في باب رعاية العفة والحجاب.
فيقول تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي: الزمن بيوتكن.
(قَرْنَ): من مادة الوقار، أي الثقل، وهو كناية عن التزام البيوت، واحتمل البعض أن تكون من مادة القرار، وهي لا تختلف عن المعنى الأول كثيراً.
والتبرج يعني الظهور أمام الناس، وهو مأخوذ من مادة برج يبدو ويظهر لأنظار الجميع، والمعنى لا تظهرن زينتكن للأجانب ولا تخرجن على عادة نساء الجاهلية.
والحكم الوارد في الآية المباركة عام والتركيز على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) من باب التأكيد الأشد، كما تقول لعالم: أنت عالم فلا تكذب فلا يعني هذا أنَّ الكذب مجاز ومباح للآخرين، بل المراد أن العالم ينبغي أن يتقي هذا العمل بصورة آكد وأشد.
*مقتطف من كتاب "التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع" صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة
([1]) سورة الأحزاب: آية 32.

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}([1]).
الغض: هو إطباق الجفن على الجفن. والأبصار: جمع بصر وهو العضو الناظر.
فقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ* لما كان {يَغُضُّوا} مترتباً على قوله: {قُلْ} ترتب جواب الشرط عليه دلّ ذلك على كون القول بمعنى الأمر والمعنى مُرْهُم {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} والتقدير: مُرْهُمْ بالغض، إنك إن تأمرهم به (يَغُضُّوا).
ما الحكمة؟
والآية أمر بغض الأبصار ومفادهُ النهي عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من الأجنبي والأجنبية {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أي ومرهم {يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}.
والمقابلة بين قوله: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} و{يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} يعطي أن المراد بحفظ الفروج سترها من النظر فضلاً عن الزنا واللواط والعياذ بالله.
ثم أشار إلى وجه المصلحة في الحكم وحثّهم على المراقبة في جنبه بقوله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} . فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة وإطلاق البصر والفرج من أسباب النقمة والعذاب في الدنيا والآخرة.
وقدْ دلّت الأحاديث الشريفة أن المراد من الأمر بالغض في الآية المباركة النهي عن مطلق النظر إلى الأجنبية. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "النظر إلى محاسن النساء سهم من سهام إبليس، فمن تركه أذاقه الله طعم عبادة تسرُهُ" ([2]).
ثم توجه الخطاب الإلهي إلى المؤمنات يأمرهن بغض البصر وحفظ الفرج.
قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} .
فلا يجوز لهن النظر إلى مالا يجوز النظر إليه ويجب عليهن ستر العورة عن الأجنبي والأجنبية فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج -كما أمر المؤمنين بذلك - صيانة لهم من أسباب الفتنة وتحريضاً لهن على أسباب العفة والسلامة.
أفعمياوان أنتما؟
ورد في جوامع الجامع عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي عن النبي صلى الله عليه وآله وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟([3]).
والأمر الإلهي في هاتين الآيتين الكريمتين للمؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج واضح جلي وما ذاك إلا لعظم ما يترتب على عدم حفظهما من الفساد الكبير بين المسلمين.
فإطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة، وغض البصر من أسباب السلامة والهداية. كما أن حفظ الفرج واجب، ومن أبرز مظاهر العفة والالتزام بأوامر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه جلّ وعلا.
وعدم الالتزام بذلك من مظاهر سقوط الشخصية وازدياد الفحشاء بين المسلمين وهذا الانحدار والسقوط الخلقي من أظهر أسباب سقوط المجتمع وانحراف الشخصية الإسلامية.
فعلى العبد أن يحذر ربه وأن يستحي منه أن يراه على معصيته أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه.
ثم انتقلت الآية المباركة إلى ذكر حكم آخر وهو حرمة إبداء الزينة.
قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} .
فلا يحق للنساء الكشف عن زينتهن المخفية وإن كانت لا تُظهر أجسامهن فلا يجوز لهن الكشف عن لباس يتزينّ به تحت اللباس العادي أو العباءة بنص القرآن الكريم، الذي نهاهن عن ذلك وقد فُسّرت الزينة في بعض الأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) بالقلادة والدملج (وهو نوع من الحلي يوضع على الساعد)، والخلخال ونحوها من أنواع الزينة التي اعتادت النساء التزين بها([4]).
وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} .
الخُمُرْ ـ بضمتين ـ: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها. والجيوب: جمع جيب بالفتح فالسكون والمراد به الصدور.
والمعنى: وليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها.
ثم يذكر الكتاب الكريم حكماً آخر زيادة للعفة والحجاب، يقول تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} أي على النساء أن يتحفظن كثيراً، ويحفظن عفّتهن، ويبتعدن عن كل شيء يثير نار الشهوة في قلوب الرجال حتى لا يتهمن بالانحراف عن طريق العفة. ويجب أن يراقبن تصرفهن بشدة بحيث لا يصل صوت خلخالهن وما أشبه ذلك إلى آذان غير المحارم، وهذا كله يؤكّد دقّة نظر الإسلام إلى هذه الأمور المهمة.
فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي النساء وامنعوهنّ مما حرم الله عليهنّ من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بالنساء الكافرات، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله تعالى وعموم عقابه.
وانتهت الآية الكريمة بدعوة جميع المؤمنين رجالاً ونساء إلى التوبة والعودة إلى الله تعالى ليفلحوا {وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وتوبوا أيها الناس مما ارتكبتم من ذنوب في هذا المجال بعدما اطلعتم على حقائق الأحكام الإسلامية.
([1]) سورة النور: آية 30 - 31.
([2]) مستدرك الوسائل: ج2، ص 544.
([3]) بحار الأنوار: ج101، ص37.
([4]) مستدرك الوسائل: ج14، ص6 باب ما يحل النظر اليه من المرأة بغير تلذذ وما لا يجب عليها ستره.
*مقطتف من كتاب "التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع" صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة
