قرآنيات
سورة الحمد.. لماذا سميت بـ «فاتحة الكتاب»؟
«فاتحة الكتاب» اسم اتخذته هذه السّورة في عصر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم، كما يبدو من الأخبار و الأحاديث المنقولة عن النّبي الأعظم صلّی اللّه عليه و اله و سلّم.

[اشترك]

‏و هذه المسألة تفتح نافذة علی مسألة مهمّة من المسائل الإسلامية، و تلقي الضوء علی قضية جمع القرآن، و توضّح أنّ القرآن جمع بالشكل الذي عليه الآن في زمن الرّسول صلّی اللّه عليه و اله و سلّم، خلافا لما قيل بشأن جمع القرآن في عصر الخلفاء، فسورة الحمد ليست أول سورة في ترتيب النّزول حتی تسمّی بهذا الاسم و لا يوجد دليل آخر لذلك، و تسميتها بفاتحة الكتاب يرشدنا إلی أنّ القرآن قد جمع في زمن الرّسول صلّی اللّه عليه و اله و سلّم بهذا الترتيب الذي هو عليه الآن.

‏و ثمّة أدلّة اخری تؤيّد حقيقة جمع القرآن بالترتيب الذي بأيدينا اليوم في عصر الرّسول صلّی اللّه عليه و اله و سلّم و بأمره.

‏روی عليّ بن إبراهيم، عن الإمام الصادق عليه السّلام، أنّ رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم قال لعلّي عليه السّلام: «يا عليّ، إنّ القرآن خلف فراشي في الصّحف و الحرير و القراطيس، فخذوه و اجمعوه و لا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التّوراة، و انطلق عليّ عليه السّلام فجمعه في ثوب أصفر، ثمّ ختم عليه»

[تاريخ القرآن، أبو عبد اللّه الزنجاني، ص ٤٤.]

٧.

‏و يروي (الخوارزمي) في المناقب عن (علي بن رباح) أنّ علي بن أبي طالب و أبيّ بن كعب جمعا القرآن في عصر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم.

‏و روی (الحاكم) في (المستدرك) عن (زيد بن ثابت) قال: «كنّا نؤلّف القرآن من الرّقاع».

‏و يقول العالم الجليل السيد المرتضی رحمة اللّه: «إنّ القرآن كان علی عهد رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم مجموعا مؤلّفا علی ما هو عليه الآن»

[مجمع البيان، ج ١، ص ١٥.]

٨.

‏و يروي الطبراني و ابن عساكر عن الشعبي أنّ القرآن جمعه ستة من الأنصار في عصر النّبي صلّی اللّه عليه و اله و سلّم‌

[منتخب كنز العمال، ج ٢، ص ٥٢.]

٩.

‏و يروي قتادة أنّه سأل أنس عن جمع القرآن في عصر النّبي صلّی اللّه عليه و اله و سلّم فقال:

‏أربعة من الأنصار هم: أبيّ بن كعب، و معاذ، و زيد بن ثابت، و أبو زيد

[صحيح البخاري، ج ٦، ص ١٠٢.]

١٠ و هناك روايات اخری يطول ذكرها.

‏علی أيّ حال، اتّخاذ سورة الحمد اسم (فاتحة الكتاب) دليل واضح علی إثبات هذه المسألة، إضافة إلی الأدلة الاخری المستفيضة في مصادر الشيعة و السنّة.

‏سؤال:

‏و هنا يثار سؤال حول المشهور بين بعض العلماء بشأن جمع القرآن بعد عصر النّبي صلّی اللّه عليه و اله و سلّم.

‏و في الجواب نقول: ما روي بشأن جمع القرآن علی يد الامام عليّ عليه السّلام بعد عصر الرّسول، لم يكن القرآن وحده، بل مجموعة تتضمّن القرآن و تفسيره و أسباب نزول الآيات، و ما شابه ذلك ممّا يحتاجه الفرد لفهم كلام اللّه العزيز.

‏و أمّا ما فعله عثمان في هذا الصدد، فتدلّ القرائن أنّه أقدم علی كتابة قرآن واحد عليه علامات التلاوة و الإعجام، منعا للاختلاف في القراءات، إذ لم يكن التنقيط معمولا به حتی ذلك الوقت.

‏و ما نراه من إصرار لدی جماعة علی عدم جمع القرآن في عصر رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم، و علی نسبة هذا الأمر للخليفة عثمان أو للخليفة الأول أو الثاني، فإنّما يعود إلی ظروف و ملابسات و عصبيات تأريخية لسنا بصددها الآن.

‏و إذا رجعنا إلی استقصاء طبيعة الأشياء في مجال جمع القرآن، ألفينا أنّه من غير المعقول أن يترك النّبي صلّی اللّه عليه و اله و سلّم هذه المهمّة الكبيرة، بينما نجده يهتمّ بدقائق الأمور المرتبطة بالرسالة.

‏أليس القرآن دستور الإسلام، و كتاب هداية البشرية، و أساس عقائد الإسلام و أحكامه؟

‏أليس من الممكن أن يتعرّض القرآن- إن لم يجمع- في عصر الرّسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم إلی الضياع، و إلی الاختلاف فيه بين المسلمين؟! (حديث الثقلين) المروي في المصادر الشيعية و السنّية، حيث أوصی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و اله و سلّم بوديعته: كتاب اللّه و عترته، يؤكّد أيضا أن القرآن كان قد جمع في مجموعة واحدة في عصر الرّسول الأعظم.

‏أمّا اختلاف الرّوايات في عدد الصحابة الذين جمعوا القرآن خلال عصر النّبي فلا يشكّل عقبة في البحث، و من الممكن أنّ تتّجه كلّ رواية إلی ذكر عدد منهم.

تفسير الأمثل ج1
2024/06/04

خيرات حسان: تعرّف على صفات الزوجات في الجنّة
‏فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلی‌ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (٧٨)

‏زوجات الجنّة .. مرّة اخری:

‏استمرار لشرح نعم الجنّتين التي ذكرت في الآيات السابقة، تتحدّث هذه الآيات عن قسم آخر من هذه النعم التي تزخر بها جنان اللّه التي أعدّها للصالحين من عباده، حيث يقول سبحانه في البداية: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ‌. تستعمل كلمة (خير) غالبا للصفات الجيّدة و الجمال المعنوي، أمّا «حسن» فإنّها تستعمل للجمال الظاهر. لذا فإنّ المقصود ب خَيْراتٌ حِسانٌ‌ أولئك النسوة اللواتي جمعن بين حسن السيرة، وحسن الظاهر.

‏و جاء في الرّوايات في تفسير هذه الآية أنّ الصفات الحسنة للزوجات في الجنّة كثيرة و من جملتها طيب اللسان و النظافة و الطهارة، و عدم الإيذاء، و عدم النظر للرجال الأجانب.. و الخلاصة أنّ جميع صفات الخير و الجمال التي يجب أن تكون في الزوجة الصالحة موجودة فيهنّ، و هذه الصفات إشارة للصفات العالية التي يجب أن تكون في نساء هذه الدنيا و يجسّدن الأسوة بذلك لجميع الناس و القرآن الكريم يعبّر عنهنّ باختصار رائع أنهنّ‌ خَيْراتٌ حِسانٌ‌ [قال البعض: إنّ خيرات جمع (خيّرة) علی وزن (سيّدة)، و قيل لها خيرات للتخفيف، واعتبرها آخرون أنّها جمع (خيرة) علی وزن (حيرة) و علی كلّ حال فإنّها تعطي معنی الوصف، و ليس بمعنی( أفعل التفضيل) لأنّه لا يجمع.]١.

‏ثمّ يضيف مستمرّا في وصف الزوجات في الجنّة: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ‌.

‏«حور»: جمع حوراء و أحور، و تطلق علی الشخص الذي يكون سواد عينه قاتما و بياضها ناصعا، و أحيانا تطلق علی النساء اللواتي يكون لون وجوههنّ أبيض.

‏و التعبير بـ «مقصورات» إشارة إلی أنهنّ مرتبطات و متعلّقات بأزواجهنّ و محجوبات عن الآخرين.

‏«خيام»: جمع خيمة، و كما ورد في الرّوايات الإسلامية، فإنّ الخيم الموجودة في الجنّة لا تشبه خيم هذا العالم من حيث سعتها و جمالها.

‏و «الخيمة» كما ذكر علماء اللغة وبعض المفسّرين لا تطلق علی الخيم المصنوعة من القماش المتعارف فحسب. بل تطلق أيضا علی البيوت الخشبية و كذلك كلّ بيت دائري. و قيل أنّها تطلق علی كلّ بيت لم يكن من الحجر و أشباهه‌ [لسان العرب و مجمع البحرين و المنجد.]٢.

‏و مرّة أخری يكرّر السؤال نفسه بقوله تعالی: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‌.

‏و يضيف سبحانه وصفا آخر لحوريات الجنّة حيث يقول: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ‌ [حول معنی الطمث أعطينا توضيحا كافيا في نهاية الآية رقم( ٥٦) من نفس السورة.]٣.

ويستفاد من الآيات القرآنية أنّ الزوجين المؤمنين في هذه الدنيا سيلتحقان في الجنّة مع بعضهما ويعيشان في أفضل الحالات‌ [الرعد، ٢٣، و المؤمن، ٨.]٤.

‏ويستفاد أيضا من الرّوايات أنّ درجة و مقام زوجات المؤمنين الصالحات أعلی و أفضل من حوريات الجنّة [الدّر المنثور، ص ١٥١.]٥ و ذلك بما قمن به في الدنيا من صالح الأعمال و عبادة اللّه سبحانه.

‏ثمّ يضيف تعالی: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‌.

‏و في آخر وصف للنعم الموجودة في هذه الجنّة يذكر سبحانه تعالی: مُتَّكِئِينَ عَلی‌ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ‌.

‏«رفرف» في الأصل بمعنی الأوراق الواسعة للأشجار، ثمّ أطلقت علی الأقمشة الملوّنة الزاهية التي تشبه مناظر الحدائق.

‏«عبقري» في الأصل بمعنی كلّ موجود قلّ نظيره، و لذا يقال للعلماء الذين يندر وجودهم بين الناس (عباقرة) و يعتقد الكثير أنّ كلمة (عبقر) كان في البداية اسما لمدينة (بريان) انتخبه العرب لها، لأنّ هذه المدينة كانت في مكان غير معلوم و نادر. لذا فإنّ كلّ موضوع يقلّ نظيره ينسب لها و يقال «عبقري»، و ذكر البعض أنّ «عبقر» كانت مدينة تحاك فيها أفضل المنسوجات الحريرية. و المعنی الأصلي لهذه الكلمة متروك في الوقت الحاضر و تستعمل كلمة «عبقري» ككلمة مستقلّة بمعنی نادر الوجود، و تأتي جمعا في بعض الأحيان، كما في الآية مورد البحث.

‏و (حسان) جمع (حسن) علی وزن «نسب» بمعنی جيّد و لطيف.

‏و علی كلّ حال فإنّ هذه التعابير حاكية جميعا عن أنّ كلّ موجودات الجنّة رائعة: الفاكهة، الغذاء، القصور، الأفرشة ... و الخلاصة أنّ كلّ شي‌ء فيها لا نظير له و لا شبيه في نوعه، و لا بدّ من القول هنا أنّ هذه التعبيرات لا تستطيع أبدا أن تعكس تلك الإبداعات العظيمة بدقّة، و إنّها تستطيع- فقط- أن ترسم لنا صورة تقريبية من الصورة الحقيقيّة للموجودات في الجنّة.

‏و للمرّة الأخيرة و هي (الحادية و الثلاثون) يسأل سبحانه جميع مخلوقاته من الجنّ و الإنس هذا السؤال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‌.

‏هل النعم المعنوية؟ أم النعم الماديّة؟ أم نعم هذا العالم؟ أم الموجودة في الجنّة؟

إنّ كلّ هذه النعم شملت وجودكم و غمرتكم .. إلّا أنّه- مع الأسف- قد أنساكم غروركم و غفلتكم هذه الألطاف العظيمة، و مصدر عطائها و هو اللّه سبحانه الذي أنتم بحاجة مستمرّة إلی نعمه في الحاضر و المستقبل .. فأيّا منها تنكرون و تكذّبون؟

‏و يختم السورة سبحانه بهذه الآية الكريمة: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‌.

‏«تبارك» من أصل (برك) علی وزن (درك) بمعنی صدر البعير، و ذلك لأنّ الجمال حينما تبرك تضع صدرها علی الأرض أوّلا، و من هنا استعمل هذا المصطلح بمعنی الثبات و الدوام و الاستقامة، لذا فإنّ كلمة (مبارك) تقال للموجودات الكثيرة الفائدة، و أكرم من تطلق عليه هذه الكلمة هي الذات الإلهيّة المقدّسة باعتبارها مصدرا لجميع الخيرات و البركات. و استعملت هذه المفردة هنا لأنّ جميع النعم الإلهيّة- سواء كانت في الأرض و السماء في الدنيا و الآخرة و الكون و الخلق- فهي من فيض الوجود الإلهي المبارك، لذا فإنّ هذا التعبير من أنسب التعابير المذكورة في الآية لهذا المعنی.

‏و المقصود من (اسم) هنا هو صفات اللّه تعالی خصوصا الرحمانية التي هي منشأ البركات، و بتعبير آخر فإنّ أفعال اللّه تعالی مصدرها من صافته، و إذا خلق عالم الوجود فذلك من إبداعه و نظام خلقه، و إذا وضع كلّ شي‌ء في ميزان فذلك ما أوجبته حكمته، و إذا وضع قانون العدالة حاكما علی كلّ شي‌ء فإنّ (علمه و عدالته) توجبان ذلك. و إذا عاقب المجرمين بأنواع العذاب الذي مرّ بنا في هذه السورة فإنّ (انتقامه يقضي ذلك، و إذا شمل المؤمنين الصالحين بأنواع الهبات و النعم العظيمة الماديّة و المعنوية- في هذا العالم و في الآخرة- فإنّ رحمته الواسعة أوجبت ذلك، و بناء علی هذا فإنّ اسمه يشير إلی صفاته و صفاته هي نفس ذاته المقدّسة.

‏و التعبير ب ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‌ إشارة إلی كلّ صفات جماله و جلاله: ذِي الْجَلالِ‌ إشارة إلی الصفات السلبية، و (ذي الإكرام) إشارة إلی الصفات الثبوتية.

‏و الملفت للنظر هنا أنّ هذه السورة بدأت باسم اللّه (الرحمن) و انتهت باسم اللّه ذي الجلال و الإكرام) و كلاهما ينسجمان مع مجموعة مواضيع السورة.

‏ملاحظات‌

‏١- في الآية رقم (٣٧) من هذه السورة بعد ذكر النعم الإلهيّة المختلفة المعنوية و الماديّة في الدنيا يقول سبحانه: وَ يَبْقی‌ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‌.

‏و في نهاية السورة و بعد ذكر أنواع النعم الاخروية يقول سبحانه: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‌. إنّ هاتين الآيتين توضّحان حقيقة مهمّة و هي أنّ جميع الخطوط تنتهي إلی ذاته المقدّسة، و أنّ جميع ما في الوجود مصدره اللّه سبحانه، فالدنيا منه، و العقبی كذلك، و إنّ جلاله و إكرامه قد شمل كلّ شي‌ء.

‏٢- و نقرأ في حديث للرسول الأعظم صلّی اللّه عليه و آله و سلّم‌ أنّ رجلا كان يدعو اللّه في حضرته حيث قال: «يا ذا الجلال و الإكرام فقال صلّی اللّه عليه و آله و سلّم: قد استجيب لك فسل‌ [تفسير الدرّ المنثور، ج ٦ ص ١٥٣.]٦.

‏وجاء في حديث آخر أنّ الرّسول صلّی اللّه عليه و آله و سلّم شاهد رجلا يقيم الصلاة حيث دعا بعد الركوع و السجود و التشهّد بهذا الدعاء: اللهمّ انّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، المنّان بديع السماوات و الأرض يا ذا الجلال و الإكرام يا حي يا قيّوم انّي أسألك ... فقال صلّی اللّه عليه و آله و سلّم: لقد دعا اللّه باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطی» [تفسير الدرّ المنثور، ج ٦، ص ١٥٣.]٧.

‏٣- نقرأ في حديث للإمام الباقر عليه السّلام‌ في تفسير الآية: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‌ أنّه قال: «نحن جلال اللّه و كرامته التي أكرم العباد بطاعتنا» [تفسير البرهان، ج ٤، ص ٢٧٢.]٨.

‏و من الواضح أنّ أهل البيت عليه السّلام لا يدعون لغير اللّه، و لا يأمرون بغير طاعته و هم هداة الطريق إليه، و سفن النجاة في بحر الحياة المتلاطم. و بناء علی هذا، فإنّهم يمثّلون مصاديق جلال اللّه و إكرامه، لأنّ اللّه تعالی قد شمل الناس بنعمة الهداية بواسطة أوليائه.

‏٤- ذكر البعض أنّ أوّل آيات قرئت في مكّة علی قريش علنا هي الآيات الأوائل لهذه السورة يقول عبد اللّه بن مسعود رضی اللّه عنه قال: اجتمع يوما أصحاب رسول اللّه فقالوا: و اللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ. فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد اللّه بن مسعود: أنا، قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإنّ اللّه سيمنعني، قال: فغذا ابن مسعود حتّی أتی المنام في الضحی، و قريش في أنديتها، حتّی قام عند المقام ثمّ قرأ: بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌ رافعا بها صوته: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ‌ قال: ثمّ استقبلها يقرؤها قال: فتأمّلوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمّ عبد؟ قال: ثمّ قالوا: إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمّد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، و جعل يقرأ حتّی بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ. ثمّ انصرف إلی أصحابه و قد أثّروا في وجهه.

‏فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء اللّه أهون عليّ منهم الآن، و لئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا، قالوا: لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون‌ [سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٣٣٦.]٩.

‏و لهذا السبب فقد اعتبر ابن مسعود أوّل مسلم جهر بالقرآن في مكّة أمام المشركين‌ [اسد الغابة، ج ٣، ص ٢٥٧.]١٠.

‏ربّنا، يا ذا الجلال و الإكرام، نقسم عليك بجلالك و إكرامك ألّا تحرمنا من نعم و هبات الجنّة.

‏ربّاه، إنّ دائرة رحمتك واسعة جدّا، و إنّنا لم نعمل عملا يليق برحمتك، فعاملنا بما يليق بمقام رحمانيّتك.

‏إلهنا، نحن لا نكذّب أيّا من نعمك، و نعتبر أنفسنا غارقين بإحسانك دائما، فأدم نعمك علينا.

‏آمين يا ربّ العالمين.

مقتطف من تفسير الأمثل ج ١٧

الهوامش: ‏١ قال البعض: إنّ خيرات جمع( خيّرة) علی وزن( سيّدة)، و قيل لها خيرات للتخفيف، و اعتبرها آخرون أنّها جمع( خيرة) علی وزن( حيرة) و علی كلّ حال فإنّها تعطي معنی الوصف، و ليس بمعنی( أفعل التفضيل) لأنّه لا يجمع. ‏٢ لسان العرب و مجمع البحرين و المنجد. ‏٣ حول معنی الطمث أعطينا توضيحا كافيا في نهاية الآية رقم( ٥٦) من نفس السورة. ‏٤ الرعد، ٢٣، و المؤمن، ٨. ‏٥ الدّر المنثور، ص ١٥١. ‏٦ تفسير الدرّ المنثور، ج ٦ ص ١٥٣. ‏٧ تفسير الدرّ المنثور، ج ٦، ص ١٥٣. ‏٨ تفسير البرهان، ج ٤، ص ٢٧٢. ‏٩ سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٣٣٦.
2024/05/13

الصلاة أفضل وسيلة لذكر اللّه‌
واحدة من أهم أسرار الصلاة، و هي أن الإنسان يحتاج في حياته في هذا العالم- و بسبب العوامل المؤدية إلی الغفلة- إلی عمل يذكّره باللّه و القيامة و دعوة الأنبياء و هدف الخلق في فترات زمنية مختلفة، كي يحفظه من الغرق في دوامة الغفلة و الجهل، و تقوم الصلاة بهذه الوظيفة المهمّة.

‏إنّ الإنسان يستيقظ في الصباح من النوم ... ذلك النوم الذي عزله عن كل‌ موجودات العالم، و يريد أن يبدأ نشاطه الحياتي، فقبل كل شي‌ء يتوجه إلی الصلاة، و يصفي قلبه و روحه بذكر اللّه، و يستمد منه القوّة و المدد، و يستعد للجد و السعي الممتزج بالصدق و المودة.

‏و عند ما يغرق في زحمة الأعمال اليومية، و تمضي عدة ساعات و قد نسي ذكر اللّه، و فجأة يحين الظهر، و يسمع صوت المؤذن: اللّه أكبر! حي علی الصلاة! فيتوجه إلی الصلاة و يقف بين يدي ربّه و يناجيه، و إذا كان غبار الغفلة قد استقر علی قلبه فإنّه يغسله بهذه الصلاة، و من هنا يقول اللّه سبحانه لموسی في أوّل الأوامر في بداية الوحي: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‌.

‏و ممّا يجلب الانتباه أنّ هذه الآية تقول: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‌ أمّا الآية (٢٨) من سورة الرعد فتقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‌ و الآيات (٢٧- ٣٠) من سورة الفجر تقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلی‌ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي‌ و إذا جعلنا هذه الآيات الثلاثة جنبا إلی جنب فسنفهم جيدا أن الصلاة تذكر الإنسان باللّه، و ذكر اللّه يجعل نفسه مطمئنة، و نفسه المطمئنة ستوصله إلی مقام العباد المخلصين و الجنّة الخالدة.

مقتطف من تفسير الأمثل
2024/05/05

القصّة المفصّلة لأصحاب الكهف
بعد أن ذكرت الآيات بشكل مختصر قصّة أصحاب الكهف، بدأت الآن مرحلة الشرح المفصّل لها ضمن (١٤) آية و كان المنطلق في ذلك قوله تعالی:

‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ‌ كلام خال من أي شكل من أشكال الخرافة و التزوير. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدیً‌. و كما قلنا فإنّ (فتية) جمع‌ (فتی) و هي تعني الشاب الحدث. و بما أنّ الجسم يكون قويا في مرحلة الشباب، فهو علی استعداد لقبول نور الحق، و منبع للحب و السخاء و العفة. و لذا كثيرا ما تستخدم كلمة (الفتی و الفتوة) للتدليل علی مجموع هذه الصفات حتی لو كان أصحابها من المسنيّن.

‏و تشير الآيات القرآنية- و ما هو ثابت في التأريخ- إلی أنّ أصحاب الكهف كانوا يعيشون في بيئة فاسدة و زمان شاعت فيه عبادة الأصنام و الكفر، و كانت هناك حكومة ظالمة تحتمي مظاهر الشرك و الكفر و الانحراف.

‏مجموعة أهل الكهف- الذين كانوا علی مستوی من العقل و الصدق- أحسّوا بالفساد و قرروا القيام ضدّ هذا المجتمع، و في حال عدم تمكنهم من المواجهة و التغيير فإنّهم سيهجرون هذا المجتمع و المحيط الفاسد.

‏لذا يقول القرآن بعد البحث السابق: وَ رَبَطْنا عَلی‌ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً.

‏فإذا عبدنا غيره: لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً.

‏نستفيد من تعبير رَبَطْنا عَلی‌ قُلُوبِهِمْ‌ أنّ بذرة التوحيد و فكرته كانت منذ البداية مرتكزة في قلوبهم، إلّا أنّهم لم تكن لديهم القدرة علی إظهارها و التجاهر بها. و لكن اللّه بتقوية قلوبهم أعطاهم القدرة علی أن ينهضوا و يعلنوا علانية نداء التوحيد.

‏و ليس من الواضح فيما إذا كان هذا الإعلان قد تمّ أوّلا أمام ملك زمانهم الظالم (دقيانوس) أو أنّه تمّ أمام الناس، أو أمام الاثنين معا (الحاكم الظالم و الناس) أو أنّهم تجاهروا به فيما بينهم أنفسهم؟

‏لكن يظهر من كلمة (قاموا) أنّ إعلانهم كان وسط الناس، أو أمام السلطان الظالم.

‏(شطط) علی وزن (وسط) تعني الخروج عن الحد و الإفراط في الابتعاد لذا فإنّ (شطط) تقال للكلام البعيد عن الحق، و يقال لحواشي و ضفاف الأنهار الكبيرة (شط) لكونها بعيدة عن الماء، و كونها ذات جدران مرتفعة.

‏و في الواقع، إنّ هؤلاء الفتية المؤمنين ذكروا دليلا واضحا لإثبات التوحيد و نفي الآلهة. و هو قولهم: إنّنا نری و بوضوح أنّ لهذه السماوات و الأرض خالقا واحدا، و أنّ نظام الخلق دليل علی وجوده، و ما نحن إلّا جزء من هذا الوجود، لذا فإنّ ربّنا هو نفسه ربّ السماوات و الأرض.

‏ثمّ ذكروا دليلا آخر و هو: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.

‏فهل يمكن الإعتقاد بشي‌ء بدون دليل و برهان؟: لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ‌.

‏و هل يمكن أن يكون الظن أو التقليد الأعمی دليلا علی مثل هذا الإعتقاد؟

‏ما هذا الظلم الفاحش و الانحراف الكبير:فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَری‌ عَلَی اللَّـهِ كَذِباً.

‏و هذا الافتراء هو ظلم للنفس، لأنّ الإنسان يستسلم حينئذ لأسباب السقوط و الشقاء، و هو أيضا ظلم بحق المجتمع الذي تسري فيه هذه الانحرافات، و أخيرا هو ظلم للّه و تعرض لمقامه العظيم سبحانه و تعالی.

‏هؤلاء الفتية الموحدون قاموا بما يستطيعون لإزالة صدأ الشرك عن قلوب الناس، و زرع غرسة التوحيد في مكانها، إلّا أنّ ضجة عبادة الأصنام في ذلك المحيط الفاسد، و ظلم الحاكم الجبار كانتا من الشدّة بحيث حبستا أنفاس عبادة اللّه في صدورهم و انكمشت همهمات التوحيد في حناجرهم.

‏و هكذا اضطروا للهجرة لانقاذ أنفسهم و الحصول علی محيط أكثر استعدادا و قد تشاوروا فيما بينهم عن المكان الذي سيذهبون إليه ثمّ كان قرارهم: وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ فَأْوُوا إِلَی الْكَهْفِ‌. حتی: يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً.

‏«يهيّئ» مشتقة من «تهيئة» بمعنی الإعداد. «مرفق» تعني الوسيلة التي تكون سببا للطف و الرفق و الراحة، و بذا يكون معنی الجملة وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً أنّ الخالق سبحانه و تعالی سيرتب لكم وسيلة للرفق و الراحة.

‏و ليس من المستبعد أن يكون (نشر الرحمة) الوارد في الجملة الأولی إشارة إلی الألطاف المعنوية للّه تبارك و تعالی، في حين أنّ الجملة الثّانية تشير إلی الجوانب المادية التي تؤدي إلی خلاصهم و نجاتهم.

‏ملاحظات‌

‏١- الفتوة و الإيمان‌

‏تتزامن روح التوحيد دائما مع سلسلة من الصفات الإنسانية العالية، فهي تنبع منها و تؤثّر فيها أيضا، و يكون التأثير فيما بينهما متبادلا. و لهذا السبب فإننا نقرأ في قصّة أصحاب الكهف أنّهم كانوا فتية آمنوا بربّهم.

‏و علی هذا الأساس قال بعض العلماء: رأس الفتوة الإيمان.

‏و قال البعض الآخر منهم: الفتوة بذل الندی، و كف الأذی، و ترك الشكوی.

‏و البعض الثّالث فسّر الفتوة بقوله: هي اجتناب المحارم و استعمال المكارم.

‏٢- الإيمان و الإمداد الإلهي‌

‏في عدّة مواقع من الآيات أعلاه تنعكس بوضوح حقيقة الإمداد الإلهي للمؤمنين، فإذا وضع الإنسان خطواته في طريق اللّه، و نهض لأجله فإنّ الإمداد الإلهي سيشمله، ففي مكان تقول الآية: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدیً‌.

‏و فی مكان آخر تقول: وَ رَبَطْنا عَلی‌ قُلُوبِهِمْ‌. و في نهاية الآيات كانوا بانتظار رحمة الخالق:يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‌. الآيات القرآنية الأخری تؤيد هذه الحقيقة بوضوح، فعند ما يجاهد الإنسان من أجل اللّه، فإنّ اللّه يهديه إلی طريق الحق: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا

[العنكبوت، الآية الأخيرة.]

١ و في سورة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و سلّم آية (١٧) نقرأ قوله تعالی: وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدیً‌.

‏إنّ طريق الحق ملي‌ء بالموانع و الصعوبات، و من العسير علی الإنسان طي هذا الطريق و الوصول إلی الأهداف من دون لطف اللّه و عنايته.

‏و نعلم أيضا إنّ لطف اللّه أكبر من أن يترك العبد في طريق الحق لوحده.

‏٣- ملجأ باسم الغار

‏إنّ وجود (أل) التعريف في كلمة «الكهف» قد تكون إشارة إلی أنّهم (أصحاب الكهف) كانوا مصممين علی الذهاب إلی مكان معين في حال عدم نجاح دعوتهم التوحيدية، و ذلك لإنقاذ أنفسهم من ذلك المحيط الملوّث.

‏(الكهف) كلمة ذات مفهوم واسع، و تذكرنا بنمط الحياة الابتدائية للإنسان، حيث ينعدم فيه الضوء، و لياليه مظلمة و باردة، و تذكرنا بآلام المحرومين، إذ ليس ثمّة شي‌ء من زينة الحياة المادية، أو الحياة الناعمة المرفّهة.

‏و يتّضح الأمر أكثر إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أنّ التأريخ ينقل لنا أنّ أصحاب الكهف كانوا من الوزراء و أصحاب المناصب الكبيرة داخل الحكم. و قد نهضوا ضدّ الحاكم و ضدّ مذهبه، و كان اختيار حياة الكهوف علی هذه الحياة قرارا يحتاج إلی المزيد من الشهامة و الهمّة و الروح و الإيمان العالي.

‏و في هذا الغار البارد المظلم الذي قد يتضّمن خطر الحيوانات المؤذية، هناك عالم من النور و الإخلاص و التوحيد و المعاني السامية.

‏إنّ خطوط الرحمة الإلهية متجلية علی جدران هذا الغار، و أمواج لطف‌ الخالق تسبح في فضائه، ليس هناك وجود للأصنام من أي نوع كانت، و لا يصل طوفان ظلم الجبارين إلی هذا الكهف.

‏هؤلاء الفتية الموحدون تركوا الدنيا الملوثة الواسعة و التي كان سجنا لأرواحهم و ذهبوا إلی غار مظلم جاف. و فعلهم هذا يشبه فعل النّبي يوسف عليه السّلام حين أصروا عليه أن يستسلم لشهوة امرأة العزيز الجميلة، و إلّا فالسجن الموحش المظلم سيكون في انتظاره، لكن هذا الضغط زاد في صموده و قال متوجها إلی ربّه العظيم: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ‌٢.

*مقتطف من تفسير الأمثل الهوامش: ‏١ العنكبوت، الآية الأخيرة. ‏٢ يوسف، ٣٣
2024/05/05

من هو «الأعمى»؟!
في القرآن الكريم تعابير لطيفة في وصف المشركين والظالمين، حيث يصفهم هنا ب (الأعمى) وهذا الوصف كناية عن الحقيقة التي تقول بأنّ الحق يكون واضحا دوما وفي متناول البصر إذا كانت هناك عين بصيرة تنظر، العين التي تشاهد آيات الله في هذا العالم الواسع، العين التي تعتبر الدروس المكتوبة على صفحات التأريخ؛ العين التي تشاهد عاقبة الظالمين والمستكبرين، العين التي تنظر الحق دون غيره.

أمّا عندما تكون هناك ستائر وحجب الجهل والغرور والتعصّب والعناد والشهوة أمام هذه العين، فإنّها لا تستطيع مشاهدة جمال الحق بالرغم من أنّه غير محجوب بستار.

وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير الآية نقرأ : «من لم يدله خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ودوران الفلك والشمس والقمر والآيات العجيبات، على أن وراء ذلك أمر أعظم منه، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا» (١).

وجاء في روايات مختلفة في تفسير هذه الآية أنّها تعني الشخص الذي يكون مستطيعا للحج ولكنّه لا يؤديه حتى نهاية عمره (٢).

وبدون شك فإنّ هذا المعنى هو أحد مصاديق الآية وليس كلّها. وقد يكون ذكر هذا المصداق والتأكيد عليه من زاوية دفع المسلمين للمشاركة فيه لمشاهدة هذا الاجتماع الإسلامي العظيم، بما يحويه من أسرار عبادية ومصالح سياسية تتجلى لعين الإنسان يحضر الموسم، ويتعلم الحقائق الكثيرة والمتعدّدة منه.

وفي روايات أخرى ورد أنّ «شرّ العمى عمى القلب» (٣).

على أي حال ـ كما قلنا سابقا ـ فإنّ عالم القيامة، هو انعكاس لهذا العالم في كل ما يحويه وجودنا من أفكار ومواقف ومشاعر وأعمال. لذلك نقرأ في الآيات ١٢٤ ـ ١٢٦ من سورة طه ، قوله تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى).

الهوامش: __________________ (١) تفسير نور الثقلين ، ج ٣ ، ص ١٩٦. (٢) تفسير نور الثقلين ، ج ٣ ، ص ١٩٦ ـ ١٩٧. (٣) المصدر السابق.
2024/04/20

تفسير الفاتحة: البيان التفصيلي للسورة.. «آية الله السيد محمد باقر السيستاني»
وتفصيل الكلام في هذه السورة يقع في أبحاثٍ تدور حول كل واحدة من آياتها السبع:

الآية الأولى: هي البسملة.

وفيها خمسة أبحاث حول المعنى التركيبي، والكلمات الأربع (الاسم، الله، الرحمن، الرحيم)، ولم نخصّ الباء ببحث إيجازاً، وأشرنا إلى القول فيها في البحث حول المعنى التركيبي.

البحث الأوّل: في المعنى التركيبي للبسملة.

وفيه إيضاحات عدة معنوية ولفظية وهي كما يلي:

1 ــــ في توضيح مضمون البسملة

الإيضاح الأوّل: لا شكّ أنّ مضمون البسملة إنّما جاء كأدب مناسب لأوّل الرسالة الإلهية، وهذا أدب معهود في الرسائل الشخصية من قبل، كما جاء في القرآن الكريم عن سليمان (عليه السلام) أنّه كتب إلى ملكة سبأ: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾([1])، كما أنّ أدب الابتداء باسم الإله كان معهوداً في الجاهلية، حيث كانوا يقولون في بداية الرسائل على ما حُكي([2]): (بسمك اللهم)، وكلمة (اللهم) ذكرٌ لله سبحانه، لأنّ كلمة (اللهم) تتألف من كلمة (الله) ومن الميم المشدّدة، وهذه الميم على أقرب الأقوال تفيد معنى النداء، وهي في ذلك تناسب بعض اللغات المشتركة مع العربية في أصولها من كون حرف النداء ميماً يلحق بآخر الكلمة، فلعل العربية أخذت هذه الكلمة فيها بالاختلاط.

وربما حُكي أنّ بعض المشركين كانوا يقولون (بسم اللات والعزى) أو يسمّون باسم سائر أصنامهم([3]).

وبناء على ذلك فقد جاءت البسملة في بداية السور القرآنية من باب حسن ابتداء الرسالة بالبسملة كأدب.

وهنا نلفت النظر إلى أمور:

1-إنّا نعني بالرسالة الرسالة التي تتمثل في كل سورة في حدِّ نفسها، وليست الرسالة التي تتمثل في القرآن الكريم مجموعاً، إذ ليست سورة الحمدُ هي أوّل القرآن الكريم نزولاً وإن كانت قد جُعلت أوّله في المصحف من دون أخواتها القصار التي جُعلت في آخر المصحف تمييزاً للفاتحة لأهميتها ووجوب تعلمها بخصوصها لكونها جزءاً ثابتاً من الصلاة، فالقرآن الكريم بمثابة رسائل نصية متوالية من الله سبحانه، تُمثل كل سورة منها رسالة مستقلة.

بيان ذلك: أنّ القرآن أُنزِل على أنه رسالة نصية من الله سبحانه إلى الخلق كما هو ظاهر، ولأجل ذلك سُمّي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسول كما سُمِّي سائر الأنبياء المبعوثين إلى أقوامهم بالرسل في مئات الآيات القرآنية، وعُبّر عما بُعثوا به بالرسالة، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾([4])، ﴿اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾([5])، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾([6])، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ﴾([7])، ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾([8])، ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾([9])، ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾([10]).

ثمّ كل سورة قرآنية هي رسالة مستقلة من الله تعالى، لأنّ السورة هي كلام تام، لها بداية مقصودة ونهاية مقصودة وانفصال مقصود واستقلال منظور عن سائر السور الأخرى، فكانت بداية السورة بالبسملة تطبيقاً لهذا الأدب وهو ابتداء الرسالة بأدب البسملة.

2-إنّا نعني بالسورة التي روعي الابتداء فيها بالبسملة في القرآن الكريم هي السورة وفق إطلاق المصحف، فهي التي تبدأ بالبسملة، فلكلمة (السورة) إطلاق آخر وهي كل فقرة مقصودة لذاتها سواء كانت سورة مستقلة أم جزءَ سورةٍ، وبناء على ذلك قد تعتبر السورة الواحدة من السور الطوال التي نزلت متفرقة ولغايات متعددة مثل سورة البقرة سوراً متعددة باعتبار آخر، وربما قيل إنّ هذا المعنى هو المراد بالسورة في الإطلاق القرآني كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾([11])، فهي تعني مجموعة آيات تتضمن ذكر القتال وإن لم تكن لوحدها سورة في المصحف.

لكن إطلاق السورة على جزء من السور الطويلة كالبقرة لا ينافي صحة التعبير عن جميع تلك السورة الطويلة التي هي من هذا القبيل أيضاً بالسورة الواحدة بالنظر إلى التنظيم الكلي النهائي المقصود في الكلام، حيث كان من المقصود في السور الطوال التي نزلت متفرقة ضمّ بعضها إلى بعض في سياق واحد ومتصل ومستقل عما سواه، فصح أن يطلق عليها أنها سورة واحدة بهذا الاعتبار.

إذاً للسورة إطلاقان:

أ-إطلاق قرآني واسع([12]) ـــ يبدو أنه كان هو الأصل ـــ وهو إطلاقها على كل فقرة نزلت مستقلةً لغاية منظورة بها.

ب-وإطلاق أخص على كل مجموعة من الكلام اعتبرت في النهاية كُلاً واحداً، وهذا هو الإطلاق الذي شاع وغلب لاحقاً، وعليه جرى تصنيف السور في المصحف.

 ووفق هذا الإطلاق تنقسم السور القرآنية إلى قسمين:

منها: سور ذات وحدة حقيقية واضحة، منها سورٌ قصارٌ مثل سورة الحمد، ومنها سورٌ طوالٌ مثل سورة يوسف (عليه السلام).

ومنها: ذات وحدة اعتبارية، ونعني أنّها قد ضُمّنت فقرات نزلت متفرقة لأغراض مختلفة مثل سورة البقرة وآل عمران.

والبسملة أدب للسورة بهذا الإطلاق الثاني الذي جرى عليه المصحف، وليس بالإطلاق القرآني الأوّل الذي تكون به السورة الطويلة كالبقرة عدة سور، ولذلك فإنّ ابتداء فقرة قرآنية ما بالبسملة وابتداء الفقرة التي تليها ايضا بالبسملة دليل على أنّ تلك الفقرة سورة كاملة مستقلة بهذا المعنى.

3-إنّ التسمية أو البسملة إنما هي أدب للرسالة الكتبية وما بمثابتها، وليست لكل رسالة ولو كانت شفوية.

بيان ذلك: أنّ الرسالة قد تكون شفوية بالمعنى أو بالنص، وقد تكون كتبية، وقد تكون شفوية بمثابة الكتبية.

والرسالة الشفوية المحضة قد لا تقتضي أدباً إضافياً، كما نجد ذلك في العرف، فلو بلّغ أحد كلاماً لشخص آخر من خلال رسولٍ فإنه لا يضمن كلامه التسمية أو البسملة، وإنما قد يُضمنه السلام، فيقول الرسول (سلّم عليك فلان ويقول كذا)، وإنّما ذلك شأن الرسالة الكتبية وما بمثابتها.

والمقصود بما بمثابة الرسالة الكتبية أن تكون الرسالة شفوية، ولكن تكون نصيّة ويكون المراد حفظها وكتابتها وبقاؤها لاطلاع الآخرين ـــ من نفس الجيل وربما الأجيال اللاحقة ـــ على نصها.

والقرآن الكريم هو بهذه المثابة، فهو وإن كان كلاماً شفوياً ألقاه جبرائيل (عليه السلام) على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليبلّغه للناس ولم ينزل على شكل قراطيس وألواح كألواح موسى (عليه السلام) من السماء، ولكن اعتُبر وفق الآيات القرآنية نفسها منذ نزوله كتاباً وصحيفة، بمعنى أنّ من شأنه أن يُكتب ويُحرر ويحتفظ به كما هو الحال في الكتب الأخرى، كما بيّنا ذلك في مباحث النبوة في الدين([13]).

ولذلك اتخذ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ البداية كاتباً أو كتبةً مضافاً إلى عنايته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتحفيظ القرآن للمسلمين ليبقى، وإنشاء الكلام وإلقاؤه شفوياً لكي يُكتب ويبقى ظاهرة معهودة، فالقصائد كثيراً ما تُلقى لتُكتب وتَبقى، وقد جاء أنّ العرب كتبوا المعلقات السبع لشعراء الجاهلية وعلقوها بالكعبة.

ولا تختص هذه الحالة في الرسالات بالقرآن الكريم، فالرسائل الإلهية كانت تنزل على أنّها كتب وصحائف منذ عرف الإنسان الكتابة والصحيفة، كما قال سبحانه: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾([14])، وذلك لكي تبقى هذه الرسالات محفوظة على وجه موثوق لسائر الناس والأجيال وتتم بها الحجة عليهم.

إذاً لاحظنا بهذه الجهة أنّ البسملة أدبٌ، وابتداء الفاتحة وسائر السور القرآنية بالبسملة يندرج ضمن أدب ابتداء الرسالة بالبسملة والتسمية.

هذا بيان حقيقة البسملة ومحتواها، فحقيقتها هي نوع من الأدب ملائم لابتداء الرسائل.

الهوامش: ([1]) سورة النمل: آية 30ــــ31. وربما يقال: في حديث رسالة سليمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أنّه لم يقع الابتداء بالبسملة لتقدم قوله: (إنه من سليمان) على البسملة، وإذا كان الابتداء فيها قد وقع بالبسملة اقتضى تأخير هذه الجملة عن البسملة كما يرد في رسائل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورسائل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البسملة (من محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الملك الفلاني)، أو (مِن عبد الله علي أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان). والجواب: إنه لم يتبين من سياق الآية أنّ قوله (إنه من سليمان) كان جزءاً مما كتبه سليمان، بل قد يكون إيضاحاً من ملكة سبأ، لأنّ حكاية مضمون الرسالة إنما جاء نقلاً عنها حيث إنها:﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (سورة النمل: آية 29 ـــ 30)، فهي إذاً أخبرتهم: (أنّ هذا الكتاب الكريم من سليمان..)، ولا دلالة لهذا العرض على أنّ جملة (إنه من سليمان) كانت مكتوبة في الرسالة، وإذا فُرِض أنّ سليمان (عليه السلام) كان قد كتب (من سليمان) فمن الجائز أن يكون مكتوباً على الظرف ـــ إن كان ـــ أو على أعلى الورقة قبل ابتداء الرسالة كما كان من المتعارف في الزمان السابق أن يكتبوا على غلاف الرسالة أو ظهرها: (ليصل إلى محضر العالم الفلاني) مثلاً، ولا تشتمل بداية الرسالة حينئذٍ على ذكر المرسل إليه، كما أنّ من الجائز أن يكون سليمان قد كتب في أوّل الرسالة (من سليمان إلى ملكة سبأ) أو كتب ذلك في آخر الرسالة، إلا أنّ ملكة سبأ وجدت عند عرضها للرسالة أنّ من المناسب أن يذكر أوّلاً مرسل الرسالة ثم مضمونها، ولما ذكرت المرسل أوّلاً لم تكرر ذكره الوارد في مضمون الرسالة. ([2]) لاحظ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: (6/86 ـــ 87): (قال (الواحدي) في أسباب نزول الآية: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُل هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}: قال أهل التفسير: نزلت في صلح الحديبية، حين أرادوا كتاب الصلح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم). فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن، إلا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. اكتب باسمك اللهم. وهكذا كانت الجاهلية يكتبون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية). وأيضاً في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 6/113(وذكر أهل الأخبار أن الجاهليين الوثنيين كانوا يفتتحون كتبهم بجملة (باسمك اللهم)..). ([3]) لاحظ: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 6/113، قال: (كانت عوائدهم القديمة افتتاح رسائلهم بأسماء آلهتهم كاللات والعزى). ([4]) سورة الأعراف: آية 93. ([5]) سورة الأنعام: آية 124. ([6]) سورة الأعراف: آية 62، وآية 68. ([7]) سورة الأحزاب: آية 39. ([8]) سورة الجن: آية 28. ([9]) سورة الجن: آية 23. ([10]) سورة الأعراف: آية 144. ([11]) سورة محمد (صلى الله عليه وآله): آية 20. ([12]) التعبير عنه بـ(واسع) إنما هو لأنه أوسع ـــ من الإطلاق الثاني ـــ، لأنّه يستعمل في الجزء من السور الطوال الذي نزل مستقلاً. ([13]) منهج التثبت في الدين: 5/16 وما بعد القسم الثالث (رسالة الله إلى الإنسان). ([14]) سورة الأعلى: آية 19.
2024/04/07

تفسير سورة الفاتحة: أهم مضامين السورة من «آية الله السيد محمد باقر السيستاني»
تفسير سورة الحمد([1]).. إنّ ألفاظ هذه السورة ومعانيها سهلة وواضحة، فهي لا تتضمّن مفردات غريبة أو معاني تركيبية معقدة ولو على وجه التعقيد العارض كما قد يتفق في بعض السور والآيات القرآنية، ولكننا نريد أن نتأملها مزيد تأمل ونستنطقها عن المعاني العامة المنظورة بها.

موضع السورة نزولاً: وهي على المشهور السورة الخامسة في النزول بعد العلق والقلم والمزمل والمدثر، وقيل إنها الثانية وقيل إنها الأولى، وهي على كل حال من السور القصار الأوائل، ولذا ينبغي النظر في مقام تفسيرها إلى موقعها.

لكننا مع ذلك تحدثنا عن البسملة فيها حتى كأنها أوّل السور المشتملة عليها وإن كان الذي رجحناه كون البسملة جزء من سورة العلق وسائر السور التي قد تكون قد نزلت قبلها [أو بعدها]، على أنّ سورة العلق على كل حال هي أوّل سورة تتضمن أدب التسمية إذ جاء فيها بعد البسملة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾([2]) إلا أنّ حديث المفسرين عن التسمية في سورة الحمد اقتضى حديثنا أيضاً عنها في هذا الموضع.

البيان الإجمالي لسورة الحمد

ونتطرق أوّلاً لتوضيح إجمالي لمفاد هذه السورة، ثم نعود إلى الحديث عن كل فقرة فيها لتأمّل مداليلها أو بعض ما شابها في كلمات بعض الباحثين تفصيلاً.

تتميّز هذه السورة بين السور القصار أنّها تركز على إثبات كل الأمور الراجعة إلى الإله لله سبحانه حصراً ونفيها عمّا يعبد مع الله سبحانه أو من دونه، فالله سبحانه هو المستوجب للحمد في ما يشهده الإنسان في الكون من الإبداع وينتفع به من نِعَمٍ، وهو رب الإنسان ـــ المعني به ـــ كسائر العالمين، وهو الذي يرحم الإنسان في مواضع الحاجة، وهو صاحب يوم القيامة الحاكم فيه، ولذلك فإنّ الإنسان الراشد الواعي يعبد الله سبحانه وحده ويستعين به ويستهديه في مسيرته في هذه الحياة التي تنتهي إلى الله سبحانه، فهذه السورة هي رسالة إلهية قصيرة ومعبّرة إلى الخلق.

الآية الأولى

وقد بدأت بالأدب الذي أُسس له منذ السورة الأولى وهي سورة العلق، حيث بُدئ فيها ـــ أي سورة العلق ـــ بالبسملة لتكون جملة منسقة مشتركة بين بدايات السور، وأُوضحَت هذه البسملة بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾([3])، فكانت البسملة بياناً للأدب اللائق لبداية الرسالة الإلهية كما كانت أدباً متعارفاً قبل الإسلام في الرسائل، وقد جاء أنهم كانوا يكتبون: (بسمك اللهم)([4])، وجاء قبل ذلك بمئات السنين عن سليمان (على نبينا وآله وعليه السلام) ـــ الذي ذكر أنه تُوفي سنة (914) قبل الميلاد ـــ أنه كتب في رسالته إلى ملكة سبأ: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ﴾([5])، فكانت بداية الرسالة تسمية لله سبحانه.

فهذا فيما يبدو أدب كان سائداً، وربما كان هذا الأدب مما أرساه الله سبحانه من خلال رسله (عليهم السلام)، ثم وقعت تسريته إلى سائر الآلهة وغيرها.

وقد اختير في هذا الأدب توصيف الله سبحانه بالرحمن كلقبٍ له، وهو لقب كان معهوداً في القسم [الجنوبي الغربي] من الجزيرة العربية ـــ أي اليمن ـــ، وربما كان من آثار الرسل السابقة في تلك البقعة أو غيرها، وكأن هذا الاختيار كان لأمرين:

1-رفع توهم تعدّد الآلهة في الجزيرة العربية وإزالة العصبية بين أهل الجزيرة وبين أهل اليمن في الإله المعبود، حيث كان التعبير السائد عند أهل الجزيرة عن الله سبحانه هو لفظ الجلالة (الله)، والتعبير السائد عند اليمنيين هو (الرحمن)، وربما يكون مثل هذا التعدد مبعثاً للمِراء والمجادلة بأنّ الإله الأعظم لأهل الجزيرة غير الإله الأعظم لأهل اليمن وما إلى ذلك، فاستُخدم لفظ (الرحمن) لدفع توهم تعدد الآلهة([6]).

2-التعبير عن الصفة المميزة التي يُحب الله سبحانه أن يُعرف بها كلقب له، فإنّ الألقاب تعبّر عن الصفات المميزة للأسماء، مثل لقب الأمين للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجاهلية، ولقب الرسول له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الإسلام، ولقب أمير المؤمنين للإمام علي (عليه السلام)، ولقب زين العابدين لحفيده علي بن الحسين (عليهم السلام) وهكذا، فالرحمان المعبِّر عن سعة الرحمة بصيغة المبالغة فيها هو الوجه الذي أراد الله سبحانه أن يكون لقبه الخاص بين عباده كما قال سبحانه: ﴿رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾([7])، فجعلت صفة الذات الإلهية العامة هي الرحمة تعبيراً عما يليق بها وليكون ذلك باعثَ اهتداءٍ إليه، إذ كانت حاجة الفرد إلى الإله إنّما هي رغبةً في رحمته وعنايته.

وقد أكّد ذلك بصفة (الرحيم) لأنّ البُعد الوصفي في اللقب يضعف بصيرورته لقباً، بل قد تبقى دلالته على معناه الوصفي كتلميح فقط من غير تركيز عليه، وربما يُغفل عنه، فعقّب سبحانه كلمة الرحمن عنايةً بتمثيل صفة الرحمة عن نفسه بلفظ (الرحيم) ليؤكد على صفة الرحمة قبل كل شيء في بداية الكلام ليكون مخرج الكلام منذ بدايته مخرج الاسترحام والاستعانة بالله سبحانه وليبطل الالتجاء لطلب الرحمة من الأصنام في مستوى الشرك كما كانت عليه البيئة التي نزلت الآية فيها.

فهذا المعنى الذي تمثله البسملة على الإجمال، وذلك أمر مشترك بين سورة الحمد وسائر السور بعد ما تقدّم من أنّ البسملة جزء من السور جميعاً، وأنّ سورة الحمد ليست هي أوّل السور نزولاً، وإنّما سلمت سورة الحمد عن توهم أنّ البسملة ليست جزءاً منها إلى حدٍ كبير بالمقارنة مع باقي السور باعتبار الإشارة إلى عدد آياتها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾([8])، ووقوع التركيز عليها في بداية الصلاة والمواظبة المروية على البسملة فيها من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإلّا فالبسملة جزء مشترك بين السور على ما رجحناه ولا تمتاز بها هذه السورة عن غيرها.

وأما امتياز هذه السورة عن باقي السور القصار فهي بما بعد البسملة من مضامين السورة.

الآية الثانية

لقد كانت هذه السورة مميزة بين السور بالثناء الجميل على الله تعالى وشد الإنسان إليه تعالى رغم قصرها، فبدأت بحمد الله سبحانه معبِّرةً بذلك أنّ كل حمد يُستوجَب بموجب الألوهية في هذا الكون والوجود فهو كله لله سبحانه مشيرةً بهذا إلى أنّه تعالى الإله الوحيد للخلق والمخلوقات كلّها والمدبّر لأمورها، فكل حمد وثناء يحفّز عليه هذا الوجود بما فيه من أنواع الخلق والمخلوقات وبدائع صنعها وسنّ سننها والملاءمة بينها سواء في البعد الكوني العام في السماء والأرض أو في البعد المتعلّق بالإنسان نفسه من حيث خلق الإنسان في أحسن تقويم وجعله في ضمن مجتمع يتناسل ويكون له أولاد وأقرباء وحفدة وأصحاب ويكون الناس شعوباً وأقواماً يتضامنون في المصالح، أو كان في سائر أنواع الكائنات من الحيوانات والنباتات وتسخيرها للإنسان، فللّه سبحانه الحمد في صناعة كل ذلك وتدبيره كما تواتر ذكر هذا المعنى في السور القرآنية المتوسطة والمفصلة.

وهذا الكون بما فيه من دقائق وإبداع ينطق كله بالحمد والثناء لله سبحانه، ولكننا قد نحتاج إلى نفض غبار الاعتياد عنه، ولولا الاعتياد على هذا الكون لشعرنا بمدى مستوى الإتقان والإبداع والقدرة والدقة في تفاصيل هذا الكون وفي أنواع الكائنات والملاءمة بينها وسننها وخصوصياتها حقاً كما يعرض القرآن الكريم في كثير من آياته، فهذا الكون معرض الصنائع الإلهية والقدرة الإلهية والفن والإبداع الإلهي، وكل هذه المقدرة والفن والإبداع من يُثنَى عليه بها هو الله سبحانه حقاً، فإذا أثنينا على شيء بأن قلنا ـــ مثلاً ـــ كم هذه الزهرة جميلة، كم هذا الشيء عجيب، كم هذا الشيء مذهل، كم هذه السماوات واسعة، فذلك ثناء على الله سبحانه، وإذا نطقنا بحمد وثناء وإعجاب وإكبار لشيءٍ ما في الكون من الإنسان، وقدراته، وقابليته على الاكتشاف والاختراع والاهتداء والتحليل والتفكير، وكل ما أثنينا به في شيء ومدحنا شيئاً وأُعجبنا بشيء وراقنا شيء فهذا الحمد في الحقيقة يعود إلى الله سبحانه، فالإنسان يبدي الإعجاب بالمعرض الكوني والمعروضات فيه ولكنه لغفلته لا يعرف صاحب هذا المعرض ولا ينتقل إلى صاحب هذا المعرض، فالحمد حقاً كله لله سبحانه.

ثم نَبَّه الله سبحانه على ربوبيته للعالمين كلهم بقوله بعد الحمد لله: (ربّ العالمين)، وذلك أنّ للّه سبحانه دَوْران:

دور الخلق: الذي كانت تعترف به الأقوام عموماً، وكان محل إذعان العرب في الجزيرة رغم شركهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ﴾([9]).

ودور الربوبية: وهو دور التعهد بتدبير الخلق وقضاء حوائجهم وأمورهم، وهو المعبَّر عنه بدور الربوبية، فرَبُّ الشيء هو الذي يكون صاحبه المعني به، مثلاً: ربُّ الغنم يطلق على مالك الغنم باعتبار عنايته، وقد يطلق على الراعي الذي يدبرها ويذهب بها للرعي.

فالربوبية تعني أنّ الرب صاحب هذا الشيء والمعني به.

هذا، وكأنّ الناس بطبيعتهم يميلون إلى اتخاذ إله أدنى مشهودٍ لهم، قريب إلى أحاسيسهم، يتكفل حوائجهم ويُعنى بهم، ولذا كانت الأديان التوحيدية دائماً تُحرَّف إلى أديان شركية، وربما تتمحّض في الشرك أصلاً أو يُترك فيها الله سبحانه تدريجاً؛ لأنّ هذا الكائن الأدنى يتبدل إلى الأيقونة التي يتمثل فيها الإله، ولا يعتقدون بشيء وراءه، فهذا من الميول البشرية الملحوظة، والتي أفسدت كثيراً من الأديان كدين المسيح (عليه السلام).

وربما كانوا يعتقدون بأنّ هذا إله أدنى وفي السماء إله أعلى، وكأنّ الإله الأعظم ــــ وهو الله سبحانه ــــ غير معني بالأرض وبالإنسان، إذ ليس قريباً منهم، فهو ـــ مثلاً ـــ معني بالملائكة الذين هم في السماء، فيحتاج الإنسان إلى ربٍّ يتعهده ويتكفل حوائجه، ومثل هذه الأوهام هي سبب بحث الناس عن آلهة أخرى.

فالمراد بقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ التأكيد للناس في سياقٍ مرتبطٍ بالرحمة الإلهية العامة أنّه سبحانه معني بالإنسان وهو ربه وصاحبه كما قال عز من قائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾([10])، فلماذا يذهبون يميناً وشمالاً؟ ولماذا يبحثون عن أرباب مصطنعة؟ ولماذا يتيهون؟ فهو سبحانه ربّ العالمين كلهم، وليس خصوص الملائكة التي كان بعض العرب يفترض أنّ الله سبحانه معني بها وهي بنات الرحمن باعتبارها في السماء مثلاً حسب طرق تفكيرهم، ولذلك قال عز من قائل في رد هذا الوهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَـهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾([11])، إذن هؤلاء يعتبرون الله تعالى إلهاً معنياً بالسماء وأنّه لا يعتني بالبشر، ولذلك قال الله سبحانه: إنّه رب العالمين جميعاً.

الآية الثالثة

وعقّب ذلك سبحانه مرة أخرى بالرحمن الرحيم تأكيداً على ما يحتاجه الإنسان من جهة ضعفه البالغ في نفسه وفي خضم تحديات هذه الحياة من الرحمة في شؤونه كلها، فهو سبحانه فاتحٌ أبواب عطائه بالرحمة للخلق، فربوبيته للخلق هي ربوبية رحمة ورفق وتيسير، وهذا المعنى من شأنه أن يشدَّ الإنسان إلى الله تعالى ويوجه أمله إليه، لأنّ الإنسان يبحث عن اللفتة الحانية والرحيمة والودودة والرؤوفة.

فلم يكتفِ سبحانه بذكر الرحمن الرحيم في البسملة، وكأنه من جهة أنّ البسملة بعد أن أصبحت أدباً عاماً لبداية الكلام قلّ التركيز فيها بالنسبة إلى ما يَرِد فيها من توصيف، فلذلك اعتنى بتكرار هذا المعنى تأكيداً على أنّ ربوبيته ربوبية رحيمة ومقرونة بالرحمة مؤكداً، كما يقتضيه لقبه: الكريم (الرحمن).

الآية الرابعة

ثمّ عقّب ذلك سبحانه بـ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بلسان فارغ عن ثبوت يوم الدين الذي كانت كثير من الأقوام لا تؤمن به، مثل عامة العرب في مكة والجزيرة العربية، وهم يرون فناء الإنسان بالممات، ويرجون الإله لشؤون الحياة، وفي هذا ما قد يؤشّر إلى أنّ هذه السورة حيث تكلمت بلسان المفروغية عن وجود يوم الدين يمكن أن تكون قد نزلت عقيب الأخبار عن وجود هذا اليوم كما جاء في سورة العلق قبلها: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾([12])، وجاء أيضاً في سورة القلم والمزمل والمدثر، وهناك سور عديدة قصار من الجزء الثلاثين (جزء عم) والجزء التاسع والعشرين (جزء تبارك) خُصصت لإثبات يوم الدين، مثل سورة التكوير (السابعة في النزول، والتكاثر (السادسة عشر بحسب النزول) والقارعة (الثلاثين في النزول) والقيامة (الواحد والثلاثين في النزول).

لقد لفتت هذه الآية الإنسان إلى أنّ أبعاد حياته وحاجته إلى رحمة الله سبحانه، وأنّ أبعاد ربوبية الله سبحانه للإنسان لا تنحصر بهذه النشأة الدنيا، فللإنسان موعد مع يوم الدين والجزاء مما يعني أنّه يُجازى بأعماله في هذه الحياة في نشأة لاحقة، وتلك نشأة لم يترك الله سبحانه فيها الأمور لطبيعتها ولم يُخفِ دوره فيها، بل يتجلى ملكه فيها دون خفاء وحجاب، فهذه النشأة الدنيا قد يكون استحضار الإنسان فيها مُلكَ الله تعالى بحاجة إلى الاستنطاق والتنبّه خصوصاً أنّ الله سبحانه حليم عفوّ، أجرى الأمور على سنن وإن كان هو المدبر لها آناً فآناً، فهذا المشهد قد يُفضي بالإنسان إلى الغفلة، لكن في اليوم الآخر يتجلى ملك الله تعالى بوضوح: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّـهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾([13])، والإنسان أحوج ما يكون إلى رحمة الله تعالى ولطفه في تلك الحياة بحسن الاستجابة له في هذه الحياة، وبذلك أشارت هذه الآية إلى أنّ الإنسان سائر إلى الله تعالى بخطواته في هذه الحياة، فهو لن يعيش هذه الحياة ليفنى من دون غاية قد أُعدّ لها وعليه أن يسعى إليها.

الآيتين الخامسة والسادسة

ثم بعد بيان تفرده سبحانه بالحمد كله وبالمُلك في غدٍ وعنايته بالخلق بالرحمة والربوبية حوّر الخطاب من توصيف الله سبحانه لنفسه إلى إقرارٍ ودُعاءٍ يعلّمه للإنسان يمثّل الاستجابة المناسبة من الإنسان لتلك الصفات، ويخاطب فيه الإنسان الله سبحانه مذعناً ومستعيناً به سبحانه، وتتمثل الاستجابة المطلوبة من الإنسان في أمور ثلاثة مفصلية هي لبّ ما ينبغي أن يمثل علاقة الإنسان بالله سبحانه وهي: العبادة، والاستعانة، والاستهداء.

فالأوّل: إذعان الإنسان بألوهية الله سبحانه حصراً وذلك بعبادته سبحانه وحده اعتقاداً وإذعاناً وعملاً، والعبادة هي الخضوع اللائق للإله، فهي تكون للإله حصراً، فالتوحيد في العبادة يعني التوحيد في الألوهية والربوبية.

وهذه الفقرة تكون استجابةً من الإنسان لتوصيف الله سبحانه بأنّه المحمود بكل حمدٍ مستوجبٍ، وهو ربّ الإنسان كسائر العالمين، وهو مالك الأمور في هذه الحياة وفي النشأة الأخرى جميعاً، فالاستجابة لهذه المعاني أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فلا يوجد شيء غير الله سبحانه، فإذا كان الحمد يعود إليه في كل شيء وهو رب كل شيء ومعني بكل شيء وهو المالك لكل شيء فلا يبقى محلٌ لافتراض إله ورب ومعبود غير الله سبحانه، لأنّ الإنسان إنما يبحث عن آلهة لأنه يريد عناية واهتماماً، فربما يتصوّر أنّ الآلهة التي اتخذوها غير الله تعالى تملك شيئاً ولها دور تُحمَد عليه تجاه الإنسان! فإذا كانت لا تملك شيئاً وكان الحمد كله لله تعالى وهو سبحانه المتكفل بربوبية العالمين جميعاً وهو سبحانه المالك للحياة الأخروية التي ينتهي إليها الإنسان، فإنّ المفروض بالإنسان أن يعبد الله تعالى وحده: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهذا استجابة مناسبة للمعاني المتقدمة.

الثاني: الاستعانة بالله تعالى حصراً فيما يستعان فيه بالإله، قال تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالإنسان في كثير من الحالات تضيق الأسباب الدنيوية عنه ويتمنى عوناً من الإله، وهذا أمر طبيعي وفطري للإنسان، فكما يحتاج الإنسان إلى الاستعانات الطبيعية التي جعل الله سبحانه لها أسباباً كالاستعانة بالقرابة والجيران والآلات والأجهزة، فإنه أيضاً يحتاج إلى الاستعانة فيما هو فوق هذه الأسباب وهو الإله القادر، وهذا الأمر هو من أهم أسباب نزوع الإنسان إلى الإيمان بالإله، فهو مطبوع على الشعور بالحاجة إلى كائن أعلى.

ويتفرع التوحيد في الاستعانة على الإذعان بالتوحيد بالألوهية والربوبية والملك لله سبحانه، فهو استجابة لما أبداه سبحانه من رحمته بالخلق وتعهده بربوبيتهم بنفسه، فالله سبحانه هو المتكفّل بنا وهو ربنا، فنستعين به نفسه، ولا محل للاستعانة بالأصنام ونحوها.

الثالث: الاستهداء بالله سبحانه لهداية الإنسان إلى الصراط المستقيم في الحياة الذي ينتهي إلى رضوان الله سبحانه في الحياة الأخرى، فالإنسان مظنة لأن يفقد بوصلته في هذه الحياة ويزلّ فيها عقيدةً أو سلوكاً ولا سيما من نشأ في بيئة مشركة وضالة، بل عاش على الشريك منذ نشأته، فإنه لا يزال تراوده وساوس الحالة السابقة كما حُكيت الشكاية عن ذلك من بعض الصحابة، ولذلك فإنّ عليه أن يستعين بالله تعالى في مزالق هذه الحياة دائماً ليثبّته على الطريقة المستقيمة، فهو يحتاج إلى الاستهداء بالله سبحانه دائماً.

وقد أعطت الآية بذكر الصراط المستقيم للإنسان انطباعاً رائعاً عن أنّ في هذه الحياة سبلاً، ولكنْ سبيلٌ واحد مستقيم ينتهي إلى الغاية التي يتمناها الإنسان من السعادة ويصل به إلى رضوان الله تعالى ربه وخالقه، وهناك سبل للسير تذهب يميناً وشمالاً وتنحرف عن الجادة إذا سلكها الإنسان ضلّ عن غايته وأوجبت له شقاءً وعناءً.

فالإنسان سائر في هذه الحياة في دربٍ نحو نهاية جادة ومرسومة وعليه أن يختار بين الصراط المستقيم الذي رسمه له الله سبحانه وبين أن يركب رأسه ويتنكب عن الطريق يميناً وشمالاً، وهذا المعنى الرائع ـــ الذي يمثل الإنسان سائراً في درب ويرسم دروباً مختلفة يكون الدرب المستقيم واحداً من بينها وتنحرف سائر الدروب عن النهاية التي تليق وتكون مطلوبة للإنسان ـــ متواتر في الآيات الشريفة كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([14]).

الآية السابعة

ثمّ لم يقتصر سبحانه وتعالى على ذكر الصراط المستقيم الذي هو صراطه سبحانه، بل أشار إلى أنّ في هذا الطريق ككلِّ طريقٍ دوالّ على المسير تُقتفى آثارها ويوطأ عقبها، وهذه الدوال في الصراط المستقيم إلى الله سبحانه هم الذين أنعم الله تعالى عليهم أوّلاً بالهداية فاستجابوا لها فكانوا القادة إلى الهدى دون الذين تنكّبوا عن الطريق وتخبّطوا إما لأنّهم عرفوا الطريق وامتنعوا عن سلوكه فاستوجبوا غضب الله سبحانه أو لأنّهم ضلوا الطريق وتاهوا فيه إذ قصروا عن إدراك سبيله.

وفي ذلك تنبيه للإنسان على أنّ عليه بعد الإيمان بالله تعالى أن يتخذ إمام هدىً يجتاز خلفه الطريق ويتأسى به في السلوك، وأبرز مصاديق هؤلاء القادة هم الأنبياء الذين ورد في الآيات الشريفة أنّ الله سبحانه بدأ الهداية بهم وأنعم عليهم وأمر بعضهم بأن يهتدي بهدي من سبقه فيهم، كما قال سبحانه بعد ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾([15])، وقال تعالى لرسوله بعد ذكرهم: ﴿وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾([16]).

وقد تكرر في القرآن الكريم فيما نزل بعد سورة الحمد التأكيد على أنّ الأنبياء (عليه السلام) هم الذين أنعم الله عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهدى بهم الناس إليه، كما قال سبحانه عن رسوله الكريم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾([17])، وجاء أيضاً: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾([18])، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾([19])، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾([20]).

وكذلك قال عن إبراهيم (عليه السلام): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾([21]).

وجاء عنه أيضاً قوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾([22]).

وجاء عن موسى وهارون (عليهما السلام): ﴿وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾([23])، وجاء عن عيسى (عليه السلام) قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾([24]) إلى آيات أخرى.

فأوضح ذلك أنّ المراد بالذين أنعم الله عليهم هم الأنبياء الذين أنعم عليهم بأن هداهم وهدى بهم إلى الصراط المستقيم.

هذا شرح إجمالي لهذه السورة المميزة وهي من السور الهادئة للغاية، ليس فيها معنى شديد أصلاً، نعم، فيها معان تنذر بالخطورة وذلك قوله سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكلمة الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وإن كانت تعبر عن شدةٍ، ولكنّ الغضب فيها فُرِضَ على الآخرين وليس على المخاطبين.

وهذه السورة لم تتضمن ذكر الرسالة صريحاً، بل ذكرت الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر صريحاً، ربما لوّحت إلى الرسالة بقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.

 وهذا الأمر مما يتكرر في العديد من الآيات القرآنية حيث يقتصر فيها في وصف المؤمنين على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر فحسب من دون الرسالة([25])، وكذلك الحال في بعض السور القصار كسورة الإخلاص ولا يبعد أن يكون السبب في ذلك أنّ هذا النص بنفسه متلوّ على أنه رسالة الله سبحانه إلى الخلق من خلال رسوله الكريم، فتكون الرسالة حاضرة ومفترضة في مشهد الكلام، ولذلك كان الاهتمام في الكلام بالإيمان بمضمون الرسالة من الإنباء عن توحيد الله سبحانه وعن يوم القيامة، ولا سيما في العهد المكي حيث كان اشتمال الرسالة على هذين النبأين هو العائق الأساس للمشركين عن تصديق هذه الرسالة، ولأجل ذلك ربما اكتفي بالتلويح إلى الإيمان بالرسل بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إذ الرسل أبرز مصداق لمن أنعم الله عليه بالهداية إلى المعاني المتقدمة في هذه السورة، كما قال سبحانه عن المسيح (عليه السلام): ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾([26]).

هذا محصل مضمون هذه السورة على وجه الإجمال.

ومن الظاهر من خلال ذلك حقاً أنّ هذه سورة مميزة في مضمونها كبلاغتها وفصاحتها، وهي من السهل الممتنع، وقد لا يشعر الإنسان المسلم العارف باللغة العربية بمدى الجمال في هذا النصّ، لأنه معتاد عليه وعلى أمثاله من خلال القرآن الكريم، ولكنه كان مما يجد العرب جماله آنذاك بالمقارنة مع المضامين الدينية التي كانت مألوفةً لديهم لآلهتهم، ولذلك لم تكن مباهاة القرآن الكريم بهذه السورة بشكل خاص في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾([27]) إلا بما يشهد بصدقه واقع الحال، فلم يكن يتاح لأحد أن ينكر امتياز هذه السورة، ولذلك يمكن عدّها أبرز السور التي تحدى بها القرآن الكريم العرب، كما يجد جمالها عامة المعنيّين بالمضامين الدينية وبالمقارنة بين القرآن الكريم وكتب الأديان الأخرى، بل أنّ أهل الأديان الأخرى ـــ ومنهم البلغاء من المسيحيين العرب ـــ يجدون هذا الجمال بالمقارنة مع ما جاء في كتبهم الدينية([28]).

الهوامش: ([1]) تقدم في الجزء الأوّل من الكلام في مكانة هذه السورة وزمان نزولها وجزئية البسملة منها ومن سائر السور، وقد تخلل ذلك باقتضاء البحث جملة مما يتعلق بتفسير البسملة وهذه السورة. ([2]) سورة العلق: آية 1. ([3]) سورة العلق: آية 1. ([4]) وقيل إنّهم كانوا يكتبون: (بسم اللات والعزى)، لاحظ: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 6/113. ([5]) سورة النمل: آية 30. ([6])  تقدم الحديث عن ذلك تفصيلاً في الكلام على كون البسملة جزءاً منها ومن السور. ([7]) سورة الأعراف: آية 156. ([8]) سورة الحجر: آية 87. ([9]) سورة لقمان: آية 25. ([10]) سورة البقرة: آية 186. ([11]) سورة الزخرف: آية 86. ([12]) سورة العلق: آية 8. ([13]) سورة غافر: آية 16. ([14]) سورة الأنعام: آية 153. ([15]) سورة مريم: آية 58. ([16]) سورة الأنعام: آية 87 ـــ 90. ([17]) سورة المائدة: آية 15 ـــ 16. ([18]) سورة الأنعام: آية 161. ([19]) سورة إبراهيم: آية 1. ([20]) سورة الشورة: آية 52 ـــ 53. ([21]) سورة النحل: آية 120 ـــ 121. ([22]) سورة مريم: آية 43. ([23]) سورة الصافات: آية 117 ـــ 118. ([24]) سورة آل عمران: آية 51. ([25]) منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ سورة التوبة: آية 18، ومنها: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة: آية 62، ومنها: قوله جلت آلاؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ سورة البقرة: آية 126، ومنها: قوله عزّت آلاؤه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ سورة البقرة: آية 228، ومنها: قوله جل جلاله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: آية 232. ([26]) سورة الزخرف: آية 59. ([27]) سورة الحجر: آية 87. ([28]) وربما تكلف بعضٌ السعي إلى اقتفاء هذه السورة في معانيها مع تغيير ألفاظها مضاهاة معها، لكن هذه الطريقة في المضاهاة خاطئة من جهة اقتفاء مضامين النص، ومن المعلوم أنّ بلاغة النص ليست في مفرداتها ووزنها فقط، بل في انتقاء المضامين المناسبة للمقصد المنظور جزء مهم من البلاغة، على أنّ الكلام الذي أُنشئ لا يتضمن بلاغة خاصة من حيث المفردات المناسبة، ولا يرقى إلى مستوى هذه السورة في شيء (لاحظ عرض ذلك ونقده في تفسير البيان للسيد المحقق الخوئي ورسالته نفحات الإعجاز (لاحظ: البيان في تفسير القرآن (طبعة المؤسسة): ص95 وما بعد)).
2024/04/04

المؤمن والإيمان بالغيب: أهلاً بك في عالم يتجاوز المحسوس!
«الغيب و الشهود» نقطتان متقابلتان، عالم الشهود هو عالم المحسوسات، و عالم الغيب هو ما وراء الحس. لأنّ «الغيب» في الأصل يعني ما بطن و خفي.

‏و قيل عن عالم ما وراء المحسوسات «غيب» لخفائه عن حواسّنا. التقابل بين العالمين مذكور في آيات عديدة كقوله تعالی: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‌

[الحشر، ٢٢.]

‏الإيمان بالغيب هو بالضبط النقطة الفاصلة الاولی بين المؤمنين بالأديان السماوية، و بين منكري الخالق و الوحي و القيامة. و من هنا كان الإيمان بالغيب أول سمة ذكرت للمتّقين.

‏المؤمنون خرقوا طوق العالم المادي، و اجتازوا جدرانه، إنّهم بهذه الرؤية الواسعة مرتبطون بعالم كبير لا متناه. بينما يصرّ معارضوهم علی جعل الإنسان مثل سائر الحيوانات، محصورا في موقعه من العالم المادي. و هذه الرؤية المادية تقمّصت في عصرنا صفات العلمية و التقدمية و التطورية! لو قارنّا بين فهم الفريقين و رؤيتهما، لعرفنا أن: «المؤمنين بالغيب» يعتقدون أن عالم الوجود أكبر و أوسع بكثير من هذا العالم المحسوس، و خالق عالم الوجود غير متناه في العلم و القدرة و الإدراك، و أنّه أزليّ و أبديّ. و أنّه صمّم هذا العالم وفق نظام دقيق مدروس. و يعتقدون أنّ الإنسان- بما يحمله من روح إنسانية- يسمو بكثير علی سائر الحيوانات. و أنّ الموت ليس بمعنی العدم و الفناء، بل هو مرحلة تكاملية في الإنسان، و نافذة تطل علی عالم أوسع و أكبر.

‏بينما الإنسان المادي يعتقد أن عالم الوجود محدود بما نلمسه و نراه. و أن العالم وليد مجموعة من القوانين الطبيعية العمياء الخالية من أي هدف أو تخطيط أو عقل أو شعور. و الإنسان جزء من الطبيعة ينتهي وجوده بموته، يتلاشی بدنه، و تندمج أجزاؤه مرّة اخری بالمواد الطبيعية. فلا بقاء للإنسان، و ليس ثمّة فاصلة كبيرة بينه و بين سائر الحيوانات‌

[نقلا عن:« محمّد و القرآن».]

٢! ما أكبر الهوة التي تفصل بين هاتين الرؤيتين للكون و الحياة! و ما أعظم الفرق بين ما تفرزه كل رؤية، من حياة اجتماعية و سلوك و نظام! الرؤية الاولی تربّي صاحبها علی أن ينشد الحق و العدل و الخير و مساعدة الآخرين. و الثانية، لا تقدّم لصاحبها أي مبرّر علی ممارسة الأمور اللهم إلّا ما عاد عليه بالفائدة في حياته المادية. من هنا يسود في حياة المؤمنين الحقيقيين التفاهم و الإخاء و الطّهر و التعاون، بينما تهيمن علی حياة الماديين روح الاستعمار و الاستغلال و سفك الدماء و النهب و السلب. و لهذا السبب نری القرآن يتخذ من «الإيمان بالغيب» نقطة البداية في التقوی.

‏يدور البحث في كتب التّفسير عن المقصود بالغيب، أهو إشارة إلی ذات الباري تعالی، أم أنه يشمل- أيضا- الوحي و القيامة و عالم الملائكة و كل ما هو وراء الحس؟ و نحن نعتقد أن الآية أرادت المعنی الشامل لكلمة الغيب، لأن الإيمان بعالم ما وراء الحس- كما ذكرنا- أول نقطة افتراق المؤمنين عن‌ الكافرين، إضافة إلی ذلك، تعبير الآية مطلق ليس فيه قيد يحدده بمعنی خاص.

‏بعض الروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم السّلام تفسّر الغيب في الآية، بالمهدي الموعود المنتظر (سلام اللّه عليه) و الذي نعتقد بحياته و خفائه عن الأنظار، و هذا لا ينافي ما ذكرناه بشأن معنی الغيب، لأن الروايات الواردة في تفسير الآيات تبين غالبا مصاديق خاصة للآيات، دون أن تحدد الآيات بهذه المصاديق الخاصة، و سنری في صفحات هذا التّفسير أمثلة كثيرة لذلك. و الروايات المذكورة بشأن تفسير معنی الغيب، تستهدف في الواقع توسيع نطاق معنی الإيمان بالغيب، ليشمل حتی الإيمان بالمهدي المنتظر عليه السّلام و يمكننا القول أنّ الغيب له معنی واسع قد نجد له بمرور الزمن مصاديق جديدة.

*مقتطف من تفسير الأمثل ج1
2024/02/05

ما هي مصادر معلومات القرآن الكريم؟
سؤال أثارته شاكلة المستشرقين الأجانب لكنّه رجع قول قد قاله رجال من قبلهم : (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفرقان 25 : 5) الوحي مصدر القرآن الوحيد!

(إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى)

قال تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى). (1)

كانت الدلائل على أنّ القرآن كلّه ـ بلفظه ونظمه ومحتواه جميعا ـ كلام ربّ العالمين ، وافرة وظافرة ، وقد تكفّل عرضها مباحث الإعجاز القرآني باستيفاء وإحكام. (2) كما وأصبحت سفاسف المعاكسين لذلك الاتّجاه الناصع هباء منثورا تذروه عواصف الرياح.

والآن ، فلنشهد تجوالهم الحديث في هذا الميدان الرهيب :

وليعلم أنّ عمدة مستند القول باستيحاء القرآن تعاليمه الدينية من زبر الأوّلين هو تواجد التوافق ـ نسبيّا ـ بين شريعة الإسلام وشرائع سالفة.

لكن هذا لا يجدي نفعا بعد اعترافنا بوحدة أصول الشرائع وأنّها جميعا مستقاة من عين واحدة : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ). (3)

هذا فضلا عن وجود التخالف الفاحش بين أكدار أحاطت بتلك الكتب على أثر التحريف ، وقداسة زاكية حظي بها القرآن الكريم ، ولا يزال مصونا في حراسته تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ). (٤)

هذا إجمال الكلام في ذلك ولنخض في تفصيل الحديث :

كتب الكثير من الكتّاب المستشرقين عن نبيّ الإسلام والقرآن حسب أساليبهم في التحقيق عن سائر الأديان ، حيث لا يرون لها صلة بوحي السماء. فكان من الطبيعي في عرفهم أن يلتمسوا من هنا وهناك مصادر غذّت تلكم الشرائع في طول التأريخ.

وحتّى من تظاهر منهم بالمسيحيّة يعتنقونها شكليّا وليس عن صدق عقيدة.

غير أنّ المسيحية ـ ولو شكليّا ـ كانت من الدوافع الحافزة للبغي على الإسلام وللنظر إليه نظرة سوء. وهذا ما يسمّى بالاستشراق الديني الّذي قام به أبناء الفاتيكان ، كان أوّل روّاده من رجال الكنيسة وعلماء اللّاهوت حيث ظلّوا المشرفين على هذه الحركة والمسيّرين لها طوال القرنين الأخيرين. وكان الهدف من ذلك :

1 ـ الطعن في الإسلام وتشويه حقائقه.

2 ـ حماية النصارى من خطر الإسلام بالحيلولة بينهم وبين رؤية حقائقه الناصعة وآياته البيّنة اللّائحة.

3 ـ محاولة تنصير المسلمين ، ولا أقلّ من تضعيف العقيدة في نفوسهم أضف إلى ذلك دوافع استعماريّة : ثقافيّة وسياسيّة وتجاريّة تحول دون خلوص مهنة الاستشراق (استطلاع تاريخ الثقافة الشرقية بسلام) ومن ثمّ فقد أسيء بهم الظنّ في كثير ما يبدونه من نظر.

جاء في قصّة الحضارة : وكان في بلاد العرب كثيرون من المسيحيّين وكان منهم عدد قليل في مكّة ، وكان محمّد على صلة وثيقة بواحد منهم على الأقل هو ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة ، الذي كان مطّلعا على كتب اليهود والمسيحيّين المقدّسة. وكثيرا ما كان محمد يزور المدينة التى مات فيها والده عبد الله. ولعلّه قد التقى هناك ببعض اليهود وكانوا كثيرين فيها. وتدلّ كثير من آيات القرآن على اعجابه بأخلاق المسيحيّين ، وبما في دين اليهود من نزعة إلى التوحيد ، وبما عاد على المسيحية واليهودية من قوّة كبيرة لأنّ لكلتيهما كتابا مقدّسا تعتقد أنّه موحى من عند الله.

قال : ولعلّه قد بدا له أنّ ما يسود جزيرة العرب من شرك ، ومن عبادة للأوثان ، ومن فساد خلقي ، ومن حروب بين القبائل وتفكّك سياسي ، نقول : لعلّه قد بدا له أنّ حال بلاد العرب إذا قورنت بما تأمر به المسيحية واليهودية حال بدائية لا تشرف ساكنيها. ولهذا أحسّ بالحاجة إلى دين جديد. ولعلّه أحسّ بالحاجة إلى دين يؤلّف بين هذه الجماعات المتباغضة المتعادية ويخلق منها أمّة قوية سليمة ، دين يسموا بأخلاقهم عمّا ألفه البدو من شريعة العنف والانتقام ، ولكنّه قائم على أوامر منزلة لا ينازع فيها إنسان. ولعلّ هذه الأفكار نفسها قد طافت بعقل غيره من الناس. فنحن نسمع عن قيام عدد من المتنبّئين في بلاد العرب في بداية القرن السابع ، وقد تأثّر كثير من العرب بعقيدة المسيح المنتظر التى يؤمن بها اليهود. وكان هؤلاء أيضا ينتظرون بفارغ الصبر مجيء رسول من عند الله. وكانت في البلاد شيعة من العرب تدعى بالحنفيّة أبت أن تقرّ بالالوهية لأصنام الكعبة ، وقامت تنادي بإله واحد يجب أن يكون البشر جميعا عبيدا له وأن يعبدوه راضين (هم : ورقة بن نوفل ، وعبيد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث ، وزيد بن عمرو بن نفيل). كانوا قد أيقنوا أنّ ما هم عليه من الوثنية ليس بشيء ، فتفرّقوا في البلاد يلتمسون الحنيفيّة دين إبراهيم عليه‌السلام ...

وكان محمّد ـ كما كان كلّ داع ناجح في دعوته ـ الناطق بلسان أهل زمانه والمعبّر عن حاجاتهم وآمالهم ... (5)

ويقول الأسقف يوسف درّة الحدّاد : (6) استفاد القرآن من مصادر شتّى أهمّها الكتاب المقدّس ولا سيّما كتاب موسى ، وذلك بشهادة القرآن ذاته : (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى). (7)

(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى). (8)

(وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ). (9)

قال : فآية محمّد الأولى هي مطابقة قرآنه للكتب السابقة عليه. وآيته الثانية استشهاده بعلماء بني إسرائيل وشهادتهم له بصحّة هذه المطابقة. ولكن ما الصلة بين القرآن وكونه في زبر الأوّلين؟! هذا هو سرّ محمّد! فيكون من ثمّ أنّه نزل في زبر الأوّلين بلغة أعجميّة يجهلونها ، ثمّ وصل إلى محمّد بواسطة علماء بني إسرائيل ، فأنذر به محمّد بلسان عربيّ مبين.

فأصل القرآن منزل في زبر الأوّلين ، وهذا يوحي بصلة القرآن بمصدره الكتابي زبر الأوّلين ، أي صحفهم وكتبهم.

وأيضا فإنّ شهادة علماء أهل الكتاب بصحّة ما في القرآن لم تكن إلّا لأنّهم كانوا شركاء هذا الوحي المولود. ذلك لأنّ الوحي التنزيلي أمر شخصي لا يعرفه غير صاحبه فحسب.

والآية (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا)(10) فيها صراحة بأنّه تتلمذ لدى كتاب موسى وجعله في قالب لسان العرب ، الأمر الذي يجعل من القرآن نسخة عربيّة مترجمة عن الكتاب الإمام.

(كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا). (11) التفصيل هنا يعنى النقل من الأصل الأعجمي إلى العربي. فالقرآن موحى ، والتفصيل العربي للكتاب منزّل ، لأنّ الأصل وحي منزّل ... (12)

وعلى هذا الغرار جرى كلّ من «تسدال» و «ماسيه» و «أندريه» و «لامنز» و «جولد تسيهر» و «نولديكه» (13) إلى أنّ القرآن استفاد كثيرا من زبر الأوّلين ، وحجّتهم في ذلك

محضر التشابه بين تعاليم القرآن وسائر الصحف. فالقصص والحكم في القرآن هي التي جاءت في كتب اليهود ، وكذا قضايا جاءت في الأناجيل وحتّى في تعاليم زرادشت والبرهمية في مثل حديث المعراج ونعيم الآخرة والجحيم والصراط والافتتاح بالبسملة والصلوات الخمس وأمثالها من طقوس عبادية ، وكذا مسألة شهادة كلّ نبيّ بالآتي بعده ، كلّها مأخوذة من كتب سالفة كانت معهودة لدى العرب.

زعموا أنّ القرآن صورة تلمودية وصلت إلى نبيّ الإسلام عن طريق علماء اليهود وسائر أهل الكتاب ممّن كانت لهم صلة قريبة بجزيرة العرب ، فكان محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله يلتقي بهم قبل أن يعلن نبوّته ، ويأخذ منهم الكثير من اصول الشريعة.

يقول «ول ديورانت» : وجدير بالذكر أنّ الشريعة الإسلاميّة لها شبه بشريعة اليهود ... ثمّ جعل يسرد قضايا مشتركة بين القرآن والعهدين ويعدّ منها مسألة التوحيد والنبوّة والإيمان والإنابة ويوم الحساب والجنّة والنار ، زاعما أنّها من تأثير اليهوديّة على دين الإسلام. وكذا كلمة التوحيد (لا إله إلّا الله» مأخوذة من كلمة إسرائيلية : ألا فاسمع يا إسرائيل وحدك. والبسملة مأخوذة أيضا من تلمود. ولفظة «الرحمن» معرّبة من «رحمانا» العبريّة ... إلى غيرها من تعابير جاءت في الإسلام منحدرة عن أصل يهودي. الأمر الذي جعل البعض يتصوّر أنّ محمدا كان عارفا بمصادر يهودية وكانت هي مستقاه في تأليف القرآن ... (14)

شرائع إبراهيمية منحدرة عن أصل واحد

نحن المسلمين نعتقد في الشرائع الإلهيّة أجمع أنّها منحدرة عن أصل واحد ومنبعثة من منهل عذب فارد ، تهدف جميعا إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة. والإخلاص في العمل الصالح والتحلّي بمكارم الأخلاق ، من غير اختلاف في الجذور ولا في الفروع المتصاعدة. (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ...). (15)

إذن ، فالدين واحد والشريعة واحدة والأحكام والتكاليف تهدف إلى غرض واحد وهو كمال الإنسان (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ). (16) يعني أنّ الدين كلّه ـ من آدم فإلى الخاتم ـ هو الإسلام أي التسليم لله والإخلاص في عبادته محضا.

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ). (17) الإسلام هو الدين الشامل ، فمن حاد عنه فقد حاد عن الجادّة الوسطى وضلّ الطريق في نهاية المسير. وهكذا تأدّب المسلمون بالإيمان بجميع الأنبياء من غير ما فارق. (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). (18)

وهذا منطق القرآن يدعو إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ، وأن لا تفرقة بين الأديان ما دام التسليم لله ربّ العالمين ، وبذلك يكون الاهتداء والاتحاد ، وفي غيره الضلال والشقاق ، (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ). (19)

وفي ذلك ردّ وتشنيع بشأن اليهود والنصارى ، أولئك الذين يدعون إلى الحياد والانحياز (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا). (20) أي قالت اليهود كونوا منحازين على اليهوديّة لا غيرها حتى تهتدوا!

وقالت النصارى كونوا حيادا على النصرانية لا غيرها حتى تهتدوا! والقرآن يردّ عليهم جميعا ويدعو إلى الالتفاف حول الحنيفية الإبراهيمية : (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). (21) (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ). (22)

نعم ، صبغة الله شاملة وكافلة للإسعاد بالبشرية جمعاء ، الأمر الذي يعتنقه المسلمون أجمع ، والحمد لله.

وحدة المنشأ هو السبب للتوافق على المنهج

وبعد ، فإنّ ائتلاف الأديان السماوية واتّحاد كلمتها لا بدّ أن يكون عن سبب معقول ، وهذا يحتمل أحد وجوه ثلاثة :

1 ـ إمّا لوحدة المنشأ ، حيث الجميع منبعث من أصل واحد ، فكان التشابه في الفروع المتصاعدة طبيعيّا.

2 ـ أو لأنّ البعض متّخذ من البعض فكان التشاكل نتيجة ذاك التبادل يدا بيد.

3 ـ أو جاء التماثل عن مصادفة اتفاقيّة وليس عن علّة حكيمة.

ولا شكّ أنّ الأخير مرفوض بعد مضادّة الصدفة مع الحكمة الساطية في عالم التدبير.

بقي الوجهان الأوّلان ، فلنتساءل القوم : ما بالهم تغافلوا عن الوجه الأوّل الرصين وتواكبوا جميعا على الوجه الهجين؟! إنّ هذا لشيء مريب!

هذا ، والشواهد متظافرة تدعم الشقّة الاولى لتهدم الاخرى من أساس :

أوّلا : صراحة القرآن نفسه بأنّه موحى إلى نبيّ الإسلام وحيا مباشريّا نزل عليه ليكون للعالمين نذيرا ، فكيف الاستشهاد بالقرآن لإثبات خلافه!؟ إن هذا إلّا تناقض في الفهم واجتهاد في مقابلة النصّ الصريح!

ثانيا : معارف فخيمة قدّمها القرآن إلى البشرية ، بحثا وراء فلسفة الوجود ومعرفة الإنسان ذاته ، لم يكد يدانيها أيّة فكرة عن الحياة كانت البشرية قد وصل إليها لحدّ ذاك العهد ، فكيف بالهزائل الممسوخة التي شحنت بها كتب العهدين؟!

ثالثا : تعاليم راقية عرضها القرآن لا تتجانس مع ضألة الأساطير المسطّرة في كتب العهدين ، وهل يكون ذاك الرفيع مستقى من هذا الوضيع؟!

إلى غيرها من دلائل سوف يوافيك تفصيلها.

القرآن يشهد بأنّه موحى

وأمّا إن كنّا نستنطق القرآن فإنّه يشهد بكونه موحى إلى نبيّ الإسلام محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله كما أوحى إلى النبيّين من قبله : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً. لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً). (23)

(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ). (24)

والآيات بهذا الشأن كثيرة ، ناطقة صريحا بكون القرآن موحى إلى نبيّ الإسلام وحيا مباشريّا لينذر قومه ومن بلغ كافّة.

أمّا أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله تلقّاه (التقطه) من كتب السالفين وتعلّمه من علماء بني إسرائيل فهذا شيء غريب يأباه نسج القرآن الحكيم.

القرآن في زبر الأوّلين

وأمّا ما تذرّع به صاحبنا الاسقف درّة فملامح الوهن عليه بادية بوضوح :

قوله تعالى : (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى). (25)

هذا إشارة إلى نصائح تقدّمت الآية (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى). وذلك تأكيد على أنّ ما جاء به محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن بدعا ممّا جاء به سائر الرسل (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ). (26) فليس الذي جاء به نبيّ الإسلام جديدا لا سابقة له في رسالات الله ، الأمر الذي يستدعيه طبيعة وحي السماء العامّ وفي كلّ الأدوار من آدم فإلى الخاتم. فإنّ شريعة الله واحدة لا يختلف بعضها عن بعض. فالإشارة راجعة إلى محتويات الكتاب توالى نزولها حسب توالي بعثة الأنبياء. فالنصائح والإرشادات تكرّرت مع تكرّر الأجيال. هذا ما تعنيه الآية لا ما زعمه صاحبنا الأسقف!

وهكذا قوله تعالى : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى). (27)

يعود الضمير إلى من وقف في وجه الدعوة مستهزئا بأن سوف يتحمّل آثام الآخرين إن لم يؤمنوا بهذا الحديث. فيردّ عليهم القرآن : ألم يبلغهم أنّ كلّ إنسان سوف يكافأ حسب عمله ولا تزر وازرة وزر اخرى؟ فإن لم يعيروا القرآن اهتماما فليعيروا اهتمامهم لما جاء في الصحف الأولى ، وهلّا بلغهم ذلك وقد شاع وذاع خبره منذ حين؟! وهكذا سائر الآيات تروم هذا المعنى لا غير!

(أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ)(28)

وآية اخرى على صدق الدعوة المحمّدية : أنّ الراسخين في العلم من أهل الكتاب يشهدون بصدقها ممّا عرفوا من الحقّ :

(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) (أي من أهل الكتاب) (وَالْمُؤْمِنُونَ) (أي من أهل الإسلام) (يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ). (29)

(وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ). (30) وهؤلاء هم القساوسة والرهبان الذين لا يستكبرون ، ومن ثمّ فهم خاضعون للحقّ أين وجدوه ، وبالفعل فقد وجدوه في حظيرة الإسلام.

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ) (أيها الكافرون بالقرآن) (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (ممن آمن برسالة الإسلام) (عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ). (31)

الضمير في قوله «على مثله» يعود إلى القرآن. يعني أنّ من علماء بنى إسرائيل من يشهد بأنّ تعاليم القرآن تماما مثل تعاليم التوراة التي أنزلها الله على موسى ، ولذا آمن به لما قد لمس فيه من الحقّ المتطابق مع شريعة الله في الغابرين.

وكثير من علماء أهل الكتاب آمنوا بصدق رسالة الإسلام فور بلوغ الدعوة إليهم ، حيث وجدوا ضالّتهم المنشودة في القرآن فآمنوا به. فكانت شهادة عمليّة إلى جنب تصريحهم بذلك علنا على الملأ من بني إسرائيل.

وهذا هو معنى شهادة علماء بني إسرائيل بصدق الدعوة ، حيث وجدوها متطابقة مع معايير الحقّ الذي عندهم. لا ما حسبه صاحبنا الأسقف بعد أربعة عشر قرنا أنّه مقتبس من كتبهم ومتلقّى من أفواههم هم!! الأمر الذي لم يقله أولئك الأنجاب وقد أنصفوا الحقّ الصريح! (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ). (32) (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ). (33)

وهذه المعرفة ناشئة عن لمس الحقيقة في الدعوة ذاتها وفقا لمعايير وافتهم على أيدي الرسل من قبل. وقد لمسها أمثال صاحبنا الاسقف اليوم أيضا ولكن (جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)(3) كالذين من قبلهم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ)(34) ممّن حاول إخفاء الحقيقة ـ قديما وحديثا ـ فضلّوا وأضلّوا وما كانوا مهتدين.

مقتطف من كتاب: شبهات وردود حول القرآن الكريم

 

الهوامش: __________________ (1) الأعلى 87 : 18 و 19. (2) النجم 53 : 36 ـ 38. (3) الشعراء 26 : 196 و 197. (4) الأحقاف 46 : 12. (5) فصّلت 41 : 3. (6) دروس قرآنيّة ليوسف درّة الحدّاد ، ج 2 ، ص 173 ـ 188 (القرآن والكتاب) بيئة القرآن الكتابيّة ، فصل 11 (هل للقرآن من مصادر؟) منشورات المكتبة البولسية ـ لبنان 1982 م. (7) آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره لعمر رضوان ، ج 1 ، صفحات 272 ـ 290 و 335. (8) النجم 53 : 4 ـ 12. (9) قد استوفينا البحث عنها في التمهيد ، ج 4 و 5 و 6. (10) آل عمران 3 : 64.  (11)الحجر 15 : 9. (12) ول ديورانت : قصّة الحضارة ج 13 ، ص 23 و 24 ، ترجمتها العربية. (13) مارس رتبة الكهنوتية في الكنيسة اللبنانية عام 1939 م. ثمّ انقطع زهاء عشرين عاما يبحث عن شئون الإسلام والقرآن على اسلوبه الكهنوتي ، حاول التقارن والتقارب بين القرآن وكتب العهدين ليجعل الأخيرة منابع للقرآن ومصادره في كلّ ما ينسبه إلى وحي السماء. توفي سنة 1979 م. (14) تاريخ التمدّن (قصّة الحضارة) الفارسية ، لمؤلّفه ول ديورانت ، مجلّد 4 ، ص 236 ـ 238 ، عصر الإيمان ، الفصل التاسع وراجع قصّة الحضارة ، ج 13 ، ص 22 ، فيه إلمامة إلى ذلك. (15) الشورى 42 : 13. (16) آل عمران 3 : 19. (17) آل عمران 3 : 85. (18) البقرة 2 : 136. (19) البقرة 2 : 137. (20) البقرة 2 : 135. (21) البقرة 2 : 135. (22) البقرة 2 : 138. (23) النساء 4 : 163 ـ 166. (24) الأنعام 6 : 19. (25) الأعلى 87 : 18 و 19. (26) الأحقاف 46 : 9. (27) الأعلى 87 : 18 و 19. (28) النجم 53 : 36 ـ 38. (29) الشعراء 26 : 196 و 197. (30) الأحقاف 46 : 12. (31) فصّلت 41 : 3. (32) الأنعام 6 : 114. (33) الأنعام 6 : 20. (34) النمل 27 : 14.
2024/02/04

في القرآن الكريم.. ما قصة الحروف المقطّعة غير المفهومة؟!
تسع و عشرون سورة من سور القرآن تبدأ بحروف مقطعة، و هذه الحروف- كما هو واضح من اسمها- لا تشكل كلمة مفهومة.

‏هذه الحروف من أسرار القرآن، و ذكر المفسرون لها تفاسير عديدة، و أضاف لها العلماء المعاصرون تفاسير جديدة من خلال تحقيقاتهم.

‏جدير بالذّكر أن التاريخ لم يحدثنا أنّ عرب الجاهلية و المشركين عابوا علی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله اله و سلّم وجود هذه الحروف المقطعة في القرآن. و لم يتخذوا منها وسيلة للطعن و الاستهزاء. و هذا يشير إلی أنهم لم يكونوا جاهلين تماما بأسرار وجود الحروف المقطعة.

‏اخترنا من التفاسير الكثيرة لهذه الحروف، عددا من التفاسير باعتبار مسنديتها و انسجامها مع آخر الدراسات في هذا المجال. و سنذكر هذه التفاسير بالتدريج في بداية هذه السّورة، و سورة آل عمران، و سورة الأعراف، إن شاء اللّه. و نبدأ الآن بأهمها:

‏هذه الحروف إشارة إلی أن هذا الكتاب السماوي، بعظمته و أهميّته التي حيّرت فصحاء العرب و غير العرب، و تحدت الجن و الإنس في عصر الرسالة و كل العصور، يتكون من نفس الحروف المتيسرة في متناول الجميع.

‏و مع أنّ القرآن يتكون من هذه الحروف الهجائية و الكلمات المتداولة، فإن ما فيه من جمال العبارة و عمق المعنی يجعله ينفذ إلی القلب و الروح، و يملأ النفس بالرضا و الإعجاب، و يفرض احترامه علی الأفكار و العقول.

‏في القرآن من الفصاحة و البلاغة ما لا يخفی علی أحد، و ليس هذا مجرّد ادّعاء، فخالق الكون تحدّی بهذا الكتاب جميع (الجن و الإنس)، ليأتوا بمثله‌ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً

[الإسراء، ٨٨.]

٣، و لكنهم عجزوا جميعا عن ذلك، و تلك دلالة علی أن هذا الكتاب لم يصدر عن فكر بشر.

‏و كما إن اللّه تعالی خلق من التراب موجودات، كالإنسان بما فيه من أجهزة معقّدة محيّرة، و كأنواع الطيور الجميلة الرائقة، و الأحياء المتنوعة، و النباتات و الزهور المختلفة، و كما إننا ننتج من هذا التراب نفسه ألوان المصنوعات، كذلك اللّه سبحانه خلق من هذه الحروف الهجائية المتداولة، موضوعات و معان سامية، في قوالب لفظية جميلة، و عبارات موزونة، و أسلوب خاص مدهش معجز، و هذه الحروف الهجائية موجودة تحت تصرف الإنسان، لكنه عاجز عن صنع جمل و عبارات شبيهة بالقرآن.

‏الأدب في العصر الجاهلي:

‏من المهم أن نذكر هنا أن العصر الجاهلي كان عصرا ذهبيا للأدب العربي. فالوثائق المتوفرة بأيدينا تشير إلی أن العرب الحفاة الجفاة الجاهليين، كانوا يتمتعون بذوق أدبي رفيع. و ما وصلنا من شعر و نثر من تلك الفترة، يشير إلی قدرة أولئك علی التعبير الجميل الدقيق، و يحتل ذروة الفصاحة في الأدب العربي.

‏و كان للأدب سوق رائجة تدلّ علی اهتمام العرب بلغتهم و آدابهم، و (سوق عكاظ) و أمثالها من الأسواق الأدبية تعكس هذا الاهتمام بوضوح.

‏و السوق المذكور كان يشهد- إضافة إلی المعاملات الاقتصادية و القضايا الاجتماعية- حركة أدبية تعرض خلالها أفضل مقطوعات الشعر و النثر، و يتم فيها انتخاب أفضل ما قيل من النظم خلال العام، و (المعلقات السبع) أو (العشر) نموذج لذلك، و كانت القصيدة الفائزة تعدّ فخرا كبيرا للشاعر و لقبيلته.

‏في مثل هذا العصر من الانتعاش الأدبي، يتحدی القرآن النّاس أن يأتوا بمثله، و لكنهم عجزوا (سنذكر مزيدا من إعجاز القرآن في مجال التحدي لدی تفسير الآية ٢٣ من هذه السّورة).

‏شاهد ناطق:

‏الشاهد الناطق علی هذا المنحی من تفسير الحروف المقطعة،

‏حديث عن الإمام علي بن الحسين عليه السّلام حيث يقول: «كذّب قريش و اليهود بالقرآن و قالوا هذا سحر مبين، تقوّله، فقال اللّه: الم، ذلِكَ الْكِتابُ ...: أيّ يا محمّد، هذا الكتاب الّذي أنزلته إليك هو الحروف المقطّعة الّتي منها الف و لام و ميم، و هو بلغتكم و حروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ...»

[تفسير البرهان، ج ١، ص ٥٤.]

٤.

‏و ثم شاهد آخر

‏عن الإمام علي بن موسی الرضا عليه السّلام في قوله: «ثمّ قال إنّ اللّه تبارك و تعالی انزل هذا القرآن بهذه الحروف الّتي يتداولها جميع العرب، ثمّ قال:

‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلی‌ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...

[توحيد الصدوق، ص ١٦٢، ط سنة ١٣٧٥ ه. ق ..]

٥.

‏و هناك ملاحظة تؤيد ما ذهبنا إليه في تفسير معنی الحروف المقطعة، و هي أن هذه الحروف في السور الأربع و العشرين التي ذكرناها، يتلوها مباشرة ذكر لعظمة القرآن، و هذا يدل علی الارتباط بين الحروف المقطعة و عظمة القرآن. و علی سبيل المثال نذكر الآيات التالية:

‏١- الر، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

[هود، ١- ٢.]

٦.

‏٢- طس، تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَ كِتابٍ مُبِينٍ‌

[النمل، ١- ٢.]

٧.

‏٣- الم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ‌

[لقمان، ١- ٢.]

٨.

‏٤- المص، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ‌

[الأعراف، ١- ٢.] ٩.

الهوامش 

‏١ ( ١، ٢)- نور الثقلين، ج ١، ص ٢٦. و مجمع البيان، ج ١، ص ٣٢.

‏٢ ( ١، ٢)- نور الثقلين، ج ١، ص ٢٦. و مجمع البيان، ج ١، ص ٣٢.

‏٣ الإسراء، ٨٨.

‏٤ تفسير البرهان، ج ١، ص ٥٤.

‏٥ توحيد الصدوق، ص ١٦٢، ط سنة ١٣٧٥ ه. ق ..

‏٦ هود، ١- ٢.

‏٧ النمل، ١- ٢.

‏٨ لقمان، ١- ٢.

‏٩ الأعراف، ١- ٢.

2024/02/03

لذة الدنيا محفوفة بالنواقص والآلام
يقول السيد محمد حسين الطباطبائي [قدس سرّه]:

[اشترك]

لذة الدنيا محفوفة بالنواقص والآلامهذا حاله فيما وجده، وذاك حاله فيما فقده
الإنسان المادّىّ الدنيويّ الّذى لم يتخلّق بأخلاق الله تعالى ولم يتأدّب بأدبه يرى السعادة المادّيّة هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهى السعادة المعنويّة فيتولّع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة.
وهو وإن كان يريد من قبل نفس هذا الّذى ناله لكنّه ما كان يريد إلّا الخالص من التنعّم واللذّة على ما صوّرته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذّة محفوفاً بالاُلوف من الألم.
فما دام لم ينل ما يريده كان اُمنيّة وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الأسباب الّتى ركن إليها ولم يتعلّق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كلّ فائتة فكان أيضاً حسرة فلا يزال فيما وجده متألّماً به معرضاً عنه طالباً لما هو خير منه لعلّه يشفى غليل صدره وفيما لم يجده متقلّباً بين الآلام والحسرات. فهذا حاله فيما وجده، وذاك حاله فيما فقده.

المصدر: تفسير الميزان
2024/01/05

من هم أهل الذكر؟
ذكرت الرّوايات الكثيرة المروية عن أهل البيت عليهم السّلام أنّ «أهل الذكر» هم الأئمّة المعصومون عليهم السّلام، و من هذه الرّوايات:

[اشترك]

‏روي عن الإمام علي بن موسی الرضا عليه السّلام في جوابه عن معنی الآية أنّه قال: «نحن أهل الذكر و نحن المسؤولون» [تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٥٥.].

‏وعن الإمام الباقر عليه السّلام في تفسير الآية أنّه قال: «الذكر القرآن و آل الرّسول أهل الذكر و هم المسؤولون» [تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٥٦.].

‏وفي روايات أخری: أنّ «الذكر» هو النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم، و «أهل الذكر» هم أهل البيت عليهم السّلام‌ [تفسير نور الثقلين، ج ٣ ص ٥٥ و ٥٦.].

‏و ثمّة روايات متعددة أخری تحمل نفس هذا المعنی.

‏و في تفاسير و كتب أهل السنّة روايات تحمل نفس المعنی أيضا، منها:

‏ما في التّفسير الاثنی عشري: روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، قال: هو محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام هم أهل الذكر و العقل و البيان‌ [إحقاق الحق، ج ٣، ص ٤٢٨- و المقصود من تفسير الاثنی عشر، هو تفاسير كل من: أبي يوسف، ابن حجر، مقاتل بن سليمان، وكيع بن جراح، يوسف بن موسی، قتادة، حرب الطائي، السدي، مجاهد، مقاتل بن حيان، أبي صالح و محمد بن موسی الشيرازي.].

‏فهذه ليست هي المرّة الأولی في تفسير الرّوايات للآيات القرآنية ببيان أحد مصاديقها دون أن تقيد مفهوم الآية المطلق.

‏و كما قلنا ف «الذكر» يعني كل أنواع العلم و المعرفة و الاطلاع، و «أهل الذكر» هم العلماء و العارفون في مختلف المجالات، و باعتبار أن القرآن نموذج كامل و بارز للعلم و المعرفة أطلق عليه اسم «الذكر»، و كذلك شخص النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم فهو مصداق واضح «للذكر» و الأئمّة المعصومون باعتبارهم أهل بيت النّبوة و وارثو علمه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم فهم عليهم السّلام أفضل مصداق ل «أهل الذكر».

‏و هذا لا ينافي عمومية مفهوم الآية، و لا ينافي مورد نزولها أيضا (علماء أهل الكتاب) و لهذا اتجه علماؤنا في الفقه و الأصول عند بحثهم موضوع الاجتهاد و التقليد إلی ضرورة و وجوب أتباع العلماء لمن ليست له القدرة علی استنباط الأحكام الشرعية، و يستدلون بهذه الآية علی صحة منحاهم.

‏و قد يتساءل فيما ورد عن الإمام علي بن موسی الرضا عليه السّلام في كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السّلام): أنّ علماء في مجلس المأمون قالوا في تفسير الآية: إنما عني بذلك اليهود و النصاری، فقال الرضا عليه السّلام: «سبحان اللّه و هل يجوز ذلك، إذا يدعونا إلی دينهم و يقولون: إنّه أفضل من الإسلام ...» ثمّ قال: «الذكر رسول اللّه و نحن أهله» [تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٥٧.].

‏و تتخلص الإجابة بقولنا: إنّ الإمام قال ذلك لمن كان يعتقد أن تفسير الآية منحصر بمعنی الرجوع إلی علماء أهل الكتاب في كل عصر و زمان، و بدون شك أنّه خلاف الواقع، فليس المقصود بالرجوع إليهم علی مر العصور و الأيّام، بل لكل مقام مقال، ففي عصر الإمام علي بن موسی الرضا عليه السّلام لا بدّ من الرجوع إليه علی أساس إنّه مرجع علماء الإسلام و رأسهم.

‏و بعبارة أخری: إذا كانت وظيفة المشركين في صدر الإسلام لدی سؤالهم عن الأنبياء السابقين، و هل أنّهم من جنس البشر هي الرجوع إلی علماء أهل الكتاب لا إلی النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم، فهذا لا يعني أن علی جميع الناس في أي عصر و مصر أن يرجعوا إليهم، بل يجب الرجوع إلی علماء كل زمان.

‏و علی أية حال .. فالآية مبيّنة لأصل إسلامي يتعيّن الأخذ به في كل مجالات الحياة المادية و المعنوية، و تؤكّد علی المسلمين ضرورة السؤال فيما لا يعلمونه ممن يعلمه، و أن لا يورطوا أنفسهم فيما لا يعلمون.

‏و علی هذا فإنّ «مسألة التخصص» لم يقررها القرآن الكريم و يحصرها في المسائل الدينية بل هي شاملة لكل المواضيع و العلوم المختلفة، و يجب أن يكون‌ من بين المسلمين علماء في كافة التخصصات للرجوع إليهم.

‏و ينبغي التنويه هنا إلی ضرورة الرجوع إلی المتخصص الثابت علمه و تمكنه في اختصاصه، بالإضافة إلی توفر عنصر الإخلاص في عمله فهل يصح أن نراجع طبيبا متخصصا- علی سبيل المثال- غير مخلص في علمه؟! و لهذا وضع شرط العدالة في مسائل التقليد إلی جانب الاجتهاد و الأعلمية، أي لا بدّ لمرجع التقليد من أن يكون تقيا ورعا بالإضافة إلی علميته في المسائل الإسلامية.

مقتطف من كتاب تفسير الأمثل
2023/11/26

اقرأ باسم ربك: لماذا يبدأ القرآن بـ «الفاتحة» لا بـ «العلق»؟!
أولاً: لا شكّ ولا ريب عند المسلمين قاطبةً أنّ ترتيب سور القرآن الكريم – كما هو الموجود في المصحف - ليس على حسب ترتيب النزول، بل هو توقيفيّ من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أو اجتهاديّ من الصحابة من بعده – على خلافٍ بين العلماء في المسألة.

[اشترك]

ولا شكّ أيضاً أنّ ترتيب الآيات والسور على خلاف ترتيب نزولهما ليس من التحريف، بل التحريف الممنوع هو في الزيادة والنقيصة.

نعم، جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) القرآن الكريم على ترتيب نزوله، فقدّم المكيّ على المدنيّ، والمنسوخ على الناسخ، قال الشيخ المفيد: (قد جمع أمير المؤمنين - عليه السلام - القرآن المنزل من أوّله إلى آخره، والذي بحسب ما وجب من تأليفه، فقدّم المكّيّ على المدنيّ، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كلّ شيء منه في موضعه، ولذلك قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق - عليه السلام -: « أما والله لو قُرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمّين كما سُمّي مَن كان قبلنا ») [المسائل السرويّة ص79]، وقال ابن جزي: (فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وُجد مصحفه لكان فيه علم كبير، ولكنّه لم يوجد) [التسهيل ج1 ص6]، وهذا المصحف ممّا يتوارثه الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) كابراً عن كابر، إلى أن وصل لبقية الله الأعظم (عجّل الله فرجه).

ثانياً: هناك كلامٌ في أوّل ما نزل من القرآن الكريم على أقوال: سورة العلق، سورة المدّثر، سورة الفاتحة. فإنّه وإنْ كان المعروف أنّ أوّل ما نزل هو قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، ولكن الثابت نزول الآيات الأولى من السورة لا جميعها.

ولنذكر في المقام مختصر كلام العلّامة الشيخ محمّد هادي معرفة في كتابه الفخم [التمهيد في علوم القرآن ج1 ص157-160] حيث تكلّم حول الموضوع بشكل وافٍ.

جاء في كتاب [مختصر التمهيد في علوم القرآن ص32]:

(اختلف الباحثون في شؤون القرآن، في أنَّ أيَّ آياته أو سوَره نزلت قبل؟ والأقوال في ذلك ثلاثة:

1- سورة العلق: ففي تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام): « هبط إليه جبرائيل وأخذ بضبعه وهزَّه، فقال: يا محمَّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمَّد {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} ».

2- سورة المدّثّر: روي عن ابن سلمة، قال: « سألت جابر بن عبد اللَّه الأنصاري: أيّ القرآن أنزل قبل؟ قال: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، قلت: أو {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؟ قال: أحدِّثكم ما حدَّثنا به رسول اللَّه، قال (صلى الله عليه وآله): إنّي جاورت بحراء، فلمّا قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي - ولعلَّه سمع هاتفاً -، ثمَّ نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني جبرائيل -، فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثَّروني، فأنزل اللَّه: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} ».

ولعلَّ جابراً اجتهد من نفسه أنَّها أوَّل سورة نزلت؛ إذ ليس في كلام رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) دلالة على ذلك، والأرجح أنَّ ما ذكره جابر كان بعد فترة انقطاع الوحي، فظنَّه جابر بدء الوحي...

3- سورة الفاتحة: قال الزمخشريّ: « أكثر المفسِّرين على أنَّ الفاتحة أوَّل ما نزل ».

ورُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: « سألت النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة، على نحو ما نزلت من السماء، فأوَّل ما نزل عليه بمكَّة: فاتحة الكتاب، ثمّ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، ثمَّ: {ن وَالْقَلَمِ} » .

ولا شكّ أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلّي منذ بعثته، وكان يصلّي معه عليّ وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة، و « لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب »، فقد ورد في الأثر: « أوَّل ما بدأ به جبرائيل أن علَّمه الوضوء والصلاة »، فلا بدَّ أنَّ سورة الفاتحة كانت مقرونة بالبعثة .

الجمع بين الأقوال: نحن لا نرى تنافياً جوهريّاً بين الأقوال الثلاثة؛ لأنَّ الآيات الثلاثة أو الخمسة من أوَّل سورة العلق إنَّما نزلت تبشيراً بنبوَّته (صلى الله عليه وآله)، وهذا إجماع أهل الملَّة. ثمَّ بعد فترة جاءته آيات أيضاً من أوَّل سورة المدَّثِّر، كما جاء في حديث جابر ثانياً .

أمّا سورة الفاتحة فهي أوّل سورة نزلت بصورة كاملة، وبسمة كونها سورة من القرآن كتاباً سماويّاً للمسلمين. ومن هنا صحَّ التعبير عن سورة الحمد بسورة الفاتحة، أي: أوَّل سورة كاملة نزلت بهذه السمة الخاصَّة؛ إذ ليس المراد من الفاتحة أنّها كتبت في بدء المصاحف؛ لأنّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو لا أقلّ في عهد متأخّر من حياته فرضاً، في حين أنّها كانت تسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها كما يشير إليه قوله (صلى الله عليه وآله): « لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب »)، انتهى.

المقال رداً على سؤال: نعرف جميعاً ان الله ضمن القرآن من التحريف، سؤالي هو إذا كانت أول سورة نزلت هي {اقرأ باسم ربك..} كما هو معروف، فكيف يبدأ القرآن بسورة الفاتحة؟

2023/11/13

من دون كد أو تعب.. لماذا يرزق الله «الكسالى»؟!
تقول الآیة من سورة "الروم": ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ... ﴾ 1.

[اشترك]

فلا ینبغی أن یکون إقبال النعم مدعاةً للغرور ونسیان الله والطغیان، ولا إدبارها سبباً للیأس والقنوط، لأنّ سعة الرزق وضیقه بید الله، فتارة یرى المصلحة للعبد فی الحالة الاُولى «سعة الرزق»، وتارةً یراها فی الثّانیة، أی «الضیق».
وصحیح أنّ العالَم هو عالم الأسباب، فمن جَدّ وجد، ومن سعى قاوم الصعاب ینلْ فائدة أکثر ویربح عادةً، وأمّا اُولئك الكسالى فلا ینالون إلاّ قلیلاً... لكن هذه القاعدة فی الوقت ذاته لیست دائمیة ولا کلیة، إذ یتفق أن نرى أناساً جدیرین وجادّین یرکضون من هنا وهناك، إلاّ أنّهم لا یصلون إلى نتیجة یبلغون هدفهم، وعلى العكس منهم قد نشاهد أناساً لا یسعون ولا یجدّون وتتفتح علیهم أبواب الرزق من کل حدب وصوب.
وهذه الاستثناءات کأنّها لبیان أنّ الله بالرغم من جمیع ما جَعَل للأسباب من تأثیر، لا ینبغی أن یُنسى فی عالم الأسباب، ولا ینبغی للإنسان أن یغفل أن وراء هذا العالم یداً قویة اُخرى تدیره کیف شاءت!
فأحیاناً ـ ووفق مشیئته ـ توصد جمیع الأبواب بوجه الإنسان مهما سعى وجدّ فی الأمر، وقد یرحم الإنسان وییسّر له الاُمور إلى درجة اَنه ما أن یخطو خطوة... وإذا الأبواب متفتحة أمامه!
فما نرى فی حیاتنا من هذه المفارقات، بالإضافة إلى أنّه یحدّ من الغرور المتولد من وفور النعمة، والیأس الناشىء من الفقر، فهو فی الوقت ذاته دلیل على أن وراء إرادتنا ومشیئتنا یداً قویة اُخرى «تسیّر أعمالنا».

الهوامش: 1. القران الكريم: سورة الروم (30)، الآية: 37، الصفحة: 408.
2023/11/12

القصص القرآنية.. حقيقة أم خيال؟!

 

ليس فيما أورده القرأن الكريم من قصص الماضين إلا وهو حقٌ وصدق، فليس فيه ما هو من نسج الخيال بل هي وقائع حدثت في تاريخ الأمم وتصدَّى القرآن للإخبار عن بعضها.

[اشترك]

قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾(1) فإنَّ الواضح من مفاد الآية المباركة انَّ ما قصَّه القرآن على الرسول (ص) من قصص الأنبياء وأممهم كانت وقائع قد حدثت لهم ولأممهم في الزمن الغابر ولم تكن مجرَّد افتراضات.

وكذلك هو مفاد قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾(2).

فإنَّ مجرد الإلتفات إلى مفردات الآية المباركة يُفضي إلى القطع بأنَّ القرآن كان بصدد الإخبار عن وقائع تاريخيَّة ولم يكن بصدد التأليف والنسج لقصص خياليَّة، فقوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ إشارة إلى بلدان وأمم محدَّدة كانت موجودة في التاريخ، وقوله: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ من قصَّ الأثر أي تتبَّعه كما في قوله تعالى حكايةً عن أم موسى وأخته: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾(3) أي قالت أمُّ موسى بعد أن ألقت موسى (ع) في اليم لأخته قصِّيه أي تتبعي أخباره ومايقع عليه ومايكون عليه مصيره ثم أخبريني بذلك. فمعنى ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ هو اننا نُخبرك بما كنَّا قد تقصَّيناه او أحصيناه من الآثار والأحداث التي وقعت لتلك القرى.

ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ هو أخبارها، والخبر لا يكون إلا عن مُخبَر أي حدثٍ قد وقع، والمخبِر يتصدَّى لحكايته والإنباء عنه، فحتى الكاذب عندما يتصدَّى للإنباء والإخبار فإنَّه يدَّعي الحكاية عن الواقع الخارجي ولكنَّه كاذب، فيكون خبره غير مطابقٍ للواقع، وأما الصادق فإنَّ خبره يكون مطابقاً للواقع الخارجي.

هذا والآيات في ذلك عديدة كقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(4) وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾(5) وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾(6) أي بالصدق، والصدق لا يكون إلا وصفاً لخبرٍ مطابقٍ للواقع الخارجي، فلا يُوصف الخيال بالصدق والكذب، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾(7) فقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ صريحٌ في انَّ ما قصَّه القرآن على نبيِّه (ص) هي أخبار قد وقعت للأمم السابقة.

ولأنَّ المسألة من الوضوح بحيث لا تستحقُّ المزيد من البيان لذلك أغفلنا الذكر للكثير من الآيات التي هي واضحة في انَّ القرآن حين يتحدَّث عن شخصيَّاتٍ وأممٍ ومدن كان بصدد الإخبار والبيان لأحوالِ شخصيَّاتٍ وأممٍ ومدنٍ واقعيَّة وليست وهميَّة.

وأما انَّ القصص القرآنية تضمَّنت بعض الوقائع الغريبة فهذا صحيح إلا انَّ غرابتها لا ينفي وقوعها ولا يقتضي البناء على انَّها قصصٌ خياليَّة، فإنَّ غرابة الواقعة لا يعني ولا يُساوق استحالتها، فالغرابةُ إنَّما تنشأ عن كون الواقعة غير مألوفة ولا يتكرَّر وقوعها كثيراً وإلا فالكون في الكثير من وجوداته وأنظمته وقوانينه وأحداثه وظواهره مليئ بالأسرار التي لم يقف الإنسان إلى يومنا هذا على كنهها وحقيقتها، ولكنَّها رغم عدم العلم بكنهها وحقيقتها ليست مُستغرَبة للإنسان بل هي مأنوسة ومألوفة وذلك لكثرة تردُّدها ووقوعها.

فما هو السرُّ الذي تتحوَّل بسببه بذرةٌ ساكنة لا تُجاوز الحمصة بل هي أدنى حجماً من ذلك، فما هو السرُّ الذي يترتَّب عنه تحوُّلها إلى شجرةٍ باسقة ذاتِ جذورٍ ضاربة في الأرض وأغصانٍ خضراء فارعة قاسية أو ليِّنة، وثمرٍ من لونٍ آخر وطعمٍ لا يُشبهه طعمُ ثمرٍ آخر لشجرةٍ أُخرى كان أصلها هي أيضا بذرةً أُلقيت في التراب.

فأشجارٌ مختلفة الهيئات والألوان والثمار والطعوم والقيَم الغذائية نبتت جميعاً في تربةٍ ذات خصائصَ متشابهة، وتغذَّت من ماءٍ واحد، فكيف نمَت وترعرعت؟! ومَن الذي صبغ ألوانها وألوان ثمارها؟! ومَن الذي شكَّل هيئاتها المختلفة؟! وكيف اختلف مذاقُها وقيمُها الغذائية؟! ولو سألتَ علماء النبات والأحياء لتحدَّثوا عن قانون النمو أما كيف صار لها هذا القانون؟وكيف تعرفت التربة على هوية البذرة التي أُليقت فيها بحيث ان بذرة التفاح لم تُنتج رماناً؟! وكيف تأهَّلت هذه البذرة لإنتاج شجرةٍ باسقةٍ تحمل الأغصان والأوراق والثمار؟! ومَن الذي علَّمها أن تمتصَّ الماء والغذاء من محيطها؟! وثمة الكثير من الأسئلة التي لا يجد الإنسان لها جواباً، ولو وقف على شيءٍ من ذلك فهو لا يعدو الكشف لحقائقَ كانت موجودة قبل انْ يُدركها الإنسان فهو لم يبتكرها وإنَّما اكتشفها.

وكذلك هو الشأن في تحوُّل نطفةٍ سائلةٍ مُستحقَرَة إلى إنسانٍ سويٍّ له عقلٌ وإدراكٌ وإرادةٌ وصورةٌ متناسقة، ولكلِّ جارحةٍ منه وظيفةٌ لا تغني عنها جارجةٌ أخرى، وهكذا هو شأن سائر الوجودات الكونيَّة من الطيور والحيوانات التي تربو أصنافها على الآلاف والشمس والقمر والنجوم والأفلاك والمجرَّات.

فكلُّ مناحي الوجود يكتنفها الغموض لكنَّها ليست مُستغرَبة لكثرة وقوعها أمام الإنسان، فهو إنَّما يستغرب من الشيء الذي لا يُصادفه إلا في حالاتٍ نادرة، لذلك لو ولد إنسان مثلا على غير الهيئة المألوفة أو بملكاتٍ غير متعارفة فإنَّه يكون من الغرائب.

فكون الشيء غريباً لا يعني استحالته، ومن ذلك يتَّضح انَّ امتداد عمر نوح (ع) إلى ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً كما أخبر القرآن وإنْ كان مُستغرَباً ولكنَّه ليس مستحيلاً، فإنَّ الله تعالى لمَّا كان قادراً على كلِّ شيء فليس عزيزاً عليه ان يُؤهَّل جسد نوح للبقاء حيَّاً هذه المدة وأكثر كما أهَّل الكثير من الوجودات الكونية للبقاء إلى آلاف بل ملايين السنين، فالعقل لو تأملتم لا يُحيل ذلك.

وأما انَّ الخضر (ع) شرب من ماء الحياة فترتَّب عن ذلك إمتداد عمره لعلَّه إلى هذا اليوم فهو وإنْ لم يكن مستحيلاً في أنْ يخلق اللهُ تعالى في ماءٍ خاصيَّةً يترتَّب عنها هذا الأثر التكويني وهو انَّ مَن يشرب من ذلك الماء يمتدُّ عمره لآلاف السنين، كما خلق في بعض السوائل خاصيةً يترتَّب عن تناولها الشفاء من بعض الأمراض أو يترتَّب عنها الموت السريع، فوجود سائلٍ له خاصيَّة انْ يُعمِّر مَن يشربه أمداً طويلاً وإن كان ممكناً إلا انَّ القرآن لم يذكر ذلك.

نعم ورد في بعض الروايات في تفسير قوله تعالى من سورة الكهف: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾(8) انَّ الموقع الذي نسي فيه فتى موسى (ع) الحوت قاتَّخذ سبيله في البحر سربا كان هو الموقع الذي فيه عين الحياة وانَّه تقاطر شيءٌ من مائها على تلك الحوت التي كانت ميتة بل مملوحة فعادت إليها الحياة فوثبت إلى الماء ومضت، وهذا الموضع هو الذي جعله الله تعالى علامةً لموسى (ع) يعرف منها موضع وجود العبد الصالح الخضر، ولذلك لمَّا علم موسى (ع) بعد تجاوز الموضع بما شاهده الفتى وما وقع للحوت: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا﴾(9) وحين عادا إلى ذلك الموضع وجدا الخضر الذي كان يبحث عنه موسى ليصحبه ويتعلَّم منه.

ففي هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ كانت الإشارة إلى عين الحياة بحسب ماورد في بعض الروايات وكتب التفاسير إلا انَّ الآية ليست صريحةً في ذلك كما انَّها لم تذكر انَّ الخضر (ع) شرب من ذلك الماء وإنَّما أفادت ان الحوت اتَّخذ سبيله في البحر في ذلك الموضع بل انَّ الآية لم تُصرح انَّ الحوت كان ميتاً فأحياه الله حين غُسل أصابه شيءٌ من ماء ذلك الموضع، ولو تمَّ إستظهار انَّ الحوت كان ميتاً فإنَّ الآية لا ظهور لها في انَّ حياته بعد موته كان بسبب تقاطر شيءٍ من ذلك الماء عليه أو انَّ الحياة قد عادت إليه إبتداءً ليكون ذلك علامةً لموسى من عند الله يتعرَّفُ بها على موضع وجود العبد الصالح الخضر.

فصيرورة الحوت حيَّاً بعد انْ كان ميتاً وانَّ حياته عادت إليه بعد تقاطر شيءٍ من ماء عين الحياة عليه لا يمكن إثباته بالآية وإنَّما هو وارد في الروايات، ولو تمت هذه الروايات فلا محذور عقلا يمنع من عودة الحياة للحوت بعد الموت ولا محذور في ان يكون سبب ذلك هو تقاطر شيء من ذلك الماء عليه.

وقد تحدَّث القرآن الكريم عن عودة الحياة إلى بعض الأموات في الدنيا كقتيل بني إسرائيل الذي جاؤوا به إلى موسى (ع) يسألونه عن قاتله فأمرهم الله تعالى أنْ يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها، فحين فعلوا ذلك أحياه الله تعالى فأخبر عمَّن قتله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(10).

وكذلك فإنَّ عيسى (ع) كان يُحي الموتى بإذن الله تعالى، وقد أحيا الله تعالى عزيراً بعد أنْ أماته مائة عام، فإحياء الحوت بعد انْ كان ميتة ليس مستحيلاً عقلاً، وقد كان له نظائر في تاريخ الرسالات.

نعم الروايات الواردة في تفاصيل القصة متعدَّدة ومضطربة وهو ما يمنع من الوثوق بصدورها عن الرسول (ص) وأهل بيته (ع) خصوصاً وان أكثرها ضعيفة الأسناد لكنَّ ذلك لا يمنع من الوثوق بصدور بعضها في الجملة، فإنَّ أكثرها اتَّفقت على انَّ الحوت قد عادت إليها الحياة بعد أنْ كانت ميتة وانَّ الخضر شرب من ماء الحياة، ولهذا فهو حييٌّ كما ورد ذلك في معتبرة الحسن بن علي بن فضال قال: سمعت؟ أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام يقول: إن الخضر (عليه السلام) شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور .."(11).

فبقاء الخضر إلى أنْ يُنفخ في الصور ليس مستحيلاً عقلاً ونظيره في القرآن ما أفادته آياتٌ عديدة من انَّ الله تعالى قد مدَّ في عمر إبليس، فهو موجود قبل أنْ يخلق الله آدم (ع) وقد وعده الله تعالى في أنْ يُنظره إلى يوم الوقت المعلوم ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾(12)، فلا يصحُّ التنكُّر للروايات الواردة في عمر الخضر لمجرَّد الإستيحاش من بقاء إنسانٍ كلَّ هذا العمر المديد.

والمتحصَّل مما ذكرناه انِّ كلَّ ما أفاده القرآن من قصص الأنبياء وأخبار الماضين كانت وقائع تاريخيَّة ولم تكن مجرَّد إفتراضات سِيقت لغرض الوعظ والإرشاد، نعم كانت هذه الغاية هي الغرض من سَوْق هذه الحقائق التاريخيَّة، فكلُّ ما أخبر عنه القرآن من تاريخ الأنبياء وأحوال الأمم الغابرة حقٌّ وصدق لا يشوبه ريب، وليس فيما أخبر عنه شيءٌ يُحيله عقلٌ أو يأباه.

وأما الروايات المتصدِّية لبيان قصص الأنبياء وأحوال الماضين والواردة في المجاميع الحديثيَّة وكتب التفاسير فالمقبول منها هو ما يثبت صدوره عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع)، والتثبُّت من الصدور منوطٌ بعددٍ من الضواط السندية والدلالية والعقلائية، فلا يصح التعويل على كلِّ ما يرد من أخبار الماضين وقصص الأنبياء، فإنَّ الكثير منها -خصوصاً الوارد في طرق العامة وإن ذُكر في كتبنا- مبتلٍ بضعف الأسناد والإضطراب والتهافت بل المحرز انَّ الكثير من هذه الأخبار كانت من الإسرائيليَّات التي تسرَّبت إلى تراثنا من الوضَّاعين الكذَّابين من أهل الكتاب الذين دخلوا الإسلام مكايدةً وكذلك مَن أخذ عنهم وتأثَّر بأساطيرهم، وقد كان للقصَّاصين والوعَّاظ دورٌ بيِّن في هذا الشأن في القرون الأولى من عصر الإسلام خصوصاً في عهد الدولة الأموية بل وكذلك العباسيَّة حيث كان لمثل هذه الأساطير سُوقٌ رائجة بين عوام الناس.

ولهذا لا يصحُّ التعويل على شيءٍ مما هو مسطور في المجاميع الروائيَّة وغيرها إلا بعد عرضه على الضوابط التي بها يتميَّز الحديث الواجد لشرائط الإعتبار والحجيَّة من الحديث الساقط عن الإعتبار، وهذه الضوابط يعرفها المتمرِّس في علم الأصول وعلم الرجال والدراية.

المقال رداً على سؤال: هل يمكن أن تكون بعض القصص القرآنية خيالية فقط للإستفادة والعبرة وكيف ينظر المؤمن لبعض القصص والروايات التي إن عرضتها على العقل يرفضها مثلا عمر نوح أو ماء الحياة التي شرب منها الخضر (ع) أتمنى منكم جوابا يساعدني على فهم هذه الروايات والقصص. الهوامش: 1- سورة النساء / 164. 2- سورة الأعراف / 101. 3- سورة القصص / 11. 4- سورة يوسف / 120. 5- سورة يوسف / 3. 6- سورة الكهف / 13. 7- سورة طه / 99. 8- سورة الكهف / 61-63. 9- سورة الكهف / 64. 10- سورة البقرة / 72-73. 11- كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق- ص 390. 12- سورة الحجر / 36-38.
2023/11/04

2023/11/01

الكفار في «معيشة ضنكاً».. حقيقة أم وهم؟!
قال الله تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾(1).

ظاهر الآية أنَّ الضنك والضيق والشقاء في المعيشة تُصيب المعرض عن ذكر الله في الدنيا بقرينة قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ فإنَّ ظاهر الآية أن المعرض عن ذكر الله يُبتلى بضيق المعيشة في الدنيا ثم يُحشر يوم القيامة أعمى، وهذا بخلاف ما نجده من أنَّ الكثير من المعرضين عن ذكر الله تعالى في رغدٍ وسعة من العيش، وكذلك فإنَّ العديد من الآيات نصَّت على أنَّ الكافرين يُمتعون في الدنيا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ.. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾(2).

فكيف نوفِّق بين ما دلَّ على أنَّ الكافر يمتع في الدنيا وبين الآية التي أفادت أنَّ المعرض عن ذكر الله تكون له معيشة ضنكا.

ليس المراد من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ هو الضيق في الرزق أو المرض أو عدم الأمن أو غيرها من أسباب الضيق في المعيشة، فإنَّ ذلك يُصيبُ الكافر ويُصيب المؤمن بل المراد من الآية- ظاهراً- هو أنَّ المُعرِض عن الله والجاحدَ لوجوده والمنكرَ لربوبيته يكون تعلُّقه متمحِّضاً بالدنيا لا يرجو غيرها لذلك يشتدُّ حرصُه على أن يتنعَّم فيها بأقصى ما يُتاح له، فهي الفرصة السانحة التي لا تقبل التكرار بحسب اعتقاده، ولهذا فإنَّه كلَّما حظيَ فيها بنعيمٍ أو لذَّة فإنَّه يحرصُ على أن يحظى بما هو أكثر فيكدح ويشغل قلبَه ويُجهد نفسه لغرض الوصول إلى ما يرغب إليه من المزيد فيشغله حرصه الدائم على المزيد عن الشعور بالهناء والسعادة الكاملة بما في يده، وهذا الحرص هو ما يبعثُ في نفسِه الشعور بالضيق، فلا يكاد يشعرُ بالراحة حتى تُساوره مشاعر الجشع والنهَم وطلبِ المزيد، وذلك ما يُكدِّر صفوه ويُقلق راحته لأنَّه يخشى أن يموت قبل الوصول إلى رغباته ومشتهياته التي لا تنتهي، ولا تقفُ عند حد.

ثم إنَّ الشعور بالهمِّ وضيقِ الصدر لا ينشأ عن طلب المزيد وحسب بل ينشأ كذلك عن الخشية من زوال ما بيدِه من أسباب الراحة، فهو يخشى دائماً أنْ يُصاب بمرضٍ يمنعُه من التلذُّذ بما في يدِه أو يخشى على أموالِه من التلف أو الضياع وعلى تجارته من الخسارة أو يخشى من ذهاب المنصب أو الموقع الذي يتبوأه أو يخشى أن يفقد مَن يُحبُّهم ويألفُهم، ويخشى أنْ يتقدَّم به السنُّ فلا يُتاح له التلذُّذ بما تحت يده، فهو دائماً في غمٍّ وهمِّ واضطرابٍ وقلقٍ وخوف من المجهول. وهذا هو معنى ضنك المعيشة التي يُبتلى بها المُعرِض عن ذكر الله والذي لا يرجو اللهَ واليوم الآخر.

وكذلك فإنَّ الحياة بطبعها محفوفة بالمكاره والمنغِّصات، فإنَّ ذلك لا يخلو منه إنسان، فلا تخلو الحياة من فقدٍ للأحبة أو إخفاق في مسعى أو عارض من مرضٍ أو عداوة أو خصومة وغير ذلك من المكاره والمنغِّصات، فالإنسانُ الذي لا يُؤمن بالله واليوم الآخر يضيقُ صدره بهذه المكاره أشدَّ الضيق لأنَّه يعتقد بأنَّ هذه الحياة غيرُ قابلةٍ للتكرار، فهو يرى أنَّ هذه الكاره وهذه المُعوِّقات تُفوِّتُ عليه فرصته الوحيدة في الاستمتاع والسعادة، لذلك فهو يشعر بالضيق والغيظ والتبرُّم والخشية من أنْ يمضي العمر على هذه الوتيرة.

وعلى خلاف ذلك المؤمنُ بالله حقَّ الإيمان والمعتقِدُ صادقاً أنَّ لهذه الدنيا ما وراءها وأنَّ المكارَه والمصائب معوَّضة بأوفرِ ما يكون العوض، وأنَّ ثمة حياةً بعد هذه الحياة ليس فيها موت، وأنَّ ثمة نعيماً لا يشوبه تنغيص ولا يخطر امتدادُه وسِعتُه على قلب بشر، وأنَّ هذه الدنيا دارُ بلاءٍ وامتحان مَن صبرَ فيها على المكروه وعمل فيها بمرضاتِ الله كان مآله إلى جنَّة يحظى فيها بعطاءٍ وافرٍ غير مجذوذٍ ولا مقطوع، مثلُ هذا يتلقَّى مكاره الدنيا بقلبٍ مطمئنٍ واثقٍ بوعد الله الصادق: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(3) وإذا أصاب من هذه الدنيا خيراً شعر بالقناعة والامتنان لربِّه ولم تذهبْ نفسُه حسراتٍ على ما يفوته من نعيمِ هذه الدنيا، لأنَّه ينتظرُ نعيماً واسعاً ليس له انقطاع فذلك هو ما يبعثُ في نفسه الشعور بالقناعة والرضا بما قُدِّر له في هذه الدنيا ، وهذه القناعة هي التي تمنحُه الراحة والاستقرار.

وخلاصة القول: إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ هو أنَّ المعرِض عن ذكر الله تعالى يكون حظُّه من هذه الحياة ضيقَ الصدر واضطراب البال والحرص الشديد على الاستكثار من الملذَّات والخشية من فوات ما في يدِه منها ، وهو ما يسلب منه الشعور بالراحة والاستقرار، فلا يكادُ يشعر بالسعادة حتى تُساوره مشاعر القلق والخوف من المجهول فتُحيل غبطته بما صار في يده إلى توجُّسٍ واكتئاب.

الهوامش: 1- سورة طه / 124. 2- سورة لقمان / 23-24. 3- سورة الزمر / 10.
2023/10/23

مجازر وتشريد: متى تنتهي معاناة المسلمين بـ «نصر من الله»؟!
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّی يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ (٢١٤ - البقرة)

‏قال بعض المفسّرين: إنّ الآية نزلت عند ما حوصر المسلمون و اشتدّ الخوف و الفزع بهم في غزوة الأحزاب، فجاءت الآية لتثبّت علی قلوبهم و تعدهم بالنصر.

‏و قيل: إنّ عبد اللّه بن أبي قال للمسلمين عند فشلهم في غزوة أحد: إلی متی تتعرّضون للقتل و لو كان محمّد نبيّا لما واجهتم الأسر و التقتيل، فنزلت الآية١.

‏الصعاب والمشاقّ سنّة إلهية

‏يبدو من الآية الكريمة أنّ جماعة من المسلمين كانت تری أنّ إظهار الإيمان باللّه وحده كاف لدخولهم الجنّة، و لذلك لم يوطنوا أنفسهم علی تحمّل الصعاب‌ و المشاقّ ظانّين أنه سبحانه هو الكفيل بإصلاح أمورهم و دفع شرّ الأعداء عنهم.

‏الآية تردّ علی هذا الفهم الخاطئ و تشير إلی سنّة إلهية دائمة في الحياة، هي أنّ المؤمنين ينبغي أن يعدّوا أنفسهم لمواجهة المشاقّ و التحدّيات علی طريق الإيمان ليكون ذلك اختبارا لصدق إيمانهم، و مثل هذا الاختبار قانون عامّ سری علی كلّ الأمم السابقة.

‏و يتحدّث القرآن الكريم عن بني إسرائيل- مثلا- و ما واجهوه من مصاعب بعد خروجهم من مصر و نجاتهم من التسلّط الفرعوني، خاصّة حين حوصروا بين البحر و جيش فرعون، فقد مرّوا بلحظات عصيبة فقد فيها بعضهم نفسه، لكن لطف اللّه شملهم في تلك اللحظات و نصرهم علی أعدائهم.

‏و هذا الذي عرضه القرآن عن بني إسرائيل عامّ لكلّ‌ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ و هو سنّة إلهيّة تستهدف تكامل الجماعة المؤمنة و تربيتها. فكلّ الأمم ينبغي أن تمرّ في أفران الأحداث القاسية لتخلص من الشوائب كما يخلص الحديد في الفرن ليتحوّل إلی فولاذ أكثر مقاومة و أصلب عودا. ثمّ ليتبيّن من خلال هذا الاختبار من هو اللائق، و ليسقط غير اللائق و يخرج من الساحة الاجتماعية.

‏المسألة الأخری التي ينبغي التأكيد عليها في تفسير هذه الآية: أنّ الجماعة المؤمنة و علی رأسها النبيّ صلی اللّه عليه و آله و سلّم ترفع صوتها حين تهجم عليها الشدائد بالقول‌ مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ‌؟!، و واضح أنّ هذا التعبير ليس اعتراضا علی المشيئة الإلهية، بل هو نوع من الطلب و الدعاء.

‏فتقول الآية أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ ....

‏و بما أنّهم كانوا في غاية الاستقامة و الصبر مقابل تلك الحوادث و المصائب، و كانوا في غاية التوكّل و تفويض الأمر إلی اللّطف الإلهي، فلذلك تعقّب الآية أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ‌.

‏(بأساء) من مادّة (بأس) و كما يقول صاحب معجم مقاييس اللّغة أنّها في‌ الأصل تعني الشّدة و أمثالها، و تطلق علی كلّ نوع من العذاب و المشّقة، و يطلق علی الأشخاص الشّجعان الّذين يخوضون الحرب بضراوة و شدّة (بأيس) أو (ذو البأس).

‏و كلمة (ضرّاء) كما يقول الرّاغب في مفرداته هي النقطة المقابلة للسرّاء، و هي ما يسرّ الإنسان و يجلب له النفع، فعلی هذا الأساس تعني كلمة ضرّاء كلّ ضرر يصيب الإنسان، سواء في المال أو العرض أو النفس و أمثال ذلك.

‏جملة مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ‌ قيلت من قبل النبي و المؤمنين حينما كانوا في منتهی الشّدة و المحنة، و واضح أنّ هذا التعبير ليس اعتراضا علی المشيئة الإلهيّة، بل هو نوع من الطلّب و الدعاء، و لذلك تبعته البشارة بالإمداد الإلهي.

‏و ما ذكره بعض المفسرين من احتمال أن تكون جملة (متی نصر اللّه) قيلت من طرف جماعة من المؤمنين، و جملة (ألا إنّ نصر اللّه قريب) قيلت من قبل النبي صلی اللّه عليه و آله و سلّم بعيد جدّا.

‏و علی ايّة حال، فإنّ الآية أعلاه تحكي أحد السنن الالهيّة في الأقوام البشريّة جميعا، و تنذر المؤمنين في جميع الأزمنة و الأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النّصر و التوفيق و المواهب الاخرويّة أن يتقبّلوا الصّعوبات و المشاكل و يبذلوا التضحيات في هذا السبيل، و في الحقيقة إنّ هذه المشاكل و الصّعوبات ما هي إلّا إمتحان و تربية للمؤمنين و لتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان.

‏و عبارة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ تقول للمسلمين: أنّكم لستم الوحيدين في هذا الطريق الّذين ابتليتم بالمصائب من قبل الأعداء، بل أنّ الأقوام السّالفة ابتلوا أيضا بهذه الشدائد و المصائب إلی درجة أنّهم مسّتهم البأساء و الضرّاء حتّی استغاثوا منها.

‏و أساسا فإنّ رمز التكامل للبشريّة أن يحاط الأفراد و المجتمعات في دائرة البلاء و الشّدائد حتّی يكونوا كالفولاذ الخالص و تتفتّح قابليّاتهم الداخليّة و ملكاتهم النفسانيّة و يشتد إيمانهم باللّه تعالی، و يتميّز كذلك المؤمنون و الصّابرون‌ عن الأشخاص الانتهازيّين، و نختتم هذا الكلام بالحديث النبوي الشريف:

‏يقول (الخبّاب ابن الأرت) الّذي كان من المجاهدين في صدر الإسلام: قال قلنا يا رسول اللّه ألا تستنصر لنا ألا تدعو اللّه لنا.

‏فقال صلی اللّه عليه و آله و سلّم: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار علی مفرق رأسه فيخلص إلی قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه و يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه و عظمه لا يصرفه ذلك عن دينه؛ ثمّ قال: و اللّه ليتمن هذا الأمر حتّی يسير الراكب من صنعاء إلی حضرموت لا يخاف إلّا اللّه و الذئب علی غنمه و كلّكم يستعجلون»٢.

*مقتبس من تفسير الأمثل الهوامش: ‏١ مجمع البيان، ج ١، ص ٣٠٨. ‏٢ الدر المنثور: ج ١ ص ٢٤٣، تفسير الكبير: ج ٦ ص ٢٠.
2023/10/18

جواب صادم لمنكري «القرآن» و «النبوّة»!
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّـهِ سُبْحانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣).

‏هذه الآيات تواصل البحث الاستدلالي السابق- كذلك- وهي تناقش المنكرين للقرآن و نبوّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و قدرة اللّه سبحانه.

‏وهي آيات تبدأ جميعها ب «أم» التي تفيد الاستفهام و تشكّل سلسلة من‌ الاستدلال في أحد عشر سؤالا متتابعا (بصورة الاستفهام الإنكاري)، و بتعبير أجلی: إنّ هذه الآيات تسدّ جميع الطرق بوجه المخالفين فلا تدع لهم مهربا في عبارات موجزة و مؤثّرة جدّا بحيث ينحني الإنسان لها من دون إختياره إعظاما و يعترف و يقرّ بانسجامها و عظمتها. فأوّل ما تبدأ به هو موضوع الخلق فتقول: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ‌ الْخالِقُونَ‌١.

‏وهذه العبارة الموجزة و المقتضبة في الحقيقة هي إشارة إلی «برهان العليّة» المعروف الوارد في الفلسفة و علم الكلام لإثبات وجود اللّه، و هو أنّ العالم الذي نعيش فيه ممّا لا شكّ- فيه- حادث (لأنّه في تغيير دائم، و كلّ ما هو متغيّر فهو في معرض الحوادث، و كلّ ما هو في معرض الحوادث محال أن يكون قديما و أزليّا).

‏و الآن ينقدح هذا السؤال، و هو إذا كان العالم حادثا فلا يخرج عن الحالات الخمس التالية:

‏١- وجد من دون علّة!

٢- هو نفسه علّة لنفسه.

‏٣- معلولات العالم علّة لوجوده.

‏٤- إنّ هذا العالم معلول لعلّة اخری و هي معلولة لعلّة اخری إلی ما لا نهاية.

‏٥- إنّ هذا العالم مخلوق لواجب الوجود الذي يكون وجوده ذاتيا له.

‏و بطلان الاحتمالات الأربع المتقدّمة واضح، لأنّ وجود المعلول من دون علّة محال، و إلّا فينبغي أن يكون كلّ شي‌ء موجودا في أي ظرف كان، و الأمر ليس كذلك! و الاحتمال الثاني و هو أن يوجد الشي‌ء من نفسه محال أيضا، لأنّ مفهومه أن‌ يكون موجودا قبل وجوده، و يلزم منه اجتماع النقيضين [فلاحظوا بدقّة].

‏و كذلك الاحتمال الثالث و هو أنّ مخلوقات الإنسان خلقته، و هو واضح البطلان إذ يلزم منه الدور!.

‏و كذلك الاحتمال الرابع و هو تسلسل العلل و ترتّب العلل و المعلول إلی ما لا نهاية أيضا محال، لأنّ سلسلة المعلولات اللّامحدودة مخلوقة، و المخلوق مخلوق و يحتاج إلی خالق أوجده، تری هل تتحوّل الأصفار التي لا نهاية لها إلی عدد؟! أو ينفلق النور من ما لا نهاية الظلمة؟! و هل يولد الغنی من ما لا نهاية له في الفقر و الفاقة؟

‏فبناء علی ذلك لا طريق إلّا القبول بالاحتمال الخامس، أي خالقية واجب الوجود [فلاحظوا بدقّة أيضا].

‏و حيث أنّ الركن الأصلي لهذا البرهان هو نفي الاحتمال الأوّل و الثاني فإنّ القرآن اقتنع به فحسب.

‏و الآن ندرك جيّدا وجه الاستدلال في هذه العبارات الموجزة! الآية التالية تثير سؤالا آخر علی الادّعاء في المرحلة الأدنی من المرحلة السابقة فتقول: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‌.

‏فإذا لم يوجدوا من دون علّة و لم يكونوا علّة أنفسهم أيضا، فهل هم واجبو الوجود فخلقوا السماوات و الأرض؟! و إذا لم يكونوا قد خلقوا الوجود، فهل أو كل اللّه إليهم أمر خلق السماء و الأرض؟ فعلی هذا هم مخلوقون و بيدهم أمر الخلق أيضا!!.

‏من الواضح أنّهم لا يستطيعون أن يدّعوا هذا الادّعاء الباطل، لذلك فإنّ الآية تختتم بالقول: بَلْ لا يُوقِنُونَ‌! أجل، فهم يتذرّعون بالحجج الواهية فرارا من الإيمان! ثمّ يتساءل القرآن قائلا: فإذا لم يدّعوا هذه الأمور و لم يكن لهم نصيب في‌ الخلق، فهل عندهم خزائن اللّه‌ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ‌٢ ليهبوا من شاؤوا نعمة النبوّة و العلم أو الأرزاق الآخر و يمنعوا من شاؤوا ذلك: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ‌ علی جميع العوالم و في أيديهم امور الخلائق؟! انّهم لا يستطيعون- أن يدّعوا أبدا أنّ عندهم خزائن اللّه تعالی، و لا يملكون تسلّطا علی تدبير العالم، لأنّ ضعفهم و عجزهم إزاء أقل مرض بل حتّی علی بعوضة تافهة و كذلك احتياجهم إلی الوسائل الابتدائية للحياة خير دليل علی عدم قدرتهم و فقدان هيمنتهم! و إنّما يجرّهم إلی إنكار الحقائق هوی النفس و العناد و حبّ الجاه و التعصّب و الأنانية!.

‏و كلمة: «مصيطرون» إشارة إلی أرباب الأنواع التي هي من خرافات القدماء، إذ كانوا يعتقدون أنّ كلّ نوع من أنواع العالم إنسانا كان أمّ حيوانا آخر أم جمادا أم نباتا له مدبّر و ربّ خاصّ يدعی بربّ النوع و يدعون اللّه «ربّ الأرباب» و هذه العقيدة تعدّ في نظر الإسلام «شركا» والقرآن في آياته يصرّح بأنّ التدبير لجميع الأشياء هو للّه وحده و يصفه بربّ العالمين.

‏وأصل هذه الكلمة من «سطر» و معناه صفّ الكلمات عند الكتابة، و «المسيطر» كلمة تطلق علی من له تسلّط علی شي‌ء ما و يقوم بتوجيهه، كما أنّ الكاتب يكون مسيطرا علی كلماته (و ينبغي الالتفات إلی أنّ هذه الكلمة تكتب بالسين و بالصاد علی السواء- مسيطر و مصيطر- فهما بمعنی واحد و إن كان الرسم القرآن المشهور بالصاد «مصيطر»).

‏و من المعلوم أنّه لا منكرو النبوّة و لا المشركون في العصر الجاهلي و لا سواهما يدّعي أيّا من الأمور الخمسة التي ذكرها القرآن، و لذلك فإنّه يشير إلی موضوع آخر في الآية التالية فيقول: إنّ هؤلاء هل يدعون أنّ الوحي ينزل عليهم‌ أو يدعون أنّ لهم سلّما يرتقون عليه إلی السماء فيستمعون إلی أسرار الوحي: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ‌.

‏و حيث إنّه كان من الممكن أن يدّعوا بأنّهم علی معرفة بأسرار السماء فإنّ القرآن يطالبهم مباشرة بعد هذا الكلام بالدليل فيقول: فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‌.

‏و من الواضح أنّه لو كانوا يدّعون مثل هذا الادّعاء فإنّه لا يتجاوز حدود الكلام فحسب، إذ لم يكن لهم دليل علی ذلك أبدا٣.

‏ثمّ يضيف القرآن قائلا: هل صحيح ما يزعمون أنّ الملائكة إناث و هم بنات اللّه؟! أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ‌؟! و في هذه الآية إشارة إلی واحد من اعتقاداتهم الباطلة، و هو استياؤهم من البنات بشدّة، و إذا علموا أنّهم رزقوا من أزواجهم «بنتا» اسودّت وجوههم من الحياء و الخجل! و مع هذا فإنّهم كانوا يزعمون أنّ الملائكة بنات اللّه، فإذا كانوا مرتبطين بالملإ الأعلی و يعرفون أسرار الوحي، فهل لديهم سوی هذه الخرافات المضحكة .. و هذه العقائد المخجلة؟! و بديهي أنّ الذكر و الأنثی لا يختلفان في نظر القيمة الإنسانية .. و التعبير في الآية المتقدّمة هو في الحقيقة من قبيل الاستدلال بعقيدتهم الباطلة و محاججتهم بها.

‏و القرآن يعوّل- في آيات متعدّدة- علی نفي هذه العقيدة الباطلة و يحاكمهم في هذا المجال و يفضحهم‌!! ثمّ يتنازل القرآن إلی مرحلة اخری، فيذكر واحدا من الأمور التي يمكن أن تكون ذريعة لرفضهم فيقول: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ‌.

‏«المغرم»- علی وزن مغنم و هو ضدّ معناه- أي ما يصيب الإنسان من خسارة أو ضرر دون جهة، أمّا الغريم فيطلق علی الدائن و المدين أيضا.

‏و «المثّقل» مشتقّ من الأثقال، و معناه تحميل العب‌ء و المشقّة، فبناء علی هذا المعنی يكون المراد من الآية: تری هل تطلب منهم غرامة لتبليغ الرسالة فهم لا يقدرون علی أدائها و لذلك يرفضون الإيمان؟! و قد تكرّرت الإشارة في عدد من الآيات القرآنية لا في النّبي فحسب، بل في شأن كثير من الأنبياء، إذ كان من أوائل كلمات النبيين قولهم لأممهم: لا نريد علی إبلاغنا الرسالة إليكم أجرا .. ليثبت عدم قصدهم شيئا من وراء دعوتهم و لئلّا تبقی ذريعة للمتذرّعين أيضا.

‏و مرّة اخری يخاطبهم القرآن متسائلا أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ‌ فهؤلاء يدّعون أنّ النّبي شاعر و ينتظرون موته لينطوي بساطه و ينتهي كلّ شي‌ء بموته و تلقی دعوته في سلّة الإهمال، كما تقدّم في الآية السابقة ذلك علی لسان المشركين إذ كانوا يقولون .. نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ‌.

‏فمن أين لهم أنّهم سيبقون أحياء بعد وفاة النبي؟! و من أخبرهم بالغيب؟! و يحتمل أيضا أنّ القرآن يقول إذا كنتم تدّعون معرفة الأسرار الغيبية و أحكام اللّه و لستم بحاجة إلی القرآن و دين محمّد فهذا كذب عظيم‌٤.

‏ثمّ يتناول القرآن احتمالا آخر فيقول: لو لم يكن كلّ هذه الأمور المتقدّمة، فلا بدّ أنّهم يتآمرون لقتل النّبي و إجهاض دعوته و لكن ليعلموا أنّ كيد اللّه أعلی‌ و أقوی من كيدهم: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ‌٥.

‏و الآية الآنفة يطابق تفسيرها تفسير الآية (٥٤) من سورة آل عمران التي تقول: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّـهُ وَ اللَّـهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‌.

‏و احتمل جماعة من المفسّرين أنّ المراد من الآية محلّ البحث هو: «انّ مؤامراتهم ستعود عليهم أخيرا و تكون وبالا عليهم ...» و هذا المعنی يشبه ما ورد في الآية (٤٣) من سورة فاطر: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‌.

‏و الجمع بين التّفسيرين الآنفين ممكن و لا مانع منه.

‏و يمكن أن يكون لهذه الآية ارتباط آخر بالآية المتقدّمة، و هو أنّ أعداء الإسلام كانوا يقولون: ننتظر موت محمّد. فالقرآن يردّهم بالقول بأنّهم ليسوا خارجين عن واحد من الأمرين التاليين .. أمّا أنّهم يدّعون بأنّ محمّدا يموت قبل موتهم حتف أنفه. فلازم هذا الادّعاء أنّهم يعلمون الغيب، و أمّا أنّ مرادهم أنّه سيمضي بمؤامراتهم فاللّه أشدّ مكرا و يردّ كيدهم إليهم، فهم المكيدون! و إذا كانوا يتصوّرون أنّ في اجتماعهم في دار الندوة و رشق النّبي بالتّهم كالكهانة و الجنون و الشعر أنّهم سينتصرون علی النّبي فهم في منتهی العمی و الحمق، لأنّ قدرة اللّه فوق كلّ قدرة، و قد ضمن لنبيّه السلامة و النجاة حتّی يبلغ دعوته العالمية.

‏و أخيرا فإنّ آخر ما يثيره القرآن من أسئلة في هذا الصدد قوله: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّـهِ‌؟! و يضيف- منزّها- سُبْحانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‌.

‏فعلی هذا لا أحد يستطيع أن يمنعهم من اللّه و يحميهم، و هكذا فإنّ القرآن يستدرجهم و يضعهم أمام استجواب عجيب و أسئلة متّصلة تؤلّف سلسلة متكاملة مؤلّفة من أحد عشر سؤالا! و يقهقرهم مرحلة بعد مرحلة إلی الوراء!! و يضطرهم‌ إلی التنزّل من الادّعاءات ثمّ يوصد عليهم سبل الفرار كلّها و يحاصرهم في طريق مغلق!.

‏كم هي رائعة استدلالات القرآن و كم هي متينة أسئلته و استجوابه! .. فلو أنّ في أحد منهم روحا تبحث عن الحقّ و تطلبه لأذعنت أمام هذه الأسئلة و استسلمت لها.

‏الطريف أنّ الآية الأخيرة من الآيات محلّ البحث لا تذكر دليلا لنفي المعبودات ممّا سوی اللّه، و تكتفي بتنزيه اللّه‌ سُبْحانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‌.

‏و ذلك لأنّ بطلان الوهية الأصنام و الأوثان المصنوعة من الأحجار و الخشب و غيرهما مع ما فيها من ضعف و احتياج أجلی و أوضح من أي بيان و تفصيل آخر، أضف إلی كلّ ذلك فإنّ القرآن استدلّ علی إبطال هذا الموضوع بآيات متعدّدة غير هذه الآية.

‏١ هناك تفسيرات أخر و احتمالات متعدّدة في وجوه هذه الآية، منها أنّ مفادها: هل خلقوا بلا هدف و لم يك عليهم أيّة مسئولية؟! .. و بالرغم أنّ جماعة من المفسّرين اختاروا هذا الوجه إلّا أنّه مع الالتفات لبقيّة الآية: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يتّضح أنّ المراد هو ما ذكر في المتن، أي خلقوا من دون علّة. أم هم علّة أنفسهم؟!.

‏٢ الخزائن جمع الخزينة و معناها مكان كلّ شي‌ء محفوظ لا تصل إليه اليد و يدّخر فيه ما يريد الإنسان يقول القرآن في هذا الصدد وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‌[ الحجر الآية ٢١].

‏٣ سلّم يعني« المصعد» كما يأتي بمعنی أيّة وسيلة كانت و قد اختلف المفسّرون في المراد من الآية فأيّ شي‌ء كانوا يدعونه؟! فقال بعضهم: ادّعوا الوحي و قال آخرون هو ما كانوا يدّعونه في النّبي بأنّه شاعر أو مجنون أو ما كانوا يدّعون من الأنداد و الشركاء للّه ... و فسّر بعضهم ذلك بنفي نبوّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و سلّم« و لا مانع من الجمع بين هذه المعاني و إن كان المعنی الأوّل أجلی».

‏٤ قال بعض المفسرين أنّ المراد بالغيب هو اللوح المحفوظ، و قال بعضهم: بل هو إشارة إلی ادّعاءات المشركين و قولهم إذ كانت القيامة فسيكون لنا عند اللّه مقام كريم. إلّا أنّ هذه التفاسير لا تتناسب و الآية محلّ البحث و لا يرتبط بعضها ببعض.

‏٥ الكيد علی وزن صيد نوع من الحيلة و قد يستعمل في التحيّل إلی سبيل الخير، إلّا أنّه غالبا ما يستعمل في الشرّ، و تعني هذه الكلمة المكر و السعي أو الجدّ كما تعني الحرب أحيانا.

*مقتطف من تفسير الأمثل الهوامش: ‏١ هناك تفسيرات أخر و احتمالات متعدّدة في وجوه هذه الآية، منها أنّ مفادها: هل خلقوا بلا هدف و لم يك عليهم أيّة مسئولية؟! .. و بالرغم أنّ جماعة من المفسّرين اختاروا هذا الوجه إلّا أنّه مع الالتفات لبقيّة الآية: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يتّضح أنّ المراد هو ما ذكر في المتن، أي خلقوا من دون علّة. أم هم علّة أنفسهم؟!. ‏٢ الخزائن جمع الخزينة و معناها مكان كلّ شي‌ء محفوظ لا تصل إليه اليد و يدّخر فيه ما يريد الإنسان يقول القرآن في هذا الصدد وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‌[ الحجر الآية ٢١]. ‏٣ سلّم يعني« المصعد» كما يأتي بمعنی أيّة وسيلة كانت و قد اختلف المفسّرون في المراد من الآية فأيّ شي‌ء كانوا يدعونه؟! فقال بعضهم: ادّعوا الوحي و قال آخرون هو ما كانوا يدّعونه في النّبي بأنّه شاعر أو مجنون أو ما كانوا يدّعون من الأنداد و الشركاء للّه ... و فسّر بعضهم ذلك بنفي نبوّة محمّد صلّی اللّه عليه و آله و سلّم« و لا مانع من الجمع بين هذه المعاني و إن كان المعنی الأوّل أجلی». ‏٤ قال بعض المفسرين أنّ المراد بالغيب هو اللوح المحفوظ، و قال بعضهم: بل هو إشارة إلی ادّعاءات المشركين و قولهم إذ كانت القيامة فسيكون لنا عند اللّه مقام كريم. إلّا أنّ هذه التفاسير لا تتناسب و الآية محلّ البحث و لا يرتبط بعضها ببعض. ‏٥ الكيد علی وزن صيد نوع من الحيلة و قد يستعمل في التحيّل إلی سبيل الخير، إلّا أنّه غالبا ما يستعمل في الشرّ، و تعني هذه الكلمة المكر و السعي أو الجدّ كما تعني الحرب أحيانا ..
2023/10/02

عبس وتولى.. هل نزلت في حق النبي (ص)؟!
أجمعَ علماؤنا ومفسّرونا على أنّ قولَه تعالى (عبسَ وتولّى) ليسَ المعنيُّ بها النبيّ (ص) كما يذهبُ إلى ذلكَ جمهورُ علماءِ العامّة، وإنّما المعنيُّ بها شخصٌ آخر كانَ جالِساً في ذلكَ المكان، وهوَ الذي عبسَ لـمّا رأى ابنَ أمِّ مكتوم الأعمى يخاطبُ النبيَّ (ص)، فلذا نزلَت فيه هذهِ الآية.

نقلَ الشيخُ الطبرسيّ في مجمعِ البيان (ج10/ص438) عن السيّدِ علمِ الهُدى (ره) في كتابِه التنزيه (ص118) قولَه: أمّا ظاهرُ الآيةِ فغيرُ دالٍّ على توجّهِها إلى النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله ، ولا فيها ما يدلُّ على أنّها خطابٌ له ، بل هيَ خبرٌ محضٌ لم يُصرِّح بالمُخبَرِ عنه ، وفيها ما يدلُّ عند التأمّلِ على أنَّ المعنيَّ بها غيرُ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله ، لأنّهُ وصفَه بالعُبوس، وليسَ هذا مِن صفاتِ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله في قرآنٍ ولا خبرٍ معَ الأعداءِ المُباينينَ، فضلاً عن المؤمنينَ المُسترشدينَ ، ثمَّ وصفَه بأنّه يتصدّى للأغنياء، ويتلهّى عن الفقراء، وهذا ممّا لا يصفُ به نبيُّنا صلّى اللهُ عليه وآله مَن يعرفُه ، فليسَ هذا مُشابِهاً لأخلاقِه الواسعةِ وتحنّنِه إلى قومِه ، وتعطّفِه ، وكيفَ يقولُ له صلّى اللهُ عليهِ وآله : " وما عليكَ ألّا يزكى " وهوَ صلّى اللهُ عليهِ وآله مبعوثٌ للدّعاءِ والتنبيه؟ وكيفَ لا يكونُ ذلكَ عليهِ وكانَ هذا القولُ إغراءً بتركِ الحرصِ على إيمانِ قومِه ؟ وقد قيلَ : إنَّ هذه السورةَ نزلَت في رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ الله صلّى اللهُ عليه وآله كانَ منهُ هذا الفعلُ المنعوتُ فيها ، ونحنُ وإن شكَكنا في عينِ مَن نزلَت فيه فلا ينبغي أن نشكَّ في أنّها لم يعنِ بها النبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآله ، وأيُّ تنفيرٍ أبلغُ منَ العبوسِ في وجوهِ المؤمنين ، والتلهّي عنهم ، والإقبالِ على الأغنياءِ الكافرين؟ وقد نزَّهَ اللهُ تعالى النبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآله عمّا دونَ هذا في التنفيرِ بكثيرٍ انتهى.

قلتُ: ومِـمّا يؤيّدُ ذلكَ أنَّ هناكَ كثيراً منَ الآياتِ في حقِّ الرّسولِ (ص) تمنعُ منَ التصديقِ بما أوردَه جمهورُ العامّةِ مِن أحاديثَ تزعمُ أنّها نزلَت في النبيّ (ص)، ومِن هذهِ الآياتِ: قولُه تعالى يصفُ فيها نبيّنا الأكرمَ (ص) بقولِه: ((بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيم )) (التوبةُ: 128). وكذلكَ قولُه تعالى: ((وإنّكَ لعُلى خُلقٍ عظيم)) (القلمُ:4)، وقولُه تعالى: ((واخفِض جناحكَ لمَن اتّبعكَ منَ المؤمنين)) (الشعراءُ:215)، وقولُه تعالى عن الرّسول: ((ولقد كانَ لكُم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنة )) (الأحزاب:21). وعليهِ: كيفَ سمحَ جمهورُ عُلماءِ العامّةِ لأنفسِهم بتصديقِ مثلِ الرواياتِ التي هيَ منَ الوضوحِ بمكانٍ أنّها مُخالفةٌ لآياتِ الكتابِ العزيز آنفاً، والظاهرُ أنّهم ما عرفوا حقَّ رسولَ الله (ص) ولا مكانتَه ولا صفاتِه كما يجب، إذ لو أنّهم عرفوا ذلكَ حقّاً خصوصاً فيما يتعلّقُ بصفاتِه العُليا التي مدحَه اللهُ تعالى بها ومنزلتهِ الساميةِ لاكتشفوا أنّ تلكم الرواياتِ التي تزعمُ صدورَ هذا الأمرَ المُنافيَ للأخلاقِ عنه (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) هيَ مِن تلفيقِ الكذّابين؟!! 

ثُمَّ هاهُنا أمرٌ ينبغي التنبيهُ عليه، وهوَ: أنَّ قسماً مِن كبارِ عُلماءِ السنّةِ ومُفسّريهم , لا يُسلّمُ أنَّ خطابَ (( عبسَ وتولّى )) متوجّهٌ إلى النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) , لأنّه ليسَ مِن صفاتِ النبي (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) العبوسةُ، ومِن هؤلاء :

1- المُفسّرُ الكبيرُ فخرُ الدينِ الرازي , المتوفّى 606 هـ , في كتابِه (عصمةُ الأنبياءِ ص 137 ـ ط دارُ الكُتبِ العلميّة ـ بيروت) .

2- القاضي عيّاض اليحصبي , المتوفّى 544 هـ , في كتابِه (الشفا بتعريفِ حقوقِ المُصطفى 2/161 ـ ط دارُ الفِكر ـ بيروت) .

3- الزركشي , المتوفّى 794 هـ , في كتابِه (البرهانُ في علومِ القُرآنِ 2/242 ـ ط دارُ إحياءِ الكتبِ العربيّة ـ القاهرة) .

4- الصالحي الشامي , المتوفّى 942 هـ , في كتابِه (سبلُ الهُدى والرشادِ 11/474 ـ ط دارُ الكُتبِ العلميّة ـ بيروت.

2023/10/01

هل أثبت القرآن كروية الأرض؟
إن كروية الأرض تمثل إحدى أسرار الخلقة التي أشار لها القرآن الكريم، فتستفاد هذه الحقيقة من الآيات التالية:

1- «وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها» [الأعراف: 137].

2- «ربّ السماوات والأرض وما بينهما وربّ المشارق» [الصافات: 5].

3- «فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب إنّا لقادرون» [المعارج: 40].

إن هذه الآيات – وكما مرّ في جواب السؤال السابق – تكشف عن تعدّد مشارق الشمس ومغاربها، وهو ملازم لكروية الأرض؛ إذ لو كانت الأرض مسطحة للزم عدم وجود أكثر من مشرقٍ ومغربٍ واحدٍ لها، أما في حالة كرويتها فبالنظر لتعدّد أنحائها يكون لكلّ نقطةٍ منها مشرق ومغرب مستقل، وشروق الشمس على ناحيةٍ ما يلازم غروبها عن الناحية المقابلة لها. وعليه فتعدّد المشارق والمغارب دليل واضح على كروية الأرض.

كروية الأرض في الروايات:

يمكن استفادة كروية الأرض من الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، منها ما روي عن الامام الصادق (عليه الصلاة والسلام)، قال: "صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر [الغلس: الظلمة آخر الليل؛ أي كان يصلي الفجر في ظلمة آخر الليل]، وكنت أنا أصلي المغرب اذا غربت الشمس، وأصلي الفجر اذا استبان لي الفجر، فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع ؟ فان الشمس تطلع على قوم قبلنا، وتغرب عنّا وهي طالعة على آخرين بعد ؟ قال: فقلت: إنما علينا أن نصلي اذا وجبت الشمس عنّا، واذا طلع الفجر عندنا، ليس علينا إلا ذلك، وعلى أولئك أن يصلوا اذا غربت عنهم" [وسائل الشيعة :4/ 180].

وروي عنه أيضاً قال: "إنّما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا" [وسائل الشيعة :4/ 198]. وما ذاك إلا لكروية الأرض لا غير.

2023/09/25

«ولا تركنوا إلى الذين ظلموا».. ما هو الركون؟ ومن هم الذين ظلموا؟
وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (هود - 113) ما معنى الركون إلى الظالمين؟

إن هذه الآية تبين واحدا من أقوى وأهم الأسس والبرامج الاجتماعية والسياسية والعسكرية والعقائدية، فتخاطب عامة المسلمين ليؤدوا وظيفتهم القطعية فتقول: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا والسبب واضح فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ومعلوم عندئذ حالكم ثم لا تنصرون.

ما هو مفهوم الركون؟

مفهوم "الركون" مشتق من مادة "ركن" ومعناه العمود الضخم من الحجر أو الجدار الذي يربط البناء أو الأشياء الأخرى بعضها إلى بعض، ثم اطلق هذا اللفظ على الاعتماد أو الاستناد إلى الشئ.

وبالرغم من أن المفسرين أعطوا معاني كثيرة لهذه الكلمة في تفسيرهم للآية، ولكنها في الغالب تعود إلى مفهوم جامع وكلي فمثلا فسرها البعض بالميل، وفسرها البعض ب‍ " التعاون "، وفسرها البعض ب‍ " إظهار الرضا "، وفسرها آخرون ب‍ " المودة "، كما فسرها جماعة بالطاعة وطلب الخير، وكل هذه المعاني ترجع إلى الاعتماد والاتكاء كما هو واضح.

في أي الأمور لا ينبغي الركون إلى الظالمين؟

بديهي أنه في الدرجة الأولى لا يصح الاشتراك معهم في الظلم أو طلب الإعانة منهم، وبالدرجة الثانية الاعتماد عليهم فيما يكون فيه ضعف المجتمع الإسلامي وسلب استقلاله واعتماده على نفسه وتبديله إلى مجتمع تابع وضعيف لا يستحق الحياة، لأن هذا الركون ليس فيه نتيجة سوى الهزيمة والتبعية للمجتمع الإسلامي.

وأما ما نلاحظه أحيانا من مسائل التبادل التجاري والروابط العلمية بين المسلمين والمجتمعات غير الإسلامية على أساس حفظ منافع المسلمين واستقلال المجتمعات الإسلامية وثباتها، فهذا ليس داخلا في مفهوم الركون إلى الظالمين ولم يكن شيئا ممنوعا من وجهة نظر الإسلام، وفي عصر النبي نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) والأعصار التي تلته كانت هذه الأمور موجودة وطبيعية أيضا.

فلسفة تحريم الركون إلى الظالمين الركون إلى الظالمين يورث مفاسد كثيرة لا تخفى على أحد بصورتها الإجمالية ولكن كلما تفحصنا في هذه المسألة أكثر اكتشفنا مسائل دقيقة جديدة.

فالركون إلى الظالمين يبعث على تقويتهم، وتقويتهم مدعاة إلى اتساع رقعة الظلم والفساد في المجتمعات، ونقرأ في الأوامر الإسلامية أن الإنسان ما لم يجبر "وفي بعض الأحيان حتى مع الإجبار" لا يحق له أن يراجع القاضي الظالم من أجل اكتساب حقه، لأن مراجعة مثل هذا القاضي الحاكم الجائر من أجل إحقاق الحق مفهومها أن يعترف ضمنا برسميته وتقواه، ولعل ضرر هذا العمل أكبر من الخسارة التي تقع نتيجة فقدان الحق.

والركون إلى الظلمة يؤثر تدريجا على الثقافة الفكرية للمجتمع، فيضمحل مفهوم "قبح الظلم" ويؤدي بالناس إلى الرغبة في الظلم.

وأساسا لا نتيجة من الركون إلى الغير بصورة التعلق وارتباط الشديد إلا سوء الحظ والشقاء، فكيف إذا كان هذا الركون إلى الظالمين؟

إن المجتمع الحضاري المقتدر هو المجتمع الذي يقف على قدميه، كما يعبر القرآن الكريم في مثل بديع في الآية (29) من سورة الفتح إذ يقول: فاستوى على سوقه والمجتمع الحر المستقل هو المجتمع الذي يكتفي ذاتيا، وارتباطه أو تعاونه مع الآخرين هو ارتباط على أساس المنافع المتبادلة لا على أساس ركون الضعيف إلى القوي، لأن هذا الركون - سواء كان من جهة فكرية أو ثقافية أو اقتصادية أو عسكرية أو سياسية - لا يخلف سوى الأسر والاستثمار، ولا يثمر سوى المساهمة في ظلمهم والمشاركة في خططهم.

وبالطبع فإن الآية المتقدمة ليست خاصة بالمجتمعات فحسب، بل تشمل العلاقة وارتباط بين فردين أيضا، فلا يجوز لإنسان مؤمن أن يركن إلى أي ظالم، فإنه إضافة إلى فقدان استقلاله لركونه إلى دائرة ظلمه، فسيؤدي إلى تقويته واتساع الفساد والعدوان كذلك.

من المقصود ب‍ «الذين ظلموا»؟

ذكر المفسرون في هذا المجال احتمالات مختلفة، فقال بعضهم: المقصود ب‍ «الذين ظلموا هم المشركون» ولكن - كما قال آخرون - لا دليل على انحصار هذا اللفظ بالمشركين رغم أن مصداق الظالمين في عصر نزول الآية هو المشركين.

كما إن تفسير هذه الكلمة في الروايات بالمشركين لا يدل على الانحصار، لأننا قلنا مرارا وتكرارا إن مثل هذه الروايات إنما تبين المصداق الواضح والجلي، فعلى هذا الأساس يدخل في دائرة هذه الآية جميع الذين امتدت أيديهم إلى الظلم والفساد، أو استعبدوا خلق الله وعباده، أو استغلوا قواهم لمنافعهم، وباختصار كل الذين دخلوا في المفهوم العام لهذا التعبير الذين ظلموا.

ولكن من الواضح أن من أخطأوا في حياتهم خطأ بسيطا وصاروا من مصاديق الظالم أحيانا غير داخلين في مفهوم الآية قطعا لأنه في هذه الصور لا يخرج عن شمولية هذه الآية إلا النادر، فلا يصح الركون والاعتماد على أي شخص، اللهم إلا أن نقول: إن المراد بالركون هو الاعتماد على الظالم من جهة ظلمه وجوره، وفي هذه الحال حتى الذين تلوثت أيديهم بالظلم مرة واحدة لا يجوز الركون إليهم.

إشكال بعض المفسرين من أهل السنة إشكالا يصعب الجواب عليه من مبناهم وهو ما ورد في رواياتهم من وجوب الطاعة والتسليم لسلطان الوقت الذي هو من أولو الأمر أيا كان، لما نقلوا حديثا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوب طاعة السلطان " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك... "! وروايات أخرى تؤكد طاعة السلطان بمعناها الواسع.

ومن جهة أخرى تقول الآية: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فهل يصح الجمع بين هذين الأمرين؟!

أراد البعض أن يرفع هذا التضاد باستثناء واحد، وهو أن طاعة السلطان تكون واجبة ما لم ينحرف إلى طريق العصيان ويخطو في طريق الكفر.

ولكن لحن تلك الروايات لا ينسجم مع هذا الاستثناء.

وعلى كل حال فنحن نعتقد - وكما ورد في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - بوجوب طاعة ولي الأمر العادل والعالم الذي يصح أن يكون خليفة عاما للنبي وإماما من بعده فحسب.

وإذا كان سلاطين بني أمية وبني العباس قد وضعوا الأحاديث في هذا المجال لمصلحتهم، فلا تنسجم بأي وجه مع أصول مذهبنا والتعليمات القرآنية، وينبغي أن نعالج هذه الروايات، فإن كانت تقبل التخصيص خصصناها، وإلا طرحناها جانبا، لان كل رواية تخالف كتاب الله فهي مردودة وباطلة، والقرآن يصرح أن إمام المسلمين لا يجوز أن يكون ظالما، والآية المتقدمة تقول بصراحة أيضا: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا... أو نقول: إن أمثال هذه الروايات مخصوصة بالحالات الضرورية والاضطرارية.

2023/09/16

هل قصة سفينة نوح خرافة؟ وكيف استوعبت أعداد هائلة من الحيوانات؟!
لا يخفى أنّ الإشكال المذكور مبني على أنّ نبي الله نوحاً (عليه السلام) قد اصطحب معه في سفينته اثنين من كل زوجين من حيوانات الأرض – كما ذهب إليه جملةٌ من المفسرين – استظهاراً من قوله تعالى: {حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِیهَا مِن كُل زَوۡجَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَیۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَاۤ ءَامَنَ مَعَهُۥۤ إِلَّا قَلِیل} بضميمة ما جاء في الكتب السماوية السابقة أو الروايات الشريفة من تفسير الزوجين بالزوجين من الحيوانات، وإلا فإنّ نفس الآية لا صراحة لها في ذلك، وإن كان قد يُتوصل إليه من خلال أداة العموم.

ولكنّ الصحيح أنّ هذا الاستظهار مما لا مجال له إلا أن نكون بمعزل عن بيانات الراسخين في العلم (عليهم السلام) الذين هم عدل القرآن والثقل الثاني ولسان الله الناطق، وأما بعد الرجوع إلى بياناتهم من خلال الروايات الواردة عنهم – إذ لا سبيل لفهم مشكلات القرآن وغوامض آياته إلا منهم (عليهم السلام) – فإنه يتضح أنّ مفردة (كل زوجين) في الآية المذكورة لا يراد بها زوجان من كل أجناس الحيوانات، بل يراد بها زوجان من أجناس معهودة ومحددة، وهي التي تتكفل بمعيشة مَن بقيَ مِن قوم نوح (عليه السلام) واستمرار حياتهم بعد انتهاء الطوفان.

وهذا ما ورد صريحاً في خبر العيّاشي بسنده عن إسماعيل الجعفي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: ” صنعها في مائة سنة، ثم أمره أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين الأزواجَ الثمانية الحلال التي خرج بها آدم من الجنة، ليكون معيشة لعقب نوح في الأرض، كما عاش عقب آدم، فإنّ الأرض تغرق وما فيها إلا ما كان معه في السفينة.

فحمل نوح في السفينة من الأزواج الثمانية التي قال الله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. . ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) ”.

والمتحصّل من هذا الحديث: أنّ هنالك ثلاث آيات قرآنية مترابطة، وهي:

قوله تعالى: {قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِیهَا مِن كُلࣲّ زَوۡجَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ}.

وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ ثَمَـٰنِیَةَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣲۚ}.

وقوله تعالى: {ثَمَـٰنِیَةَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣲۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَیۡنِۗ … وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَیۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَیۡنِۗ قُلۡ ءَاۤلذَّكَرَیۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَیَیۡن}.

وبيانُ وجه ترابط هذه الآيات الثلاث – على ضوء الرواية الشريفة المتقدمة وأمثالها – هو: أنّ المراد بالزوجين في الآية الأولى ليس الأزواج من مطلق أجناس الحيوانات، بل خصوص الأزواج الثمانية المعهودة المذكورة في الآية الثانية، والتي بها قوام المعيشة، وهي زوجان من الضأن وآخران من المعز ومثلهما من الإبل وكذلك من البقر، كما جاء بيانه في الآية الثالثة.

وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني بالنتيجة: أنّ ما حمله نبي الله نوح (عليه السلام) في سفينته لا يتجاوز ستة عشر حيواناً فقط، وقد تزيد قليلاً طبقاً لما تشير إليه بعض الروايات الأخرى، وبهذا البيان المستفاد من روايات العترة الطاهرة يسقط الإشكال من أساسه.

وإن أبى شخصٌ عن قبول هذا البيان للتشكيك في اعتبار الرواية المذكورة، فلنا أن نجيبه ببيانٍ آخر يفضي بنا إلى نفس النتيجة، وتوضيحه:

أنّ عموم العام قابل للتخصيص بكل ما يدل على التخصيص من القرائن، ولو كان من القرائن الخارجية، فمثلاً: لو أراد شخص أن يسافر بسيارته، فالتفت إلى ولده وقال له: (احمل معنا فيها من كل زوجين اثنين) فإنه لا ينصرف ذهن أحد إلى أنّ المراد بكل زوجين في كلامه: كلُّ زوجين من كل شيء في الدنيا، فإنّ القرينة الخارجية – وهي: عدم استيعاب السيارة لكل ذلك – تمنع من الانصراف المذكور، وتوجب تخصيص عموم العبارة المذكورة بالزوجين من كل شيء متوفر في البيت – مثلاً – أو مما يحتاجانه في السفر – كما هو مقتضى القرينة الحالية – ونحو ذلك من المحتملات.

وهكذا يُقال في المقام، فإنّ الآية المباركة – محل الاستشهاد – وإن كان لسانها لسان العموم، ولكنها مخصصة بالقرينة الخارجية، وهي عدم استيعاب السفينة لاثنين من الأزواج من كل أجناس الحيوانات، وبالتالي فلا ينصرف ذهنُ أحدٍ إلى ما انصرف إليه ذهن المستشكل أو صاحب الشبهة من إرادة اثنين من كل أزواج حيوانات الأرض وبالأرقام المذكورة في السؤال، لمنع القرينة المذكورة من هذا الاحتمال، وإيجابها تخصيص عموم الآية بخصوص الأزواج التي يحتاجها نبي الله نوح (عليه السلام) ومَن معه في الطوفان وبعده، أو بالأزواج التي كانت متاحة له في حدود المنطقة التي كان يعيش فيها ؛ إذ أنّ جمع جميع أزواج الحيوانات من كل بقاع الأرض وأطرافها يتطلب خرق العادة، ولا دليل على أنّ نبي الله نوحاً (عليه السلام) قد استفاد من الإعجاز أو الولاء التكويني في قضيته، ومقتضى كونه قد جمع الأزواج بشكل اعتيادي أنه جمع ما يتيسر له من الأزواج التي كانت متوفرة بين يديه حينها.

والحاصل: فإنّ القرينة الخارجية تقضي بتخصيص عموم الآية الكريمة إما بأزواج الحيوانات محل حاجة النبي وأتباعه أو بأزواج الحيوانات المتاح لهم جمعها، وعلى كلا التقديرين فإنّ هذا المقدار من الأزواج ليس مما يمتنع حمله في سفينة كبيرة.

هامش:
قِصَّةُ نُوحٍ هِيَ مِنْ إِحْدَى القَصَصِ المَلْحَمِيَّةِ المَلِيئَةِ بِالمُغَالَطَاتِ المَنْطِقِيَّةِ الصَّرِيحَةِ الوَاضِحَةِ، مُخْتَصَرُ القِصَّةِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عَصَوا اللهَ فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَبْنِيَ سَفِينَةً فِي الصَّحْرَاءِ بِشَكْلٍ مُعَيَّنٍ وَيَخْتَبِئَ هُوَ وَحَيَوَانَاتُ الأرْضِ بِدَاخِلِهَا إِلَى حِينِ انْتِهَاءِ عِقَابِ اللهِ. أَوَّلًا: هُنَاكَ مَا بَيْنَ 10.000.000 إِلَى 100.000.000 فَصِيلَةٍ مِنْ الحَيَوَانَاتِ بِشَكْلٍ عَامٍّ، وَبِمَا أنَّ اللهَ أمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فَهَذَا يَعْنِي أنَّهُ أخَذَ مَعَهُ مَا بَيْنَ 20.000.000 وَ 200.000.000 حَيَوَانٍ، هَلْ تُقِرُّ بِمَنْطِقِيَّةِ هَذَا الكَلَامِ؟ ثَانِيًا: مَاذَا عَنْ الدَّيْنَاصُورَاتِ؟ هُنَاكَ مَا بَيْنَ 300 إِلَى 550 فَصِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ الدَّيْنَاصُورَاتِ، هَلْ أخَذَ نُوحٌ مَعَهُ زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ فَصِيلَةٍ؟ هَلْ تَدُرِكُ المَسَاحَةَ المَطْلُوبَةَ لِحَشْرِ 1100 دَيْنَاصُورٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ؟ ثَالِثًا: هُنَاكَ 25.000 فَصِيلَةٍ مِنْ الفَرَاشَاتِ، 10.000 فَصِيلَةٍ مِنْ الطُّيُورِ، وَحَوَالَيْ 5.000 فَصِيلَةٍ مِنْ الخَنَافِسِ.. هَلْ أخَذَ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أيْضًا؟ رَابِعًا: هَلْ أخَذَ مَعَهُ النَّمْلَ؟ الذُّبَابَ؟ الصَّرَاصِيرَ؟ النَّامُوسَ؟ الفِئْرَانَ؟ خَامِسًا: هَنْدَسِيًّا، هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَتَحَمَّلَ سَفِينَةٌ مَصْنُوعَةٌ مِنْ الخَشَبِ هَذَا الكَمَّ الهَائِلَ مِنْ الحَيَوَانَاتِ وَالدَّيْنَاصُورَاتِ؟
2023/09/10

في الجنة أم في النار: ما مصير النصارى واليهود يوم القيامة؟!
ينبغي علينا أولاً التطرّق الى النصوص القرآنية المشار اليها كاملةً قبل بسط الكلام في معناها وتفسيرها، وهي كما يلي:

1- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [1].

2- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [2].

3- «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» [3].

يمكن التصور أول وهلة أن هذه الآيات الشريفة بصدد إثبات أن أتباع تلك الأديان يفلحون برضا الله جلّ وعلا إن هم حافظوا على إيمانهم بالله واليوم الآخر وواظبوا على أداء الأعمال الصالحة، ما يعني أن أديانهم لم تنسخ بعد حتى مع مجيء الاسلام، بل كل واحد منها يمثل سبيلاً الى الله تعالى، وبوسع الإنسان سلوك أي واحدٍ من تلك السبل المتعددة ليصل اليه تعالى ولا يتعين عليه اتبّاع شريعة بعينها كالإسلام مثلاً.  هذا ما يكرره من لا يمتلك من القرآن إلا معلومات سطحية.

لكن ينبغي الالتفات الى أن أساس تفسير آيةٍ ما لا يبتني على النظر اليها بمفردها وبمعزلٍ عن باقي الآيات القرآنية، بل لا بدّ من الرجوع الى شأن نزول تلك الآية والأخذ بنظر الاعتبار الآيات السابقة والتالية لها، بل يجب أخذ كافة الآيات القرآنية بالحسبان.

واذا كان من الصحيح البقاء على الأديان السماوية السابقة للإسلام -ففضلاً عن لغوية تشريع دينٍ جديدٍ باسم الإسلام- تنتفي الغاية من إرسال النبي (ص) مكاتيب الى ملوك زمانه وأمراء عصره وبعث الرسل إليهم لدعوتهم الى الدين الاسلامي الحنيف، معتبراً دينه ديناً عالمياً وشريعته شريعةً خاتمةً للشرائع.

إن كتب النبي (ص) ودعواته المتواصلة وجهاد المسلمين المضني لأهل الكتاب في عصر النبي (ص) وبعده وما وصلنا من أحاديث مستفيضة عن أئمة أهل البيت (ع) في هذا المجال، تكشف جميعاً عن أن ظهور الاسلام ختم ما قبله من الأديان، ولم يعد هناك رسالة سوى الرسالة الاسلامية ونبوة غير نبوة النبي محمد (ص).

أما الآن فيجب استجلاء الهدف من نزول تلك الآيات القرآنية، وهي في الحقيقة تبيّن حقيقتين، الأولى إجمالية والأخرى تفصيلية:

1- إن كان اليهود والنصارى يؤمنون بالله والقيامة حقاً ولا يراؤون في تدينهم، يلزم عليهم الايمان بنبوة نبي الاسلام النبي محمد (ص) وفقاً لما جاء في كتبهم من توراة وإنجيل وغيرها؛ لأنها بشّرت بظهوره وذكرت علامات ذلك حتى أنهم صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [4].

والطريف أن القرآن الكريم أوضح هذه الحقيقة في سورة المائدة قبل الآية المذكورة آنفاً فقال تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكمْ مِنْ رَبِّكمْ» [5].

فالمقصود بإقامة هذه الكتب السماوية العمل بمحتوياتها، وأحد محتوياتها نبوة النبي محمد (ص) ورسالته العالمية التي طالما ذكرها القرآن الكريم.  ولو كان أولئك يؤمنون بالله واليوم الآخر بحقٍّ لكان عليهم الإيمان بالرسالة النبوية التي تعتبر جزءاً من التعاليم الالهية في كتب العهدين، وفي هذه الحالة يصبحون من المسلمين بلا شك ويؤجرون على اتّباعهم تعاليم النبي (ص).

وباختصار: لا ينفك الايمان بالله تعالى واليوم الآخر عن الايمان بالكتب السماوية المساوق للإيمان بنبوة خاتم الأنبياء الرسل؛ ومن يؤمن بذلك يغدو مسلماً ولا يمكنه البقاء على المسيحية.

2- مع الأخذ بنظر الاعتبار الآيات السابقة للآية المذكورة من سورة البقرة يتضح أن هذه الآية تتعلق بتلك الفئة من الناس الذين كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر في عصر الأنبياء السالفين ويسيرون في ضوء تعاليمهم، في مقابل من زاغ عن جادّة الصواب وأخذ بعبادة العجل حتى بلغت بهم الجرأة أن يقولوا للنبي موسى (ع) وبكل صراحة: «يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» [6].  ونتيجة لهذا السلوك الشائن شملهم الغضب الالهي فقال تعالى : «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِك بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِك بِمَا عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» [7].

فلأجل أن يبين الله تعالى أن حساب من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من أهل الكتاب يختلف عن غيرهم وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أنزل تلك الآيات على نبيه الكريم (ص).

وفي هذه الحالة لا تشمل الآيات الآنفة من يعيش في عصر الرسالة النبوية، بل تقتصر على من تتوفر فيه الشروط المذكورة من أهل الكتاب ممن كان موجوداً قبل البعثة النبوية الشريفة.

ومن ناحية أخرى فان شأن نزول الآية يلعب دوراً أكبر في معرفة المراد منها؛ فبعد نزول القرآن وبعثة نبي الرحمة (ص) تساءل بعض المسلمين عن أجدادهم الذين كانوا يعتنقون ديناً آخر بعد أن علموا أن الاسلام هو الدين الحقّ وطريق النجاة الأوحد!

هنالك نزلت هذه الآية الشريفة لتعلن أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ونبي زمانه وعمل صالحاً هو من أهل النجاة والفلاح ولا بأس عليه.

لما أسلم سلمان على يدي النبي (ص) تحدث له عن رفاقه من الرهبان في دير الموصل فقال له: كان جميع الرهبان هناك ينتظرون بعثتك لكنهم توفوا قبل وقوعها، فقال له أحد الحاضرين في المجلس: أولئك من أهل النار.  فاغتمّ سلمان من ذلك، فنزلت تلك الآية الشريفة على النبي (ص) موضحةً أن من آمن بالأديان السابقة ايماناً حقيقياً لا خوف عليه من دخول النار، وان لم يدرك عصر الرسالة النبوية.

وباختصار: من عاش قبل الاسلام وآمن بالدين الموجود آنذاك ايماناً راسخاً سينجو من أهوال يوم القيامة، وعليه لا تمتّ الآية بصلةٍ الى القول بأن أتباع كافة الأديان الأخرى سينجون يوم القيامة، وهكذا تفسير يعكس مدى الجهل بمفاد هذه الآية والآيات الأخرى ذات الصلة.

وبقطع النظر عن كل ذلك، فان الآية الثالثة (الآية 17 من سورة الحج) لا ترتبط من قريب أو من بعيد بادعاءٍ كهذا؛ فلا تدلّ على أكثر من أن الله تعالى يفصل بين أتباع الديانات المختلفة يوم القيامة، ولا دلالة فيه على نجاة معتنقي جميع الأديان إذ ذاك [8].

الهوامش: [1] البقرة :62. [2] المائدة :69. [3] الحج :17. [4] انظر: البقرة /146 والأنعام/ 20. [5] المائدة :68. [6] البقرة: 55. [7] البقرة: 61. [8] لمزيد من الايضاح يرجى مراجعة "التفسير الأمثل في كتاب الله المنزّل" لسماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي.
2023/09/04

ما المقصود بـ «السماوات السبع»؟!
ذكر العلماء والمفسرون عدّة تفاسير للسماوات السبع التي ورد ذكرها في القرآن الكريم:

1- المراد من "السبع" هنا الكثرة لا غير أي السماوات المتعددة، فيكون الله تعالى خلق عدّة سماوات؛ وهذا غالباً ما يستعمل في اللغة العربية وغيرها، إذ يذكر عدد بعينه ولا يراد منه خصوص المقدار المذكور، بل يراد بيان كثرة الشيء.

فعلى سبيل المثال، كثيراً ما نقول: كلمتك بكذا سبعين مرة، أو طالتبته عشر مرات؛ في حين لا نقصد من ذلك خصوص السبعين والعشرة بعينها، بل المقصود كثيراً ما تحدثت في الموضوع الكذائي، وكثيراً ما طالبت الشخص المقابل.

وكشاهدٍ على ذلك قال تعالى بشأن كلمات أو معلومات الباري جلّ وعلا: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كلِمَاتُ اللَّهِ ([لقمان: 27]، فمن البديهي أن العدد "سبعة" جيء به لبيان الكثرة والتعدد؛ وإلا فنحن نعلم أنه لو أضيفت الى تلك الأبحر عشرة أو مائة أخرى لم تنفد كلمات الله أيضاً؛ لأنه تعالى غير متناهٍ في كلّ الأحوال.

وكذلك الأعداد الأخرى نحو "سبعين" وغيرها، حيث استعملت في القرآن واللغة العربية وغيرها من اللغات بهدف الكثرة، ولا خصوصية فيها لنفس العدد.

2- المقصود من السماوات السبع الكواكب المعروفة للناس أثناء نزول القرآن الكريم، أو الكواكب المرئية الآن من قبل الجميع بالعين المجردة .

3- المراد من السماوات السبع طبقات الهواء المختلفة المحيطة بالأرض .

4- يعتقد كبار العلماء أن جميع الكواكب والأجرام السماوية والمجرّات المرئية هي جزء من السماء الأولى، وثمة ستة عوالم أخرى وراء هذا العالم.

إن مراد القرآن من السماوات السبع هو مجموع العوالم السبع الموجودة في الكون، وإن لم يتمكن العلم الحديث إلا من الكشف عن واحدٍ منها فقط؛ فلا مانع من اكتشاف العوالم الستة الأخرى مستقبلاً نتيجة استكمال العلوم الانسانية. ويستشهد أصحاب هذه العقيدة بقوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكوَاكبِ ([الصافات:6]، حيث يستفاد من هذه الآية أن جميع الكواكب واقعة في السماء الأولى (مع العلم أن الدنيا لغةً تعني: السفلى والقريبة).

وعلى أية حال، لا بدّ من التنويه الى نقطةٍ مهمةٍ هي أن الآيات والروايات الدالّة على وجود سبع سماوات لا تدلّ بوجهٍ من الوجوه على صحة نظرية هيئة بطليموس القائمة على أن السماوات تتكون من أفلاك كطبقات قشر البصل؛ إذ إن تلك النظرية تعتبر السماوات تسعة لا سبعة.

أما فيما يتعلق بالأرضين السبع التي تعرض لها القرآن الكريم من باب الاشارة وتطرقت لها بعض الأحاديث بصراحة، فهناك نظريات مشابهة للنظريات المذكورة في السماوات، منها أن الرقم "سبعة" إنما ذكر للكثرة فحسب، أو أنه يشير الى الطبقات المختلفة للأرض، أو أن المراد منها هي الكواكب السبعة: عطارد، الزهرة، زحل، الأرض، المريخ، المشتري والقمر؛ أي كواكب المنظومة الشمسية المرئية بالنسبة لنا (فثمة كواكب أخرى في المنظومة الشمسية بيد أنها لا ترى بالعين المجردة ).

وبناء على هذا التفسير، فالمراد من السماوات السبع هو الفضاء الموجود فوق كلّ واحدٍ من تلك الكواكب السبعة.

وبعبارةٍ أخرى: يعتبر كل واحد من تلك الكواكب أرضاً، والفضاء المحيط بها سماءً لها، مع العلم أن السماء تعني الشيء العالي والسامي .

هذا موجز لتفسير العلماء والمفسرين للسماوات السبع والأرضين السبع، وأما الأدلة والقرائن التي نصبها كل واحدٍ لدعم النظرية التي يتبناها، خاصة النظرية الأخيرة التي تبدو أقرب الى الواقع، فهي ما يحتاج الى بسط الكلام بما لا يتسع له المجال هنا، فيرجى مراجعة كتب التفسير لذلك الغرض.  

2023/09/03

هل ذكر القرآن تقليد «مراجع الدين»؟!
يجب أن نعلم أولاً أننا لسنا نحن من يقرّرُ على الله ورسوله ماذا يقولون لصلاح الناس.

وكيف يدرجهم اللهُ ورسوله مع الثقلين مع عدم عصمتهم في حين أنّ الثقلين معصومان؟ سيؤدي هذا إلى التناقض، فطاعةُ الأئمة مطلقة، واتّباعهم واجبٌ في كلّ شيء، بخلاف المراجع والفقهاء، فالمكلف يقلدهم في المسائل الابتلائية الشرعية فقط.

ينبغي ملاحظة أنّ القرآن سكت عن مسائل عديدة لها أهميتها وترك بيانها للسنة المتمثلة بأقوال وأفعال النبيّ وعترته عليهم الصلاةُ والسلام وتقريراتهم، قال الله عزّ وجلّ : ( وأنزلنا إليك الذكرَ لتبينَ للناس ما أنزل إليهم) [النحل، 44]

وفحوى التقليد مذكورٌ في روايات أهل البيت (ع)، فهي بيانٌ للقرآن.

مثلا روى الكشيّ بسنده عن علي بن المسيب، قال: قلت للرضا عليه السلام شقتي بعيدة ولست أصلُ إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالمَ ديني؟ فقال: من زكريا بن آدم القميّ المأمون على الدين والدنيا) اختيار معرفة الرجال،ج2 ص422

أمّا عدمُ تعرّضِ القرآن للتقليد، فغير دقيق، نعم لم يورد القرآنُ الكريم هذه اللفظة، ولكن ذكر ما يؤدي معناها وذاك في قوله عزّ وجلّ : (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ) [التوبة 122]

هنا شجّعَ الله عزّ وجلّ على نفور بعض الناس لطلب العلم والتفقه في الدين، ليرجعوا إلى الناس ليبينوا لهم أحكامَ الله وينذروهم، ولا شكّ أنّ أكثر المسائل التي يحتاجها الناس هي ما يبتلونَ به من المسائل المرتبطة بحياتهم اليومية من عباداتٍ ومعاملات، فهؤلاء الناس لا قدرة لهم على استنباط ومعرفةِ الحكم الشرعي، ومطلوبٌ ممّن تعلم وتفقهَ أن يعلمهم، وهم لا شكّ سيعملونَ بما يقولُ لهم هذا المتفقه، وهذا هو التقليد عينه !

من الآيات التي يستفادُ منها معنى التقليد هو قول الله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل ، 43

قد يقال: إنّ المقصود بأهل الذكر هم أهل البيت عليهم السلام، وهذا صحيح، وقد سألهم الناسُ من شيعتهم إلى من يرجعون، وأوصوهم عليهم السلام أن يرجعوا إلى كبار الأصحابِ ليأخذوا عنهم معالم الدين، أو إلى الفقهاء أمناءِ الله على حلالهِ وحرامه، والرواياتُ في هذا الشأن عديدةٌ وفيها ما هو صحيحُ السّند.

هامش: المقال رداً على سؤال: إذا كان الشرع أراد منا اتباع المراجع والأخذ بفتاويهم لماذا لم يدرجهم مع الثقلين حيث حصرَ الاتباع بالقرآن والعترة حصراً كما جاء بالحديث الشريف.. ولم يتعرض للتقليد من قريب أو بعيد؟
2023/08/16

آية التبليغ.. كيف عصم الله النبي من الناس؟
قال الله عزوجل: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }(1)

كيف عصم الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه واله وسلم) من تكذيب الناس يوم الغدير في قوله : {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وقد كذبه البعض لاحقاً وحصول الفرقة بين الناس كما تذكر ذلك كتب السّير والمعاجم الحديثية؛ وما هو المقصود من العصمة في الآية الكريمة؟

المراد ظاهراً من قوله تعالى: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} هو الوعد من الله تعالى لنبيِّه (ص) بأنْ يحفظه من الناس وذلك بأنْ يردَّ كيدهم ويُبطل تدبيرهم فلا ينالون منه ما أرادوه.

والواضح من لحن الآية ومساقها أنَّ ثمة مؤشِّرات بيِّنةً لدى الرسول (ص) بأنَّ جماعة وازنة من أمَّته وهم المنافقون يعملون جاهدين للحيلولة دون تبليغ الرسول (ص) لفريضة الولاية لعليٍّ وعترة أهل البيت(ع) في جموع الحجاج، فقد لا يتَّفق للرسول (ص) أنْ يجتمع بهذا الكمِّ الكبير من المسلمين في فرصةٍ أخرى خصوصاً وأنَّه قد نُبِّأ بأنَّ رحيله عن الدنيا قد اقترب.

فالمنافقون من طُلقاءِ قريش والممالئين لهم يُدركون جيداً أنَّ تبليغ النبيِّ(ص) لفريضة الولاية في موسم الحج وفي جموع الحُجَّاج سوف يُوقعُهم في حرجٍ شديدٍ، وقد يحولُ بينهم وبين ما يُخطِّطون له بعد رحيل الرسول (ص) لذلك كانوا يُدبِّرون لمنع النبيِّ (ص) من تبليغ فريضة الولاية في جموع الحُجَّاج، فالنبيُّ (ص) وإنْ كان قد بيَّنَ في مشاهد كثيرة أنَّ الخلافةَ وولاية الأمر بعده لعليٍّ(ع) إلا أنَّ ذلك كان في محضر أعدادٍ محدودة بالمقارنة للأعداد غير المسبوقة التي حضرتْ في حجَّة الوداع والتي كانت تتميز بأنَّها من مختلف قبائل الجزيرة العربيَّة، ولذلك كان المنافقون يحرصون على أنْ لا يتم التبليغُ لفريضة الولاية في جموع الحجَّاج، وكانوا على استعدادٍ أن يفعلوا أيَّ شيءٍ من أجل الحيلولة دون تبليغ الرسول (ص) لفريضةِ الولاية في موسم الحجِّ، فكانوا مستعدِّين لاغتياله قبل التبليغ، وإنْ لم يتهيأ لهم اغتيالُه أو اغتيالُ عليٍّ (ع) فإنَّ الخيار الآخر هو العمل على الإرجاف وبثِّ التشكيك في مصداقيَّة ما سيبلِّغه الرسول (ص) وإنْ وجدوا أنَّ هذا الخيار غير ناجعٍ ووأنَّه لن يُصغي المسلمون لإرجافهم وتشكيكهم فإنَّ الخيار الأخير هو التشويش وإثارة اللَّغط في كلِّ محضرٍ ومشهدٍ من مشاهد الحجِّ -يتحدَّث في النبيِّ (ص) عما يتعيَّن على المسلمين التزامه بعد رحيله-  ليحولوا دون وصول البلاغ لعامَّة الحجاج، وقد عملوا على الخيارات الثلاثة فدبَّروا لاغتيال النبيِّ (ص) في الحجِّ إلا أنَّه لم يتهيأ لهم ذلك لالتفاف الحجَّاج حول الرسول (ص) في الطريق وفي جميع مشاهد الحج، وقد عيَّن الرسول (ص) حرساً يتناوبون على حراسة خيمته ليلَ نهار كما سننقل ذلك (2)، وأمَّا التشويش وإثارة اللَّغط فتُشير إليه الرواياتُ المتظافرة والتي أفادت أنَّ النبيَّ (ص) حين أعلنَ في عرفة أو في حجَّة الوداع أنَّ الأئمة من بعده اثنا عشر فإنَّ الراوي قال إنَّه لم يسمع بقيَّة خطاب الرسول (ص) لكثرة اللَّغط والضجيج (3)، فلم يتهيأ للرسول (ص) أنْ يبلِّغ فريضة الولاية بالنحو الذي يصلُ لعامة الحجَّاج أو لأكثرهم، ولعلَّه شعر بأنَّ الفرصة لن تكون سانحة في ظلِّ هذه المعوِّقات، فقد يتم اغتياله قبل أن يتمكَّن من التبليغ، وقد يتمكنون من اقناع عددٍ وازن من المسلمين بأنَّ فرض الولاية لعليٍّ (ع) مخالفٌ لمصلحة العرب ويتمكنون من إقناعهم بأنَّ فرض الولاية له ليس من عند الله تعالى وإنَّما هو محاباةٌ من النبيِّ (ص) لصهره وابن عمِّه(4)، وبذلك يسلبون التبليغ لفرض الولاية -لو وقع - المصداقية الدينيَّة، وقد يتمكَّنون من التشويش والحيلولة دون وصول صوت النبيِّ (ص) لعامَّة المسلمين كلما أراد التبليغ لفريضة الولاية كما وقع ذلك في عرفات.

ففي هذا الظرف المشحون بالتحدِّيات نزلت آية التبليغ فشدَّدت على ضرورة التبليغ لفريضة الولاية قبل رحيل جموع الحجَّاج إلى بلدانهم وعدم تفويت هذه الفرصة ووعدت الآيةُ النبيَّ الكريم(ص) أنَّ الله تعالى سيعصمُه من الناس فيتمكَّن دون عوائق من إنجاز المهمَّة التي كُلِّف بها، لذلك بادرَ الرسولَ (ص) إلى لَمِّ فلول الحجَّاج في غدير خم وصدع بالرسالة التي كلَّفه الله تعالى بأدائها، ولعلَّ من تدبير الله تعالى أنْ يتأخَّر تبليغ الرسالة بفرض الولاية إلى وقتٍ شعرَ فيه المنافقون أنَّهم تمكَّنوا من منع النبيِّ (ص) من التبليغ وأنَّ فرصةَ التبليغ في جموع الحجَّاج قد تمَّ فواتُها، لذلك كان ما فعله النبيُّ (ص) في غدير خم مفاجئاً، وكذلك فإن من تدبيره تعالى أن يسبق التبليغ لفريضة الولاية نزول آية التبليغ لتُشدَّد على ضرورة التبليغ، وبذلك ينتفي توهُّم أنْ فرض الولاية لعليٍّ (ع) كان محاباةً من الرسول (ص) فالآية وحدها كانت وحدها كفيلة بحماية الرسول (ص) من هذه التهمة التي عمل المنافقون على الإرجاف بها

فدعوةُ الرسول (ص) لفلول الحجَّاج، واسترجاع من تقدَّم واستقدام من تأخَّر، ونصبُ المنبر في هجير الصحراء يستثير فضولَ الناس ويسترعي اهتمامَهم وجودةَ اصغائهم لما سيقولُ الرسول (ص) وهو ما فوَّت على المنافقين فرصة التشويش الذي تمكَّنوا منه يوم عرفات.

وهكذا أنجز اللهُ تعالى لنبيِّه (ص) وعدَه فعصمَه من بغيهم، فلم يتمكنوا من اغتياله قبل أنْ يؤدِّى الرسالة التي كُلِّف بأدائها في جموع الحجَّاج، ومنعَهم من أنْ ينالوا من مصداقيَّة ما بلَّغه للمسلمين عن ربِّه، وأبطلَ سعيَهم، فلم يتهيأ لهم الحيلولة دون وصولِ صوتِه لمسامع المسلمين، وزاد رسولُ الله على ذلك -إمعاناً في إقامة الحجَّة - فوضع كفَّ عليِّ(ع) في كفِّه ورفعها من فوق منبره عالياً حتى بانَ بياضُ إبطيهما لجموع الحجَّاج ليظلَّ هذا المشهدُ اليتيم وغيرُ المسبوق محفوراً في الذاكرة .

فالعصمة التي وعد اللهُ نبيَّه (ص) بها في الآية الشريفة تعني الحفظ له من بغي المنافقين وكيدهم إلى أنْ ينتهي من الإبلاغ للرسالة التي كُلِّف بأدائها ليهلَكَ بعدها من هلكَ عن بيِّنة ويحيى من حيَّ عن بيِّنة. وقد أنجزَ اللهُ تعالى لنبيِّه (ص) وعدَه فحفِظه من بغي المنافقين وكيدِهم إلى أنْ أكمل التبليغ لرسالة ربِّه وبيَّن للمسلمين ما فرضَه الله عليهم من الإذعان لفريضة الولاية لعليٍّ والعترة الطاهرة (ع) وعندها نزل القرآن بالإعلان عن أنَّ الدين قد كمل وأنَّ النعمة قد تمَّت: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(5)

فالعصمةُ في الآية الشريفة لم تكن تعني الوعد بالحفظ للنبيِّ (ص) من غائلة المنافقين إلى منتهى أجله، فشأنُ النبيِّ (ص) شأن سائر الأنبياء والمصلحين يكون دائماً في معرض القتل، غايتُه أنَّ الله تعالى وعده بالحفظ إلى أنْ يُتم عليهم حجَّته كاملةً وافية، فلا يبقى بعدها عذرٌ لمعتذر، وذلك هو مؤدَّى قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}(6)  فهو لا يقسِرُ الناس على الهداية وإنَّما يُرشدهم إليها ثم لهم أن يختاروا الهدى أو الضلال، ولعلَّ ممَّا يُؤيد عدم اقتضاء الآية للوعد بالحفظ من القتل إلى منتهى الأجل قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(7) فهو تعالى لم يضمن لنبيِّه (ص) أنْ لا يموت مقتولاً شأنُه في ذلك شأنُ المرسلين الذين سبقوه.

وكذلك فإنَّ العصمة التي وعد اللهُ نبيَّه (ص) بها في الآية لا تقتضى منعه من أنْ يتَّهمه المنافقون في صدقِه أو في عقلِه أو في عدلِه أو في أنَّ ما جاء به كان من عند ربِّه، وغاية ما تقتضيه العصمة في الآية هو المنع من تأثير أراجيفهم من قيام الحجَّة عليهم وعلى عامة المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم ، فالنبيُّ (ص) كسائر الأنبياء، وسنَّةُ الله تعالى في أنبيائه أن يكون لهم أعداء، ومقتضى عداوتهم هو المعاندة والمضادَّةُ بمثل المكر والكيد والتشويشِ والتغريرِ والتكذيب والافتراء والتضليل، يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ }(8)

الهوامش: 1- سورة المائدة: 67. 2- فمن ذلك ما أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وآله يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فاخرج النبيُّ صلى الله عليه وآله رأسَه من القبَّة فقال لهم: أيُّها الناس انصرفوا فقد عصَمني الله" قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الاسناد ولم يخرجاه . ج2/ 313 ومنه: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن جريج ، قال : كان النبي ( ص ) يهابُ قريشا ، فلمَّا نزلت : {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} استلقى ثم قال : من شاء فليخذلني مرَّتين أو ثلاثا" جامع البيان- ج6/ 416 ومنه: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن سعيد بن جبير ، قال : لمَّا نزلت : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قال رسول الله ( ص ) : لا تحرسوني إنَّ ربِّي قد عصمني" جامع البيان - الطبري- ج 6/ 414 ومنه: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن القرظي : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس ، حتى أنزل الله :وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}"  ج10/ 470 ومنه: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابُه ، فأنزل الله تعالى ذكره :{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }" ج10/ 469. 3- من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه يسنده عن جابر بن سمرة قال انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أبى فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثنى عشر خليفة فقال كلمة صمَّنيها الناس فقلت: لأبي ما قال؟ قال: كلُّهم من قريش" صحيح مسلم ج6/ 4 ومنه: ما أخرجه أحمد في المسند بسنده عن جابر بن سمرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: لن يزال هذا الدين عزيزا منيعا ظاهرا على من ناواه لا يضره من فارقه أو خالفه حتى يملك اثنا عشر كلهم من قريش أو كما قال" مسند أحمد ج5/ 96 ومنه: ما أخرجه أحمد في مسنده بسنده عن جابر بن سمرة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يزال هذا الامر عزيزا إلى اثنى عشر خليفة فكبَّر الناس وضجُّوا وقال كلمة خفية قلت لأبي يا أبت ما قال قال كلهم من قريش" مسند أحمد ج5/ 98 ومنه: ما أخرجه أحمد بسنده عن جابر بن سمرة السوائي قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: انَّ هذا الدين لن يزال ظاهرا على من ناواه لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أمتي اثنا عشر خليفة قال: ثم تكلم بشئ لم أفهمه فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلُّهم من قريش مسند أحمد ج5/ 87 ومنه: ما أخرجه أحمد بن حنبل بسنده عن جابر بن سمرة السوائي قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : لا يزال هذا الدين ظاهرا على من ناواه لا يضره مخالف، ولا مفارق حتى يمضي من أمتي اثنا عشر أميراً كلُّهم ثم خفي من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان أبي أقرب إلى راحلةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فقلت: يا أبتاه ما الذي خفى من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: يقول: كلُّهم من قريش مسند أحمد ج5/ 87 ومنه: ما أورده الشيخ الصدوق في الخصال بسنده عن جابر بن - سمرة السوائي قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فقال : يلي هذا الامر اثنا عشر . قال : فصرخ الناس فلم أسمع ما قال ، فقلت لأبي - وكان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مني - فقلتُ : ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : قال : كلُّهم من قريش وكلُّهم لا يُرى مثله" الخصال - الصدوق- ص 473 ومنه: ما أخرجه أحمد بن حنبل بسنده عن الشعبي قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثنى عشر خليفة قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون" مسند أحمد ج5/ 99. 4- لاحظ مثلا: ما ورد في تفسير العياشي عن جابر بن أرقم قال : بينا نحن في مجلس لنا وأخو زيد بن أرقم يحدثنا إذ أقبل رجل على فرسه عليه هيئة السفر فسلم علينا ثم وقف ، فقال : أفيكم زيد ابن أرقم ؟ فقال زيد : انا زيد بن أرقم فما تريد ؟ فقال الرجل : أتدري من أين جئت قال : لا ، قال : من فسطاط مصر لأسئلك عن حديث بلغني عنك تذكره عن رسول الله صلى الله عليه وآله ! فقال له زيد : وما هو ؟ قال : حديث غدير خم في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام .. نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فبينا نحن كذلك إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ينادى : أيها الناس أجيبوا داعى الله انا رسول الله فأتيناه مسرعين في شدة الحر، فإذا هو واضع بعض ثوبه على رأسه وبعضه على قدميه من الحر وأمر بقَمِّ ما تحت الدوح، فقُمَّ ما كان ثمة من الشوك والحجارة ، فقال رجل : ما دعاه إلى قمِّ هذا المكان وهو يريد أن يرحل من ساعته ليأتينَّكم اليوم بداهية ، فلما فرغوا من ألقمِّ أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أنْ يؤتى بأحلاس دوابنا وأثاث ابلنا وحقائبها فوضعنا بعضها على بعض ، ثم ألقينا عليها ثوبا ثم صعد عليها رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيُّها الناس إنَّه نزل علي عشية عرفة أمرٌ ضقت به ذرعا مخافة تكذيب أهل الإفك حتى جاءني في هذا الموضع وعيدٌ من ربى إنْ لم أفعل ، ألا وانِّى غير هائبٍ لقومٍ ولا محابٍ لقرابتي، أيها الناس مَن أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : الله و رسوله قال : اللهمَّ اشهد، وأنت يا جبرئيلُ فاشهد حتى قالها ثلثا ثم أخذ بيد عليِّ بن أبي طالب عليه السلام فرفعه إليه ، ثم قال : اللهمَّ من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله قالها ثلثا ، ثم قال : هل سمعتم ؟ فقالوا اللهم بلى قال : فأقررتم ؟ قالوا اللهم نعم ، ثم قال : اللهمَّ اشهد وأنت يا جبرئيلُ فاشهد ثم نزل فانصرفنا إلى رحالنا.." تفسير العياشي - محمد بن مسعود العياشي-ج2/ 97 5- سورة المائدة:3. 6- سورة الأنعام : 149. 7-سورة آل عمران: 144. 8- سورة الأنعام:112، 113 .
2023/07/15

كواليس الحفظ والتدوين: هكذا وصلنا القرآن الكريم من عصر النبي
إنَّ القرآن المجيد بسوَره وآياته وصِيغ جُملِه كان متواتراً منذُ عصر النبيِّ (ص) بين جيل الصحابة، فكانت سِورُه وآياتُه محفوظةً لدى كثيرٍ منهم، وكان النبيُّ (ص) يأمرُ كتَّابه بكتابة ما ينزلُ ثم يتمُّ استنساخه وتداوله كتابةً وحفظاً عن ظهر قلب لدى الكثير.

وكان النبيُّ (ص) بنفسه يُقرِءُ عدداً من المتميِّزين من الصحابة ويستمعُ لقراءتهم، وكانت له معهم جلساتٌ خاصة، وكانت تُعقَد الحلقاتُ في المسجد النبويِّ أيَّام رسول الله (ص) يُقِرءُ فيها القرَّاء مَن يريد الإجادة والحفظ.

وكان من أبرز هؤلاء القرَّاء الإمامُ عليُّ بن أبي طالب، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة بن اليمان، والمقداد بن الأسود، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو زيد الأنصاري، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حُذيفة وغيرهم كثير.

فما من سورةٍ أو آيةٍ تنزلُ إلا وقد تواترَ نقلُها بين الصحابة في عصر الرسول (ص) ثم توسَّع الحفظُ والكتابة بين الجيل الأول بعد الصحابة وهو جيلُ التابعين وأخذ في التوسُّع في جيل تابعي التابعين، وهكذا أخذت تتوسَّع دائرةُ الحفَّاظ والكتابة جيلاً بعد جيل، فدائرةُ الحفَّاظ وعددُ المصاحف في الجيل اللاحق أوسعُ منها بكثيرٍ في الجيل الذي سبقَه وهكذا إلى يومنا هذا، فلم يتَّفق لكتابٍ غير القرآن أنْ حظيَ بهذه السعةِ في الحفظ والتناقل في كلِّ جيل من الأجيال المتعاقبة، فتواترُ القرآن أُفقيٌّ وعمودي، ففي كلِّ جيل يكون حفَّاظه وحملتُه ومصاحفه يفوقُ عددهم حدَّ التواتر بكثير فيأتي الجيل اللاحق فيأخذُ الكثيرُ منهم عن الكثيرِ ممَّن سبقَهم.

تواتر الحديث والفرق بينه وبين تواتر القرآن:

أمَّا كتبُ الحديث فالمتواترُ منها معناه تواترُ انتسابِه لمؤلِّفِه، وأمَّا مضامينها فقد تلقَّاها مؤلِّفُها من طُرقِ الآحاد، وقد يتَّفق أنْ تكون له طرقٌ مستفيضةٌ لبعض الأحاديث، وقد يتَّفق أنْ تكون له طُرقٌ تبلغُ حدَّ التواتر لبعض الأحاديث وينقطع التواتر عنده إلا أنْ يكونَ لغيره طرقٌ لذات الحديث أو لمضامينه، على أنَّ دائرة التواتر غالباً ما تكونُ منحصرةً بالرواة والمحدِّثين.

وببيانٍ آخر:

التواترُ لبعض كتب الحديث مثل كتاب الكافي معناه تواتر انتساب الكتاب لمؤلِّفه وذلك لاشتهار انتساب الكتاب إليه شهرةً عظيمة ولوجود طرقٍ كثيرة إليه لدى الرواة المعاصرين والمتعاقبين إلا أنَّ الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب لا تكون متواترة لأنَّ الطرق إليها تنتهي إلى مؤلِّفها وهو واحد، نعم قد يتَّفق لبعض أحاديث الكتاب طرقٌ أخرى لمؤلفين آخرين قد تصلُ إلى حدِّ الاستفاضة، وقد تتجاوز هذه الطرق حدَّ الاستفاضة وتصلُ إلى حدِّ التواتر فيكون ذلك الحديث متواتراً لتعدُّد طرقه في جميع الطبقات بما فيها طبقة المؤلفين، فتواترُ كتب الحديث لا يُساوق تواتر الأحاديث التي اشتملت عليها تلك الكتب، نعم قد يتَّفق لبعض الأحاديث التي اشتملت عليها كتبُ الأحاديث أن تكون متواترة كما لو كانت مذكورة في عدةِ كتب تبلغ حدَّ التواتر. وغالباً ما يكون تواتر الأحاديث معنويَّاً أو اجماليَّاً. وذلك بأنْ تتوافق أحاديث كثيرة من كتبٍ مختلفة على معنى واحد فيكون هذا المعنى ثابتاً بالتواتر وهو علة تامة لحصول العلم بهذا المعنى الذي تضمنته هذه الأحاديث وإنْ كان كلُّ واحدٍ من هذه الأحاديث الذي تشكل منه التواتر يُعدُّ من أخبار الآحاد.

كل آياته متواترة

وأمَّا القرآن المجيد فكلُّ سورةٍ وكلُّ آيةٍ من آياتِه فهي متواترة، ودائرةُ تواترها واسعةٌ لا تختصُّ بالرواة، فالقرآنُ يحفظُه مضافاً إلى الرواة الكثيرُ من المعلِّمين والكثيرُ من الرجال والنساء والأطفال ممَّن لا شأن له بعلوم الدين، فكان لكلِّ معلِّم في المساجد والكتاتيب عشرات بل مئات الطلبة يحفظونَ عنه ويُدوِّنون ما يقرأون، فكانت سِورُ القرآن وآياتِه متواترةً في عصر النبوَّة حتى وردَ أنَّ من قُتل من الحفاظ في حادثة بئر معونة أيام النبي (ص) كانوا سبعين أو أربعين في بعض النقولات ومن قتل في معركة اليمامة التي وقعت في سنة الحادي عشر من الهجرة ضد مسيلمة يبلغون أربعمائة والمقل ذكر أنَّهم سبعون حافظاً.

وتوسَّع تواترُه بين جيل الصحابة والذين انتشروا في البلاد المفتوحة كالبصرة والكوفة والشام ومصر واليمن مضافاً إلى الحجاز مكة والمدينة، وكانوا يعقدون حلقات التحفيظ والقراءة ويأخذُ عنهم الكثير من طلبة العلم والأطفال ثم توسَّعت دائرةُ التحفيظ والقراءة لكلِّ سورةٍ سورة في عصر التابعين ثم عصر تابعي التابعين وهكذا.

نعم قد لا يحفظُ جميعُ هؤلاء جميعَ سوَرِ القرآن وآياته ولكنَّ كلَّ سورةٍ وكلَّ آيةٍ لها من الحفَظة والمدونين ما يبلغُ حدَّ التواتر ويفوقُ بمراتب بل إنَّ عدد مَن يحفظُ القرآن كاملاً في كلِّ جيلٍ عن ظهر قلب يفوقُ تعدادُهم حدَّ التواتر.

وخلاصة القول:

إنَّ تواتر القرآن في عصر النبيِّ الكريم (ص) يتمُّ بواسطة إخبار النبيِّ (ص) للمسلمين أنَّه قد نزلت عليه سورةٌ أو آية أو عددٌ من الآيات ويقوم (ص) بقراءتها في الصلاة وفي خُطَبِه ومجلسه ويأمر كتَّاب الوحي بتدوينها ثم يأمرُهم أنْ يقرأوا عليه ما كتبوه ليقوم بتقويمه ويجعل نسخةً من ذلك في المسجد عند منبره الشريف ويأذن باستنساخ الناس له وتداوله بينهم ثم يأمر بحفظه والإكثار من تلاوته في المحافل والخلوات وفي النوافل ويأمر بترديده في الأسفار في الحضر، وكانت السور تُستنسخ للنساء، وكان النبيُّ (ص) يدخلُ المسجد فيراه يعجُّ بالتالين للقرآن فربما أمرَ بخفض الصوت وربما طلب من بعضهم أن يتلوَ عليه ما حفظه أو أتقنه، وكان يأمرُ جماعةً من المتقنين للتصدي لتعليم الناس وتحفيظهم، فلم تكن هناك سورةٌ من سوَر القرآن إلا ويحفظها عددٌ يفوقُ حدَّ التواتر، ولم يرحل الرسول (ص) إلى ربه إلا وجميع سِور القرآن وآياته محفوظةٌ في صدور المئات من المسلمين مضافاً إلى كونِه مدوَّناً عند الكثير من الصحابة، فهم وإن اختلفوا في ترتيب سوره لكنَّه كان مجموعاً عندهم.

ومن المحفوظ والمدوَّن لدى الصحابة ومن مصحف الإمام الذي كُتب منه خمس نسخ أو سبع أيام عثمان في محضر عامة الصحابة – ومنهم كتاب الوحي كعليِّ بن أبي طالب، وأبي بن كعب وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت -وإقرارهم استنسخ جيلُ التابعين القرآن، وأخذ استنساخه وحفظه في التوسُّع في عامة الحواضر الإسلاميَّة كالعراق واليمن والشام ومصر ومكة والطائف مضافاً إلى المدينة وهكذا أخذ في التوسُّع على نطاقٍ أوسع جيلاً بعد جيل يتعبُّد الناس بحفظه وتدوينه وتلاوته وكان القرآن هو محور حلقات التعليم في المساجد والكتاتيب.

2023/06/11

تدفع عنك ألف مكروه.. ما هي فلسفة آية الكرسي؟
بسم الله الرّحمن الرّحيم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ صدق الله العليّ العظيم

[اشترك]

حديثنا انطلاقًا من الآية المباركة في محورين:

في بيان المحكم والمتشابه.

في بيان معنى الكرسي ونسبته إلى العرش بالنسبة لله تبارك وتعالى.

المحور الأول:

قال تبارك وتعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، المحكم هو الآية الواضحة الدلالة، والمتشابه هو الآية المجملة في دلالتها الغامضة في تحديد معناها، وسبب ذلك ومنشأ ذلك أنّ الآيات المحكمات هي الآيات التي تتضمّن مضامينَ عامّة وتتحدّث عن مبادئَ عامةٍ، فلأنها تتحدث عن مبادئَ عامّةٍ تكون دلالتها واضحة، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، هذه مضامين عامة في الكتاب فآياتها آيات محكمة، أمّا الآيات المتشابهة فما هو سبب التشابه «أي: ما هو منشأ إجمال دلالتها وغموض معناها»؟

نشير إلى مناشئ ثلاثة:

المنشأ الأول:

قد يكون منشأ الإجمال ومنشأ الغموض في الآية هو الإطلاق وعدم التحديد، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، أطلق اليد ولم يحدّدها، مع أنّ اليد في اللغة تطلق على تمام هذا العضو، وتطلق على الذراع، وتطلق على الكفّ، وتطلق على الأصابع، فحيث إنه أطلق اليد ولم يحدّدها صار ذلك منشأ لإجمال الآية فأصبحت من الآيات المتشابهة.

المنشأ الثاني:

أن يكون نفس اللفظ مجملاً بحسب معناه اللغوي، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، «أنّى» بحسب اللغة هي لفظ مجملٌ لا يعلم أنّ المراد به الزمان أو يراد به المكان، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني: في أي زمان شئتم إلا زمان الحيض، أو ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني: من أين مكان شئتم إلا ما أخرجه الدّليل الآخر؟ ف «أنّى» مجملة بين الزّمان وبين المكان بحسب معناها اللغوي، وهذا هو الذي أوجب إجمال الآية وكون الآية من الآيات المتشابهة.

المنشأ الثالث:

أن يكون منشأ التّشابه هو وصف المجرّدات بوصف الماديّات، القرآن الكريم استخدم الكناية والاستعارة والمجاز المرسل في كثير من مضامينه وفي كثير من مداليله، أحيانًا تقتضي الكيانة أو الاستعارة أنْ يصف الأشياء المجرّدة - يعني: الأشياء التي ليست ماديّة - بأوصاف المادّة فيقع الاشتباهُ ويقع الغموضُ، مثلاً: قوله عزّ وجلّ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، الله ليس أمرًا ماديًا لكنّه وصفه بأوصاف المادّة، قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فحصل الاشتباهُ في الآية، صارت من الآيات المتشابهة، مثلاً: عندما يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ الله ليس جسمًا حتى يُعْقَلُ فيه المجيءُ والذهابُ، لكن وصفه بأوصاف الأجسام، قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّك﴾ فأصبحت الآية من الآيات المتشابهة، وقوله عزّ وجلّ مثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ والاستواء من أوصاف المادّة فأصبحت الآية من الآيات المتشابهة.

إذا قمنا بالمقارنة بين قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ نجد أنّ هذه الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ محكمة، لماذا محكمة؟ لأنها تعرّضت لمعنى عام ولم تصف المجرّد بأوصاف المادّة فأصبحت آية محكمة، بينما قوله عزّ وجلّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ لأنّها تعرّضت لخصوصيّة معيّنة وهي خصوصيّة علاقة الله بالعرش ووصفت هذه الخصوصيّة بوصف المادّة أصبحت الآية من الآيات المتشابهة، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، أيضًا آية الكرسي التي ابتدأنا بها وهي قوله عزّ وجلّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الله يريد أنْ يتحدّث عن علاقته بالسّماوات والأرض والكون، وصف هذه العلاقة بوصف المادّة وهو الكرسي، الكرسي من أوصاف الأجسام، من أوصاف المادّة، أصبحت هذه الآية من الآيات المتشابهة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

المحور الثاني: ما يتعلق بالحديث حول الكرسي والعرش ونسبته إلى الوجود

هنا أذكر أمورًا ثلاثةً:

الأمر الأوّل: آية الكرسي أفضل آيات القرآن بعد سورة الفاتحة

ورد في الأحاديث الشريفة في تفسير العياشي عن الصّادق عليه السّلام قال له: ما أفضل آية نزلت على النبي ؟ قال: ”هي آية الكرسي“، أفضل آية نزلت على النبي هي آية الكرسي، طبعًا إذا نقارن آية الكرسي بآيات أخرى ربّما يكون المعنى موجودًا في آيات أخرى، مثلاً قوله في سورة طه نفس هذا اللّفظ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾َ لكن لم يقل: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ هذا في سورة طه، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فتعرّض للأسماء الحسنى بشكلٍ إجمالي، لم يبيّن ما هي الأسماء الحسنى، أمّا في آية الكرسي تعرّض للأسماء الحسنى بشكلٍ تفصيلي، يعني: بيّن ما هي الأسماء الحسنى، قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ...﴾ فتعرّض للأسماء الحسنى بشكلٍ تفصيلي، بينما في تلك الآية الموجودة في سورة طه تعرّض للأسماء الحسنى بشكلٍ إجمالي.

في روايةٍ أخرى - هذه الرّواية مهمٌ أنْ تعرفوها - يذكر الشّيخ الصّدوق في كتابه «المعاني» عن الباهلي عن الصّادق عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليًا عليه السّلام قال: ”لا يوجد رجلٌ أدرك عقله الإسلامَ - يعني: عرف الإسلامَ - أو وُلِدَ في الإسلام يبيت ليلته سوادَها حتى يقرأ هذه الآية“ يعني آية الكرسي، يعني ما يصير مسلم يبيت ليلة دون أن يقرأ آية الكرسي، لا يوجد رجلٌ أدرك عقله الإسلام أو وُلِدَ في الإسلام يبيت ليلته سوادَها حتى يقرأ هذه الآية، ثم قرأها إلى ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، لم يقرأ الآيات الثلاث ممّا يدلّ على أنّ آية الكرسي إذا أطلقت تنصرف إلى الآية الأولى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

وقال أمير المؤمنين: ”لقد سمعتُ من رسول الله  أنّه قال: أعطيت آية الكرسي من كنز هو تحت العرش“ ثم قال أميرُ المؤمنين: ”فمنذ سمعتُ ذلك ما تركتها ليلة قط“، إذن هذا يدلّ على مرغوبيّة ومحبوبيّة قراءة آية الكرسي هذه الآية العظيمة في كلّ ليلة وفي كلّ حال كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

الأمر الثاني: نسبة الكرسي إلى العرش

في آيات أخرى تحدّث عن العرش، قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، هنا تحدّث عن الكرسي، قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ما هي نسبة الكرسي إلى العرش؟

هنا نتحدّث عن منظورات ثلاثة: المنظور السّياقي والمنظور الفلسفي والمنظور الرّوائي.

1 - نأتي أولاً للمنظور السّياقي:

نحن وسياق الآية مع غمض النّظر عمّا ذكرته الرّواياتُ الشّريفة، لو كنّا نحن وسياق الآية، الآية تقول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه الصّفة الأولى صفة التّوحيد، يعني: هو واحدٌ، ﴿الْحَيُّ﴾ يعني: له الحياة المطلقة، ﴿الْقَيُّومُ﴾ له القيوميّة والإحاطة والسّيطرة المطلقة، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إشارة إلى القدرة وأنّه لا يطرؤ عليه عجزٌ أبدًا، هو القادر المطلق جلّ وعلا، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى الملك كما قال في آيةٍ أخرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ هذا إشارة إلى الملك، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولذلك - يعني: لأنّ بيده الملك - لا يستطيع أحدٌ أنْ يشفع عنده إلا بإذنه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ هو المالك فلا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، ثم تعرّض لصفة العلم، قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ هذه صفة العلم، ثم جاء إلى صفة السّلطنة، قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ هذه كناية عن السّلطنة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فالكرسي هنا بحسب المنظور السّياقي للآية المباركة كناية عن سلطنته تبارك وتعالى ونفوذ أمره، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ إشارة إلى نفوذ الأمر والسّلطنة قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.

2 - المنظور الفلسفي في تحديد نسبة الكرسي إلى العرش:

الكرسي، العرش، كلها مراتب من علمه تبارك وتعالى، العرش والكرسي إشارة إلى مراتب من علمه عزّ وجلّ، يعني: من مراتب علمه العرش، من مراتب علمه الكرسي، من مراتب علمه العلم الفعلي، كلّ ذلك إشارة إلى مراتب علمه، إنّما كلّ مرتبةٍ من مراتب العلم يعبّر عنها بعنوان معيّن ويعبّر عنها بمقام معيّن، حتى أشرح لك هذا المعنى أنا أمثل لك بمثالٍ حسي ومن خلاله يتّضح لك: إذا افترضنا أنّ إنسانًا عنده شركة أو إنسان ملك دولة، هذا الملك مراتب ملكه وهذا الذي عنده الشّركة مراتب ملكه ثلاث:

المرتبة الأولى: مرتبة الملك الفعلي.

ما هو معنى مرتبة العلم الفعلي؟

يعني: عنده عمّال تشتغل، هؤلاء العمّال الذين يشتغلون بأمره - هذا يحرث، هذا يرزع، هذا يصنع، هذا.. - هؤلاء العمّال، هذا مثلاً ملك دولة، وهذه الحكومة عندها شركات، وهذه الشّركات عندها موظفون، وهؤلاء الموظفون يعملون، كلّ موظفٍ في مقام معيّن، في زاويةٍ معيّنةٍ، في جهةٍ معيّنةٍ، هؤلاء العمّال الذين يعملون يشكّلون مرتبة من مراتب ملكه، وتسمّى هذه المرتبة بمرتبة الملك الفعلي، مرتبة الملك الخارجي، هذه المرتبة ألا وهي مرتبة الملك الفعلي يعبّر عنها الفلسفة بمرتبة تزاحم الإرادات، كيف يعني مرتبة تزاحم الإرادات؟

يعني: هذا العامل يشتغل في هذه الجهة، ربّما يزاحم العاملَ الثاني، والعامل الثاني يزاحم العاملَ الثالث، فيقع التزاحمُ والتنافسُ والتعارضُ بين العمّال الذين يعملون، كلٌ في مكانه لكنّ بعضهم قد يطغى على بعض، بعضهم قد يغلب على البعض الآخر، فمرتبة الملك الفعلي هي مرتبة تزاحم الإرادات وتنافس الإرادات، هذه المرتبة الأولى.

المرتبة الثانية من مراتب ملكه هي: مرتبة الحكومة بين هذه الإرادات.

مَنِ الذي يحكم ويقدّم إرادة على أخرى ويرجّح عاملاً على آخر ويقدّم شركة على أخرى؟ مَنْ؟! هو نفسه هذا الملك، هو نفسه هذا صاحب الشّركة، صاحب الشّركة مِنْ مراتب ملكه الحكومة بين الإرادت، والفصل بين الخصومات، ورفع التّنازع، وتقديم إرادة على أخرى، وتقديم سبب على آخر، هذه من مراتب ملكه: الحكومة والسّلطنة فوق الإرادات كلها، هذه المرتبة الثّانية نعبّر عنها بمرتبة السّلطنة.

عندنا مرتبة الثالثة وهي: مرتبة التّقدير.

هذا لا يدير شركة بدون مخطط، وهذا الملك لا يدير دولة بدون مخطط، لم نسمع بملك يدير دولة بدون مخطط، لا محالة عنده مخطط، هذا المخطط فيه تفاصيلُ شؤون الشّركة، تفاصيل شؤون الدّولة، كلّ شركة، كلّ عامل، كلّ موظف، يرتبط بسلسلةٍ معيّنةٍ من الأنظمة، بسلسلةٍ معيّنةٍ من القوانين، وجميع هذه التسلسلات محفوظة في وعاء لدى هذا الملك، لدى صاحب الشّركة، يسمّى ذلك الوعاءُ وعاءَ التّقدير.

إذن هناك مرتبة الملك الفعلي، هناك مرتبة السّلطنة، هناك مرتبة التّقدير والإحاطة، نحن إذا أردنا أن نعبّر عن هذه المراتب نسمّي المرتبة الأولى: مرتبة الوجود، نسّمي المرتبة الثانية: مرتبة الكرسي، الكرسي هو مرتبة الحكومة والسّلطنة، ونسمّي المرتبة الثالثة - ألا وهي مرتبة التّقدير والإحاطة - بمرتبة العرش، فالعرش مرتبة فوق مرتبة الكرسي، والكرسي مرتبة فوق مرتبة الوجود الخارجي، فهي مراتب ثلاثة للملك، وكلّ مرتبةٍ تسمّى باسم معيّن.

نأتي بالنّسبة إلى الله جلّ جلاله، نقول: هناك مرتبة من مراتب علمه وهي وجودنا نحن، وجودنا المادي بحدودنا الماديّة، هذا العالَم - العالَم المادّي - عالمُ أنواع: إنسان، حيوان، نبات، ملك، جن... عالم أنواع، ونفس الأنواع تنقسم إلى أصناف، الإنسان ينقسم إلى أصناف: إنسان مثلاً إفريقي، إنسان آسيوي، إنسان إنجليزي... وهؤلاء الأصناف تنقسم إلى أفراد، هذا الإنسان الآيسوي ينقسم إلى زيد وبكر وخالد وعمرو و... إلخ، هذه كلها حدود، هذا العالم المادّي بحدوده معلومٌ لدى الله عزّ وجلّ، وعلمه به عزّ وجلّ عين وجوده، علم الله بي هو عين وجودي، يعني الله لا يحتاج أنْ يأخذ عني صورة حتى يعرفني، لا، علمه بي عين وجودي، وجودي عنده هو عين علمه بي وليس شيئًا آخر، فلذلك هذه المرتبة من الوجود المادّي بحدوده، بتفاصيله، تسمّى مرتبة العلم الفعلي، هو يعلم بنا وعلمه بنا عين وجودنا، وهذا ما يسمّى بمرتبة العلم الفعلي.

نأتي إلى مرتبة من علمه أعلى من هذه المرتبة، وهي ما نسمّيها بمرتبة السّلطنة، هو علمٌ، مرتبة من علمه، لكنّ تسمّى بمرتبة السّلطنة، كيف؟

نحن أيضًا نحن الآن موجودون في هذا الكون وجودًا ماديًا، لكن لنا وجودًا قبل هذا الوجود، وجود غير مادّي، وجود غير محدود، كنّا موجودين وجودًا غير محدودٍ، وهنا في عالم المادّة لنا وجودٌ محدودٌ، لماذا؟

الفلاسفة يقولون: المادّة منشأ الحدّ والنّقص والتجرّد منشأ الكمال والإطلاق، يعني أنا الآن منذ أنْ أصبح مادّةً «مادة لها طولٌ وعرضٌ وعمقٌ، مادة تشغل حيزًا من الفارغ» بمجرّد أنْ أصبح مادة لازم يصبح لي حد، المادّة منشأ الحدّ، المادّة مساوقة للحدّ، لا يمكن أن يصبح مادة ما لم يكن له حدٌ، والحدّ منشأ النّقص، هذا الحجر لا يستطيع أنْ يصبح نباتًا، هناك حدٌ صارمٌ يحجب الحجر عن أنْ يتطوّر فيصبح نباتًا، النّبات أيضًا محدودٌ لا يستطيع أنْ يصبح حيوانًا، هناك حدٌ يمنعه أنْ يتحوّل إلى متحرّكٍ بالإرادة، إلى حيوان، الحيوان هناك حدٌ يمنعه أنْ يتحوّل إلى إنسانٍ، لكلّ موجودٍ مادي حدٌ وهو فقدان المرتبة الأعلى، فالمادّة منشأ الحدّ والحدّ منشأ النّقص.

تأتي الآن إلى المجرّد الذي ليس ماديًا، ليس له حدود ماديّة، هذا لا يعرف الحدّ، مادام ليس ماديًا ليس له حدٌ، لأنّ منشأ الحدّ هو المادّة، ولا يعرف النّقص، يكون كمالاً محضًا، فالتّجرّد منشأ الإطلاق - يعني: اللامحدوديّة - ومنشأ الكمال، نحن قبل وجودنا هذا المادّي كنّا في عالم موجودين لكن ليس عندنا هذه الحدود الماديّة، محدودون بعلم الله عزّ وجلّ لا أكثر، ليست لنا هذه الحدود الماديّة وإنّما نحن محدودون بعلم الله، كان لنا وجودٌ ليس ماديًا، لا يعرف الحدّ، لا يعرف النّقص، وذلك الوجود الذي كان لنا هو عين علمه بنا تبارك وتعالى، وذلك العلم هو المسمّى بالكرسي.

لاحظ كيف الإنسان ينزل ويهبط من عالم الكرسي إلى عالم المادّة، القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، أنت كنتَ في عالم الكرسي، كنتَ في عالم الكرسي وجودًا غير محدودٍ، غير مقدّر، يعني: كنتَ في عالم الكرسي مختزنًا، ثم نُزّلَت إلى عالم المادّة نزولاً محدودًا ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فعالم الكرسي هو مرتبة من علم الله، وهو العلم بالأشياء من حيث أنّها غير محدودةٍ، من حيث أنّها مجرّدة لا من حيث أنّها محدودة، وبما أنّه عَلِمَ بالأشياء قبل أنْ ينزّلها إلى عالم المادّة، عَلِمَ بها من حيث أنّها مجرّدة، فهذه المرتبة من العلم - وهي علمه بالأشياء من حيث أنّها مجرّدة - تسمّى بالكرسي، وهي مقام السّلطنة ومظهرٌ لسلطنته تبارك وتعالى.

فوق هذه المرتبة من العلم علمه بجميع ما سواه، ليس فقط علمه بالماديّات، ليس فقط علمه بالسّماوات والأرض، لا، لا، بجميع ما سواه، فوق هذه المرتبة - مرتبة الكرسي - علمه بجميع ما سواه تبارك وتعالى، الذي يشمل عالم الجبروت، وهو عالم العقول، وعالم الملكوت، وهو عالم النّفوس، وعالم الملك... وهكذا من العوالم، علمه بجميع ما سواه تبارك وتعالى، وفي هذه المرتبة من العلم مبدأ الأشياء كلّها، يعني الآن مثلاً: هذا الإنسان ينحدر من سبب وهو النطفة، النطفة تنحدر من سبب وهو الأب، الأب ينحدر من سبب... إلى أنْ تنتهي هذه الأسباب الجزئيّة إلى أسباب كليّة، إلى مناشئَ كليّةٍ، جميع هذه السّلسلة من الأسباب والمسبَّبات معلومةٌ في مرتبة علمه الأولى، وتلك المرتبة التي هي العلم بجميع ما سواه تسمّى بالعرش، وهذه المرتبة التي تسمّى بالعرش هي مظهر لمالكيّته تبارك وتعالى وقيوميّته تبارك وتعالى لجميع ما سواه، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، هذا بحسب المنظور الفلسفي.

3 - نأتي الآن إلى المنظور الرّوائي:

ما يستفاد من بعض الرّوايات الشّريفة الواردة عن أهل بيت العصمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نأتي الآن إلى هذه الرّواية «رواية جيّدة، نقتصر على روايةٍ واحدةٍ»: في التّوحيد للشّيخ الصّدوق عليه الرّحمة في كتاب التّوحيد عن حنّان بن سدير عن الصّادق عليه السّلام سأله: ما العرش وما الكرسي؟ فأجابه الإمام، قال: ”العرش والكرسي بابان من أبواب الغيوب - بابان من أبواب الغيب - وهما مقرونان بالغيب - يعني: لا ينفكّان، كلٌ منهما ملازمٌ للآخر - وهما مقرونان بالغيب، فالكرسي هو الباب الظاهر من الغيب، منه مطلع الأشياء ومنه البَدْع، والعرش هو الباب الباطن من الغيب، وفيه علم الكيف والقدر والمشيئة وصفة الإرادة والكون“ ما هذا الكلام؟! كلام عظيم، كلام العظماء عظيم الكلام، وأنت تذهب وتدوّخ حالك مع قتادة؟! ماذا قال قتادة وماذا قال الرّازي...؟! أنت اسمع ماذا يقول جعفرُ بن محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله، من أين يتحدّث هؤلاء؟! من أين يخبرون؟!

جاء قتادة إلى الإمام الباقر، قتادة إذا تفتح تفاسير إخوانا أهل السنّة تجد قتادة وقتادة، إذا تدخل الكشّاف للزّمخشري أو تدخل التّفسير الكبير للرّازي قال قتادة وقال قتادة! قتادة دخل على الإمام الباقر عليه السّلام، قال: يا قتادة! بلغني أنّك تفسّر القرآن؟! قال: نعم، قال: ”إنْ كنتَ تفسّره من عندك فقد هلكتَ وأهلكت، وإنْ كنتَ تفسّره من الرّجال فقد هلكتَ وأهلكت، إنّما يعرف القرآنَ مَنْ خوطب به - يعني: النبي محمّدٌ  - إنّما يعرف القرآنَ من خوطب به وما هو - يعني: بعد النبي - إلا عند الخاصّة من ذرّية نبينا محمّدٍ ، وما ورّثك اللهُ من كتابه حرفًا“، حديث الثقلين يقول لكم ارجعوا إلى هؤلاء فلماذا أنت تذهب إلى قتادة؟! ”إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ“ وأنت متمسّكٌ بقتادة ومتمسّكٌ ب...؟! هذا مثلما يقول أهلُ الأوّل: ورقة ملزقة بتمر! إذا كان هنالك شيء ملزقٌ بتمر فهل يقف؟! لا يقف، يسقط، هذا هكذا ملزقة بتمر!

الصّادق عليه السّلام منهل العلم، مصدر العلم، يقول: هذا هو الكرسي وهذا هو العرش، ”الكرسي الباب الظاهر من الغيب، منه مطلع الأشياء ومنه البَدْع، والعرش هو الباب الباطن من الغيب، بابان مقرونان“ بمعنى أنّ العرش والكرسي عبارة عن علمه تبارك وتعالى لكنّ علمه له لحاظان: لحاظ بالنّسبة إليه جلّ وعلا، ولحاظ بالنّسبة إلى الوجود، علمه عزّ وجلّ إذا لوحظ بالنّسبة إليه فهو الباب الباطن من الغيب، وإذا لوحظ بالنّسبة إلى عالم الوجود فهو الباب الظاهر، علمه بالنّسبة إليه بابٌ باطنٌ من الغيب لا يعلمه إلا هو، علمه بالنّسبة إلى الوجود حيث إنّ هذا الوجود ينحدر عن علمه، وينبعث عن علمه، فنسبة هذا الوجود إلى علمه يكون العلم هو الباب الظاهر من الغيب، وقد قلنا بأنّ علمه تبارك وتعالى وهو غيب الغيوب ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ علمه تبارك وتعالى ليس علمًا صوريًا، يعني: نتيجة صور، لا، علمه علمٌ حضوريٌ، المعلوم حاضرٌ بنفسه عنده وليس عبر الصّورة ولا بواسطة الصّورة، ونحن الموجودات التي خلقها وبرأها، نحن لنا ثلاث حالات، ليس علمه هو يتغيّر، ليس علمه هو يتبدّل، التّبدّل والتّغيّر والتّحوّل في المعلوم نفسه لا في علمه، علمه عين حضور المعلوم، المعلوم هو يتّصف بثلاث حالات، ما هي الحالات التي نتّصف بها؟ نحن مرننا بثلاث حالات، ما هي هذه الحالات؟

الحالة الأولى: أنّنا كنّا كلنا وجودًا واحدًا يسمّى وجودًا إجماليًا

لا يوجد في ذلك الوجود زيد وعمرو وبكر وإنسان وحيوان... لا، خيط الوجود خيط واحدٌ جامعٌ لشتات الموجودات، فذلك وجودٌ إجماليٌ بسيط لا كثرة فيه ولا تعدّد فيه، كلّ هذه الموجودات كانت مطويّة، كلها كانت مطويّة، الوجود واحدٌ وهو وجودٌ إجماليٌ بسيط لا كثرة فيه، لا تعدّد فيه، جميع الموجودات هكذا، ثم بسط هذا المطويَّ فخرج من اللف إلى النشر، من الطي إلى البسط، من الإجمال إلى التفصيل، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، ولذلك هذا الوجود الذي نحن نعيش فيه الآن الذي فيه سماء وأرض وشمس وقمر وإنسان وحيوان ونبات وحجر يعاد مرة ثانية، يطوى، يرجع إلى الوجود البسيط الإجمالي، يعاد مرة أخرى ويطوى، أشارت الآياتُ القرآنيّة إلى يوم الطيّ ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يوم الجمع هذه التفاصيل كلها تُجْمَع في وجودٍ واحدٍ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، إذن كان هذا الوجودُ وجودًا إجماليًا بسيطًا، وعلمه بهذا الوجود عين إفاضته له تبارك وتعالى، وتلك المرتبة من العلم المسمّاة بالعرش، فهي الباب الباطن من الغيب.

ثم هذا الموجود مرّ بحالةٍ ثانيةٍ: صار كثيرًا، بسط الوجود الإجمالي فأصبح وجودًا تفصيليًا لكنّه مازال مجرّدًا من المادّة، وُجِدْنَا نحن في عالم آخر وجودًا تجرّديًا، وُجِدْنَا وجودًا تجرّديًا، وعلمه بنا في ذلك العالم الآخر هو عين إيجادنا وجودًا تجرّديًا، وذلك العالم الآخر هو عالم الكرسي، فهو الباب الظاهر من الغيب.

ثم تنزلنا إلى هذا العالم المادّي: نزلنا بالحدود، بالأقدار، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، هذا الوجود الذي نحن فيه هو عالم المحو والإثبات ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

2023/04/26

من أسمائه الحسنى ’المؤمن’.. بماذا يؤمن الله؟!
من أسماء الله تعالى (المؤمن) فبماذا يؤمن الله؟ وما معنى هذا الاسم، وعلى ماذا يدل؟

[اشترك]

الإيمان مصدر آمن وأيمن، ويعني التصديق والاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه ريب، ولا يرقى إليه شك، والمؤمن هو المصدّق بالشيء تصديقا يقينيا جازما لا شك فيه ولا ريب، كما هو الحال في المؤمن بالله، أي المصدق به المعتقد بوجوده سبحانه وتعالى.

والمؤمن من أسماء الله الحسنى التي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن ندعوه بها في قوله عزّ من قائل في الآية (180) من سورة الأعراف: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

وقد ورد هذا الاسم المبارك في آية واحدة في القرآن الكريم، هي قوله سبحانه وتعالى في الآية (23) من سورة الحشر: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

وقيل إن له معنيين، أولهما متعلق بالله عز وجل، كتصديقه لنفسه وشهادته لذاته بالوحدانية قبل تصديق وإيمان وشهادة خلقه له بذلك، وهو ما أشار إليه في قوله تعالى في الآية (18) من سورة آل عمران: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، والمعنى (أنه بين لخلقه توحيده وألوهيته بما أقام لهم من الدلائل) كما في المجلد الخامس، الجزء التاسع ص400 من مجمع البيان للطبرسي.

وكذا تصديقه لرسله وأنبيائه فيما بعثهم به إلى خلقه، وإظهار صدقهم وإعلاء كلمتهم على غيرهم، وكذا تصديقه للمؤمنين بإيمانهم، وتكذيبه الكافرين بكفرهم...إلى غير ذلك مما يعود إلى ذاته ويتعلق به سبحانه وتعالى.

والمعنى الثاني متعلق بالعباد وإليهم يعود، فالله هو المؤمن لأنه تعالى يهب الأمن ويعطي الأمان، وفي لقرآن الكريم عدة آيات تشير إلى هذا المعنى، بل تذكره صراحة وتؤكد كل التأكيد، ونحن نذكر بعضها دون شرح ولا تعليق حتى لا يطول بنا المقام.

فمن ذلك إعطائه الأمن للمؤمنين الصادقين، كما في قوله تعالى في الآية (82) من سورة الأنعام: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}.

وهو الذي جعل للمتقين مقاما آمنا، فقال في الآيتين (51-52) من سورة الدخان: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، كما أعطاهم الأمن والسلام، فقال في الآيتين (45-46) من سورة الحجر: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}.

كما وعد المؤمنين أن يستبدل خوفهم بالأمن كما في قوله سبحانه في الآية (56) من سورة النور: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

وهو سبحانه وتعالى معطي المؤمنين العاملين المحسنين الأمن من فزع يوم القيامة، كما في قوله عز وجل في الآية (89) من سورة النمل: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}، وقوله عز من قائل في الآية (37) من سورة سبأ: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}.

وهو الذي جعل البيت الحرام مكان أمن وأمان، كما دلت على ذلك عدة آيات بينات، منها قوله تبارك وتعالى في الآية (97) من سورة آل عمران: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}.

إلى غير ذلك من الآيات البينات الدالة على أن الله هو مصدر الأمن، ومعطي الأمان، وهذا عدى ما ورد في الأحاديث الشريفة الدالة على ذلك، كما في الحديث عن ابن عباس: (إذا كان يوم القيامة أًخرج أهل التوحيد من النار، وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتى إذا لم يبق فيها من يوافق اسمه اسم نبي، قال الله تعالى لباقيهم: "أنتم المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن" فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين) كما في ج10ص401 من تفسير (من هدي القرآن).

وأما الأدعية الشريفة فمليئة بهذا المعنى، ومنه ما في دعاء الافتتاح: (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يُؤْمِنُ الْخائِفينَ، وَيُنَجِّى الصّالِحينَ، وَيَرْفَعُ الْمُسْتَضْعَفينَ، وَيَضَعُ الْمُسْتَكْبِرينَ، يهْلِكُ مُلُوكاً وَيَسْتَخْلِفُ آخَرينِ)

بل هو الأمن والأمان لكل هذا الكون بكل عوالمه وموجوداته، ولو ارتفع أمنه وأمانه عنه لحظة بل وأقل، لعاد عدما ولما أصبح له من وجود، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

2023/03/22

الرحمن الرحيم.. هل سألت نفسك عن معناها؟!
لا أقلّ من عشرين مرّة في اليوم: يجب عليك شرعاً أن تقول: (الرحمن الرحيم)!، وأحسب أنّ المقصود واضح: ففي كلّ فريضة تقرأ (البسملة) أربع مرّات، وبضرب الأربعة في الفرائض الخمسة فإنّ الناتج عشرون مرّة تقول: الرحمن الرحيم.

[اشترك]

فهل سألتَ نفسك عن معناها؟ ثمّ وهل استحضرتَه حال الصلاة؟!

الرحمة نفسها كقاسم مشترك بين الصفتين؛ مفهومها واضح، وإنّما الكلام عن الفرق الفارق، والحدّ الفاصل بين الصفتين: الرحمن-الرحيم!

قيل الكثير في هذا الجانب، لكنّ أقربها للصواب-والعلم عند أهله- هو ما اختزل فيما ورد من عبارة جامعة مانعة وموجزة: (الرحمن اسم خاص لصفة عامة، والرحيم اسم عام لصفة خاصة).

وبيانها بإيجاز ويسر:

1-الرحمن اسم خاصّ: أيّ أنّه خاص بالله تعالى ولا يطلق على غيره، ومعنى أنّه صفّة عامّة: أي أنّ الرحمن تعني العطاء، والعطاء الإلهي يشمل كلّ الأشياء ويعمّ جميع النعم.

2-الرحيم اسم عام: أي طلق بالاشتراك على الله تعالى، وعلى غيره فوصف النبي بها: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، والمقصود بالصفّة الخاصّة أنّها تعني التوفيق والهداية والتسديد والرعاية وهو أمرٌ خاصّ بالمتقين دون غيرهم.

اللهم اجعلنا من عبادك المرحومين برحمتك الخاصّة يا رحمن يا رحيم بحق محمد وآله الطاهرين.

2023/03/19

هل كان النكاح محرماً في ليل شهر رمضان؟
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (سورة البقرة ـ ١٨٧).

[اشترك]

في تفسير القمي عن الصادق عليه ‌السلام قال: كان الاكل والنكاح محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار، وكان النكاح حراما في الليل والنهار في شهر رمضان.

وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له خوات بن جبير الانصاري اخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ففارقه اصحابه وبقي في اثنى عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان اخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما مع رسول الله في الخندق، فجاء إلى أهله حين أمسى فقال عندكم طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما فأبطات عليه اهله بالطعام فنام قبل ان يفطر، فلما انتبه قال لاهله، قد حرم على الاكل في هذه الليلة فلما اصبح حضر حفر الخندق فاغمى عليه فرآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرق له وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية، فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل من شهر رمضان، والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله: حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، قال: هو بياض النهار من سواد الليل.

اقول:

وقوله: يعني إلى قوله: وكان رجل، من كلام الراوي، وهذا المعنى مروي بروايات أخرى، رواها الكليني والعياشي وغيرهما، وفي جميعها ان سبب نزول قوله: وكلوا واشربوا (الخ) إنما هو قصة خوات بن جبير الانصاري وان سبب نزول قوله: أحل لكم (الخ)، ماكان يفعله الشبان من المسلمين.

وفي الدر المنثور عن عدة من اصحاب التفسير والرواية عن البراء بن عازب قال: كان اصحاب النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الافطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة الانصاري كان صائما فكان يومه ذاك يعمل في ارضه فلما حضر الافطار اتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن انطلق فأطلب لك فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت: خيبة لك، أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث، إلى قوله: من الفجر ففرحوا بها فرحا شديدا.

اقول: وروي بطرق أخر القصة وفي بعضها أبو قبيس بن صرمة وفي بعضها صرمه بن مالك الانصاري على اختلاف ما في القصة.

وفي الدر المنثور أيضا: واخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: ان المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء ـ حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله احل لكم ليلة الصيام، إلى قوله: فالآن باشروهن يعني انكحوهن.

اقول: والروايات من طرقهم في هذا المعنى كثيرة وفي أكثرها اسم من عمر، وهي متحدة في ان حكم النكاح بالليل كحكم الاكل والشرب وأنها جميعا كانت محللة قبل النوم محرمة بعده، وظاهر ما أوردناه من الرواية الاولى ان النكاح كان محرما في شهر رمضان بالليل والنهار جميعا بخلاف الاكل والشرب فقد كانا محللين في اول الليل قبل النوم محرمين بعده، وسياق الآية يساعده فإن النكاح لو كان مثل الاكل والشرب محللا قبل النوم محرما بعده كان الواجب في اللفظ ان يقيد بالغاية كما صنع ذلك بقوله: كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض الخ، وقد قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث، ولم يأت بقيد يدل على الغاية، وكذا ما اشتمل عليه بعض الروايات: ان الخيانة ما كانت تختص بالنكاح بل كانوا يختانون في الاكل والشرب أيضا لا يوافق ما يشعر به سياق الآية من وضع قوله: علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم ( الخ )، قبل قوله: كلوا واشربوا.

وفي الدر المنثور أيضا: ان رسول الله قال: الفجر فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه، واما المستطيل الذي يأخذ الافق فإنه يحل الصلوة ويحرم الطعام.

اقول:

والروايات في هذا المعنى مستفيضة من طرق العامة والخاصة وكذا الروايات في الاعتكاف وحرمة الجماع فيه.

مقتطف من تفسير الميزان ج ٢
2023/03/18