قرآنيات
قوة غيبية أم ملك.. ما هو ’روح القدس’؟!

‏للمفسرين آراء مختلفة في معنی روح القدس:

[اشترك]

‏١- قالوا إنه جبرائيل، فيكون معنی الآية علی هذا إن اللّه أيّد عيسی بجبرائيل. و شاهدهم علی ذلك قوله تعالی: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ‌1 و وجه تسمية جبرائيل بروح القدس، هو أن جبرائيل ملك، و الجانب الروح‍ي في الملائكة أمر واضح، و إطلاق كلمة «‍الروح‍» عليهم متناسب مع طبيعتهم، و إضافة الروح إلی «القدس» إشارة إلی طهر هذا الملك و قداسته الفائقة.

‏٢- و قيل إن «روح القدس» هو القوّة الغيبية التي أيّدت عيسی عليه السّلام، و بهذه القوة الخفية الإلهية كان عيسی يحيي الموتی. هذه القوّة الغيبية موجودة طبعا بشكل أضعف في جميع المؤمنين علی اختلاف درجة إيمانهم. و هذا الإمداد الإلهي هو الذي يعين الإنسان في أداء الطاعات و تحمل الصعاب، و يقيه من السقوط في الذنوب و الزلات. من هنا

‏ورد عن رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم قوله لحسان: «لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا»

‏و قول بعض أئمة أهل البيت لشاعر قرأ أبياتا ملتزمة: «إنّما نفث روح القدس علی لسانك».

‏٣- و من المفسرين من قال إن روح القدس هو «الإنجيل»2 و يبدو أن التّفسيرين السابقين أقرب إلی المعنی.

‏٣- مفهوم «روح القدس» لدی المسيحيين‌

‏ورد في قاموس الكتاب المقدس: «إن روح القدس هو الأقنوم الثالث من الأقانيم الثلاثة الإلهية. و يقال له (الروح)، لأنه مبدع الحياة، و يسمی مقدسا لأن من أعماله تقديس قلوب المؤمنين، و لما له من علاقة باللّه و المسيح يسمی أيضا (روح اللّه) و (روح المسيح)».

‏و ورد أيضا في هذه القاموس تفسير آخر هو: «أما روح القدس الذي يؤنسنا فهو الذي يحثنا دوما إلی قبول و فهم الاستقامة و الإيمان و الطاعة، و يحيي الأشخاص الذين ماتوا في الذنوب و الخطايا، و يطهرهم و ينزههم و يجعلهم لائقين لتمجيد حضرة واجب الوجود».

‏و كما يلاحظ، إن عبارات قاموس الكتاب المقدس أشارات إلی معنيين لروح القدس: الأول، إن روح القدس أحد الأرباب الثلاثة، و هذه هي عقيدة التثليث، و هي عقيدة شرك باللّه و مرفوضة، و الثاني يشبه التّفسير الثاني المذكور أعلاه.

‏٤- قلوب غافلة محجوبة

‏كان اليهود في المدينة يقفون بوجه الدعوة، و يمتنعون عن قبولها، و يتذرعون لذلك بمختلف الحجج، و الآية التي نحن بصددها تشير إلی واحدة من ذرائعهم.

‏وَ قالُوا: قُلُوبُنا غُلْفٌ‌ و لا ينفذ إليها قول!! كانوا يقولون ذلك عن استهزاء، غير أن القرآن أيّد مقالتهم، فبكفرهم و نفاقهم أسدل علی قلوبهم حجب من الظلمات و الذنوب، و ابتعدوا عن رحمة اللّه، فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ‌.

‏و هذه مسألة تطرحها آية اخری من قوله تعالی: وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللَّـهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا3.

الهوامش:

‏1 النحل، ١٠٢.

‏2 تفسير المنار، ذيل الآية المذكورة.

3 النساء، ١٥٥.

المصدر: الأمثل

2021/04/26

‏ماذا تعرف عن ’هاروت’ و ’ماروت’‌ وتاريخ السحر؟

‏كثر الحديث بين أصحاب القصص والأساطير عن هذين الملكين، واختلطت الخرافة بالحقيقة بشأنهما، حتی ما عاد بالإمكان استخلاص الحقائق مما كتب بشأن هذه الحادثة التاريخية، و يظهر أن أصح ما قيل بهذا الشأن و أقربه إلی الموازين العقلية و التاريخية و الأحاديث الشريفة هو ما يلي:

[اشترك]

‏شاع السحر في أرض بابل و أدّی إلی إحراج النّاس و ازعاجهم، فبعث اللّه ملكين بصورة البشر، و أمرهما أن يعلما النّاس طريقة إحباط مفعول السحر، ليتخلصوا من شرّ السحرة.

‏كان الملكان مضطرين لتعليم النّاس اصول السحر، باعتبارها مقدمة لتعليم طريقة إحباط السحر. واستغلت مجموعة هذه الأصول، فانخرطت في زمرة الساحرين، وأصبحت مصدر أذی للناس.

‏الملكان حذرا النّاس- حين التعليم- من الوقوع في الفتنة، ومن السقوط في حضيض الكفر بعد التعلم، لكن هذا التحذير لم يؤثّر في مجموعة منهم١.

‏وهذا الذي ذكرناه ينسجم مع العقل والمنطق، و تؤيده أحاديث أئمّة آل البيت عليهم السّلام منها ما ورد في كتاب عيون أخبار الرضا (و قد أورده في أحد طرقه عن الإمام الرضا عليه السّلام في طريق آخر عن الامام الحسن العسكري عليه السّلام)٢.

‏أمّا ما تتحدث عنه بعض كتب التاريخ ودوائر المعارف بهذا الشأن فمشوب بالخرافات والأساطير، و بعيد كل البعد عمّا ذكره القرآن، من ذاك مثلا أن الملكين أرسلا إلی الأرض ليثبت لهما سهولة سقوطهما في الذنب إن كانا مكان البشر، فنزلا و ارتكبا أنواع الآثام و الذنوب و الكبائر!! والنص القرآني بعيد عن هذه الأساطير و منزّه منها.

‏لفظ هاروت وماروت‌

‏زعم بعض المحققين أن «هاروت» و «ماروت» لفظان فارسيان قديمان.

‏وقال: إن كلمة «هوروت» تعني «الخصب»، و «موروت» تعني «عديم الموت» واسما هاروت و ماروت مأخوذان، من هذين اللفظين٣. و هذا الاتجاه في فهم معنی الاسمين لا يقوم علی دليل.

‏و في كتاب «أوستا» وردت ألفاظ مثل: «هرودات» و يعني «شهر خرداد»، و كذلك «أمردات» بمعنی عديم الموت، و هو نفسه اسم «شهر مرداد»٤.

‏و في معجم (دهخدا) تفسير للفظين شبيه بما سبق.

‏و العجيب أن البعض ذهب إلی أن هاروت و ماروت من البشر و من سكنة بابل!، و قيل أيضا أنّهما من الشياطين!! و الآيات المذكورة ترفض ذلك طبعا.

‏كيف يكون الملك معلما للإنسان؟

‏يبقی السّؤال عن الرابطة بين الملك والإنسان، وهل يمكن أن تكون بينهما رابطة تعليمية؟ الآيات المذكورة تصرح بأن هاروت و ماروت علّما النّاس السحر، و هذا تمّ طبعا من أجل إحباط سحر السحرة في ذلك المجتمع. فهل يمكن للملك أن يكون معلما للإنسان؟

‏الأحاديث الواردة بشأن الملكين تجيب علی هذا السّؤال، و تقول: إن اللّه بعثهما علی شكل البشر، و هذه الحقيقة يمكن فهمها من الآية التاسعة لسورة الأنعام أيضا، حيث يقول تعالی: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا.

‏لا قدرة لأحد علی عمل دون إذن اللّه‌

‏نفهم من قول اللّه في هذه الآيات أن السحرة ما كانوا قادرين علی إنزال الضّر بأحد دون إذن اللّه سبحانه، و ليس في الأمر «جبر» و لا إرغام، بل إن هذا المعنی يشير إلی مبدأ أساس في التوحيد، و هو إن كلّ القوی في هذا الكون تنطلق من قدرة اللّه تعالی، النار إذ تحرق إنما تحرق بإذن اللّه، و السكين إذ تقطع إنما تقطع بأمر اللّه. لا يمكن للساحر أن يتدخل في عالم الخليفة خلافا لإرادة اللّه.

‏كلّ ما نراه من آثار و خواص إنما هي آثار و خواص جعلها اللّه سبحانه للموجودات المختلفة، و من هذه الموجودات من يحسن الاستفادة من هذه الهبة الإلهية و منهم من يسي‌ء الاستفادة منها. و «الاختيار» الذي منحه اللّه للإنسان إنما هو وسيلة لاختباره و تكامله.

‏السحر و تأريخه

‏الحديث عن السحر و تاريخه طويل، و نكتفي هنا بالقول إن جذوره ضاربة في أعماق التاريخ، و لكن بداياته و تطوراته التاريخية يلفّها الغموض و لا يمكن تشخيص أول من استعمل السحر.

‏و بشأن معناه يمكن القول: إنه نوع من الأعمال الخارقة للعادة، تؤثر في وجود الإنسان، و هو أحيانا نوع من المهارة و الخفة في الحركة و إيهام للأنظار، كما إنه أحيانا ذو طابع نفسي خيالي.

‏و السحر في اللغة له معنيان:

‏١- الخداع و الشّعوذة و الحركة الماهرة.

‏٢- كل ما لطف و دقّ.

‏و الراغب ذكر للفظ السحر ثلاثة معان قرآنية:

‏الأوّل: الخداع و تخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، و ما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع.

‏الثّاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.

‏الثّالث: هو اسم لفعل يزعمون أنه من قوّته يغيّر الصور و الطبائع فيجعل الإنسان حمارا، و لا حقيقة لذلك‌٥.

‏نستنتج من دراسة ٥١ موضعا من مواضع ذكر كلمة «سحر» في القرآن الكريم أن السحر ينقسم في رأي القرآن الكريم علی قسمين:

‏١- الخداع و الشعبذة و خفة اليد و ليس له حقيقة كما جاء في قوله تعالی:

‏فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعی‌٩ و قوله: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ‌٦ و يستفاد من هذه الآيات أن السحر ليس له حقيقة موضوعية حتی يمكنه التأثير في الأشياء، بل هو خفة حركة اليد و نوع من خداع البصر فيظهر ما هو خلاف الواقع.

‏٢- يستفاد من آيات اخری أن للسحر أثرا واقعيا، كقوله سبحانه:

‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ‌، و قوله: وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ‌ كما مرّ في الآيات التي نحن بصددها.

‏و هل إن للسحر تأثيرا نفسيا فقط، أم يتعدی ذلك إلی الجسم أيضا؟ لم تشر الآيات أعلاه إلی ذلك، و يعتقد بعض النّاس أن هذا التأثير نفسي لا غير.

‏جدير بالذكر أن بعض ألوان السحر كانت تمارس عن طريق الاستفادة من خواص المواد الكيمياوية و الفيزياوية لخداع النّاس. فيحدثنا التاريخ أن سحرة فرعون وضعوا داخل حبالهم و عصيّهم مادة كيمياوية خاصّة (و لعلها الزئبق)، كانت تتحرك بتأثير حرارة الشمس أو أية حرارة اخری، و توحي للمشاهد أنها حيّة. و هذا اللون من السحر ليس بقليل في عصرنا الرّاهن.

‏السّحر في رأي الإسلام‌

‏أجمعت الفقهاء علی حرمة تعلم السحر وممارسته، و جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام: «من تعلّم من السّحر قليلا أو كثيرا فقد كفر و كان آخر عهده بربّه»٧.

‏و لكن- كما ذكرناه يجوز تعلم السحر لإبطال سحر السحرة، بل يرتفع الجواز أحيانا إلی حد الوجوب الكفائي، لإحباط كيد الكائدين و الحيلولة دون نزول الأذی بالنّاس من قبل المحتالين. دليلنا علی ذلك حديث‌ روي عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر محمّد الصادق عليه السّلام: «كان عيسی بن شقفی ساحرا يأتيه النّاس و يأخذ علی ذلك الأجر فقال له جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السّحر و كنت آخذ عليه الأجر و كان معاشي و قد حججت منه و منّ اللّه عليّ بلقائك و قد تبت إلی اللّه عزّ و جلّ فهل لي في شي‌ء من ذلك مخرج فقال له أبو عبد اللّه حلّ و لا تعقد»٨.

‏و يستفاد من هذا الحديث أن تعلّم السحر و العمل به من أجل فتح و حلّ عقد السحر لا إشكال فيه.

‏السحر في رأي التوراة

‏أعمال السحر و الشّعبذة في كتب العهد القديم (التوراة و ملحقاتها) هي أيضا ذميمة غير جائزة. فالتوراة تقول: «لا تلتفتوا إلی الجان و لا تطلبوا التوابع فتنجسوا بهم و أنا الربّ إلهكم»٩.

‏و جاء في موضع آخر من التوراة: «و النفس التي تلتفت إلی الجان و إلی‌ التوابع لتزني ورائهم اجعل وجهي ضد تلك النفس و اقطعها من شعبها»١٠.

‏و يقول قاموس الكتاب المقدس: «واضح أن السحر لم يكن له وجود في شريعة موسی، بل إن الشريعة شددت كثيرا علی أولئك الذين كانوا يستمدون من السحر».

‏و من الطريف أن قاموس الكتاب المقدس الذي يؤكد علی أن السحر مذموم في شريعة موسی، يصرح بأن اليهود تعلّموا السحر و عملوا به خلافا لتعاليم التوراة فيقول: «... و لكن مع ذلك تسرّبت هذه المادة الفاسدة بين اليهود، فآمن بها قوم، و لجأوا إليه في وقت الحاجة»١١.

‏و لذلك ذمهم القرآن، و أدانهم لجشعهم و طمعهم و تهافتهم علی متاع الحياة الدنيا.

‏السحر في عصرنا

‏توجد في عصرنا مجموعة من العلوم كان السحرة في العصور السالفة يستغلونها للوصول إلی مآربهم.

‏١- الاستفادة من الخواص الفيزياوية و الكيمياوية للأجسام، كما ورد في قصّة سحرة فرعون و استفادتهم من خواص الزئبق أو أمثاله لتحريك الحبال و العصيّ.

‏واضح أن الاستفادة من الخصائص الكيمياوية و الفيزياوية للأجسام ليس بالعمل الحرام، بل لا بدّ من الاطلاع علی هذه الخصائص لاستثمار مواهب الطبيعة، لكن المحرم هو استغلام هذه الخواص المجهولة عند عامة النّاس لإيهام الآخرين و خداعهم و تضليلهم، مثل هذا العمل من مصاديق السحر، (تأمل بدقة). ٢- الاستفادة من التنويم المغناطيسي، و الهيبنوتيزم، و المانيةتيزم، و التله‌باتي (انتقال الأفكار من المسافات البعيدة).

‏هذه العلوم هي أيضا إيجابية يمكن الاستفادة منها بشكل صحيح في كثير من شؤون الحياة. لكن السحرة كانوا يستغلونها للخداع و التضليل.

‏ولو استخدمت هذه العلوم اليوم أيضا علی هذا الطريق المنحرف فهي من «السحر» المحرّم.

‏بعبارة موجزة: إن السحر له معنی واسع يشمل كل ما ذكرناه هنا و ما أشرنا إليه سابقا.

‏و من الثابت كذلك أن قوة الإرادة في الإنسان تنطوي علی طاقات عظيمة.

‏و تزداد هذه الطاقات بالرياضات النفسية، و يصل بها الأمر أنها نستطيع أن تؤثر علی الموجودات المحيطة بها، و هذا مشهود في قدرة المرتاضين علی القيام بأعمال خارقة للعادة نتيجة رياضاتهم النفسية.

‏جدير بالذكر أن هذه الرياضات تكون مشروعة تارة، و غير مشروعة تارة اخری.

الرياضات المشروعة تخلق في النفوس الطاهرة قوة إيجابية بناءة، و الرياضات غير المشروعة تخلق قوة شيطانية، و قد تكون كلا القوتين قادرتين علی القيام بأعمال خارقة للعادة، لكن الاولی إيجابية بناءة، و الاخری مخربة هدامة.

 الهوامش:

‏١ مجمع البيان، في تفسير الآية المذكورة. الوسائل، ج ١٢، ص ١٠٦- ١٠٧.

‏٢ نفس المصدر.

‏٣ أعلام القرآن، ص ٦٥٥.

‏٤ نفس المصدر.

‏٥ مفردات الراغب، مادة سحر.

‏٦ طه، ٦٦.

‏٧ الأعراف، ١١٦.

‏٨ وسائل الشيعة، الباب ٢٥، من أبواب ما يكتسب به، حديث ٧.

‏٩ وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٠٥، ح ٥.

‏١٠ الكتاب المقدس سفر لاويين الإصحاح، ١٩ الرقم ٣١.

‏١١ الكتاب المقدس سفر لاويين الإصحاح ٢٠ الرقم ٦.

2021/04/20

حقيقة أم خيال: هل وقع ’التحريف’ في القرآن؟!

عدم تحريف القرآن

نحن نعتقد ـ بالرغم من كل الدعايات السيّئة للنّيل من الشيعة ـ بأنّ القرآن الكريم الموجود عندنا وعند جميع المسلمين اليوم هو عين القرآن الذي نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من دون زيادة أو نقصان حتى في كلمة واحدة.

[اشترك]

وقد بيّنا هذا الأمر بوضوح في كتب التفسير وأصول الفقه وغيرها من الكتب ، وأثبتنا ذلك بالأدلة العقلية والنقلية.

نحن نعتقد بأنّ المسلمين ـ أعم من الشيعة والسنّة ـ متفقون على أنّ القرآن الموجود بين الدفتين لم يضف إليه شيء ، وأمّا بالنسبة لجانب النقص فأكثر المحقّقين من الطرفين ـ بل كاد يكونُ إجماعاً ـ على عدم وجود النقص في القرآن الكريم.

هناك أشخاص معدودون من كلا الفريقين يعتقدون بوجود نقص في القرآن الكريم ، ولا يوجد من يؤيد كلامهم بين أهل التحقيق المعروفين من المسلمين.

كتابان من كلا الفريقين

ومن جملة هؤلاء : «ابن الخطيب المصري» وهو من أهل السنّة ، فقد ألّف كتاباً بعنوان «الفرقان في تحريف القرآن» ونشر في سنة ١٩٤٨ م الموافق لعام ١٣٦٧ ه‍ ـ ق ، وعند ما علمت جامعة الأزهر بذلك قامت بسحب جميع النسخ وإتلافها ، إلّا أنّ هناك بعض النسخ وقعت في أيدي بعض الناس وبشكل غير قانوني.

وكذلك هناك كتاب تحت عنوان «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب» كتب بقلم أحد محدّثي الشيعة هو «الحاج نوري» وطبع في سنة ١٢٩١ ه‍ ـ ق ، وبمجرّد أن طبع استنكر كبار علماء حوزة النجف الأشرف هذا العمل وأمروا بجمع نسخ الكتاب ، وكتبوا كتباً متعددة في الردّ عليه ، ومن جملة العلماء الذين كتبوا في الردّ على كتاب «فصل الخطاب» :

١. الفقيه الكبير المرحوم الشيخ محمود بن أبي القاسم ، المعروف بمعرب الطهراني (توفي سنة ١٣١٣ ه‍ ـ) كتب كتاباً تحت عنوان «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب».

٢. المرحوم العلّامة السيد محمّد حسين الشهرستاني (توفي سنة ١٣١٥ ه‍ ـ) كتب في الرد على كتاب فصل الخطاب كتاباً تحت عنوان «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف».

٣. المرحوم العلّامة البلاغي (توفي سنة ١٣٥٢ ه‍ ـ) وهو أحد المحقّقين في حوزة النجف الأشرف خصص فصلاً في تفسيره المعروف «آلاء الرحمن» للردّ على كتاب «فصل الخطاب»1.

٤. ونحن بدورنا بحثنا مسألة تحريف القرآن الكريم بحثاً موسّعاً في كتابنا «أنوار الأصول» وأجبنا بشكل قاطع عن كل الشبهات الموجودة في كتاب «فصل الخطاب».

إنّ المرحوم الحاج النوري مع كونه عالماً ، إلّا أنّه اعتمد على روايات ضعيفة كما قال العلّامة البلاغي وقد ندم بعد انتشار كتابه على ما خطته يداه. وعد كبار علماء حوزة النجف الأشرف عمله هذا من الأخطاء الواضحة2.

والملفت للنظر أنّ الحاج النوري بعد انتشار كتابه اضطر إثر النقد الكبير الذي واجهه من قبل الطرفين أن يكتب رسالة يدافع بها عن نفسه ويوضّح أن مقصوده من ذلك عدم وقوع التحريف في كتاب الله ، وأنّ الناقدين أساءوا فهم عباراته.

يقول المرحوم العلّامة السيد هبة الدين الشهرستاني : «عند ما كنت في سامراء التي حوّلها المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير إلى مركز علمي ، كانت هناك ضجة كبيرة ضد الحاج النوري وضد كتابه ، وأطلق بعضهم كلمات بذيئة ونابية تنال من شخصه»3.

ومع هذا كله ، هل يمكن القول بأنّ كلام الشيخ النوري يمثّل عقيدة الشيعة؟

ولكن هناك عدّة من الوهابيين المتعصبين ـ بحجّة وجود كتاب فصل الخطاب ـ مصرون على نسبة مسألة تحريف القرآن للشيعة. فإذا كان رأي كاتب ما دليلا على اعتقاد الشيعة بهذا الأمر ، فلا بد أن ننسب مسألة تحريف القرآن الكريم أيضاً إلى علماء السنّة ؛ لأن «ابن الخطيب» ذكر هذا الأمر في كتابه «الفرقان في تحريف القرآن». فإذا كان انزعاج علماء الأزهر من هذا الكتاب دليلا على معارضتهم لمضمونه ، فكذلك الأمر بالنسبة لمعارضة علماء النجف الأشرف لكتاب «فصل الخطاب» يكون دليلا على نفي التحريف.

وقد نقل كلّ من تفسير «القرطبي» و «الدر المنثور» ـ وهما من التفاسير المعروفة عند أهل السنّة ـ عن عائشة (زوجة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) قولها : «إنّها ـ أي سورة الأحزاب ـ كانت مائتي آية فلم يبق منها إلّا ثلاث وسبعون»4. بل هناك في صحيح البخاري وصحيح مسلم روايات يشم منها رائحة التحريف5.

ولكننا لا نجيز لأنفسنا أن ننسب القول بالتحريف لإخواننا السنّة استناداً لرأي كاتب ، أو وجود روايات ضعيفة في كتبهم ، وفي المقابل ، عليهم أن لا ينسبوا ذلك للشيعة لمجرد وجود رأي كاتب ما ، أو وجود روايات ضعيفة في كتبهم لا يقبلها علماء الشيعة. ولو ألقينا نظرة على مجموع الروايات التي اعتمدها الشيخ النوري لوجدنا أنّها مروية عن ثلاثة رواة ، وهم ما بين فاسد المذهب أو كذّاب أو مجهول الحال وهم :

أحمد بن محمّد السياري : فاسد المذهب.

علي بن أحمد الكوفي : كذّاب.

أبو الجارود : مجهول الحال أو مردود6.

مخاطر هذه الاتهامات

هناك أفراد يصرون على توجيه تهمة تحريف كتاب الله ، للشيعة ، وكأنّهم غير ملتفتين إلى أنّ توجيه التهمة لمجرّد الخصومة الطائفية يؤدّي إلى زعزعة أصل الإسلام ؛ وذلك لأنّ الأعداء يقولون : إنّ مسألة عدم تحريف القرآن غير مسلّمة عند المسلمين ، وهناك فرقة عظيمة تعتقد بتحريف القرآن ، ونحن ننصح هؤلاء الإخوة أن لا يجعلوا قلب الإسلام ، وهو القرآن الكريم ، هدفاً بسبب الخلافات والتعصبات المذهبية. ارحموا الإسلام والقرآن ، لكي لا يستغل الأعداء كثرة الحديث عن التحريف للنيل من الإسلام والقرآن الكريم.

لقد انتشرت هذه التهم والافتراءات إلى حدٍّ كبير وللأسف ، حتى أنني التقيت في إحدى سفراتي إلى بيت الله الحرام للعمرة ، وزير الشئون الدينية السعودي ، وقال : لقد سمعت أنّ لكم مصحفاً غير مصحفنا!!

فقلت له : إنّ اكتشاف هذا الأمر سهل جدّاً ، فما عليك إلّا أن تذهب بشخصك أو تبعث مندوباً عنك ـ على نفقتنا ـ إلى طهران ، وتبحث في جميع نسخ القرآن الموجودة في المساجد والبيوت ، وانتخب أي مسجد تشاء وأي منزل ترغب ، واطلب قرآناً من أي شخص ، فستجد أنّه لا يوجد أي اختلاف ولا في كلمة واحدة مع جميع نسخ القرآن الموجودة في العالم الإسلامي ، وعالم كبير مثلك يجب أن لا يقع تحت تأثير هذه الشائعات والأكاذيب.

وقرّاؤنا ولله الحمد شاركوا في الكثير من المسابقات الدولية لقراءة القرآن وحصلوا على المراكز الأولى ، وكان حفّاظنا وخصوصاً البراعم منهم مورد إعجاب وثناء الكثيرين من شخصيات دول العالم الإسلامي.

ويزداد عدد القرّاء وحفّاظ القرآن عندنا بالآلاف في كل عام ، ومدارس حفظ القرآن وتلاوته وتفسيره ، وكليات علوم القرآن منتشرة في جميع أنحاء بلادنا الواسعة ، ومن السهل إثبات ذلك للجميع من خلال مشاهدة تلك البرامج عن كثب.

ولا يوجد في جميع هذه الأماكن قرآن آخر غير هذا القرآن المعروف بين جميع المسلمين ، ولا يوجد أحد يعرف قرآناً غيره ، ولا حديث عندنا عن تحريف القرآن في أي مناسبة أو احتفال.

 الهوامش:

1. تفسير آلاء الرحمن ، ج ١ ، ص ٢٥.

2. تفسير آلاء الرحمن ، ج ٢ ، ص ٣١١.

3. «برهان روشن» باللغة الفارسية ، ص ١٤٣.

4. تفسير القرطبي ، ج ١٢ ، ص ١١٣ ؛ وتفسير الدر المنثور ، ج ٥ ، ص ١٨٠.

5. صحيح البخاري ، ج ٨ ، ص ٢٠٨ ـ ٢١١ ؛ وصحيح مسلم ، ج ٤ ، ص ١٦٧ وج ٥ ، ص ١١٦.

6. لمعرفة المزيد عن أحوال هؤلاء يراجع كتاب رجال النجاشي وفهرست الشيخ الطوسي وكتب رجالية أخرى.

*من كتاب الشيعة شبهات وردود

2021/03/30

«كواعب أترابا»: فتيات الجنة.. متساويات في السنّ والجمال
معنى قوله تعالى (وكواعب أترابا) هو ما ذهب إليه طائفةٌ من أهل العلم والتفسير، وسنقتصر في بيان هذه الآية على ثلاثة مصادر: [اشترك]

أحدها: ما ورد في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسيّ، إذْ بيّن المراد من الآية من حيث اللغة، ومن حيث المعنى المراد من الآية وفْق ما عليه جمهور المفسّرين، فمن حيث اللغة: قال: والكواعب: جمع الكاعب، وهي الجارية التي نهد ثدياها.

والأتراب: جمع الترب. وهي اللدة التي تنشأ مع لدتها على سنِّ الصبيّ الذي يلعب بالتراب.

وأمّا من حيث المعنى المراد من الآية، فقال الطبرسيّ: (وكواعب أترابا ) أي جواري تكعب ثديهنَّ مستويات في السنِّ، عن قتادة، ومعناه: استواء الخلقة والقامة والصورة والسنّ، حتّى يكنَّ متشاكلات، وقيل: أتراباً على مقدار أزواجهنّ في الحسن والصورة والسن، عن أبي عليّ الجبائيّ.

وثانيها: ما ورد في تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب للشيخ الميرزا محمّد المشهديّ (ج 14/ص115)، إذْ نقل عن تفسير عليّ بن إبراهيم: قوله: « وكَواعِبَ أَتْراباً » قال: جوار وأتراب لأهل الجنّة.  ونقل عن رواية أبي الجارود عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال في قوله: « وكَواعِبَ أَتْراباً »، أي: الفتيات النّواهد.

وثالثها: ما ورد في كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل للشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ (ج 19/ص352): قال: (الكواعب) جمع كاعب، وهي البنت حديثة الثدي، للإشارة إلى شباب زوجات المتّقين في الجنّة.  و(الأتراب): جمع ترب، ويطلق على مجموعة الأفراد المتساويين في العمر، واستعماله في الإناث أكثر، قيل: إنّها من الترائب، وهي: أضلاع الصدر، وذلك لما بينهما من شبه من حيث التساوي والتماثل.  ويحتمل أن يكون المراد من الأتراب التساوي بين نساء أهل الجنّة في العمر، فيكوننّ شابّات متساويات في القدّ والقامة والجمال، أو تساوي العمر بينهن وبين أزواجهنَّ من المؤمنين، لأنّ للتساوي في العمر له أثره النفسيّ على إدراك مشاعر الطرف الآخر..  إلّا أنّ المعنى الأوّل أكثر تناسباً.

2021/02/16

تحريف القرآن: ’’فصل الخطاب’’ .. خطيئة كاتب أو خطأٌ في الكتاب!

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

تقوم تهمة الشيعة بتحريف القرآن على مبرّرين، وتستند إلى أمرين لا ثالث لهما:

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

الأول- الأحاديث والروايات المتواترة، وكما لا يخفى، فإنّ التواتر يثبت الصدور، ولا شأن له لا بالدلالة، ولا بجهة الصدور، كما سيتبيّن.

الثاني- تصريحات بعض العلماء، بل تصنيفهم كما وقع من المحدّث النوري(ت1320هـ) في تصنيفه لكتاب: فصل الخطاب...!

 ومسألة التحريف تعتمد أولاً وأخيراً على تحرير المصطلح، وتنقيح دلالة اللفظ، من حيث إنّ هذا اللفظ (التحريف) قد يطلق على معنى لا يختلف اثنان على تحقّقه في كتاب الله تعالى، ومن ثمّ نقول: إنّ منشأ التشنيع، وسبب مؤاخذة الشيعة لا يخلو من أمرين:

فإمّا هو استعمال اللفظ (التحريف) واطلاق هذا المصطلح، فمضافاً إلى أنّ أمر الألفاظ هينٌ، فقد استعمله كبار علماء أهل السنة، فخذ مثلاً: صاحب فيض الباري الذي كتب قائلاً: "والذي تحقَق عندي أن التحريفَ فيه (القرآن) لفظيُّ أيضًا.. " .(الكشميري الهندي- فيض الباري على صحيح البخاري ج4 / 98).

أو أنّ الأمر يعود لمعنى التحريف، فعندها فلابد من تنقيح مدلوله وتحرير معناه قبل استعماله، فإنّ الحكم على الشيء قبل تصوره؛ باطلٌ عقلياً و عقلائياً، وعليه: تختلف المواقف منه باختلاف معناه، ذلك أنّ مفهوم "تحريف القرآن" له ستة معانٍ أو تزيد، ولا أريد اجترار ما قد فصّله الأعلام في هذا الشأن (فراجع مثلاً: البيان للخوئي، ص196)، وإنّما الشأن كلّه في تحقيق أمرين بإيجاز:

الأوّل- أنّ اجماع أهل السنة قائم على التحريف بالزيادة والنقيصة.

 والمقصود بالزيادة أن بعضاً مما في المصحف ليس من كلام الله عزّ وجل ووحيه المنزل على نبيه (ص)، كأن يقال بزيادة سورة، أو آية ، أو جملة أو كلمة أو حتى حرف، وهو أوضح مظهرٍ لعنوان: تحريف القرآن، وعلى الرغم من الأدلة القاطعة على نفيه وبطلانه، و اجماع المسلمين (نظريّاً) على انكاره، وخلو روايات أهل البيت وأقوال علماء الشيعة منه اطلاقاً وقولاً واحداً، يقول الصدوق (ت381هـ): اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (ص) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس... ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب. (الاعتقادات،ص84)، بيد أنّ أهل السنة والجماعة يروون أحاديث صحيحة تفيد وقوع هذا النوع من التحريف، ومن أوضحها ما جاء من أخبار في المعوّذتين، فقد روى البخاري عَنْ زِرٍّ بن حُبيش قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: ((قِيلَ لِي فَقُلْتُ))، قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ!!! ( صحيح البخاري، ح 4977)، وقد حلّ هذا الحديث المطلسم ابن حجر وكشف ابهامه قائلاً:" هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا، وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَبْهَمَهُ اِسْتِعْظَامًا لَهُ...كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفه، وَيَقُول: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه ..."( فتح الباري 8/ 742).

وأمّا التحريف بالحذف و النقصان، فغُلّف عند عامة أهل السنة  تحت شعار "النسخ"، في مغالطة واضحة تُعرف بـ : (اعطه اسماً، ودعه يمرُّ، بنحت مصطلح جديد)، فاستُبدل مصطلح التحريف بمصطلح "النسخ"، وبالخصوص: نسخ التلاوة دون الحكم، من قبيل: آية الرجم الواردة في الصحيحين: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة..)، أو مع الحكم، ومثاله قول عائشة: (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات يحرمن) فالجملة الأولى منسوخة في التلاوة والحكم، أما الجملة الثانية فهي منسوخة في التلاوة فقط، فهذان القسمان من النسخ هما عين القول بالتحريف بالنقصان، وهذا مع سابقه يفضيان للقول بالتحريف في أجلى صوره: الزيادة والنقصان! وهما منفيان في مذهب أهل البيت جزماً..!

الثاني- التحريف في روايات الشيعة وعلمائهم

وبالعودة لما جاء في مقدمة المقال، يتوجب الان تفكيك ذينك المبررين:

1ـ أمّا الروايات، فينصّ الأعلام على تواتر مجموع أحاديث التحريف، وحكمهم هذا غير مجانب للصواب، غير أنّ الكلام ليس عن صدورها ليقال بناءً على تواترها: إنكم تعتقدون بالتحريف! وإنّما عن مضمونها ودلالتها، وعن معنى التحريف فيها، فالصدور شيء والمضمون شيءٌ آخر، فمثلاً: يتفق كلّ المسلمين على تواتر حديث الغدير أو الثقلين..، لكنّهم لا يقرّون  لأهل البيت بالإمامة،  ليس لأنّهم يُنكرون صدور الحديثين؛ بل لأنّهم يختلفون في مضمونه ودلالته ومعناه، فهكذا الحال في روايات التحريف، فقسمٌ كبير منها يتحدث عن التحريف المعنوي وهو ثابت بلا ريب، وإلا فلا معنى لتعدد التفاسير، واختلاف المسلمين، كتلك التي تضمّنت التحريف بلفظه مثل: "أصحاب العربية يحرفون كلام الله عز وجل عن مواضعه" وقسمٌ آخر من الروايات تطلق لفظ القرآن أو التنزيل على التأويل والتفسير، مثل: "نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد - ص - هكذا: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا – في علي - فأتوا بسورة من مثله "، أو التي الرواية تقول: "لو قرئ القرآن - كما أنزل - لألفينا مسمين"، وفي هذا السياق يقول المفيد(ت413هـ) : وقد يسمّى تأويل القرآن (قرآناً) قال الله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه : 114] فسمّى تأويل القرآن قرآنا، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف (أوائل المقالات،ص82)، وعلى هذا المعنى يحمل الخبر الذي يقول: إنّ القرآن الذي جاء به جبريل إلى النبي سبعة عشر ألف آية، وبعض الروايات يشير لقراءة اهل البيت، واختلافها عن قراءة حفص عن عاصم، أو بقية القراءات، مثل الرواية التي تنصّ على أنّ قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران : 110] تقرأ : كنتم خير أئمة. وهكذا.

2ـ وأمّا كلمات بعض الأعلام بهذا الشأن أعني وقوع التحريف في القرآن الكريم فهي على أقسام، فمنها غير الظاهر في المراد وللعالم نفسه كلام آخر يعارضه، ومنها الظاهر في إرادة التحريف المعنوي، وثمة كلمات شاذة ظاهرها اعتقاد صاحبها بالتحريف،  ولا تعدو أن تكون أقوال رجال لا يوصف أصحابها بأكثر من الخطأ، والمحدّث النوري، هو أكثر من يرد اسمه في هذا السياق بمقتضى تأليفه كتاب: فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب، الذي جمع فيه الأحاديث الواردة من الفريقين بشأن  التحريف، وقد مرّ علينا إلى أنّها على طوائف، والأهمّ من ذلك، هو أنّ الرجل اعترف بالخطأ في تسمية الكتاب، وأنّ عنوانه يدل على خلاف ما يريد ، كما نقل عنه تلميذه آغا بزرك الطهراني قائلاً: إنّي اثبتُّ في هذا الكتاب أنّ هذا الموجود المجموع بين الدفتين كذلك، باقٍ على ما كان عليه في أول جمعه كذلك في عصر عثمان، ولم يطرأ عليه تغيير وتبديل كما وقع على سائر الكتب السماوية، فكان حريّاً بأنّ يسمّى: (فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب)، فتسميته بهذا الاسم الذي يحمله الناس على خلاف مرادي خطأٌ في التسمية. (الذريعة إلى تصانيف الشيعة،ج16،ص232)، ولم يشفع الاعتراف بالخطأ للنوري عند بعض المعاصرين، حتى اعتبره خطيئة وذنبٌ عظيم، قد بكتْ عليه السماوات، وكادت تتدكدك على الأرض" (الخميني-أنوار الهداية،ج1ص245).

 

2021/02/07

كيف أعرف أن القرآن معجزة إلهية وليس من إنشاء ’النبي’؟ ... آية الله السيد السيستاني يجيب
ينشر «موقع الأئمة الاثني عشر» نص إجابة سماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني، دامت بركاته، على سؤال يخص القرآن الكريم كمعجزة إلهية ليست من انشاء النبي (ص).

أدناه نص السؤال مع الجواب وتتمته مرفقة في ملف (PDF):

كيف يمكنني أن أعرف أن القرآن الكريم معجزة إلهية؟

الجواب: إن معرفة كون القرآن الكريم معجزة إلهية وليس إنشاءً من الرسول محمد (ص) يمكن أن تكون بطريقين:

١ ــ طريق تاريخي.

٢ ــ وطريق وجداني.

والفرق بينهما: أن الطريق التاريخي إنّما يتضح إذا استطاع الإنسان أن ينقل نفسه من خلال الاطلاع على ثوابت التاريخ إلى تلك الحقبة التاريخية.

ويتأمل الموضوع تأملاً حياً في ظروف نشأته وتكونه ويلاحظ دلالاته من هذا المنطلق، وبذلك يثير كثيراً من الدلالات التي أصبحت كامنة ومعتادة بمرور الزمن، بالنظر إلى معايشة آثار الحادث التاريخي المستقرة في المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان.

ومن البديهي أن المعلومات التاريخية الواضحة تصلح حجة حاضرة للناس، لأن الاهتمام بالتاريخ حالة فطرية في الإنسان ويهتم الإنسان عموماً بالوقائع العظيمة والمهمة التي وقعت في التاريخ الإنساني ويسعى إلى تحريها والاطلاع عليها، وهو ينتفع بها في معرفة دلالات الحاضر واتجاهاته، ومن ثم كانت مادة التاريخ أحد الموارد التعليمية العامة التي يتعهد عامة العقلاء في العصر الحاضر بالتدريس والتعليم.

وأما الطريق الوجداني فهو طريق يجد المرء دلالته فعلاً من غير حاجة إلى استحضار جو تاريخي سابق.

الطريق التاريخي:

أمّا الطريق التاريخي: فهو يقتضي أن نطلع على ظروف نشأة القرآن الكريم وتاريخه، لكن ما نحتاج إليه في هذا الجانب ليس أموراً تاريخية حدسية أو اجتهادية، بل يكفي الاطلاع على ثوابت التاريخ وبديهياته التي لا يرد الشك فيها.

لقد كان النبي (ص) فرداً من قبيلة قريش التي لم تكن تابعة لكتاب منزل ورسالة إلهية تتداولها، بل كان الغالب عليها كسائر القبائل العربية عقيدة الشرك رغم الأساس التوحيدي للبيت الحرام ــ حيث نشأ على يد إبراهيم (ع) الذي كان موحداً لله سبحانه ــ لكن جلّ قريش وسائر القبائل في الجزيرة العربية ضموا إلى الإيمان بالله العظيم ــ إله إبراهيم (ع) ــ أصناماً عبدوها كآلهة خاصة لهم، حتى بنيت ثقافتهم وعباداتهم مثل صلاتهم وحجهم ودعائهم وروابطهم الاجتماعية ومنافعهم الاقتصادية كلها على الشرك.

كما إنهم كانوا معنيين ببلاغة القول والكلام حتى كانوا يتنافسون فيها، ويقدرون المتكلم البليغ تقديراً مميزاً، وقد جاء أنهم اختاروا من قصائد العرب عدداً منها وعلقوها على الكعبة، وقد سميت لأجل ذلك بالمعلقات، وكانت هناك عروضات أدبية في الأسواق مثل سوق عكاظ.

تتمة الجواب في الملف المرفق للتحميل اضغط هنا

2021/01/09

د. ’شحرور’ وفهمه الخاطئ للقرآن: لماذا فرض الله الحجاب؟!

 

وَقْفَةٌ مَعَ الدُكْتور شَحْرور في آيَةِ الْحجَابِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 59].

صدق الله العلي العظيم

 

انطلاقا من الآية المباركة نطرح محاور ثلاثة:

المحور الأول: في الفرق بين التدبر والتفسير

التدبر عملية متاحة لكل مسلم باحث في القرآن حيث يقول القرآن الكريم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[محمد: 24]، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)[ص: 29].

التدبر هو عبارة عن التأمل واقتناص العظة أو العبرة أو الدروس التربوية أو المعلومات التحليلية، فعندما يقرأ الإنسان الآيات التي تتحدث عن الآخرة يقتنص منها العظة، فهذا تبدر، وعندما يقرأ الإنسان قصة التاريخ القرآني يستلهم الدروس الاجتماعية والتربوية من خلال العرض القرآني فإن هذا تدبر، وعندما يقوم الإنسان بالمقارنة بين ألفاظ القرآن وبين ما وصلت إليه حقائق العلوم الطبيعية، مثلا عندما يقرأ الإنسان قوله تعالى(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [فصلت: 11]، فما هو الفرق بين الدخان وبين أن هذا الكون كان كتلة غازية هلامية، وعندما يقرأ الإنسان قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء: 30]، فما هي علاقة «الفتق» بنظرية الانفجار العظيم، فإن كل هذا يُعد تدبر، فهو تأمل في أجواء القرآن وآفاق القرآن، وهذه العملية متاحة لكل مسلم.

أما التفسير فإنه عملية أعمق من التدبر، فالتفسير وضع النقاط على الحروف، فهو تحديد المعنى الحقيقي للآية المباركة، أي أن الإنسان يُشخّص أن هذا هو المعنى المقصود لله تبارك وتعالى في هذه الآيات المباركات، فإن تحديد المعنى الحقيقي للآية هي عملية تفسير، وهي أعمق من التدبر وأدق منها، لذلك عملية التفسير ليست متاحة لكل أحد.

إن عملية التفسير ليست متاحة لكل أحد لكن ليس لأنها حرام بل لأنها تحتاج إلى خبرة علمية أكثر مما تحتاجها عملية التدبر، فإن عملية تفسير القرآن تعتمد على أربعة علوم أساسية:

العلم الأول: علم اللغة

فإن القرآن الكريم نزل باللغة العربية (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «193» عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «194» بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «195») [الشعراء: 193 - 195]، فبما أن القرآن الكريم باللغة العربية فإذن فهم ألفاظه بعد 1400 سنة يحتاج إلى إلمام بعلم اللغة، واللغة العربية بطبيعتها تتغير وتخفى بعض ألفاظها وبعض معانيها وتنكمش بعض مضامينها، إذن تحتاج إلى خبرة بعلم اللغة حتى يستطيع الإنسان أن يضع الألفاظ بإزاء معانيها اللغوية العربية كما نزلت به من السماء.

العلم الثاني: علم البلاغة

القرآن قمة في البلاغة، فهل من الممكن أن أخوض فيه من دون معلومات بلاغية، فإن هذا غير ممكن، فإن القرآن يقول بنفسه (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88]، إذن يحتاج علم البلاغة حاضرا عندما يدخل المفسر آفاق القرآن الكريم، مثلا عندما يقول تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة: 55]، فهو عبّر بلفظ الجمع مع أنه يريد إنسانا واحدا، فلماذا عبر بلفظ الجمع؟ وما هي النكتة البلاغية في التعبير بلفظ الجمع مع أن القرآن يُريد شخصا واحدا؟ فإن هذا نوع من البلاغة، إذن علم البلاغة علمٌ أساس في تفسير القرآن الكريم.

العلم الثالث: علم القانون

القرآن هو كتاب قانون، فالقرآن ثلثه قوانين وتشريعات، هذه التشريعات وهذه القوانين منها المطلق ومنها المقيِّد، منها المجمل ومنها المفصل، منها موارد التعارض، ومنها موارد التزاحم، ومنها ما يُعمل فيه بالدليل، ومنها ما يُعمل فيه بالأصل، إذن الخوض في قوانين القرآن يحتاج إلى علم القانون، لذلك أسس الفقهاء علم الأصول، فعلم أصول الفقه هو عبارة أخرى عن علم القانون، فإن علم القانون بلغة حوزوية هو الذي يُعنى بإدارة القوانين وتحليلها والربط ما بينها سواء كانت في القرآن أو السنة النبوية.

العلم الرابع: علم الحديث

ربما يأتي إنسان ويقول لا نحتاج إلى الحديث والقرآن عربي، ونحن عرب والألفاظ واضحة فلماذا ندخل في علم الحديث؟ وما هو ربطه بالقرآن؟ نحن نقول أن القرآن نفسه يدعو لذلك، فأنت عندما تقرأ قوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) [الجمعة: 2]، يعني الكتاب يحتاج إلى تعليم وليس واضحا كما تراه، فالكتاب مع أنه نزل بلفظ عربي واضح إلا أن المعاني الدقيقة الواقعية للكتاب تحتاج إلى تعليم، فالقرآن نفسه يقول (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران: 7] وكذا يقول (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [العنكبوت: 49]، إذن يحتاج القرآن إلى علم، وأهل العلم به هم من وضعهم النبي  فقد اتفق المسلمون جميعا على صحة حديث الثقلين «إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُم‏ بِهِمَا»، فالقرآن وأهل البيت، فأهل البيت شارح للقرآن ومفسر له، فلابد من الرجوع إلى أحاديث أهل البيت، ولا نقصد أيَّ حديث بل الأحاديث الصحيحة الثابتة والتي يُعتمد عليها في مجال تفسير القرآن الكريم.

هذه علوم أساسية أربعة في تفسير القرآن الكريم، وكذلك هناك علوم فرعية يحتاجها المفسر، فالقرآن يضم مضامين فلسفية، فالمفسر يحتاج إلى خلفية ثقافية فلسفية، فالقرآن يتحدث عن قصص الإنسان منذ يوم آدم إلى يوم النبي ، فالغور في هذا الباب يحتاج إلى علم الاجتماع ليكتشف الإنسان كيفية تكون المجتمعات واندراسها، وما هي السنن التاريخية التي تتحكم في مسيرة المجتمعات، فالقرآن يتحدث عن النفس وشؤونها وخواطرها وجميع تفاصيلها الدقيقة، فيحتاج الإنسان إلى العلم الإنساني علم النفس ليتدبر المعاني القرآنية في هذا المجال.

إذن عملية التفسير ليست عملية سلسة ومتاحة وبراحة الإنسان أن يسلكها بل هي عملية معقدة تحتاج مجموعة من العلوم، ولذلك رُبطت بمن يمتلك هذه الأدوات وبمن يمتلك هذه العلوم.

المحور الثاني: في تناول آيتي الحجاب

المرحوم الدكتور محمد شحرور تناول آيتي الحجاب كما تناول عدّة آيات من القرآن الكريم بمنهج خاص سلكه في تحليل مضامين القرآن الكريم.

الآية الأولى: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 59].

هنا الدكتور استند إلى عنصرين:

العنصر الأول: عنصر النبوة

في عنصر النبوة قال أن الآية افتتحت بالنبي ولم تفتتح بالرسول، فلم تقل «يا أيها الرسول» بل «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ»، وفَرْق بين النبوة والرسالة، فإن النبوة تعني من تَلقى أنباء الغيب، والرسالة تعني من حمل التشريعات وبلّغها إلى المجتمع البشري، ففرق بين المقامين والموقعين، فالنبي هو من يتلقى أنباء الغيب عِبر الوحي، بينما الرسول مُكلّفٌ برسالة يُبلغها للمجتمع، وهذا الفرق بين النبي والرسول يرجع إلى جذر آخر - ذكره الدكتور في كتابه القرآن والكتاب - وهو الفرق بين القرآن والكتاب، فالقرآن هو مجمع العلوم، بينما الكتاب هو مجمع القوانين والتكاليف، والقرآن عنصر حضوري وموضوعي، بينما الكتاب عنصر ذاتي ومتغير.

ما هو الفرق بين العنصر الموضوعي والعنصر الذاتي؟

العنصر الموضوعي هو العنصر الثابت الذي لا يتغير بتغير الإنسان، فوجود الشمس عنصر موضوعي سواء وُجد الإنسان على الأرض أو لم يوجد فالشمس باقية، مات الإنسان أو بقي فإن الشمس باقية فهذا عنصر موضوعي، البعث عنصر موضوعي فإنه سيكون يوم بعث على كل حال، سواء أراد الإنسان أم لم يرد فإن هذا شيء ثابت لا يتغير بتغير الإنسان، وهذه تُسمى عناصر موضوعية؛ لأنها لا تدور مدار اختيار الإنسان ولا حركته، وهذه العناصر الموضوعية تضمنها القرآن الكريم، فكل المعلومات عن الكون وما وراء الكون حملها جزء من الكتاب يُسمى القرآن، فالقرآن مجمع للعلوم - علوم الكون وما وراء الكون - لذلك القرآن عنصر موضوعي، سواء صار تشريع أو لا، صار إنسان أو لا، فإن هذه العلوم عناصر ثابتة وموضوعية.

بينما نأتي للكتاب فإنه تشريعات وقوانين، وهذه القوانين مربوطة بالإنسان، فلو لم يكن إنسان على الأرض لما جاءت هذه القوانين، وكما أن تفعيل هذه القوانين يحتاج إلى الإنسان وحركة الإنسان واختيار الإنسان، فلو أن الإنسان رفضها ولم يمتثلها أصبحت القوانين فاشلة وعاطلة، إذن الكتاب عنصر ذاتي يدور مدار الإنسان، ليس مثل القرآن الذي هو عنصر موضوعي ثابت، ولهذا يقول أن القرآن شيء وأم الكتاب شيء آخر، فإن أم الكتاب فيها الحدود والعبادات والتعليمات والشرائع المرحلية والظرفية والدائمة، بينما القرآن ليس فيه أي تشريع بل هو وعاء العلم، ووعاء المعلومات والكون وما وراء الكون.

من هنا «النبي» هو من تلقى القرآن، والرسول من تلقى الكتاب. صحيح أن الوحي نزل - الوحي على قسمين - فهو نزل بعنصر موضوعي ثابت وهو القرآن فتلقاه، فمن تلقاه فهو نبي، ونزل بعنصر ذاتي متغير حسب حركة الإنسان فمن تلقاه فهو رسول، هذا هو الفرق بين موقع النبي وموقع الرسول.

ويريد أن يصل من هذا الكلام إلى أنه إذا ذُكر لفظ الرسول في القرآن الكريم فإن ما بعده تشريع؛ لأن الرسول هو من يحمل التشريعات، فعندما يقول «يا أيها الرسول بلّغ» فهو تشريع، لكن عندما يقول «يا أيها النبي» فإن هذا معناه معلومات لا تشريع، فإن ما يأتي بعد النبي من مضامين فهي تعليمات وليست تشريعات، فهي ليست تكاليف إلزامية للناس بل هي مجرد تعليمات وإرشادات.

ولذا لما نأتي إلى الفرق بين هاتين الآيتين (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النحل: 90] وبين قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11] فإن الفرق أن الآية الأولى تشريع ولذلك تدخل في الكتاب، والثاني علم ولذلك تدخل في القرآن، ومن تلقى الأولى فهو رسول، ومن تلقى الثانية فهو نبي، وهذا هو الفرق بينهما، فمتى أتت لفظة «النبي» فإن ما بعدها تعليمات، ومتى ما أتت لفظة «الرسول» فإن ما بعدها تشريعات.

الآن لما نُطبقها على آية الحجاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يقل الرسول، إذن هذه تعليمات، (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) إدناء الجلباب يعني أن تُدني المرأة على صدرها، فإنه يقول أن هذا ليس بتكليف وليس بتشريع من السماء وإنما هو مجرد تعليم لظرف معين لتدارك مفسدة معينة وليس تشريعا لأن الآية بدأت ب «النبي».

العنصر الثاني: عنصر التاريخ

قال أننا إذا قرأنا التاريخ فإنه منذ بدء السومرية فإنه تاريخٌ كان يُقدّس الأنثى فكان تاريخا أموميا، ثم بعد أن جاءت الحضارة البابلية والآشورية صار التاريخ يُقدّس الذكر، فتحول المجتمع من أمومي إلى أبوي، ثم أخذ المجتمع أدوارا تارة مع الأنثى وتارة مع الذكر، حتى الديانات السماوية تأثرت بالمجتمعات التي عاشتها. العرب قبل مجيء الإسلام كان عندهم حرائر وإماء، وكانوا يميزون بين الحرة والأمة باللباس، فالحرة لها لباس والأمة لها لباس، فالحرة مثل خديجة - الدكتور يصف لباس خديجة - فهي تلبس غطاء يغطي شعرها عن التبعثر، وتلبس ثوبا من المنكبين إلى قريب القدمين، وهذا الثوب ليس فيه فتحات بل فيه فتحة واحدة في الأعلى تُبرز أعلى صدرها، هكذا أذناها ووجهها بارزان حتى مقدار من صدرها وهذا حال الحرائر قبل الإسلام، بينما الأَمَةُ شعرها بارز وبدنها بارز لأنها بضاعة والبضاعة تُشترى وتباع فلابد أن تكون بمرأى ومسمع من أهل السوق، فإذا ذهب المشتري إلى سوق النخاسة كيف يشتري الأمة؟ فإنه لابد أن يتأملها ويتفحص شعرها ومفاتنها فإذا أعجبته اشتراها، وهذا هو المائز بين الحرة وبين الأَمَة. وانعكس هذا المائز على الإسلام، فالإسلام لما جاء لم يغير شيء، فالوضع كما هو، حرّة وأَمَة وهذه الحرة لها لباس والأمة لها لباس، ولذا بعض الحرائر - خصوصا الشابة - ليس لها مزاج بأن تجعل على شعرها غطاء، وثوب طويل - وإن كانت حرة - فهي ترغب أن تخرج إلى السوق والشارع بلباس الأمة ليكون أَكَثر حرية لها، فتخرجن، وإذا خرجت هذه يظنها الناس أمة فيتعرضون لها لأن الإماء يتعرضن لتحرشات الفساق ومرضى النفوس فتصاب الحرة بالأذى نتيجة عدم تمييزها عن الأمَة، ولذا جاء القرآن الكريم ووضع مائزا وقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) كلهن حرائر، (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) وهذا ليس لأنه هذا تشريع سماوي وتكليف بل لتمتاز الحرة عن الأمة فلا تؤذى، (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وهذا تعليم مرحلي، ظرفي من أجل تدارك تلك المفسدة في ذلك الظرف وإلا هو ليس تشريعا سماويا نازلا من السماء.

هذا تحليل الدكتور محمد شحرور شرحناه مفصلا، ونحن نضع عدّة ملاحظات على هذا التفسير للآية المباركة:

الملاحظة الأولى: هل فعلا أن القرآن يعني قسما من الكتاب وهو المعلومات، والكتاب يعني التشريعات والتكاليف أم لا؟ نقول أن هذا ليس متطابقا مع الآيات القرآنية، لأننا إذا رجعنا إلى الآيات القرآنية نجد أن القرآن تفصيل للكتاب، فإننا عندما نقرأ قوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) [هود: 1] يعني أن القرآن خضع لمرحلتين، مرحلة إحكام وهي نُسميها قواعد عامة، كما لو أن أحدهم يريد أن يكتب كتابا في الرياضيات أو الفيزياء فهو أولا يضع قواعد عامة ثم يدخل في التفاصيل والتطبيقات، كذلك القرآن، مَرَّ بمرحلة إحكام - وضع قواعد عامة - ثم مرحلة تفصيل (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) وكلاهما منه تعالى (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1]، فمرحلة الإحكام هي الكتاب، ومرحلة التفصيل هي القرآن، فالقرآن تفصيل للكتاب لا أن القرآن قسم يتضمن المعلومات، والكتاب قسم يتضمن التشريعات، بل الكتاب هو الإحكام وهو الآيات (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: 7]، فأم الكتاب يعني القواعد العامة، والتفاصيل هي عبارة عن القرآن، وكذلك قوله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت: 3]، كيف أنه قرآن فُصلتْ آياته قرآنا؟ لما نأتي ونعرضها على علماء النحو فإنهم يقولون أن «قرآنا» تمييز، «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» فإن هذا الكتاب موصوف بأنه قرآن عربي، فالقرآن وصف للكتاب ولذلك وقع هنا تمييز، ويَعرِفُ من يدرس النحو الفرق بين الحال والتمييز، فالحال تسبقه المعرفة، وأما التمييز تسبقه النكرة، وهنا تمييز وليس حال لأنه سبقته النكرة، ولأجل ذلك القرآن تفصيل.

كذلك الآية الأخرى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ «16» إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ «17») [القيامة: 16 - 17]، قرآنه يعني تفصيله، فنحن نجمع ونحن نُفصّل، نحن نُحكم ونحن نفصل، (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ «16» إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ «17» فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ «18» ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ «19») [القيامة: 16 - 19]، وقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) [الإسراء: 106].

إذن القرآن هو تفصيلٌ للكتاب وليس القرآن هو مجمع علوم والكتاب مجمع تشريعات كما ذُكر وشرح سابقا.

الملاحظة الثانية: صحيح أن هناك فرق بين النبي والرسول، لكن الفرق بينهما هو أن النبي هو من يتلقى أنباء الغيب للعمل بها، فليست وظيفة النبي هي وظيفة نظرية بحيث يتلقى فقط، ووظيفة الرسول هي وظيفة عملية، بل النبي من يتلقى أنباء الغيب ليعمل بها، فحيثية العمل مأخوذة في النبي، عندنا أنبياء وليسوا برسل، النبي شعيب  والنبي داوود  والنبي سليمان  فإن هؤلاء لم يكن عندهم شريعة بل كان النبي داوود والنبي سليمان  يسيرون على شريعة النبي موسى ، والنبي شعيب  كان على شريعة النبي إبراهيم ، فليس لهم شرائع لكن كانت لهم حيثية عملية يتلقى أنباء الغيب ليعمل بها، فالنبي له حيثية عملية، وهذه الحيثية العملية هي عبارة عن إدارة المجتمع، فإن إدارة المجتمع تعتمد على ركنين ألا وهما التشريع والتطبيق، فحتى تُدير مجتمعا لابد أن تُشرع قانونا ومن ثم تطبق القانون على موارده، النبي مهمته عملية وهي إدارة المجتمع تشريعا وتطبيقا، لا أن النبي يتلقى المعلومات فقط والرسول هو الذي يُنفذ تلك المعلومات في المجتمع، وهاهنا أعرض لك بعض الآيات القرآنية حتى تكتشف صحة ما بينا، فإننا إذا لاحظنا الآيات القرآنية فإنها تُسند إلى النبي دائما مهمات عملية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) [الأنفال: 65]، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التحريم: 9]، هذه مهمات عملية تتطلب تشريعا وتطبيقا، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: 1]، هنا دعنا نسأل الدكتور شحرور هل أن التطليق هو تشريع أم تعليم؟ هو تشريع طبعا، فلا أحد يقول أن الطلاق تعليم مرحلي لظرف معين، فالطلاق تشريع وليس تعليم، وعندما يقول القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ) [الممتحنة: 12] فهذه إدارة عملية للمجتمع، وكذا عندما يقول القرآن الكريم (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6]، يعني أن النبي له مقام الولاية في إدارة المجتمع.

إذن القرآن نسب أدوارا عملية حيوية للنبي بما هو نبي، ولأجل ذلك نجد ذات الوصف الذي وصفه القرآن للأنبياء وصفه للرسول تماما، فقال: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [البقرة: 213]، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] يعني الدور واحد، فالمتاح والموكل لوصف النبي هو الموكل لوصف الرسول ، ومن هنا نقول أن ما ذكره الدكتور شحرور من أنه إذا قالت الآية نبي فإنه ليس تشريع بعد بل تعليم وإذا قالت الآية رسول فإن ما بعدها تشريع فإن هذا شيء غير متطابق مع القرآن، فإنه يأتي لفظ «النبي» وبعده تشريع كما يأتي لفظ «الرسول» وبعده تشريع، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبدا.

الملاحظة الثالثة: تقرأ كتاب «الكتاب والقرآن للدكتور شحرور» صفحات لنقل التاريخ الإنساني كيف كان يتعامل مع المرأة، وكيف كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام، وكيف انعكس هذا على تعاليم الإسلام، إلى أن يأتي إلى هذه الآية - آية الحجاب - فيقول أن لها ليست تشريعا سماويا بل مجرد تعليم ونصيحة لتمييز الحرة عن الأمة لا أكثر من ذلك، إلا أن المنهجية الأكاديمية الموضوعية تقتضي أن لا تُقحم التاريخ في تفسير القرآن إلا إذا كان هذا التاريخ موثوقا، فإننا لا نشرح معلقة امرئ القيس ولا زهير بن أبي سُلمى حتى يعتمد التاريخ، بل تشرح القرآن، فإن اعتماد مادة تاريخية في شرح القرآن يتوقف على أن تكون هذه المادة التاريخية مادة موثقة، فإنه من غير الممكن أن آخذ من الطبري وابن كثير بعض المعلومات وأعتبرها قرينة من قرائن تفسير القرآن لأن الطبري ذكرها أو ابن كثير، بل لابد للباحث الأكاديمي الموضوعي أن يُعمل دليل حساب الاحتمالات، فإنه بدون دليل حساب الاحتمالات لا تستطيع أن تصل إلى نتيجة يقينية إطلاقا، فإنه من خلال دليل حساب الاحتمالات تجمع القرآن المختلفة ثم تقوم بضرب الاحتمالات بعضها في البعض حتى تصل إلى الوثوق بالمعلومة التاريخية، أما مجرد معلومة تاريخية مذكورة ونستخدمها في تفسير القرآن فإنه ليس من البحث الموضوعي بمكان.

الملاحظة الرابعة: إذا كانت الآية مجرد تعليم وليست تشريع فلماذا يقول في ذيل الآية (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فإنه ليس هناك تكليف ولا ذنب، يعني لو أن الحرة لم تسمع هذا التعليم ولم تُطبق هذه النصيحة وخرجت مثلها مثل الأمة لم تُخالف تشريعا سماويا، وإذا لم تُخالف تشريعا سماويا لم ترتكب ذنبا فلا تحتاج إلى مغفرة، إذن تعبير الآية في ذيلها (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فيه دلالة على أن مضمون الآية كان تشريعا سماويا تُلزم به المرأة، وإذا تخلفت عنه كان ذنبا، القرآن الكريم يقول ما مضى من عملكم أنا أغفره لكن ما يأتي يجب أن يكون على طبق القانون (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

الآية الثانية: قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) [النور: 31].

عندما يأتي الدكتور شحرور لهذه الآية يقول أنها هذه الآية قالت (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) فإن ما ظهر يعني أن الزينة قسمين منها ظاهر ومنها خفي، والظاهر لا يجب ستره والخفي هو ما يجب ستره.

ما هي الزينة الظاهرة وما هي الزينة الخفية؟ قال الزينة الظاهرة ما أظهره الله، فالله خلقه ظاهر، فلماذا تُستره، والزينة الخفية هو ما خلقه الله خفيّا، فالفرق بين الزينة الظاهرة بحسب خلقة المرأة، فالمرأة خُلق جسمها بنوعين من الزينة، زينة ظاهرة وزينة خفية، فالزينة الظاهرة مثل شعرها ووجهها، صدرها، بطنها، ظهرها، ساقها، فالله أظهره، فهذه الزينة هي زينة ظاهرة لا يجب سترها لأن القرآن قال (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ). وأما الزينة الخفية هي الجيوب، والجيوب جمع «جيب» والجيب فتحةٌ لها طبقتان، وكل فتحة لها طبقتان فهي جيب، والجيب زينة خفية يجب سترها، فإن ما بين الإيليتين جيب، وما تحت الإبطين جيب، وما تحت النهدين جيب، وما بين النهدين جيب، فإن كل هذه جيوب لأن الله  خلقها في جسم المرأة مخفية، وهذه الجيوب على المرأة أن تسترها وتغطيها تشريعا سماويا (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) يعني الزينة الظاهرة يجوز لها أن تظهرها، فطبيعي للمرأة أن تخرج بلا غطاء للرأس وبلا ستر للبدن، لأن هذه زينة الله أظهرها فلا يجب سترها. ثم لما يأتي إلى (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فالخمر يعني الستور، والجيوب هي الزينة الخفية فيجب سترها بالخمار.

وهنا عندنا عدّة ملاحظات على هذا التفسير أذكرها باختصار:

الملاحظة الأولى: لم يستند الدكتور إلى مصدر لغوي معتمد، فأنت عندما تُفسر الزينة الخفية بالجيوب تحتاج إلى مصدر، وعندما تُفسر الجيوب هي كل فتحة في البدن لها طبقتان فهي جيوب، فما هو المصدر اللغوي المعتمد في ذلك؟! قد يأتي أحدهم ويحلل لكن هذا لا يصح به تفسير القرآن، بل نحتاج إلى مصادر لغوية معتمدة تؤكد لنا ذلك.

الملاحظة الثانية: نحن كلّنا عرب وعندنا لا ذوق عربي لا أقل، فهل ثمة عربي يقبل بذوقه أن يقال له ما تحت الإبطين زينة؟! أو داخل الفم زينة لأنه فتحة لها طبقتان؟! أو داخل الأنف زينة لأنه فتحة لها طبقتان؟! أو داخل الأذن زينة لأنها فتحة لها طبقتان؟! أو بين أصابع الرجلين زينة لأنه فتحة لها طبقتان؟! فإن هذا شيء ممجوج عربيا، فإن الذوق العربي السليم يمج ويستبشع أن تُفسر الزينة بالجيوب، وتُفسر الجيوب بهذا التفسير ويعتبر هذا من الزينة في جسم المرأة الخفية، مع أن أغلب هذه الجيوب موجودة في جسم الرجل أيضا، فنفس الجيوب موجودة في جسم الرجل، فما يفعل الرجل؟! إذن هي ليست زينة حتى يجب سترها وتدخل تحت إطار الزينة.

الملاحظة الثالثة: يلزم على تفسير الدكتور تكرار في الآية، لأن قوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) معناه الجيوب، فيجب سترها، ثم يعود مرة أخرى ويقول (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) وهذا تكرار في الآية لا ينسجم مع بلاغة القرآن الكريم.

ولذلك الفقهاء لما يأتون لهذه الآية المباركة هم بين فريقين:

الفريق الأول يقول: (مَا ظَهَرَ) أي ما ظهر قهرا على المرأة، فالمرأة تخرج إلى الشارع مغطاة لكن أحيانا تأتي الريح وترفع سترها قهرا عليها فيظهر شيئا من محاسنها فهي معذورة لأن هذا الظهور صار قهرا عليها، فالمقصود بقوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) يعني ما ظهر قهرا عليها فهي معذورة من جهته إذ أنها لم تتعمد كشفه وإنما ظهر قهرا عليها. ولذلك بعض الفقهاء مثل السيد الخوئي «قدس» عنده الأحوط وجوبا ستر حتى وجه المرأة لأنه يقول لا توجد زينة أبلغ من وجه المرأة، فإنه إذا كان صدرها زينة فإن وجهها أولى لأنه أشد زينة، لذلك عنده احتياط وجوبي حتى بستر وجه المرأة، فيقول أن الآية مطلقة ((وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) إلا ما ظهر قهرا على المرأة أو بدون اختيارها.

الفريق الثاني: يعتمد على الرواية، فكما قلنا أن علم الحديث علم أساس في تفسير القرآن الكريم يعتمد الرواية الصحيحة، ففي معتبرة الفضيل بن يسار يقول: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الذِّرَاعَيْنِ - أي ذراعي المراة - مِنَ الْمَرْأَةِ أَ هُمَا مِن‏الزِّينَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) قَالَ نَعَمْ وَ مَا دُونَ الْخِمَارِ - هو ما يضرب على العنق من هذا الكتف إلى الكتف - مِنَ الزِّينَةِ وَ مَا دُونَ السِّوَارَيْن‏ - فالسوار يُجعل على المعصم عند الكف -.

وكذلك في رواية مسعدة بن زياد سُئل جعفر بن محمد ما هي الزينة الظاهرة التي قال (إِلَّا مَا ظَهَرَ) فقال: الوجه والكفان.

إذن بالنتيجة فإن تناول الدكتور محمد شحرور لآيتي الحجاب كان تناولا غير مبتني على أسس علمية رصينة، وكذا كثير من المقالات والبحوث القرآنية التي طرقها فإنها ابتنت على منهج شخصي تحليلي ولو عُرِض - هذا البحث والتحليل - بحسب الموازين الأكاديمية فإنه لا يكون بحثا علميا، ولا يكون بحثا موضوعيا.

المحور الثالث: في القدوة الزهراء

القرآن الكريم فرضَ الحجاب على المرأة، وَضع الجلباب على صدرها، ووضع الخمار على بدنها، ولم يَفْرض الحجاب لأجل خَنق المرأة ولأجل سد باب الحرية على المرأة وإعاقتها عن مشروعها العلمي والعملي، بل هي مثل الذكر والمجال مفتوح أمامها، وإنما فرض الحجاب لهدفين أساسيين:

 

الهدف الأول: أن الحجاب مظهر للعفاف

فالمرأة عندما تخرج بزينتها ومفاتنها الجذابة تُصبح - شاءت أم أبت - معرضا للتحرش والأذى والتناول من قبل مرضى النفوس، وهذه الحالة أراد الإسلام أن يسد بابها، أراد أن يحافظ على عزة المرأة وكرامتها أن تتعرض لمثل هذه المحاولات المرضية المشينة، فأمرها بالحجاب كمظهر لعزتها وكرامتها وعفافها، فالمرأة عندما تتحجب كأنها تقول للرجل هذا مظهر لعتفي وكرامتي وحرمتي، صحيح الحجاب ليس لباسا بل هو مضمون وفلسفة، الحجاب ليس قماشا بل هو مضمون وفلسفة عملية وسلوكية، لكن هذه العملية القماشية اللباسية التي يأمر الإسلام بها هي عملية رمزية ترمز للعفاف وترمز للعزة والكرامة، ولذلك أمر بها الإسلام كمظهر وكرمز لحرمة المرأة وكرامتها.

الهدف الثاني: المحافظة على الترابط الأسري

أنت لو تعيش في الولايات المتحدة أو أوربا وانظر أي الأسرة، ما الذي بقي من الأسرة، فعندما ارتفعت الحواجز بين الرجل والمرأة أصبح الرجل يجد له متنوعات وآفاق يُشبع بها غريزته وعاطفته، وأصبحت المرأة لها أصدقاء تُشبع من خلالها عاطفتها وبالتالي بردت العلاقة العاطفية الحميمة بين الزوج والزوجة، بل أصبحت علاقة وظيفية كأنهما موظفان في مؤسسة، فالأواصر العائلية والروابط الأسرية تزعزت نتيجة ارتفاع الحواجز بين الرجل والمرأة، فالمرأة تجد لها متنافسين، والرجل يجد له متنافسات، فلم يعد أحدهما يحتاج للآخر لإشباع عاطفته ولإشباع غريزته، لذلك أصبحت الأسرة مهددة بانعدام الأمن العاطفي، وبانعدام الشعور العاطفي الرقيق بين الزوجين الذي تحدث عنه القرآن الكريم بقوله: (أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: 21].

من هنا وظيفتنا المحافظة على هذين الهدفين، هدف ظهور زوجاتنا وبناتنا ومتعلقينا بمظهر العفة والحرمة والكرامة، بمظهر الحجاب الكامل (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) [التحريم: 6]، فأنت مسؤول عن زوجتك، وعن بناتك، فنحن مسؤولون عن المحافظة على هذا المجتمع المتدين، والمجتمع المحافظ، المجتمع الذي لم يعقه الحجاب عن بروز بناته في مجال الطب والهندسة وفي مجالات متعددة، فالحجاب غير عائق، فالمحافظة على الصورة الدينية الجميلة لمجتمعنا من خلال نسائنا وبناتنا وأرحامنا مسؤوليتنا المعلقة على عوتقنا وأعناقنا (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة: 71]، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: 104]، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: 110]، أما إذا أراد تيار معين أن يفرض نفسه على المجتمع من خلال مظاهر معينة وصور معينة فإن هذا لا يعني أن المجتمع تبخر دينه، فإن مجتمعنا لا زال - والحمد لله - واعيا ملتفتا رشيدا، فالأمل ما زال في مجتمعنا أن يحافظ على مظاهر الاحتشام والحجاب والتدين والالتزام فالزهراء قدوتنا.

الزهراء قدوتنا في الجهاد، قدوتنا في التضحية، قدوتنا في البذل، وهي القدوة في مجال الخفر والصون والحجاب، فاطمة الزهراء  أول مجاهد في خط الإمامة، فاطمة الزهراء أول شهيد في درب الإمامة، فاطمة الزهراء أول أم أنجبت أبطالا بذلوا كل ما عندهم في سبيل الإسلام حسنا وحسينا وزينب وأم كلثوم، فاطمة الزهراء علمت أبناءها منذ نعومة أظفارهم على العطاء والبذل (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا «9») [الإنسان: 8 - 9].

المرحوم الشاعر الولائي أبو رياض محمد سعيد الجشي «رحمه الله» يقول:

صَلَى  الإلهُ  عَلَى  البتولِ  وآلِها

نَبويَّةُ    الأعراقِ   طَيِّبَةُ   الشّذَى

مَا قُورِنَتْ شَمْسُ الضُحى بِجمالِها

هي   صورةٌ  مِنْ  أَحْمَدٍ  وضاءَةٌ

 مَنْ  تَخْضَعُ  الأمْلاكُ عِنْدَ جَلالِها

عِطْرُ  الْجِنان  يفوحُ  مِنْ  أَذيالِها

إلا    تَسامَتْ    رِفْعةً    بِجلالِها

والشَّمسُ  تَمْنَحُ  ضَوْءَها  لِهلالِها

فاطمة الزهراء  أقبل إليها الحسن وهو صغير، فقال لها: سمعت جدي رسول الله يقول: ما هو أفضل شيء للمرأة، فقالت يا بني: أفضل شيء للمرأة أن لا ترى أجنبيا ولا يراها أجنبي، وفي رواية أخرى: أن لا ترى الرجل ولا الرجل يراها، فالحديث يتحدث عن مرتبتين، المرتبة الأعلى من الكمال أن لا ترى الرجل ولا الرجل يراها، المرتبة الأدنى من تمام الحجاب أن لا ترى الرجل رؤية تُحرك غريزتها وأن لا يراها الرجل رؤية تُحرك غريزته.

 

فاطمة يقول عنها الحسن - الذي كان عاش مدة أطول من أخوته ولذا كانت له ذكريات عنها أكثر - يقول: ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، فإنها إذا قامت في محرابها لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط، وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات، فأقول لها: أماه فاطمة، لمَ لا تدعين لنفسك؟ فتقول: بني، الجار ثم الدار.

فاطمة حافظت على صونها وخفرها حتى عندما قامت بمهمتها، خرجت إلى المسجد تخطب في الناس، وضربت دونها ملاءة محافظة على خفرها وصونها، وخطبت خطبتها البليغة التي ما زالت تتردد أصداءها إلى هذا اليوم، فاطمة لما خطبت أنت أنة أجهش لها الحضور بالبكاء والنحيب، فأنينها يُبكي وحنينها يُبكي، فهي تحمل في قلبها آلام وأشجان، وكانت إذا وقفت على قبر أبيها بثت الأحزان والشجون:

مَاذَا  عَلى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدِ

صُبَّت  عَليّ  مَصائِبٌ لَوْ أَنْها              أَنْ لا يَشَمَّ مَدى الزمانِ غَوالِيا

صُبتْ عَلى الأيامِ صِرْنَ لَيالِيا

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام:

 https://t.me/The12ImamsWeb


المصدر: موقع آية الله السيد منير الخباز

2021/01/04

كهيعص.. هل للحروف ’المقطّعة’ في القرآن معنى؟!

 في نفي لَغويّة الحروف المقطّعة!

هل للحروف المقطعة معنى ؟!، وكيف ننفي زعم الَّلغويّة؟، فقد سفه أحدهم نفسه وقال: "في غياب تفسير مقنع لهذه الأحرف يجب ادراجها ضمن ما يسمى" اللغو" !.

ما الحروف المقطّعة؟!

تتصدر تسع وعشرون سورة من سور القرآن بحروفٍ مفردةٍ أو مركبةٍ من حروف الهجاء، عند قراءتها الآن لا تعطينا معنىً محدد، ولا دلالة لفظية مباشرة لها  بشكل مستقل، وقد اصطلح عليها بـ( الحروف المُقَطّعَة ) أمّا (حروفٌ)؛ فلأنّها من أربعة عشر حرفاً هجائياً، تنوّع مأخذها منها كمّاً، بين حرف واحد مثل : ( ص ، ق ، ن ) و حرفين مثل: ( طه، طس، يس، حم ) و ثلاثة مثل: ( الم، الر، طسم ) ، وأربعة مثل: ( المص، المر )، ومنها المؤلف من خمسة حروف هجائية، مثل: ( كهيعص ، حم عسق )، وأمّا (مقطّعة)؛ فلتقطيعها عند القراءة ؛ إذ تقرأ  : ألف لام ميم ، أو ألف لام راء ، وهكذا..

لقد بلغت الأقوال في تفسير هذه الظاهرة القرآنية وتأويلها نحو ثلاثين قولاً (أضواء البيان-2/166)، ومعظمها تحكّمات محضة، و استحسانات صرفة، ضمن ذلك: التأويل الذي لقي رواجاً بين الناس من أنّ سرّاً غريباً في هذه المقطعات يتمثّل في أنّها تصير بعد التركيب وحذف المكرّرات: صراطُ عليٍّ حقٌ نمسكه.(تفسير الصافي،ج1/ص92)، ولم يخبرنا أصحابه لماذا لم يصبّوا هذا التركيب في جملة أخرى، مثل : وصح طريقك مع السنة، أو نصٌ حكيمٌ قطعاً له سر ...أو غيرهما ؟!

والرأي الذي تبني عليه المقالة ليس بدعاً، بل توليف بين رأيين من العشرة التي عرضها الطبرسي في المجمع، ونرى فيهما علاقة تكامل لا تضاد، يقول الثامن إنّها حروف المعجم ، فيما العاشر يوضح الغرض من ايرادها: تبكيت العرب والزامهم الحجة، وحينئذٍ يكون معنى المقطعة في أوائل السور هي أحرف المعجم والهجاء، والغرض من استعمالها في مطلع السور -إقامة الحجة على وحيانية النص القرآني، وتتمثل تلك الحجة في أنّ مادة القرآن ومادة كلام العرب واحدة، وهي هذه الحروف، من ثمّ فالتحدي القرآني لهم وعجز الخصم عن مجاراته والإتيان بمثله؛ برهانٌ جلي على كونه نصّاً معجزاً ووحياً من الله تعالى، وإلا لماذا عجز جميع العرب عن مجراته، ومادته متاحة لذلك الجميع في أشعارهم ورسائلهم وخطبهم؟!

ولعلّ أبرز سؤالين يواجههما هذا المنحى هما:

أولاً- لماذا اكتفى بأربعة عشر حرفاً من حروف المعجم، و لم يستعمل جميع حروف الهجاء ؟،وجواباً عنه، كتب الطبرسي: استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام الثمانية والعشرين حرفا كما يستغني بذكر : قفا نبك... عن ذكر باقي القصيدة، وكما يقال: أب ، في (أبجد) وفي( أ ب ت ث) ولم يذكروا باقي الحروف، قال الراجز :

 لما رأيت أنها في حطي، أخذت منها بقرون شمط

 وإنما أراد الخبر عن المرأة بأنّها في(أبجد)، فأقام قوله: حطي، مقامه؛ لدلالة الكلام عليه " (المجمع:ج1،ص76)

وجواباً عن ثاني السؤالين: لماذا لم تذكر جميع الحروف المقطعة متفرقة على السور ألم يكن الأجدر أن تسرد في أول القرآن ؟؛ ينصّ الزمخشري: أنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلّف منها لا غير، وتجديدُه في غير موضع واحد، أوصلُ إلى الغرض، وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن، فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. (الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل،ج1،ص30) .

شواهده القول المختار:

وشواهد هذا الرأي وقرائنه متضافرة متكاثرة، وهي على كثرتها على قسمين :

الأول : داخلية، مستفادة من تتبع نفس سياق الاستعمال القرآني لها، وخلاصة هذه القرينة: اقتران الأحرف المقطعة بالحديث عن الاعجاز، وفي الأغلب تمثّل بالقرآن الكريم، بوصفه النص الوحياني المعجز للنبي محمد(ص)، وقد جاء ذلك بالفاظٍ مختلفة : الكتاب- القرآن- الآيات، وبعضها جمعت بين لفظين، كما أنّ بعض تلكم السور ابدأت وفي أول آية لها بـ(القرآن)، وختمتْ به،أدناه شاهد لكل هذه الأنحاء :

1ـ لفظ (الكتاب)، ففي أول استعمال لها في المصحف وبعد (ألم) تلاها مباشرة قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة : 2]، وذات الاستعمال في سورة آل عمران، وحسب التتبع وجدتُ أكثر المقطعات قد استعمل بعدها هذا التعبير(الكتاب)، معرّفاً أو منكراً، باضافة أو بغيرها .

2ـ لفظ( القرآن)، كما في سورة طه؛إذ بعد الآية الأولى منها:(طه)، أُتبعت في الثانية بقوله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه : 2]، وعين الأمر مع سورة يس .

3ـ آيات الكتاب أو القرآن ، كقوله تعالى: في مطلع سورة يونس: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، وقد جمعتْ سورة النمل النحوين: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل : 1]  

4ـ وسورة (ق) هي التي ورد فيها لفظ القرآن في مطلعها وآخرها، ففي آيتها الأولى : {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق : 1] وفي آخر آية : {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق : 45]

الثاني : خارجية، أي هي قرينة مؤيدة للمعنى للتفسير المتقدم للحروف المقطعة، و ليس هذا المؤيّد من داخل النص القرآني بل من خارجه، ويتمثل في خبرين مهمّين، ضمن الأخبار التي وضعها الصدوق في كتابه : معاني الأخبار، تحت باب : معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن، وقد أورد فيه ستة أحاديث، جاءتْ في سياق بيان المعنى التأويلي والباطني للحروف المقطعة ـ ما خلا الحديث الرابع ـ وليس في ذلك قدحٌ أو تقليل من أحاديث التأويل وبيان المعنى الباطن للآية، كما ليس في إبراز أحد البطون واستجلاء بعض اسرار الكتاب  ما يتعارض مع الظاهر سيّما الذي قررناه آنفاً بخصوص الأحرف المقطعة؛ فإنّ للقرآن تأويلاً وله ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعـة أبطن، غاية الأمر: لا يمسّ باطنه من البشر إلا المطهّرون، ولا يعلم تأويله إلا الراسخون، من ثمّ تركنا تلكم الأحاديث لخروجها عمّا نحن فيه، وهو دراسة الحروف المقطّعة حسب ظاهر التنزيل، الأمر الذي جاء فيه حديثان عن أهل البيت، الأول هو رابع أحاديث الباب المذكور آنفاً، وهو حديث طويلٌ مرويٌّ عن الإمام العسكري عن آبائه(عليهم السلام)، لكن نقتبس منه ما يؤدي الغرض ويتقرّر به الاستشهاد :

كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا : سحر مبين تقوّله، فقال الله : الم ذلِكَ الْكِتابُ، أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة، التي منها : ألف لام ميم، وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن إنّهم لا يقدرون عليه بقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء : 88]...إلخ الحديث.(الصدوق-معاني الأخبار،ص24 ).

وفي باب آخر، ورواية أخرى، رواها الصدوق أيضاً ،عن الإمام الرضا (عليه السلام) جاء في آخرها ما يدل على المطلوب بشكل واضح : " إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب ثم قال قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . (المصدر السابق،ص43).

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام:
 https://t.me/The12ImamsWeb

2020/12/26

شاعر يفسّر القرآن برأيه: هل كان ’ابن نوح’ من صلبه؟!

كتب علي الحسيني: مع الأستاذ آل ياسين: هل كان "ابن نوح" من صلبه؟!

في مقطع متداول أُخذ من لقاء تلفزيوني يظهر فيه الأستاذ و الشاعر العراقي (محمد حسين آل ياسين) مُبدياً رأياً غريباً على المشاهدين، فيقول: كان نوح قبل الطوفان قد دعا ربّه أن ينقذ أهله معه، ووعده بذلك، فلمّا رأى ابنه قد غرق، فدعا نوح ربّه: ياربّ إن ابني من أهلي ووعدك الحقّ، فماذا كان الجواب؟.. مو [ليس] إنه من الكافرين، ولا من الضالين، ولا من الفاسقين، لا، [بل كان الجواب ] : إنّه ليس من أهلك، إنّه عملٌ غير صالح، فلا تسألني ما ليس لك به علم، فليس من صلبه، فما وعده الله به قد أنجزه...وختم: بأنّ هذا الرأي لأوّل مرّة يقال.

وقد بدا واضحاً أنّ الأستاذ (آل ياسين) يريد المضمون القرآني، وإلا فلفظ الآيتين من سورة هود هو: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. [هود : 45-46]، والأهمّ من هذا الانصراف إلى كلامه والتعليق عليه:

فلنبدأ معه من حيث انتهى: ليس هذا الرأي من عندياته وابتكاراته، ولا هو بالجديد غير المسبوق، فهو رأيٌ قديم قِدَم التابعين، وأبرز من أخذ به منهم هو الحسن البصري(ت110م) على ما أخرجه الطبري عن قتادة قال: كنت عند الحسن فقال: "نادى نوح ابنه"، لعمْر الله ما هو ابنه!، قال: قلت: يا أبا سعيد يقول: (ونادى نوح ابنه) ، وتقول: ليس بابنه؟! قال: أفرأيت قوله: (إنه ليس من أهلك) ؟ قال: قلت إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك...(تفسير الطبري، ج15، ص341، الطبعة الأولى-الرسالة، ت:أحمد محمد شاكر).

ينقل علاء الدين الكاساني (ت587هـ ) في بدائع الصنائع أنّ الشاعرة العربيّة ليلى الإخليليّة (من القرن الهجري الأوّل) لمّا دخلت على الحجّاج فأنشدته قصيدة...قال[الحجّاج] لحاجبه: اقطع لسانها، فذهب إلى الحدّاد فأخرج(الموسى) وأراد أن يقطع لسانها، فقالت ليلى: ما هكذا أراد الحجّاج، بل أراد أن تقطعوا لساني بالعطيّة، فلمّا استفسروا من الحجّاج قال لهم كما قالت ليلى، وعاقب الذي أخطأ في الفهم!( ج9ص332، دار الكتب العلمية)، وإذا كان الحال من الاحتياج للاستفسار مع كلام الحجّاج، وفي القرن الهجري الأول، فكيف بنا نحن الآن أبناء العصر الراهن، و مع كتاب الله العظيم؟! وعظمة الكلام، من عظمة المتكلّم؛ من أجل هذا وغيره:

اتّفقتْ أمة محمّد(ص وآله) على عدم صحة الاعتماد على اللغة –وحسب- في فهم القرآن وتفسيره، فهذا المنهج –الامتدادي لمنهج حسبنا كتاب الله- مخالفٌ لصريح القرآن نفسه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) [النحل : 44]، ويفضي إلى إنكار الحديث بل و ما علم ثبوته من الدين ضرورة، وعلى سبيل المثال: نفى  المهندس محمد شحرور(ت2019) وجوب الصيام في شهر رمضان؛ اعتماداً على المدلول اللغوي (الأوّلي) لكلمة الإطاقة في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة : 184]...إلى غير ذلك من توالٍ وتطبيقات بيّنة الفساد!، ومع جلاء هذه المسألة ووضوحها، بيد أنّي لم أترك الإشارة إليها ولو باقتضاب؛ لأنّها مسالةٌ منهجيّة تعكس صلب اختلافنا مع هذه الرأي التفسيري وغيره من آراء تطرح على الدوام!

 وفيما يخصّ الشيعة -وطبقاً لحديث الثقلين المتواتر- فإنّهم قد ذهبوا إلى أنّ طريق المعرفة الدينيّة - سيّما تفسير القرآن - بعد النبي؛ منحصرٌ بما ثبت عن أهل البيت، وقد ثبت عنهم (عليهم السلام) أنّ لهم موقفاً مغايراً تمام المغايرة للرأي آنفاً، ولم يكتفِ أهلُ البيت بإبداء الرأي المخالف، وإنّما رفضوا هذا التفسير علانيّة، وكذّبوه في أحاديث صحيحة، ونصوص صريحة، دونك ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا:

حدثنا أبي (رضي الله عنه) قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا (عليه السلام)...قال أبو عبد الله (عليه السلام):

إن الله عزّ وجلّ قال لنوح: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ؛ لأنّه كان مخالفاً له، وجعل من اتبعه من أهله، قال: وسألَني، كيف يقرأون هذه الآية في ابن نوح؟ فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: إنه عملٌ غير صالح، وإنّه عَمِل غير صالح، فقال: كذبوا، هو ابنه، ولكن الله عزّ وجلّ نفاه عنه حين خالفه في دينه. (ج2،ص82).

قلتُ: الحديث صحيح، بل صحيح أعلائيٌ، فرجاله من أعيان الطائفة، كما أنّ صحّته جارية على مبنى الوثوق والوثاقة...، وزاد في خبر آخر من حديث الوشّاء أيضاً: "كلا لقد كان ابنه، ولكن لمّا عصى الله عزّ وجلّ نفاه عن أبيه، كذا من كان منّا لم يطع الله عزّ وجلّ، فليس منّا، وأنت إذا أطعت الله عزّ وجلّ فأنت منا أهل البيت"(ج2،ص257)، ومضمون هذه الزيادة فوق الإحصاء في الأحاديث، ولها أصل قرآني أيضاً: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي...) [البقرة : 249]، و(فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم : 36].

إنّ كلّاً من (عمل)  و(غير) في قوله تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) لها قراءتان:

 (عملٌ) اسم مرفوع على أنّه خبر إنّ و(غيرُ) نعتٌ له مرفوع، وهذه القراءة تتلائم مع التفسيرين، وبناءً على تفسير أهل البيت الذي قدّمناه فإنّ الجملة لا تخلو من إشارة بلاغيّة، تعبّر عن بلوغ النصّ الغاية في الذمّ حتى اندكت الذات في الخساسة، واندمجت مع العمل الطالح كما لو أنّهما شيئاً واحداً !

(عَمِلَ)فعل ماض، و(غيرَ) منصوب على أنّه مفعول، أي: أنّ ابنك يا نوح، قد عمل عملاً غير صالح، فالموصوف بغير الصالح هو العمل وليس الذات، وهذه القراءة غير قابلة للتوجيه بناءً على رأي آل ياسين ومن قبله البصري، بل ينهدم مع هذه القراءة أقوى معطيات هذا الرأي كما هو واضح!

وحتى لو كنّا نحن والنصّ القرآني، وبالاعتماد على طريقة قريبة الشبهِ بطريقة الشاعر المحترم؛ يمكننا المساجلة بأنّ قوله تعالى: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ...[هود : 42] إخبارٌ صريح بالبنوّة، وليس له ما ينفيه أو ما يشير إلى أنّه بلسان الحكاية، كما هو الحال في قوله تعالى حكاية عن نوح: فقال ربّ إنّ ابني من أهلي، من ثمّ لا ترفع اليد عن الصريح بما يحتمل الوجهين:(إنّه ليس من أهلك) في أحسن الأحوال، وبكلمة أخرى أوضح، هاهنا عبارتان: عبارة تقرّر البنوة الصلبيّة صراحة (ونادى نوح ابنه)، ولا نفي صريح إزاءها؛ إذ لم يقل: إنّه ليس ابنك، ولا إنّه ليس من صلبك...، والعبارة الثانية جاءت على لسان نوح:(فقال: ربّ إنّ ابني من أهلي)، وهنا أيضاً، صُبّ النفي على كونه من أهله وحسب، مع أنّ عبارة نوح مركّبة من نسبتين: ابني، ومن أهلي!، نعم، يبقى السؤال عن الجمع و المواءمة بين نفي كونه من أهله، لكن دون المساس بالبنوّة الصلبيّة، وقد مرّ عليك وجهها في حديث أهل البيت، فراجع ثمّة.

2020/12/14

لماذا فُرضت عليهم الجزية؟.. هذه هي حقيقة أهل الكتاب!
هل يُعَدّ مصطلح أهل الكتاب مصطلحاً توقيفياً أو هو ناظرٌ إلى حقيقة؟ بمعنى أنه لو ثبت من الناحية العلمية والتاريخية أن البوذيّين مثلاً كان لهم كتاب أيضاً هل يمكن لذلك اعتبارهم من أهل الكتاب، حتّى وإنْ لم يَرِدْ وصفهم في القرآن بذلك؟

[اشترك]

إن الزرادشتيين والهندوس من أهل الكتاب. وقد قيل للنبيّ: لماذا أخذت الجزية من المجوس، مع أنهم مشركون؟! فقال: إنهم أهل كتاب.

ولذلك فإنّ فقهنا قد أخذ هذه المسألة أخذ المسلَّمات. وأما أهل السنّة فقد وقع الخلاف بينهم في هذا الشأن، والرأي الأرجح عندهم هو أن المجوس من أهل الكتاب. وعليه فإن مسألة أهل الكتاب كانت مطروحةً منذ القِدَم.

والمسألة تذهب إلى أبعد من ذلك، وإن الاختلاف الذي يحاول البعض إثارته بين أهل الكتاب وغيرهم لا أساس له من الصحّة. إن ما يحاول البعض إثباته من الحكم على أهل الكتاب بالطهارة، والقول بنجاسة غير أهل الكتاب، لا يقوم على دليلٍ صحيح، بل ليس هناك دليلٌ على نجاسة أحدٍ بسبب كفره، بل حتّى المرتد ليس نجساً. نعم، كانت هذه المسألة مطروحةً في برهة من الزمن، أما الآن فقد اتَّضح أمرها للجميع، ولم يَعُدْ هناك من ثمرة تترتَّب على تقسيم الناس إلى: كتابيين؛ وغير كتابيين. إن الثمرة المتصوَّرة على هذه المسألة إنما تتجلى في مسألة أخذ الجِزْية وعدمها، وأما في ما يتعلَّق بالحكم بالطهارة والنجاسة فلا فرق بين الكتابي وغيره من هذه الناحية. والجِزْية هي من قبيل: الأحكام الحكومية، ولها بحثها المستقلّ. ونحن اليوم ـ مثلاً ـ لا نأخذ جِزْية من أهل الكتاب الذين يعيشون معنا في هذا الوطن، بل لا توجد إمكانية لطرح هذه المسألة في العالم المعاصر. وهناك روايتان مأثورتان عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: إن النبيّ قد جعل دية الداخلين في ذمّته مساوية لدية المسلمين، بمعنى أن اليهود والنصارى الذين دخلوا في ذمّة المسلمين يتساوون معهم في الدية. وقد سأل الراوي الإمام الصادق عليه السلام عن اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون معهم في تلك الفترة؟ فقال الإمام بأن الحكم يشملهم أيضاً، وأن النبي قد أعطى الذمام لجميع اليهود والنصارى.

ثم إن الجِزْية هي نوع ضريبةٍ يعود تحديدها إلى وليّ الأمر في كلّ عصر. وقد كان يتمّ إعفاء اليهود والنصارى من دفع الكثير من الضرائب التي يدفعها المسلمون، وكانوا في المقابل يدفعون الجِزْية بَدَلاً منها، وأما في بلدنا فإن هؤلاء يدفعون جميع أنواع الضرائب، وعليه لا معنى لفرض الجِزْية عليهم. وإن تحديد الجِزْية وبيان مقدارها يعود إلى تشخيص وليّ الأمر، فهي ـ كما تقدَّم ـ من قبيل: الأحكام الحكومية، بمعنى أنها تتعلَّق برأي وليّ الأمر في كلّ عصر بملاحظة نوع الخراج والضرائب المفروضة على أنواع الخراج؛ لأن هؤلاء يتمتَّعون بجميع حقوق المواطنة، أسوةً بسائر المسلمين، فعليهم في المقابل أن يدفعوا الضريبة، وحيث يتمّ الآن في بلدنا أخذ الضرائب من الجميع بالتساوي لا يكون هناك معنى لفرض الجِزْية عليهم. هذا هو حكم المسألة، وليس الأمر بأننا قد تخلَّينا عن هذا الحكم؛ خوفاً من الرأي العام العالمي، أو أننا إنما لم نَعُدْ نأخذ الجِزْية؛ للتخلُّص من الضغوط الدولية.


*مقتطف من حوار مع الشيخ محمد هادي معرفة

2020/07/16

لماذا لم يذكر القرآن كل الأديان والأنبياء؟

هذا أحد الإشكالات التي أثارها المستشرقون أيضاً. وقد سبق لنا أن ذكرنا الإجابة عنه في الجزء السابع من كتاب التمهيد. إن المستشرقين إنما أثاروا هذا الإشكال بهدف إثبات قلّة معلومات النبي الأكرم في هذا الشأن؛ لأنهم على كل حال بصدد إثبات أن القرآن إنما هو من تأليف شخص النبي الأكرم، وأنه لا صلة له بالوحي والسماء، وإن من بين الأدلة على ذلك المستوى المتدنّي من المعلومات التي يمتلكها في هذا الخصوص! وبطبيعة الحال فقد أثاروا إشكالات أخرى أيضاً، من قبيل: إن بعض المعلومات التي يقدِّمها النبي لا تطابق الحقائق، ولا يمكن لها أن تكون من الوحي في شيءٍ! وقد أجبنا عنها بأجمعها. وحتى في مورد قولهم: إن القرآن يحتوي على أخطاء تاريخية أثبتنا أن الذي وقع في الخطأ التاريخي هم أنفسهم، بمعنى أن الوثائق التي قدَّموها لإثبات وقوع القرآن في الخطأ التاريخي تثبت أنهم هم المخطئون، وليس القرآن.

إن القرآن الكريم قد خاطب العرب، وعليه يجب أن يتكلَّم بلغةٍ يفهمونها، وفي ذلك يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: 4)، بمعنى أن كل نبيٍّ يجب أن يكون على معرفة كاملة ودقيقة بجميع تقاليد وعادات القوم الذين يُرْسَل إليهم، بل ويجب أن يكون مُلِمّاً بجميع أساليبهم اللغوية وحواراتهم اليومية؛ لأنه يعتزم التفاهم معهم، فلو عجز النبيّ عن إثبات وترسيخ أهدافه بين القوم الذين بعث فيهم سيكون عن هداية غيرهم أكثر عجزاً؛ إذ يتعين على قومه وأبناء منطقته إعانته ومساعدته في نشر رسالته، وعليهم أن يشهدوا له بالصدق والصحّة. ومن هنا كان المخالفون يبذلون كل جهدهم من أجل إثبات كفر أبي طالب وعبد الله وحمزة بن عبد المطّلب وغيرهم من القرابة القريبة من النبيّ الأكرم؛ ليخلصوا إلى نتيجة مفادها أن النبيّ لم يكن مرسلاً من الله؛ بدليل أن المقربين من أهل بيته لم يصدِّقوا به ولم يؤمنوا له! ومن هنا كان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام يُصرُّون منذ البداية على تكذيب هذا الادّعاء، والقول بأن أبا طالب لم يكن مؤمناً فحَسْب، بل كان من أوّل الناس إيماناً بنبوّة ابن أخيه. إن هذه المسألة لا يخفى تأثيرها من ناحية علم الاجتماع، ولا من ناحية علم النفس، في التبليغ والدعوة. إذن يجب أن يفهم الناس كلامه، وأن لا ينطوي بيانه على أيّ غموض وإبهام، ومن هنا فإنهم كانوا يفهمون القرآن جيداً؛ لأنه كان يستخدم لغتهم وأساليبهم الكلامية. وبطبيعة الحال فإن هذا لا ينافي أن يكون القرآن قد نزل بشكلٍ أجمل وأقوى وأمتن وأرفع من المستوى الأدبي الذي كانوا عليه، حتّى أنه كان معجزةً من هذه الناحية، ولكنه في الوقت نفسه لم يخرج عن حدود معرفتهم.

عندما يتكلَّم النبيّ فمن الواضح أنه يأتي بشواهد تاريخية على إثبات دعوته، بمعنى أنه يأتي بشواهد من تاريخ الأمم والأديان السابقة والأنبياء السابقين. ومن الطبيعي أن الشاهد إنما يكون مقبولاً إذا كان المخاطب يعرفه، بمعنى أنه إذا ذكر اسم أمّةٍ ما يجب أن يكون المخاطبون على معرفة بتلك الأمة، وإذا ذكر اسم نبيٍّ يجب أن يكونوا على معرفة به؛ إذ لا تأثير لمجرد الادّعاء بوجود نبيٍّ في قرية لا نعرف مكانها من الكرة الأرضية، وأنه قام بهذا الإنجاز لقومه، وترك هذا التأثير على أمته وأبناء شعبه؟ فحتّى قصّة عاد، التي تُعَدّ اليوم مثار بحثٍ وجدل؛ حيث لا يزال هناك غموضٌ حولها، وإن البلدة التي كانوا يقطنونها لا تزال إلى اليوم من بين الأماكن التي لم يتمّ اكتشافها، ولكنها في عصر النبيّ ونزول القرآن كانت معروفةً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأحقاف، حيث تقع بين اليمن وحضرموت، ومكانُهم معروفٌ، إلاّ أن السكان هناك معروفون بشدّة البأس والقتال، وإنهم لذلك لا يسمحون بإجراء حفريات في مناطقهم، وقد حاول حتّى بعض تجار حضرموت القيام بهذه الحفريات والتنقيب عن آثار في الأحقاف، وأنفقوا أموالاً طائلة، وحصلوا على بعض الأشياء، بَيْدَ أن سكان تلك المنطقة حالوا دون إتمام المشروع. هناك في الأحقاف الكثير من الرمال التي لا تحتاج إلاّ لقليلٍ من الريح كي تغيِّر معالم المنطقة بلمح البصر.

إن القرآن الكريم يذكر مسألة عادٍ للمخاطبين من العرب وكأنّهم يعرفونهم بداهةً، حيث يقول لهم: إنكم قد رأيتموهم وخبرتموهم. وقال تعالى بشأن قوم لوط عليه السلام: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (الصافّات: 137 ـ 138). فقد كان موضع سكناهم قريباً من الأردن، وكان سكّان شبه الجزيرة العربية في أسفارهم إلى الشام يمرّون بهم عند الصباح، وعند عودتهم كان كلّ شيء على مدى رؤيتهم، بمعنى أن العرب لم ينكروا شيئاً من هذه الأمور التي عرضها القرآن عليهم، والقرآن بدوره إنما أراد بذلك منهم أن يشهدوا له بالأحقّية.

ثم إن القرآن الكريم يقول: (وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء: 164)، بمعنى أن هناك أنبياء لم يَرِدْ ذكرُ أسمائهم في القرآن؛ إذ لا توجد فائدةٌ ترجى من ذكر أسمائهم؛ لأن المخاطبين لم يكونوا يعرفونهم. فعلى سبيل المثال: لو مسّت الحاجة إلى ذكر بعض سلاطين الجور من الذين تمّ إسقاطهم، والاستشهاد بهم لداعي الاعتبار، يكفي بطبيعة الحال أن نذكر أسماء ثلاثة منهم؛ إذ من غير المعقول أن نأتي على ذكر أسماء جميع سلاطين وملوك الجور الذين شهدهم العالم، وتمّت الإطاحة بهم جميعاً. يقول علماء البلاغة: إن عدم رعاية أدنى النكات البلاغية من شأنه أن يسقط الكلام من الاعتبار والتأثير، ومن هنا فإننا إذا أردنا الاستشهاد بوجود أممٍ تمرَّدت على الأوامر والأحكام الإلهية، وأنها تعرَّضت للعذاب، وأنه كان هناك أنبياءٌ نجحوا في هداية أقوامهم أو لم ينجحوا في ذلك، يكفي أن نذكر بعض المصاديق والأمثلة القليلة على ذلك. ومن الطبيعة أن تقتصر هذه الأمثلة على الأنبياء الذين يعرفهم المخاطب، دون أن تكون هناك حاجةٌ إلى ذكر جميع الأنبياء. وعليه فإن عدم ذكر سائر الأنبياء لا ينهض دليلاً على أن المتكلِّم لم يكن يعرفهم، أو أنه لا يعترف لهم بالنبوّة، بل لأنه لم يجِدْ حاجةً أو ضرورة إلى ذكرهم بعد اكتفائه بمَنْ ذكرهم، ومعه يكون ذكرهم زائداً على الحاجة، وغير مُجْدٍ؛ لأنه لا ينطوي على ثمرة بالنسبة إلى المخاطبين.

2020/07/11

إلا عبادك المخلصين: كيف وسوس الشيطان لآدم (ع)؟!

وحقيقة هذا السؤال ترجع إلى أنّ ظاهر الآيات هو تأثير الشيطان في نفس آدم بالوسوسة قال سبحانه: ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ )[1]، وقال سبحانه: ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ)[2]، وعندئذ يتساءل: انّ تطرق الوسوسة إلى آدم من جانب الشيطان، كيف تجتمع مع ما حكاه سبحانه من عدم تسلّط الشيطان على عباد الله المخلصين إذ قال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)[3]، وقال سبحانه حاكياً قول إبليس: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إلّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ )[4]؟

والجواب عن ذلك: انّ المراد من (المُخْلَصِينَ) هم الذين اجتباهم الله سبحانه من بين خلقه، قال تعالى مشيراً إلى ثلة من الأنبياء: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا )[5]، وقال سبحانه مشيراً إلى طائفة من الأنبياء: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).[6]

فإذا كان المخلصون هم الذين اجتباهم الله سبحانه بنوع من الاجتباء، لم يكن آدم عليه السلام يوم خالف النهي من المجتبين، وانّما اجتباه سبحانه بعد ذلك قال سبحانه: (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ)[7] وعلى ذلك فوسوسة الشيطان لآدم لا تنافي ما ذكره سبحانه في حق المجتبين، وانّ الشيطان ليس له نصيب في حق تلك الصفوة وليس له طريق إليهم.

أضف إلى ذلك: أنّ وسوسة الشيطان في صدور الناس إنّما هي بصورة النفوذ في قلوبهم والسلطان عليهم بنحو يؤثر فيهم، وإن كان لا يسلب عنهم الاختيار والحرية، ويؤيد كون الوسوسة بصورة النفوذ، الإتيان بلفظة « في » في قوله سبحانه: ( يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ )، وأمّا [8]وسوسة الشيطان بالنسبة إلى أبي البشر فلم تكن بصورة النفوذ والتسلّط بشهادة تعديته بلفظة « لهما » أو « إليه »[9]. وهذا التفاوت في التعبير يفيد الفرق بين الوسوستين، وأنَّ إحداهما على نحو الدخول والولوج في الصدور، والأُخرى بنحو القرب والمشارفة.

الهوامش:


[1] الأعراف: 20.

[2] طه: 120.

[3] الحجر: 42.

[4] ص: 82 ـ 83.

[5] مريم: 58.

[6] الأنعام: 87.

[7] طه: 121 ـ 122.

[8] الناس: 5.

[9] الأعراف: 20 ؛ طه: 120.

2020/04/20

هل هناك علاقة بين سورة الكوثر والسيدة الزهراء (ع)؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)﴾ [الكوثر: 1 - 3].
عند التأمُّل في هذه السورة المباركة خصوصاً في الفقرة والآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، يتّضح لنا جوانب ثلاثة مهمة في عظمة السيدة الصديقة الشهيدة صلوات الله وسلامه عليها وعلى ذريتها:
الجانب الأول:
إنّ المقارنة بين هذه السورة والسورة التي نزلت قبلها وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5] ترشدنا أن العطاء الموعود به لا ينحصر في العطاء الأخروي وهو مقام الشفاعة، وأنّ بيده الصراط والميزان؛ كما ورد في الروايات المعصومية الشريفة.
بل إن قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ بمقتضى إطلاقها تفيد أنه وعده بعطاءٍ لا حدود له في الدنيا والآخرة.
وأن العطاء الذي وعده به عطاءٌ يُرضيه، وأجلى وأوضح مظاهر العطاء التي منحه الله إياه في الدنيا هو ما قالهُ في السورة الأخرى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فإن عطاء الكوثر أعظم عطاءٍ أرضاه قلباً وروحاً، وهو عطاء حصل عليه في الدنيا واستمر في الآخرة، ألا وهو العطاء النوراني المعصومي الذي امتدّ بعده حيث إن الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم، الذين انبثقو من رحم الزهراء  عطاء له في الدنيا؛ لأن معارفهم امتداد لرسالته وعطاء له في الآخرة؛ لأنهم أبواب الشفاعة ورفقاءه في مقعد الصدق، ولا أثمن ولا أعظم من هذا العطاء الكبير، فهو المنظور مصداقاً جلياً لقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾.
الجانب الثاني:
أن العطاء في الاستعمالات اللغوية والقرآنية يتضمن معنى السعة والكثرة، فهناك فرق بين الهبة والهدية والعطاء.
فالجميع تمليك وبذل لكن الهبة لا تستبطن أكثر من المنحة وإدخال شيء في حوزة الآخر، والهدية تتضمن المحبة.
وأما الإعطاء فإنه يتضمن السعة والكثرة على سبيل اللطف والإنعام، كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)﴾ [ص: 39 - 40] خصوصاً مع إضافة العطاء إليه تبارك وتعالى من خلال ضمير الجمع وكما في قوله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾ [الليل: 5 - 7].
فإن مقام المتقين الصالحين مقام العطاء الذي يفيض سعة وكثرة في القربات والخيرات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148] فعنوان العطاء متضمن لهذين العنصرين وهما السعة واللطف، لذلك كان المناسب لهذا العطاء أن يكون متعلّقه الكوثر، وهو الخير الكثير كما ذكر اللغويون.
الجانب الثالث:
أنّ الكوثر على صيغة فَوْعَل بمعنى الخير الكثير، والخير الكثير ليس النبوة ولا إظهار الدين والرسالة، وإنما الخير الكثير بقرينة ذيل السورة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، هو الخير الكثير في ذريته ونسله لا مطلق الخير الكثير، ولا يوجد صورة أجلى ومصداق أعظم في الخير الكثير من فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وعلى آلها الطاهرين.
فهي بجهادها وعلمها وبكونها حلقة العصمة والطهارة بين النبوة والإمامة، وكونها مبدأ النور في حَديثِ الكِساءِ اليَمانِي، والَّذي منْه هذِه الفَقرةُ التي يُجِيبُ فيها المولَى سُبحَانه عن سُؤالِ جَبرَئِيلَ: قالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ: يا رَبِّ وَ مَنْ تَحتَ الكِساءِ؟
فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «هُم أَهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها، وَبَعلُها وَبَنوها» [راجِعْ كِتابَ البَحرانِي ”عَوالِم العُلومِ“ يَروِيه بسَندٍ جيد عن جَابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصَاريِّ].
وكونها منبثقاً لأئمة أحد عشر كانوا امتداداً للرسول المصطفى  في تبليغ الرسالة وتمكين الدين، وبهم الفتح وبهم الختم، فلا يوجد صورة للخير الكثير أعظم من ذلك كله.
نسأل الله تبارك وتعالى أن لا يحرمنا في الدنيا خدمتها وولاءها وولاء الأئمة من ذريتها، وأن لا يحرمنا في الآخرة قربها وشفاعتها ورضاها، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

2020/02/15

حرب نفسية: هذا ما تقدمه «الشائعات» لكسب المعركة سياسياً وعسكرياً

إن لاختلاق الشائعات ونشرها من الخطورة والنتائج المشؤومة والأليمة بدرجة أن القرآن المجيد تناولها عدّة مرات، وتعَرَضَ لها من طرق مختلفة مؤثرة، باحثاً محللا لها من أجل ألاّ تجد محلا لها في المجتمع الإسلامي.

قال تعالى: (إن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم من الدنيا والآخرة).

وممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يقل «الذين يشيعون الفاحشة، بل قال: (الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) وهذا يحكي عن الأهمية القصوى التي يدليها القرآن لذلك..

بحثان مهمان:

1 ـ ما معنى إشاعة الفحشاء؟

بما أن الإنسان مخلوق اجتماعي، فالمجتمع البشري الذي يعيش فيه لَهُ حُرْمة يجب أن لا تقِلَّ عَنْ حرْمتِهِ الشخصيَّةِ، وطهارةُ كِلّ مِنْهُما تُساعِدُ في طهارةِ الآخر، وقبح كلِّ منهما يسري إلى صاحِبه. وبموجب هذا المبدأ كافح الإسلام بشدّة كُلَّ عمل ينشر السموم في المجتمع، أو يدفعه نحو الهاوية والانحطاط.

ولهذا السبب حارب الإسلام ـ بقوة ـ الغيبة والنميمة، لأن الغيبة تكشف العيوب الخفية، وتسيء إلى حرمة المجتمع.

أوجب الإسلام ستر العيوب والسبب في ذلك هو ما تقدم من الحيلولة دون انتشار الذنوب في المجتمع، واكتسابها طابع العمومية والشمول.

وعندما نرى اختصاص الذنب العلني بأهمية أكثر من الذنب الذي يرتكب في الخفاء، حتى أن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قال: «المذيع بالسيئة مخذول والمستتر بالسيئة مغفور له»(1). فالسبب هو ما ذكرنا.

وهكذا لنفس السبب يدين القرآن ـ بشدّة ـ ارتكاب الذنوب في العلن، كإشاعة الفحشاء، فارتكاب الذنوب كالنار التي تسري في الهشيم، تأتي على المجتمع مِن أساسه فتنخُره حتى تَهْدِمَهُ وَتَذْروهُ، لهذا يجب الإسراع لإطفاء هذه النار، أو لمحاصرتها على الأقل. أمّا إذا زدنا النار لهيباً، ونقلناها من مكان إلى آخر، فإنّها ستحرق الجميع، ولا يمكن بَعْدَئذ إطفاؤُها أو السيطرة عليها.

وإضافة إلى ذلك، فإنّه لو عظم الذنب في نظر عامّة الناس، وتمّت المحافظة على سلامة ظاهر المجتمع من التلوث والفساد، فإن ذلك يمنع انتشار الفاحشة بصورة مؤكدة. أمّا اشاعة الفحشاء والذنوب والتجاهر بالفسق، فمن شأنها أن تحطم هذا السد الحاجز للفساد. ويستصغر شأن الذنوب من قبل الناس، ويسهل التورط فيها.

وقد جاء عن النبي الأكرم (ص) قوله «من أذاع فاحشة كان كمبتدئها»(2).

وممّا يلزم ذكره أنّ لإشاعة الفحشاء صوراً عديدةً فتارة يكون من قبيل افتعال تهمة كاذبة ونَقلِها بين الناس، واخرى يكون بانشاء مراكِزَ للفساد ونشر الفحشاء، وثالثة بتوفير وسائل المعصية للناس، أو تشجيعهم على ارتكاب الذنوب، ورابعة يرتكب الذنب في العلن دون ملاحظة الدين، ولا رعاية لقانون ولا التفات لآداب عامّة، وكل هذه مصاديق لإشاعة الفحشاء. لانّ لهذه الكلمة مفهوماً واسعاً فتأمل.

2 ـ مصيبة الشائعات

إن اختلاق ونشر الشائعة الكاذبة يُودِّي إلى سَيْطَرةِ القَلَقِ واستبدادِ الاضطراب وانعدام الثقةِ، وهذِهِ مِن أهَمِّ ما تَرْمي إليه الحَرْبُ النفسيّةُ للمستعمرين بغية إثارة الْبَلْبلةِ وَنشْرَ الفَزَع، ليتسنى لهم التَّغَلُّب العَسكريّ والسياسيّ.

فعندما يعجز العدو عن إلحاق الضرر بصورة مباشرة، يقوم بنشر الشائعات، لبث الرعب والقلق في الناس، ليشغلهم بأنفُسهم، وليتسنَّى لَهُ الظُهُورُ عليهم والتمكُّنُ مِنهُم في كل مجال، واختلاق الشائعة من الأسلحة المخربة المستعملة ضدّ الصالحين والطيبين، لِعَزْلِهِم وإقصاءِ الناس عنهم.

فقد لجأ المنافقون - في زمن النبي (ص) - إلى أخَسَّ السبل لتلويث سمعته والحط من شأنه المقدّس لدى الناس، باختلاق شائعة تمسّ طهارة وعفة إحدى زوجاته مستغلين في ذلك فرصة سنحت لهم، ممّا أدى إلى تشويش أفكار المسلمين، وإدخال الحزن إلى قلوبهم، بحيث اضطرب الجميع. وأصاب المؤمنين القلق الشديد حتى نزل الوحي وأنقذهم من هذه الحالة، ومرّغ أنُوفَ المنافقين في الوَحلِ بما اختلقوا هذه الشائعة. وجعلهم عبرة للآخرين .

ورغم أن اختلاق الشائعة يعد نوعاً من الكفاح في المجتمعات التي تسودها الدكتاتورية ويفتقد الناس فيها الحرية… إلاَّ أن من أسبابها ودوافعها الانتقام، وتصفية الحساب مع أشخاص معنيين، وإزالة الثقة العامّة بالشخصيات الكبيرة. وحرف الرأي العام عن القضايا الجوهرية.

ولا يهمنا أن نعلم دوافع اختلاق الشائعات، إنّما المهم تحذير المجتمع من مغبة الوقوع في براثن الذين يختلقون الشائعات وينشرونها بين الناس، وبذلك يدمرون المجتمع وأنفسهم بأيديهم! وأن نعلّم الناس بأن يدفنوا الشائعة في مهدها، وإلاّ فقد أدخلنا السرور إلى قلب العدو.


1 ـ أصول الكافي، المجلد الثاني، باب ستر العيوب.

2 ـ أصول الكافي، المجلد الثاني، باب القبح.

*مقتطع من تفسير الأمثل / الجزء الحادي عشر / صفحة -49-

2019/10/28

مسار الإنسان بين البيئة والاختيار.. نماذج من الواقع

قد يظن البعض أن الانسان لا مناص له من تحكم البيئة فيه وهي التي تحدد مساره وتبني له منظومة فكرية تلائم أجواءها ومعتقداتها وتقاليدها... وليس له الفرار من تلك البيئة مطلقا !

ولكن هذا الظن يتلاشى حين نستعرض بعض النماذج التي أعلنت ثورتها على بيئاتها، حيث أن الانسان مختار في أفعاله ودائما ما يعيش الصراع بين الحق والباطل، وحين بروز الحق له جليا وتبيان زيف البيئة التي يعيشها يقف بين جهتي الحق والباطل وله أن يقرر جهة مصيره، فمهما كان عدد وشأن أصحاب الجهة الباطلة، ومهما كانت العوامل المؤثرة عليه والعواقب التي تنتظره فهو يستطيع الفرار من سجن بيئته المنحرفة بحكم اختياره وإرادته .

ومن النماذج التي جابهت بيئاتها بجدارة وعلو همة.. آسيا بنت مزاحم - امرأة فرعون - حيث يستعرض القران الكريم موقفها السامي حينما تبينت لها الحقيقة - برؤية معاجز نبي الله موسى (ع) - كيف حلقت روحها الى سماء الحرية وخلصت من قيود الدنيا الزائلة ولم تبالي للمغريات التي تكبل الانسان عادة كالمركز الذي كانت فيه كـ (ملكة مصر) والترف الذي تعيشه... وآمنت برسالة نبي الله موسى (ع) مع علمها بالعواقب التي تنتظرها وقد ختمت حياتها بالشهادة في سبيل الله حيث ثبتوا يديها ورجليها بالمسامير تحت أشعة الشمس الحارقة ووضعوا على صدرها صخرة كبيرة وهي تدعوا: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وقد استجاب الله لها، بل خلد موقفها الى يوم القيامة.

ومن اللطائف في عبارة: (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) التي تشير الى أن هذه المرأة الجليلة القدر رغم كل ما تنعم به وتملكه من خدم وحشم وزخرف الدنيا ومركزها كملكة مصر... ترى أن الخلاص منه نجاة من الهلاك مادام في ظل فرعون! لرسوخ ايمانها وعلو همتها، فلا مغريات الدنيا أثنتها ولا ضغوط العواقب من العذاب وغيره أخضعتها لترك الحق.

وكذلك نموذج السحرة الذين هجروا النعيم الذي كانوا فيه مع فرعون وأعلنوا إيمانهم وثورتهم ضد بيئتهم الفرعونية ولم يبالوا لوعيد فرعون وعذابه بعدما تبين لهم الحق جليا حيث (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)([1]).

وكنموذج آخر أصحاب الكهف: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)([2]).

وهم فتية قاموا ضدَّ طاغوت زمانهم، وقد استطاعوا أن ينسلخوا من حياتهم المترفة والمليئة بما لذ وطاب، بل انسلخوا من حب الجاه - كما هو حال آسيا والسحرة - إذ كانوا يحتلون مراكز رفيعة المستوى في دولة الطاغوت.. فأطلقوا كلمة الحق بوجه الطاغوت وقد علموا أنهم عرَّضوا حياتهم للخطر بشهادة قوله تعالى: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) ([3]).

التفاتات:

1  - رب قائل يقول: كيف استطاع قوم كانوا يعيشون في وسط ملوث بالشرك والكفر أن ينطقوا بكلمتهم الحقة ضد الطواغيت؟! مع ملاحظة تركهم للنعيم الدنيوي الذي كانوا مترفين فيه؟!
الجواب: ليس من الصدفة أن يبرز هؤلاء دون غيرهم ضد طواغيت زمانهم بكلمات خلدتها السماء، بل لابد من وجود اعتدال مسبق في قلوبهم ومقدمات عملية في سلوكهم هيئتهم لهذا التصدي المفعم بالإيمان الراسخ، فمع ذلك يُنبذ منهج: (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا) ([4]).

​2  - قد يبرر البعض بأن الأقليات ليس لها القدرة على المواجهة فيكون الاستسلام هو الحل الأصلح ! ولكن مما تقدم من شواهد قرآنية يظهر أن هذا الرأي ليس في محله .
نعم قد يستدعي الأمر الى توقيت معين أو تجهيز أو غير ذلك من عوامل إنجاح قضية الحق وهذا ليس استسلاما فتدبر.

 3 - قد يسرق الباطلُ شكل الحق فيشتبه على من لا يملك المعيار العلمي والبصيرة، ولكن من يملكهما لا وجود للاشتباه عنده كما حصل مع السحرة الذين خروا سجدا حينما تبين لهم الحق جليا، إذ كانوا على يقين أن ما جاء به موسى (ع) ليس من السحر ومع وجود اعتدال في القلب ومقدمات - كما تقدم - وقتهم من عمى البصيرة، ويشير الى وجود اعتدال في قلوبهم قوله تعالى: (وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ).
ومن هنا يتّضح ـ أيضاً ـ مدى ضعف وعدم واقعيّة أساطير الماديين، وخاصة الماركسيين حول نشأة الدين وتكوّنه، فإنّهم اعتبروا أساس كلّ حركة هو العامل الاقتصادي، في حين أنّ الأمر هنا كان بالعكس تماماً، لأنّ السّحرة قد حضروا حلبة الصراع نتيجة ضغط أجهزة فرعون من جانب، والإغراءات الاقتصادية من جانب آخر، إلاّ أنّ الإيمان بالله قد محا كلّ هذه الاُمور، فقد إنهار المال والجاه الذي وعدهم فرعون به عند أعتاب إيمانهم، ووضعوا أرواحهم العزيزة هديّة لهذا العشق!

([5]).


[1] طه: 72 – 73 .

[2] الكهف: 14 .

[3] الكهف: 20.

[4] المائدة: 104 .

[5] تفسير الأمثل: ج10 ص41 .

2019/09/24

الحروف المقطّعة في القرآن.. ماذا تعني؟!

تتصدر تسع وعشرون سورة من سور القرآن بحروفٍ مفردةٍ أو مركبةٍ من حروف الهجاء، عند قراءتها الآن لا تعطينا معنىً محدد، ولا دلالة لفظية مباشرة لها  بشكل مستقل، وقد اصطلح عليها بالمقطعات ، وفواتح السور، والحروف النورانية، و تسميتها الأشهر : هي (الحروف المُقَطّعَة)، وهي أربعة عشر حرفاً ، وتسميتها حروفاً لا يعني أنّها حرفٌ واحد، فبعضها بالفعل حرفٌ هجائي واحد مثل: (ص، ق، ن) لكن بعضها الآخر من حرفين مثل: (طه، طس، يس، حم) و قسم ثالث من ثلاثة حروف، مثل: (الم، الر، طسم)، وهكذا منها من أربعة حروف، مثل: (المص، المر) ومنها المؤلف من خمسة حروف هجائية، مثل: (كهيعص، حم عسق)، وسبب تسميتها بالمقطعة هو؛  تقطيعها عند القراءة ؛ إذ تقرأ  : ألف لام ميم ، أو ألف لام راء، وهكذا، وسبب الكتابة عنها : كثرة القيل والقال فيها واثارة الاشكال عليها، حتى استسخف نفسه أحدهم فكتب لغواً: في غياب تفسير مقنع لهذه الأحرف يجب ادراجها ضمن ما يسمى "اللغو"!

المذاهب في تفسيرها ومعناها

إنّ موضوعاً كالحروف المقطعة بلغ من التشعب والسعة مبلغاً أن تكتب فيه الكتب، وتؤلف فيه البحوث، وتجرى عليه الدراسات اللغوية والتفسيرية (ككتاب: الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية للدكتور محمد أحمد أبو فراخ ، وغيره)، وأن تختلف الأقوال فيه الأقوال لتبلغ العشرة أو تزيد ، كما سردها صاحب تفسير مجمع البيان في أول استعمال لها ، بل ضاعف بعضهم عدد الآراء ليقول: (الْأَقْوَالِ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ قَوْلًا.(أضواء البيان-2/166) ، أقول: إنّ موضوعاً كهذا لا يمكن الإلمام بتفاصيله في مقالة همها أن تبين أرجح الآراء فيه، وأقربها للصواب، والغريب حقاً ، أنّ هذا الاختلاف الفاحش بين مفسري القرآن تقابله حقيقة تاريخية هي: أنّ أحداً من العرب آنذاك لم يستغرب استعمالها أو ينكر معناها، أو يعيب على النبي (ص) قراءتها، وهم المتربصون به؛ بحثاً عما يبرر عدم إيمانهم برسالته والكتاب الذي أنزل عليه!، ويزداد الأمر غرابة أنهم لم يستعملوا بل لم يعهدوا مثل هذا الاستعمال !، إذن هذا أحد أسباب عدم عرض الأقوال كلها ومناقشتها، والسبب الآخر هو أنّ هذه الآراء في معظمها مجرّد استحسانات وتخمينات لا مستند لها، وقد رأى بعضهم وراج قوله هذا بين الناس: "من الأسرار الغريبة في هذه المقطعات أنها تصير بعد التركيب وحذف المكررات (...صراط علي حق نمسكه)." (تفسير الصافي،ج1/ص92)، بيد أنّه لا يختلف عن سائر الاجتهادات الشخصية والاستحسانات الظنيّة، فلم يخبرنا: لماذا لا يُصبّ هذا التركيب في جملة أخرى غير تلك، مثل: (وصح طريقك مع السنة) أو (نصٌ حكيمٌ قطعاً له سر) أو غيرهما؟!، وأياً يكن فنحن هنا نناقش رأيين منافيين لما سنرجحه لاحقاً، الأول منهما يرى "أنّها من المتشابهات التي استأثر الله تعالى بعلمها ولا يعلم تأويلها إلا هو هذا هو المروي عن أئمتنا عليهم السلام (المجمع، ج1،ص75)، وصاحب الميزان وإنْ لم يقبل تصحيح هذا الرأي؛ لأن الحروف المقطعة لا دلالة لفظية لها، و "الإحكام والتشابه من صفات الآيات التي لها دلالة لفظية على مداليلها" (الميزان،ج18،ص8)، فهو يرى انتفاء موضوع المحكم والمتشابه فيها، ويغدو الحديث عن تشابهها من السالبة بانتفاء الموضوع كما يقال في المنطق، إلا أنّه جنح لرأي ليس ببعيد  كثيراً عمّا أبطله؛ فقد كتب: أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله (ص) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا. (المصدر السابق).

الرأي الراجح ، ومعطياته

إنّ الرأي الذي تميل إليه المقالة مولَّفٌ من رأيين من العشرة التي عرضها الطبرسي، ونرى فيهما علاقة تكامل لا تضاد؛ إذ ينص الثامن على المراد منها: (حروف المعجم)، فيما العاشر يوضح الغرض من ايرادها: (تبكيت العرب والزامهم الحجة)، وحينئذٍ يكون معنى المقطعة في أوائل السور هي أحرف المعجم و الهجاء، والغرض من استعمالها القرآني في مطلع السور إقامة الحجة على وحيانية النص القرآني، وتتمثل تلك الحجة في أنّ مادة القرآن ومادة كلام العرب واحدة، وهي هذه الحروف، من ثمّ فالتحدي القرآني لهم، وعجز الخصم عن مجاراته والإتيان بمثله؛ برهانٌ جلي على كونه نصّاً معجزاً ووحياً من الله تعالى، وإلا لماذا عجز جميع العرب عن مجراته، ومادته متاحة لذلك الجميع في أشعارهم ورسائلهم وخطبهم؟!، ولعلّ أبرز سؤالين يواجههما هذا الرأي: لماذا اكتفى بأربعة عشر حرفاً من حروف المعجم، و لم يستعمل جميع حروف الهجاء؟ والسؤال الآخر: لماذا لم تذكر جميع الحروف المقطعة متفرقة على السور ألم يكن الأجدر أن تسرد في أول القرآن؟، وجواباً عن الأول، يفيد الطبرسي في تقرير الرأي الثامن: "استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام الثمانية والعشرين حرفا كما يستغني بذكر : قفا نبك ... عن ذكر باقي القصيدة، وكما يقال: أب، في (أبجد) وفي(أ ب ت ث) ولم يذكروا باقي الحروف، قال الراجز:

لما رأيت أنها في حطي، أخذت منها بقرون شمط

وإنما أراد الخبر عن المرأة بأنّها في (أبجد)، فأقام قوله: حطي، مقامه؛ لدلالة الكلام عليه "(المجمع: ج1،ص76)، وجواباً عن الآخر ينصّ الزمخشري : أنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلّف منها لا غير، وتجديدُه في غير موضع واحد، أوصلُ إلى الغرض، وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن، فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. (الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل،ج1،ص30) .

ونحن إذ لا نجزم بهذا الرأي، غير أنّ شواهده وقرائنه متضافرة متكاثرة، وهي على كثرتها على قسمين:

الأول: داخلية، مستفادة من تتبع نفس سياق الاستعمال القرآني لها، وخلاصة هذه القرينة: اقتران الأحرف المقطعة بالحديث عن الاعجاز، وفي الأغلب تمثّل بالقرآن الكريم، بوصفه النص الوحياني المعجز للنبي محمد (ص)، وقد جاء ذلك بالفاظٍ مختلفة: الكتاب – القرآن - الآيات، وبعضها جمعت بين لفظين، كما أنّ بعض تلكم السور ابدأت وفي أول آية لها بـ(القرآن)، وختمتْ به، أدناه شاهد لكل هذه الأنحاء:

1ـ لفظ (الكتاب)، ففي أول استعمال لها في المصحف وبعد (ألم) تلاها مباشرة قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة : 2]، وذات الاستعمال في سورة آل عمران، وحسب التتبع وجدتُ أكثر المقطعات قد استعمل بعدها هذا التعبير (الكتاب)، معرّفاً أو منكراً، باضافة أو بغيرها.

2ـ لفظ (القرآن)، كما في سورة طه؛إذ بعد الآية الأولى منها:(طه)، أُتبعت في الثانية بقوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه : 2]، وعين الأمر مع سورة يس.

3ـ آيات الكتاب أو القرآن، كقوله تعالى: في مطلع سورة يونس: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، وقد جمعتْ سورة النمل النحوين: (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [النمل: 1].

4ـ وسورة (ق) هي التي ورد فيها لفظ القرآن في مطلعها وآخرها، ففي آيتها الأولى : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) [ق: 1]، وفي آخر آية : (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 45].

الثاني : خارجية، أي هي قرينة مؤيدة للمعنى للتفسير المتقدم للحروف المقطعة، و ليس هذا المؤيّد من داخل النص القرآني بل من خارجه، ويتمثل في خبرين مهمّين، ضمن الأخبار التي وضعها الصدوق في كتابه: معاني الأخبار، تحت باب : معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن، وقد أورد فيه ستة أحاديث، جاءتْ في سياق بيان المعنى التأويلي والباطني للحروف المقطعة ـ ما خلا الحديث الرابع ـ وليس في ذلك قدحٌ أو تقليل من أحاديث التأويل وبيان المعنى الباطن للآية، كما ليس في إبراز أحد البطون واستجلاء بعض اسرار الكتاب  ما يتعارض مع الظاهر سيّما الذي قررناه آنفاً بخصوص الأحرف المقطعة؛ فإنّ للقرآن تأويلاً وله ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعـة أبطن، غاية الأمر: لا يمسّ باطنه من البشر إلا المطهّرون، ولا يعلم تأويله إلا الراسخون، من ثمّ تركنا تلكم الأحاديث لخروجها عمّا نحن فيه، وهو دراسة الحروف المقطّعة حسب ظاهر التنزيل، الأمر الذي جاء فيه حديثان عن أهل البيت، الأول هو رابع أحاديث الباب المذكور آنفاً، وهو حديث طويلٌ مرويٌّ عن الإمام العسكري عن آبائه (ع)، لكن نقتبس منه ما يؤدي الغرض ويتقرّر به الاستشهاد :

كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا : سحر مبين تقوّله، فقال الله : الم ذلِكَ الْكِتابُ، أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة، التي منها: ألف لام ميم، وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن إنّهم لا يقدرون عليه بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء : 88]...إلخ الحديث. (الصدوق-معاني الأخبار،ص24 )،وفي باب آخر، ورواية أخرى، رواها الصدوق أيضاً ،عن الإمام الرضا (عليه السلام) جاء في آخرها ما يدل على المطلوب بشكل واضح : " إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب ثم قال (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً). ( الصدوق – معاني الأخبار، ص43، باب معاني حروف المعجم، ح1).

ختاماً: من هاتين الروايتين، ومن السياق القرآني في الاستعمال، تبيّن أنّ الحروف المقطّعة غير مقطوعة الصلة، لا عن العترة ولا عن الآيات والجمل القرآنية اللاحقة لها، وبوصلها بالكتاب والعترة يتضح معناها وينكشف مغزاها .

2019/07/29

مصير البشرية: القرآن يحدثنا عن ٥ أمور ستحدث للعالم

لقد أولى القرآن هذه المسألة اهتماماً خاصاً وأشار إليها في آيات كثيرة ووضح وبصورة تامة مستقبل البشرية وما يؤول إليه مصير العالم، فإذا ما جمعنا تلك الآيات ودرسناها دراسة شاملة وبإمعان وتأمّل فستتّضح لنا حينئذ النظرية القرآنية في هذا المجال، ولذلك سوف نستعرض هذه الآيات التي تحدّثت عن هذه المسألة في موارد مختلفة والتي يبلغ عددها عشر آيات مباركات، نذكرها تحت العناوين التي أشارت إليها.

1. وراثة الصالحين للأرض

إنّ الرؤية المستقبلية للإنسان واهتمامه بمصيره وبمستقبله يحثّانه على التعرّف على عاقبته ومصيره وما آلت إليه الأقوام والشعوب السابقة، لأنّه ومنذ  بزغ فجر التاريخ الإنساني اقترن بالنزاع والخصام بين الحقّ والباطل، وانّ النصر يكون حليف الحق تارة وأُخرى حليف الباطل، أي انّ الحرب كانت بينهما سجالاً وحسب التعبير القرآني:

( ...وتِلكََ الأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاس... ) .( [1])

فبالرغم من أنّ التاريخ البشري منذ ولادة الإنسان وإلى الآن يعيش حالة الصراع والسجال  وتبادل النصر والهزيمة، ولكن القرآن الكريم يقطع بأنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت بأنّ العاقبة ومستقبل البشرية سيكون من نصيب الصالحين والمؤمنين الذين سيرثون الأرض وما عليها، وانّهم سيقيمون حكومة العدل والحقّ الإلهي وسيكون زمام الأُمور بأيديهم لا بيد الباطل وأهله، وانّ العالم بأسره سينضوي تحت راية الحق والعدل ولا تقوم للباطل بعد ذلك قائمة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:

( وَلََقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْدِ الذِّكْر أَنَّ الأَرْض يَرِثُها عِبادي الصّالِحُون ) .( [2])

وفي آية أُخرى يقول:

( وَعََدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... ) .( [3])

إنّ الاستخلاف المذكور في الآية ـ سواء قلنا: إنّهم خلفاء اللّه سبحانه، أو قلنا: إنّهم خلفاء لمن سبقهم من الناس ـ يعني القيام بتدبير الأُمور وإقامة العدل  الإلهي والقسط في المجتمع، وإعمار الأرض وإصلاحها. وفي آية ثالثة هناك إشارة إلى أنّ العاقبة للمتّقين ( ...وَالعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ) .( [4])

2. استقرار رسالة اللّه في الأرض وإشاعة الأمن

لقد وعد القرآن الكريم بأنّ الإسلام سيعمّ المعمورة بأسرها وأنّ النصر النهائي حليف المسلمين، ولكنّ هذا الوعد الإلهي ـ الذي لابدّ أن يقع يوماً ما ـ لم يتحقّق حتّى هذه اللحظة، ولكن الروايات الشريفة تؤكد انّ هذا الوعد الإلهي القطعي سيتحقّق في ظروف خاصة وفي دورة تاريخية أُخرى، وهي التي يمسك فيها زمام الأُمور كلّها آخر وصي من أوصياء الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الا وهو الحجة بن الحسن الإمام المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وحينئذ سيملأ الأرض ـ شرقاً وغرباً ـ قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. يقول تعالى مشيراً إلى هذا الوعد الإلهي الحقّ:

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَدِين الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون ) .( [5])

وفي آية أُخرى إشارة إلى نفس هذا المضمون ولكن بعبارة أُخرى حيث عبّرت الآية عن تلك الحقيقة بأنّ نور اللّه سبحانه لن يطفأ أبداً مهما حاولوا ذلك فقال تعالى:

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّه بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون ) .( [6])

3. انتصار الأنبياء

لقد بذل الأنبياء والرسل(عليهم السلام) جهوداً حثيثة ومساعي جبارة وجهاداً عظيماً في طريق نشر رسالتهم الإلهية، ولكن وبسبب الكثير من المحاولات المضادة لم يتمكّنوا من بسط تلك الرسالة على جميع أنحاء المعمورة وفي جميع أرجاء العالم، ومن بين تلك الأسباب المانعة هي أنّهم قد واجهوا في كلّ عصر الكثير من المعاندين والمخالفين الذين تصدّوا لهذه الرسالة الإلهية الحقّة فكانوا مانعاً أساسياً في طريق الأنبياء(عليهم السلام) لتحقيق هدفهم المقدّس.

ولكنّ القرآن  الكريم يؤكد أنّ هذه المواجهة والمعارضة من قبل أصحاب الباطل ما هي إلاّ مواجهة مؤقتة ستؤول إلى الاندثار والانهزام، وأنّ هذا الجدار الذي بناه الطغاة وأصحاب الباطل سينهار حتماً ـ يوماً ما ـ و أنّ رسالة الأنبياء وأولياء اللّه هي التي ستحكم الأرض وتعمّ العالم بأسره.

ولقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في آيات متعدّدة منها:

( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيَوم يَقُومُ الأَشهاد ) .( [7])

وفي آية أُخرى أكّد القرآن الكريم أنّ المشيئة الإلهية قد تعلّقت بأنّ النصر سيكون حليف الأنبياء ورسالتهم، حيث قال سبحانه:

( وَلَقَدْسَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلين * انّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورون * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُون ) .( [8])

وقال سبحانه في آية أُخرى: ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلَبَنَّ أَنَا وَرُسُلي... ) .( [9])

4. انتصار الحقّ على الباطل

إنّ  آيات الذكر الحكيم كما أنّها تؤكد على أنّ النظام التكويني هو نظام الخير والصلاح وانّ الخير سيتغلب على الشر قطعاً، وكذلك ترى النظام الاجتماعي المبني على الحقّ والتوحيد والعدل هو النظام المستحكم والذي ستكون له الغلبة والانتصار على النظام الباطل المبني على الشرك والجور والطغيان، وانّ العاقبة الحميدة والنصر النهائي سيكون من نصيب الصالحين والصادقين والمؤمنين حيث قال سبحانه:

( بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِق... ) .( [10])

وفي آية أُخرى نرى  القرآن الكريم يصف الحق والباطل بأجمل وصف وأدق تعبير حيث يشبّه الحق بـ«الماء» و الباطل بـ«الزبد» وانّه خلال حركة الحقّ ومسيرته الطويلة سيمتطي الباطل ظهر الحق ويعتلي على رقبته فترة وجيزة، ولكن سرعان ما تنجلي الغبرة عن زوال الباطل «الزبد» من الوجود و تنتهي وتزول كلّ آثاره من المجتمع ولم يبق في الساحة إلاّ الحقّ الذي هو كماء الحياة يبقى يسري في العروق ليبعث فيها الدفء والحياة والحركة.

يقول سبحانه:

( ...أَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرض... ) .( [11])

5. الإمداد الغيبي لمستقبل البشرية

يؤكّد القرآن الكريم على حقيقة مهمة وهي أنّ مصير البشرية سيؤول إلى انتصار الحقّ حتماً، وذلك لأنّه سيظهر أفراد في المجتمع يضحّون بكلّ وجودهم ويبذلون الغالي والنفيس في نصر الإسلام والحقّ وإذلال الكفر والباطل، ولذلك يحذر اللّه سبحانه البعض من الناس انّهم في حالة انحرافهم عن الطريق القويم والصراط المستقيم وارتدادهم إلى وادي الجهل والانحراف، فإنّ عملهم هذا لن يضر الإسلام والمسلمين شيئاً وانّهم لم ولن يستطيعوا محو الرسالة الإسلامية الحقّة والقضاء عليها أبداً، وانّ التاريخ البشري يشهد أنّه في كلّ عصر تظهر مجموعة من المؤمنين الذين يحبّهم اللّه ويحبّونه، علاقتهم مع المؤمنين مبنيّة على الحب والتواضع والعزة والاحترام وانّهم  أعزّة على الكافرين يدافعون وبكلّ قوّة وثبات من أجل نصر الحقّ وإعلاء كلمته يقول سبحانه:

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوفَ يَأتِي اللّهُ بِقَوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونهُ أَذِلّة عَلى المُؤْمِنين أَعِزَّة عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَومة لائِم... ) .( [12])

وحينئذ لابدّ من ملاحظة انّ هذه الوعود الإلهية والبشارات السماوية، بحكومة العدل الإلهي وشمول الرسالة للعالم بأسره والتي لم تتحقّق حتّى هذه اللحظة، لنرى متى يتم هذا الوعد وتتحقّق تلك الأُمنية التي طالما حلم بها  الأنبياء والمرسلون والصالحون؟

إنّ الروايات  الإسلامية الصحيحة هي التي تحلّ لنا هذه العقدة وتكشف لنا حقيقة الأمر وتضع اليد على ذلك المجهول الذي طالما انتظرنا تحقّقه، وذلك في عصر ظهور المهدي المنتظر(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) .

إنّ الروايات الكثيرة قد تحدّثت وبصورة قطعية عن تطوّر البشرية وتكاملها عقلياً وفكرياً وفي مجال التطور الصناعي والتكنولوجي، كما أنّها قد تحدّثت عن شمول العدل الإلهي لجميع ربوع المعمورة، وانّ رسالة التوحيد هي التي تعم البشرية في نهاية المطاف.


[1] . آل عمران: 140.

[2] . الأنبياء: 105.

[3] . النور: 55.

[4] . طه: 132.

[5] . التوبة:33; والصف: 9.

[6] . الصف: 8.

[7] . غافر: 51.

[8] . الصافات:171ـ 173.

[9] . المجادلة: 21.

[10] . الأنبياء: 18.

[11] . الرعد: 17.

[12] . المائدة: 54.

2019/07/17

من القرآن الكريم.. هذه هي مراحل «خلق الإنسان»

هل الإنسان خلق دفعة واحدة أو أنّ عملية خلق الإنسان مرّت بمراحل؟ وعلى الفرض الثاني ماهي تلك المراحل وكيف تمّت؟

انّ من أُولى البحوث التي تطرح حول الإنسان هي مسألة مراحل خلقه وكيف خلق؟ ومن أيّ شيء خلق؟

ولقد أجاب القرآن الكريم ـ الذي يعتبر أصحّ مصادر الفكر الإسلامي ـ عن تلك الأسئلة وأوضح المسألة بصورة مفصّلة، وانّ المتتبّع لآيات الذكر الحكيم التي تعرّضت للبحث في هذه القضية يدرك جلياً انّ عملية خلق الإنسان قد مرّت بثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأُولى: التراب المتحوّل

1. التراب، 2. الطين، 3. الطين اللازب، 4. صلصال من حمأ مسنون 5. سلالة من طين 6. صلصال كالفخار.

إنّ مجموع هذه الحالات الست المختلفة ترجع في حقيقتها إلى شيء واحد، وإنّ المادة الأساسية في كلّ هذه الحالات هي مادة واحدة، ومن أجل التعرف على متون الآيات التي تتعلّق بهذه الأُمور الستة نكتفي بذكر آية واحدة لكلّ عنوان منها:

1. التراب:

(إنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .([1])

2. الطين:

(الَّذي أحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طين) .( [2])

انظر في هذا المجال الآية 2 من سورة الأنعام، والآية 12 من سورة الأعراف، والآية 61 من سورة الإسراء، والآيتين 71و 76 من سورة ص.

3. طين لازب:

(...إنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طين لازِب). ( [3])

4. صلصال من حمأ مسنون:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ صَلْصال مِنْ حَمَإ مَسْنُون). ( [4])

وانظر أيضاً الآيتين 28 و33 من نفس السورة.

5. سلالة من طين:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طين). ( [5])

6.  صلصال كالفخار:

(خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصال كَالفَخّارِ). ( [6])

وفي نفس المضمون الآيات 26، 28و 33 من سورة الحجر، انّ هذه الآيات تشير إلى المادة الأُولى التي خلق منها آدم (عليه السلام) وذريته من بني الإنسان، ومن المسلّم انّ هذه الأُمور الستة ترتبط وبصورة مباشرة بالحالات المادّية لخلق الإنسان الأوّل المتمثّل في أبي البشر آدم (عليه السلام) وانّ القرآن الكريم ينسبها ـ وبنحو ما ـ إلى جميع البشر حيث يقول تعالى:

(خَلَقْناكُمْ مِنْ تُراب) أو (خَلَقْناهُمْ مِنْ طين لازِب).

ولا ريب انّ المادة الأُولى لخلق الإنسان قد مرّت بتغيّرات كيفية تمثّلت بالحالات الستة التي أشارت إليها الآيات السابقة ولم يحدث أبداً أي تغيير جوهري أو انقلاب نوعي في تلك المادة.

ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم ليس من كتب العلوم الطبيعية لكي يبحث في هذه الأُمور بصورة مفصّلة، ولكنّه ولأسباب وأهداف تربوية أشار إلى تلك التحوّلات الستة التي وقعت على المادة الأُولى لخلق الإنسان مذكّراً الإنسان بحقيقة مكوّناته لكيلا يغتر من جهة ولكي يرعوي المتكبّر ويعرف أنّه كيف قد تداركته الرحمة الإلهية ونقلته من حضيض التراب إلى أوج السمو والرفعة.

المرحلة الثانية: مرحلة التصوير

اعتبر القرآن الكريم مرحلة تصوير آدم هي المرحلة الثانية من مراحل خلق الإنسان حيث قال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوّرناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدينَ). ([7])

ولكن لابدّ من بيان المراد من التصوير الذي تتحدّث عنه الآية والذي جاء ذكره بعد الخلق لنعرف ما هي حقيقته؟

إنّ توضيح هذا الأمر يتوقّف على بيان المراد والمقصود من الخلق الوارد في الآية، لأنّ لفظ «الخلق» يطلق تارة ويراد منه الإيجاد، وتارة أُخرى يراد منه التقدير، كما تقول العرب: «خلق الخياط الثوب»، وهذا المعنى الثاني وإن كان صحيحاً في محلّه إلاّ أنّه بالنسبة إلى هذه الآية غير صحيح، لأنّ المراد منه هو الإيجاد والخلق، والشاهد على ذلك انّه قد جاء بعد جملة (خَلَقْناكُمْ) جملة  (ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ)، ومن المعلوم أنّ التصوير يناسب الخلق من المادة الأُولى ولا يناسب معنى القياس والتقدير العلمي الذي قد يصدق حتّى مع عدم وجود المادة.

وحينئذ لابدّ من معرفة المراد من التصوير ما هو؟

إنّ مفهوم التصوير هو نفس مفهوم التسوية الذي ورد في آية أُخرى حيث قال تعالى: (وَ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصال مِنْ حمإ مَسْنُون * فَإذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ). ([8])

المرحلة الثالثة: مرحلة نفخ الروح

المرحلة الثالثة من المراحل التي مرّت بها عملية خلق الإنسان هي عملية نفخ الروح أو النفس في البدن، وفي الحقيقة انّ هذه المرحلة هي أهمّ المراحل، لأنّ من خلال هذه المرحلة امتاز الإنسان عن غيره وجعلت له أفضلية على غيره، لأنّ هذه المرحلة جعلت منه موجوداً مركباً من عدّة أبعاد، فمن جهة هو موجود متعقّل مفكّر يمتلك فكراً وعقلاً يوصله إلى مصاف الملائكة، ومن جهة أُخرى جهّز بمجموعة من الغرائز والميول النفسية التي إن لم تخضع للسيطرة والموازنة والرقابة العقلية فانّها تجمح به لتلقيه في قعر الذلّ والسقوط والانحدار.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة بقوله سبحانه: (فإذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ).

وبهذا المضمون وردت الآية 72 من سورة ص.

والنكتة الجديرة بالذكر هنا والتي تنفع لرفع التوهّم الذي قد يحصل من خلال ظاهر الآية، وهي: إنّ من الثابت قطعاً أنّ اللّه سبحانه ليس بجسم ولا روح لكي ينفخ في الإنسان منها، وإنّما عبّر عنها بهذا الأُسلوب وأضافها إليه لغرض بيان عظمة الروح الإنسانية كما أضاف سبحانه الكعبة المشرّفة إليه، وقال جلّ شأنه: ( ...أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ للطَّائِفينَ... )( [9]) .( [10])


[1] . آل عمران: 59.

[2] . السجدة: 7.

[3] . الصافات: 11.

[4] . الحجر: 26.

[5] . المؤمنون: 12.

[6] . الرحمن: 14.

[7] . الأعراف: 11.

[8] . الحجر:28ـ 29.

[9] . البقرة: 125.

[10] . منشور جاويد:11/18ـ 24 و ج4/199ـ 203.

2019/07/11

القرآن يتحدث عن «النوم».. ما الذي يحدث لأعضاء الجسم؟!

من الامور التي تُعَدُّ حالة عاديةً بحسب ظاهرها، هي حالتا النوم واليقظة اللتان استند اليهما القرآن الكريم على وجه الخصوص.

1 ـ قال تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَسْمَعُوْنَ)[1]

2 ـ وقال تعالى : (وَهُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِباساً والنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً)[2]

3 ـ وقال تعالى : (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباساً)[3]

4 ـ وقال تعالى : (إذْ يُغَشِّيْكُمُ النُّعاسُ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنْزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)[4]

جمع الآيات وتفسيرها:

اَنَّ نومكم من آيات الله: في الآية الاولى من البحث يَعُدُّ القرآن الكريمُ نومَ الانسان في الليل والنهار أحدَ البراهين على علمِ وقدرةِ الله تعالى فيقول: (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ). وهو في نهاية الآية يؤكد هذا البرهان (إنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَسْمَعُوْنَ). ومما لا شك فيه انَّ الكائنات الحيّة كافة تحتاجُ الى الراحةِ لتجديد قواها، واكتساب الطاقة اللازمة لاستمرار نشاطاتها الحياتية، الراحةُ التي تلاحقهم تلقائياً، وتجبُرُ حتى الحريصين على التمتع بها. فايُّ عامل افضلُ من النومِ يمكنُ ان نفكر به من اجل تحقيق هذا الهدف حيث يلاحق الانسانَ بشكل اجباريٍّ ويضطره لإيقاف جميع نشاطاته الجسمية، بل حتى بعض من نشاطاته الفكرية الاساسية، وفي النتيجة يغطُّ في راحة عميقة، وخلال هذه الفترة تقوم أجهزة الجسم باعادة البناء والاستعداد للسعي والحركة من جديد.

ومما لا شك فيه ان الانسانَ لولا النوم، فانه يذبُلُ ويتْلَفُ، ويُصيبُهُ العَجَزُ والانكسار بسرعة، لذلك فقد قالوا: إنَّ النومَ المعتدل والاستقرار سرُّ السلامةِ وطولِ العمر وحيوية الشباب.

واللطيفُ اَنَّ الآيةَ التي نبحثها وضعت (النوم)، و (ابْتِغاء فَضْلِ اللهِ) في مقابل بعضهما، وحسب قول بعض المفسرين انَّ الأولَ هو علامة الموت والثاني علامة القيامة.

انَّ تعبير (اِبْتغاءَ فَضْلِ اللهِ) اشارةٌ الى مسألة لطيفة، تهتُم بسعي وجدِّ الانسانِ في حياته، وبفضل الله ايضاً، أي انَّ مزجهما مع بعضهما يُفيدُ الانسان من هبات العالم.

وفي الآية الثانية بعد أن يُصرِّحَ (هُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً) يشيرُ الى مسألة النوم حيث يقول تعالى (وَالنَّوْمَ سُباتاً). ومن الممكن ان يكون تعبير (هو الذي) اشارة الى الجانب التوحيدي لهذه الامور، فكلٌ منها دليلٌ على الذات المقدسة، أو جانبِ الاَنعامِ كي يعرفَ الانسانُ وليَّ نعمتِهِ، ومن المسلَّم به ان معرفة وليَّ النعمة ستكون مقدمةً لمعرفته ايضاً.

واللطيف اَنّه يقول بعد ذلك: (وَجَعَلَ النَّهارَ نَشُوراً)[5] .أجَلْ.. ففي وضح النهار تنتشر الروحُ ويستيقظ الانسانُ بشكل كامل، اَذ لا يخلو من شَبَه بنشورِ يوم القيامة والحياة ما بعد الموت. وهذا الاحتمالُ ممكن ايضاً، حيث يشير الى انتشار الناس في ميدان الحياة.

توضيحات:

ظاهرة النوم الخفيّة: مع انَّ «النوم» و «الرؤيا» تعتبر بالنسبة لنا أمراً عادياً، إلاّ انَّ العلماء لم يتوصلوا الى عمق هاتين الظاهرتين المهمتين بالرغم مما بذلوه من مساع وجهود. فايُّ فِعْل وانفعالات تطرأُ على الانسان ليتوقف فجأة القسم الاعظم من نشاطاته الجسمية والروحية؟! ويحصلُ هذا التغيير في جميع اجزاء جسمه وروحهِ كذلك، فلا يفهمُ شيئاً ولا يبدي أىَّ حركة ويستلقي جانباً كالميت، ولو غرقت الدنيا بأكملها فهو نائمٌ لا يدري.

ومع كل هذه التوضيحات والآراء والفرضيات التي قيلت في هذا المجال، فقد حافظ النوم على صورته المدهشة! والاكثر عجباً من ذلك مسألةُ (الرؤيا) التي تُعَدُّ من الالغاز العظيمة كروح الانسان.

وطبعاً ان الحديث المفصَّلَ بصدد حقيقة واسرار هاتين الظاهرتين خارجٌ عن موضوع بحثنا، لأنَّ الغايةَ من بحث الآيات المذكورة هي بيان المنافع الكثيرة، والفوائد التي لا تُحصى للنوم من جانب ومن جانب آخر كونه نعمة من نعم الله. فالنوم المعتدل دائماً يعتبر دليلا على سلامةِ روح واعصاب الانسان، لذلك فان اهمُ اسئلةِ الاطباء لمرضى النفس تدور حول كيفية نومهم.

لا تتوقف الاجهزة الاساسية في جسم الانسان كالقلب والرئة اثناء النوم، لكنها تعملُ بهدوء اكثر، ويصبحُ دوران الدَّم في الاعضاء اكثرُ تناسقاً، ويتوقفُ نشاطُ الدَّماغ تقريباً، وتستقر جميعُ العضلات ايضاً، فتؤدي كلُّ هذه الامور الى حصول هذه الاعضاء على فرصة لِتجديد بناء ذاتها. وخلالَ النومِ تُزالُ سمومُ الجسم، وتُعالجُ كثير من الامراض.

لقد اورد «روخلين» في كتابه (الرؤيا في نظر بافلوف) بحثاً تحت عنوان (العلاج بالنوم العميق) قائلا: «بناءً على فرضية «بافلوف» فانَّ النومَ عبارةٌ عن ظاهرةِ توقُف من اجل الصيانة وتجديد القوى، وعليه فيمكن استغلالهُ كعامل للعلاج من الامراض المختلفة، وتؤيدُ التجاربُ اليومية دور النوم في ذلك ايضاً»

ثم يضيف: «انَّ النومَ العميق الطويل مؤثر على تحسُن صحة المريض، لانَّ المرضى ينامون اكثر من المعهود بعد مرض طويل من اجلِ استعادةِ قواهم وسلامتهم».

ويقول: «لقد واجه العلاجُ عن طريق النوم رواجاً واسعاً في الاتحاد السوفيتي، وقد استخدمت هذه الطريقةُ لأولِ مرة لمعالجة (جنون الشباب) «الشيزوفرينيا» الذي يعتبر من الامراض النفسية الشائعة».

ويقول في جانب آخر من حديثه: «تم الحصول على نتيجة مُرضيَة لعلاج المصابين بارتفاع ضغط الدم عن طريق النوم العميق... فالنوم الطويل الذي هو حالة من الراحةِ الكاملة للمخ، يُجدد قدرةَ الجهاز العصبي ويوازن تنظيم نشاط الاعضاء الداخلية، ويترك اثراً ايجابياً مساعداً للوضع العام للانسان ([6]).

أَجَل فالذي خلق الانسان سالماً من اجل السعي والنشاط، وضع جميع وسائل ذلك تحت تصرفهِ، وأحدُها نظام النوم واليقظة، النظام الذي تبرز فيه بكل وضوح براهينُ حكمةِ الباري عز وجل.[7]


*مقتطف من تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل لآية الله ناصر مكارم الشيرازي

[1] الروم الآية: 23.

[2] الفرقان الآية: 47.

[3] النبأ الآية: 9 و 10.

[4] الانفال الآية: 11 .

[5] تأملوا جيداً انَّ «النشور» معنى لمصدر، و «السُبات» معنى لمصدر ايضاً أو اسمٌ مصدريٌ، واطلاقهما على الليل والنهار يفيد المبالغة والتأكيد.

[6] النوم في نظر بافلوف ص 112 ـ 116 (مع الاختصار).

[7] نفحات القران: ج2 ص141

2019/01/08

لماذا رفض إِبليس السجود لآدم؟!
«الشّيطان» اسم جنس شامل للشيطان الأوّل ولجميع الشّياطين. أمّا «إبليس» فاسم علم للشيطان الذي وسوس لآدم. وإبليس ـ كما صرح القرآن ـ ما كان من جنس الملائكة وإن كان في صفوفهم، بل كان من طائفة الجن، وهي مخلوقات مادية. قال تعالى: (فَسَجدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ)(1).

باعثه على الامتناع عن السجود كبُر وغرور وتعصب خاص استولى عليه حيث اعتقد أنه أفضل من آدم، ولا ينبغي أن يصدر له أمر بالسجود لآدم، بل ينبغي أن يؤمر آدم بالسجود له...

كفر إبليس كان يعود إلى نفس السبب أيضاً، فقد اعتقد بعدم صواب الأمر الإِلهي، وبذلك لم يعصِ فحسب، بل انحرف عقائدياً. وهكذا ذهبت أدراج الرياح كل عباداته وطاعاته نتيجة كبره وغروره. وهكذا تكون دوماً نتيجة الكبر والغرور.

وعبارة (كَانَ مِنَ الْكَافِرينَ) تشير إلى أن إبليس كان قبل صدور الأمر الإِلهي إليه بالسجود، قد انفصل عن مسير الملائكة وطاعة الله، وأسرَّ في نفسه الاستكبار والجحود. لعله عزم في قرارة نفسه أن لا يخضع لو صدرت إليه أوامر بالخضوع والسجود. ومن المحتمل أن تكون عبارة (مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) إشارة إلى ذلك. وورد هذا المعنى في حديث عن الإِمام الحسن العسكري(عليه السلام). قال إِبْليسُ: «لَئِنْ أَمْرَنِي اللهُ بِالسُّجُودِ لِهَذَا لَعَصَيْتُهُ إِلى أَنْ قَالَ: ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ: أُسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا فَأَخْرَجَ إِبْلِيسُ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْحَسَدِ فَأَبِى أَنْ يَسْجُدَ»(2).


مقتطف من تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل – لآية الله ناصر مكارم الشيرازي ----------- 1 ـ الكهف، 50. 2 ـ تفسير الميزان، ج 1، ص 125.
2019/01/05

احذر! قد تُغلق الأبواب!!

تناول القرآن الكريم في مواضع متعددة ما للذنوب من تأثيرات سلبية على إظلام القلب وتلويثه، فقد جاء في الآية (35) من سورة المؤمن: (كذلك يطبع اللّه على قلب كلّ متكبر جبّار).

وقال في موضع آخر: (ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) (1).

وجاء في الآية (46) من سورة الحج: (فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور).

نعم.. فأسوأ ما للاستمرار في الذنوب من آثار: اسوداد القلب، فقدان نور العلم، موت قدرة التشخيص بين ما هو حق وباطل.

فآثار ما تقترفه الجوارح من ذنوب تصل إلى القلب وتحوله إلى مستنقع آسن، وعندها لا يقوى الإنسان على تشخيص طريق خلاصه، فيهوى في حفر الضلالة التي توصله لأدنى دركات الانحطاط، وتكون النتيجة أن يرمي ذلك الإنسان مفتاح سعادته بنفسه من يده، ولا يجني حينها إلاّ الخيبة والخسران.

وروي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «كثرة الذنوب مفسدة للقلب».(2)

وفي حديث آخر: «إنّ العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرين الذي ذكر اللّه في القرآن: (كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (3).

وروي الحديث (بتفاوت يسير) عن الإمام الباقر (عليه السلام) (4).

وعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإنّ الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السيف، وجلائه الحديث». (5)

ومن الثابت في علم النفس، أنّ للأعمال الأثر الكبير على نفسية وروحية الإنسان، فنفسية الإنسان تتكيف تدريجياً على ضوء تلك الآثار، وبالنتيجة سينعكس ذلك على فكر وآراء الإنسان.

وينبغي التنويه إلى: أنّ روح الإنسان تتعامل طردياً مع الذنوب، فمع استمرار الذنوب تغوص الروح في أعماق الظلام لحظة بلحظة، حتى تصل إلى درجة يبدأ الإنسان يرى سيئاته حسنات، وربّما يتفاخر بها! وعندها.. ستغلق أمامه أبواب العودة: (إلاّ أن يشاء اللّه)، وهذه الحال من أخطر ما تعرض للإنسان في حياته الدنيوية من حالات. (6)


*مقتطف من تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

1 ـ البقرة، الآية 7.

2 ـ تفسير الدر المنثور: ج6، ص326.

3 ـ المصدر السابق، ص325.

4 ـ نور الثقلين، ج5، ص531، الحديث 22.

5 ـ المصدر السابق، الحديث 23.

6- تفسير الأمثل : ج20 ص29.

2018/12/30

نساؤكم حرث لكم... هل يعتبر القرآن "المرأة" أداة للجنس والإنجاب؟

ذكر كامل النجار في كتابه قرأة منهجيه للإسلام أن مجموعة من المفكرين طرحوا إشكالية حول نظرة القرآن لدور الزوجة قالوا بأن القرآن الكريم يرى أن الزوجة مجرد أداة لإستمتاع الرجل وأنها ماكينه لتفريخ والإنجاب ولا يراها القرآن في موقع الشراكة الحقيقة للرجل في بناء الأسرة وتبادل العلاقات العاطفية وذلك من خلال عدة آيات مثلا قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، التعبير بالحرث إهانة للمرآة وجرح لشخصيتها لأن التعبير عنها بالحرث يحصر دورها وكأنها دجاجة تبيض وتفرخ وليس لها دور آخر بإعتبار أن الحرث هو ما كان خزانة للبذور التي تثمر وتنتج وفي آية أخرى قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾، هذه الآية صريحة في أن المرأة أداة لمتعة الرجل فقط ولذلك إذا لم تستجب لشهوة الرجل وغريزته فله أن يضربها حتى يحصل على قضاء وطره وإشباع شهوته وهذا إهدار لكرامة وشخصية المرأة.

وفي آية ثالثة يقول تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ جعل المرأة في صف الحمامات مما يعني أن المرأة بنظر القرآن علاقتها بالرجل كعلاقتها بالحمام، فكما يقذف الرجل أوساخه من بدنه في الحمام لأنه يقذف مائه في المرأة ويقوم عنها، إذا علاقة المرأة بالرجل بنظر القرآن الكريم مجرد أن المرأة أداة لاستمتاع الرجل وقضاء شهوته أو أنها مكان للتفريخ والإنجاب ولم يجعلها القرآن في موقعها الحضاري المناسب لها وهو موقع الشراكة الحقيقية للرجل في بناء الأسرة وتبادل العلاقات العاطفية.

نحن نسجل على هذه المقالة عدة ملاحظات:

لولا الزواج لانقرض الوجود البشري

الملاحظة الأولى: أن المرأة عنصر ضروري لاستقرار الحياة على الارض، الحياة الزوجية ما هو الهدف منها؟ قد يكون الهدف من الزواج والعلاقة الزوجية هدفاً اعتباريا كأن يتزوج الإنسان من عائلة معروفة بالذكاء حتى يخرج اولاده أذكياء، أو يتزوج الإنسان من امرأة أجنبية عن عائلته حتى يتخلص من أمراض تداخل القبائل والعروق هذا هدفاً اعتباري وليس هدفاً أصيلاً وحقيقياً، الهدف الأساس للعلاقة الزوجية استمرار الحياة على الأرض لو لم يكن هناك زواج لانقرض وتوقف النسل البشري عن وجه الأرض، من أجل استمرار الحياة والوجود البشري والنوع الإنساني على الأرض لابد من علاقة زوجيه فالعلاقة من أهدافها الرئيسية والأساسية استمرار الوجود البشري على الأرض وهذا الهدف ليس هدفاً اعتباريا أو ثانوياً بل هو هدف فرضته الطبيعة البشرية والفطرية للإنسان أن الهدف من الزواج هو استمرار الوجود الانساني على الأرض.. كيف ذلك؟ نذكر ثلاثة أدله:

الزواج هدف فطري

الدليل الأول: لا تجد مجتمعا بشريا من يوم آدم الى هذا اليوم إلا وفيه علاقة زوجة لا يوجد مجتمع بدون زواج ومهما اختلفت الأديان والمذاهب فهو يرى العلاقة الزوجية ولهذا هو هدف فطري انساني اتفقت كل المجتمعات البشرية على العلاقة الزوجية.

المرأة مصدر الوجود الإنساني

الدليل الثاني: لو نظرنا لطبيعة المرأة انظر إلى جهاز جسم المرأة، جهزت المرأة بالرحم والمبيض وثديين، لماذا هذا الجهاز الذي جهزت به المرأة؟ من أجل استمرار الحياة البشرية على الأرض، إذا استمرار الحياة البشرية على الأرض هدف ينسجم مع جهاز وطبيعة المرأة نفسها، إذا القرآن لم يجعل الهدف، هدف الإنجاب والنسل واستمرار البشر هدفٌ فرضته طبيعة المرآة ولم يفرضه القرآن الكريم ولم تفرضه نظرة السماء فولدت المرأة وطبيعتها مهيأة للإنجاب والإيلاد وفطرتها وخلقتها معدة لأن تكون مصدراً للوجود الإنساني على الأرض فهذا ليس هدفا اعتباريا بل هو هدفٌ طبيعي فطري.

لا يمكن الاستغناء عن المرأة

الدليل الثالث: عندما نلاحظ العقل يقرر حتى لو لم يذكر القرآن ولم يذكر أحد ولم تتفق المجتمعات البشرية على العلاقة الزوجية، العقل هو يقرر بنفسه يقول بأن استمرار الحياة على الأرض يتوقف على وجود المرآة إذا فلابد من هذه العلاقة تحقيقا لاستمرار الحياة البشرية على الأرض، هذا فرض فرضه العقل ولم يفرضه القرآن الكريم، بل إذا راجعنا علماء الطب والبيولوجيا ماذا يقولون؟

يقولون يمكن أن يستغنى عن الرجل لكن لا يمكن أن يستغني عن المرأة، يمكن الآن أن تلد المرأة عن طريق استنساخ الخلية ووضعها في رحمها بدون حويمن الرجل إطلاقاً، إذا دور المرأة أصبح ضرورياً لاستمرار الحياة لا يمكن أبدا الاستغناء عن المرأة في استمرار الحياة على الأرض فالمرأة عنصر ضروري بل هي العنصر الأساس في وجود الإنسان على الأرض، من هنا نفهم التعبير بالآية المباركة: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ليس المراد بهذا التعبير تصوير المرآة كدجاجة تبيض وتفرخ وإنما المقصود بهذا التعبير أنه لا يمكن الاستغناء عن المرأة فإنها هي العنصر الأساس لبقاء الحياة الإنسانية على كوكب الأرض هذا هو المعنى بـ "حَرْثٌ لَّكُمْ" والقرآن بهذا بين أهمية وضرورة وجود المرأة لا أنه احتقرها أو أهان كرامتها.

الزوجة شريكة وليست خادمة

الملاحظة الثانية: تنوع الأهداف القرآنية، نلاحظ بعض الكتاب اقتصر على آية واحده ولم يقرأ مجموع الآيات القرآنية ولو قرأ مجموع الآيات لرأى تنوع الاهداف القرآنية، أن القرآن ينص على شراكة المرأة وأنها شريك حقيقي في بناء الحياة والعلاقة العاطفية عندما يقول القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وهذا خطاب لجميع المؤمنين رجالا ونساء وجعل بينهم شراكة حقيقية ولم يقل القرآن خدماً لكم فجعل بينهم شراكة في تبادل العواطف والمشاعر قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لُهنَّ﴾، كما أن الرجل زينة للمرأة فالمرأة زينة للرجل قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾، أي أن حقوق

الرجل وحقوق المرأة متساويان فهما شريكان في الحقوق إلا ما استثني للرجل أو استثني للمرأة لبعض الخصوصيات فالقاعدة العامة ترى أنهما شريكان في الحقوق وتبادل العلاقة العاطفية.

ضرب المرأة

الملاحظة الثالثة: إن آية الضرب ذكرت الضرب كأخر وسيلة للردع عن الخطأ ولم تذكر الضرب وليس كوسيلة لتسخير المرأة لإشباع شهوة الرجل، تبين ذلك أن المرأة عندما ترفض اللقاء الجنسي تارة يكون رفضها بدافع عقلاني وتارة يكون بدافع عداوني، إذا كان رفضها للقاء الجنسي بدافع عقلاني أي أنها مريضة أو متعبة أو أنها في حرج هذا ليس نشوزاً فالعلاقة هي امرأة معدة نفسياً وجسدياً لتبادل الرجل في القيام بهذا الدور، لذلك لو لم تكن المرأة معدة لمرض جسديا او نفسيا او حرجا عليها فليس رفضها نشوزاً وينبغي للرجل أن يقدر ويدرك ذلك، إذا كان رفضها لداعي عقلاني فلا تستحق عليه الضرب والهجران أما إذا كان رفضها لداعي عدواني وهو الإعراض إنما رفضت للإعراض عن زوجها، الإعراض يعد خطأ جسيماً لأن إعراض المرأة عن الرجل يخلق جواً من الاحتدام والصدام داخل الأسرة المستقرة لذلك الإعراض عن الرجل خطأ والخطأ لابد من علاجه.

وقد ذكر القرآن خطوات لعلاج هذا الخطأ:

أولاً: النصيحة ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ النصيحة والموعظة فإن لم تجدي هذه الخطوة يصل الأمر الى الخطوة الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ كوسيلة للردع عن الخطأ فإن لم تجدي هذه الوسيلة تضرب المرأة ولكن ضرب غير مبرح أي ضرباً لا يوجب حتى احمرار البدن، لأنه ليس المقصود هو الضرب في القرآن هو الضرب وإنما المقصود التعبير والردع والتنبيه على الخطأ وذكر الفقهاء أن المقصود بالضرب هنا هو الضرب غير المبرح الذي لا يوجب دية.

إذن القرآن لم يذكر الضرب كوسيلة لتسخير المرأة لإشباع شهوة الرجل وإنما ذكر الضرب آخر أسلوب للردع عن الخطأ وإلا لو لم تكن المرأة معرضة عن الرجل لا تضرب، تضرب كآخر وسيلة للردع عن الخطأ، فكما أنت تعتبر ضربها خطأ فإن إعراضها خطأ أيضا وإعراضها يوجب إثارة أجواء الأسرة، إذن فبالنتيجة من أجل الردع عن الخطأ وكآخر أسلوب تضرب ضربا غير مبرح، ربما تقول امرأة في حال الرجل أعرض ما الحل؟ إعراض المرأة عن الرجل أيضا حرام لأنه يدخل أيضا ضمن الإضرار بالمرأة «ولا ضرر ولا ضرار» على مؤمن.

إذا اعرض الرجل عنها رفعت أمرها الحاكم الشرعي القرآن يقول: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، بأن يتعامل معها كما يحب أن تتعامل معه أن تكون علاقته معها كما تحب أن تكون علاقة به.

الملاحظة الأخيرة: في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾، ليس النساء هنا لخصوصية في النساء وإنما ذكر النساء في الآية كناية عن اللقاء الجنسي كما أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ هل هناك خصوصية للغائط إنما هو مثال وكناية عن الحدث أو من أحدث سواءً من أحدث بريحٍ أو بولٍ أو غائط فلا خصوصية للغائط كذلك قوله: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ لا خصوصية للنساء وإنما هو كناية عن اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة بعقد وإلا فغيره من اللقاءات فهي محرمه، لكن لو حصل هذا اللقاء المحرم فإنه يوجب الغسل قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ إذا كلمة أو لامستم النساء مجرد مثال ولا خصوصية للمرأة كي يقال جعلت المرأة في صف الحمامات وهذا إهانة للمرأة فلابد من الانتباه من خصوصيات الآيات القرآنية، إذاً القرآن وضع المرآة في موقع الشراكة مع الرجل قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يضع المرآة مجرد أداة لاستمتاع الرجل.

يتبع...

2018/04/02

لهذه الأسباب.. شرّع الإسلام الحجاب

1ـ إن الغريزة الجنسية، أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقاً، وكانت عبر التأريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة حتى قيل: إن وراء كل حادثة مهمة امرأة.

فتعرّي النساء وما يرافقه من تجميل وتبرّج وما شاكل ذلك يحرّك الرجال ـ خاصة الشباب ـ ويحطّم أعصابهم وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي. وأحياناً يكون ذلك مصدراً للأمراض النفسية، فأعصاب الإنسان محدودة التحمل وهو لا يتمكن من الاستمرار في حالة الهيجان.

وينسب إلى أحد أطباء علم النفس: \أن هذه الحالة سبب للأمراض النفسية\. بينما يريد الإسلام للرجال المسلمين والنساء المسلمات نفساً مطمئنة وأعصاباً سليمة ونظراً وسمعاً طاهرين.

2-تبين إحصاءات موثقة ارتفاع نسب الطلاق وتفكك الأسرة في العالم بسبب زيادة التعري، لأن الناس أتباع الهوى غالباً وهكذا يتحول حب الرجل من امرأة إلى أخرى كل يوم بل كل ساعة.

فسوق التعرّي والحرية الجنسية يعتبر المرأة سلعة تباع وتشترى أو في أقل تقدير موضع نظر وسمع الرجال، عندها يفقد عقد الزواج حرمته وتنهار أسس الأسرة بسرعة؛ كانهيار بيت العنكبوت. ويتحمل الأبناء أعباء هذه المصيبة بعد أن يفقدوا أولياءهم ويفقدوا حنان الأسرة.

أما في البيئة التي يسودها الحجاب (والتعاليم الإسلامية الأخرى) فالعلاقة وثيقة بين الزوج وزوجته ومشاعرهما وحبهما مشترك.

3- إن لقضية ابتذال المرأة وسقوط شخصيتها في المجتمع الغربي دلالة واضحة لا تحتاج إلى أرقام، فعندما يرغب المجتمع في تعري المرأة ليتبعه اعتياد التجميل الفاضح والانحدار السلوكي وسقوط شخصية المرأة في مجتمع يركز على جاذبيتها الجنسية، ليجعلها وسيلة إعلامية يروج بها لبيع سلعة أو لكسب سائح.

وهذا السقوط يفقدها كل قيمتها الإنسانية، إذ يصبح شبابها وجمالها وكأنه المصدر الوحيد لفخرها ومكانتها، فلا يبقى لها من إنسانيتها سوى أنها أداة لإشباع شهوات الآخرين الوحوش الكاسرة في صور البشر.

ومن المؤسف كيف تلعب المرأة دوراً سلبياً باسم الفن، وتشتهر وتكسب المال الوفير وتنحط إلى حد الابتذال في المجتمع ليرحب بها مسيّرو هذا المجتمع المنحط خلقياً في المهرجانات والحفلات الساهرة وغيرها من مظاهر الفساد والانحراف.

4- انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين، يعتبران من أنكى نتائج إلغاء الحجاب وكما نرى ولا حاجة إلى إحصائية بهذا الصدد. فشواهدها ظاهرة في المجتمع الغربي وواضحة بدرجة لا تحتاج إلى بيان.

حتى أن علماء الغرب حذروا المسؤولين من مغبة هذا الوضع بسبب الخطر الذي أوجده هؤلاء الأبناء لأمن المجتمع فقد وجدوا أنهم يمثلون القسم الأعظم من ملفات القضايا الخاصة بالجرائم. ومن هنا ندرك أهمية هذه القضية، وأنها كارثة حتى للذين لا يؤمنون بدين ولا يهتمون بأخلاق.

5- كثرة الأمراض الجنسية التي تعصف بالمجتمع الإنساني نتيجة الممارسات المحرمة. وهذا ما يكلّف الدول والمجتمعات كثيراً من المال والجهد ونحوها. وهذا عامل اقتصادي، حيث تذهب كثير من الطاقات والأموال لعلاج الأمراض الجنسية، وبالتالي يتعرض النوع الإنساني للتشوّهات الخلقية.

*مقتطف من كتاب \التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع\ صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

 

2017/12/02

من صور الحجاب.. عدم الخضوع بالقول

قال تعالى:  {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى...} ([1]).

(فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) أي لا ترققن القول وتلِنَ الكلام أي لا تجعلن كلامكنّ ليناً رقيقاً.

بل تكلَّمْنَ عند تحدثكنّ بجد وبأسلوب عاديّ لا كالنساء المتميعات الشخصية.

ومن المؤسف إن بعض النساء غير المتدينات يسعين من خلال حديثهنّ المليء بالعبارات المحركة للشهوة والتي قد تقترن بترخيم الصوت وأداء بعض الحركات لكي يدفعن الرجال إلى الفساد وارتكاب المعاصي.

 {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}  للقول المعروف معنى واسع يتضمن مصاديق عديدة، إضافة إلى أنه ينفي كل قول باطل لا فائدة فيه، ولا هدف من ورائه وكذلك ينفي المعصية وكل ما خالف الحق، ثم يصدر أمراً في باب رعاية العفة والحجاب.

فيقول تعالى:  {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}  أي: الزمن بيوتكن.

(قَرْنَ): من مادة الوقار، أي الثقل، وهو كناية عن التزام البيوت، واحتمل البعض أن تكون من مادة القرار، وهي لا تختلف عن المعنى الأول كثيراً.

والتبرج يعني الظهور أمام الناس، وهو مأخوذ من مادة برج يبدو ويظهر لأنظار الجميع، والمعنى لا تظهرن زينتكن للأجانب ولا تخرجن على عادة نساء الجاهلية.

والحكم الوارد في الآية المباركة عام والتركيز على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) من باب التأكيد الأشد، كما تقول لعالم: أنت عالم فلا تكذب فلا يعني هذا أنَّ الكذب مجاز ومباح للآخرين، بل المراد أن العالم ينبغي أن يتقي هذا العمل بصورة آكد وأشد.

*مقتطف من كتاب "التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع" صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

 



([1]) سورة الأحزاب: آية 32.

2017/11/29

التبرج والسفور ووجوب الحجاب

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}([1]).

الغض: هو إطباق الجفن على الجفن. والأبصار: جمع بصر وهو العضو الناظر.

فقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ* لما كان {يَغُضُّوا} مترتباً على قوله: {قُلْ} ترتب جواب الشرط عليه دلّ ذلك على كون القول بمعنى الأمر والمعنى مُرْهُم {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} والتقدير: مُرْهُمْ بالغض، إنك إن تأمرهم به (يَغُضُّوا).

ما الحكمة؟

والآية أمر بغض الأبصار ومفادهُ النهي عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من الأجنبي والأجنبية {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أي ومرهم {يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}.

والمقابلة بين قوله: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} و{يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} يعطي أن المراد بحفظ الفروج سترها من النظر فضلاً عن الزنا واللواط والعياذ بالله.

ثم أشار إلى وجه المصلحة في الحكم وحثّهم على المراقبة في جنبه بقوله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} . فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة وإطلاق البصر والفرج من أسباب النقمة والعذاب في الدنيا والآخرة.

وقدْ دلّت الأحاديث الشريفة أن المراد من الأمر بالغض في الآية المباركة النهي عن مطلق النظر إلى الأجنبية. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "النظر إلى محاسن النساء سهم من سهام إبليس، فمن تركه أذاقه الله طعم عبادة تسرُهُ" ([2]).

ثم توجه الخطاب الإلهي إلى المؤمنات يأمرهن بغض البصر وحفظ الفرج.

قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} .

فلا يجوز لهن النظر إلى مالا يجوز النظر إليه ويجب عليهن ستر العورة عن الأجنبي والأجنبية فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج -كما أمر المؤمنين بذلك - صيانة لهم من أسباب الفتنة وتحريضاً لهن على أسباب العفة والسلامة.

أفعمياوان أنتما؟

ورد في جوامع الجامع عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي عن النبي صلى الله عليه وآله وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟([3]).

والأمر الإلهي في هاتين الآيتين الكريمتين للمؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج واضح جلي وما ذاك إلا لعظم ما يترتب على عدم حفظهما من الفساد الكبير بين المسلمين.

فإطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة، وغض البصر من أسباب السلامة والهداية. كما أن حفظ الفرج واجب، ومن أبرز مظاهر العفة والالتزام بأوامر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه جلّ وعلا.

وعدم الالتزام بذلك من مظاهر سقوط الشخصية وازدياد الفحشاء بين المسلمين وهذا الانحدار والسقوط الخلقي من أظهر أسباب سقوط المجتمع وانحراف الشخصية الإسلامية.

فعلى العبد أن يحذر ربه وأن يستحي منه أن يراه على معصيته أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه.

ثم انتقلت الآية المباركة إلى ذكر حكم آخر وهو حرمة إبداء الزينة.

قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} .

فلا يحق للنساء الكشف عن زينتهن المخفية وإن كانت لا تُظهر أجسامهن فلا يجوز لهن الكشف عن لباس يتزينّ به تحت اللباس العادي أو العباءة بنص القرآن الكريم، الذي نهاهن عن ذلك وقد فُسّرت الزينة في بعض الأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) بالقلادة والدملج (وهو نوع من الحلي يوضع على الساعد)، والخلخال ونحوها من أنواع الزينة التي اعتادت النساء التزين بها([4]).

وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} .

الخُمُرْ ـ بضمتين ـ: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها. والجيوب: جمع جيب بالفتح فالسكون والمراد به الصدور.

والمعنى: وليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها.

ثم يذكر الكتاب الكريم حكماً آخر زيادة للعفة والحجاب، يقول تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}  أي على النساء أن يتحفظن كثيراً، ويحفظن عفّتهن، ويبتعدن عن كل شيء يثير نار الشهوة في قلوب الرجال حتى لا يتهمن بالانحراف عن طريق العفة. ويجب أن يراقبن تصرفهن بشدة بحيث لا يصل صوت خلخالهن وما أشبه ذلك إلى آذان غير المحارم، وهذا كله يؤكّد دقّة نظر الإسلام إلى هذه الأمور المهمة.

فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي النساء وامنعوهنّ مما حرم الله عليهنّ من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بالنساء الكافرات، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله تعالى وعموم عقابه.

وانتهت الآية الكريمة بدعوة جميع المؤمنين رجالاً ونساء إلى التوبة والعودة إلى الله تعالى ليفلحوا {وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وتوبوا أيها الناس مما ارتكبتم من ذنوب في هذا المجال بعدما اطلعتم على حقائق الأحكام الإسلامية.

 



([1]) سورة النور: آية 30 - 31.

([2]) مستدرك الوسائل: ج2، ص 544.

([3]) بحار الأنوار: ج101، ص37.

([4]) مستدرك الوسائل: ج14، ص6 باب ما يحل النظر اليه من المرأة بغير تلذذ وما لا يجب عليها ستره.

 

*مقطتف من كتاب "التبرّج والسفور وانعكاسهما على الفرد والمجتمع" صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة
2017/11/27