قرآنيات
موسى في بيت فرعون.. هل أكل من أموال ملوثة؟!
إذا رجعنا إلى القرآن الكريم ووقفنا على تفاصيل الأحداث التي مرت على نبي الله موسى (عليه السلام) لوجدنا أن الله هو الذي تكفل برعايته في كل خطوة من خطوات حياته.

فمثلاً سورة القصص من الآية السابعة إلى الآية الثالثة عشر تحكي عن رعاية الله له منذ لحظات ولادته، حيث قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) كل تلك التفاصيل تدل على أن يد الغيب هي التي تكفلت برعاية نبي الله موسى (عليه السلام)، بل حتى موضوع الرضاعة لم يجري وفقاً للأسباب الطبيعة حيث حرم الله عليه جميع المراضع حتى يرجعه إلى أمه من جديد، وقد أكدت الآية التاسعة والثلاثون من سورة طه هذا الأمر بشكل واضح حيث قال تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِ)، فقوله (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِ) تدلل بشكل قطعي على أن جميع ما جرى على موسى (عليه السلام) كان بعين الله تعالى، وبالتالي لا يمكن أن نتصور دخول أي مال ملوث إلى جوفه عليه السلام، إذ كيف يمكن تصور ذلك وقد كانت صناعته وتربيته تجري بعين الله تعالى؟ ففي الآية الواحد والأربعون من سورة طه تصريح بذلك حيث قال تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِ)، أي أن موسى كان خالصاً لله تعالى في كل تفصيل من تفاصيل حياته.

2022/07/20

معلّم موسى.. من هو الخضر؟!
لقد رأينا القرآن الكريم يتحدّث عن العالم من دون أن يسميّه بالخضر وقد عبّر عن معلّم موسى عليه السلام بقوله: (عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) والآية توضح المقام الخاص للعبودية والعلم والمعرفة، لذا فإنّنا غالبا ما نصفه بالرجل العالم.

[اشترك]

أمّا الرّوايات الإسلامية وفي مختلف مصادرها عرّفت هذا الرجل باسم (الخضر) ومن بعض هذه الرّوايات نستفيد بأنّ اسمه الحقيقي كان (بليا بن ملكان) أمّا الخضر فهو لقب له، حيث أنّه أينما كان يطأ الأرض فإنّ الأرض كانت تخضر تحت قدميه.

البعض احتمل أنّ اسم الرجل العالم هذا هو (إلياس) ومن هنا ظهرت فكرة أن إلياس والخضر هما اسمان لشخص واحد.

ولكن المشهور المعروف بين المفسّرين والرواة هو الأوّل.

وطبيعي أن نقول: إنّ اسم الرجل العالم أيّا كان فهو غير مهم لا لمضمون القصّة ولا لقصدها، إذ المهم أن نعرف أنّه كان عالما إلهيا، شملته الرحمة الإلهية الخاصّة، وكان مكلّفا بالباطن والنظام التكويني للعالم، ويعرف بعض الأسرار، وكان معلّم موسى بن عمران بالرغم من أنّ موسى عليه السلام كان أفضل منه من بعض الجوانب.

وهناك أيضا آراء وروايات مختلفة فيما إذا كان الخضر نبيّا أم لا.

ففي المجلد الأوّل من أصول الكافي وردت روايات عديدة تدل على أنّ هذا الرجل لم يكن نبيّا، بل كان عالما مثل (ذو القرنين) و (آصف بن برخيا) (١).

 

في حين نستفيد من روايات أخرى أنّه كان نبيّا، وظاهر بعض الآيات أعلاه يدل على هذا المعنى، لأنّها تقول على لسانه: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي). وفي مكان آخر قوله :(فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ ...).

ونستفيد من روايات أخرى أنّ الخضر عمّر طويلا.

وهنا قد يطرح هذا السؤال: هل ذكرت قصّة موسى وهذا العالم الكبير في مصادر اليهود والمسيح؟

في الجواب نقول: إذا كان المقصود هو كتب العهدين (التوراة والإنجيل) فإنّ ذلك غير مذكور فيهما، أمّا بعض كتب علماء اليهود التي تمّ تدوينها في القرن الحادي عشر الميلادي، ففيها قصّة تشبه إلى حد كبير حادثة موسى عليه السلام وعالم زمانه بالرغم من أنّها تذكر أنّ أبطال تلك القصّة هما (إلياس) و (يوشع بن لاوي) وهما من مفسّري (التلمود) في القرن الثّالث الميلادي، وتختلف من خلال عدّة أمور عن قصّة موسى والخضر، والقصة هذه هي:

«وهو (اي يوشع) يطلب من الله أن يلقى الياس ، وبمجردّ أن يستجاب دعاؤه ويحظى بلقاء الياس فإنّه يرجوه أن يطلعه على بعض الأسرار. فيجيبه الياس : إنّك لا طاقة لك على تحمّل ذلك ، إلّا أن يوشع يصّر ويلحّ في طلبه فيستجيب له الياس مشترطا عليه أن لا يسأل عن أيّ شيء يراه ، وإذا تخلّف يوشع عن هذا الشرط فإنّ الياس حرّ في الانفصال عنه وتركه ، وعلى أساس هذا الاتّفاق يترافق يوشع والياس في السفر.

وأثناء سفرهما يدخلان إلى بيت فيستقبلهما صاحب البيت أحرّ استقبال ويكرم وفادهما. وكان لأهل ذلك البيت بقرة هي كلّ ما يملكون من حطام الدنيا حيث كانوا يوفّرون لأنفسهم لقمة العيش من بيع لبنها. فيأمر الياس صاحب البيت أن يذبح تلك البقرة ، ويستولي على يوشع العجب والاستغراب من هذا التصّرف ويدفعه ذلك لأن يسأله عن المبرّر لهذا الفعل. فيذكّره الياس بما اتّفقا عليه ويهددّه بمفارقته له فيصمت يوشع ولا ينبس بكلمة.

ومن هناك يواصلان سفرهما إلى قرية أخرى فيدخلان إلى بيت شخص ثريّ وينهض الياس إلى جدار في ذلك البيت يشرف على السقوط فيرمّمه ويقيمه. وفي قرية أخرى يواجهان عددا من سكان تلك القرية مجتمعين في مكان معيّن ولا يعيرون هذين الشخصين بالا ولا يواجهونهما باحترام. فيقوم الياس بالدعاء لهم أن يصلوا جميعا إلى الرئاسة. وفي قرية رابعة يواجههما سكّانها باحترام فائق فيدعو لهم الياس بأن يصل شخص واحد منهم فحسب إلى الرئاسة. وبالتالي فإنّ يوشع بن لاوى لا يطيق الصبر فيسأل عن الوقايع الأربع ، ويجيبه الياس : بأنّه في البيت الأوّل كانت زوجة ربّ الدار مريضة ولو أنّ تلك البقرة لم تذبح بعنوان الصدقة فإنّ تلك المرأة تموت ويصاب صاحب الدار بخسارة أفدح من الخسارة التي تلحقه نتيجة لذبح البقرة ، وفي البيت الثّاني كان هناك كنز ينبغي الاحتفاظ به لطفل يتيم ، وأمّا إنّه قد دعوت لأهل القرية الثّالثة بأن يصلوا إلى الرئاسة جميعا فذلك لكي تضطرب أمورهم ويختلّ النظام عندهم. على العكس من أهل القرية الرّابعة فإنّهم إذا أسندوا زمام أمورهم إلى شخص واحد فإنّ أمورهم سوف تنتظم وتسير على ما يرام» (2).

ويجب عدم التوهّم أنّنا نرى بأنّ القصتين هما قصة واحدة، بل إنّ غرضنا الإشارة إلى أنّ القصة التي يذكرها علماء اليهود يمكن أن تكون قصة مشابهة أو محرّفة لما حصل أصلا لموسى عليه‌ السلام والخضر، وقد تغيرت بسبب طول الزمان وأصبحت على هذا الشكل.

*آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

الهوامش: 1 أصول الكافي ، المجلد الأوّل ، باب «إنّ الأئمّة بمن يشبهون فيمن مضى» ، ص ٢١٠. 2 ما ورد أعلاه منقول عن كتاب (أعلام القرآن) ، ص ٢١٣.
2022/07/12

ما هي أسباب هبوط آدم من الجنة إلى الأرض؟
خلق الله آدم ليكون خليفته في الأرض، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وما حصل له من امتحان في الجنة يعد تجربة عملية لما سيحصل من صراع في الأرض مع الشيطان.

[اشترك]

قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقد كشف الله لآدم ما يكون عليه الشيطان من خبث من خلال التجربة العملية التي حصلت له، قال تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وبالتالي نزول آدم وحواء إلى الأرض هو الذي يحقق تلك الخلافة ومن ذريتهما يكون الأنبياء والصالحين وبهما تعمر الأرض ومن خلالهما ينتصر الحق على الباطل.

وقد تعددت آراء المفسرين في سبب إدخال آدم الجنة، وإن اتفقت في كونه تمهيد لحياته في الأرض.

"لعل مرحلة مكوث آدم في الجنّة كانت مرحلة تحضيرية لعدم ممارسة آدم للحياة على الأرض وصعوبة تحمّل المشاكل الدنيوية بدون مقدمة، ومن أجل تأهيل آدم لتحمل مسؤوليات المستقبل، ولتفهيمه أهمية حمل هذه المسؤوليات والتكاليف الإِلهية في تحقيق سعادته، ولإِعطائه صورة عن الشقاء الذي يستتبع إهمال هذه التكاليف، ولتنبيهه بالمحظورات التي سيواجهها على ظهر الأرض.

وكان من الضروري أيضاً أن يعلم آدم بإمكان العودة إلى الله بعد المعصية. فمعصية الله ـ لا تسدّ إلى الإبد ـ أبواب السعادة أمامه، بل يستطيع أن يرجع ويعاهد الله أن لا يعود لمثلها، وعند ذاك يعود إلى النعم الإِلهية.

ينبغي أن ينضج آدم (عليه السلام) في هذا الجوّ إلى حد معيّن، وأن يعرف أصدقاءه وأعداءه، ويتعلم كيف يعيش على ظهر الأرض". الأمثل ج1، ص165.

وذهب العلامة الطباطبائي (ره) الى أن السبب هو كون إدراكات آدم وزوجته مازالت في عالم الأرواح والملائكة، ولم تصر الى الان مناسبة للحياة الأرضية، فرسم الحق سبحانه طريقاً لهما لحصول ذلك، من خلال "تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثم أمرهم بالسجدة، ثم إسكان الجنة، والنهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها فيبدو لهما سوآتهما فيهبطا إلى الأرض، فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيوية ظهور السوأة، وهي العورة بقرينة قوله تعالى: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فهو التمايل الحيواني و يستلزم التغذي و النمو أيضا فما كان لإبليس هم إلا إبداء سوآتهما". الميزان، ج1، ص73.

وقال ره: "و آدم و زوجته و إن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية بشرية ثم أدخلهما الجنة لم يمكثا بعد التسوية، و لم يمهلا كثيرا، ليتم في الدنيا إدراكهما لسوآتهما و لا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا و احتياجاتها حتى أدخلهما الله الجنة، و أنه إنما أدخلهما الله الجنة حين أدخلهما و لما ينفصلا و لما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح و الملائكة، و الدليل على ذلك قوله تعالى: ليبدي لهما ما ووري عنهما و لم يقل ما كان ووري عنهما، و هو مشعر بأن مواراة السوآة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة و إنما تمشت دفعة ما و استعقب ذلك إسكان الجنة". المصدر نفسه.

وفي المحصلة يمكننا القول إن هبوط آدم إلى الأرض يمثل البداية لخلافته على الأرض، ولذلك قدر الله منذ البداية أن يكون آدم وحواء بداية الحياة البشرية على الأرض، ولكي يقف آدم على دور الشطان في إضلال ذريته كان لابد من الوقوف على ذلك بشكل عملي.

2022/07/11

ما هو الصّراط المستقيم؟
الصّراط كما يبدو من تفحص آيات الذكر الحكيم هو دين التوحيد والالتزام بأوامر اللّه. ولكنه ورد في القرآن بتعابير مختلفة.

[اشترك]

فهو الدين القيم و نهج إبراهيم عليه السّلام و نفي كل أشكال الشّرك كما جاء في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ 1، فهذه الآية الشريفة عرّفت الصراط المستقيم من جنبة ايديولوجية.

وهو أيضا رفض عبادة الشيطان والاتجاه إلى عبادة اللّه وحده، كما في قوله: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ 2.

أمّا الطريق إلى الصراط المستقيم فتمّ من خلال الاعتصام باللّه: ﴿ ... وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ 3.

يلزمنا أن نذكر أنّ الطريق المستقيم هو طريق واحد لا أكثر، لأنه لا يوجد بين نقطتين أكثر من خطّ مستقيم واحد، يشكل أقصر طريق بينهما. من هنا كان الصراط المستقيم في المفهوم القرآني، هو الدين الإلهي في الجوانب العقائدية و العملية، ذلك لأن هذا الدين أقرب طريق للارتباط باللّه تعالى. و من هنا أيضا فإن الدين الحقيقي واحد لا أكثر ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... ﴾ 4.

وسنرى فيما بعد- إن شاء اللّه- أن للإسلام معنى واسعا يشمل كل دين توحيدي في عصره، أي قبل أن ينسخ بدين جديد.

من هذا يتضح أن التفاسير المختلفة للصراط المستقيم، تعود كلها إلى معنى واحد.

فقد قالوا: إنه الإسلام.

وقالوا: إنه القرآن.

وقالوا: إنه الأنبياء والأئمة.

وقالوا: إنه دين اللّه، الذي لا يقبل سواه.

وكل هذه المعاني تعود إلى نفس الدين الإلهي في جوانبه الاعتقادية و العملية.

والروايات الموجودة في المصادر الإسلامية في هذا الحقل، تشير إلى جوانب متعددة من هذه الحقيقة الواحدة، وتعود جميعا إلى أصل واحد منها: عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اهدنا الصّراط المستقيم صراط الأنبياء، و هم الّذين أنعم اللّه عليهم‌5.

وعن جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام في تفسير الآية: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‌، قال: «الطّريق هو معرفة الإمام»5.

وعنه  أيضا: «و اللّه نحن الصّراط المستقيم»5.

وعنه  أيضا: «الصّراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السّلام»5.

ومن الواضح أن النّبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، دعوا جميعا إلى دين التوحيد الإلهي، و الالتزام به عقائديا و عمليا.

و اللافت للنظر، أنّ «الراغب» يقول في مفرداته في معنى الصراط: إنّه الطريق المستقيم، فكلمة الصراط تتضمّن معنى الاستقامة. ووصفه بالمستقيم كذلك تأكيد على هذه الصفة6.

*آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

 الهوامش: 1. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 161، الصفحة: 150. 2. القران الكريم: سورة يس (36)، الآية: 60 و 61، الصفحة: 444. 3. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 101، الصفحة: 63. 4. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 19، الصفحة: 52. 5. a. b. c. d. تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 20 و 21.
2022/07/11

كيف نعالج الفقر في المجتمعات؟
لحل هذه المعضلة قدّم العلماء منذ القدم علاجات ، والبشرية جربت علاجين مختلفين.

[اشترك]

الأول : يعتقد الاشتراكيون والشيوعيون أنَّ الفقر مشكلة نجد جذورها في الملكية الخاصة ، فاذا ما اجتثثنا جذور هذه المشكلة فانَّ المشكلة ستُحل.

إنّ اصحاب هذه الفكرة جربوا هذا العلاج مدة سبعين عاماً ، قتلوا خلالها الملايين من البشر ، وارتكبوا جرائم كثيرة وتحلموا التكاليف الباهضة وواعدوا الناس وعوداً كاذبة كثيرة ، وأمّلوهم بحياة متعالية ، وتحدثوا مع الناس عن جنة الأرض ، بل اعتبروا جنة الانبياء هي نتيجة اعمالهم و.. إلّا انهم اعترفوا بفشلهم بعد هذه التجربة وتلاشى نظامهم ، الامر الذي أراح الناس الذين كانوا يرضخون تحت حكومتهم.

الثاني: رسمت الدول الرأسمالية خططاً اخرَى لرفع معظلة الفقر ، فشكلوا لأجل ذلك مؤسسات ومنظمات كثيرة ، مثل : الهلال الأحمر وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التعاون ومؤسسات الاعانات الاقتصادية والغذائية للدول الفقيرة ، وخصصوا لأجل ذلك ميزانيات ، لكنها جميعاً كانت تعاني من نقطتي ضعف :

الاولى : إجراءاتها محدودة وقليلة وغير متناسبة مع نفوس الدول الفقيرة ، ولذلك لم تحدث تغييراً في مستوى الفقر في هذه الدول.

الثانية : كثيراً ما تقترن هذه الاعانات بأغراض سياسية ، فاذا اقتضت مصالح هذه الدول الاعانة أعانوا والَّا امتنعوا عن الاعانة ، وأحياناً يعترف بعض مسؤولي هذه الدول بهذه الامور. (1)

وعلى هذا فان العلاج الثاني ما حل عقدة من عقد الفقر العالمي.

علاجات الإسلام

إنّ العلاج الاخر لمعضلة الفقر هو وصايا الإسلام ، فإنَّ العمل بها يؤدي إلى ملء فجوة الفقر وتقليل الفاصلة بين الطبقات الفقيرة والغنية.

لقد حصل هذا في عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنَّ العمل بها حصل لاول مرة في التاريخ في ذلك العهد وكانت نتيجة ذلك هو مجتمع غير مقسم إلى طبقات ، أو مجتمع مع مفارقات طبقية محدودة جداً.

إذا تمكنا اليوم تطبيق هذه الوصايا والاوامر الالهية في مجتمعنا هذا بل وفي المجتمعات البشرية لكانت الثروة موزعة على البشر بشكل عادل ولصغرت الفجوة بين الفقير والغني في مجتمعات الكرة الارضية.

الإنفاق طريق لرفع الفقر

الانفاق هو احد الوصايا والأوامر الالهية القيمة التي هي موضوع بحثنا هنا. إنَّ القرآن المجيد أكَّد كثيراً على موضوع الانفاق وقد كان هذا الامر موضوعاً لكثير من آياته ، والآيات التي تضمنت مادة الانفاق تقدر بسبعين آية ، وإذا اضفنا اليها الايات التي اشارت لهذا الموضوع من دون أنْ تأتي بمادة الانفاق ، فالعدد يتجاوز عن هذا الحد بكثير.

أمر الله في القرآن الإنسان أنْ يدفع مقداراً مما كان من نصيبه في هذه الحياة الدنيا. الآية 19 من سورة الذاريات أمرت بهذا بتعبير جميل : (وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والمَحْرُومِ) ، وبناء على هذه الآية فان للفقراء والمساكين حقاً في أموال الناس.

ولأجل تشجيع الناس على الإنفاق جاء القرآن بآيات عبرت عن الأمر بتعابير جميلة:

1 ـ يقول الله في الآية 96 من سورة النحل : (مَا عِنْدَكُم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ)

يا له من تعبير جميل! فالعبارة تضم معان كثيرة رغم صغرها. وهي تعني أنّ الإنسان إذا صرف الملايين من امواله فان تلك الملايين تعد نافدة ومستهلكة ، بينما إذا صرف اقل مقدار من امواله انفاقاً في سبيل الله فإنَّ ذلك سيبقى في خزينة الله الغيبية ولا ينفد ، وهذا خلاف ما يتصوره اكثر الناس.

2 ـ جاء في الآية 89 من سورة النمل : (مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) ونفسها في سورة القصص الآية 84.

وحسب ما صرحت به هذه الآية ، فإنَّ الصدقة والانفاق لا يذهبان سدى فحسب ، بل يمنح الله عليهما شيئاً افضل منهما عوضاً عن ذلك.

3 ـ الآية 160 من سورة الانعام رفعت من قيمة الانفاق لتصرح بما يلي : (مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا)

الآية تحدثت عن الحسنات عموماً ، وباعتبار أنَّ الانفاق من الحسنات العظيمة فهي تشمله. وحسب ما صرحت به ، فإنَّ للإنفاق عشرة أضعاف من الثواب والأجر.

أمّا الآية المبحوث هنا (261 من سورة البقرة) فقد رفعت مستوى الانفاق إلى أعلى مستوى ممكن ، فمثلت الانفاق بالسنابل التي تضمّ حبات كثيرة وكل حبة تنبت سنابل كثيرة ، وهي بذلك تشير إلى التضاعف التصاعدي للثواب المترتب على الانفاق. ولكي تجيب الآية عن بعض التساؤلات التي تتراود في اذهان البعض عن مصدر هذه العطاءات أشارت إلى أن ذلك كله من كنوز الله العظيمة ، وهو واسع وأوسع من أنْ يتصور.

*آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – مرجع ديني

الهوامش: (1) كما شهدنا ذلك في حرب البوسنة وفي شتائها القارص ، إذا اعترف بعض رؤساء هذه الدول بعدم وجود مصالح لها في البوسنة لكي تتدخّل عسكرياً في النزاع الدائر هناك.
2022/07/03

قل أعوذ برب الفلق: هل تأثّر النبي (ص) بـ ’السحر’؟!
وردت روايات متعدِّدة من طرق الفريقين مفادها أنَّ منشأ نزول المعوَّذتين هو أنَّ لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبيَّ (ص)(1) وفي بعضها (2) أنَّ بناتِه سحرنَ النبيَّ (ص).

[اشترك]

وذلك بأنْ اتخذنَ مِشاطةَ رأسٍ وأسنانَ مُشطٍ وخيطاً عقدنَه احدى عشرة عُقدة وغرزن فيها الإبَر ثم وضعن كلَّ ذلك في قشر الطلع وخبأنَه في بئرٍ تحت صخرةٍ فتوَّعك النبيُّ (ص) لذلك وأصابه وجعٌ في بدنه فهبط عليه الوحيُ فأخبره بذلك فبعث عليَّاً (ع) وقيل بعث معه الزبير وعمَّاراً فاستخرج عليٌ (ع) المُشاطة وأسنان المُشط والخيط المعقود وجاء بها إلى النبيِّ (ص) فأنزل الله تعالى المعوِّذتين فتعوَّذ بهما النبيُّ (ص) فذهب عنه أثرُ السحر.

هذا حاصلُ ما ورد في سبب نزول المعوَّذتين، ولم يثبتْ شيءٌ من هذه الروايات من حيثُ السند.

إلا انَّه على فرض ثبوتها واقعاً فإنَّها لا تُنافي شيئاً من أصول العقيدة، فلا محذور من الالتزام بمضمونها، إذ لا مانع من الالتزام بإمكانية تأثُّر جسد النبيِّ (ص) بالسحر، فالعصمةُ الثابتةُ للنبيِّ (ص) يقيناً لا تقتضي مصونيَّة جسده من التأثُّر بالسحر، نعم العصمة تقتضي امتناع تأثُّر عقلِه بالسحر، لذلك يلزم طرح بعض الروايات (3) المُوهِمة بتأثُّر عقلِ النبيِّ (ص) بالسحر، لأنَّها منافيةٌ لواحدٍ من أُصول العقيدة وهي عصمةُ النبيِّ (ص) من الخطأ والوهم.

وأما ما ورد في القرآن من التشنيع على الكافرين حيث وصفوا النبيَّ (ص) بالمسحور في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا / انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا ..﴾(4).

فالمرادُ منها هو تنزيه النبيِّ (ص) عمَّا ادَّعاه عليه الكافرون من أنَّه رجل مسحورٌ في عقله، فمرادُهم من أنَّ النبيَّ (ص) مسحورٌ هو أنَّه مصابٌ في عقله لذلك تصدَّى القرآن الكريم للتشنيع عليهم ونفي مدَّعاهم وتفنيده.

*من كتاب: شؤون قرآنية الشيخ محمد صنقور

الهوامش: 1- تفسير فرات الكوفي -فرات بن إبراهيم الكوفي- ص619، طب الأئمة -ابن سابور الزيات- ص113، مكارم الأخلاق -الشيخ الطبرسي- ص413، مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج13 / ص107، تفسير مجمع البيان -الشيخ الطبرسي- ج10 / ص492، تفسير نور الثقلين -الشيخ الحويزي- ج5 / ص718، تفسير مقاتل بن سليمان -مقاتل بن سليمان- ج3 / ص537، تفسير السمرقندي -أبو الليث السمرقندي- ج3 / ص610. 2- التبيان -الشيخ الطوسي- ج10 / ص434، تفسير البغوي -البغوي- ج4 / ص547، زاد المسير -ابن الجوزي- ج8 / ص434، تفسير القرطبي -القرطبي- ج20 / ص259، البرهان -الزركشي- ج1 / ص25، تفسير الثعالبي -الثعالبي- ج5 / ص641. 3- الروايات الموهِمة لذلك وردت من طرق العامة فأفاد بعضها انَّ النبي كان يُخيَّل اليه انه يفعل الشيء وما فعله، لاحظ صحيح البخاري -البخاري- ج4 / ص91، ج7 / ص88،28، صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج7 / ص14، مسند احمد -احمد بن حنبل- ج6 / ص96،63،57، صحيح ابن حبان -ابن حبان- ج14 / ص545، معرفة السنن والآثار -البيهقي- ج6 / ص275، مسند أبي يعلى -أبو يعلى الموصلي- ج8 / ص291. 4- سورة الفرقان / 8-9.
2022/07/02

بحضور آدم والملائكة.. هذا ما حدث لحظة ’طرد إبليس’!
إن القرآن الكريم يكثر من ذكر الأنبياء السلف، رغبة في أن نتأسى بهديهم، ونكتشف الدروس من حياتهم -ومع الأسف- فإننا ننظر إلى أن هذه قصص كباقي القصص.. والحال بأن القرآن الكريم، لم يرد ذكر هذه الأمور لمجرد الذكر، وإنما لأجل الاعتبار بما وقع على الأنبياء عليهم السلام.

[اشترك]

نبدأ نبي الله آدم، الذي نرتبط به ارتباطا عاطفيا وعضويا، لأنه هو أبونا وحواء أمنا.. ولهذا فإن البعض من الصالحين، يوصي بأنه في ضمن ذكر الأرحام والوالدين والأجداد، علينا أن نخص آدم بالذكر، لأنه جدنا الأكبر.

إن تذكّر هذه الحالة الجامعة، وهي أننا جميعا من نسل آدم، أيضا يلقننا شيئا من حالة الإحساس بالأخوة مع من حولنا.. فالأخوة الأرضية -بالإضافة إلى الأخوة الإسلامية، والإيمانية، والتقوائية، وغيرها- هي من العناصر المشتركة بيننا وبين كل إنسان على وجه الأرض، كوننا من هذا الوجود المبارك.

هنالك بعض المحطات الملفتة في حياة آدم (ع)، منها:

أولا: خلقة آدم، وقصة السجود له، وتمرد إبليس على السجود.

ثانيا: مسألة الأسماء التي علمها آدم، أو عُرضت عليه.. فما هي هذه الأسماء؟..

ثالثا: مسألة اقترابه من الشجرة المنهية، ووسوسة الشيطان له.

رابعا: الخروج من الجنة، وما آل إليه الأمر.

خامسا: البحث في أن هذه القضية هل هي معصية أو غير معصية؟..

إن الله عز وجل عندما ذكر آدم في سورة البقرة، جعل الآية تبدأ بهذه المقولة الإلهية: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.. فالمستفاد من هذه الآية، ومن آيات أخرى شبيهة، أن الكلام ليس بالنسبة لآدم فحسب!.. فكلمة الخليفة في القرآن أُطلقت على آدم، كما في هذه الآية.. وفي نفس الوقت في سور أخرى، فبني آدم هم المخاطبون بهذه الخلافة كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ}، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ}.. فإذن، إن هذه الآيات تؤكد على أن هذه السمة العظيمة -سمة الخلافة الإلهية- سمة أعطيت لآدم، وبني آدم.

ومن أجلّ أوصاف الإنسان على وجه الأرض، أن يكون خليفة لله عز وجل، بمعنى أن يكون عاكسا لصفات الرب في حدود البشرية.. فعادة الخليفة يمثل المستخلف في صفاته الأساسية وبدرجة متقاربة.. ففي السفارات في الدول، إن توجه السفير الفكري، ونمط معيشته، ولغته، وثقافته، وحضارته، وعاداته، تشابه إلى حد كبير الجهة التي أرسلته.. وإلا لو كان على مستوى المرسل، لما كان سفيرا بل كان أميرا.. والفارق هو أن السفير يشبه الأمير، ولهذا اختير كسفير بينه وبين الطرف المقابل.

ومن الأبحاث الملفتة في هذه السورة، هذه الآيات: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.. فمن أين علمت الملائكة بهذه الخصوصية؟

 وهنا رأيان:

 الرأي الأول يقول: بأن الملائكة لاحظت أن هذا الوجود يحتوي على قوتين: قوة الشهوة، وقوة الغضب.. ولكل من هاتين الشهوتين آثارهما في الحياة الدنيا: فالشهوة تجر الإنسان إلى الإفساد، وقوة الغضب تجر الإنسان إلى سفك الدماء.. وخاصة عندما يلاحظ أن آدم هو رأس سلسلة، ولو كان يعيش في هذه الدنيا لوحده، أو مع قرينته حواء لهان الأمر.. فالملائكة تعلم أن هناك نسلا، وأن هنالك حضارات، ومدنا: أفرادا ومجتمعات.. ومن الطبيعي عندما تتكاثر الأفراد في البيئة الواحدة، وتتزاحم المصالح.. أن توجد هذه الأرضية.

فإذن، إن القرآن الكريم عندما يعبّر هذا التعبير، يلحظ أن هنالك وجودا مدنيا، ووجودا حضاريا، ولازمة التكاثر في الأفراد، تظهر هذه المفاسد.. ومن هنا نعلم أن الإسلام يريد منا أن نكون على مستوى الخلافة الأرضية، في خضم التعامل مع البشر.. وإلا، فلو كان الإنسان وحيدا في هذه الدنيا، في مغارة، أو في صومعة، قد لا يبتلى بهذه الانحرافات الشهوية والغضبية.

وهناك رأي آخر: مروي هذا عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (ما عَلِم الملائكة بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}، لولا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء).. فهذه النظرية تقول بأن هنالك أجيالا بشرية منقرضة قبل آدم عليه السلام.. وإن كانت هذه الأجيال افتراضا بأنها في مستوى عقلي وشعوري أقل من هذا النسل الأخير، الذي بدئ بآدم، واستمر إلى النبي الخاتم، ثم ينتهي إلى قيام القائم، ثم القيامة بعد ذلك.

ومن الأبحاث الملفتة في هذه الصفحة من القرآن الكريم، أنها تتناول موضوع تعليم آدم الأسماء الحسنى.. فهنا المفسرون عاشوا في بحث، أو في حالة من حالات التنازع فيما بينهم في تفسير هذه الأسماء.. فمنهم من ذهب إلى أنها أسماء لفظية بسيطة، كأسماء الأشياء: هذه شجرة، وهذه أرض، وهذه سماء.. فاقتصروا على الجانب اللفظي، وقالوا: بأن هذه هي الأسماء المتعارفة.. وطبعا هذا الرأي مع التدبر والتأمل، لا يمكن أن يقبل، لأن هذا ليس من باب التميز.. فالطفل عندما يلقن بأن هذه اسمها شجرة، يقول بأنها شجرة، فهذه حالة من حالات البغبغائية في حياة الإنسان.. وليس هذا مما يمكن أن يقدّم رب العالمين آدم كموجود متميز بما يسكتهم.. فالقرآن يريد أن يقنع الملائكة بأن هذا الموجود جدير بالخلافة، وأن هذا الموجود جدير بالسجود له.. فإذاً، إن القضية أرقى من الأسماء العادية، وخاصة عندما نصل إلى قوله تعالى: {فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء}.. فيبدو أن هناك إشارة لموجودات راقية، وأن آدم عليه السلام اطلع على حقائق عالية في هذا الوجود.. وهذه الحقائق لم تكن منكشفة للملائكة حق الانكشاف، وكانت محجوبة بحجاب الغيب.. ومن هنا قال بعض المفسرين: بأن المراد بها الوجودات الطاهرة، المتمثلة بالنبي وآله صلوات الله وسلامه عليهم.. وهذا التفسير مناسب لجو الآية.. فالله عز وجل يبين فضل آدم، من خلال معرفته بحقائق عالية مقدسة، وهذه الحقائق كانت خافية على الملائكة.

أما مسألة السجود، فهي أيضا من المحطات الملفتة في هذا المجال.. فيلاحظ بأن أول درس أراد الله عز وجل أن يعلمه للملائكة وآدم ومن تتلى عليه هذه الآيات، مسألة العبودية لله عز وجل.. فثمرة الحياة، وثمرة الرسالات، وثمرة الخلقة، هي أن يعيش الإنسان حالة التعبد لله عز وجل.. وهذه العبودية قد تظهر بأشكال مختلفة، قد توافق المزاج، وقد لا توافق المزاج.. فالعبودية الكاملة أن يكون الإنسان بين يدي مولاه، وكأنه لا اختيار له.. قال الصادق (ع): (أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا ربّ!.. وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم، لأعبدنّك عبادةً ما عبدك أحدٌ قطّ مثلها).. وإبليس بسابقته في العبادة وطول سجوده وصلاته، من الذين يتوقع منهم هذه الدعوة في قبال الملائكة.. ولكن انظروا إلى الجواب من الله عز وجل: (قال الله جلّ جلاله: إني أحبّ أن أُطاع من حيث أريد).. أي أن إرادتي الآن يا إبليس أن تكون ساجدا لآدم.. وهذا السجود إذا كان لآدم بأمر الله عز وجل، فلا ضير في ذلك أبدا.

ومن هنا نحن نستغرب من الذين ينكرون على البعض التفاتهم، أو توسلهم، أو تقديرهم للذوات الطاهرة، من الذين يمثلون الرسالة الخاتمة من النبي وآله.. حيث أن تعظيم ذلك النبي بالزيارة، وبالتوسل به، وتشييد مقامه، والقيام بأي عمل يدل على تعظيم هذا الموجود: بشعرٍ، أو بنثرٍ، أو ببناءٍ، أو بأي حركة.. يعود إلى الله عز وجل تعظيما لشعائره، وتكريما لأوليائه.. كما أن السجود لآدم -بحسب الظاهر- هو لمخلوق أرضي، ولكنه لله في النتيجة.

ويلاحظ بأن للشيطان -على كل حال- اعترافات جميلة في بعض النصوص، تدل على أن إبليس تأذى من حالة الطرد الإلهي واللعن.. وقال: (إنّ إبليس رنّ أربعة رنّات: أوّلّهن يوم لُعن).. أي طُرد من رحمة الله عز وجل، ولهذا الطرد آثاره، فإبليس يعلم أن هذا الطرد له تبعاته في الدنيا وفي الآخرة.. (ويوم أُهبط إلى الأرض، وحيث بعث محمّدا (ص) على فترة من الرسل).. وبعثة النبي (ص) أيضا جعلته في عداد اللعن الإلهي، لأن وجود النبي وجود رحمة، كما أن اللعن طرد من الرحمة، فكذلك بعثة النبي جلب للرحمة، وهي معاكسة لمسيرة إبليس.. (وحين اُنزلت أمّ الكتاب)، ومن الغريب أن الرواية تجعل المحطة الرابعة، وحين أنزلت أم الكتاب، أي سورة الحمد!.. فهذه السورة كأنها من المحطات التاريخية التي أزعجت إبليس، ولا عجب في ذلك، بعد أن نلاحظ بأن التقرب إلى الله عز وجل في الصلاة، لا يتم إلا من خلال فاتحة الكتاب.

 

إن الله عز وجل عندما حذر من تلك الشجرة قال: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ}.. فسياسة الشريعة، والقرآن، ورب العالمين بالنسبة للمعاصي، أن يبعد الإنسان عن الاقتراب من أجواء المعصية.. ففي عالم التعامل مع النساء، إن الزنا -وهو قمة الانحراف طبعا- أمر منهي عنه.. ولكن قبل ذلك هناك نهي عن النظر، وعن الاقتراب، وعن الاختلاط، وعن الجلوس في موضع يحس فيه الرجل بحرارة امرأة -مثلا- وأن يأخذ المتاع من وراء حجاب، وتشريع الحجاب، واللين في القول والخضوع في القول.. كل هذه التشريعات تشريعات احتياطية، من أجل عدم وقوع الإنسان في المعصية.

ثم يذكر القرآن الكريم كيد إبليس فيقول: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}.. وكأن القضية أرقى من الوسوسة، فالشيطان يوسوس للإنسان، ولكن عندما يصل الأمر لآدم يقول: {أَزَلَّهُمَا}.. يبدو أن هنالك عملية حسية، وأن الشيطان بتمثله أمام آدم، وهذه الحركة من المناصحة، ومن الإغواء بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ}.. فكأن الشيطان كان له دور قوي جدا إلى حد يصدق عليه بأنه أزلهما، وليست مجرد وسوسة.

إن هذا الأمر قد يتفق في حياتنا نحن أيضا.. فالإنسان الذي يطيع إبليس، ويعيش الأجواء الإبليسية، ويكثر من المتابعة.. فإنه قد يصل في بعض الحالات إلى هذه الدرجة، وهي أن الشيطان يتحكم فيه تحكما.. فالمسألة تتجاوز الوسوسة إلى مسألة الإضلال والإغواء الحسي، وقد يصل الأمر في البعض إلى هذه الدرجة.

ولكن هل هذه الحركة كانت معصية من آدم؟..

إن الآيات حسب الظاهر فيها نوع من أنواع الإشعار بذلك {فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}، {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.. إلا أن لدى التأمل في قصة آدم، بعد الفراغ من مسألة أن الأنبياء إذا جوزنا عليهم المعصية، سقطوا عن قابلية الاقتداء.. فمع هذه القاعدة الكلية، يبدو أن الله عز وجل نهى آدم نهيا تنزيهيا، لا مولويا.. بمعنى أن الله عز وجل أراد أن يقول لآدم: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}.. أي إذا أردتم السعادة، فعليكم الامتثال لهذا الأمر بعدم الأكل من هذه الشجرة.. وإذا أكلتم فإن النتيجة الطبيعية هو الطرد من هذه الجنة، وتحمل الأرض ومشاق الأرض.

وكأن الله عز وجل أراد أن يقول: إن البقاء في هذا المكان المريح، والملفت، والذي تتنعمون فيه؛ مشروط بهذا الشرط.. وعليه، فإن المراد هنا بالظلم ظلم النفس وحرمانها من هذا الامتياز العظيم، أي العيش في هذه الجنة.. ولهذا القرآن في آية أخرى يقول: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}.. أي إذا خرجت من الجنة، فإن هناك مجالا لأن تجوع، ولأن تعرى، ولأن تظمأ إلى آخره من خصوصيات هذه الأرض؛ فالظلم هنا بهذا المعنى.. والعصيان بمعنى المخالفة للأمر الإرشادي، ولهذا الأمر النصحي.

ومن الأمور المؤيدة لهذه النظرية، أي أن المسألة لم تكن معصية بالمعنى الاصطلاحي.. فنحن نعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.. فآدم (ع) بكى بعد خروجه من الجنة بكاءً كثيراً، ويعد من البكّائين في التاريخ.. فإذن، إن كان عاصيا، فمن المفروض أن الله سبحانه وتعالى -لطفاً به- أن يرده إلى ما كان فيه.. فقد كان في الجنة، فأخطأ خطأً، أو عصيانا -كما هو فرض القائل- ثم تاب إلى الله عز وجل، وكأنه لم يعمل شيئا.. ولكن لم يرجع إلى الجنة، لأن المسألة ليست مسألة معصية بالمعنى المصطلح.. إنما هي مسألة تكوينية، فمثلا: إذا اقتربت من هذه النار فسوف تحترق، ثم ندمت، وتبت بعد ذلك، فلا أثر له، فأنت احترقت بهذه النار.. أو دخلت البحر من دون سباحة تغرق.. فإذاً، إن ندامة آدم عليه السلام لم تنفعه شيئا، لأن القضية كانت في عالم التكوين لا في عالم التشريع.

ودليل ثالث وهو بيِّن أيضا: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.. وبالتالي، فإن التشريعات الإلهية: الحلال، والحرام، والنهي، والهدي الإلهي، أو التشريع.. قد جاءت بعد النزول من تلك الجنة، وإلا، فإن في الجنة لم يكن هناك تشريع ونهي مولوي، وإنما كان بعد الهبوط.

فإذن، هذه ثلاثة أدلة: الظلم ظلم للنفس.. والنهي نهي تنزيهي، لا نهي مولوي.. والأمر لو كان من باب المعصية، فمن المفروض أن يرجع للجنة بعد ذلك.. وكذلك فإن التشريع بدأ بعد الهبوط.

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.. هناك مقولة معروفة، وهي: أن توبة العبد بين توبتين من الله عز وجل.. التوبة الأولى: من الله، أي رجوع الله على عبده، بأن ييسر له أسباب التوبة، ويذكره بالتوبة، ويذكره بالمصير الأبدي؛ وفي قصة آدم {تَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}.. وعليه، فإن الحركة الأولية هي من الله عز وجل في تهيئة الأسباب، ثم العبد الموفق يتوب إلى الله عز وجل؛ فهنا توبة العبد.. ثم تأتي التوبة النهائية، وهو الاصطفاء الإلهي، والتجاوز، والتعامل مع العبد، وكأنه لم يذنب.

ومن هنا نعلم أن الإنسان العاصي، إذا أراد أن يتوب، فليطلب من الله عز وجل هاتين التوبتين: وهي أن يوفقه أولا للإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.. ثم يطلب من ربه أن يرجع إليه بالرحمة، ويرد عليه ما كان قد سلبه بمعصيته لله سبحانه وتعالى.

إن الآية تقول: {اهْبِطُواْ} وبعد الهبوط إلى الأرض يعيشون حالة العداوة {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}.. فلازمة الحياة الأرضية هي: هذه المشاكسات، والتداخلات، والتزاحمات بين المصالح.. وبالتالي، فإن من أراد أن يعيش في المجتمع، عليه أن يتجهز بما يعينه على عدم التورط في المعاصي، التي تتطلبها الحياة الاجتماعية.

2022/06/08

متى بدأ تفسير القرآن الكريم؟
تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، بل من بدء نزول الوحي إلّا أنّه كـ «علم مدوّن» بدأ من زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام كما تجمع على ذلك أقوال المورّخين و المفسّرين، و رجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إليه، و لا عجب في ذلك، فهو باب مدينة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

[اشترك]

إنّ مئات التفاسير كتبت لحدّ الآن، و بلغات مختلفة، و بأساليب و مناهج متنوعة، منها الأدبي، و الفلسفي، و الأخلاقي، و الروائي، و التأريخي، و العلمي، و كلّ واحد من المفسّرين تناول القرآن من زاوية تخصّصه.

و في هذا «بستان» مثمر و مزدهر ...، شغف أحدهم بمناظره الشاعريّة الخلّابة.

و آخر عكف على ما فيه من إشكاليات طبيعيّة ترتبط بتكوين النبات و هندسة الأزهار و عمل الجذور.

وثالث ألفت نظره الى المواد الغذائية المستفادة منه.

ورابع اتّجه إلى دارسة الخواصّ العلاجيّة في نباتاته.

وخامس اهتمّ بكشف أسرار الخلقة في عجائب ثماره اليانعة و أوراده الملوّنة.

وسادس راح يفكّر من أيّ أزهاره يستطيع استخراج أفضل العطور.

وسابع كالنحلة لا تفكّر إلّا بامتصاص رحيق الورد لتهيئة العسل.

وهكذا روّاد طريق التّفسير القرآني، عكس كلّ منهم بما يملكه من مرآة خاصّة، مظهرا من مظاهر جمال القرآن وأسراره.

واضح أنّ كلّ هذه التفاسير في الوقت الذي تعتبر فيه تفسيرا للقرآن، إلّا أنها ليست تفسيرا للقرآن، لأنّ كلّ واحد منها يميط اللثام عن بعد من أبعاد القرآن لا عن كلّ الأبعاد، و حتى لو جمعناها لتجلّى من خلالها بعض أبعاد القرآن لا جميع أبعاده.

ذلك لأنّ القرآن كلام اللّه وفيض من علمه اللامتناهي، وكلامه مظهر لعلمه، و علمه مظهر لذاته، و كلّها لا متناهية.

من هنا، لا ينبغي أن نتوقع استطاعة البشر إدراك جميع أبعاد القرآن، فالكوز لا يسع البحر.

طبعا، ممّا لا شكّ فيه أنّنا نستطيع أن نغرف من هذا البحر الكبير ... الكبير جدا ... بقدر سعة آنية فكرنا، و من هنا كان على العلماء فرض أن لا يتوانوا في كلّ عصر و زمان عن كشف مزيد من حقائق القرآن الكريم، و أن يبذلوا جهودهم المخلصة في هذا المجال ما استطاعوا، عليهم أن يستفيدوا ممّا خلّفه الأسلاف رضوان اللّه عليهم في هذا المجال، و لكن لا يجوز لهم أن يكتفوا به،فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال عن كتاب اللّه العزيز: «لا تحصى عجائبه، و لا تبلى غرائبه».

*مقتطف من كتاب الامثل في تفسير كتاب الله المنزل‌، لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي دامت بركاته.

2022/06/08

ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها: لماذا نذمّ من يطلب الدنيا؟!
قال تعالى: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (آل عمران - 145) هذه الآية نوّهت إلى فئتين من المسلمين، الأولى في قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ منها)، إذْ جاءت هذه الآية للتعريض بأولئك الذين شغلتهم الغنائم في يوم أُحد، حتّى انكسر جيش المسلمين وحصل ما حصل.

[اشترك]

والأخرى في قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) ، التي جاءت لمدح مَنْ شكر نعمة الله، وثبت في جهاد الكافرين والمشركين ولم يفرّ، أو ينشغل بالغنام،  إذ الثواب هو ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، ففي مجمع البيان (1/515): عن الباقر - عليه السّلام - : أنّه أصاب عليّا - عليه السّلام - يوم أُحد ستّون جراحة ، وأنّ النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - أمر أمّ سليم وأمّ عطيّة أن تداوياه ، فقالتا : إنّا لا نعالج منه مكانا إلَّا انفتق مكان ، وقد خفنا عليه . فدخل رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة ، فجعل يمسحه بيده ويقول : إنّ رجلا لقي هذا في اللَّه فقد أبلى وأعذر . فكان القرح الَّذي يمسحه رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - يلتئم ، فقال عليّ - عليه السّلام - : الحمد للَّه إذ لم أفرّ ولم أُوَلِّ الدّبر . فشكر اللَّه له ذلك في موضعين من القرآن ، وهو قوله : « سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ » [ من الرزق في الدنيا ]، وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. [ينظر:  تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، ج ٣، الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي، ص ٢٤٠].

وعليه فلا علاقة لهذه الآية بطلب الدنيا وعدم الحصول عليها، هذا فضلاً عن أنّ طلب أمور الدنيا والتعلّق بها أمرٌ مذموم كما دلت على ذلك كثير من الآيات القرآنيّة التي منها:

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة : 212].

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة : 86].

وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران : 14].

وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران : 185].

فعلى من طلب الدنيا ولم يحصل عليها أنْ يحمد الله تعالى ويشكره كثيرا ، لأنّه الله سبحانه ما أراد له أنْ يكون من المبعدين عن رحمته ولطفه، وعليه أنْ يوظّف نفسه ويفكّر بالعمل الصالح مادام مؤمنا حتّى يحيا حياة طيبة. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

2022/06/04

ماذا تعرف عن ’أصحاب الرقيم’ وما علاقتهم بفتية الكهف؟!
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا﴾([1]) مَن هم أصحاب الرقيم هل هم أصحابُ الكهف أنفسهم أو أنَّ الآية الشريفة تُشير إلى آخرين؟ الجواب من سماحة الشيخ محمد الصنقور: أصحابُ الرقيم هم أصحابُ الكهف:

المشهور -ظاهرًا- بين المفسِّرين أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسُهم أصحابُ الكهف وإنَّما جاء توصيفهم بأصحاب الرقيم لغرض الزيادة في التعريف بهويَّة أصحاب الكهف، تمامًا كما يُقال أصحاب الكساء وآية التطهير، فإنَّ المقصودين بأصحاب آية التطهير هم أنفسُهم المقصودون من أصحاب الكساء وإنَّما تمَّ عطفُ العنوان الثاني على الأول للتوضيح والتحديد لهويَّة المقصودين من العنوان الأول.

القول المقابل لقول المشهور: وفي مقابل ما أفاده مشهورُ المفسِّرين ذهب آخرون إلى أنَّ الآية قصدت من الذكر لأصحاب الرقيم الإشارة إلى حدثٍ آخر وقع في تاريخ الرسالات لكنَّها لم تتصدَّ كما لم تتصدَّ الآياتُ الأخرى في عموم القرآن للتعريف بهذا الحدَث، نعم ورد في السنَّة الشريفة -بحسب زعم أصحاب هذا القول- أنَّ أصحاب الرقيم كانوا ثلاثة نفرٍ من الرجال "خرجوا يرتادون لأهلهم، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطَّت صخرةٌ وسدَّت بابه. فقال أحدُهم: اذكروا أيَّكم عمِل حسنةً لعلَّ اللَّه يرحمُنا ببركته .." فبدأ أحدُهم فذكر معروفًا كان قد أسداه لآخر ثم قال: "اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا، فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء". ثم تصدَّى الثاني فذكر أنَّه فعل معروفًا لامرأةٍ ذاتِ عيال دون أنْ يبتزَّها رغم قدرته على ذلك، ثم قال: "اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُه لوجهك فافرج عنا، فانصدع حتى تعارفوا". ثمَّ تصدَّى الثالث فذكر إحسانه لأبوبه الهرمين وكيف كان يبرُّهما ويؤثرهما على نفسه ثم قال: "اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُه لوجهِك فافرج عنا. ففرَّج اللَّه عنهم فخرجوا" قال البيضاوي في تفسيره: "وقد رفع ذلك نعمان بن بشير"([2]). وقد أورد أحمدُ بن حنبل في مسنده والطبراني في المعجم الأوسط هذه القصَّة بسندٍ ينتهي إلى النعمان بن بشير أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الرقيم فقال: "إنَّ ثلاثة كانوا في كهفٍ فوقع الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم قال قائل منهم: تذاكروا أيكم عمل حسنة .."([3]). وكذلك أورد هذه القصَّة البخاريُّ في صحيحه عن ابن عمر عن الرسول (ص) إلا أنَّ ابن عمر لم يذكر أنَّ أصحاب هذه القصَّة هم أصحاب الرقيم وإنْ كان البخاري قد أوردها في سياق التفسير لآية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾([4]). هذا وقد زعم بعضُهم أنَّ أصحاب الرقيم "قومٌ من أهل السراة كانت حالهم كحال أصحاب الكهف"([5]).  ترجيح قول المشهور ومستنده: إلا أنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه مشهورُ المفسِّرين من أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسهم أصحاب الكهف الذين أورد الله تعالى قصتهم في سورة الكهف، فمضافًا إلى ظهور الآية في ذلك حيث تمَّ عطف الرقيم على الكهف فصارا معًا بمثابة المضاف لكلمة أصحاب وهو ما يقتضي استظهار إرادة الإشارة إلى معنونٍ واحد وإلا كان المناسب أنْ يُقال أصحاب الكهف وأصحاب الرقيم فمضافًا إلى ظهور الآية في اتحاد المعنون أو لا أقلَّ من إشعارها بذلك فإنَّ الروايات الواردة من طُرقنا ظاهرةٌ في أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسُهم أصحاب الكهف، فمِن ذلك ما رواه العيَّاشي في تفسيره عن محمد عن أحمد بن علي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا﴾ قال (ع): هم قومٌ فرَّوا، وكتب ملكُ ذلك الزمان بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشايرهم في صُحفٍ من رصاص، فهو قوله: ﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾"([6]). فالرواية صريحة في أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسهم أصحاب الكهف، وذلك لتصدِّي الإمام (ع) لمنشأ وصف أصحاب الكهف بأصحاب الرقيم وهو أنَّ ملك ذلك الزمان كتب أي رقَمَ أسماءهم وأسماء آبائهم وعشائرهم في صحفٍ من رصاص. ومِن الروايات الدالَّة على ذلك ما أورده القمِّي بسندٍ معتبر قال: حدَّثني أبي عن ابن عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "كان سببُ نزولها يعنى سورة الكهف .. فلمَّا كان بعد أربعين يومًا نزل عليه بسورة الكهف فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل لقد أبطأتَ؟ فقال: إنَّا لا نقدرُ أنْ ننزلَ إلا بإذن الله فأنزل ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا﴾ ثم قصَّ قصتهم فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾([7]) فقال الصادق (عليه السلام): إنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملِكٍ جبار عاتٍ، وكان يدعو أهلَ مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يُجبه قتله، وكان هؤلاء قوماً مؤمنين يعبدون الله عزَّ وجل ووكَّل الملك بباب المدينة .."([8]). فالرواية شديدة الظهور في أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسُهم أصحاب الكهف حيث قال (ع): "ثم قصَّ قصتهم" والواضح أنَّه -القرآن- إنَّما قصَّ قصة أصحاب الكهف وذلك يقتضي أنَّ العنوانين يُشيران إلى معنونٍ واحد، وأصرحُ من ذلك قول الصادق (ع): "إنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملِكٍ جبَّار عاتٍ .." فذكر قصَّةً واحدة للعنوانين. الأقوال في منشأ تسميتهم بأصحاب الرقيم: ثم إنَّ المشهور رغم اتفاقهم على أنَّ أصحاب الرقيم هم أنفسُهم أصحاب الكهف إلا أنَّهم اختلفوا في منشأ تسمية أصحاب الكهف بأصحاب الرقيم، ويُمكن إنهاءُ أقوالهم في ذلك إلى خمسة: الأول: الرقيم من الرقم وهو الكتابة، يُقال رقمتُ الكتاب أرقمه يعني كتبتُه، وكتاب مرقوم يعني مكتوب، ويُسمَّى الكتاب رقيم باعتبار كونه ظرفًا للرقم والكتابة، أو لكونه مرقومًا أي مكتوبًا، فهو رقيم على وزن فعيل بمعنى مفعول كجريح بمعنى مجروح وقتيل بمعنى مقتول، وطريد ولعين بمعنى مطرود وملعون. وسُمِّي أصحاب الكهف بأصحاب الرقيم لأنَّهم بعد أن لجأوا إلى الكهف وغابوا في وسطه، كُتبت أسماؤهم أو قصَّتُهم في لوحٍ من رصاص أو حجر وعُلِّق على باب الكهف أو تمَّ إيداعه في خزانة ملِك ذلك الزمان ثم تعاقب الملوك على توارثه وإيداعه في خزائنهم، لذلك عُرف أصحاب الكهف بأصحاب الرقيم أي عُرفوا بأصحاب ذلك اللوح المرقوم. الثاني: أنَّ الرقيم اسمٌ للجبل الذي فيه الكهف، فالكهف مغارةٌ في الجبل، والرقيم اسم لذلك الجبل الذي دخل أصحاب الكهف إلى مغارته، نُسب ذلك للحسن البصري وعطية. الثالث: أنَّ الرقيم هو اسمُ الوادي الذي كان فيه الكهف، ومن ذلك رقمة الوادي وهو موضع الماء منه، تقول العرب: عليك بالرقمة، ودع الضّفة. والضِّفتان جانبا الوادي. نُسب هذا القول لابن عباس والضحاك، وقتادة. الرابع: أنَّ الرقيم هو اسم الكلب الذي اصطحبوه معهم إلى الكهف والذي قال الله فيه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾([9]) نسبَ ذلك يزيدُ بن درهم إلى أنس بن مالك ونُسب أيضًا إلى سعيد بن جبير. الخامس: أنَّ الرقيم هو اسم القرية التي خرج منها أصحابُ الكهف، نُسب ذلك إلى السدي([10]). وأرجحُ الأقوال هو الأول فمضافًا إلى تناسبه مع المدلول اللُّغوي لكلمة الرقيم فإنَّه مرويٌّ عن الإمام الصادق (ع) كما في تفسير العياشي.
الهوامش: [1]- سورة الكهف / 9. [2]- تفسير البيضاوي -البيضاوي- ج3 / ص479. ونصُّ الخبر: "أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه فقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته فقال أحدهم استعملت اجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته ثم اجرهم فغضب أحدهم وترك اجره فوضعته في جانب البيت ثم مر بي بقر فاشتريت به فصيلة فبلغت ما شاء الله فرجع إلي بعد حين شيخا ضعيفا لا اعرفه وقال إنه لي عندك حقا وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعا اللهم أن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء وقال آخر كان في فضل وصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفا فقلت والله ما هو دون فك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثا ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له واغيثي عيالك فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت ما لك قالت أخاف الله فقلت لها خفته في الشدة ولم اخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها اللهم أن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا فانصدع حتى تعارفوا وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت اطعمهما واسقيهما ثم ارجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت أليهما فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما فوقعت جاليا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما اللهم أن كنت فعلته لوجهك فافرح عنا ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير" ج3 / ص479، 480. [3]- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج4 / ص274، المعجم الأوسط- الطبراني- ج3 / ص9. [4]- صحيح البخاري -البخاري ج4 / ص147، 148. [5]- تفسير القرآن وهو اختصار لتفسير الماوردي -عز الدين عبد السلام الدمشقي- ج2 / ص239. [6]- تفسير العياشي -العياشي- ج2 / ص321. [7]- سورة الكهف / 10. [8]- تفسير القمي -القمي- ج2 / ص32. [9]- سورة الكهف / 18. [10]- لاحظ: التبيان في تفسير القرآن -الشيخ الطوسي- ج7 / ص11، تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج6 / ص314، جامع البيان عن تأويل آي القرآن -الطبري- ج15 / ص249، معاني القرآن -النحاس- ج4 / ص217. تفسير الثعلبي ج6 / ص147، زاد المسير -ابن الجوزي- ج5 / ص76.
2022/05/26

سبع سماوات.. في أي سماء نحن؟!

الظاهر نحن في السماء الدنيا، وهناك عدّة نصوص قرآنيّة تدلُّ على ذلك، فمنها:

[اشترك]

1-  قوله تعالى: إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِزينَةٍ الكَواكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفظًا مِن كُلِّ شَيطانٍ مارِدٍ ﴿٧﴾ لا يَسَّمَّعونَ إِلَى المَلَإِ الأَعلىٰ وَيُقذَفونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴿٨﴾ الصافات.

2- وقوله تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابيحَ وَحِفظًا، ذٰلِكَ تَقديرُ العَزيزِ العَليمِ ﴿١٢﴾ فصلت.

3- وقوله تعالى: وَلَقَد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابيحَ وَجَعَلناها رُجومًا لِلشَّياطينِ، وَأَعتَدنا لَهُم عَذابَ السَّعيرِ ﴿٥﴾ الملك.

 4- وقوله تعالى:  وَتَصريفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَالأَرضِ لَآياتٍ لِقَومٍ يَعقِلونَ ﴿١٦٤﴾ البقرة.

5- وقوله تعالى:  وَهُوَ الَّذي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيءٍ 99 الانعام.

6- وقوله تعالى:  وَيُنَزِّلُ عَلَيكُم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُم 11 الانفال.

7- وقوله تعالى:  إِنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنيا كَماءٍ أَنزَلناهُ مِنَ السَّماءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ 24 يونس.

8- وقوله تعالى:  أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَت أَودِيَةٌ 17 الرعد.

9- وقوله تعالى:  أَلَم يَرَوا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ 17 النحل.

10- وقوله تعالى:  وَأَنزَلنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنبَتنا فيها مِن كُلِّ زَوجٍ كَريمٍ ﴿١٠﴾ لقمان.

فهذه الآيات واضحة أنّها تشير إلى السماء الدنيا.

2022/04/16

هل يعتقد الشيعة بـ ’تحريف القرآن’؟!

هناك إجماع من محققي الشيعة وعلمائها على صيانة القرآن من الزيادة أو النقصان، ومع أن مسألة حفظ القرآن من التحريف من المسلمات عند جميع المسلمين، إلا أن هناك الكثير من الروايات التي وردت عن طريق أهل السنة والشيعة يظهر منها وقوع النقص في القرآن، وقد اشكلت هذه الروايات على حشوية أهل السنة وأخباريه الشيعة.

[اشترك]

وما قام به المحدث النوري هو تتبع هذه الروايات من جميع مصادر المسلمين ووضعها في كتاب واحد وهو كتابه فصل الخطاب، الأمر الذي جعلها ظاهرة بعد أن كانت مخفية وضائعة وسط الكتب والمصادر،  ففصل الخطاب في حقيقته ليس فيه غير الروايات التي جمعها من مصادر المسلمين، وحينها ينحصر الخلاف بين قبول هذه الروايات أو رفضها، وقد تعرض الميزرا النوري لهجوم شديد لقيامه بهذا العمل، مع أن البعض نفى أن يكون قصده من هذا الكتاب إثبات تحريف القرآن، كما نقل تلميذه المحقق أغا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة عند ترجمته لكتاب فصل الخطاب بقوله: (فصل‌ الخطاب‌ في‌ تحريف‌ الكتاب‌ لشيخنا الحاج‌ ميرزا حسين‌ النوري‌ّ الطبرستاني‌ّ ابن‌ المولي‌ محمّد تقي‌ بن‌ الميرزا علی محمّد النوري‌ّ.. ثم يقول بعد ذكر ترجمته: أثبت فيه عدم التحريف بالزيادة والتغيير والتبديل وغيرها، ممّا تحقّق ووقع في غير القرآن، ولو بكلمة واحدة، لا نعلم مكانها، واختار في خصوص ما عدا آيات الأحكام وقوع تنقيص عن الجامعين، بحيث لا نعلم عين المنقوص المذخور عند أهله؛ بل يعلم إجمالاً من الأخبار التي ذكرها في الكتاب مفصلاً، ثبوت النقص فقط) وبذلك لا يكون كتاب فصل الخطاب في مورد إثبات تحريف القرآن الذي بين أيدينا، فما هو موجود كله قرآن من غير أن يزيد فيه حرف واحد، ولذا عندما كتب الشيخ محمود الطهراني رسالة في الرد على فصل الخطاب تحت عنوان (كشف الارتياب عن تحريف الكتاب) علق عليه الميرزا النوري في رسالته بقوله: (أنّ الاعتراض‌ مبنيّ علی المغالطة‌ في‌ لفظ‌ التحريف‌، فإنّه‌ ليس‌ مرادي‌ من‌ التحريف‌ التغيير والتبديل‌، بل‌ خصوص‌ الإسقاط‌ لبعض‌ المنزل‌ المحفوظ‌ عند أهله‌. وليس‌ مرادي‌ من‌ الكتاب‌ القرآن‌ الموجود بين‌ الدفّتين‌، فإنّه‌ باق‌ علی الحالة‌ التي‌ وضع‌ بين‌ الدفّتين‌ في‌ عصر عثمان‌، لم‌ يلحقه‌ زيادة‌ ولا نقصان‌، بل‌ المراد الكتاب‌ الإلهيّ المنزل‌) وعليه فإن الميرزا النوري لا يعتقد بوجود زيادة في القرآن الذي بين أيدنيا ولكنه لا يستبعد حدوث النقيصة بسبب هذه الروايات التي عمل على جمعها، وهذا ما لا يمكن قبوله والتسليم به، فالقرآن كما هو محفوظ من الزيادة كذلك محفوظ أيضاً من النقيصة، والروايات التي جاءت على خلاف ذلك أما ضعيفة وأما قابلة للتوجيه وأما ناظرة للتحريف في تفسيرات القرآن ومعانيه وليس في ألفاظه.

وإذا رجعنا لكتاب فصل الخطاب نجده قائم على أثني عشر دليلاً، عشرة منها من روايات أهل السنة، وأثنان فقط على مرويات الشيعة، ومع كثرة الروايات التي تم حشدها في هذا الكتاب إلا أنها لا تخلو جميعها من الإشكالات، وأفضل من تتبع هذا الأمر هو العلامة جعفر مرتضى العاملي في كتابه (حقائق هامة حول القرآن الكريم) حيث تتبع هذه المرويات وقام بتفنيد كل ما يدل على تحريف كتاب الله تعالى، وبذلك اثبت بما لا يدع مجالاً للشك صيانة القرآن من كل نقص وزيادة.

 وفي إجابة على سؤال حول كتاب فصل الخطاب يقول المحقق مرتضى العاملي: بالنسبة لكتاب فصل الخطاب للمحدث النوري نقول: لقد خُدع هذا المحدث ـ أو فقل انبهر ـ بروايات غير الشيعة، فقد وجدها مدونة في أصح الكتب عندهم.. وكتابه خير شاهد على ما نقول.. فإنه يتألف من اثني عشر دليلاً، عشرة منها مأخوذة من كتب أهل السنة، ولربما يورد منها نزراً يسيراً من كتب الشيعة.. ودليلان فقط مأخوذان من كتب الشيعة، ولربما يورد منها نزراً يسيراً من كتب أهل السنة.

ويمكن تلخيص أدلَّته على النحو التالي:

استدلَّ أولاً: بروايات أهل السنة، وقليل منها عن الشيعة، القائلة: بأن ما وقع في الأمم السالفة، سيقع في هذه الأمة.. قال: ومن ذلك تحريف الكتاب.

ولكن هذا الاستدلال باطل؛ لأن المقصود بهذه الروايات، هو حصول الصورة الكلية من حيث الجوهر والمضمون، وذلك في خصوص الحوادث الاجتماعية، والسنن التاريخية، بصورة كلية، وعامة.. وإلا.. فإن كثيراً من الأمور، قد حدثت في الأمم السالفة، دون هذه الأمة، وذلك مثل: عبادة العجل.. وتيه بني إسرائيل.. وغرق فرعون.. وملك سليمان.. ورفع عيسى.. وموت هارون وهو الوصي قبل موسى النبيّ.. وعذاب الاستئصال.. وولادة عيسى من غير أب.. وقصة أهل الكهف، وقصة الذي أماته الله مئة عام، ثم بعثه.. وغير ذلك..

فلو صحت الرواية.. فهي تدلُّ على وجود شبه ما بين ما يقع في هذه الأمة، وما يقع في الأمم السالفة، من بعض الوجوه.

فالتحريف الذي وقع في الأمم السالفة، قد بذلت محاولة لنظيره في هذه الأمة، ولكن عندما فشلت محاولاتهم لتحريف النص عمدوا إلى التحريف في معاني القرآن، وحدوده، وإن كانوا قد أقاموا حروفه.. والنتيجة المتوخاة من التحريفين الواقعين، في هذه الأمة، وفي الأمم الخالية، واحدة..

ومما يدلُّ على صون القرآن من التحريف في حروفه: أنه أحد الثقلين اللذين يحفظان الأمة من الضلال إلى يوم القيامة، وأنه كتاب الشريعة الخاتمة، التي وعد الله أن يظهرها على الدين كله ولو كره الكافرون.. وهو أيضاً المعجزة الخالدة، والحجة الصامتة التي هي عدل الحجة الناطقة.. فلا بد ـ بعد إثبات صفتي الإعجاز، والخلود له ـ من حفظه ليبقى إعجازه..

أما الكتب السالفة، فلم تكن هي معجزة الأنبياء أصلاً، فضلاً عن أن تكون معجزة خالدة، فلا يجب تكفُّل حفظها منه تعالى..

كما لا بدّ من حفظه من التحريف في ألفاظه إلى يوم القيامة، ليكون مع العترة حافظاً للأمة من الضلال كما قلنا.

والخلاصة: إنه ليس المراد بالسنن الواردة في الروايات: السنن الكونية، إذ ليس من سنن الكون تحريف الكتب، والتلاعب فيها، بل السنة، هي بقاؤها سليمة على حالها. والتلاعب فيها، هو المخالف للسنن الكونية، الجارية على أصول وقواعد، صحيحة ودقيقة..

وعلى كل حال، لو أردنا استعراض الآيات ـ بغض النظر عن الروايات ـ التي تذكر أحوال الأمم الماضية وسيرتها المتوافقة مع ما يجري في هذه الأمة، لاحتاج الأمر إلى كثير من التوسع لا مجال له هنا.. ابتداء من التكذيب والعناد، والرفض، ومحاولات القتل، فضلاً عن التهديد والأذى، وقتل ذراري الأنبياء، والسعي إلى تحريف الكتب ولو بالمعنى، وحرقها، والكذب بادعاء ما ليس منها أنه منها، وجعل أقوال أحبارهم ورهبانهم شريعة وديناً، وترك موسى وهارون، وأهل بيت هارون.. و.. و.. كما في آية رضاع الكبير، ورجم الشيخ والشيخة، وغير ذلك ـ نعم.. لو أردنا ذلك ـ لطال بنا المقام، واحتجنا إلى تأليف مستقل، وقد حصل مثل ذلك في هذه الأمة.

واستدلَّ ثانياً: بروايات أهل السنة حول جمع القرآن، وأنه قد كان بشاهدين، مما يعني: عدم تواتر القرآن لنا، وإمكانية وقوع التحريف فيه..

والشيعة يرون عدم صحة هذه الروايات، ويثبتون: أنه قد جمع في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله» على يد علي بن أبي طالب «عليه السلام» كما ذكر في كتاب حقائق هامة حول القرآن.

كما أن غيره من الصحابة قد جمعه في عهد الرسول «صلى الله عليه وآله» ولو بصورة جزئية، بأن يكون قد فاته تدوين بعض سوره كما هو الحال بالنسبة لابن مسعود، والقرآن أيضاً محفوظ لدى قراء الأمة وحفاظها، ومتواتر على لسان الألوف المؤلفة، في جميع الطبقات..

واستدلَّ ثالثاً: بروايات أهل السنة التي تحدَّثت عن آيات يدعى نسخ تلاوتها؛ فرفض نسخ التلاوة، واعتبر هذه الروايات دالَّة على تحريفهم الكتاب. ونحن نوافقه على رفضه لنسخ التلاوة.. وبالنسبة لأمثلته، نقول:

إنها إما دعاء، أو من كلام الرسول «صلى الله عليه وآله»، مع تعرضها للتصرف من قبل الناقلين لها كما يدلُّ عليه ما يظهر عليها من ركاكة في التعبير.. والحال أنه «صلى الله عليه وآله» أفصح من نطق بالضاد.. أو لعلها من كلام بعض الصحابة، أو أخبار آحاد مكذوبة، وضعها أعداء الإسلام.

ثم استدلَّ رابعاً: بروايات أهل السنة، حول اختلاف مصاحف السلف، ورواياتهم في تقديم وتأخير بعض الآيات، وحول أن ترتيب القرآن كان باجتهاد من الصحابة..

ونقول:

إن هذه الروايات لا يعتدّ بها، ومع ذلك نقول:

إن هذا المقدار ـ لو سلم ـ فهو لا يعني تحريف القرآن..

أما دليله الخامس، فهو: اختلاف مصاحف الصحابة في ذكر بعض الكلمات، والآيات والسور.. مثل سورتي الخلع والحفد، ونحوها..

ونقول:

أما بالنسبة للروايات حول بعض الكلمات، فهي: إما تفسير، أو تأويل، أو دعاء، وما إلى ذلك..

وأما بالنسبة لبعض الآيات والسور، فلا شك في عدم صحة تلك الروايات فيها.

واستدلَّ سادساً: بأن أبي بن كعب، وهو أقرأ الأمة كما يقول غير الشيعة، قد زاد في مصحفه سورتي: الخلع والحفد..

أما الشيعة، فيقولون: إن علياً وأهل بيته «عليهم السلام» هم أقرأ الأمة.

ولكننا نقول:

إنه لو صحت رواية ذلك عن أبي بن كعب، فلعله كتبهما في مصحفه على انهما دعاء، ولم يكتبهما على أنهما قرآن..

ودليله السابع هو: ما رواه أهل السنة من إحراق عثمان للمصاحف، وحمله الناس على قراءة واحدة..

ونقول:

إن أمير المؤمنين علياً «عليه السلام»، قد أيّد عثمان في جمع الناس على قراءة واحدة، لكثرة ما ظهر في الناس من اللحن في القراءة، والقراءة باللهجات المختلفة وغير ذلك.. فهذا عمل صواب، هدفه حفظ القرآن من التحريف، وليس العكس.

ولكن علياً «عليه السلام» لم يرتض إحراقه المصاحف، فإن ذلك منهي عنه.

ودليله الثامن: هو روايات أهل السنة حول نقص القرآن، وذهاب كثير من آياته وسوره.

ونقول:

قد بحث الشيعة في هذه الروايات، وأوضحوا أنها لا تصلح للاستدلال بها، فراجع كتاب حقائق هامة حول القرآن في فصوله المختلفة.

واستدلَّ تاسعاً: بما ورد في كتب الشيعة: من أن أسماء الأئمة «عليهم السلام» قد وردت في الكتب السماوية فلا بد وأن تكون قد وردت في القرآن أيضاً، ثم حذفت.

وأجابه الشيعة: بأنه لا ملازمة بين تحريف الكتب السالفة في ألفاظه، وتحريف القرآن في ألفاظه، ولا بين ذكرها فيها، وذكرها فيه. إلا إن كان المراد: أن تحريف المعاني الذي حصل في هذه الأمة، فإنه يشبه تحريف النصوص الذي حصل في الكتب المنزلة على الأمم السابقة.

وقد ورد في الروايات عن الأئمة «عليهم السلام» ما يدلُّ على أن عدم ذكر اسم علي «عليه السلام» في القرآن، إنما هو لئلا يتعرض القرآن للتحريف.

واستدلَّ عاشراً: بروايات أهل السنة حول اختلاف القراءات، ويدعمون ذلك بما ورد من أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف.

ونقول:

إن كتاب حقائق هامة حول القرآن الكريم قد بين أن القراءات التي تتضمن تبديلاً أو تحريفاً أو زيادة أو نقيصة في الكلمات لا يصح، وأن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، لا يصح أيضاً.. فراجع ذلك الكتاب..

ودليله الحادي عشر: هو روايات منسوبة إلى الشيعة حول وقوع التحريف في القرآن.

وقد ردّه الشيعة ـ كما في كتاب: حقائق هامة حول القرآن بأنه استدلال فاسد؛ لأنها روايات ظاهرة التأويل، لأن المراد بها تحريف المعنى لا اللفظ.

كما أن بعض الأحاديث النادرة الأخرى إنما رواها الغلاة والضعفاء، والمنحرفون عن مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»، وهي مخالفة للضرورة القطعيّة، فلا يلتفت إليها، ولا يعتد بها.. وتقدم أن بعضها يقصد به ذكر التأويل والتفسير المنزل، وليس ذلك من القرآن في شيء..

الثاني عشر: استدلَّ بروايات كثيرة، لربما تصل إلى الألف رواية، ذكرت فيها موارد مخصوصة من الآيات المحرَّفة..

يلاحظ: أن أكثرها يدخل في الأقسام التي تقدمت، أو ترجع إلى التفسير، وشأن النزول أو التأويل، كما أن التكرار فيها كثير وظاهر.. كما أن أكثرها من باب تكثير الأسانيد لا أكثر.. كما يظهر من الحصيلة الروائية التالية:

قد لاحظنا كتاب فصل الخطاب، فوجدنا أن أكثر من 320 رواية منها تنتهي إلى السياري، الفاسد المذهب والمنحرف، والغالي الملعون على لسان الصادق «عليه السلام»، والمطعون فيه من قبل جميع الرجاليين.

وأكثر من 600 من مجموع الألف عبارة عن مكرَّرات، والفرق بينها، إما من جهة نقلها من كتاب آخر، مع وحدة السند، أو من طريق آخر..

وغير هذين القسمين؛ فإن أكثر من مئة حديث منها عبارة عن قراءات مختلفة، أكثرها عن الطبرسي في مجمع البيان الذي يستقي من كتب أهل السنة غالباً.. كما أن أكثرها مشترك نقله بين السنة والشيعة، ولا سيما بملاحظة: أن الطبرسي كان مهتماً جداً بالرواية عن رجال أهل السنة، كقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وكثير غيرهم.

وما تبقَّى؛ فإنما هو روايات قليلة جداً لا تستحق الذكر والالتفات.

هذا كله.. عدا عن أن قسماً من أخبار التحريف، منقول عن علي بن أحمد الكوفي، الذي وصفه علماء الرجال بأنه كذاب، فاسد المذهب..

وقسم آخر منقول عن آخرين ممن يوصف بالضعف، أو بالانحراف، كيونس بن ظبيان، الذي ضعفه النجاشي، ووصفه ابن الغضائري بأنه: «غالٍ، كذاب، وضاع للحديث». ومثل منخل بن جميل الكوفي، الذي يقولون فيه: إنه غال، منحرف، ضعيف، فاسد الرواية. ومثل محمد بن حسن بن جمهور، الذي هو غال، فاسد المذهب، ضعيف الحديث. وأمثال هؤلاء، لا يصح الاعتماد على رواياتهم في أبسط المسائل الفرعية، فكيف بما يروونه في هذه المسألة، التي هي من أعظم المسائل، وأشدها خطراً، وعليها يتوقف أمر الإيمان، ومصير الإسلام.

ولا بد من دراسة وافية لمعرفة السبب، الذي دعا الغلاة وفاسدي المذهب للقيام بهذا الدور الهدَّام، في مجال إلصاق هذه الفرية بالقرآن الكريم.

ولا شك أن ذلك مما تقرّ به عيون الزنادقة، ويبتهج له مردة اليهود والنصارى، ويشجعونه، ويُشِيعونه، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..

وبديهي أن الغلاة ليسوا من الشيعة، ويتجنبهم الشيعة، ويكفّرونهم، فلا يصح نسبة بدع الغلاة وترَّهاتهم إلى الشيعة.

2022/03/20

قصص القرآن: حقائق ومعاجز أم أساطير وخرافات؟!

لابد من التأكيد على أن القرآن ليس كتاباً تاريخياً، فليس من أهدافه استعراض الاحداث التي وقعت في التاريخ الإنساني، وعندما يتعرض لذكر بعض الحوادث الماضية لا يتعرض لها بقصد توثيقها كحدث قد وقع، وإنما بهدف توظيف بعض جوانبها من أجل هدفه العام وهو الهداية.

[اشترك]

ولا يمكن أن يتحقق ذلك الهدف إلا إذا كانت القصة نابعة من الواقع الإنساني وليست محض خيال، حيث لا يمكن الاعتبار من القصة ولا يمكن أن تكشف عن سنة اجتماعية إذا كانت مجرد اسطورة، فواقعية القصة واتصالها المباشر بالفعل الإنساني هو الذي يحقق للقرآن الهدف الذي يرجوه، ومن هنا فإن كل ما في القرآن من وقائع وأحداث ماضية هي حقائق حدثت بالفعل، وقد فرق القرآن بشكل واضح بين الأمثال التي تضرب لتقريب فكرة ما، وبين القصص الواقعية التي تكشف عن سنن تاريخية واجتماعية، فعندما يريد القرآن أن يضرب مثلاً يصرح بذلك كقوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، وكذلك قوله تعالى: (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتخَّذَتْ بَيْتًا) أو قوله تعالى: (كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بمِا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَ نِدَاء)، وهذا بخلاف تناول القرآن للقصص، فهو يتناولها بوصفها حقائق واقعية متحققة في الخارج، وقد صرح القرآن بذلك في كثير من الآيات كقوله تعالى: (لَقَدْ كاَنَ في قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترَى‏ وَ لَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلّ‏ شيءٍ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون) و كذلك قوله: (وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَ جَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين)

وعليه فإن القصص القرآنية تعد واحدة من الإعجازات الدالة على كون القرآن وحي من الله تعالى، فما وقع بين الأنبياء وأقوامهم من قصص لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال الوحي؛ وذلك لأن المناهج التاريخية تستوثق من أحداث الماضي بأحد طريقين، الأول: هو الوثائق المكتوبة، والثاني: من خلال البحث في الآثار المادية، والقرآن الكريم في نظر المؤمنين يعتبر أهم مصدر واصدق وثيقة مكتوبة، والذي يشكك في ذلك يتعين النقاش معه كبروياً وليس صغروياً، فإثبات كون القرآن وحي من الله مقدم على اثبات كون القصص القرآني امور واقعية.

 أما المنهجية الثانية وهي الآثار المادية فهي قد تكون صالحة فقط للتعرف على المدن والحصون وغير ذلك من آثار الحضارات القديمة، ولا علاقة لها بما وقع من أحداث اجتماعية وإنسانية، والقصص القرآنية لا تحكي عن آثار مادية حتى نستعين بالحفريات للتأكد منها، وإنما هي قصص لها علاقة بالفعل الإنساني والاحداث الاجتماعية، كما أن مهمة الأنبياء والدور الذي قاموا به ليس له علاقة بترك آثار مادية، فليس من مهامهم بناء المدن وتشييد الحصون كما هو حال ملوك الحضارات القديمة، وإنما كانت مهمتهم الإنسان والعمل على إصلاحه فكرياً واخلاقياً وسلوكياً، وكل ما جاء في القرآن من قصص يخدم هذا الهدف، وبالتالي من الخطأ البحث عن الأثر المادي للقصص القرآنية.

ومن المؤكد أن القصص القرآنية بالنسبة لنا من الأمور الغيبة، ولا يمكن لأي إنسان الادعاء بأنه يمتلك طريقاً للوقوف على حقيقة ما وقع بالفعل، فالطرف الذي يشكك في واقعية هذه القصص إنما يشكك من باب الإنكار والمجادلة؛ وذلك لأنه لا يوجد أي سبيل لإثبات خلاف ما جاء ذكره في القرآن، وقد أشار القرآن لهذا الأمر عندما أكد بأن هذه القصص من أنباء الغيب،  قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون)، وقوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون). وعليه أن مصدر كل تلك القصص وما فيها من تفاصيل دقيقة هو الوحي الإلهي وهذا ما يؤكده قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا)

وبذلك ننفي وجود أي طريق علمي يمكن الاستعانة به غير التصديق بما جاء في القرآن، ومن لم يرد أن يصدق فهذا شأنه، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وقال تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)

ويبدو أن تشكيكات البعض في قصص القرآن هو تقليد اعمى لبعض الباحثين الغربيين الذين شككوا في قصص التوراة والانجيل، وهذا قياس لا يمكن قبوله والتسليم به، وقد سبق القرآن هؤلاء الباحثين عندما اكد على التحريفات التي وقعت في تلك الكتب السماوية، وهذا ما لم يحدث مع القرآن الكريم، والأدلة على أن القرآن محفوظ كثيرة وقد ذكرت في محلها، ومن المعلوم أن كتب أهل الكتاب مليئة بالخرافات والاساطير إلى درجة أن بعضها مخالف لأبسط القيم الأخلاقية والضرورات العقلية، وهذا بخلاف ما جاء في القرآن، فكل من يقرأ القرآن وهو متجرد للحقيقة سوف يكتشف الفرق الكبير بينه وبين ما هو موجود في ايدي اليهود والنصارى، فالقرآن ليس فقط ينقل بعض القصص بكل واقعية وموضوعية وإنما ينقل لنا عبر تلك القصص مجموعة من العبر والحِكم والقيم والسنن التاريخية التي نحتاج معرفتها من اجل حياتنا الراهنة، فمع أنها قصص وقعت في الماضي إلا أنها مازالت حاضرة ومتجلية في حياتنا اليومية.

2022/03/17

حقائق في سورة ’الفاتحة’.. تعرّف عليها

كلّ واحدة من الآيات السبع في هذه السّورة تشير إلى حقيقة هامّة:

[اشترك]

( بِسْمِ اللَّهِ ... ) 1 بداية لكلّ عمل، و تعلّمنا الاستمداد من الباري تعالى لدى البدء بأي عمل.

( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) 2 درس في عودة كلّ نعمة و رعاية إلى اللّه تعالى، و إلفات إلى حقيقة انطلاق كلّ هذه المواهب من ذات اللّه تعالى.

( الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ) 3 تبيّن هذه الحقيقة، و هي: إنّ خلق اللّه و رعايته و حاكميته تقوم على أساس الرّحمة و الرّحمانية، و هذا المبدأ يشكّل المحور الأساس لنظام رعاية العالم.

( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) 4 استحضار للمعاد و يوم الجزاء، و لحاكمية اللّه على تلك‌المحكمة الكبرى.

 

( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) 5 تبيّن التوحيد في العبادة، و التوحيد في الاستعانة بالأسباب.

( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) 6 توضّح حاجة العباد و رغبتهم الشديدة للهداية، و تؤكّد حقيقة أن كل ألوان الهداية إنما تصدر منه تعالى.

و آخر آية من هذه السّورة ترسم معالم‌ 7 و تميّز بين صراط الذين أنعم اللّه عليهم، و صراط الذين ضلّوا و الذين استحقّوا غضب اللّه عليهم.

و يمكن تقسيم هذه السّورة، من منظار آخر إلى قسمين: قسم يختصّ بحمد اللّه و الثناء عليه، و قسم يتضمّن حاجات العبد.

و إلى هذا التقسيم يشير الحديث الشريف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «قال اللّه عزّ و جلّ: قسّمت فاتحة الكتاب بيني و بين عبدي، فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل.

إذا قال العبد ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ) 8 قال اللّه جلّ جلاله: بدأ عبدي باسمي و حقّ عليّ أن أتمّم له أموره و أبارك له في أحواله.

فإذا قال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) 2 قال اللّه جلّ جلاله: حمدني عبدي و علم أنّ النعم الّتي له من عندي، و أنّ البلايا الّتي دفعت عنه فبتطوّلي، أشهدكم أنّي أضيف له إلى نعم الدّنيا نعم الآخرة، و أدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدّنيا.

و إذا قال: ( الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ) 3 قال اللّه جلّ جلاله: شهد لي عبدي أنّي الرّحمن الرّحيم، أشهدكم لأوفّرنّ من رحمتي حظّه و لأجزلنّ من عطائي نصيبه.

فإذا قال: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) 4 قال اللّه تعالى: أشهدكم كما اعترف بأنيّ أنا مالك يوم الدّين لأسهّلنّ يوم الحساب حسابه، و لأتقبّلنّ حسناته، و لأتجاوزنّ عن سيّئاته.

فإذا قال: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ... ) 5 قال اللّه عزّ و جلّ: صدق عبدي، إيّاي يعبد أشهدكم لأثيبنّه‌ على عبادته ثوابا يغبطه كلّ من خالفه في عبادته لي.

فإذا قال: ( ... وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) 5 قال اللّه تعالى: بي استعان عبدي، و إليّ التجأ، أشهدكم لأعيننّه على أمره، و لأغيثنّه في شدائده و لآخذنّ بيده يوم نوائبه.

فإذا قال: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) 6 إلى آخر السّورة قال اللّه عزّ و جلّ: هذا لعبدي و لعبدي ما سأل و قد استجبت لعبدي و أعطيته ما أمّل و آمنته ممّا منه و جل»9 10.


الهوامش:

1. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، من بداية السورة إلى الآية 1، الصفحة: 1.

2. a. b. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 2، الصفحة: 1.

3. a. b. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 3، الصفحة: 1.

4. a. b. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 4، الصفحة: 1.

5. a. b. c. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 5، الصفحة: 1.

6. a. b. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 6، الصفحة: 1.

7. القران الكريم: سورة (1)، الآيات: 6 - 5، الصفحة: -1.

8. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 1، الصفحة: 1.

9. عيون أخبار الرضا، نقلا عن الميزان، ج 1، ص 37.

10. المصدر: كتاب الامثل في تفسير كتاب الله المنزل‌، لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي

2022/02/16

تبيان لكل شيء.. هل ذكر القرآن الكريم كل «الأحكام الشرعية»؟
إذا كان القرآن الكريم "تبيان لكل شيء" لماذا غيّب الكثير من الأحكام وتفصيلاتها التي بيّنها النبي وأهل البيت (ع) والفقهاء العدول؟

[اشترك]

أولاً: القرآن لم يغيب شيئاً من الأحكام، وذكرها على نحو الإجمال لا يعد تغييباً لها.

ثانياً: كون القرآن تبياناً لكل شيء لا يعني بالضرورة أن يكون ذلك بذكر التفاصيل، فبيان الشيء إما أن يكون عبر بيان أصوله وقواعده وكلياته، وإما أن يكون ببيان تفصيلاته، وعليه حصر معنى البيان في ذكر التفاصيل لا يمكن التسليم به.

ثالثاً: بيان رسول الله للقرآن ليس شيئاً خارجاً عن حدود القرآن حتى يعتبر بياناً من خارج القرآن، فالقرآن الذي وصف نفسه بأنه بيان لكل شيء هو ذاته أمر رسوله ببيان كتابه في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وعليه فالتفاصيل الواردة في السنة هي دليل على كون القرآن بيان لكل شيء.

رابعاً: اشتمل القرآن على كل ما يحتاجه المؤمن من أصول الدين وعقائده، أما الفروع والأحكام التشريعية فقد بين القرآن الطرق في تحصيلها، فإذا تحصل الإنسان عليها بتلك الطرق يكون قد تحصل عليها من القرآن، ومن أهم تلك الطرق هو تقليد الرسول والاقتداء به، فقد قال تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

ومن هنا فإن علاقة القرآن بالسنة تتصور في عدة وجوه:

1- السنة تؤكد وتقرر ما جاء في القرآن الكريم؛ مثاله: العبادات التي أمرنا الله تعالى بالقيام بها (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) جاء تقريرها وتوكيدها في السنة.

2- السنة تفسر وتفصل وتبين ما جاء مُجملاً في القرآن: لقد جاءت آيات القرآن في كثير من القضايا مجملة، ففصلتها السنة الشريفة سوى كان بالقول أو بالتطبيق العملي. مثل بيان أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة، ونصابها ومقدار الزكاة الواجب إخراجها.

3- السنة تخصص ما جاء عاماً في القرآن الكريم، مثاله: قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) جاء الحكم في الآية بأن الأولاد جميعاً يرثون من آبائهم وأمهاتهم، ولكن السنة النبوية خصصت هذا العموم: (لا يتوارث أهل ملتين ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً) وكذلك إذا كان الوارث قاتل مورِّثه فيحرم من ميراثه.

4- السنة تقيد ما جاء مطلقاً في القرآن، مثاله: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) حيث جاءت اليد مطلقة، واليد في اللغة تطلق على الطرف العلوي من الأصابع إلى الكتف، فجاءت السنة الشريفة بتقييد هذا الإطلاق فحددت موضع القطع.

وهكذا لا يمكن فصل القرآن عن السنة، كما لا يمكن تحقيق معناً للإسلام إلا من خلال الجمع بين القرآن والسنة، فالقرآن بين كل شيء إما على نحو الأجمال وإما على نحو التفصيل، فما جاء مجملاً أمر رسوله ببيانه.

2022/02/06

نساء وخمر في الجنة: هل يرسّخ القرآن ’الشهوات’ في أذهان المسلمين؟!

الشهوة طبيعة راسخة في الإنسان لا يحتاج إلى من يذكره بها، بل على العكس من ذلك فالإنسان بحاجة إلى من ينبهه إلى مخاطر الانجراف نحوها، فكل شهوة لها جانبان إيجابي والآخر سلبي، والذي يميز بين الجانبين هو مدى سيطرة الإنسان على الشهوة أو سيطرة الشهوة على الإنسان.

[اشترك]

فعندما يتحكم الإنسان في شهواته تصبح الشهوات ضرورة لا تستقيم الحياة إلا بها، وعندما تتحكم الشهوات بالإنسان تصبح خطراً يهدد بقاء الحياة، وعليه فإن التوازن بين حاجات الروح وحاجات البدن هو الذي يمكّن الإنسان من توظيف شهواته بشكل إيجابي، ولذا نجد القرآن الكريم يحث الإنسان بشكل دائم على القيم والفضائل والمعاني السامية التي تمثل كمالاً للروح، فالآيات التي تأمر بالعقل والتعقل تستهدف بالأساس تمكين الإنسان من الهيمنة على شهوات نفسه.

وعليه فالشهوات راسخة في الإنسان ولا تحتاج إلى مزيد من الترسيخ، ويبدو أن الجذر المحرك لكل الشهوات هو حب الإنسان لذاته، فالإنسان بغريزته يجلب لنفسه المصلحة ويدفع عنها المخاطر، ومن هنا فإن مواقف الإنسان وسلوكياته تبنى بحسب مصلحة الذات أو مفسدتها، قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)؛ الأمر الذي يدل على أن حب الذات هو الباعث لرضا النفس أو سخطها، وبالتالي مواقف الإنسان قائمة بالأساس على الخوف والرجاء، ومن هنا كان التبشير بالجنة والتحذير من النار ليس إلا توجيهاً إيجابياً لغريزة الخوف والرجاء، فالإنسان بجهله يتصور أن صلاحه في الشهوات وفساده في ضياعها، ولذا نجد أن معظم الناس يتعلقون بشهوات الحياة وزينتها، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، فالآية لا تنفي اشتهاء الإنسان للنساء والأموال والأولاد وإنما تؤكد على أنها حقيقة راسخة عند الجميع، إلا أن الآية تلفت الانتباه إلى كونها شهوات محدودة بالحياة الدنيا، ولا تستحق أن يفني الإنسان عمره المحدود في الركض خلفها دون هدى أو بصيرة، ولذا ختمت الآية بقوله: (وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ).

فالمعادلة التي يوجدها القرآن بالنسبة لحياة الإنسان في الدنيا قائمة على تحديد هدف مركزي لتلك الحياة، ويتلخص هذا الهدف في عبادة الله تعالى، وحتى يتحقق هذا الهدف لابد من ترسيخ جوانب القوة في الإنسان مثل العقل والعلم والإرادة، ومن هنا كانت آيات القرآن تذكير مستمر بهذه الحقائق، وفي نفس الوقت العمل على تحويل جانب الضعف فيه إلى عوامل قوة من خلال توجيهها إلى نفس الهدف المركزي وهو عبادة الله تعالى، ففي الوقت الذي لم يحرم الإنسان من شهوات الدنيا بالمقدار الذي لا يتصادم مع كونه عبداً لله تعالى نجده أيضاً بشره بنعيم ابدي في الجنة، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى  النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ Q فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ)، وعليه لم يكن وصف الجنة وما فيها من النعيم ترسيخ للشهوة الدنيوية، وإنما توجيهها في المسار الذي يجعلها دافعاً نحو الصراط المستقيم.

2022/02/01

القصة الغامضة: هل نحن أبناء من ركب ’سفينة نوح’؟!

هل العنصر البشريّ من نتاج من ركب سفينة نوح (ع)؟

[اشترك]

هذه المسألة عرض لها المفسّرون من أهل العلم عند تفسيرهم لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) [الصافات: 77]، وبيّنوا أنّ هناك رأياً مشهوراً يذهب إليه جمهور أهل العلم، وحاصله: أنّ كلّ أجيال البشر التي أتت بعد نوح هي من ذريته. وقد نقل الكثير من المؤرخين بقاء ثلاثة أولاد من ذرية نوح هم (سام) و (حام) و (يافث) بعد الطوفان، وكل القوميات الموجودة اليوم على الكرة الأرضية تنتهي إليهم.

وقد أطلق على العرق العربي والفارسي والرومي العرق السامي، فيما عرف العرق التركي ومجموعة أخرى بأنهم من أولاد "يافث" ، أما "حام" فإن ذريته تنتشر في السودان والسند والهند والنوبة والحبشة ، كما أن الأقباط والبربر هم من ذريته أيضا .

وفي مقابل هذا الرأي المشهور يطرح بعض المفسّرين سؤالين ينتج من خلالهما رأيٌ آخر في هذا المقام، وحاصل السؤال الأوّل: هل كل القوميات البشرية تعود في أصلها إلى أولاد نوح الثلاثة؟

والآخر: ماذا كان مصير المؤمنين الذين ركبوا السفينة مع نوح خلال الطوفان؟ وهل ماتوا جميعا من دون أن يتركوا أي خلف لهم وإن كان لهم ذرية، فهل كانوا بنات تزوجن من أولاد نوح؟ هذه القضية من وجهة نظر التأريخ لا تزال غامضة، مع أنّ هناك أحاديث وآيات تشير إلى وجود أقوام وأمم على الكرة الأرضية لا ينتهي أصلها إلى أولاد نوح. فمنها ما ورد في تفسير علي بن إبراهيم القميّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) في توضيح الآية المذكورة أعلاه: الحق والنبوة والكتاب والإيمان في عقبه، وليس كل من في الأرض من بني آدم من ولد نوح (عليه السلام). قال الله عز وجل في كتابه: احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ومن آمن وما آمن معه إلا قليل، وقال الله عز وجل أيضا: ذرية من حملنا مع نوح.

وعلى هذا فإن انتهاء كل العروق الموجودة على الأرض إلى أبناء نوح أمر غير ثابت.

[ينظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج ١٤، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص ٣٤٤، وتفسير نور الثقلين وتفسير كنز الدقائق عند تفسير قوله تعالى (وجعلنا ذريّته هم الباقين).

2022/01/30

ليس منّا: الانتماء لـ ’عنوان التشيّع’ وحده لا يكفي!

قال تعالى: (قَالَ يَا نُوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 46]

[اشترك]

ومن المناسب أن نستلهم من الآية فنشير إلى قسم من الأحاديث الإسلامية التي ترى طوائف كثيرة من المسلمين، أو أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الظاهر مطرودين وخارجين عن صف المؤمنين والشيعة:

1 ـ فقد ورد عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «من غش مسلماً فليس منّا» (1).

2 ـ كما روي عن الإمام الصّادق (عليه السلام) أنّه قال: «ليس بولي لي من أكل مال مؤمن حرام» (2).

3 ـ ويقول النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا ومن أكرمه النّاس اتقاء شره فليس منّي».

4 ـ وروي عن الإمام علي أنّه قال: «ليس من شيعتنا من يظلم الناس».

5 ـ وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كل يوم» (3).

6 ـ ويقول النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم» (4).

7 ـ وقال الإمام الباقر (عليه السلام) لأحد أصحابه وكان يدعى «جابراً»: «واعلم يا جابر بأنك لا تكون لنا وليّاً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنّك رجل سوء، لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنّك رجل صالح، لم يسرك ذلك، ولكن اعرض نفسك على كتاب الله» (5).

هذه الأحاديث تضع علامة «البطلان» على تصورات من يقنع بالاسم فحسب ولكنّهم لا يعيرون أهمية للعمل بالتكليف، أو للروابط الايمانية، وتثبت بوضوح أنّ الأصل في مذهب القادة الرّبانيين والأساس هو الإيمان بالعقيدة والعمل بمناهجهم، وينبغي أن يقاس كل شخص بهذا المقياس.


الهوامش

1. وسائل الشيعة، ج17، ص283، ح22528.

2. وسائل الشيعة، ج12، ص53.

3. بحار الانوار، ج72، ص279، ح1.

4. اصول الكافي، ج2، ص164، ح5.

5. سفينة البحار، ج2، ص691.

المصدر: تفسير الأمثل، ج6.

2022/01/26

لا إكراه في الدين.. هل تتعارض هذه الآية مع ’الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’؟!

لا تعارض بين وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) فكل مسألة تتحرك في دائرة مختلفة عن الأخرى، حيث نجد تفسير عدم الإكراه في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

[اشترك]

مما يعني أن أساس الدين هو الايمان النابع عن اليقين والاقتناع، وهذا يتعارض بالضرورة مع إكراه واجبار المخالفين للدين، فلا يجوز حملهم بالقوة على الإيمان به، ومن هنا كان الأصل والمبدأ العام في التعامل مع من لا يؤمن بالدين هو دعوته بالتي هي أحسن، وهذا يختلف عن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يستهدف هذا المبدأ استقامة المجتمع الإسلامي، أي أنه يتحرك داخل دائرة المؤمنين، وأساس ذلك قد نجده في قوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أدوات التذكير داخل المجتمع الإسلامي، فبما أن المسلمين قد توافقوا على ما هو معروف وما هو منكر، فمن الطبيعي حينها أن يكون هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر حتى يستقيم المجتمع على التعاليم والآداب التي تواطؤا عليها.

 ومع أهمية هذا المبدأ في المجتمع المؤمن إلا أنه يراعي المبدأ العام القائم على أهمية توفر اليقين والقناعة، ولذا اشترط الفقهاء في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة من يتم أمره ونهيه، أي أن يكون أمره ونهيه مؤثراً وله انعكاس حقيقي على الواقع العملي، وإلا يتحول إلى سبب للتنازع والتخاصم وتشتيت والمجتمع المؤمن، ومن هنا نص الفقهاء على سقوط الوجوب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن مؤثراً فيمن يتوجه له الأمر والنهي.

جاء في الموسوعة الفقهية التابعة لمؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي، ج17، ص  199 ما نصه: (يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يحتمل الآمر أو الناهي تأثير أمره ونهيه في المأمور أو المنهي، فلو علم أنّه لا يؤثّر لم يجب وتسقط وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد نفى المحقّق النجفي الخلاف عنه، بل في ظاهر كلمات العلّامة الحلّي الإجماع عليه؛ لأنّ الغرض من إيجاب‌ الأمر والنهي وقوع المعروف وارتفاع المنكر، فمع العلم بعدم حصولهما فالأمر والنهي لغو، فكأنّ ذلك بمثابة مقيّد لبّي لإطلاقات النصوص يستفاد من مناسبات الحكم والموضوع.

بل قد يستفاد من قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى‌ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، فإنّها تشير إلى كفاية احتمال التقوى والاتّعاظ مع قلّته لوجود المؤشّرات على نزول العذاب عليهم.

واستدلّ له أيضاً بالروايات: منها: رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: (إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا...).

قال مسعدة: وسمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول: وسُئل عن الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر)، ما معناه؟ قال: (هذا على أن يأمره بعد معرفته، وهو مع ذلك يقبل منه، وإلّا فلا).

وتقريب الاستدلال بها بثلاث عبارات: الاولى: قوله‌ عليه السلام: (إنّما هو على القويّ المطاع)، فإنّ (إنّما) أداة حصر تدلّ على انحصار الوجوب بالمطاع، الدالّة بالمفهوم على انتفائه عند انتفاء المطاعية، والمطاعية تعبير آخر عن حصول التأثير.

الثانية: قوله عليه السلام: (هذا على أن يأمره بعد معرفته، وهو مع ذلك يقبل منه)، فإنّها بمفهوم الشرط تدلّ على أنّه لو كان لا يقبل أمره فلا وجوب.

الثالثة: قوله عليه السلام: (وإلّا فلا)، فإنّه صرّح بانتفاء وجوب الأمر لو انتفت المعرفة.

ومنها: خبر يحيى الطويل صاحب المقري قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: (إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتّعظ، أو جاهل فيتعلّم، فأمّا صاحب سوط أو سيف فلا).

فإنّه مع حصر وجوب الأمر والنهي بالمؤمن والجاهل مرتّباً الغرض من أمرهما ونهيهما على الاتّعاظ والتعلّم الدالّ بإطلاقه على عدم ترتّب غرض آخر غيرهما فيما يخصّ المؤمن والجاهل، ومع عدم مأمور غيرهما يعلم انحصار الأمر والنهي بتحقّق الغرضين المذكورين، فمع انتفائهما لا يجب أمر ولا نهي)

وهناك تفصيل فقهي واسع حول الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما فيدنا في المقام هو نفي التعارض بينه وبين عدم الإكراه في الدين، وهذا قد تبين من خلال ما قدمنا.

 

2022/01/01

لا إكراه في الدين: هداية لا إجبار!

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة:256

[اشترك]

الإكراه من (كره يكره) وهو مقت الشيء والاشمئزاز منه، وعليه يكون الإكراه هو الحمل على خلاف ما يحب ويرغب، سواء كان إكراهاً للنفس مثل أن يكره الإنسان نفسه على فعل شيء لا يحبه، أو كان إكراهاً للغير كأن يجبر شخصاً آخر على فعل ما يمقته ويشمئز منه، وقد نهت الآية عن الإكراه في الدين مطلقاً، أي لا يجوز حمل الناس على دين الله وهم لا يرغبون فيه، قال تعالى: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) أي لا يمكن أن نجبركم على الإسلام وأنتم كارهون له، والسبب في ذلك أن الإسلام يشترط في الانتماء إليه حصول اليقين والقناعة، قال تعالى: (إن في ذٰلك لذكرىٰ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) أي أن استجابة الإنسان للدين يجب أن تكون نابعةً من قلبه وعقله، وقد عللت الآية عدم الإكراه بقولها (قد تبين الرشد من الغي) فمسؤولية الدين هي الهداية لطريق الرشد وليس إجبارهم على إتباعه، وإنما على الإنسان اختيار الرشد وإتباعه بكامل حريته وإرادته، قال تعالى: (ونفس وما سواها ( 7 ) فألهمها فجورها وتقواها ( 8 ) قد أفلح من زكاها ( 9 ) وقد خاب من دساها ( 10 ). فالقول إن الهداية من الله لا يعني أن الله هو الذي ينوب عن عباده، أو هو الذي يأخذ بأيديهم من دون إرادة واختيار منهم، وإنما تقع مسؤولية ذلك على المكلفين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. 

ولتفصيل أكثر ننقل ما جاء في تفسير الميزان بخصوص هذه الآية:   

(بيان) قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، الإكراه هو الإجبار والحمل على الفعل من غير رضى، والرشد بالضم والضمتين: إصابة وجه الأمر ومحجة الطريق ويقابله الغي، فهما أعم من الهدى والضلال، فإنهما إصابة الطريق الموصل وعدمها على ما قيل، والظاهر أن استعمال الرشد في إصابة محجة الطريق من باب الانطباق على المصداق، فإن إصابة وجه الأمر من سالك الطريق إن يركب المحجة وسواء السبيل، فلزومه الطريق من مصاديق إصابة وجه الأمر، فالحق أن معنى الرشد والهدى معنيان مختلفان ينطبق أحدهما بعناية خاصة على مصاديق الآخر وهو ظاهر، قال تعالى: "فإن آنستم منهم رشداً"، وقال تعالى: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل"، وكذلك القول في الغي والضلال، ولذلك ذكرنا سابقاً: أن الضلال هو العدول عن الطريق مع ذكر الغاية والمقصد، والغي هو العدول مع نسيان الغاية فلا يدري الإنسان الغوي ماذا يريد وماذا يقصد. 

وفي قوله تعالى: لا إكراه في الدين، نفي الدين الإجباري، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقاً علمياً، فقوله: لا إكراه في الدين، إن كان قضيةً إخباريةً حاكيةً عن حال التكوين أنتج حكماً دينياً بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد، وإن كان حكماً انشائياً تشريعياً كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله: قد تبين الرشد من الغي، كان نهياً عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرهاً، وهو نهي متكئ على حقيقة تكوينية، وهي التي مر بيانها أن الإكراه إنما يعمل ويؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية. 

وقد بين تعالى هذا الحكم بقوله: قد تبين الرشد من الغي، وهو في مقام التعليل فإن الإكراه والإجبار إنما يركن إليه الآمر الحكيم والمربي العاقل في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها لبساطة فهم المأمور ورداءة ذهن المحكوم، أو لأسباب وجهات أخرى، فيتسبب الحاكم في حكمه بالإكراه أو الأمر بالتقليد ونحوه، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر فيها، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب، والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في إتباعه، والغي في تركه والرغبة عنه، وعلى هذا لا موجب لأن يكره أحد أحداً على الدين. 

وهذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم (تفسير الميزان ج7، ص 342 – 343).

2021/12/23

كيف نتعامل مع ’الإشاعات’؟.. حلول قرآنية

الإشاعات وسبل معالجتها من المنظور القرآني

الإشاعة والشائعة تُستعمل لغة في: "الخبر ينتشر من دون التثبّت فيه" (1) وقيل في معناها أيضاً: "خبرٌ مكذوبٌ غير موثوق فيه وغير مؤكَّد، ينتشر بين النَّاس" (2) فكما تُستَعمَل في الخبر الذي لا أساس له، تُستَعمَل أيضا فيما يتمّ تضخيمه وإخراجه عن حجمه الواقعي.

[اشترك]

وهي ظاهرةٌ لا ينفكّ عنها مجتمع ما دامت ثمَّة قِوى واتجاهات مختلفة تتجاذبه، بَيْدَ أنّ تأثيرها يتناسب عكسا مع درجة الوعي والثقافة في المجتمع.

وبما أنَّ القرآن الكريم قد أَخَذَ في جملة أهمّ مقاصده بناء مجتمعٍ متماسكٍ بما يتناسب مع مهمة الاستخلاف في الأرض التي أنيطت بالإنسان نلاحظ أنّه قد اهتمّ بالتحذير من كثير من الأمراض التي تصيب بنيَة المجتمع ومنها الاشاعات التي إذا ما تفشّت في مجتمعٍ آلَ أمره إلى الضعف والاضمحلال. وفي هذه الورقة الموجزة نقف على أهمّ تلك التدابير التي نبَّه عليها الكتاب الكريم في هذا الصدد، والكلام في نقطتين.

أولاً: حرمة بثّ الإشاعات والوعيد عليه

للوعيد أثرٌ نفسيٌ شديد في الزجر عن الاتيان بالفعل الذي تعلّقَ به، وهو أحد السبُل التي اتبعها القرآن الكريم في تنفير الناس من الرذائل وكلّ ما يضرّ بالإنسان والمجتمع الإنساني، والتي منها بث الشائعات ومن الآيات التي جاءت في هذا السياق:

1- قوله تعالى: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ" (النور/15).

فالإشاعة في المقام الأوَّل هي ترويجٌ لقولٍ بلا علمٍ أي من دون معرفة مصادره والتدبّر في مقاصده وفي هذه الآية ردعٌ صريح ينطوي على بيان مدى قبح التقوّل على الناس من دون التثبُّت والتأكّد من صحّة الخبر، وهو المراد من قوله عزّ وجلّ: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ" فتقييد "التَلَقي بالألسنة للدلالة على أنّه كان "مجرد انتقالٍ للقول من لسانٍ إلى لسان من غير تثبّتٍ وتدبرٍ فيه" (3) فيكون العطف في قوله: "وتقولون.." من قبيل عطف التفسير وقد قيّده أيضاً بقوله: "بأفواهكم.." للتأكيد على كونه انتقال من دون دراية ومعرفة.

ولمّا كانت الاشاعة قولاً لا واقع له وإنّما محض اختلاق تتداوله الألسنة فهي بهتان وهو عند الله تعالى عظيم.

2- قوله تعالى: " لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " (التوبة/47).

أي لو خَرَجت هذه الجماعة مع المسلمين الى الجهاد لم يكن لها من عملٍ سوى الحرص على إفشالهم وفساد أمرهم بواسطة النميمة والتهويل وبث الإشاعات والدعايات في صفوفهم، فمن الخَبال اضطراب الرأي " بتزيين أمرٍ لقومٍ وتقبيحه لآخرين ليختلفوا وتفترق كلمتهم" (4) وهذا ضربٌ من الإشاعات كما سبق بيانه في تعريفها.

وذَيل الآية دليلٌ على أنّ هؤلاء الذين يُعِيرون آذانهم لتلك الإشاعات من دون معرفة وعلمٍ ظالمون (5) وتقريب ذلك أنّهم إنّما يظلمون أنفسهم بقبولهم لما هو خلاف الواقع وأيضا يظلمون مجتمعاتهم بإشاعة الجهل فيها.

وفي الكتاب الكريم نصوص أخرى في التحذير من الإشاعات نتركها اختصارا.

ثانياً: منهج القرآن الكريم في معالجة الشائعات

من خلال تتبع النص القرآني يمكن رصد مجموعة من الآليات التي تَعامَل في ضوئها مع موضوع الشائعات وهي تتكامل مع بعضها ولا يكفي الأخذ بكلّ واحدة منها على حدة ومنها..

1- منهج نقد المصادر

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" (الحجرات:6).

فمن أهمّ وسائل مواجهة الاشاعات منهج نقد المصادر والذي يعدّ نقداً خارجياً يبتني على تجاوز المضمون بتسليط النظر على مَنشئِه لاستبانة أكبر قدر ممكن من القرائن الخارجيّة التي يمكن أن ترجِّح صدقه أو كذبه، ومن ثمّ يكون المعيار في قبوله في هذه المرحلة مبني على أساس رصانة المَصدر، ولا يخفى أنّ العلاقة بينهما في المسائل النقليّة طرديّة.

والآية الكريمة تُرشد إلى ضرورة التبيّن وعدم التسرّع في قبول خبر الفاسق الذي لا رادع له عن الكذب من دون التثبُّت منه، أي التوقّف في قبوله والتأني حتى تَثبت حقيقته (6) وهي في الواقع بمثابة إمضاء لما جرت عليه السيرة العقلائيّة "من عدم حجية الخبر الذي لا يوثق بمن يُخبر به وعدم ترتيب الأثر على خبره " (7).

والذي يجدر التنبيه عليه هنا أنّه كلّما ازدادت مخاطر وتبعات الأخذ بالمضمون تزداد بنسبة مساوية أهميّة التثبّت وضرورته حتى إنْ كان احتمال مخالفة الخبر للواقع ضعيفاً وذلك لأنّ قيمة الاحتمال لا تبتني على درجة وضوحه وكاشفيته فقط وإنما يُراعى فيها الموازنة بينها وبين قيمة المحتمَل فمثلاً نرى العقلاء يتجنبون ما يحتملون ترتب الضرر البليغ عليه وإن كان احتمالاً ضعيفا وليس ذلك منهم إلّا اعتداداً بخطورة المحتمَل ومن هنا علَّلت الآية الكريمة ضرورة التثبت بقوله تعالى: { تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } فإصابة قومٍ أبرياء واضحٌ أنّها ليست لازماً لا ينفكّ عن خبر الفاسق لكنّها تصلح مقتضياً لضرورة التثبت من جهة خطورة الأثر المترتب عليها لو وقَعَت.

2- منهج نقد المضمون

قال تعال: " الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ " (الزمر:18).

وهذا هو المنهج الآخر المعتَمَد قرآنيا في مواجهة الشائعات وهو يقوم على أساس نقد مضمون الخبر بالفحص عن وجود التهافت فيه او وجود ما يمنع من صحّته عقلاً او نقلاً او وجود قرائن تُضعِّف النسبة الاحتماليّة لصدقه، بل صريح الآية الذهاب الى أبعد من ذلك حيث جعلت المعيار في الأخذ بالمضمون تمييزه الى قبيحٍ وحَسَنٍ وأحسَن، وأنّ الذي ينبغي الأخذ به واشاعته هو خصوص القسم الثالث فالله تعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا " نُقّاداً في الدين يميزون بين الحَسَن والأحسَن "(8).

 ومن المعلوم أن الحُسن في القول غير موقوف على مادته في نفسها فقط بل يدخل في ذلك الأثر والغرض الذي يبتغيه القائل وهو ما يعرف بالحسن الفاعلي فهو دخيل في صدق الحسن على اشاعة المضمون ولعله الى هذه النكتة أشار تعالى في قوله " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً " (البقرة: 83) بتقريب أنّ (حُسناً) جاءت بضمّ أوَّلها بدلاً من فتحه للدلالة على المبالغة، وهذا المنهج يتكامل مع منهج نقد المصادر وليس في قباله.

3- ضرورة الرجوع الى أهل العلم والخبرة

قال تعالى: " وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا " (النساء: 83).

فالرجوع الى أصحاب العلم والمعرفة فضلاً عن كونه ضرورة عقلية من جهة حكم العقل بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم هو أيضا يمثل ضمانة لتحصين المجتمع من الانسياق وراء كل شاردة وواردة من الاشاعات التي تعصف بالناس، وذلك من حيث أن أهل العلم يمثلون جهة قادرة على التعامل مع هذه الأخبار من جهة امتلاكهم الادوات العلميّة والمعرفيّة اللازمة لتفكيك المضمون ونقد المصادر.

4- ضرورة ردع مثيري الإشاعات في المجتمع

وهذا إجراءٌ تدبيري يعالجُ الإشاعة من خلال تجفيف منابعها في ضوء مجموعة تدابير إجرائية يُلقى بعضها على عاتق السلطات الرسميّة المعنيّة بحفظ مصالح المجتمع العامّة كتعزير من يعمل على ابتداع الاشاعات وافشائها مع مراعاة ظرفها وحجم تداعياتها وما تقتضيه المصلحة العامّة، بينما يكون بعضها الآخر من تكاليف عامّة أفراد المجتمع كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مراتبه الدنيا التي لا تتطلب إذناً من الحاكم الشرعي، وعموماً من الاجراءات التي ذكرها القرآن الكريم في هذا الصدد:

  • بما أنّ الإشاعة كَذِب وبهتان لا واقع له، يُراد به السوء بالمجتمع فلا شكّ في كون النهي عنها من مصاديق النهي عن المنكر الذي هو واجب على جميع أفراد المجتمع بشرطه وشروطه، قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" (آل عمران:110).
  •  ومن التدابير التي تُناط بعامّة المجتمع ضرورة عدم الاهتمام بآراء مثيري الاشاعات والإعراض عنهم قال تعالى في صفة المؤمنين: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ " (القصص:55)، إذ من معاني اللغو: الكلام الباطل (9).

هذا ما اقتضاه المقام بإيجازٍ، ويمكن القول أنّها مفاتيح يمكن الانطلاق منها لبحث القضيّة بحثاً موسعاً لمن يجد في نفسه ما يلزم لذلك والله تعالى وليّ التوفيق والحمد لله رب العالمين.


الهوامش

  1. ظ: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة:1/503.
  2. معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار:2/ 1257.
  3. الميزان في تفسير القرآن: 15/ 92.
  4. البيان في تفسير القرآن:9/278 حكاه عن الفراء.
  5. ظ: مفاهيم القرآن، الشيخ السبحاني:5/449.
  6. ظ: مجمع البيان:9/221.
  7. الميزان في تفسير القرآن:18/311.
  8. جوامع الجامع:3/214.
  9. ظ: العين، الخليل الفراهيدي:4/449.

 

2021/11/29

تاريخ حافل بالصراع: لماذا يهتم القرآن بـ ’بني إسرائيل’؟

من الواضح أن الحكاية عن بني إسرائيل احتلت النصيب الأكبر من مجمل ما حكاه القرآن عن الأمم السابقة.

[اشترك]

ويبدو أن السبب في ذلك هو تاريخهم الحافل بالمواقف والأحداث مع الأنبياء السابقين، حيث مثلت تلك المواقف والأحداث أفضل الصور لصراع الحق مع الباطل، ولذا فصلها القرآن لتكون عبرة لأولي الألباب، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ).

 فقد خص الله بني إسرائيل بميراث الأنبياء وفضلهم على العالمين، قال تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، حيث يعود نسبهم إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام) أبو الأنبياء، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ).

فلم يكونوا مجرد أمة من الأمم التي مضت في التاريخ، حيث خصهم الله بما لم يخص به غيرهم، ففيهم بعث الأنبياء وإليهم نزلت كتب السماء، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) ومن المفترض على بني إسرائيل تحمل المسؤولية وحفظ هذا الإرث وصيانته.

 وقد نبههم الله كثيراً على هذا الفضل وما خصهم به من النعم، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) حيث أكدت الآية على أن بني إسرائيل كان لهم من المميزات ما تفضلهم على بقية الأمم والمجتمعات في تلك الفترة التاريخية، ومن الواضح أن كلمة عالمين في الآية لا تعني أفضليتهم على جميع البشرية منذ آدم إلى قيام يوم الدين، وإنما كان ذلك بالمقارنة مع من كان معهم في تلك الفترة التاريخية، وما يؤكد ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) فاختيارهم لا يكون إلا بمقارنتهم مع من هم معهم، أي أن الخيار وقع عليهم من بين المجموعات البشرية الأخرى، وقد نجد هذه الإشارة أيضاً في قوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) أي أن الله جعلها مباركة لهذه المجموعة التي هاجرت إليها.

وعليه فإن هناك عناية خاصة ببني إسرائيل وأنهم الأمة المرشحة لحمل رسالات الله، ومن الطبيعي حينها أن نفهم توالى الحساب والعقاب بمقدار توالي تلك النعم، فبمقدار ما خصهم الله به من النعم يكون حسابهم وعقابهم، فالمراقبة على مثل هذه الأمة تكون لصيقة ومباشرة، فمن جهة يرسل الله إليهم الأنبياء وينزل عليهم النعم، ومن جهة أخرى يبتليهم بالعذاب والعقاب في حالة انحرافهم عما أراده الله منهم، فالمعادلة الخاصة ببني إسرائيل هي توالي النعم إذا تم حفظها وشكرها، ونزول العذاب في الدنيا والآخرة إذا تم جحدها والكفر بها، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ - وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ - وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ)

والذي حدث أن بني إسرائيل آمن منهم القليل وكفر منهم الكثير، فكان منهم البغض والعداء لأهل الإيمان، وقتل الأنبياء والرسل، وتحريف كلام الله، ونشر الفتنة والفساد في الأرض، واشتهارهم بنقض العهود والمواثيق، ومن أجل كل ذلك استحقوا العذاب، فالله حريص على هدايتهم وتطهيرهم من درن الذنوب، إلا أن كفرهم وتمردهم على أمر الله لم يدع لهم مجال للعفو والمسامحة، و قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) مع ذلك لم يعذب الله بني إسرائيل بعذاب يستأصلهم كما حصل مع قوم نوح عاد وثمود. قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى).

وعليه كل ما نعرفه أن الله أنزل بعض أنواع العذاب على بني إسرائيل بما استحقوه من أفعال، وما لا يمكن معرفته لماذا يعذب الله في الدنيا على ذنوب لا يعذب بها آخرين؟ أو لماذا لا يكون العذاب متشابه إذا كانت الذنوب متشابهة؟ وليس بمقدورنا الاقتراح أو التقدير لما يجب أن يكون، فالإنسان مهما بلغ من العلم يظل جاهلاً بحقائق الأمور وعللها وغاياتها، فما نسلم به هو أن الله أعلم بحال خلقه، وهو العادل الذي لا يظلم أحد من رعيته، وهو الحكيم الذي ليس في فعل عبث، ومن لم يتم حسابه وعقابه في الدنيا فإن الحساب ينتظره في الآخرة، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).

2021/11/13

​ما حقيقة خلق ’حواء’ من ضلع ’آدم’؟!

يعتقد كثيرون أن (حواء) قد خلقت من ضلع من أضلاع (آدم)، بل من الضلع الأيسر لآدم، فهل هذا صحيح؟

[اشترك]

إن الرأي الراجح عند شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هو أن حواء خلقت من طينة آدم (عليه السلام) وقد رووا عن أئمتهم الكثير من الروايات التي تثبت ذلك، وقد خالفهم في ذلك أهل السنة حيث أطبقت أحاديثهم على خلق حواء من ضلع آدم (عليه السلام)، والذي سبب إشكالا عند بعض الشيعة هو وجود بعض المرويات عن أهل البيت (عليهم السلام) تتفق مع مرويات أهل السنة، مما يؤكد وجود تعارض بين الروايات المثبتة والروايات النافية، ومن هنا نحن نؤكد وجود طائفتين من الروايات. 

الطائفة الأولى: هي الروايات التي تؤكد على أن أمنا حواء خلقت من الطينة التي خلق منها أبونا آدم (عليه السلام) وتمتاز هذه الطائفة من الروايات بعدة ميزات: 

1- كثرة مروياتها، فهي أكثر من المرويات المخالفة لها، وأكثر اعتبارا منها. 

2-  في هذه الروايات الأخبار الصحيحة والعالية المضامين.  

3- هذه الروايات ناظرة في بعضها لتكذيب ما جاء في الروايات المثبتة. 

ومن أخبار هذه الطائفة، ما رواه العياشي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر (ع): من أي شي‏ء خلق الله حواء؟ فقال: أي شي‏ء يقول هذا الخلق؟ قلت: يقولون إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم، فقال: كذبوا، كان يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟! فقلت: جعلت فداك يا ابن رسول الله، من أي شي‏ء خلقها؟ فقال أخبرني أبي عن آبائه (ع) قال قال رسول الله: إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه، وكلتا يديه يمين، فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء. 

وفي رواية من لا يحضره الفقيه عن زرارة بن أعين أنه قال سئل أبو عبد الله (ع) عن خلق حواء، وقيل له: إن أناسا عندنا يقولون: إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، أيقول من يقول هذا إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه.. 

الطائفة الثانية: وهي الروايات التي تثبت خلق حواء من ضلع آدم (عليه السلام)، وأخبار هذه الطائفة أقل من أخبار الطائفة الأولى، وإن كان بعضها صحيحا وبعضها الآخر مرسلا وضعيفا، ومن روايات هذا الباب، ما رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) ، أن علي بن أبي طالب (ع) كان يورث الخنثى فيعد أضلاعه ؛ فإن كانت أضلاعه ناقصة من أضلاع النساء بضلع ، ورث ميراث الرجل ؛ لأن الرجل تنقص أضلاعه عن ضلع النساء بضلع ؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم (ع) القصوى اليسرى فنقص من أضلاعه ضلع واحد. 

ومن المعروف في حالة التعارض بين المرويات يعمل على جمعها ما أمكن وإلا تم ترجيح أحدها على الأخرى، وقد حمل العلماء الروايات المثبتة لخلق حواء من ضلع آدم على التقية لكونها موافقة لروايات المخالفين، وما يشهد على ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام) في صحيحة زرارة قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن خلق حواء، وقيل له: إن أناسا عندنا يقولون أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى... فقال (عليه السلام): إذن آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم.. ففي الرواية تعريض بمن يقول أن حواء خلقت من ضلع آدم، ومن هنا تحمل الروايات الموافقة لهم على التقية. 

 وقال العلامة المجلسي بعد ذكره للروايات المثبتة: فالأخبار السابقة إما محمولة على التقية، أو على أنها خلقت من طينة ضلع من أضلاعه. وما ذهب إليه العلامة المجلسي من توجيه أخذه عن نص الرواية الواردة في علل الشرائع التي تقول: من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر، وعليه تكون حواء قد خلقت من طينة الضلع وليس من ذات الضلع. 

وقال السيد نعمة الله الجزائري في قصص الأنبياء، وما ورد من أنه خلق من ضلع من أضلاعه وهو الضلع الأيسر القصير، محمول على التقية، أو على التأويل، أو بأن يراد أن الطينة التي قررها الله سبحانه لذلك الضلع، خلق منها حواء لأنها خلقت منه بعد خلقه.

وقال الشيخ الصدوق: إن حواء خلقت من فضلة الطينة التي خلق منها آدم (ع)، وكانت تلك الطينة مبقاة من طينة أضلاعه، لا أنها خلقت من ضلعه بعد ما أكمل خلقه فأخذ ضلع من أضلاعه اليسرى فخلقت منها. 

وفي المحصلة هناك ترجيح للروايات التي تنفي خلق حواء من ضلع آدم، لكونها أكثر وأقوى ومخالفة لمرويات المخالفين.

2021/11/10

آيات تؤكد الحساب يوم القيامة وأخرى تنفيه.. كيف نوفّق بينهما؟

كتب الشيخ محمد هادي معرفة:

والوزن يومئذ الحق

قال تعالى: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) وقال:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) وقال:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) وقال: (... وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ...).

[اشترك]

هذا مع قوله تعالى بشأن المؤمنين:( ... فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقوله:( ... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقوله بشأن الكافرين:(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).

 فكيف يمكن التوفيق بين هذه الآيات فهل ثمة ما ينفي المحاسبة وموازنة الأعمال؟

ليس في القرآن ما ينفي المحاسبة وموازنة الأعمال، والآيات المُستَند إليها إنّما تعني شيئاً آخر وهو: الرزق والأجر بما يَفوق الحساب، وكذا الذي حَبِطت أعماله، لا وزن له عند اللّه ولا مِقدار.

قال الطبرسي ـ عند قوله تعالى: (... وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) 1: فيه أقوال:

أحدهما: أنّ معناه يُعطيهم الكثير الواسع الذي لا يَدخله الحساب مِن كثرته.

ثانيهما: أنّه تعالى لا يَرزق الناس في الدنيا على مقابلة أعمالهم وإيمانهم وكفرهم، وكذا في الآخرة لا يُثيبهم على قَدَرِ أعمالهم بل يَزيدهم فضلاً منه وإنعاماً.

ثالثها: أنّه تعالى يُعطي العطاء لا يؤاخذه عليه أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطلب عليه جزاءً ولا مُكافأة.

رابعها: أنّه يعطي العدد من الشيء الذي لا يُضبط بالحساب ولا يأتي عليه العَدَد؛ لأنّ ما يَقدر عليه غير متناهٍ ولا محصور، فهو يُعطي الشيء لا مِن عدد أكثر منه فينقص منه، كمَن يُعطي الألف من الألفين، والعشرة من المِئة، قاله قطرب.

خامسها: أنّ معناه يُعطي أهل الجنّة ما لا يَتناهى ولا يأتي عليه الحساب.

ثمّ قال رحمه اللّه: وكلّ هذه الوجوه جائز حسن 2.

وقال الزمخشري ـ في تفسير قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا )3: (ضلّ سعيهم) ضاع وبطل... وعن أبي سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمالٍ يوم القيامة، هي عندهم في العِظَم كجبالِ تَهامة، فإذا وَزَنوها لم تَزن شيئاً،( ... فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) 4 فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ولا مِقدار 5.

وقال الطبرسي: أي لا قيمة لهم عندنا ولا كرامة، ولا نعتدّ بهم، بل نستخفّ بهم ونُعاقبهم، تقول العرب: ما لفلانٍ عندنا وزن أي قَدر ومَنزلة، ويُوصف الجاهل بأنّه لا وزن له؛ لخفّته بسرعة بطشه وقلة تثبّته، ورُوي في الصحيح: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال: (إنّه ليأتي الرجلُ العظيمُ السَّمين يومَ القيامة لا يَزن جَناح بعوضة) 6.

قال العلامة الطباطبائي: والوزن هنا هو الثِقل في العمل في مقابلة الخِفّة في العمل، وربّما تبلغ إلى مرتبة فَقْدِ الوزن رأساً.

وقال ـ في قوله تعالى:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ... ) 7: المراد أنّ الوزن الذي تُوزن به الأعمال يومئذٍ إنّما هو الحقّ. فبقَدَر اشتمال العمل على الحقّ يكون اعتباره وقيمته، والحسنات مُشتملة على الحقّ، فلها ثِقل، كما أن السيّئات ليست إلاّ باطلة فلا ثِقل لها، واللّه سبحانه يَزن الأعمال يومئذٍ بالحقّ، فما اشتمل عليه العمل مِن الحقّ فهو وزنه وثِقله 8.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 212، الصفحة: 33.

2. مجمع البيان، ج2، ص305 ـ 306.

3. القران الكريم: سورة الكهف (18)، الآيات: 103 - 106، الصفحة: 304.

4. القران الكريم: سورة الكهف (18)، الآية: 105، الصفحة: 304.

5. الكشّاف، ج2، ص749.

6. مجمع البيان، ج6، ص497.

7. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 8، الصفحة: 151.

8. الميزان للطباطبائي، ج8، ص8 ـ9.

المصدر: شُبُهَات و ردود حول القرآن الكريم

2021/11/07

ما حقيقة رفع ’النبي عيسى’ إلى السماء.. وما علاقتها بـ ’غيبة الإمام المهدي’؟

قال تعالى: (إِذ قالَ اللَّه يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَومِ القِيامَةِ).

[اشترك]

هل معنى الآيةِ الكريمةِ أنّ اللهَ تعالى رفعَ عيسى (عليه السّلام) إلى السّماء؟ وهل هيَ صورة أخرى مِن صورِ غيبةِ المعصوم، فتنطبقُ على غيبةِ إمامِنا المهدي (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَه)؟ 

إن معنى الآيةِ الكريمةِ هوَ أخذُ النبيّ عيسى (عليه السّلام) مِن عالمِ الأرضِ ومِن بينِ الناسِ، وحِفظه عن مكرِ اليهود، مِن دونِ أن ينالوا منهُ شيئاً حتّى زمانِ عودتِه إلى الأرض، ورفعِه عالياً ـ وهوَ أعمُّ منَ العلوّ المعنويّ كشرفِ المنزلةِ والفضيلة، والعلوِّ المحسوسِ الظاهريّ إلى السماءِ كما في الأجسامِ الخارجيّة ِإذا أُعليَت عَن مقرِّها ـ، وتطهيرُه مِن رجسِ الكافرينَ وكفرِهم، وابتعادِه عن مُخالطتِهم ومكائدِهم وعن مجتمعٍ استولت عليهِ كلُّ رذيلةٍ وكُفرٍ وجحود، ووعدُه وتبشيرُه وتبشيرُ أتباعِه الذينَ آمنوا به واهتدوا بهديهِ بالخيرِ والتفوّقِ على الذينَ كفروا. [ينظر: مواهبُ الرّحمن ج5 ص387ـ392]. 

ومنَ الواضحِ أنّ صعودَ النبيّ عيسى (عليه السّلام) إلى السماءِ حيّاً هوَ الغيبةُ بعينِها، فإنّ رفعَه يعني أنّ عيسى (عليهِ السّلام) حيّ  محجوب  عن الناسِ كما هو الحالُ في غيبةِ إمامِنا الحُجّةِ المُنتظر (عجّلَ اللهُ فرجَه الشريف).. غايةُ الأمر، أنّ غيبةَ النبيّ عيسى (عليه السّلام) بأخذِه للسّماءِ وانقطاعِه عن الناس، بينما غيبةُ وليّنا المُنتظر (سلامُ اللهِ عليه) هيَ غيبةُ العنوانِ لا غيبةُ الشخص، فهوَ موجود  بينَ الناسِ لكنّهم لا يعرفونَ أنّه الإمامُ (عليهِ السلّام)، وفي دعاءِ الندبة: «بِنَفسِي أَنتَ مِن مُغَيَّبٍ لَم يَخلُ مِنّا، بِنَفسِي أَنتَ مِن نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا». 

ثمّ هناكَ جهة  أخرى في حياةِ النبيّ عيسى (عليهِ السّلام) مرتبطة  بالغيبة، وهي سياحتُه في الأرض، وقد نبّهَ عليها الشيخُ الصّدوقُ في [كمالِ الدينِ ص160] بقوله: (وكانَت للمسيحِ (عليه السّلام) غيبات  يسيحُ فيها في الأرضِ، فلا يعرفُ قومُه وشيعتُه خبرَه، ثمّ ظهرَ فأوصى إلى شمعونَ بنِ حمون (عليهِ السّلام)، فلمّا مضى شمعونُ غابَت الحُججُ بعدَه واشتدَّت الطلب، وعظمَت البلوى، ودرسَ الدينُ، وضُيّعَت الحقوق، وأميتَت الفروضُ والسُّنن، وذهبَ الناسُ يميناً وشمالاً لا يعرفونَ أيّاً مِن أي، فكانَت الغيبةُ مائتينِ و خمسينَ سنة).

2021/11/06

هل يعلم الشيطان بأفكار ونوايا الإنسان؟!

لا إشكال في أنّ الشيطان قريب جداً من الإنسان، وهو يجري منه مجرى الدم، كما ثبت بطريق معتبر في [الكافي ج2 ص440]، فهو ملازم للإنسان ويوسوس له ويلقي في روعه الخواطر ويدفعه نحو ارتكاب المعاصي والآثام، كما هو واضح.

[اشترك]

بل الشيطان يثبّط الإنسان إذا أراد امتثال طاعة، كما يشجّعه إذا أراد ارتكاب معصية، فقد روى الكلينيّ في [الكافي ج2 ص267] عن أبي عبد الله (عليه السلام): « إنّ للقلب أذنين، فإذا همّ العبد بذنب قال له روح الإيمان: لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل»، وفي بعض الأدعية عند ذكر الشيطان: « إِنْ هَمَمْتُ بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنِي، وَإِنْ هَمَمْتُ بِصَالِحٍ ثَبَّطَنِي » [مصباح المتهجد ص560]، والهمّ بالشيء هو حديث النفس بفعله، فهو على نحو الخواطر والنوايا، فقد يستفاد من ذلك اطلاع الشيطان على خواطر ونوايا الإنسان؛ لأن تشجيعه على المعاصي وتثبيطه عن الطاعات فرع اطلاعه على إرادة الإنسان ونيته لارتكاب المعصية أو الطاعة.

قال المحقّق النراقيّ في [جامع السعادات ص113]: «لا ريب في أنّ أكثر القلوب قد فتحها جنود الشياطين وملكوها، ويتصرّفون فيها بضروب الوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآجلة، والسرّ فيه: أنّ سلطنة الشيطان سارية في لحم الإنسان ودمه ومحيطة بمجامع قلبه وبده، كما أن الشهوات ممتزجة بجميع ذلك، ومن هنا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم»، وقال الله سبحانه حكاية عن لسان اللعين: "لأقعدنّ لهم صراطَك المستقيم * ثم لاتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم"»، وقال أيضاً: « فالأبواب المفتوحة للشيطان إلى القلب كثيرة».

وقال السيّد الطباطبائيّ في [تفسير الميزان ج8 ص44]: «وإن لإبليس أعواناً من الجن والإنس وذرية مختلفي الأنواع يجرون بأمره إياهم أن يتصرفوا في جميع ما يرتبط به الانسان من الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحق، وتزيين القبيح في صورة الحسن الجميل.

وهم يتصرفون في قلب الانسان وفي بدنه وفي سائر شؤون الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرفات مختلفة اجتماعاً وانفراداً، وسرعة وبطؤاً، وبلا واسطة ومع الواسطة، والواسطة ربما كانت خيراً أو شراً، وطاعة أو معصية.

ولا يشعر الانسان في شيء من ذلك بهم ولا أعمالهم بل لا يشعر إلا بنفسه، ولا يقع بصره إلا بعمله، فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الانسان ولا، ذواتهم وأعيانهم في عرض وجود الانسان، غير أن الله سبحانه أخبرنا أن إبليس من الجن وأنهم مخلوقون من النار، وكان أول وجوده وآخره مختلفان».

2021/10/27

هل تحدّث القرآن الكريم عن «عذاب القبر»؟!

عذاب القبر هو مما تسالم عليه المسلمون جميعهم، والأدلة عليه من القرآن والسنة أكثر من أن تحصى، وهذه بعض الأدلة القرآنية كما طلبتِ:

[اشترك]

1- يقول تعالى في سورة غافر الآية (46) عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) .

فالآية صريحة وهي تتحدث عن عذابين: عذاب قبل يوم القيامة وعذاب في يوم القيامة، والعذاب الذي قبل يوم القيامة هو الذي يصطلح عليه بعذاب القبر أو عذاب البرزخ.

2- وفي سورة البروج الآية (10) يتحدث سبحانه عن أصحاب الأخدود فيقول: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) (البروج:10).

وهنا الآية صريحة أيضا في الحديث عن عذابين: عذاب جهنم، وعذاب الحريق، ومن المعلوم أن عذاب جهنم هو عذاب الآخرة، ويبقى عذاب الحريق هو عذاب البرزخ أو ما يسمى بعذاب القبر.

3- وفي سورة ال عمران الآية (169) وما بعدها يحدّثنا سبحانه وتعالى عن الشهداء فيقول: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (عمران:169- 170).

فهذه الآيات صريحة في نعيم البرزخ، لأنها تتحدث عن مرحلة لا يمكن أن يكون المراد بها يوم القيامة؛ لأنه في يوم القيامة لا يوجد هناك من ننتظره للحضور فالكل سيحشر وينتقل إلى الدار الآخرة، ولا يوجد من يبقى ورائنا حتى ننتظره ونتمنى لحوقه بنا، فالآية صريحة في الدلالة على عالم البرزخ أو عذاب القبر ونعيمه.

2021/10/23

لا تجعلها تمر مرّ السحاب.. كيف تغتنم فرص ’الفوز’؟

تضييع الفرص

يقول تعالى في سورة “هود”: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).

[اشترك]

لقد كان هناك فرصة لنجاة هذا الولد الذي لم يكن باراً بأبيه، ولم يكن مطيعاً لربه، فكان من المغرقين! هذه الآية يُضرب بها المثل في تفويت الفرص، وقضية الفرص مسألة مهمة في حياة الإنسان، فكم يأتيه من فرص الفوز والنجاة والربح، ولكنه لا يغتنمها!

الفرص في الحياة

أولاً: فرصة الفراغ قبل الشغل: إن الشاب المتزوج حديثاً هو في أفضل أوقات العمر: لأن الإنسان الأعزب يعيش حالة من حالات الشهوة التي لا تُطفأ؛ أي إثارة من دون إشباع.. والمتزوج الذي له أولاد؛ هذا إنسان مشغول بأولاده.. أما المتزوج الفارغ الذي له: زوجة مطيعة، ورزق يكفيه؛ فهذه فرصة العمر بالنسبة له، والذي لا يغتنمها يفوّت على نفسه الفرصة!

ثانياً: الفرص المكانية والزمانية: الفرص المكانية: إن الإنسان الذي يذهب إلى العمرة -مثلاً- والساعة التي يمكن أن يمضيها في الطواف، أو في الصلاة عند الكعبة؛ ويفوتها بالنوم الطويل، أو بالجلوس مع أصدقائه، أو بالأكل المتواصل؛ هذا تفويت لهذه الفرصة المكانية! لذا بعض من يذهب إلى العمرة أو الحج؛ يبقى على ما هو عليه!

الفرص الزمانية: هناك تفويت للفرصة الزمانية، ومثاله شهر رمضان الذي كل نفس فيه تسبيح، وكل لحظة فيه يكون الإنسان في ضيافة الله عز وجل.. ومع ذلك هناك من لا يستغل هذه الفرصة!

ثالثاً: الفرصة الحالتية: يقول العلماء: إذا جاءتك حالة الرقة لا تقطعها باختيارك، دعها تزول تدريجياً.. فهذه الحالة من الطبيعي أنها ستزول، ولن تبقى مع الإنسان؛ هي عبارة عن منحة لمدة ساعة أو نصف ساعة، وبعض الأوقات لمدة دقائق فقط ثم تذهب.. إذا ذهبت الرقة عندئذ يقوم الإنسان من مكانه، وإلا عليه البقاء على ما هو عليه! فمثلاً:

1. إن الإنسان الذي يُقيم الليل وهو مقبل، هذه فرصة من فرص العمر، فإن قطع هو بنفسه إقباله؛ هذا تفويت لهذه الفرصة.

2. إن الإنسان الذي يذهب إلى المسجد، ويصلي المغرب وهو مدبر، ويصلي العشاء وهو مدبر أيضاً؛ ولكن عند صلاة الوتيرة كان مقبلاً، هنا عليه ألا يقطع الحالة باختياره؛ هذه منحة إلهية، طالما كان ينتظرها، عليه أن يغتنم فرصة الإقبال هذه التي أتته بلا احتساب!

3. إن جاءت الرقة للإنسان وهو في الركوع، عليه أن يطيل الركوع؛ لأنه من الممكن أن تذهب هذه الحالة عندما يذهب إلى السجود.. وإن جاءت الرقة في القنوت؛ عليه أن يطيل قنوته؛ كي لا يكون سبباً في سرعة ذهاب هذه الفرصة!

اغتنام الفرص

1. عن النبي الأعظم (ص): (مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخَيْرِ فَلْيَنْتَهِزْهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ).. عندما يُفتح باب الفرصة للإنسان، عليه أن يغتنمها؛ لأنها منح إلهية!

2. عن الإمام علي (عليه السلام): (انتهزوا فُرص الخير؛ فإنّها تمرّ مرّ السحاب).. فكما أن هناك غضباً تراكمياً: أي أن الإنسان قد يرتكب ذنباً واحداً، فلا ينزل عليه العذاب؛ ولكن بعد أن يصل إلى الذنب الرابع أو الخامس؛ تهبط درجة الميزان، فيحلل عليه الغضب، يقول تعالى: (وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).. هنالك أيضاً منح تراكمية: قد يقوم الإنسان بعمل صالح عشرات المرات، فلا يُعطى جائزة؛ ولكنه يقوم بعمل صالح آخر؛ فيُعطى منحة الإقبال! هذه فرصة رب العالمين لم يعطه إياها إلا بعد عشرات الأعمال الصالحة؛ لذا عليه أن يغتنمها!

3. عن الإمام المجتبى (عليه السلام): (يا ابن آدم!.. إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يديك.. فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع)!

ـ (إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك).. أكبر الناس سناً هو الرضيع؛ لأن الفرصة أمامه طويلة.. وكلما تقدم في العمر، يقلّ عمره لا يكبر! والمؤمن له في ختام كل ليلة حالة من حالات الحزن -إن كان يلتفت- لأنه كل يوم يقترب خطوة إلى القبر أكثر فأكثر!

ـ (فجد بما في يديك).. هذه عبارة جميلة، إذا أراد الإنسان أن يستمتع استمتاعاً محرماً أو استمتاعاً يشغله عن عبادة، كأن يُؤذَّن لصلاة الظهر، والإنسان مشغول بطبق شهي، أو في جلسة ساهية لاهية؛ عليه أن يجعل هذه الرواية أمامه دائماً وأبداً، ولا بأس أن تكتب هذه الرواية في غرفة الطعام، لتكون مذكرة!

ـ (فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع).. فرق بين التمتع والتزود: فالإنسان الذي يذهب إلى محطة البنزين، ويتزود بالوقود؛ فإنه يُكمل سيره، لا ليقف في مكانه، ويشتغل بالأكل والشرب، وهو في ذلك المكان.. المؤمن هكذا يتزود: فنومه هو زاد لآخرته، لأنه إذا لم ينم لن يستيقظ نشطاً لصلاة الليل.. بعض الناس ينام مبكراً لا لأجل الصحة والعافية فقط، فمن موجبات العافية؛ النوم المبكر، ولكنه يخشى إن نام متأخراً ألا يستيقظ لصلاة لليل، ولو استيقظ فإنه يخاف أن يتكلم وهو من غير وعي، فلا يُعطي صلاة الليل حقها؛ هذا شعار المؤمن في كل تقلباته!

4. عن الإمام علي (عليه السلام): (بادر الفرصة، قبل أن تكون غصة).. هناك أنواع من العذاب في القبر، ومن أشد أنواع عذاب القبر على ما يُفهم من بعض القضايا: هو الحزن على ما فات الإنسان من الفرص، وتضييع العمر، حتى لو بالحلال، لأنه كان بإمكان الإنسان أن يتزود لآخرته، ولكنه اشتغل بالمباح عن المستحب، يقول تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).

 

2021/10/12

ولهم عذاب أليم.. هل يتعمّد القرآن تخويفنا؟!

إن جوهر القرآن وحقيقته شيء آخر غير البشارة والإنذار، وما فيه من آيات النار إنما هي نتاج لموقف الإنسان مما جاء في القرآن من معارف وحقائق.

[اشترك]

وعليه فإن القرآن في جوهره هو دعوة للإنسان للعروج في مدارج الكمال من خلال الحقائق والمعاني السامية التي جاءت في آياته، ومن يخالف ذلك ويسير على غير هدى القرآن يكون مصيره النار، فالأصل في القرآن هو ما فيه من معارف وحقائق، أما النار فهي نتاج طبيعي لموقف الإنسان، ومن هنا يمكننا القول إن آيات البشارة والنذارة تشكل حافزاً للإنسان ليتمسك أكثر بما في القرآن من حقائق ومعارف، ولتقريب الصورة يمكننا أن نضرب مثلاً (بالمدارس) التي أسست للتعليم والارتقاء بالإنسان معرفياً، فمع أن رسالة المدارس هو التعليم إلا أن ذلك قد يستتبع مكافئة المجدين ومعاقبة المهملين، ولا يمكن حينها تجاهل الهدف الجوهري للمدارس والتمسك بما فيها من عقاب، وهكذا الحال في آيات العذاب في القرآن إنما جاءت لإقامة الحجة على الإنسان وحتى لا يغفل عن المصير الذي ينتظره إذا لم يبني حياته على الحق والهدى، قال تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).

ومن جهة أخرى لا يمكن إهمال ما جاء في آيات القرآن من ترغيب في رضوان الله وجناته وما ينتظر المؤمن من نعيم أبدى، والإنسان المؤمن هو الذي يتوقع رحمة الله ويرجو فضله فلا تكون آيات النار في نظره إلا محفزات تدعوه للاجتهاد أكثر في طريق الحق، أما الذي يسيء الظن بالله ولا يتوقع منه إلا العذاب فإن ظنه هذا هو الذي يرديه في نار جهنم، قال تعالى: (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) وقال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وقد جاء في الأخبار والروايات ما يدعو إلى حسن الظن برضوان الله ونعيمه، وقد جمع بعضها في كتاب ميزان الحكمة (ج2، ص 1788) وهي كالتالي:

عن الإمام الرضا (عليه السلام): أحسن الظن بالله، فإن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي لا إله إلا هو، لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لأن الله كريم بيده الخيرات، يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه.

وعنه (صلى الله عليه وآله): لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه بالله عز وجل، فإن حسن الظن بالله عز وجل ثمن الجنة.

وعن الإمام علي (عليه السلام): من حسن ظنه بالله فاز بالجنة، من حسن ظنه بالدنيا تمكنت منه المحنة.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): حسن الظن بالله من عبادة الله.

وعنه (صلى الله عليه وآله): ليس من عبد يظن بالله عز وجل خيرا إلا كان عند ظنه به، وذلك قوله عز وجل: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين).

وعنه (صلى الله عليه وآله): رأيت رجلا من أمتي على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فمسكت رعدته.

 وفي الخلاصة: إن القرآن الذي دعانا للحق من الطبيعي أن يبين جزاء من يقبل الحق ومن لا يقبله وآيات الجنة والنار من هذا القبيل، فالذي يحسن ظنه بالله ويجتهد في مرضاته فإن مصيره الجنة برحمة الله تعالى.

2021/09/30

وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم.. لماذا ذُكرت ’الزهراء’ بصيغة الجمع في آية ’المباهلة’؟

لماذا النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآلِه في يومِ المُباهلةِ ذكرَ الزّهراءَ بصيغةِ الجمعِ (نساءنا)؟

[اشترك]

لم يذكُر النّبيُّ يومَ المباهلةِ السّيّدةَ الزّهراءَ بنسائِنا وإنّما جاءَت هذهِ اللّفظةُ في الآيةِ التي طلبَ اللهُ فيها منَ النّبيّ مباهلةَ النّصارى، وهيَ الآيةُ 61 مِن سورةِ آلِ عمران، وهيَ قوله تعالى: (فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ) فعندَما جاءَ النّبيُّ لموعدِ المباهلةِ اصطحب معَه الإمامَ عليّاً والسّيّدةَ فاطمةَ الزّهراء والحسنَ والحُسينَ (عليهم السّلام) ولم يأتِ كما كانَ متوقّعاً بأبناءِ ونساءِ المُسلمين، وإنّما اكتفى بالحسنِ والحُسينِ (عليهم السّلام) منَ الأبناءِ، ومنَ النّساءِ بالسّيّدةِ الزّهراءِ (عليها السّلام)، وبالإمامِ عليٍّ (عليه السّلام) في منزلةِ أنفسِنا، ولا خلافَ بين الأمّةِ على أنَّ هؤلاءِ الخمسةَ هُم الذينَ جاءوا لمُباهلةِ نصارى نجران، وعندَما رأى النّصارى هذهِ الوجوهَ المُشرقةَ ارتعشوا خوفاً، وسألوا الأسقفَ زعيمَهم: يا أبا حارثةَ، ماذا ترى في الأمرِ؟ فأجابَهم: أرى وجوهاً لو سألَ اللهُ بها أحداً أن يزيلَ جبلاً مِن مكانِه لأزالَه. أفلا تنظرونَ محمّداً رافعاً يديهِ ينظرُ ما تجيبانِ به، وحقِّ المسيحِ إذا نطقَ فوهُ بكلمةٍ لا نرجعُ إلى أهلٍ ولا مال) (الدّرُّ المنثورُ، السّيوطيّ ج2 مِن سورةِ آلِ عمران آية 61)

وقد رَوت المصادرُ الموثوقةُ عندَ أهلِ السّنّةِ هذهِ الحادثةَ مثلِ مسلمٍ والتّرمذي كلاهُما في بابِ فضائلِ عليّ (ع): (عَن سعدٍ بنِ أبي وقّاص قالَ: لما نزلَت هذهِ الآيةُ (قُل تعالوا ندعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءنا..) دعا رسولُ اللهِ (ص) عليّاً وفاطمةَ وحسناً وحسيناً، فقالَ: اللهمَّ هؤلاءِ أهلي) (صحيحُ مسلم ج2 ص360)

وفي المحصّلةِ لم يذكُر رسولُ اللهِ السّيّدةَ فاطمةَ الزّهراء بخطابِ الجمعِ (بنسائِنا) وإنّما أختارَها مِن بينِ النّساءِ ليباهلَ بها نصارى نجران، ولم يُحضِر غيرَها لعدمِ وجودِ مَن هوَ مثلها مِن بينِ النّساء.

المصدر: مركز الرصد العقائدي

2021/08/04

أنفسنا وأنفسكم.. 3 دلالات لآية ’المباهلة’

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) «سورة آل عمران 61»

الآية المباركة التي نزلت في يوم المباهلة لها عدة دلالات:

[اشترك]

الدلالة الأولى: أن هؤلاء الخمسة الذين شكلوا طرف المباهلة هم أفضل الخلق، لأن المباهلة مع دين آخر - كدين النصارى - تتوقف على أن يحضر فيها أقرب الناس إلى الله عز وجل، ولذلك كما ذكر الزمخشري في كشافه، والرازي في تفسيره، والبضاوي والسيوطي وغيرهم، أنه لما باهل رسول الله نصارى نجران خرج بيده الحسن والحسين، وخلفه فاطمة، وخلف فاطمة علي، ولما وقف أمام نصارى نجران قال: إذا دعوتُ فأمّنوا، فلو كان هناك أناس أقرب من هؤلاء إلى الله، أو مثلهم في القرب من الله، لأخرجهم الرسول  في هذا الموقف الخطير موقف المباهلة.

الدلالة الثانية: أن الرسول أراد أن يعلم الأمة درسًا، أن هؤلاء الصفوة هم وسائل الخلق إلى الله عز وجل، فالله عندما يقول: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) فما هي الوسيلة؟! هذه الآية الثانية تحدد لنا الوسيلة التي يتخذها المؤمن في التقرب إلى الله عز وجل، الوسيلة هم الذين قال لهم النبي: إذا دعوتُ فأمنوا، مع أنه أشرف الخلق، ودعاؤه أقرب دعاء إلى الله تبارك وتعالى، فلماذا طلب من علي وفاطمة وحسن وحسين أن يؤمنوا على دعائه؟ أراد أن يقول للأمة: إن الوسيلة التي نادت بها الآية الأخرى - (وابتغوا إليه الوسيلة) - هم هؤلاء، فلا يصح التقرب إلى الله إلا بالتوسل بهؤلاء الصفوة المطهرة الذين قال لهم الرسول المصطفى: إذا دعوتُ فأمّنوا.

الدلالة الثالثة: أراد النبي أن يقول للأمة من خلال هذا الجمع أن هؤلاء الخمسة روّاد لحركة واحدة، حركة تعتمد على دعامتي النبوة والإمامة، هذه الحركة التي تعتمد على دعامتي النبوة والإمامة لكل واحد من الخمسة دورٌ فيها، فدور رسول الله  دور تأسيس الكيان الإسلامي، ودور فاطمة الزهراء  الدفاع عن حق الأمة في الخلافة الراشدة، حيث قالت: ”أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبن بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين“، ودور علي  هو تطبيق وتفعيل أطروحة الدولة الإسلامية، فإن الدولة الإسلامية ما تجسدت بمرافقها من قضاء وشرطة وبيت المال واقتصاد إلا في زمن الإمام علي  كما أجمع عليه سائر المسلمين، وكان دور الحسن الزكي التمهيد لثورة أخيه الحسين، وكان دور الخامس منهم - ألا وهو الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه» - أنه صار مجددًا لهذه الحركة، صائنًا لثغورها، موقظًا للأمة من سباتها، مجددًا إرادتها ويقظتها، في قوله: ”إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر“.

*مقتطف من محاضرة لسماحة آية الله السيد منير الخباز

2021/08/04

سور في المصحف.. عن قصة ’جمع القرآن’ لدى الشيعة

كتب السيد عبد الهادي العلوي:

إنّ البحث حول جمع القرآن الكريم وتأليفه مصحفاً بين دفّتين يكون في مرحلتين:         

المرحلة الأولى: أنّ جمع الآيات وتنظيمها وترتيبها القائم ضمن السور في أعدادها الخاصّة، كما هو الموجود الآن، حصل على عهد الرسالة توقيفيّاً وبنصّ صاحب الشريعة، وهذا ممّا لا خلاف فيه.

[اشترك]

المرحلة الثانية: جمع السور وترتيبها بصورة مصحف مؤلّف بين دفّتين كما هو الآن، هل حصل في عهد الرسالة توقيفاً أم حصل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله؟ فيه خلاف بين علمائنا.

القول الأول: أنّه حصل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله، فإنّ السور كانت مكتملة في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وآياتها وأسماؤها مرتّبة، غير أنّ جمعها بين دفّتين لم يكن قد حصل بعد؛ نظراً لترقّب نزول قرآن على عهده صلى الله عليه وآله، فما دام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السور مصحفاً إلّا بعد الاكتمال وانقطاع الوحي.

وهذا القول ممّا ذهب إليه السيّد الطباطبائيّ، فأفاد: أنّ تأليف القرآن وجمعه مصحفاً واحداً إنّما كان بعدما قُبض النبيّ صلى الله عليه وآله، وأكّد على أنّ ترتيب السور على ما هو عليه الآن شيء حصل بفعل الصحابة وعن اجتهاد منهم، ولم يقبل دعوى التوقيف في ترتيب السور. ينظر: تفسير الميزان ج12 ص124، وج3 ص78. 

وممّن ذهب لهذا القول أيضاً الشيخ محمّد هادي معرفة، وقد أفاض في الكلام حول المسألة مبرهناً على هذا القول. ينظر: التمهيد في علوم القرآن ج1 ص285.

القول الثاني: أنّ القرآن الكريم بنظمه القائم وترتيبه الحاضر كان قد حصل في حياة الرسول صلى الله عليه وآله. وممّن ذهب لهذا الرأي السيّد المرتضى علم الهدى، فأفاد: أنّ القرآن على عهده صلى الله عليه وآل كان مجموعاً مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يُدرَّس ويُحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّى عيّن جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يُعرض على النبيّ صلى الله عليه وآله ويُتلى عليه، وأنّ جماعة من الصحابة ـ مثل عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب وغيرهما ـ ختموا القرآن على النبيّ صلى الله عليه وآله عدّة ختمات. وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث. ينظر: مجمع البيان ج1 ص15.

وممّن ذهب لهذا القول أيضاً السيّد أبو القاسم الخوئيّ. ينظر: البيان في تفسير القرآن ص237 وما بعده.  

2021/06/30