قرآنيات
السماء والأرض والنباتات.. ما حقيقة تسبيح كل الكائنات لله تعالى؟
تذكر الآيات القرآنية المختلفة تسبيح وحمد جميع موجودات عالم الوجود لله تعالى، (...) أنّ جميع الموجودات في العالم، الأرض والسماء، النجوم والفضاء، الأناس والحيوانات وأوراق الشجر، وحتى الذرات الصغيرة، تشترك جميعا في هذا التسبيح والحمد العام.

[اشترك]

يبيّن القرآن الكريم أنّ عالم الوجود قطعة واحدة من التسبيح والحمد، وأنّ كل موجود يؤدي هذا التسبيح ويقوم به بشكل معين ويثني على الباري عزوجل، وأنّ أزيز هذا التسبيح والحمد يملأ عالم الوجود المترامي الأطراف، ولكن الجهلاء لا يستطيعون سماع هذا الأزيز، بعكس المستبصرين المتأملين والعلماء الذين أضاء الله قلوبهم وأرواحهم بنور الإيمان، فإنّ هؤلاء يسمعون هذا الصوت من جميع الجهات بشكل جيّد.

هناك كلام كثير بين العلماء والمفسّرين والفلاسفة حول تفسير حقيقة هذا الحمد والتسبيح، فبعضهم اعتبر الحمد والتسبيح (حالا) والبعض الآخر (قولا)، أمّا خلاصة أقوالهم فهي:

١ ـ البعض يعتقد أنّ جميع ذرات الوجود في هذا العالم لها نوع من الإدراك والشعور، سواء كانت هذه الموجودات عاقلة أو غير عاقلة. وهي تقوم بالتسبيح والحمد في نطاق عالمها الخاص، بالرغم من أنّنا لا نستطيع إدراك ذلك أو الإحساس بهذا الحمد والتسبيح وسماعه. آيات كثيرة تؤكّد هذا المعنى منها الآية رقم (٧٤) من سورة البقرة واصفة الحجارة أو نوع منها: (وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ). ثمّ قوله تعالى في الآية (١١) من سورة فصّلت: (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ).

٢ ـ الكثير يعتقد أنّ هذا التسبيح والحمد هو على شاكلة ما نسميه بـ «لسان الحال» وهو حقيقي غير مجازي إلّا أنّه بلسان الحال وليس بالقول. (تأمّل ذلك).

ولتوضيح ذلك تقول: قد يحدث أن نشاهد آثار عدم الارتياح والألم، وعدم النوم في وجه أو عيني شخص ما ونقول له: بالرغم من أنّك لم تتحدث عن شيء من هذا القبيل، إلّا أن عينيك تقولان بأنّك لم تنم الليلة الماضية، ووجهك يؤكّد بأنّك غير مرتاح ومتألم! وقد يكون لسان الحال من الوضوح بدرجة بحيث أنّه يغطي على لسان القول لو حاول التستر عليها قولا.

وهذا هو المعنى الذي صرّح به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام بقوله : «ما أضمر أحد شيئا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه».

من جانب آخر هل يمكن التصديق بأنّ لوحة فنية جميلة للغاية تدل على ذوق ومهارة رسامها، لا تمدحه أو تثني عليه؟ وهل يمكن انكار ثناء دواوين أشعار أساطين الشعر والأدب وتمجيدها لقرائحهم واذواقهم الرفيعة؟ أو يمكن انكار أن بناء عظيما أو مصنعا كبيرا أو عقولا الكترونية معقدة أو أمثالها، أنّها تمدح صانعها ومبتكرها بلسان حالها غير الناطق؟

لذا يجب التصديق والتسليم بأنّ عالم الوجود العجيب ذا الأسرار المتعدّدة والعظمة الكبيرة، والجزئيات العديدة المحيّرة، يقوم بتسبيح وحمد الخالق عزوجل، وإلّا فهل «التسبيح» سوى التنزيه عن جميع العيوب؟ فنظام عالم الوجود ناطق بأنّ خالقه ليس فيه أي نقص أو عيب:

ثمّ هل «الحمد» سوى بيان الصفات الكمالية؟ فنظام الخلق والوجود كلّه يتحدث عن الصفات الكمالية للخالق وعلمه وقدرته اللامتناهية وحكمته الوسيعة.

خاصّة وأنّ تقدم العلوم البشرية وكشف بعض أسرار وخفايا هذا العالم الواسع، توضح هذا الحمد والتسبيح العام بصورة أجلى.

فاليوم مثلا ألّف علماء النبات المؤلفات العديدة عن أوراق الأشجار، وخلايا هذه الأوراق، والطبقات السبع الداخلة في تكوينها، والجهاز التنفسي لها، وطريقة التغذية وسائر الأمور الأخرى التي تتصل بهذا العالم.

لذلك، فإنّ كل ورقة توحد الله ليلا ونهارا، وينتشر صوت تسبيحها في البساتين والغابات، وفوق الجبال وفي الوديان، إلّا أنّ الجهلاء لا يفقهون ذلك، ويعتبرونها جامدة لا تنطق.

إنّ هذا المعنى للتسبيح والحمد الساري في جميع الكائنات يمكن دركه تماما، وليست هناك حاجة لأن نعتقد بوجود إدراك وشعور لكل ذرات الوجود، لأنّه لا يوجد دليل قاطع على ذلك، والآيات السابقة يحتمل أن يكون مقصودها التسبيح والحمد بلسان الحال.

الجواب على سؤال

يبقى سؤال واحد، وهو إذا كان الغرض من الحمد والتسبيح هو تعبير نظام الكون عن نزاهة وعظمة وقدرة الخالق عزوجل، وتبيان الصفات السلبية والثبوتية، فلما ذا يقول القرآن: (لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لأنّه إذا كان البعض لا يفقه، فإنّ العلماء يفقهون ويعلمون؟

هناك جوابان على هذا السؤال هما:

الأوّل: إنّ الآية توجّه خطابها إلى الأكثرية الجاهلة من عموم الناس، خصوصا إلى المشركين، حيث أنّ العلماء المؤمنين قلّة وهم مستثنون من هذا التعميم، وفقا لقاعدة ما من عام إلّا وفيه استثناء.

الثّاني: هو أنّ ما نعلمه من أسرار وخفايا العالم في مقابل ما لا نعلمه كالقطرة في قبال البحر، وكالذرة في قبال الجبل العظيم. وإذا فكرنا بشكل صحيح فلا نستطيع أن نسمّي الذي نعرفه بأنّه (علم).

إنّنا في الواقع لا نستطيع أن نسمع تسبيح وحمد هذه الموجودات الكونية مهما أوتينا من العلم، لأنّ ما نسمعه هو كلمة واحدة فقط من هذا الكتاب العظيم!

وعلى هذا الأساس تستطيع الآية أن تخاطب العالم بأجمعه وتقول لهم : إنّكم لا تفقهون تسبيح وحمد الموجودات بلسان حالها، أمّا الشيء الذي تفقهوه فهو لا يساوي شيئا بالنسبة إلى ما تجهلون.

٣ ـ بعض المفسّرين يحتمل أنّ الحمد والتسبيح هو تركيب من لسان : «الحال» و «القول». وبعبارة أخرى : يعتقدون بأنّه تسبيح تكويني وتشريعي، لأنّ أكثر البشر وكل الملائكة يحمدون الله عن إدراك وشعور ؛ وكل ذرات الوجود نتحدّث عن عظمة الخالق بلسان حالها. وبالرغم من أنّ هذين النوعين من الحمد والتسبيح مختلفين، إلّا أنّهما يشتركان في المفهوم الواسع لكلمتي الحمد والتسبيح.

ولكن التّفسير الثّاني ـ حسب الظاهر ـ أكثر قبولا للنفس من التّفسيرين الآخرين.

جانب من روايات العترة الطاهرة

هناك تعابير لطيفة في هذا المجال وردت في أحاديث الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل البيتعليهم‌السلام، منها:

* أحد أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام يقول : سألت الإمام عن تفسير قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) فقال عليه‌السلام : «كل شيء يسبّح بحمده وإنّا لنرى أن ينقض الجدار وهو تسبيحها».

* وعن الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام قال : «نهى رسول الله أن توسم البهائم في وجوهها، وأن تضرب وجوهها لأنّها تسبّح بحمد ربّها».

* وعن الإمام الصادق عليه‌السلام قوله : «ما من طير يصاد في بر ولا بحر، ولا شيء يصاد من الوحش إلّا بتضييعه التسبيح».

* أمّا الإمام الباقر عليه‌السلام، فعند ما سمع يوما صوت عصفور، فقال لأبي حمزة الثمالي ـ وكان من خاصّة أصحابه ـ : «يسبحن ربّهنّ عزوجل ويسألن قوت يومهن».

* وفي حديث آخر نقرأ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتى إلى عائشة، وقال لها : «اغسلي هذين الثوبين» فقالت : يا رسول الله، لقد غسلتهما أمس، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أمّا علمت أنّ الثوب يسبّح فإذا اتسخ انقطع عن تسبيحه».

* في حديث آخر عن الإمام الصادق نقرأ قوله عليه‌السلام : «للدابة على صاحبها ستة حقوق : لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها فإنّها تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مرّ بها».

إنّ هذه المجموعة من الأحاديث والرّوايات والتي لبعضها معاني دقيقة، تظهر أنّ التسبيح العام للموجودات يشمل كل شيء بدون استثناء، وكل هذا يتطابق مع ما ذكرناه في التّفسير الثّاني (أي إن التسبيح هو تسبيح تكويني أو تسبيح بلسان الحال).

أمّا ما قرأناه في هذه الأحاديث من أنّ اللباس إذا توسخ ينقطع تسبيحه، فهو كناية عن أنّ المخلوقات إذا كانت محافظة على نظافتها الطبيعية فسوف تذكّر الإنسان بخالقه، أمّا إذا فقدت نظافتها الطبيعية فسوف لا تقوم بالتذكير.

مقتطف من تفسير الأمثل ج ٩
2023/03/13

العالم في رجل: لماذا وصف الله النبي إبراهيم بأنه كان ’أمة’؟
(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً). ذكر المفسّرون أسبابا كثيرة للتعبير عن إبراهيم عليه‌ السلام بأنّه «أمّة» وأهمها أربع:

[اشترك]

الأوّل: كان لإبراهيم شخصية متكاملة جعلته أن يكون أمّة بذاته، وشعاع شخصية الإنسان في بعض الأحيان يزداد حتى ليتعدى الفرد والفردين والمجموعة فتصبح شخصيته تعادل شخصية أمّة بكاملها.

الثّاني: كان إبراهيم عليه ‌السلام قائدا وقدوة حسنة ومعلما كبيرا للإنسانية، ولذلك أطلق عليه (أُمَّةً) لأنّ «أمّة» اسم مفعول يطلق على الذي تقتدي به الناس وتنصاع له.

وثمّة ارتباط معنوي خاص بين المعنيين الأوّل والثاني، حيث أنّ الذي يكون بمرتبة إمام صدق واستقامة لأمّة ما، يكون شريكا لهم في أعمالهم وكأنّه نفس تلك الأمّة.

الثّالث: كان إبراهيم عليه‌السلام موحدا في محيط خال من أيّ موحد، فالجميع كانوا يخوضون في وحل الشرك وعبادة الأصنام، فهو والحال هذه «أمّة» في قبال أمّة المشركين (الذين حوله).

الرّابع: كان إبراهيم عليه‌السلام منبعا لوجود أمّة، ولهذا أطلق القرآن عليه كلمة «أمّة».

ولا مانع من أن تحمل هذه الكلمة القصيرة الموجزة كل ما ذكر ما معان كبيرة.

نعم فقد كان إبراهيم أمّة وكان إماما عظيما، وكان رجلا صانع أمّة، وكان مناديا بالتوحيد وسط بيئة اجتماعية خالية من أيّ موحد.

وقال الشاعر :

ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد.

*مقتطف من تفسير الأمثل ج ٨
2023/02/26

أصل النسل البشري: هل تزوج أولاد آدم أخواتهم؟!
قال سبحانه: (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً).

[اشترك]

هذه العبارة يستفاد منها أنّ انتشار نسل آدم، وتكاثره قد تمّ عن طريق آدم وحواء فقط، أي بدون أن يكون الموجود ثالث أي دخالة في ذلك.

وبعبارة أخرى أنّ النسل البشري الموجود إنّما ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أنثى.

وهذا يستلزم أن يكون أبناء آدم (أخوة وأخوات) قد تزاوجوا فيما بينهم، لأنه إذا تمّ تكثير النسل البشري عن طريق تزوجهم بغيرهم لم يصدق ولم يصح قوله: «منهما».

وقد ورد هذا الموضوع في أحاديث متعددة أيضا، ولا داعي للتعجب والاستغراب إذ طبقا للاستدلال الذي جاء في طائفة من الأحاديث المنقولة عن أهل البيت عليهم ‌السلام إنّ هذا النوع من الزواج كان مباحا حيث لم يرد بعد حكم بحرمة «تزوج الأخ بأخته».

ومن البديهي أن حرمة شيء تتوقف على تحريم الله سبحانه له، فما الذي يمنع من أن توجب الضرورات الملحة والمصالح المعينة أن يبيح شيئا في زمان، ويحرمه بعد ذلك في زمن آخر.

غير أنّه قد صرّح في أحاديث أخرى بأن أبناء آدم لم يتزوجوا بأخواتهم، وتحمل بشدّة على من يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب.

ولو كان علينا عند تعارض الأحاديث أن نرجح ما وافق منها ظاهر القرآن لوجب أن نختار الطائفة الأولى، لأنّها توافق ظاهر الآية الحاضرة كما عرفت قبل هذا.

ثمّ أنّ هاهنا احتمالا آخر يقول: إن أبناء آدم تزوجوا بمن تبقى من البشر الذين سبقوا آدم ونسله، لأن آدم ـ حسب بعض الروايات ـ لم يكن أوّل إنسان سكن الأرض.

وقد كشفت الدراسات والتحقيقات العلمية اليوم أن النوع الإنساني كان يعيش في الأرض منذ عهد ضارب في القدم، في حين لم يمر على تاريخ ظهور «آدم» في الأرض زمن طويل، فلا بدّ إذن من القبول النظرية التي تقول: بأنّه كان يعيش في الأرض قبل آدم بشر آخرون قارن غياب آخر بقاياهم ظهور آدمنا، فما المانع من أن يكون «أبناء آدم» قد تزوجوا ببقايا النوع البشري السابق الذي كان في أواخر انقراضه؟

ولكن هذا الاحتمال هو أيضا لا يتوافق وظاهر الآية الحاضرة (وهذا البحث يحتاج إلى توسع أكثر لا يسعه هذا المجال).

آراء أخرى

يقول آية السيد منير الخباز إن القضية لازالت إلى يومنا هذا محل نقاش ويسرد جملة من آراء العلماء ومنهم صاحب تفسير الميزان (التفسير الأشهر)، وينقل عنه قوله: وفي الاحتجاج عن السجاد عليه السلام في حديث له مع قرشي يصف زواج هابيل لوزة وزواج قابيل بإقليما فقال له القرشي فأولدهما، قال القرشي هذا فعل المجوس، فقال: إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله... 

ويرى العلامة الطباطبائي أن ما ورد في الحديث هو الموافق لظاهر القرآن الكريم.

تفصيل أكثر في الفيديو أدناه:

*مقتطف من تفسير الأمثل ج٣
2023/02/21

كيف خلق الله السماء والأرض في أيام معدودة؟!
يذكر الله تعالى في كتابه الكريم السماء والأرض في آيات عديدة، ونجد أنَّه تعالى قد خلق الأرض في يومين ثم خلق السماء في يومين!

[اشترك]

فكيف يقارن تعالى السماء الهائلة والتي تحوي مليارات بل بلايين البلايين من النجوم ويخلقها الله في يومين والأرض التي لا تعني شيء في هذا الكون بل هي أقل من الذرة بالنسبة لهذا الكون العظيم تُخلق في يومين كذلك؟!

إن الآيتن المشار إليهما في السؤال هما قوله تعالى ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(1)، وقوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا  ..﴾(2).

ولعلَّ منشأ الاشكال المذكور هو توهُّم أنَّ المراد من اليوم في الآيتين المباركتين هو اليوم المعهود عند الإنسان والذي ينشأ عن دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة.

إلا أنَّ هذا المعنى غير مرادٍ قطعاً من لفظ اليوم في الآيتين المذكورتين، إذْ المفترض أنَّ الحديث عن خلق الأرض والسماء التي تسبح فيها الشمس، وحينئذٍ كيف يتحقق دوران الأرض حول نفسها بإزاء الشمس فيتعاقب الليل والنهار فيُصبح عندنا يوم معهود والحال أن الأرض لم تُخلق بعدُ ولا السماء وما هي مشتملة عليه.

اليوم هو الطور والمرحلة:

فالمراد إذن من اليوم هو المرحلة، فقوله تعالى ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾(3)، بمعنى أنَّه تعالى خلق الأرض على مرحلتين وخلق السماوات على مرحلتين.

 واستعمال لفظ اليوم في المرحلة شائع في كلام العرب فيقال مثلاً يوم صفين رغم أن حرب صفين امتدَّت لأكثر من سنة، ويقال يومٌ لك ويومٌ عليك، بمعنى أنَّ حقبةً من الزمن تكون لك وحقبة أخرى تكون عليك، وقد استعمل القرآن لفظ اليوم في غير اليوم المعهود في آيات عديدة مثل قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾(4) وهو إشارة إلى غزوةحنين التي امتدَّت لأيام عديدة وكذلك قوله تعالى ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(5).

وإذا اتَّضح أنَّ المراد من اليوم هو الطور والمرحلة نقول إنَّ القرآن لم يتصدَّ لبيان مقدار كلِّ مرحلة من هاتين المرحلتين، فقد تمتدُّ كلُّ واحدة منهما لملايين بل لبلايين السنين، وبذلك ينتفي الإشكال، إذ لو افترضنا أنَّ خلق السماوات يحتاج إلى زمن أطول نظراً لتعاظمها بالنسبة إلى الأرض فإنَّ كلَّ مرحلة من مرحلتي خلقها يمكن أن يكون قد استغرق زمناً أضعاف ما استغرقه مجموع المرحلتين اللتين تمَّ فيهما خلق الأرض، ولا مانع من تساوي الحقير والعظيم من حيث مراحل وأطوار النشوء واختلافهما من حيث ما يقتضيانه من زمن لكلِّ مرحلة من مراحل نشوئهما.

وهذا أمر مشاهد بالوجدان، فالمبنى المكوَّن من طابقين قد يكون كبيرًا ويكون ثمة مبنىً آخر مكوَّن من طابقين صغيراً إلا أنَّ مراحل إنشائهما واحدة، غايته أنَّ كلَّ مرحلة من مراحل إنشاء المبنى الكبير تحتاج إلى زمن أطول مما تحتاجه كل مرحلة من مراحل إنشاء المبنى الصغير بل أن مرحلة واحدة من مراحل إنشاء المبنى الكبير قد تستغرق مجموع الزمن الذي يحتاجه إنشاء المبنى الصغير بتمام مراحله.

 *من كتاب شؤون قرآنية الهوامش: 1- سورة فصلت/ 9. 2- سورة فصلت/ 12. 3- سورة فصلت/ 55. 4- سورة التوبة/ 25. 5- سورة المعارج/ 4.
2023/02/14

فيها إبهام وتعقيد: 4 أسباب لتشابه بعض آيات القرآن
إنّ القرآن جاء نورا لهداية عموم الناس، فما سبب احتوائه على آيات متشابهات فيها إبهام وتعقيد بحيث يستغلّها المفسدون لأثارة الفتنة؟

[اشترك]

هذا موضوع مهمّ جدير بالبحث والتدقيق، وعلى العموم يمكن أن تكون النقاط التالية هي السرّ في وجود المتشابهات في القرآن:

أوّلا: إنّ الألفاظ والكلمات التي يستعملها الإنسان لون من الحدود للحوار هي لرفع حاجته اليومية في التفاهم، ولكن ما إن نخرج عن نطاق حياتنا الماديّة وحدودها، كأن نتحدّث عن الخالق الذي لا يحدّه أيّ، نجد بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني، فنضطر إلى استخدام ألفاظ أخرى وإن تكن قاصرة لا تفي بالغرض تماما من مختلف الجهات، وهذا القصور في الألفاظ هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن، إنّ آيات مثل (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (١) أو (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (٢) أو (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٣) التي سوف يأتي تفسيرها في موضعه، تعتبر من هذه النماذج، وهناك أيضا تعبيرات مثل «سميع» و «بصير»، ولكن بالرجوع إلى الآيات المحكمات يمكن تفسيرها بوضوح.

ثانيا: كثير من الحقائق تختصّ بالعالم الآخر، أو بعالم ما وراء الطبيعة ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا، وإنّنا ـ بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزمان والمكان، غير قادرين على إدراك كنهها العميق، قصور أفق تفكيرنا من جهة، وسمّو تلك المعاني من جهة أخرى، سبب آخر من أسباب التشابه في بعض الآيات، كالتي تتعلّق بيوم القيامة مثلا.

وهذا أشبه بالذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أمّه مسائل هذا العالم الذي لم يره بعد، فهو إذا لم يقل شيئا يكون مقصّرا، وإذا قال كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه.

ثالثا: من أسرار وجود المتشابهات في القرآن إثارة الحركة في الأفكار والعقول وإيجاد نهضة فكرية بين الناس. وهذا أشبه بالمسائل الفكرية المعقّدة التي يعالجها العلماء لتقوية أفكارهم ولتعميق دقّتهم في المسائل.

رابعا: النقطة الأخرى التي ترد بشأن وجود المتشابهات في القرآن، وتؤيّدها أخبار أهل البيت عليهم‌ السلام، هي أنّ وجود هذه الآيات في القرآن يصعّد حاجة الناس إلى القادة الإلهيّين والنبيّ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم والأوصياء، فتكون سببا يدعو الناس إلى البحث عن هؤلاء واعتراف بقيادتهم عمليا والاستفادة من علومهم الاخرى أيضا. وهذا أشبه ببعض الكتب المدرسية التي أنيط فيها شرح بعض المواضيع إلى المدرّس نفسه، لكي لا تنقطع علاقة التلاميذ بأستاذهم، ولكي يستمرّوا ـ بسبب حاجتهم هذه ـ في التزوّد منه على مختلف الأصعدة.

وهذا أيضا مصداق وصيّة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم حين قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

*مقتطف من تفسير الأمثل 

_____________ (١) الفتح: ١٠. (٢) طه: ٥.  (٣) القيامة: ٣.
2023/02/12

توبة مقبولة: ما هي الكلمات التي تلقاها آدم (ع) فتاب الله عليه؟
(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

[اشترك]

تعددت الآراء في تفسير «الكلمات»، التي تلقاها آدم عليه ‌السلام من ربّه.

المعروف أنها الكلمات المذكورة في الآية ٢٣ من سورة الأعراف: (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ).

وقال آخرون أن المقصود من الكلمات هذا الدعاء: «اللهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فاغفر لي إنّك خير الغافرين».

«اللهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فارحمني إنّك خير الرّاحمين».

«اللهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الرّحيم».

وهذا ما نقل في رواية عن الإمام محمّد بن علي الباقر عليه‌السلام(١).

مثل هذه التعابير ذكرها القرآن على لسان يونس وموسى عليهما‌السلام. يونس ناجى ربّه فقال: (سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٢). وموسى أيضا: (قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) (٣).

وفي روايات وردت عن طرق أهل البيت عليهم السلام أن المقصود من «الكلمات» أسماء أفضل مخلوقات الله وهم: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ وآدم توسل بهذه الكلمات ليطلب العفو من ربّ العالمين فعفا عنه.

هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها، ولعلّ آدم تلقى من ربّه كل هذه الكلمات، كي يحدث فيه تغيير روحي تام بعد أن يعي حقيقة هذه الكلمات، وليشمله بعد ذلك لطف الله ورحمته.

المصدر: تفسير الأمثل ج1
2023/02/08

كيف عرضت الأمانة على السماوات والأرض وهي غير عاقلة؟!
قالَ السيّدُ المُرتضى - رضيَ اللهُ عنه - في أجوبةِ المسائلِ العكبريّة حيثُ سُئلَ عن تفسيرِ هذهِ الآية:

[اشترك]

إنّه لم يكُن عرضٌ في الحقيقةِ على السماواتِ والأرضِ والجبال بقولٍ صريحٍ أو دليلٍ ينوبُ منابَ القول، وإنّما الكلامُ في هذهِ الآيةِ مجازٌ أريدَ به الإيضاحُ عن عظمِ الأمانةِ وثقلِ التكليفِ بها وشدّتِه على الإنسان، وإنّ السماواتِ والأرضَ والجبالَ لو كانَت ممّا يقبلُ لأبَت حملَ الأمانةِ ولم تؤدِّ معَ ذلكَ حقّها، و نظيرُ ذلك قولهُ تعالى "تكادُ السماواتُ يتفطّرنَ منه وتنشقُّ الأرضُ وتخرُّ الجبالُ هدّا" ومعلومٌ أنَّ السماواتِ والأرضَ والجبال جمادٌ لا تعرفُ الكُفرَ منَ الإيمان ولكنَّ المعنى في ذلكَ إعظامُ ما فعلَه المُبطلون، وتفوّهَ به الضالّون، وأقدمَ به المُجرمونَ منَ الكُفر باللهِ تعالى، وأنّه مِن عِظمِه جارٍ مجرى ما يثقلُ باعتمادِه على السماواتِ والأرضِ والجبال، وأنَّ الوزرَ به كذلك، وكانَ الكلامُ في معناه ما جاءَ به التنزيلُ مجازاً واستعارةً كما ذكرناه، ومثلُ ذلكَ قولهُ تعالى "وإنَّ منَ الحجارةِ لمّا يتفجّرُ منهُ الأنهار" ومعلومٌ أنَّ الحجارةَ جمادٌ لا يعلمُ فيخشى أو يرجو ويؤمّل وإنّما المرادُ بذلك تعظيمُ الوزرِ في معصيةِ الله تعالى وما يجبُ أن يكونَ العبدُ عليه مِن خشيةِ الله [تعالى] وقد بيّنَ اللهُ ذلك بقولِه في نظيرِ ما ذكرناه "ولو أنَّ قرآناً سُيّرَت به الجبال" فبيّنَ بهذا المثلِ جلالةَ القرآن وعِظمَ قدرِه وعلوّ شأنِه وأنّه لو كانَ كلامٌ يكونُ به ما عدّه ووصفَه لكانَ بالقرآنِ لعظمِ قدرِه على سائرِ الكلام وقد قيل: إنَّ المعنى في قولِه "إنّا عرَضنا الأمانةَ" عرضَها على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرض وأهلِ الجبال، والعربُ يخبرُ عن أهلِ الموضعِ بذكرِ الموضع ويسمّيهم باسمِه قال اللهُ تعالى "واسأل القريةَ التي كنّا فيها والعيرَ" يريدُ أهلَ القريةِ وأهلَ العيرِ وكانَ العرضُ على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرض وأهلِ الجبال قبلَ خلقِ آدم وخيّروا بينَ التكليفِ لمّا كلفَه آدم وبنوه فأشفَقوا منَ التفريطِ فيه واستعفوا منهُ فاعفوا، فتكلّفَهُ الانسانُ ففرّطَ فيه، وليسَت الآيةُ على ما ذكرَ السائلُ أنّها هيَ الوديعةُ وما في بابِها ولكنّها التكليفُ الذي وصفناه.

2023/02/05

علم الغيب خاص بالله.. كيف أخبرنا الإمام علي (ع) بتفاصيل وأسرار المستقبل؟!
لا مجال للتردد في أنّ الاطلاع على الأسرار الخفية أو الأسرار الماضية والآتية كله خاص بالله.

والآيات المختلفة من القرآن تؤكّد هذه الحقيقة وتؤيدها ايضاً انّه ليس كمثله شيء وهو متفرد بهذه الصفة.

وإذا وجدنا في قسم من آيات القرآن بيان انّ الأنبياء قد يعلمون بعض الأمور الغيبية، او قرأنا في بعض الآيات أو الرّوايات الكثيرة انّ النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم والامام عليّا والائمة المعصومين عليهم‌ السلام قد يخبرون عمّا يجري في المستقبل من حوادث ويبيّنون اسرارا خفيّة منها ، فينبغي ان نعرف ان كل ذلك بتعليم الله سبحانه.

فهو سبحانه حيث يجد المصلحة يطلع عباده وأولياءه على قسم من اسرار الغيب، ولكن هذا العلم لا هو علم ذاتي ولا غير محدود ، بل هو من تعليم الله وهو محدود بمقدار ما يريده الله.
وبهذا البيان تتّضح الاجابة على المنتقدين لعقيدة الشيعة في مجال على الغيب حيث يرون انّ الأنبياء والائمة عليهم‌السلام يعلمون الغيب.

وليس الاطلاع على علم الغيب من قبل الله خاصا بالأنبياء او الائمّة فقد يطلع الله غير النّبي والائمّة على غيبه ايضا، فنحن نقرا في قصّة ام موسى في القرآن انّ الله قال لها : (وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).

وقد يطلع الله لضرورة الحياة ـ أحيانا ـ الطيور والحيوانات على الأسرار الخفيّة وحتى على المستقبل البعيد نسبيّا ممّا يصعب علينا تصوّره وبهذا الترتيب قد تكون بعض المسائل التي نحسبها غيبا، هذه المسائل نفسها بالنسبة للطيور او الحيوانات لا تعد من الغيب.

*مقتطف من تفسير الأمثل ج 7
2023/01/30

الإنسان حيوان متطوّر.. ما علاقتنا بآدم وحواء إذاً؟!

كلام في أن النسل الحاضر ينتهي إلى آدم وزوجته

ربما قيل: إن اختلاف الألوان في أفراد الإنسان وعمدتها البياض كلون أهل النقاط المعتدلة من آسيا وأوربا، والسواد كلون أهل إفريقيا الجنوبية، والصفرة كلون أهل الصين واليابان، والحمرة كلون الهنود الأمريكيين يقضي بانتهاء النسل في كل لون إلى غير ما ينتهي إليه نسل اللون الآخر لما في اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء وعلى هذا فالمبادي الأول لمجموع الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة.

وربما يستدل عليه بأن قارة أمريكا انكشفت ولها أهل وهم منقطعون عن الإنسان القاطن في نصف الكرة الشرقي بالبعد الشاسع الذي بينهما انقطاعا لا يرجى ولا يحتمل معه أن النسلين يتصلان بانتهائهما إلى أب واحد وأم واحدة، والدليلان ـ كما ترى ـ مدخولان:

أما مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان فلأن الأبحاث الطبيعية اليوم مبنية على فرضية التطور في الأنواع، ومع هذا البناء كيف يطمأن بعدم استناد اختلاف الدماء فاختلاف الألوان إلى وقوع التطور في هذا النوع وقد جزموا بوقوع تطورات في كثير من الأنواع الحيوانية كالفرس والغنم والفيل وغيرها، وقد ظفر البحث والفحص بآثار أرضية كثيرة يكشف عن ذلك؟ على أن العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء.

وأما مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار فإن العهد الإنساني على ما يذكره علماء الطبيعة يزهو إلى ملايين من السنين، والذي يضبطه التاريخ النقلي لا يزيد على ستة آلاف سنة، وإذا كان كذلك فما المانع من حدوث حوادث فيما قبل التاريخ تجزي قارة أمريكا عن سائر القارات، وهناك آثار أرضية كثيرة تدل على تغييرات هامة في سطح الأرض بمرور الدهور من تبدل بحر إلى بر وبالعكس، وسهل إلى جبل وبالعكس، وما هو أعظم من ذلك كتبدل القطبين والمنطقة على ما يشرحه علوم طبقات الأرض والهيئة والجغرافيا فلا يبقى لهذا المستدل إلا الاستبعاد فقط هذا.

وأما القرآن فظاهره القريب من النص أن هذا النسل الحاضر المشهود من الإنسان ينتهي بالارتقاء إلى ذكر وأنثى هما الأب والأم لجميع الأفراد أما الأب فقد سماه الله تعالى في كتابه بآدم، وأما زوجته فلم يسمها في كتابه ولكن الروايات تسميها حواء كما في التوراة الموجودة، قال تعالى: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ): « الم السجدة: ٨ » وقال تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ): « آل عمران: ٥٩ » وقال تعالى: ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) الآية: « البقرة: ٣١ » وقال تعالى: ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) الآيات: « ص: ٧٢ » فإن الآيات ـ كما ترى ـ تشهد بأن سنة الله في بقاء هذا النسل أن يتسبب إليه بالنطفة لكنه أظهره حينما أظهره بخلقه من تراب، وأن آدم خلق من تراب وأن الناس بنوه، فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته مما لا ريب فيه وإن لم تمتنع من التأويل.

وربما قيل: إن المراد بآدم في آيات الخلقة والسجدة آدم النوعي دون الشخصي كان مطلق الإنسان من حيث انتهاء خلقه إلى الأرض ومن حيث قيامه بأمر النسل والإيلاد سمي بآدم، وربما استظهر ذلك من قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ): « الأعراف: ١١ » فإنه لا يخلو عن إشعار بأن الملائكة إنما أمروا بالسجدة لمن هيأه الله لها بالخلق والتصوير وقد ذكرت الآية أنه جميع الأفراد لا شخص إنساني واحد معين حيث قال: ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ )، وهكذا قوله تعالى: ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) « إلى أن قال: ( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) « إلى أن قال: ( قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ): « ص: ٨٣ » حيث أبدل ما ذكره مفردا أولا من الجمع ثانيا.

ويرده مضافا إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلناه من الآيات ظاهر قوله تعالى ـ بعد سرد قصة آدم وسجدة الملائكة وإباء إبليس في سورة الأعراف: ( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ): « الأعراف: ٢٧ » فظهور الآية في شخصية آدم مما لا ينبغي أن يرتاب فيه.

وكذا قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ): « إسراء: ٦٢ »، وكذا الآية المبحوث عنها: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) الآية، بالتقريب الذي مر بيانه.

فالآيات ـ كما ترى ـ تأبى أن يسمى الإنسان آدم باعتبار وابن آدم باعتبار آخر، وكذا تأبى أن تنسب الخلقة إلى التراب باعتبار وإلى النطفة باعتبار آخر وخاصة في مثل قوله تعالى: « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » الآية، وإلا لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية. فالقول بآدم النوعي في حد التفريط، والإفراط الذي يقابله قول بعضهم: إن القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنة.

كلام في أن الإنسان نوع مستقل غير متحول من نوع آخر

الآيات السابقة تكفي مئونة هذا البحث فإنها تنهي هذا النسل الجاري بالنطفة إلى آدم وزوجته وتبين أنهما خلقا من تراب فالإنسانية تنتهي إليهما وهما لا يتصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما وإنما حدثا حدوثا.

والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أن الإنسان الأول فرد تكامل إنسانا وهذه الفرضية بخصوصها وإن لم يتسلمها الجميع تسلما يقطع الكلام واعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب لكن أصل الفرضية وهي « أن الإنسان حيوان تحول إنسانا » مما تسلموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان.

فإنهم فرضوا أن الأرض ـ وهي أحد الكواكب السيارة ـ قطعة من الشمسمشتقة منها وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان ثم أخذت في التبرد من تسلط عوامل البرودة، وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة وتجري عليها السيول وتتكون فيها البحار ثم حدثت تراكيب مائية وأرضية فحدثت النباتات المائية ثم حدثت بتكامل النبات واشتمالها على جراثيم الحياة السمك وسائر الحيوان المائي ثم السمك الطائر ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان، كل ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة يتحول به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة فالنبات ثم الحيوان المائي ثم الحيوان ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان على الترتيب هذا كل ذلك لما يشاهد من الكمال المنظم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال ولما يعطيه التجريب في موارد جزئية التطور.

وهذه فرضية افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص والآثار من غير قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها مع إمكان فرض هذه الأنواع متباينة من غير اتصال بينها بالتطور وقصر التطور على حالات هذه الأنواع دون ذواتها وهي التي جرى فيها التجارب فإن التجارب لم يتناول فردا من أفراد هذه الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان وإنما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصها ولوازمها وأعراضها.

واستقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع، وإنما المقصود الإشارة إلى أنه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل قاطع فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعا مفصولا عن سائر الأنواع غير معارضة بشيء علمي.

*مقتطف من تفسير الميزان
2023/01/11

هل قيمة الإنسان بما يملك من مال.. ماذا عن يُتم وفقر نبينا؟!

(وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)).

قصور فخمة سقفها من فضة؟ (قيم كاذبة)

تستمر هذه الآيات في البحث حول «نظام القيم في الإسلام» ، وعدم اعتبار كون المال والثروة والمناصب المادية هي المعيار في التقييم ، فتقول الآية الأولى : (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ)[1].

ولجعلنا لهم بيوتا لها عدّة طوابق ولها سلالم جميلة (وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ)[2].

وقال بعض المفسّرين : إنّ المراد أن السلالم مصنوعة من الفضة ، وعدم تكرار كلمة الفضة لوضوح المراد. وكأنّهم لم يعتبروا وجود السّلالم لوحدها دليلا على أهمية البيوت ، والأمر ليس كذلك ، إذ أن وجود السلالم الكثيرة دليل على عظمة البناء وتكونه من عدّة طوابق.

«اسقف» جمع سقف، ويعتقد البعض أنها جمع سقيفة ، أي المكان المسقف ، إلّا أنّ القول الأوّل أشهر.

ثمّ تضيف الآية الأخرى : (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ).

وربّما كانت هذه الجملة إشارة إلى الأبواب والأسرّة الفضية، لأنّ الآية السابقة لما تحدثت عن السّقف الفضية امتنع التكرار. ويمكن أيضا أن يكون وجود الأبواب والأسرّة المتعددة ـ خاصّة وأن (أبوابا) و (سررا) نكرة ، وقد وردت هنا لبيان الأهمية ـ دليلا بنفسه على عظمة تلك القصور، لأنّهم يجعلون لبيت حقير عدّة أبواب أبدا ، بل هي مختصة بالقصور والبيوت الفخمة ، وكذلك الحال بالنسبة لوجود الأسرّة.

ولم تكتف الآية بهذا ، بل استطردت أنّه إضافة إلى كل ذلك فقد جعلنا لهم مباهج وأنواع الزينة (وَزُخْرُفاً)[3] لتكمل الحياة المادية وزخارفها وزبارجها من كل الجهات ، القصور الفخمة المتعددة الطبقات الأبواب والأسرّة المتعددة ، وكل وسائل الزينة والنقوش والرسوم وسائر الجواذب التي يتحقّق فيها مراد عبيد الدنيا وأمانيهم.

ثمّ تضيف الآية : (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) «الزخرف» في الأصل بمعنى كل زينة مقترنة بالرسم والتصوير ، ولما كان الذهب أحد أهم وسائل الزينة ، فقد قيل له : زخرف ، وإنّما قيل للكلام الأجوف الذي لا فائدة فيه : كلام مزخرف ، لأنهم يحيطونه ويلبسونه المزوقات ليصبح مقبولا.

وخلاصة القول: إنّ هذه الأسس المادية ووسائل الزينة الدنيوية، حقيرة لا قيمة لها عند الله تعالى فلا ينبغي أن تكون إلّا من نصيب الأفراد الذين لا قيمة لهم كالكافرين ومنكري الحق ، ولو لم يتأثر الناس من طلاب الدنيا ويميلوا إلى الكفر لجعل الله تعالى هذه الأمور من نصيب هذه الفئة فقط ، ليعلم الجميع أن هذه الأمور ليست هي المعيار والمقياس لشخصية الإنسان وقيمته ومقامه.

الإسلام يحطم القيم الخاطئة

حقّا لا يمكن العثور على تعبير أبلغ مما ورد في الآيات أعلاه لتحطيم المقاييس والقيم الكاذبة والقضاء عليها ، وتغيير بناء ذلك المجتمع الذي يدور محور تقييم شخصية الأفراد فيه حول مقدار ما يملكون من الإبل ، ومقدار الدراهم والدنانير ، وعدد الغلمان والجواري والبيوت وأدوات الزينة، حتى أنّهم يتعجبون لماذا اختير محمّد صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم للنبوة وهو اليتيم الفقير ماديا؟!

إن أهم عمل لرسالة السماء هو تحطيم أطر القيم الخاطئة هذه، وبناء القيم الإنسانية الأصيلة كالتقوى ، والعلم ، الإيثار والتضحية ، الشهامة والحلم على أنقاضها ، وإلّا فإنّ كل الإصلاحات ستكون فوقية وسطحية وغير ثابتة.

وهذا هو الذي قام به الإسلام والقرآن والرّسول الأعظم صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم على أحسن وجه ، ولهذا فإنّ المجتمع الذي كان أكثر المجتمعات البشرية تخلفا وخرافة ، قد تسلق سلّم الرشد والرقي حتى أصبح في المرتبة الأولى في مدّة قصيرة.

والطريف أنّنا نقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم ، في تكملة هذا البحث  : «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء»[4].

ويبلغ أمير المؤمنين علي عليه السلام الكلام في هذا الباب غايته حيث يقول : «ولقد دخل موسى بن عمران وأخوه هارون عليهما السلام على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزّه ، فقال : ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل ، فهلّا ألقي عليهما أساورة من ذهب ، إعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه ، ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء».

ويقول في موضع آخر من هذه الخطبة: «ألا ترون ان الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما. ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا، وأقل نتائق الأرض مدرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خف ، ولا حافر ولا ظلف. ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ...».

«ولو أراد الله سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار ، وسهل وقرار ، جم الأشجار ، داني الثمار ، ملتف البنا ، متصل القرى ، بين برة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء»[5].

وعند ذلك كان الناس سينشغلون بالقيم الظاهرية الخداعة، ويغفلون عن القيم الإلهيّة الواقعية.

على أية حال ، فإنّ أساس الثورة الإسلامية هو تغيير القيم ، وإذا ما أصبح مسلمو اليوم يعانون من ظروف صعبة خانقة ، وتحت ضغط الأعداء الجلادين القساة ، فإنّ ذلك ناتج عن تركهم لقيمهم الأصيلة ، وانتشار القيم والأعراف الجاهلية بينهم مرّة أخرى ، فأصبح المال والمنصب الدنيوي مقياس التقييم ، ونسوا العلم والفضيلة والتقوى ، وغرقوا في بحر المغريات والزخارف المادية ، وأضحوا غرباء عن الإسلام ، وما دام الوضع كذلك فيجب أن يدفعوا كفارة هذا الذنب العظيم ، وما داموا لم يشرعوا بالتغيير ابتداء من القيم الحاكمة على وجودهم ، فسوف لن تشملهم رحمة الله ولطفه ، وذلك : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)[6].

جواب عن سؤال

بمطالعة الآيات المذكورة حول التحقير الشديد للزينة الظاهرية، والثروة والمقام المادي ، يطرح هذا السؤال نفسه ، وهو : إذا كان الحق كذلك ، فلما ذا يقول القرآن في موضع آخر: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).[7]

أو يقول في موضع آخر : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[8] ، فكيف تتوافق هاتان الفئتان مع الآيات؟

ينبغي الالتفات في الجواب إلى أن الهدف في الآيات ـ مورد البحث ـ هو القضاء على القيم الكاذبة الخاطئة ، الهدف هو أن لا يعد الناس شخصية الإنسان متقومة بثروته وزينته ، ولا يغني هذا أنّ الإمكانيات المادية شيء سيّء ، بل المهم أن تكون مجرّد أدوات ومظاهر للنظر ، وليس كهدف سام وغاية تبلغ.

ثمّ إنّ هذه الإمكانيات تكون ذات قيمة عند ما تكون في حد المعقول واللائق بالحال، وخالية من كلّ أنواع الإسراف والتبذير، لا أن تبنى القصور من الذهب والفضة، وتدّخر الثروات الطائلة منهما.

ومن هنا يتّضح أن وجود جماعة من الكفّار والظالمين بهذه القدرة المادية ليس دليلا على رفعة شخصيتهم ، ولا أن حرمان المؤمنين منها ، أو من التمتع بها في حد المعقول كأدوات للزينة ، يضر بإيمانهم وتقواهم ، وهذا هو التفكير الإسلامي والقرآني الصحيح.

*مقتطف من تفسير الأمثل ج 16 الهوامش:
[1] «لبيوتهم» بدل اشتمال بـ (لمن يكفر بالرحمن) وتكرار (اللام) لهذا المعنى ، أو بمعنى (على) أي : على بيوتهم ، لكن الاحتمال الأول أصح. [2] «المعارج» جمع معراج ، وهو الوسيلة التي يستخدمها الإنسان للصعود إلى الطبقات العليا. [3] اعتبر البعض (زخرفا) عطفا على (سقفا) ، ويعتقدون أنها إشارة إلى وسائل الزينة المستقلة التي توضع تحت تصرف أمثال هؤلاء الأفراد. والبعض اعتبرها عطفا على (من فضة) وكانت في الأصل (من زخرف) ثم نصبت بنزع الخافض ، وعلى هذا يصبح معنى الجملة : إنا جعلنا بعض سقوف وأسرة بيوت هؤلاء من ذهب وبعضها من فضة. [4] تفسير الكشّاف ، المجلد ٤ ، صفحة ٢٥٠. [5] نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٢. الخطبة القاصعة. [6] الرعد ، الآية ١١. [7] الأعراف ، الآية ٣٢. [8] الأعراف ، الآية ٣١.
2023/01/10

سعادتك همّ لغيرك: هل تنحصر السعادة في المادة؟.. القرآن الكريم يجيب!

القرآن يعد معيشة الناسي لربه ضنكاً وإن اتسعت في أعيننا كل الاتساع قال تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ) طه ـ ١٢٤ ، ويعد الأموال والأولاد عذاباً وإن كنا نعدها نعمة هنيئة. قال تعالى : (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة ـ ٨٥.

وحقيقة الأمر كما مر إجمال بيانه في تفسير قوله تعالى : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) البقرة ـ ٣٥ ، أن سرور الإنسان وغمه وفرحه وحزنه ورغبته ورهبته وتعذبه وتنعمه كل ذلك يدور مدار ما يراه سعادة أو شقاوة ، هذا أولاً. وأن النعمة والعذاب وما يقاربهما من الامور تختلف باختلاف ما تنسب إليه فللروح سعادة وشقاوة وللجسم سعادة وشقاوة، وكذا للحيوان منهما شيء وللإنسان منهما شيء وهكذا ، وهذا ثانياً. والإنسان المادي الدنيوي الذي لم يتخلق بأخلاق الله تعالى ، ولم يتأدب بأدبه يرى السعادة المادية هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهي السعادة المعنوية ، فيتولع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة. وهو وإن كان يريد من قبل نفس هذا الذي ناله لكنه ما كان يريد إلا الخالص من التنعم واللذة على ما صورته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذة محفوفا بالالوف من الألم ، فما دام لم ينل ما يريده كان أمنية وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الأسباب التي ركن إليها ولم يتعلق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كل فائتة ، فكان أيضاًً حسرة فلا يزال فيما وجده متألماً به معرضا عنه طالباً لما هو خير منه لعله يشفى غليل صدره وفيما لم يجده متقلباً بين الآلام والحسرات. فهذا حاله فيما وجده، وذاك حاله فيما فقده.

وأما القرآن فإنه يرى أن الإنسان أمر مؤلف من روح خالد وبدن مادى متحول متغير ، وهو على هذا الحال حتى يرجع إلى ربه فيتم له الخلود من غير زوال ، فما كان فيه سعادة الروح محضاً كالعلم ونحو ذلك فهو من سعادته وما كان فيه سعادة ، جسمه وروحه معاً كالمال والبنين إذا لم تكن شاغلة عن ذكر الله ، وموجبة للإخلاد إلى الأرض فهو أيضاً من سعادته ونعمت السعادة وكذا ما كان فيه شقاء الجسم ونقص لما يتعلق بالبدن وسعادة الروح الخالد كالقتل في سبيل الله وذهاب المال واليسار لله تعالى فهو أيضاًً من سعادته بمنزلة التحمل لمر الدواء ساعة لحيازة الصحة دهراً.

وأما ما فيه سعادة الجسم وشقاء الروح فهو شقاء للإنسان وعذاب له والقرآن يسمى سعادة الجسم فقط متاعاً قليلاً لا ينبغي أن يعبأ به ، قال تعالى : (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) آل عمران ـ ١٩٦ ، ١٩٧.

وكذا ما فيه شقاء الجسم والروح معاً يعده القرآن عذاباً كما يعدونه عذابا لكن وجه النظر مختلف ، فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح وعذاب عندهم لما فيه من شقاء الجسم ، وذلك كأنواع العذاب النازلة على الأمم السالفة ، قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) الفجر ـ ٦ ، ١٤.

والسعادة والشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور والإدراك فإنا لا نعد الأمر اللذيذ الذي نلناه ولم نحس به سعادة لأنفسنا كما لا نعد الأمر المؤلم غير المشعور به شقاء ، ومن هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذي يسلك في السعادة والشقاوة غير مسلك المادة ، والإنسان المولع بالمادة لا بد من أن يستتبع نوع تربية يرى بها الإنسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن سعادة والشقاوة الحقيقية شقاوة، وهو كذلك ، فإنه يلقن على أهله : أن لا يتعلق قلوبهم بغير الله ، ويروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شيء فلا يستقل شيء إلا به ، ولا يقصد شيء إلا له.

وهذا الإنسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة : بين ما كان فيه سعادة روحه وجسمه ، وما كان فيه سعادة روحه محضاً ، وأما ما دون ذلك فإنه يراه عذاباً ونكالا ، وأما الإنسان المتعلق بهوى النفس ومادة الدنيا فإنه وإن كان ربما يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه وخيراً ولذة فإنه سوف يطلع على خبطه في مشيه ، وانقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه ، قال تعالى : (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) المعارج ـ ٤٢ ، وقال تعالى : (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق ـ ٢٢ ، وقال تعالى : (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ) النجم ـ ٣٠ ، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا وهو منغص بما يربو عليه من الغم والهم.

ومن هنا يظهر: أن الإدراك والفكر الموجود في أهل الله وخاصة القرآن غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعاً من نوع واحد هو الإنسان، وبين الفريقين وسائط من أهل الإيمان ممن لم يستكمل التعليم والتربية الإلهيين.

*مقتطف من الميزان في تفسير القرآن - ج ٣
2023/01/09

كيف يتكاثر إبليس؟!
تشير بعض الروايات إلى قدرة إبليس على التكاثر، وان الله سبحانه وتعالى أعطى هذا الأمر له.

ففي تفسير العياشي 1/276 قال: عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال : كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى وأول من حدى قال : لما اكل آدم من الشجرة تغنى فلما أهبط حدى به، فلما استقر علي الأرض ناح فاذكره ما في الجنة فقال آدم : رب هذا الذي جعلت بيني وبينه العداوة لم أقو عليه وانا في الجنة، وان لم تعينني عليه لم أقو عليه، فقال الله : السيئة بالسيئة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة قال : رب زدني قال : لا يولد لك ولد إلا جعلت معه ملكين يحفظانه قال : رب زدني قال : التوبة معروضة في الجسد ما دام فيها الروح قال : رب زدني قال : اغفر الذنوب ولا أبالي قال : حسبي، قال فقال إبليس رب هذا الذي كرمت علي وفضلته وان لم تفضل على لم أقو عليه، قال : لا يولد له ولد الا ولد لك ولدان قال : رب زدني قال : تجرى منه مجرى الدم في العروق، قال رب زدني قال تتخذ أنت وذريتك في صدورهم مساكن قال : رب زدني قال : تعدهم وتمنيهم (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إِلَّا غُرُورًا).

وقد أشار العلامة المجلسي في كتابه البحار (ج60/ص306) إلى هذا الموضوع قائلاً: المشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا يتناسلون لأنهم ليس فيهم إناث، وقيل: الجن جنس وإبليس واحد منهم، ولا شك أن لهم ذرية بنص القرآن ومن كفر من الجن يقال له: شيطان. وفي الحديث: لما أراد الله تعالى أن يخلق لإبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منه امرأته.

ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل جمال ومعه دن فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم، قال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته، قال: ثم ذكرت قوله تعالى:

" أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " فقلت: إنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم، فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيته يختبرني.

وروي أن الله تعالى قال لإبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس أحد من ولد آدم إلا وله شيطان قد قرن به.

وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والإناث يتوالدون من ذلك، وأما إبليس فان الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات.

وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لاقيس وولها وهو صاحب الطهارة والصلاة، والهفاف وهو صاحب الصحارى، ومرة به يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق ويزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلعة. وبثر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فان أكل ولم يذكر اسم الله تعالى أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله ورأي شيئا يكره فليقل: " داسم داسم أعوذ بالله منه " ومطرش وهو صاحب الاخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يكن لها أصل ولا حقيقة. والأقبض وأمهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم، ويقال: إنه باض ثلاثين بيضة: عشرا في المشرق، وعشرا في المغرب، وعشرا في وسط الأرض، وإنه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان و أسماء مختلفة، كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " إلا من آمن منهم، وكنية إبليس أبو مرة. هذا ما لدينا باختصار عن موضوع تكاثر إبليس والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

2023/01/04

كيف نرد على من يشكك في القرآن؟!
هناك فرق بين الشك العلمي الذي يرتكز على مبررات موضوعية ومنهجية، وبين الشك النفسي القائم على الهوى والظنون.

[اشترك]

 فالغرض من الشك المنهجي هو التأكد علمياً من صحة قضية ما.

 بينما الشك النفسي ليس له غرض علمي غير العبث بالحقائق التي تسالم عليها العقلاء.

 فالبحث العلمي لا يعد بحثاً علمياً إذا لم يكن مشتملاً على أحد صورتين:

 الأولى: الكشف عن شيء لم يكن معروفاً، من خلال معطيات تقود الباحث إلى ذلك الكشف.

 والثاني: التأكد من صحة الحقائق المتسالم عليها، أما بتفنيد أدلتها أو بتدعيمها بأدلة جديدة.

 وعليه فإن الشك المنهجي يقوم على افتراض أولي وهو عدم التسليم بمسألة ما، ومن ثم البحث فيها من جديد، فإما أن يتأكد من صحتها فيزاد يقينه، وإما أن يفندها ويضع بديلاً عنها مسألة جديدة، وهكذا يقوم الباحث بحشد الشواهد والأدلة بتجرد كامل وبدون ميول نفسية أو مؤثرات غير علمية، وفي النتيجة يستخلص الباحث رؤيته العلمية حول المسألة المبحوثة.

 فالشك المنهجي يقوم أساسا على إيجاد اليقين وليس محاربة اليقين.

 وكون الشك المنهجي مقبول كمنهجية علمية لا يعني فتح الباب واسعاً للشك في الأمور الواضحة واليقينية؛ لأن ذلك يعد نوعاً من العبث غير المبرر، فالشك بالمعنى المنهجي لا يحدث إلا بعد توفر قرائن واحتمالات عقلائية تستدعي التحقق من جديد في المسألة.

 ومن هنا لا يمكن الرد على عنوان عام يفترض وجود من يشكك في القرآن دون أن نقف على مبررات ذلك الشك، فالسؤال الذي يسبق هذا السؤال هو؛ ما هي المبررات الموضوعية والشواهد التي ارتكز عليها في تشكيكاته؟ ومن دون ذلك لا يمكن التصدي لكل من أراد أن يشكك في القرآن، فليس المهم أن نمنع تشكيك المشككين وإنما المهم أن نمنع المبررات العلمية التي تقود إلى التشكيك.

فالشك النفسي أو الشك من أجل الشك حالة مرضية تجعل البعض في حيرة دائمة وتردد مستمر، قال تعالى: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) وقد يعود مثل هذا الشك إلى اضطرابات نفسية بسبب التربية أو المحيط الفاسد أو إلى وساوس شيطانية أو إلى غير ذلك.

وفي المحصلة فإن الإسلام طالب الجميع بتحقيق اليقين وبخاصة في الأمور الاعتقادية، وعليه: باب البحث والتحقيق مفتوح أمام المكلفين، ولا يعني هذا فتح الطريق أمام عبث المشككين الذين ينطلقون من مبررات غير علمية، وإنما يجب الالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية بشكل صارم حتى لا يكون أمر الدين فوضى بيد العابثين.

وقد واجه علماء الإسلام كل التشكيكات التي يتذرع بها بعض المنكرين للقرآن الكريم وقاموا بتفنيدها حتى لم يبقى مبرر موضوعي يتشبث به من يحترم عقله وتفكيره.

 فبالنسبة للقرآن يدور الأمر بين أن يكون نازلاً من عند الله أو أن يكون من صنع الإنسان.

 وعليه ينحصر البحث في إمكانية مجاراة الإنسان للقرآن وقدرته على الإتيان بمثله، وقد استخدم القرآن نفس هذه الطريقة عندما تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، فكان التحدي هو الذي يقطع الريبة ويزيل الشكوك، فبعجزهم عن ذلك تتم النسبة ويتحقق المطلوب، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وقال (قل لَئِن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون) وغيرها من الآيات التي تثبت وقوع التحدي كما أثبت التاريخ والواقع عجز الإنسان عن معارضة القرآن والاتيان بمثله وسوف يستمر عجز البشر إلى قيام الساعة.

2023/01/01

هل يفكر «إبليس» بالتوبة؟!
اسم الشيطان فهو إبليس وهو من الجن وليس من الملائكة.

[اشترك]

قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً). (الكهف:51).

وتسمية إبليس بالشيطان، إما مأخوذة من الشطن وهو البعد لأنه ابعد وطرد من رحمة الله تعالى حينما أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام.

قال تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34)). (الحجر:35).

أو من شاط يشيط أي احترق غضبا. مفردات ألفاظ القرآن ـبتصرف- (1/ 539).

هل طلب إبليس التوبة من الله تعالى؟

إبليس لم يفكر بالتوبة قط بل هو مصر على معصيته إلى يوم القيامة.

والقران الكريم قد صرح بآيات كثيرة أن الشيطان مصر على معصيته إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ). (الاعراف:15 -17).

وقال تعالى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ). (الحجر: 35-39).

قال تعالى: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا). (الاسراء:63-64).

2022/12/31

3 أقسام لـ «الأحلام» التي نراها في النوم.. تعرّف عليها
١ ـ الاعتناء بشأنها. كان الناس كثير العناية بأمر الرؤى والمنامات منذ عهود قديمة لا يضبط لها بدء تاريخي، وعند كل قوم قوانين وموازين متفرقة متنوعة يزنون بها المنامات ويعبرونها بها ويكشفون رموزها، ويحلون بها مشكلات إشاراتها فيتوقعون بذلك خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا بزعمهم.

[اشترك]

وقد اعتنى بشأنها في القرآن الكريم كما حكى الله سبحانه فيه رؤيا إبراهيم في ابنه عليه السلام قال: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ـ إلى أن قال ـ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) : الصافات : ١٠٥.

ومنها ما حكاه تعالى من رؤيا يوسف عليه السلام: «إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ»: يوسف : ٤.

ومنها رؤيا صاحبي يوسف في السجن: «قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » : يوسف : ٣٦.

ومنها رؤيا الملك: «وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ»: يوسف: ٤٣.

ومنها رؤيا أم موسى قال تعالى : « إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ » : طه : ٣٩ على ما ورد في الروايات أنه كان رؤيا.

ومنها ما ذكر من رؤي رسول الله صلى‌الله‌عليه ‌وآله قال تعالى : « إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ » : الأنفال : ٤٣ ، وقال : « لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ » : الفتح : ٢٧ وقال : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ » : الإسراء : ٦٠.

وقد وردت من طريق السمع روايات كثيرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمة أهل البيت عليه‌السلام تصدق ذلك وتؤيده.

لكن الباحثين من علماء الطبيعة من أوربا لا يرون لها حقيقة ولا للبحث عن شأنها وارتباطها بالحوادث الخارجية وزنا علميا إلا بعضهم من علماء النفس ممن اعتنى بأمرها ، واحتج عليهم ببعض المنامات الصحيحة التي تنبئ عن حوادث مستقبلة أو أمور خفية إنباء عجيبا لا سبيل إلى حمله على مجرد الاتفاق والصدفة ، وهي منامات كثيرة جدا مروية بطرق صحيحة لا يخالطها شك ، كاشفة عن حوادث خفية أو مستقبلة أوردها في كتبهم.

٢ ـ وللرؤيا حقيقة. ما منا واحد إلا وقد شاهد من نفسه شيئا من الرؤى والمنامات دله على بعض الأمور الخفية أو المشكلات العلمية أو الحوادث التي ستستقبله من الخير أو الشر أو قرع سمعه بعض المنامات التي من هذا القبيل ، ولا سبيل إلى حمل ذلك على الاتفاق وانتفاء أي رابطة بينها وبين ما ينطبق عليها من التأويل. وخاصة في المنامات الصريحة التي لا تحتاج إلى تعبير.

نعم مما لا سبيل أيضا إلى إنكاره أن الرؤيا أمر إدراكي وللخيال فيها عمل ، والمتخيلة من القوى الفعالة دائما ربما تدوم في عملها من جهة الأنباء الواردة عليها من ناحية الحس كاللمس والسمع ، وربما تأخذ صورا بسيطة أو مركبة من الصور والمعاني المخزونة عندها فتحلل المركبات كتفصيل صورة الإنسان التامة إلى رأس ويد ورجل وغير ذلك وتركب البسائط كتركيبها إنسانا مما اختزن عندها من أجزائه وأعضائه فربما ركبته بما يطابق الخارج وربما ركبته بما لا يطابقه كتخيل إنسان لا رأس له أو له عشرة رءوس.

وبالجملة للأسباب والعوامل الخارجية المحيطة بالبدن كالحر والبرد ونحوها والداخلية الطارئة عليه كأنواع الأمراض والعاهات وانحرافات المزاج وامتلاء المعدة والتعب وغيرها تأثير في المتخيلة فلها تأثير في الرؤيا.

فترى أن من عملت فيه حرارة أو برودة بالغة يرى في منامه نيرانا مؤججة أو الشتاء والجمد ونزول الثلوج ، وأن من عملت فيه السخونة فألجمه العرق يرى الحمام وبركان الماء ونزول الأمطار ونحو ذلك ، وأن من انحرف مزاجه أو امتلأت معدته يرى رؤيا مشوشة لا ترجع إلى طائل.

وكذلك الأخلاق والسجايا الإنسانية شديدة التأثير في نوع تخيله فالذي يحب إنسانا أو عملا لا ينفك بتخيله في يقظته ويراه في نومته والضعيف النفس الخائف الذعران إذا فوجئ بصوت يتخيل إثره أمور هائلة لا إلى غاية ، وكذلك البغض والعداوة والعجب والكبر والطمع ونظائرها كل منها يجر الإنسان إلى تخيله صور متسلسلة تناسبه وتلائمه ، وقل ما يسلم الإنسان من غلبة بعض هذه السجايا على طبعه.

ولذلك كان أغلب الرؤى والمنامات من التخيلات النفسانية التي ساقها إليها شيء من الأسباب الخارجية والداخلية الطبيعية والخلقية ونحوها فلا تحكي النفس بحسب الحقيقة إلا كيفية عمل تلك الأسباب وأثرها فيها فحسب لا حقيقة لها وراء ذلك.

وهذا هو الذي ذكره منكرو حقيقة الرؤيا من علماء الطبيعة لا يزيد على تعداد هذه الأسباب المؤثرة في الخيال العمالة في إدراك الإنسان.

ومن المسلم ما أورده غير أنه لا ينتج إلا أن كل الرؤيا ليس ذا حقيقة وهو غير المدعى وهو أن كل منام ليس ذا حقيقة فإن هناك منامات صالحة ورؤيا صادقة تكشف عن حقائق ولا سبيل إلى إنكارها ونفي الرابطة بينها وبين الحوادث الخارجية والأمور المستكشفة كما تقدم.

فقد ظهر مما بينا أن جميع الرؤى لا تخلو عن حقيقة بمعنى أن هذه الإدراكات المتنوعة المختلفة التي تعرض النفس الإنسانية في المنام وهي المسماة بالرؤى لها أصول وأسباب تستدعي وجودها للنفس وظهورها للخيال وهي على اختلافها تحكي وتمثل بأصولها وأسبابها التي استدعتها فلكل منام تأويل وتعبير غير أن تأويل بعضها السبب الطبيعي العامل في البدن في حال النوم، وتأويل بعضها السبب الخلقي وبعضها أسباب متفرقة اتفاقية كمن يأخذه النوم وهو متفكر في أمر مشغول النفس به فيرى في حلمه ما يناسب ما كان ذاهنا له.

وإنما البحث في نوع واحد من هذه المنامات ، وهي الرؤى التي لا تستند إلى أسباب خارجية طبيعية ، أو مزاجية أو اتفاقية ولا إلى أسباب داخلية خلقية أو غير ذلك ، ولها ارتباط بالحوادث الخارجية. والحقائق الكونية.

٣ ـ المنامات الحقة. المنامات التي لها ارتباط بالحوادث الخارجية وخاصة المستقبلية منها لما كان أحد طرفي الارتباط أمرا معدوما بعد كمن يرى أن حادثة كذا وقعت ثم وقعت بعد حين كما رأى. ولا معنى للارتباط الوجودي بين موجود ومعدوم ، أو أمرا غائبا عن النفس لم يتصل بها من طريق شيء من الحواس كمن رأى أن في مكان كذا دفينا فيه من الذهب المسكوك كذا ومن الفضة كذا في وعاء صفته كذا وكذا ثم مضى إليه وحفر كما دل عليه فوجده كما رأى ، ولا معنى للارتباط الإدراكي بين النفس وبين ما هو غائب عنها لم ينله شيء من الحواس.

ولذا قيل: إن الارتباط إنما استقر بينها وبين النفس النائمة من جهة اتصال النفس بسبب الحادثة الواقعة الذي فوق عالم الطبيعة فترتبط النفس بسبب الحادثة ومن طريق سببها بنفسها.

 

توضيح ذلك أن العوالم ثلاثة : عالم الطبيعة وهو العالم الدنيوي الذي نعيش فيه والأشياء الموجودة فيها صور مادية تجري على نظام الحركة والسكون والتغير والتبدل.

وثانيها : عالم المثال وهو فوق عالم الطبيعة وجودا ، وفيه صور الأشياء بلا مادة منها تنزل هذه الحوادث الطبيعة وإليها تعود ، وله مقام العلية ونسبة السببية لحوادث عالم الطبيعة.

وثالثها : عالم العقل وهو فوق عالم المثال وجودا وفيه حقائق الأشياء وكلياتها من غير مادة طبيعية ولا صورة ، وله نسبة السببية لما في عالم المثال.

والنفس الإنسانية لتجردها لها مسانخة مع العالمين عالم المثال وعالم العقل فإذا نام الإنسان وتعطل الحواس انقطعت النفس طبعا عن الأمور الطبيعية الخارجية ورجعت إلى عالمها المسانخ لها وشاهدت بعض ما فيها من الحقائق بحسب ما لها من الاستعداد والإمكان.

فإن كانت النفس كاملة متمكنة من إدراك المجردات العقلية أدركتها واستحضرت أسباب الكائنات على ما هي عليها من الكلية والنورية ، وإلا حكتها حكاية خيالية بما تأنس بها من الصور والأشكال الجزئية الكونية كما نحكي نحن مفهوم السرعة الكلية بتصور جسم سريع الحركة ، ونحكي مفهوم العظمة بالجبل ، ومفهوم الرفعة والعلو بالسماء وما فيها من الأجرام السماوية ونحكي الكائد المكار بالثعلب والحسود بالذئب والشجاع بالأسد إلى غير ذلك.

وإن لم تكن متمكنة من إدراك المجردات على ما هي عليها والارتقاء إلى عالمها توقفت في عالم المثال مرتقية من عالم الطبيعة فربما شاهدت الحوادث بمشاهدة عللها وأسبابها من غير أن تتصرف فيها بشيء من التغيير ، ويتفق ذلك غالبا في النفوس السليمة المتخلقة بالصدق والصفاء ، وهذه هي المنامات الصريحة.

 

وربما حكت ما شاهدته منها بما عندها من الأمثلة المأنوس بها كتمثيل الازدواج بالاكتساء والتلبس ، والفخار بالتاج والعلم بالنور والجهل بالظلمة وخمود الذكر بالموت ، وربما انتقلنا من الضد إلى الضد كانتقال أذهاننا إلى معنى الفقر عند استماع الغنى وانتقالنا من تصور النار إلى تصور الجمد ومن تصور الحياة إلى تصور الموت وهكذا ، ومن أمثلة هذا النوع من المنامات ما نقل أن رجلا رأى في المنام أن بيده خاتما يختم به أفواه الناس وفروجهم فسأل ابن سيرين عن تأويله فقال : إنك ستصير مؤذنا في شهر رمضان فيصوم الناس بأذانك.

وقد تبين مما قدمناه أن المنامات الحقة تنقسم انقساما أوليا إلى منامات صريحة لم تتصرف فيها نفس النائم فتنطبق على ما لها من التأويل من غير مئونة ، ومنامات غير صريحة تصرفت فيها النفس من جهة الحكاية بالأمثال والانتقال من معنى إلى ما يناسبه أو يضاده ، وهذه هي التي تحتاج إلى التعبير بردها إلى الأصل الذي هو المشهود الأولي للنفس كرد التاج إلى الفخار ، ورد الموت إلى الحياة والحياة إلى الفرج بعد الشدة ورد الظلمة إلى الجهل والحيرة أو الشقاء.

ثم هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما ما تتصرف فيه النفس بالحكاية فتنتقل من الشيء إلى ما يناسبه أو يضاده ووقفت في المرة والمرتين مثلا بحيث لا يعسر رده إلى أصله كما مر من الأمثلة. وثانيهما ما تتصرف فيه النفس من غير أن تقف على حد كان تنتقل مثلا من الشيء إلى ضده ومن الضد إلى مثله ومن مثل الضد إلى ضد المثل وهكذا بحيث يتعذر أو يتعسر للمعبر أن يرده إلى الأصل المشهود ، وهذا النوع من المنامات هي المسماة بأضغاث الأحلام ولا تعبير لها لتعسره أو تعذره.

وقد بان بذلك أن هذه المنامات ثلاثة أقسام كلية: وهي المنامات الصريحة ولاتعبير لها لعدم الحاجة إليه ، وأضغاث الأحلام ولا تعبير فيها لتعذره أو تعسره والمنامات التي تصرفت فيها النفس بالحكاية والتمثيل وهي التي تقبل التعبير.

هذا إجمال ما أورده علماء النفس من قدمائنا في أمر الرؤيا واستقصاء البحث فيها أزيد من هذا المقدار موكول إلى كتبهم في هذا الشأن.

٤ ـ وفي القرآن ما يؤيد ذلك ـ : قال تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » : الأنعام : ٦٠ ، وقال : « اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى » : الزمر : ٤٢ وظاهره أن النفوس متوفاة ومأخوذة من الأبدان مقطوعة التعلق بالحواس الظاهرة راجعة إلى ربها نوعا من الرجوع يضاهي الموت.

وقد أشير في كلامه إلى كل واحد من الأقسام الثلاثة المذكورة فمن القسم الأول ما ذكر من رؤيا إبراهيم عليه السلام ورؤيا أم موسى وبعض رؤي النبي صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله ، ومن القسم الثاني ما في قوله تعالى : « قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ » الآية : يوسف : ٤٤ ومن القسم الثالث رؤيا يوسف ومناما صاحبيه في السجن ورؤيا ملك مصر المذكورة في سورة يوسف.

2022/12/27

ماذا ينتظرني بعد سقوط «المملحة».. خرفات منشؤها التشاؤم!
«التطيّر والتفاؤل».. «التطيّر» مأخوذ من مادة «طير» وهو معروف، إذ يعني ما يطير بجناحين في الجوّ، ولما كان العرب يتشاءمون غالبا من بعض الطيور، سمي الفأل غير المحبوب تطيّرا، وهو في قبال «التفأل» ومعناه الفأل الحسن المحبوب.

[اشترك]

وقد وردت في القرآن الإشارة إلى هذا المعنى مرارا وهي أن المشركين الخرافيّين كانوا يواجهون أنبياءهم بحربة التطير، كما نقرأ ذلك في قصّة موسى وأصحابه (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ)[1].

وفي الآيات ـ محل البحث ـ أظهر قوم «ثمود» المشركون رد فعلّهم في مقابل نبيّهم «صالح» بالتطير أيضا.

وأساسا، ونقرأ في سورة «يس» أن المشركين تطيّروا من مجيء رسل المسيح عليه‌السلام الى «انطاكية» (يس ـ ١٨).

فإنّ الإنسان لا يمكن أن يقف أمام الحوادث على حال واحدة، فلا بدّ أن يفسّر آخر الأمر لكل حادثة علة ... فإذا كان الإنسان مؤمنا موحدا لله، فإنّه يرجع العلل إلى ذاته المقدسة تعالى طبقا لحكمته، فكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. ولو استند إلى العلم في تحليل العلة والمعلول الطبيعيين، فستحل مشكلته ايضا، وإلّا فإنّه سينتج أوهاما وخرافات لا أساس لها .. أوهاما لا حد لها .. وأحدها «التطير» والفأل السيء!

مثلا كان عرب الجاهلية إذا رأوا الطائر يتحرك من اليمين نحو الشمال عدوّه فألا حسنا، وإذا رأوه يتحرك من الشمال «اليسار» نحو اليمين عدّوه فألا سيئا، ودليلا على الخسران أو الهزيمة! وغيرها من الخرافات الكثيرة عندهم[2].

واليوم يوجد ـ من قبيل هذه الخرافات والأوهام ـ الكثير في مجتمعات لا تؤمن بالله، وإن حققت نصرا من حيث العلم والمعرفة، بحيث لو سقطت «مملحة» على الأرض أقلقتهم إلى حد كبير! ... ويستوحشون من الدار أو البيت أو الكرسي المرقم بـ ١٣، وما زالت سوق المنجمين وأصحاب الفأل رائجة غير كاسدة! فهناك مشترون كثر «للطالع والبخت»!.

إلّا أنّ القرآن جمع كل هذه الأمور فجعلها في جملة موجزة قصيرة فقال : (طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ).

أجل، فطائركم وطالعكم وانتصاركم وهزيمتكم وتوفيقكم وفشلكم كله عند الله، الله الحكيم الذي يهب عطاياه لمن كانت عنده اللياقة، واللياقة بدورها انعكاس تنعكس عن الإيمان والأعمال الصالحة أو الطالحة!.

وهكذا فإنّ الإسلام يدعو أتباعه ليخرجهم من وادي الخرافة إلى الحقيقة، ومن المفازة[3] إلى الصراط المستقيم.

الهوامش:


[1] الأعراف ، ١٣١. [2] يشير الكميت الأسدي إلى بعض هذه الخرافات في قصيدته البائية فيقول : ولا أنا ممن يزجر الطير همّه أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب (المصحح). [3] المفازاة تأتي بمعنى الفوز ، وتأتى بمعنى الهلاك ... فهي من الأضداد في اللغة ـ وهنا معناها الصحراء المهلكة (المصحح).
2022/12/24

السؤال الصعب: نجمع المال ونسعى للمناصب.. أم نزكّي أنفسنا؟!
كلما ازداد عدد أقسام -جمع قسم- القرآن ازدادت أهمية الموضوع، وفي سورة الشمس المباركة أكبر عدد من الأقسام ، خاصّة وأنّ القسم بالذات الإلهية المقدسة تكرر ثلاث مرات.

[اشترك] 

ثمّ جاء التركيز على أن النجاح والفلاح في تزكية النفس ، وأن الخيبة والخسران في ترك التزكية.

وهذه في الواقع أهم مسألة في حياة الإنسان ، والقرآن الكريم إذ يطرح هذه الحقيقة إنّما يؤكّد على أنّ فلاح الإنسان لا يتوقف على الأوهام ولا على جمع المال والمتاع ونيل المنصب والمقام ، ولا على أعمال أشخاص آخرين (كما هو معروف في المسيحية بشأن ارتباط فلاح الإنسان بتضحية السيد المسيح) ... بل الفلاح يرتبط بتزكية النفس وتطهيرها وسمّوها في ظل الإيمان والعمل الصالح.

وشقاء الإنسان ليس أيضا وليد قضاء وقدر وبالإجبار ، ولا نتيجة مصير مرسوم ، ولا بسبب فعل هذا وذاك ، بل هو فقط بسبب التلوث بالذنوب والانحراف عن مسير التقوى.

وفي الأثر أن زوج العزيز (زليخا) قالت ليوسف لما أصبح حاكم مصر: «إنّ الحرص والشهوة تصير الملوك عبيدا ، وأن الصبر والتقوى يصير العبيد ملوكا ، فقال يوسف : قال الله تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)» (١).

وعنها أيضا قالت لما رأت موكب يوسف مارا من أمامها: «الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا ، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا» (٢)

نعم، عبادة النفس تؤدي إلى وقوع الإنسان في أغلال الرقية بينما تزكية النفس توفّر أسباب التحكم في الكون.

ما أكثر الذين وصلوا بعبوديتهم لله تعالى درجة جعلتهم أصحاب ولاية تكوينية ، ومكنتهم بإذن الله أن يؤثروا في حوادث هذا العالم وأن تصدر منهم الكرامات وخوارق العادات!!

إلهي! أعنّا على أنفسنا وعلى كبح جماح أهوائنا.

إلهي! لقد ألهمتنا «الفجور» و «التقوى» فوفقنا للاستفادة من هذا الإلهام.

إلهي! دسائس الشيطان خفية غامضة في نفس الإنسان ، فوفقنا لمعرفتها.

آمين يا ربّ العالمين

الهوامش: (١) المحجة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١١٦. (٢) المحجة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١١٧.
2022/12/14

من هم الراسخون في العلم؟!
هذا التعبير القرآني ورد في موضعين. هذا أحدهما هنا والآخر في سورة النساء، إذ يقول: (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)[1].

[اشترك]

وبحسب المعنى اللغوي لهذه الكلمة، فإنّها تعني الذين لهم قدم ثابتة في العلم والمعرفة.

طبيعي أن يكون معنى الكلمة واسعا يضمّ جميع العلماء والمفكّرين، إلّا أن بين هؤلاء أفرادا متميّزين لهم مكانتهم الخاصّة، ويأتون على رأس مصاديق الراسخين في العلم وتنصرف إليهم الأذهان عند استعمال هذه الكلمة قبل غيرهم.

وهذا هو الذي تقول به بعض الأحاديث التي تفسّر الراسخين في العلم بأنّهم النبيّ صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم وأئمّة الهدى عليهم ‌السلام، فقد سبق أن قلنا إنّ لكلمات القرآن ومفاهيمه معاني واسعة، ومن مصاديقها البارزة الشخصيّات النموذجية السامية التي تذكر أحيانا وحدها في تفسير تلك الكلمات والمفاهيم.

عن بريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفر «الباقر» عليه‌ السلام: قول الله (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) قال: «يعني تأويل القرآن كلّه، إلّا الله والراسخون في العلم، فرسول الله أفضل الراسخين، وقد علّمه جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله منزلا عليه شيئا لم يعلّمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه»[2].

 

وهناك أحاديث كثيرة أخرى في أصول الكافي[3] وسائر كتب الحديث بهذا الشأن، جمعها صاحبا تفسير «نور الثقلين» وتفسير «البرهان» في ذيل هذه الآية. وكما قلنا فإنّ تفسير الراسخين بالعلم بأنّهم النبيّ صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم وأئمّة الهدى عليهم‌ السلام لا يتعارض مع المفهوم الواسع الذي يشمله هذا التعبير، فقد نقل عن ابن عبّاس أنّه قال «أنا أيضا من الراسخين في العلم» إلّا أنّ كلّ امرئ يتعرّف على أسرار تأويل آيات القرآن بقدر سعته العلمية، فالذين يصدرون في علمهم عن علم الله اللامتناهي لا شكّ أعلم بأسرار تأويل القرآن، والآخرون يعلمون جزءا من تلك الأسرار.

الراسخون في العلم يعرفون معنى المتشابهات

ثمّة نقاش هامّ يدور بين المفسّرين والعلماء حول ما إذا كانت عبارة (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) بداية جملة مستقلّة، أم أنّها معطوفة على (إِلَّا اللهَ). وبعبارة أخرى: هل أنّ معنى الآية وأنّه (ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)؟ أم أنّه (ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)؟ إنّ لكلّ فريق من مؤيّدي هذين الاتجاهين أدلّته وبراهينه وشواهده. أمّا القرائن الموجودة في الآية والأحاديث المشهورة المنسجمة معها فتقول إنّ (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوفة على «الله» ، وذلك:

أوّلا: يستبعد كثيرا أن تكون في القرآن آيات لا يعلم أسرارها إلّا الله وحده.

ألم تنزل هذه الآيات لهداية البشر وتربيتهم؟ فكيف يمكن أن لا يعلم بمعانيها وتأويلها حتّى النبيّ الذي نزلت عليه؟ هذا أشبه بمن يؤلّف كتابا لا يفهم معاني بعض أجزائه سواه!

وثانيا: كما يقول المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان»: لم يسبق أن رأينا بين علماء الإسلام والمفسّرين من يمتنع عن تفسير آية بحجّة أنّها من الآيات التي لا يعرف معناها سوى الله، بل كانوا جميعا يجدّون ويجتهدون لكشف أسرار القرآن ومعانيه.

وثالثا: إذا كان القصد هو أنّ الراسخين في العلم يسلّمون لما لا يعرفونه، لكان الأولى أن يقال: والراسخون في الإيمان يقولون آمنّا به. لأنّ الرسوخ في العلم يتناسب مع العلم بتأويل القرآن، ولا يتناسب مع عدم العلم به والتسليم له.

ورابعا: أنّ الأحاديث الكثيرة التي تفسّر هذه الآية تؤكّد كلّها أنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وعليه فيجب أن تكون معطوفة على «الله». الشيء الوحيد الباقي هو إنّ خطبة «الأشباح» للإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة يستفاد منها أنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل الآيات ويعترفون بعجزهم.

«وأعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب الحجوب»[4].

ولكن فضلا عن كون هذه العبارة تناقض بعض الأحاديث المنقولة عنه عليه ‌السلام التي قال فيها: إنّ الراسخين في العلم معطوفة على «الله» وإنّهم عالمون بتأويل القرآن، فإنّها لا تنسجم أيضا مع الأدلّة التي سبق ذكرها[5]. وعليه فيلزم تفسير هذه الجملة من خطبه «الأشباح» بما يتّفق والأسانيد الأخرى التي بين أيدينا.

الهوامش:
[1] النساء : ١٦٢. [2] تفسير العيّاشي : ج ١ ص ١٦٤. [3] اصول الكافي : ج ١ ص ٢١٣. [4] نهج البلاغة : الخطبة ٩١. [5] انظر تفسير نور الثقلين : ج ١ ص ٣١٥.
2022/12/03

كيف يستفيد الشيطان من ’الأغاني’ و ’القوة العسكرية’ في السيطرة علينا؟!
بالرغم من أنّ المخاطب في الآيات (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ... وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً). هو الشيطان ، وأنّ الله جلّ جلاله يتوعده ويقول له : افعل كل ما تريده في سبيل غواية الناس ، واستخدم كل طرقك في ذلك ، إلّا أنّ هذا الوعيد ـ في الواقع ـ هو تهديد وتنبيه لنا نحن بني الإنسان حتى نعرف الطرق التي ينفذ منها الشيطان والوسائل التي يستخدمها في وساوسه وإغوائه.

[اشترك]

الطريف في الأمر أنّ الآيات القرآنية تشير إلى أربعة طرق وأساليب مهمّة وأساسية من أساليب الشيطان ، وتقول للإنسان : عليك بمراقبة نفسك من خلال الجوانب الأربعة هذه :

أ: البرامج التبليغية التي تجد دلالتها في التعبير القرآني (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) حيث اعتبر بعض المفسّرين أنّها تعني ـ فقط ـ أنغام الموسيقي الشهوانية المثيرة ، والأغاني المبتذلة ، ولكن هذا المعنى يتسع حتى يشمل جميع البرامج الدعائية التي تقود للانحراف والتي تستخدم ـ عادة ـ الأجهزة الصوتية والسمعية.

لهذا فإنّ أوّل برامج الشيطان هو الاستفادة من هذه الأجهزة. هذه القضية تتوضح في زماننا هذا أكثر ، لأنّ عالمنا اليوم هو عالم الأمواج الراديوية ، وعالم الدعاية والتبليغ الواسع ، سواء كان على الصعيد السمعي أو البصري. حيث أنّ الشياطين وأحزابهم في الشرق والغرب يعتمدون على هذه الأجهزة ويخصصون قسما كبيرا من ميزانيتهم للصرف في هذا الطريق حتى يستعمروا عبيد الله ، ويحرفوهم عن طريق الحق والاستقلال ، ويزيغوا بهم عن طريق الهداية والإيمان والتقوى ، ويجعلون منهم عبيدا تابعين لا حول لهم ولا قوة.

ب : الاستفادة من القوة العسكرية : وهذا لا يخص زماننا حيث أنّ الشياطين يستخدمون القوّة العسكرية لأجل الحصول على مناطق للنفوذ. إنّ الأداة العسكرية تعتبر أداة خطرة لكل الظالمين والمستكبرين في العالم. فهؤلاء وفي لحظة واحدة يصرخون في قواتهم العسكرية ويرسلونها إلى المناطق التي تحاول الحصول على حريتها واستقلالها وتسعى إلى الاعتماد بقوات على قدراتها الخاصّة.

وفي عصرنا الحاضر نرى أنّهم نظّموا ما يسمونه بقوات (التدخل السريع) والذي هو نفس مفهوم (الإجلاب) القرآني ، وهذا يعني أنّهم جعلوا جزءا من قواتهم العسكرية على شكل قوات خاصّة كي يستطيعوا إرسالها في أسرع وقت إلى أي منطقة من مناطق العالم تتعرض فيها مصالحهم غير المشروعة للخطر ، لكي يقضوا بواسطة هذه القوات على أي حركة تطالب بالحق وتنادي بالاستقلال.

وقبل أن تصل القوات السريعة الخاصّة هذه ، يكون هؤلاء قد هيأوا الأرضية بواسطة جواسيسهم الماهرين ، والذين هم في الواقع كناية عن جيش المشاة (الرجّالة).

إنّ هؤلاء في مخططاتهم هذه قد غفلوا عن أنّ الله سبحانه وتعالى قد وعد أولياءه الحقيقيين ـ في نفس هذه الآيات ـ بأنّ الشيطان وجيشه لا يستطيع أن يسيطر عليهم.

ج : البرامج الاقتصادية ذات الظاهر الإنساني : من أساليب الشيطان الأخرى المؤثرة في النفوذ والغواية ، هي المشاركة في الأموال والأنفس ، وهنا نرى أيضا : أنّ بعض المفسّرين يخصص هذه المشاركة ب (الربا). أمّا المشاركة في الأولاد فيحصر معناها بـ «الأولاد غير الشرعين» (١).

في حين أنّ هاتين الكلمتين لهما معاني أوسع ، إذ تشمل جميع الأموال المستحصلة عن طريق الحرام ، والأبناء غير الشرعيين وغيرهم. فمثلا في زماننا الحاضر نشاهد أنّ الشياطين المستكبرين يقترحون دائما استثمار وتأسيس الشركات ، وإيجاد مختلف المصانع والمصالح الاقتصادية في الدول الضعيفة ، وتحت غطاء هذه الشركات تتم مختلف أشكال النشاطات الخطرة والضارّة بالبلد المستضعف ، حيث يرسل الشياطين جواسيسهم تحت عنوان خبراء فنيين أو مستشارين اقتصاديين أو مهندسين تقنيين ، ويقوم هؤلاء جميعا بامتصاص خيرات البلد الذين هم فيه بأبرع الحيل وأظرفها ، ويقفون حائلا بين البلد وبين تحقيقه لاستقلاله الاقتصادي على بنية اقتصادية تحتية حقيقية.

وعن طريق تأسيس المدارس والجامعات والمكتبات والمستشفيات والمراكز السياحية ، فإنّهم يشاركون هذه الدول الضعيفة في أبنائها حيث يحاولون أن يستميلوا هؤلاء نحوهم ، وأحيانا عن طريق توفير (المنح الدراسية) لشباب ، فإنّهم يقومون (بجلبهم) نحو ثقافتهم ويشاركونهم في أفكارهم ، وما يترتب على ذلك من فساد العقيدة.

ومن الأساليب الرائجة والمخربة لهؤلاء الشياطين إيجاد مراكز الفساد تحت غطاء الفنادق العالمية وإيجاد المناطق الترفيهية ودور السينما والافلام المبتذلة وأمثال ذلك ، حيث لا تكون هذه الوسائل أدوات لترويج الفحشاء وزيادة أولاد الزنا فحسب ، بل تؤدي إلى انحراف جيل الشباب وتميّعهم وتغرّبهم ، وتصنع منهم أشخاصا فاقدين للإرادة. وكلما أمعنا النظر في دسائسهم ومكرهم تكشفت لنا الأخطار الكبيرة الكامنة في هذه الوساوس الشيطانية.

د : برامج التخريب النفسي : من البرامج الأخرى التي يتبعها الشياطين ، الاستفادة من الوعود والأمنيات الكاذبة التي يطلقونها بمختلف الحيل ، فهؤلاء الشياطين يعدّون مجموعة ماهرة ومتمكنة من علماء النفس لغواية الناس البسطاء منهم والأذكياء ، كلا بما يناسب وضعه ، ففي بعض الأحيان يصورون لهم حالهم بأنّهم سيصبحون قريبا من الدول المتمدنة والكبيرة ، أو أنّ شبابهم لا مثيل له ، ويستطيع الشباب في بلدانهم أن يصل من خلال إتباعه برامجهم إلى أوج العظمة ، وهكذا في بلدانهم يغرقوهم في هذه الخيالات الواهية التي تتلخّص في جملة (وَعِدْهُمْ).

في أحيان أخرى يسلك الشياطين طريقا معكوسة ، إذ يصوّرون للبلد بأنّه لا يستطيع مطلقا مواجهة القوى الكبرى ، وأنّهم متأخرون عن هذه القوى بمائة عام أو أكثر ، وبهذا الأسلوب تزرع المبررات النفسية لاستمرار التخلف وعدم انطلاق جهود البلد الضعيف نحو العمل والبناء الحقيقي.

بالطبع هذه القصّة لها بدايات بعيدة ، وطرق نفوذ الشيطان فيها لا تنحصر بواحد أو اثنتين.

ولكنّ (عباد الله) الحقيقيين والمخلصين ، وبالاتكاء على الوعد القرآني القاطع بالنصر ، والذي تضمنته هذه الآيات ، سيقومون بمحاربة الشياطين ولا يسمحون بالتردد يساور أنفسهم ، وهم يعلمون ـ برغم الأصوات الكثيرة للشياطين ـ أنّهم سينتصرون ، وإنّهم بصبرهم وصمودهم وبإيمانهم وتوكلهم على الله سوف يفشلون الخطط الشيطانية ، وذلك قوله تعالى : (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً).

٣ ـ أمّا لماذا خلق الله الشيطان؟ فقد بحثنا ذلك في الآية (٣٩) من سورة البقرة. وفيما يخص وساوس الشيطان وأشكالها ولبوساتها ، ومعنى الشيطان في القرآن ، فقد بحثنا كل ذلك في ذيل الآية (١٣) من سورة الأعراف. والآية (٣٩) من سورة البقرة من هذا التّفسير.

*مقتطف من كتاب تفسير الأمثل لـ "آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي" - مرجع ديني
الهوامش: 
(١) في معاني المفردات تراجع مفردات الراغب ، ومجمع البيان.
(2) وردت روايات متعدّدة في أنّ مشاركة الشيطان في الأولاد تعني الأبناء غير الشرعيين ، أو المنعقدة نطفتهم من مال حرام ، أو انعقاد النطفة في لحظة غفلة الوالدين عن الخالق ، ولكن ـ كما قلنا مرّات ـ إنّ هذه التفاسير تبيّن جانبا من المصداق الواضح وهي ليست دليلا على حصر المعنى. (راجع تفسير نور الثقلين ، المجلد الثّالث ، صفحة ١٨٤).  
2022/11/19

2022/11/08

أعطيناك «فاطمة».. ما علاقة ذرية النبي (ص) بسورة الكوثر؟
الكوثر له معنى واسع يشمل كل خير وهبه الله لنبيّه صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم، ومصاديقه كثيرة، لكن كثيرا من علماء الشيعة ذهبوا إلى أنّ «فاطمة الزهراء عليها ‌السلام» من أوضح مصاديق الكوثر، لأنّ رواية سبب النزول تقول: إنّ المشركين وصموا النّبي بالأبتر، أي بالشخص المعدوم العقب، وجاءت الآية لتقول: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ).

[اشترك]

ومن هنا نستنتج أن الخير الكثير أو الكوثر هو فاطمة الزهراء عليها‌ السلام، لأن نسل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انتشر في العالم بواسطة هذه البنت الكريمة ... وذرية الرسول من فاطمة لم يكونوا امتدادا جسميا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحسب، بل كانوا امتدادا رساليا صانوا الإسلام وضحوا من أجل المحافظة عليه وكان منهم أئمّة الدين الإثني عشر، أو الخلفاء الإثني عشر بعد النّبي كما أخبر عنهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأحاديث المتواترة بين السنة والشيعة، وكان منهم أيضا الآلاف المؤلفة من كبار العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسّرين وقادة الامّة.

والفخر الرازي في استعراضه لتفاسير معنى الكوثر يقول: القول الثّالث «الكوثر» أولاده. قالوا لأنّ هذه السّورة إنّما نزلت ردّا على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد فالمعنى أنّه يعطيه نسلا يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالم ممتلئ منهم ولم يبق من بني امية في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم ‌السلام والنفس الزكية وأمثالهم[1].


الهوامش: [1] تفسير الفخر الرازي، ج ٣٢، ص ١٢٤.
2022/11/03

هل الشيطان شخصية حقيقية أم هو من هواجس النفس الإنسانية؟!

 

يبدو أن السائل يبحث عن الفوارق بين وسوسة الشيطان وهواجس النفس، ولا يقصد التشكيك في وجود الشيطان من الأساس، لكون ذلك من المسلمات عند جميع المسلمين، فكل من يؤمن بالقرآن وبرسالة الإسلام لا يمكنه التشكيك في وجود الشيطان.

[اشترك]

وإذا افترضنا وجود من يشكك في ذلك بالفعل فلا يمكن مناقشته في وجود الشيطان قبل مناقشته في أمور أخرى سابقة للإيمان بوجوده، فإثبات وجود الشيطان يأتي في مرتبة متأخرة بعد إثبات وجود الله وإثبات نبوة النبي ومحمد وإثبات كون القرآن من الله، ولا نظن أن السائل يقصد كل ذلك، وعليه سوف نختصر الإجابة في بيان بعض الفوارق بين وسوسة الشيطان وسوسة النفس.

من الواضح أن إثبات كون الشيطان شخصية حقيقية لا ينفي وجود هواجس نفسية والعكس صحيح أيضاً، فلكل واحد منهما وجوده الخاص الذي لا ينفي وجود الآخر، فليس من الصحيح تفسير وسوسة الشيطان بالهواجس النفسية أو تفسير الهواجس النفسية بوسوسة الشيطان، ويبدو أن التشابه بينهما يعود إلى كونهما يمثلان شعوراً نفسياً واحداً، فالإنسان قد لا يميز بين الشعور النفسي حال الوسوسة الشيطانية وبين الشعور النفسي حال الهواجس النفسية، فيخال للإنسان إنهما أمراً واحداً، إلا أن حقيقة الاختلاف لا تعود إلى جهة الشعور النفسي، وإنما تعود إلى جهة المضمون والمحتوى، فالوسوسة الشيطانية لها طابع وغاية تختلف عن طابع وغاية والوساوس النفسية، وقبل بيان ذلك لابد من الإشارة إلى أن النصوص الإسلامية تؤكد على وجود نوعين من الوسوسة، الأولى تعود إلى النفس، والثانية تعود إلى الشيطان.

فالنسبة لوسوسة النفس قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لكل قلب وسواس، فإذا فتق الوسواس حجاب القلب نطق به اللسان وأخذ به العبد، وإذا لم يفتق القلب ولم ينطق به اللسان فلا حرج).

وبالنسبة لوسوسة الشيطان قال تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إذا وسوس الشيطان لأحدكم فليتعوذ بالله، وليقل بلسانه وقلبه آمنت بالله ورسوله مخلصا له الدين).

وإذا كانت النصوص قد فرقت بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان فمن الممكن أن نكتشف تلك الفوارق من خلال طبيعة الشيطان ووظيفته وطبيعة النفس ووظيفتها.

فإذا نظرنا للنفس نجد أن الأهواء والشهوات والغرائز هي التي تتحكم في ميولها، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، فالآية تتحدث عن طبيعة المتاع في الدنيا وفي نفس الوقت تتحدث عن طبيعة ما تهواه النفس الإنسانية، وعند هذا المستوى يتساوى جميع البشر فمطامعهم واحدة ورغباتهم مشتركة، ومن الطبيعي في هذه المرحلة أن تحدث كل إنسان نفسه بالحصول على متع الحياة، إلا أن هناك مرحلة ثانية فيها ينقسم البشر إلى مؤمن وكافر وهي المرحلة التي اشارت لها الآية بقوله: (وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) في إشارة إلى وجود حياة أخرى غير حياة الدنيا، وعند هذه النقطة تأتي وسوسة الشيطان، حيث تكون وظيفته صرف الإنسان عن حياة الآخرة وتركيز همة في الحياة الدنيا، فالشيطان يستغل رغبة الإنسان وميله النفسي لملذات الحياة فيحجبه عن رؤية الآخرة، ومن هنا يمكننا القول إن كل وسوسة في الصدر تدعو الإنسان لعمل فيه مخالفة لما أراد الله هي من الشيطان، أما ما يجول في النفس من رغبات وتمنيات دون أن تكون مدخلاً يستغله الشيطان هي من وساوس الصدر التي لا يحاسب الإنسان عليها، وهذا صريح كثير من الروايات، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (تجاوز الله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تنطق به أو تعمل). وعنه صلى الله عليه وآله: (أن الله تبارك وتعالى عفا لأمتي عن وساوس الصدر) وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه سئل عن حديث النفس، فقال: من يطيق ألا تحدث نفسه؟!.

وعليه فإن أساس وسوسة الشيطان وغايتها هي إضلال الإنسان، بينما وسوسة النفس هي رغبات النفس وشهواتها، فيمكن للنفس أن توسوس بشيء ويمكن تحقيق ذلك الشيء بالحلال، إلا أن وظيفة الشيطان هي ترغيبها في تحقيقه بالحرام، وأفضل وسيلة لمعرفة وسوسة الشيطان هي معرفة ما يريده الشيطان من الإنسان، وقد بينت آيات القرآن ذلك في كثير من الآيات، ومن خلال الوقوف على تلك الآيات يمكن التعرف على نوع الوسوسة الشيطانية، قوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وقال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، وقال تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) إلى غير ذلك من الآيات التي تبين اهداف الشيطان وغاياته.

2022/10/29

آية قرآنية ستحطّم لديك «القلق» و «الخوف» من المستقبل!

إن الاضطراب والقلق من أكبر المصاعب في حياة الناس، والنتائج الحاصلة منهما في حياة الفرد والمجتمع واضحة للعيان، والاطمئنان واحد من اهمّ اهتمامات البشر، وإذا حاولنا أن نجمع سعي وجهاد الإنسانية على طول التاريخ في بحثهم للحصول على الاطمئنان بالطرق الصحيحة وغير الصحيحة، فسوف تتكوّن لدينا كتب كثيرة ومختلفة تعرض تلك الجهود.

[اشترك]

يقول بعض العلماء: عند ظهور بعض الأمراض المعدية ـ كالطاعون ـ فإنّ من بين العشرة الأفراد الذين يموتون بسبب المرض ـ ظاهرا ـ أكثرهم يموت بسبب القلق والخوف، وعدّة قليلة منهم تموت بسبب المرض حقيقة.

وبشكل عام «الاطمئنان» و «الاضطراب» لهما دور مهمّ في سلامة ومرض الفرد والمجتمع وسعادة وشقاء الإنسانية، وهذه مسألة لا يمكن التغافل عنها، ولهذا السبب الّفت كتب كثيرة في موضوع القلق وطرق التخلّص منه، وكيفيّة الحصول على الراحة، والتاريخ الإنساني مليء بالمواقف المؤسفة لتحصيل الراحة، وكيف أن الإنسان يتشبّث بكلّ وسيلة غير مشروعة كأنواع الاعتياد على المواد المخدّرة لنيل الاطمئنان النفسي.

ولكن القرآن الكريم يبيّن أقصر الطرق من خلال جملة قصيرة ولكنّها كبيرة المعنى حيث يقول: (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)!

ولتوضيح هذا المعنى ومعرفة عوامل القلق والاضطراب لا بدّ من ملاحظة ما يلي:

أوّلا: يحدث الاضطراب مرّة بسبب ما يجول في فكر الإنسان عن المستقبل المظلم، فيحتمل زوال النعمة، أو الأسر على يد الأعداء، أو الضعف والمرض، فكلّ هذه تؤلم الإنسان، لكن الإيمان بالله القادر المتعال الرحمن الرحيم، الله الذي تكفّل برحمة عباده.. هذا الإيمان يستطيع أن يمحو آثار القلق والاضطراب ويمنحه الاطمئنان في مقابل هذه الأحداث ويؤكّد له انّك لست وحيدا، بل لك ربّ قادر رحيم.

ثانيا: ومرّة يشغل فكر الإنسان ماضيه الأسود فيمسي قلقا بسبب الذنوب التي ارتكبها وبسبب التقصير والزلّات، ولكن بالنظر إلى أن الله غفّار الذنوب وقابل التوبة وغفور رحيم، فإنّ هذه الصفات تمنح الإنسان الثقة وتجعله أكثر اطمئنانا وتقول له: أعتذر إلى الله من سالف أعمالي السيّئة واتّجه إليه بالنيّة الصادقة.

ثالثا: ضعف الإنسان في مقابل العوامل الطبيعيّة، أو مقابل كثرة الأعداء يؤكّد في نفسه حالة القلق وانّه كيف يمكن مواجهة هؤلاء القوم في ساحة الجهاد أو في الميادين الأخرى؟

ولكنّه إذا تذكّر الله، واستند إلى قدرته ورحمته.. هذه القدرة المطلقة التي لا يمكن أن تقف أمامها أية قدرة أخرى، سوف يطمئنّ قلبه، ويقول في نفسه: نعم إنني لست وحيدا، بل في ظلّ القدرة الإلهية المطلقة!

فالمواقف البطولية للمجاهدين في ساحات القتال، في الماضي أو الحاضر، وشجاعتهم النادرة حتّى في المنازلة الفردية لهم، كلّها تبيّن حالة الاطمئنان التي تنشأ في ظلّ الإيمان.

نحن نشاهد أو نسمع أن أحد الضبّاط المؤمنين فقد بصره مثلا أو أصابته جراحات كثيرة بعد قتال شديد مع أعداء الإسلام ولكن عند ما يتحدّث كأنّه لم يكن به شيء، وهذه نتيجة الاستقرار والطمأنينة في ظلّ الإيمان بالله.

رابعا: ومن جانب آخر يمكن أن يكون أصل المشقّة هي التي تؤذي الإنسان، كالإحساس بتفاهة الحياة أو اللاهدفية فيها، ولكن المؤمن بالله الذي يعتقد أن الهدف من الحياة هو السير نحو التكامل المعنوي والمادّي، ويرى أن كلّ الحوادث تصبّ في هذا الإطار، سوف لا يحسّ باللاهدفيّة ولا يضطرب في المسيرة.

خامسا: ومن العوامل الأخرى أن الإنسان مرّة يتحمّل كثيرا من المتاعب للوصول إلى الهدف، ولكن لا يرى من يقيّم أعماله ويشكر له هذا السعي، وهذه العملية تؤلمه كثيرا فيعيش حالة من الاضطراب والقلق، وأما إذا علم أن هناك من يعلم بهذا السعي ويشكره عليه ويثيبه، فليس للاضطراب والقلق هنا محل من الأعراب.

سادسا: سوء الظنّ عامل آخر من عوامل الاضطراب والذي يصبّ كثيرا من الناس في حياتهم ويبعث فيهم الألم والهمّ، ولكنّ الإيمان بالله ولطفه المطلق وحسن الظنّ به هي من وظائف الفرد المؤمن التي سوف تزيل عنه حالة العذاب والقلق وتحلّ محلّها حالة الاطمئنان والاستقرار.

سابعا: الهوى وحبّ الدنيا من أهمّ عوامل القلق والاضطراب، وقد تصل الحالة في عدم الحصول على لون خاص في الملبس، أو أي شيء آخر من مظاهر الحياة البرّاقة أن يعيش الإنسان حالة من القلق قد تستمر أياما وشهورا.

ولكن الإيمان بالله والتزام المؤمن بالزهد والاقتصاد وعدم الإستئسار في مخالب الحياة المادية ومظاهرها البرّاقة ينهي حالة الاضطراب هذه، وكما قال الإمام علي عليه‌ السلام: «دنياكم هذه أهون عندي من ورقة في فمّ جرادة تقضمها» فمن كانت له مثل هذه الرؤية كيف يمكن أن تحدث عنده حالة الخوف والقلق نتيجة لعدم الحصول على شيء من وسائل الحياة الماديّة أو فقدانها؟!

ثامنا: من العوامل المهمّة الأخرى الخوف من الموت، وبما أن الموت لا يحصل فقط في السنّ المتأخّرة، بل في كافّة السنين وخصوصا أثناء المرض والحروب، والعوامل الأخرى فالقلق يستوعب كافّة الأفراد. ولكن إذا اعتقدنا أن الموت يعني الفناء ونهاية كلّ شيء (كما يعتقده المادّيون) فإنّ الاضطراب والقلق في محلّه، ولا بدّ أن يخاف الإنسان من هذا الموت الذي ينهي عنده كلّ الآمال والأماني والطموحات. ولكن الإيمان بالله يمنحنا الثقة بأنّ الموت هو باب لحياة أوسع وأفضل من هذه الحياة، وبرزخ يمرّ منه الإنسان إلى دار فضاؤها رحب، فلا معنى للقلق حينئذ، بل أن مثل هذا الموت ـ إذا ما كان في سبيل الله يكون محبوبا ومطلوبا.

إن عوامل الاضطراب لا تنحصر بهذه العوامل المذكورة فقط، فهناك عوامل كثيرة أخرى، ولكن كلّ مصادرها تعود إلى ما ذكرناه أعلاه.

وعند ما رأينا أن كلّ هذه العوامل تذوب وتضمحلّ في مقابل الإيمان بالله سوف نصدّق انّه (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

الطمأنينة والخوف من الله

طرح بعض المفسّرين هنا هذا السؤال، وخلاصته: نحن قرأنا في الآية أعلاه (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ومن جانب آخر فإنّ الآية ٢ من سورة الأنفال تقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) فهل أن هاتين الآيتين متناقضتين؟

الجواب: إن الطمأنينة المحمودة هي ما كانت في مقابل العوامل المادية التي تقلق الإنسان ـ كما أشرنا إليه سابقا ـ ولكن المؤمنين لا بدّ وان يكونوا قلقين في مقابل مسئولياتهم، وبعبارة أخرى: أن المؤمنين لا يشكون من الاضطراب المدمّر الذي يشكّل غالبية أشكال القلق والاضطرابات، ولكن القلق البنّاء الذي يحسّ به الإنسان تجاه مسئولياته أمام الله فهو المطلوب ولا بدّ منه، وهذا هو الخوف من الله.

ما هو ذكر الله، وكيف يتمّ؟

«الذكر» كما يقول الراغب في مفرداته: حفظ المعاني والعلوم، ويستعمل الحفظ للبدء به، بينما الذكر للاستمرار فيه، ويأتي في معنى آخر هو ذكر الشيء باللسان أو القلب، لذلك قالوا: أن الذكر نوعين «ذكر القلب» و «ذكر اللسان» وكلّ واحد منها على نوعين: بعد النسيان أو بدونه.

وعلى أية حال ليس المقصود من الذكر ـ في الآية أعلاه ـ هو ذكره باللسان فقط فنقوم بتسبيحه وتهليله وتكبيره، بل المقصود هو التوجّه القلبي له وادراك علمه وبأنّه الحاضر والناظر، وهذا التوجّه هو مبدا الحركة والعمل والجهاد والسعي نحو الخير، وهو سدّ منيع عن الذنوب، فهذا هو الذكر الذي له كلّ هذه الآثار والبركات كما أشارت إليه عدّة من الرّوايات.

فمن وصايا النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم للإمام علي عليه‌ السلام يقول له: «يا علي، ثلاث لا تطيقها هذه الأمة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كلّ حال، وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرم عليه خاف الله عز وجل عنده وتركه».

وقال الإمام علي عليه السلام: «الذكر ذكران: ذكر الله عز وجل عند المصيبة، وأفضل من ذلك ذكر الله عند ما حرّم الله عليك فيكون حاجزا».

ولهذا السبب اعتبرت بعض الرّوايات الذكر وقاية ووسيلة دفاعية، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم خاطب أصحابه يوما فقال لهم: اتّخذوا جننا، فقالوا يا رسول الله امن عدو وقد أظلنا؟ قال: لا، ولكن من النار، قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا اله الّا الله والله اكبر».

وإذا ما رأينا أن بعض الرّوايات تتحدّث عن «ذكر الله» انّه رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم فذلك لأنه صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم يذكّر الناس بالله تعالى، وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) قال: «بمحمّد تطمئن القلوب وهو ذكر الله وحجابه».

*من كتاب: تفسير الأمثل ج 7 – آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 
2022/10/26

الدليل من القرآن الكريم على «وجوب الحجاب»

نص القرآن بشكل واضح وصريح على وجوب ستر المرأة لجسمها وزينتها، وبالتالي لا يجوز لها مطلقاً الانكشاف أمام الناظر الأجنبي، ولم يجادل في ذلك أحد من فقهاء الأمة الإسلامية بجميع طوائفها ومذاهبها.

[اشترك]

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله  تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، والآية نص صريح على وجوب احتجاب المرأة من جميع الرجال ما عداء زوجها وأبوها وأخوها وابنها إلى أخر ما بينته الآية من مستثنيات.

وكذلك من الآيات التي تؤكد ضرورة احتجاب المرأة عن الأجانب بشكل مطلق هي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ)، فالآية أوجبت على من يتعامل مع النساء أن يكون التعامل معهن من وراء حجاب، وبالتالي لا يجوز سؤالهن والتحدث معهن بدون أن يكون هناك ساتر يسترهن عن السائل، ومع أن كلمة الحجاب في الآية تشمل الحجاب الطبيعي مثل الجدار كما تشمل أيضاً الحجاب من القماش، إلا أن البعض حاول أن يخصص الحجاب في الآية بالحجاب الطبيعي فقط، وإذا سلمنا بذلك فإن القدر المتيقن من الآية يكفي في إثبات حرمة النظر للمرأة بشكل مباشر وبدون حاجب يمنع من الرؤية.

ومن الآيات التي تحدثت عن الجلباب والخمار كوصف عملي لحجاب المرأة هي قوله هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلاَ يُؤذَينَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)، وقوله تعالى: (وَقُل لِّلمُؤمِنَاتِ يَغضُضنَ مِن أَبصَارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ..)، فالآية الأولى تتحدث عن إدناء الجلباب على الجسم بحيث لا تبدو معه زينة المرأة، وتحدثت الآية الثانية عن الخمار الذي تختمر به المرأة، فكلمة خمار في اللغة هي كل ما يستر، وسميت الخمرة خمراً لأنها تستر العقل وتحجبه، وخمار المرأة هو ما تغطي به رأسها، وخمار الرجل عمامته، وعليه لم تقف الآيات عند حدود الأمر الكلي بضرورة الحجاب وإنما فصلت في بعض مناحيه مثل إدناء الجلباب والضرب بالخمار.

ومن ذلك يتضح أن حكم الإسلام في ما يخص لباس المرأة هو ضرورة الستر لجسمها وزينتها من كل ناظر أجنبي ولا يجوز لها التخلي عن ذلك إلا في حالة واحدة فقط وهي إذا كبر سنها وأصبحت من القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، وهذا صريح قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، ومع أن الله سمح للمرأة التي لا ترجو نكاحاً بوضع ثيابها إلا أنه اشترط عليها عدم التبرج بزينة، كما نصحها في آخر الآية بضرورة الالتزام بالعفة لكونها خير لهن.

وإذا اتضح ذلك يتضح أن ترك المرأة للحجاب لضرورة العمل لا يجوز، وإذا تعارض العمل مع الحجاب وجب ترك العمل، وعلى كل مكلف الرجوع إلى مرجعه لأخذ الفتوى الشرعية منه مباشرة. 

2022/10/22

’وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ’.. هل يوحى إلى غير الأنبياء؟!

 

لا شكّ أنّ للوحي في القرآن الكريم معاني مختلفة: فقد جاء أحيانا بمعنى الصوت الواطئ، أو القول همسا. وهذا هو المعنى الأصلي لهذا اللفظ في اللغة العربية.

[اشترك]

وجاء أحيانا بمعنى الإشارة الرمزية إلى شيء ما، مثل: (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (١).

وأحيانا بمعنى الإلهام الغريزي، مثل (أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (٢).

وأحيانا بمعنى الأمر التكويني، الأمر الذي يصدر بلسان الخلقة، مثل (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) (٣).

وورد أحيانا بمعنى الإلهام الذي يلقى في قلوب المؤمنين، وإن لم يكونوا أنبياء أو أئمّة، مثل: (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى) (٤).

إلّا أنّ أهمّ موارد استعماله في القرآن المجيد هي النداءات الإلهيّة الخاصّة بالأنبياء، مثل : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (٥).

فبناء على هذا، فإنّ لكلمة الوحي معنى واسعا وجامعا يشمل هذه الموارد، ولهذا فسوف لا نعجب من استعمال كلمة الوحي في شأن أمّ موسى.

*مقتطف من تفسير الأمثل

2022/10/18

تذكرة من السيد محمد باقر السيستاني: لا تفرح.. الحياة معبر والزوجة والأولاد ودائع

 

قال الله سبحانه وتعالى في آية معبرة من سورة آل عمران من القران الكريم: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة آل عمران: آية 188).

إنّ في هذه الآية بلاغاً أكيداً للإنسان من خلال أصلين مهمين من أصول الطاعة لله سبحانه وتعالى وتزكية النفس وسلامة الإنسان في الدنيا والآخرة:

الأصل الأوّل: هو أن لا يفرح الإنسان بما أوتي..

ومرجعه إلى أن لايندمج الإنسان مع النعم الدنيوية من الزوجة والأولاد والإمكانات فرحاً بما يملأ وجوده، وينسى به الهاجس الأصلي الذي ينبغي أن يكون هو منشأ سروره وفرحه ومحل اهتمامه وهو التوفيق في تحصيل رضى الله سبحانه وتعالى والاستعداد للدار الآخرة.

فإنّ هذه الحياة الدنيا مَعْبَرٌ، وما الزوجة والأولاد والأموال إلاّ رفقاء وودائع، وإذا انتبه الإنسان واقعاً إلى هذا الأمر ووعاه حقّاً صَلُحَ أمر دينه.

فمشكلة الإنسان هي وضع الدنيا في موضع لا يليق بها، وهو أن تملأ نفس الإنسان بالفرح والسرور وتكون الهمّ الشاغل والمهيمن على الإنسان.

إنّ الإنسان ينبغي أن يكون نظره شاخصاً دائماً إلى غايته التي ينتهي إليها بعد أيام قلائل ويكون ذاك محل اهتمامه الأول وأساس فرحه وسروره ويكون مليئاً بتذكر ذاك المقصد الأصلي، مثله في ذلك مثل المسافر الذي يكون نظره شاخصاً إلى المقصد ولا يغفل في أية لحظة عنه.

 

والأصل الثاني: هو أن لا يحب الإنسان أن يُحمَد على ما لم يفعله من خدمة أو صدق أو إخلاص أو عبادة أو غير ذلك، وبمثابة ذلك أن لا يحب أن يُحمَد على خصلة لم يتصف بها أو اتصف بها بمستوى ما، ولكنه يحب أن يوصف ويحمد على مستوى أعلى من ذلك من علم أو دراسة أو عدالة أو زهد أو خلق أو نسب أو مكانة موروثة للآباء والأجداد.

فمحبة الإنسان أن يُحمَد من قبل الناس على ما لم يفعله هي من أصول الصفات الذميمة التي ترسي في داخل الإنسان أساساً خاطئاً، وهو أساس التجمّل الكاذب والرياء الزائف والازدواجية في السلوك والنفاق في الادعاء والمبالغة في بعض المظاهر.

وإنّ تزكية النفس من هذه الصفة لهي فرض عين على كل إنسان، إذ يترتب على هذه الصفة لا محالة ارتكاب الخطايا واقتراف الذنوب، وإنّ الله سبحانه لن يزكي امرأً يحب أن يُحمَد على ما لم يفعل ويمدح بما لا يتصف به.

فعلى المرء أن يقتنع بما هو عليه، ويكره أن يُحمَد على ما يزيد على ذلك، ويتجنب أن يكون انطباع الناس عنه أزيد مما هو عليه مما يعلمه عن نفسه بصدق، ويعلمه الله تعالى عنه وهو العالم بالسرائر والمطلع على الضمائر.

وإذا جانب المؤمن هذه الصفة فعلاً كان ذلك باباً للفلاح والسلامة عند الله سبحانه وتعالى والنجاة غداً.

إنّ الإنسان المؤمن حقاً ليحذر من مدحه أزيد من حذره من ذمّه وتعييبه؛ خشية أن يكون هذا المدح غير مستحق، ويكون هو قد تسبّب بنفسه من خلال تصنعه وفرضه ورغبته في صدور هذا المديح فيكون آثماً ذميماً عند الله عز وجل

ولذلك نجد أنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ذكر في خطبة المتقين في توصيف صفات المتقين: (إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ) (نهج البلاغة: 305).

فليتأمل كل امرئٍ حال نفسه ويحاسبها قبل يوم حسابه، ليصلح ما فسد من شأن أمرها، ليخرج من الدنيا سليما، وان غدا لناظره قريب.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتزكية نفوسنا وصلاح أحوالنا حتى نلقاه كراما عليه كما فعل بأوليائه الصالحين.

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين

الأحد 12 ربيع1 1444هـ

[اشترك]

2022/10/15

2022/10/12

نزل بلغتهم: هل القرآن الكريم حجة على العرب فقط؟
نزول القرآن بلسان عربي لا يعني أن حجيته مختصة بالعرب، وذلك لأن الحجة لا تدور مدار النص وإنما تدور مدار الحقائق التي يحتويها النص.

[اشترك]

فالحجة في نظر العقلاء هي كل حقيقة تستوجب العلم واليقين، وليس للغة دور في ذلك سواء أنها وسيلة لنقل الحقائق، ومن هنا لا يعد القرآن خطاباً للإنسان بوصفه عربياً وإنما خطاب للإنسان بوصفه عاقل، فإذا افترضنا نزول القرآن بلغة أخرى لكانت حقائقه حجة على العرب كما هو حجة على غيرهم، وعليه فإن الجميع في قبال حجية القرآن في مرتبة واحدة حتى لو تباينت لغاتهم، ويعود الأمر في ذلك إلى طبيعة الحقائق العلمية والمعارف الإنسانية فهي بذاتها عابرة للزمان والمكان واللغة، ولذلك فإن المعارف الإنسانية واحدة لجميع البشر وبجميع اعراقهم ولغاتهم، ولم تعاني الإنسانية في ما يتعلق بتبادل العلوم والمعارف، فلو كانت الحقائق العلمية مرتبطة بلغاتها الأصلية لأصبح لكل لغة معارفها الخاصة التي لا يعرفها غيرهم، وعليه فإن نزول القرآن باللغة العربية لا يشكل عائقاً يمنع الآخرين من الوقوف على حقائق القرآن، فكما أن اللغة اليونانية لم تمنع العرب من التعرف على الفلسفات اليونانية كذلك لغة القرآن لا تمنعهم من الوقوف على  حقائقه، وخير دليل على ذلك واقع المسلمين اليوم حيث نجد نسبة غير العرب أكثر بكثير من نسبة العرب.

 ومع ذلك يبقى هنالك سؤال وهو: لماذا نزل القرآن بالعربية دون غيرها من اللغات؟ والاجابة على هذا السؤال يرتبط بمميزات اللغة العربية ولا ربط له بمبحث الحجية؛ وذلك لأن الحجية مبحث له علاقة بالدلالة بينما لغة النص له علاقة بمبحث البيان، ومع أن هناك تداخل بين الأمرين إلا أن لكل واحد مبحثه الخاص، فعلماء الأصول يبحثون الدلالة والحجية بينما يبحث علماء اللغة البلاغة والبيان، وقد بين علماء اللغة بالفعل مميزات اللغة العربية وسر افضليتها على جميع اللغات.

2022/09/14

’إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ’: هل النساء أكثر حنكة ودهاءً من الرجال؟!

الكيد في اللغة هو الحيلة أو التدبير في الخفاء، ولذلك لا يأتي ارتجالاً وإنما يكون مسبوقاً بالتفكير والتخطيط والتدبير، وعليه فإن الكيد هو معالجة العمل والتلبس به بعد التخطيط له على وجه الخفاء.

[اشترك]

وهو بهذا المعنى لا يختلف عن المكر فكليهما لا يكونان إلا بتدبير خفي، فمن معاني المكر التخطيط الخفي للوصول الى أمر ما به مضرة الآخر أو نفعه، ومن هنا لا يعد الكيد والمكر أمراً سلبياً بالمطلق وإنما يتبدل بتبدل العنوان، فإن تعلق بالخير كان حسناً وإن تعلق بالشر كان قبيحاً، فهناك بعض الآيات التي نسبت الكيد والمكر لله تعالى مثل وقوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وقوله تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) فإمهال الله للكفار والمشركين وعدم معاجلتهم بالعذاب يعد نوعاً من كيد الله بهم، فالكافر بظنه يحسب أنه يخادع الله وهو في الواقع لا يخدع إلا نفسه، قال تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) وبالتالي يضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون.

 فالمكر والمكيدة وإن كانت تطلق في الغالب على من يفعل الشر إلا أنه يصح إطلاقها على من يفعل الخير أيضاً، فالمكر بالأعداء والكيد بهم في الحروب يعد فعلاً حسناً طالما كان ذلك جهاداً في سبيل الله، بينما المكر والمكايدة التي يكون فيها ظلماً للآخرين وتعدياً على الحقوق تعد قبيحة عقلاً ومحرمة شرعاً.

والفعل الذي يتم التدبير له في الخفاء ليس خاص بالنساء وإنما يشمل الرجال أيضاً، قال تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِين) حيث نسبت الآية الكيد لإخوة يوسف وهم من الرجال، وبالتالي يتساوى الرجال والنساء في هذه الصفة ويبقى الكلام عن الفرق بين كيد النساء وكيد الرجال.

[اشترك]

وقد وصف كيد النساء بأنه عظيم في قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)، والظاهر من الآية أن هذا وصف على لسان عزيز مصر وليس وصفاً مباشراً من الله للنساء، وبالتالي تكون الآية في مقام الإخبار عما وقع بالفعل ولا علاقة لها بإقرار أو تكذيب ما كان يعتقده عزيز مصر في النساء، إلا أن البعض يعد سكوت القرآن وعدم تعقيبه بالنفي أو الإثبات إقرارا لما جاء على لسان العزيز، ومما لا شك فيه أن امرأة العزيز كادت بيوسف وأرادت أن توقعه في الحرام، وعليه فإن قول العزيز صحيح من جهة كون ما حدث من كيدهن،  ويبقى الكلام في موضوع كونه عظيم، وهل هو بمعنى أن كيد النساء دائماً يكون عظيماً؟ أم في بعض الموارد يكون كذلك وفي موارد أخرى لا يكون عظيماً؟ أم أنه فقط عظيم في نظر العزيز؟ أم أنه عظيم في حال تم مقارنته مع كيد الرجال؟

فبحسب القرائن العقلية لا يمكن الجزم بأن أي كيد من النساء يكون بالضرورة عظيماً بالمطلق، فقد يكون كيد بعض الرجال أعظم من كيد بعض النساء، ولا يمكن أن نقول إن كيد النساء عظيم فقط في تصور العزيز لأن القرآن لم يعقب بالنفي أو الإثبات، فإن كان أمراً مخالفاً للواقع لوجب الاستدراك عليه، والذي يبدو أن كيد النساء عظيم إذا قورن بكيد الرجال في الجملة وليس بالجملة، أي أن الصفة الغالبة في النساء أنهن اكثر حنكة ودهاء من الرجال في وضع الحيل والتدابير ورسم الخطط، وبخاصة في الأمور الاجتماعية والاسرية والشواهد على ذلك كثيرة، والسبب في ذلك أن المرأة ضعيفة بطبعها ولذا تميل إلى الحيلة والتخطيط للوصول إلى مآربها، وكلما كان الشخص ضعيفاً كلما كان أكثر مكراً ومكيدة، وعليه فإن المكيدة في النساء قد تكون مطلوبة فبها تتمكن من تحويل ضعفها إلى قوة، وبالتالي تحافظ بها على حقوقها وتمنع وقوع الضرر والظلم بها، وبالتالي ليست صفة سلبية بالمطلق إذا تم توظيفها في الخير دون الشر.

[اشترك]

ويمكن أن يقال إن كيد المرأة عظيم لأنها أكثر تأثيراً في الرجال بما حباها الله من جاذبية خاصة للرجال، ولذلك يقول السيد الطباطبائي في تفسير هذه الآية: (ان كيدكن عظيم وذلك أن الرجال أوتوا من الميل والانجذاب إليهن ما ليس يخفى وأوتين من أسباب الاستمالة والجلب ما في وسعهن ان يأخذن بمجامع قلوب الرجال ويسخرن أرواحهم بجلوات فتانة وأطوار سحارة تسلب أحلامهم وتصرفهم إلى إرادتهن من حيث لا يشعرون وهو الكيد وإرادة الانسان بالسوء ومفاد الآية ان العزيز لما شاهد ان قميصه مقدود من خلف قضى ليوسف (ع) على امرأته)

وبناءً على متقدم لا تصح المقارنة بين كيد الشيطان وبين كيد النساء، فقد وصف الله كيد الشيطان بالضعف في مقابل كيد الله تعالى، مضافاً إلى أن الآية جاءت في مقام تشجيع المؤمنين على القتال، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، فكيد الشيطان ضعيف لأن ليس له سلطة على الإنسان وبإمكان الإنسان التعرف على حيله وخططه والعمل على تجنبها، وفي نفس الوقت قد يكون كيد الشيطان عظيماً إذا تم العمل على وفقه مثل من يقتل الأنبياء استجابة لحيل الشيطان ومكائده، وعليه فإن وصف الكيد بالضعف له اعتبار بينما وصفه بالعظمة له اعتبار آخر.

2022/08/08

النبي يتحدى نصارى نجران.. آية المباهلة تكشف تفاصيل الحادثة
في آية المُباهلة لماذا ذكر النّساء ولم يقل بناتنا لأنّ الزهراء بنتُّ النبيِّ (ص)؟

[اشترك]

إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾(1).

إنَّ معنى الآية المباركة هو أنَّ نصارى نجران ونظراً لعدم قبولهم بالبراهين التي قدَّمها رسولُ الله (ص) لهم على فساد دعواهم أنَّ عيسى المسيح ابن الله تعالى، نظراً لذلك أمرَه اللهُ تعالى أنْ يدعوهم للمباهلة، فمَن وقعت عليه اللعنةُ والعذابُ الفوري فهو الكاذب والمبطِل، وأمرَه اللهُ تعالى بأنْ يدعوهم للحضور للمباهلة بأنفسِهم وبخاصَّتِهم من الأولاد والنساء، وأنْ يحضرَ هو بنفسه وخاصَّته من النساء والأولاد، وذلك لأنَّ الإنسان لا يُعرِّض نفسَه وخاصَّته للهلاك، فالحضورُ للمباهلة بالنفس وبأخصِّ الأهل من النساء والأولاد فيه تعبيرٌ عن الاطمئنان بصوابيَّة ما هو عليه من مُعتقَد وبأنَّه وخاصَّتَه لن يُصابوا بمكروه.

فالآيةُ لم تكن بصدد تحديد الهويّة الشخصيَّة لمَن يلزمُه الحضور للمباهلة وإنَّما هي بصدد بيان أنَّ المباهلة إنَّما تكونُ بالنفس وبأخصِّ الأهل.

والنبيُّ (ص) في مقام تطبيق الآية وامتثالها اختار عليَّاً (ع) ليكون مصداقًا للنفس واختار فاطمة (ع‌) لتكون مصداقاً لخاصَّته من النساء، واختار الحسنين (ع) ليكونا مصداقًا لأبنائه. وذلك ثابتٌ بالتواتر عن الفريقين(2).

وأما أنَّ فاطمة (ع‌) بنتٌّ فذلك لا يقتضي أنَّ عنوان النساء غير صادقٍ عليها، فهي بنتٌ وهي من النساء المنتسبن إليه، وأمَّا لماذا لم يقل بناتنا بدلاً عن قوله: ﴿نِسَاءنَا﴾ فلأنَّه أراد أن يكون العنوان شاملاً لمثل الأخوات والزوجات، فالغرض هو بيان امكانيَّة دخول خاصَّة كلٍّ من الطرفين في المُباهلة، فلو قال: (بناتنا) لكان ذلك مقتضيًا لتوهُّم المنع من دخول مثل الأخت والزوجة في المباهلة والحال أنَّ الغرض من الآية هو بيان أنَّ لكلٍّ من طرفي المُباهلة اختيار مَن شاء من خاصَّته من النساء.

وعليه فالفضيلةُ التي تميَّزت بها فاطمة (ع‌) دون غيرها من خاصِّة النبيِّ (ص) هي أنَّ النبيَّ (ص) اختارها دون سواها من خاصَّته من النساء وذلك يُعبِّرُ عن أنَّها أقربُ خاصَّته اليه وأحظاهنَّ عنده، فهي أخصُّ خاصَّتِه من النساء وأَليَقهنَّ بهذا المقام وإلا لكان قد اختار غيرها، إذ أنَّ أفعال النبيِّ (ص) لا تصدرُ جزافاً أو محاباةً نظراً لعصمتِه.

ولو كان في النساء مَن يفضُلُ فاطمة (ع‌) أو يُضاهيها في الفضل لاختارها دون فاطمة (ع‌) أو لكان قد اختارها مع فاطمة، فقد اختار مع الحسنِ (ع) الحسينَ (ع) فكان له أنْ يختار مع فاطمة غيرها لو كان ثمة من يُدانيها في الفضل، فعدمُ اختيار غيرِها معها دليلٌ على تميُّزِها عمَّن سواها.

ثم إنَّ النبيَّ (ص) صرَّح حينذاك وفي مواردَ كثيرة أنَّ فاطمة وعليَّاً والحسنَ والحسينَ (ﻉ) هم أهلُ بيتِه وخاصَّته دون سواهم(3).

الهوامش: 1- سورة آل عمران / 61. 2- لاحظ صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج7 / ص120، صحيح ابن حبان -ابن حبان- ج15 / ص411، المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص147، 150، سنن الترمذي -الترمذي- ج5 / ص301، مسند احمد -احمد بن حنبل- ج1 / ص185، السنن الكبرى -البيهقي- ج7 / ص63، أسباب نزول الآيات -الواحدي النيسابوري- ص68، تفسير السمعاني -السمعاني- ج1 / ص327، شواهد التنزيل -الحاكم الحسكاني- ج1 / ص182،164،163،161،160،158،156، زاد المسير -ابن الجوزي- ج1 / ص339،338، جامع البيان -إبن جرير الطبري- ج3 / ص410،409، تفسير ابن أبي حاتم -ابن أبي حاتم الرازي- ج2 / ص663، تفسير السمرقندي -أبو الليث السمرقندي- ج1 / ص245، تفسير ابن زمنين -أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين- ج1 / ص292 وغيرهم كثير. 3- سنن الترمذي -الترمذي- ج5 / ص361 قال: هذا حديث حسن صحيح، مسند أبي يعلى -أبو يعلى الموصلي- ج12 / ص451، المعجم الكبير -الطبراني- ج3 / ص54،55، ج33 ص281، 335، شواهد التنزيل -الحاكم الحسكاني- ج2 / ص130،128،127،126،106،100،97،63،50، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج3 / ص283 قال: اسناده جيد روى من وجوه عن شهر، ج10 / ص347 قال: رواه الترمذي مختصراً وصححه من طريق الثوري، أسد الغابة -ابن الأثير- ج4 / ص29، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج14 / ص144،143،140،139، ج42 / ص98، تفسير الثعلبي -الثعلبي- ج8 / ص42 وغيرهم كثير.
2022/07/25

ما المقصود بـ ’ النبأ العظيم’؟
وردت عدّة روايات تبيّن أنّ المقصود بالنبأ العظيم في هذه الآية المباركة هو ولاية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن هذه الروايات ما يلي:

[اشترك]

أوّلاّ: في كتاب الكافي للكلينيّ ( 1/418، ح34 ) : الحسين بن محمّد ، عن معلَّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ومحمّد بن عبد اللَّه ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد اللَّه بن كثير ، عن أبي عبد اللَّه - عليه السّلام - في قوله - تعالى - : « عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ » قال : « النَّبَأِ الْعَظِيمِ » الولاية .

ثانياً: وفي كتاب الكافي أيضاً ( 1 / 207 ، ح 3 ): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن أبي عمير أو غيره ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال : قلت له : جعلت فداك ، إنّ الشّيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية : « عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ » .قال : ذلك إليّ ، إن شئت أخبرتهم ، وإن شئت لم أخبرهم . ثمّ قال : لكنّي أخبرك بتفسيرها . قلت : « عمّ يتساءلون » . قال : فقال :هي في أمير المؤمنين - عليه السّلام - كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : ما للَّه آية هي أكبر منّي ، ولا للَّه من نبأ أعظم منّي .

وفي روضة الكافي ( 8 / 30 ، ح 4 ) : خطبة لأمير المؤمنين - عليه السّلام - وهي خطبة الوسيلة ، قال فيها : وإنّي النّبأ العظيم .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 2 / 401) : حدّثني أبي ، عن الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن الرّضا - عليه السّلام - في قوله - تعالى - : « عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ » قال : قال أمير المؤمنين - عليه السّلام - : ما للَّه نبأ أعظم منّي ، وما للَّه آية أكبر منّي ، ولقد عرض فضلي على الأمم الماضية على اختلاف ألسنتها فلم تقرّ بفضلي .

وفي عيون الأخبار للشيخ الصدوق ( 2 / 6 ، ح 13  ) ، بإسناده إلى ياسر الخادم : عن الرّضا ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن الحسين بن عليّ - عليهم السّلام - قال : قال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - لعليّ : يا عليّ ، أنت حجّة اللَّه وأنت باب اللَّه ، وأنت الطريق إلى اللَّه ، وأنت النّبأ العظيم .

وفي شرح الآيات الباهرة ( 2 / 758 ، ح 3 ) : قال محمّد بن العبّاس - رحمه اللَّه - : حدّثنا أحمد بن هوذة ، عن إبراهيم بن إسحاق ، عن عبد اللَّه بن حمّاد ، عن أبان بن تغلب قال : سألت أبا عبد اللَّه - عليه السّلام - عن قول اللَّه : « عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ » . فقال : هو عليّ - عليه السّلام - ، لأنّ رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - ليس فيه خلاف.

 

2022/07/24

تشملنا جميعاً: ثلاثة أيّام صعبة في مصير الإنسان!
قال تعالى في سورة مريم: «سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا..».

[اشترك]

إنّ التعبير بـ (سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) يبيّن أن في تاريخ حياة الإنسان وانتقاله من عالم إلى عالم آخر ثلاثة أيّام صعبة:

يوم يضع قدمه في هذه الدنيا: (يَوْمَ وُلِدَ) ويوم موته وانتقاله إلى عالم البرزخ (وَيَوْمَ يَمُوتُ) ويوم بعثه في العالم الآخر (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا).

ولما كان من الطبيعي أن تكون هذه الأيّام مرافقة للاضطرابات والقلق ، فإنّ الله سبحانه يكتنف خاصّة عباده بسلامه وعافيته ، ويجعل هؤلاء في ظل حمايته ومنعته في هذه المراحل العسيرة الثلاثة.

وبالرغم من أنّ هذا التعبير قد ورد في القرآن في موردين فقط ، في حق يحيى وفي حق عيسى عليه ‌السلام ، إلّا أنّ التعبير القرآن في شأن يحيى امتيازا خاصّا ، لأنّ المتكلم بهذا الكلام هو الله سبحانه ، في حين أنّ المسيح عليه ‌السلام هو المتكلم في حق نفسه.

ومن الواضح أنّ الأفراد الذين يكونون في أوضاع وأحوال تشابه أحوال هذين العظيمين ستعمهم وتظللهم هذه السلامة.

ومن البديع أن نقرأ في رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : «إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يلد ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ، ويوم يبعث حيا فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا ، وقد سلم الله على يحيى عليه ‌السلام في هذه الثلاثة مواطن وآمن روعته ، فقال: وسلام عليه ...».

2022/07/21