قرآنيات
«وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ».. آية قرآنية واحدة غيرت قلب امرئ القيس؟!

مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97 - النحل﴾

سبب النزول

نقل المفسر الكبير العلامة الطبرسي عن ابن عباس قوله: إن رجلاً من حضرموت يقال له عيدان الأشرع قال: يا رسول الله، إن امرأ القيس الكندي جاورني في أرضي فاقتطع من أرضي فذهب بها مني، والقوم يعلمون أني لصادق، ولكنه أكرم عليهم مني. فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأ القيس عنه فقال: لا أدري ما يقول. فأمره أن يحلف، فقال عيدان: إنه فاجر لا يبالي أن يحلف. فقال: إن لم يكن لك شهود فخذ بيمينه. فلما أراد أن يحلف أنظره، فانصرفا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ...﴾ الآيتان.

فلما قرأهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال امرؤ القيس: أما ما عندي فينفد، وهو صادق فيما يقول؛ لقد اقتطعت أرضه ولم أدرِ كم هي، فليأخذ من أرضي ما شاء ومثلها معها بما أكلت من ثمرها، فنزل فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا...﴾ الآية.

[اشترك]

ثمن الحياة الطيبة

جاءت الآية الأولى من هذه الآيات لتؤكد على قبح نقض العهد مرة أخرى، ولتبين عذراً آخر من أعذار نقض العهد الواهية. فحيث تطرقت الآيات السابقة إلى عذر الخوف من كثرة الأعداء، تأتي هذه الآية لتطرح ما للمصلحة الشخصية (المادية) من أثر سلبي على حياة الإنسان.

ولهذا تقول: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. أي إن قيمة الوفاء بعهد الله لا تدانيها قيمة، ولو استلمتم زمام ملك الدنيا بأسرها، فإنه لا يساوي قيمة لحظة واحدة من الوفاء بعهد الله. وتضيف الآية المباركة للدلالة على هذا الأمر: ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

ويبين القرآن في الآية التالية سبب الأفضلية بقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾؛ لأن المنافع المادية وإن بدت كبيرة في الظاهر، إلا أنها لا تعدو أن تكون فقاعات على سطح ماء، في حين أن الجزاء والثواب الإلهي النابع من ذات الله المطلقة المقدسة أعلى وأفضل من كل شيء.

ثم يضيف قائلاً: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ -وعلى الأخص في الثبات على العهد والإيمان- ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. إن التعبير بـ "أحسن" دليل على أن أعمالهم الحسنة ليست بدرجة واحدة؛ فبعضها حسن والبعض الآخر أحسن، ولكن الله تعالى يجزي الجميع بأحسن ما كانوا يعملون، وهو ذروة اللطف والرحمة الربانية. كما لو ضربنا لذلك مثلاً من حياتنا: كأن يعرض بائع أنواعاً من البضائع المتفاوتة في النوعية؛ فقسم منها بضائع جيدة، وقسم آخر بضائع رديئة، والبقية بين الاثنين، فيأتي مشترٍ ليأخذ الجميع بسعر النوعية الجيدة! ولا تخلو جملة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا...﴾ من الإشارة إلى أن الصبر والثبات في السير على طريق الطاعة، وخصوصاً حفظ العهود والإيمان، هي من أفضل أعمال الإنسان. 

وقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: "الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه" [1]. 

ثم يبين القرآن الكريم بعد ذلك -على صورة قانون عام- نتائج الأعمال الصالحة المرافقة للإيمان التي يؤديها الإنسان وبأية صورة كانت في هذه الدنيا وفي الآخرة، فيقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعليه، فالمقياس هو الأعمال الصالحة الناتجة عن الإيمان بلا قيد أو شرط، من حيث السن أو الجنس أو المكانة الاجتماعية أو ما شابه ذلك.

و"الحياة الطيبة" في هذه الدنيا هي النتاج الطبيعي للعمل الصالح النابع من الإيمان، أي أن المجتمع البشري سيعيش حينها حياة هادئة مطمئنة ملؤها الرفاه والسلم والمحبة والتعاون، بل وكل ما يرتبط بالمجتمع من المفاهيم الإنسانية، وفي أمان من الآلام الناتجة عن الاستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانية التي تملأ الدنيا ظلاماً وظلمات. وعلاوة على كل ما تقدم، فإن الله سيجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.

  1. منابع الخلود

إن طبيعة الحياة في هذا العالم المادي هي الفناء والهلاك؛ فأقوى الأبنية وأكثر الحكومات دواماً وأشد البشر قدرة، لا يعدون أن يصيروا في نهاية أمرهم إلى الضعف فالفناء، وكل شيء معرض للتلف بلا استثناء. أما لو تمكنت الكائنات من أن توجد لها ارتباطاً على نحو ما مع الذات الإلهية المقدسة، وتبقى تعمل لأجلها وفي سبيلها، فإنها -والحال هذه- ستصطبغ بصبغة الخلود؛ لأن ذات الله المقدسة أبدية وأزلية، وكل من ينتسب إليها يحصل على صبغة الأبدية.

فالأعمال الصالحة أبدية، والشهداء لهم حياة أبدية، والأنبياء والعلماء المخلصون والمجاهدون في سبيل الله يبقى ذكرهم خالداً في ذاكرة التاريخ؛ لأنهم يحملون الصبغة الإلهية. ولهذا، تذكرنا الآيات أعلاه وتدعونا لأن ننقذ ذخائر وجودنا من الفناء، ونودعها في صندوق لا تطاله يد الزمان ولا تفنيه الليالي والأيام. فهلموا لبذل الطاقات في سبيل الله وفي خدمة خلق الله، وكسب رضا الباري، لتصبح من مصاديق "عند الله" ولتكون باقية بمقتضى ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.

وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" [2]. وعن علي (عليه السلام) أنه قال: "شتان ما بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره" [3].

  1. التساوي بين الرجل والمرأة

مما لا شك فيه أن بين الرجل والمرأة تفاوتاً واختلافاً من الناحيتين الجسمية والروحية، وهذا الفرق هو الذي جعلهما مختلفين في وظائفهما وشؤونهما الاجتماعية. إلا أن طبيعة الاختلاف الموجود لا تنعكس على الشخصية الإنسانية، ولا توجد اختلافاً في مقامهما عند الله عز وجل؛ فهما في هذا الجانب متساويان ومتكافئان، ويحكم شخصية أي منهما مقياس واحد، ألا وهو الإيمان والعمل الصالح والتقوى، وإمكانية تحصيل ذلك لأي منهما متساوية.

إن الآيات أعلاه قد بينت هذه الحقيقة بكل وضوح لتخرس الأفواه المشككة في الطبيعة الإنسانية للمرأة في الماضي والحاضر، ولترد بقوة على أولئك الذين يعطون للمرأة مقاماً أقل ورتبة أنزل من الناحية الإنسانية نسبة إلى الرجل. وقد أعلنت الآيات المنطق الإسلامي في هذه المسألة الاجتماعية المهمة، فقالت: إن الإسلام -خلافاً لقاصري الفكر- ليس دين الرجال، فهو يخص المرأة بنفس القدر الذي يخص الرجل. فمن عمل صالحاً وهو مؤمن، رجلاً كان أو امرأة، فله الحياة الطيبة، وسينال ثواب الله تعالى من غير تمايز في الجنس، ولا تفاضل بينهما إلا من خلال ما يتفوق أي منهما على الآخر من حيث الإيمان والعمل الصالح. 

  1. جذور العمل الصالح ترتوي من الإيمان

العمل الصالح مصطلح له من سعة المفهوم ما يضم بين طياته جميع الأعمال الإيجابية والمفيدة والبناءة على كافة أصعدة الحياة العلمية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية... إلخ. ويشمل: الاختراع الذي يبذل فيه العالم جهده سنوات طويلة من أجل خدمة الإنسانية، وجهاد الشهيد الذي حمل روحه على كفه وخاض ساحة الصراع بين الحق والباطل فبذل دمه الشريف في سبيل الله، والآلام التي تتحملها الأم المؤمنة عند الولادة وما تواجه من صعاب في تربية أبنائها، وما يعانيه العلماء في تحرير كتبهم الثمينة. 

وتشمل أيضاً أعظم الأعمال، كحمل رسالة النبوة.. وأقل وأصغر الأعمال، كرفع حجر صغير من طريق المارة. نعم، فكل ما ذُكر يدخل ضمن مفهوم العمل الصالح.

والحال هذه، يواجهنا التساؤل الآتي: لماذا قُيد العمل الصالح بشرط الإيمان، في حين يمكن أداؤه بدون هذا الشرط، والساحة البشرية فيها كثير من الشواهد التي تحكي ذلك؟

[اشترك]

الجواب ينصب على تبيان مسألة واحدة، ألا وهي (الباعث الإيماني)؛ فإن لم يُحرز هذا الباعث فغالباً ما تكون الأعمال المنجزة ملوثة (وقد تشذ عن هذه القاعدة العامة بعض المتفرقات هنا وهناك). أما إذا ارتوت جذور شجرة العمل الصالح من ماء التوحيد والإيمان بالله، فنادراً ما يصيب هذا العمل آفات مثل: العجب، والرياء، والغرور، والتقلب، والمنة... إلخ. ولذلك نرى القرآن الكريم غالباً ما يربط بين هذين الأمرين لما لارتباطهما من واقعية. 

ونوضح المسألة في مثال: لو افترضنا أن شخصين أرادا بناء مستشفى، أحدهما يدفعه الباعث الإلهي لخدمة خلق الله، والآخر هدفه التظاهر بالعمل الصالح والحصول على السمعة والمكانة الاجتماعية المرموقة. في النظرة الأولى وبتفكير سطحي يمكننا أن نقول: إن المستشفى سيُقام، وسيستفيد الناس من عملهما على السواء، وصحيح أن أحدهما سيحصل على الثواب الإلهي والآخر لا يحصل عليه، ولكن ظاهر عمليهما لا اختلاف فيه.

وكما قلنا، فإن هذا القول ناتج عن رؤية سطحية للموضوع. أما لو أمعنا النظر، لرأينا أنهما مختلفان من جهات متعددة؛ فعلى سبيل المثال: إن الشخص الأول سينتخب مكاناً لمستشفاه يكون قريباً من أكثر طبقات المنطقة فقراً وحرماناً، ولربما تكون في محلة غير معروفة ومنزوية. أما الشخص الثاني فإنه سيبحث عن منطقة أكثر شهرة حتى وإن كانت حاجتها للمستشفى قليلة جداً.

وسيسعى الشخص الأول في انتخاب مواد البناء وطريقته بما يلحظ فيه المستقبل البعيد، ويحكم أساس البناء ليصمد لسنين طويلة. أما الشخص الآخر فإنه سيحاول أن يسرع في البناء وتعجيل افتتاح المستشفى، ويكثر الضجيج والإعلام لينال مراده. وسيجدّ الأول في إحكام باطن العمل، في حين أن الثاني سيهتم بمظهره ورونقه. وعند انتخاب الأقسام الطبية، والأطباء، والممرضين، وسائر احتياجات المستشفى، فثمة اختلاف كبير بين الشخصين. فاختلاف النية يترك أثره على جميع مراحل وشؤون العمل، وبعبارة أخرى: إن العمل يصطبغ بصبغة النية.

[اشترك]

  1. ما هي الحياة الطيبة؟

لقد ذكر المفسرون في معنى الحياة الطيبة تفاسير عديدة:

فبعضهم فسرها بـ: الرزق الحلال.

وبعضهم بـ: القناعة والرضا بالنصيب.

وبعضهم بـ: الرزق اليومي.

وبعضهم بـ: العبادة مع الرزق الحلال.

وبعضهم بـ: التوفيق لطاعة أوامر الله... وما شابه ذلك.

ولعله لا حاجة بنا للتذكير بأن مفهوم الحياة الطيبة من السعة بحيث يشمل كل ما ذكروه وغيره؛ فالحياة الطيبة بجميع جهاتها، خالية من التلوثات والظلم والخيانة والعداوة والذل وكل ألوان الآلام والهموم، وفيها ما يجعل حياة الإنسان صافية كماء زلال. وبملاحظة تعبير الآية عن الجزاء الإلهي وفق أحسن الأعمال، يُفهم من ذلك أن الحياة الطيبة ترتبط بعالم الدنيا بينما يرتبط الجزاء بالأحسن بعالم الآخرة.

وعندما سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، قال: "هي القناعة" [4]. ولا شك أن هذا التفسير لا يعني حصر معنى الحياة الطيبة بالقناعة، بل هو بيان لأحد مصاديقها الواضحة جداً؛ حيث إن الإنسان لو أُعطيت له الدنيا بكاملها وسُلبت منه روح القناعة، فإنه -والحال هذه- سيعيش دائماً في عذاب وألم وحسرة. وبعكس ذلك، فإذا امتلك الإنسان القناعة وترك الحرص والطمع، فإنه سيعيش مطمئناً راضياً على الدوام.

وقد ورد في روايات أخرى تفسير الحياة الطيبة بمعنى الرضا بقسم الله، وهذا المعنى قريب الأفق مع القناعة. وينبغي ألا نعطي لهذه المفاهيم صفة تخديرية أبداً، وإنما الهدف الواقعي من بيان الرضا والقناعة هو القضاء على الحرص والطمع واتباع الهوى في نفس الإنسان، والتي تعتبر من العوامل المؤثرة في إيجاد الاعتداءات والاستغلال والحروب وإراقة الدماء، والمسببة للذل والأسر.

الهوامش:

[1] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 82.

[2] إرشاد الديلمي.

[3] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 121.

[4] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 229.

2026/07/13

إخبار قرآني خطير.. ما هو مصير اليهود؟!

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ

إن الآيات المذكورة وإن لم تصرح باسم اليهود، ولكن بقرينة القرائن الموجودة في هذه الآية والآيات السابقة، وكذا بقرينة الآية (61) من سورة البقرة ونظائرها مما صُرح فيه باسم اليهود، يُستفاد أن قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ يرتبط باليهود ويعنيهم.

ففي هذا المقطع من الآية يقول سبحانه: إن أمام اليهود طريقين يستطيعون بهما أن يتخلصوا من لباس الذلة:

[اشترك]

إما أن يعودوا إلى الله، ويعقدوا حبلهم بحبله، وإما أن يتمسكوا بحبل من الناس، ويعتمدوا على هذا وذاك، ويعيشوا ذيولاً وأتباعاً للآخرين.

وتعني لفظة (ثُقِفُوا) المأخوذة من (ثَقِفَ) على وزن (سَقِفَ): الحذق في إدراك الشيء، والظفر به بمهارة.

ويقصد القرآن من ذلك: أن اليهود أينما وُجدوا فإنهم يُوجدون وقد خُتموا بخاتم الذلة على جباههم مهما حاولوا إخفاء ذلك؛ وكانت هذه هي صفتهم البارزة بسبب مواقفهم المشينة من تعاليم السماء ورسالات الأنبياء العظام، إلا إذا عادوا إلى منهج السماء، أو استعانوا بهذا أو ذاك من الناس لتخليصهم من هذا الذل، وإنقاذهم من هذا الهوان.

وأما التعبير ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ وإن ذهب المفسرون فيه إلى احتمالات عديدة، بيد أن ما ذُكر آنفاً يمكن أن يُقال إنه أنسب إلى الآية من بقية الاحتمالات؛ لأنه عندما يُوضع (حبل الله) في قبال (حبل من الناس) يتبين أن هناك معنى متقابلاً متفاوتاً لهما، لا أن الأول بمعنى الإيمان بالله، والثاني بمعنى العهد المعطى لهم من جانب المسلمين على وجه الأمان والذمة. وعلى هذا تكون خلاصة المفهوم من هذه الآية هي: إن على اليهود أن يعيدوا النظر في برنامج حياتهم، ويعودوا إلى الله، ويمسحوا عن أدمغتهم كل الأفكار الشيطانية وكل النوايا الشريرة، ويطرحوا النفاق والبغضاء للمسلمين جانباً، أو أن يستمروا في حياتهم النكدة الممزوجة بالنفاق، مستعينين بهذا أو ذاك. فإما الإيمان بالله والدخول تحت مظلته وفي حصنه الحصين، وإما الاعتماد على معونة الناس الواهية، والاستمرار في الحياة التعسة.

اليهود والمسكنة الدائمة:

لقد كان أمام اليهود طريقان: إما أن يعودوا إلى منهج الله، وإما أن يبقوا على سلوكهم فيعيشوا أذلاء ما بقوا، ولكنهم اختاروا الثاني ولهذا لزمتهم الذلة ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾.

ولفظة (باءوا) تعني في الأصل المراجعة واتخاذ السكن، وقد استُخدمت هنا للكناية عن الاستحقاق، فيكون المعنى: أن اليهود بسبب إقامتهم على المعاصي استحقوا الجزاء الإلهي، واختاروا غضب الله كما يختار الإنسان مسكناً ومنزلاً للإقامة.

وأما لفظة (مسكنة) فتعني الذلة والانقطاع الشديد الذي لا تكون معه حيلة أبداً، وهي مأخوذة من السكون أصلاً؛ لأن المساكين لشدة ما بهم من الفقر والضعف لا يقدرون على أية حركة، بل هم سكون وجمود.

ثم إنه لا بد من الالتفات إلى أن المسكين لا يعني المحتاج والمعدم من الناحية المالية خاصةً، بل يشمل هذا الوصف كل من عدم الحيلة والقدرة على جميع الأصعدة، فيدخل فيه كل ضعف وعجز وافتقار شديد. ويرى البعض أن الفرق بين الذلة والمسكنة هو أن الذلة ما كان مفروضاً على الإنسان من غيره، بينما تكون المسكنة ناشئة من عقدة الحقارة وازدراء الذات، أي أن المسكين هو من يستهين بشخصيته ومواهبه وذاته، فتكون المسكنة نابعة من داخله، بينما تكون الذلة مفروضة من الخارج.

وعلى هذا الأساس يكون مفاد قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ هو: أن اليهود بسبب إقامتهم على المعاصي وتماديهم في الذنوب أصيبوا بأمرين:

أولاً: طُردوا من جانب المجتمع وحل عليهم غضب الله سبحانه.

ثانياً: إن هذه الحالة (أي الذلة) أصبحت تدريجياً صفة ذاتية لازمة لهم، حتى أنهم رغم كل ما يملكون من إمكانيات وقدرات مالية وسياسية، يشعرون بحقارة ذاتية، وصَغار باطني، ولهذا لا نجد أي استثناء في ذيل هذه الجملة من الآية.

وهذا هو ما يشير إليه قوله سبحانه إذ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وبذلك يشير سبحانه إلى علة هذا المصير الأسود الذي يلازم اليهود ولا يفارقهم.

إنهم لم يصابوا بما أصيبوا به من ذلة ومسكنة وحقارة وصَغار لأسباب قومية عنصرية أو ما شابه ذلك، بل لما كانوا يرتكبونه من الأعمال، فهم:

أولاً: كانوا ينكرون آيات الله ويكذبون بها.

ثانياً: يصرون على قتل الأنبياء الهداة الذين ما كانوا يريدون سوى إنقاذ الناس من الجهل والخرافة، وتخليصهم من الشقاء والعناء.

ثالثاً: إنهم كانوا يرتكبون كل فعل قبيح، ويقترفون كل جريمة نكراء، ويمارسون كل ظلم فظيع وتجاوز على حقوق الآخرين. ولا شك أن أي قوم يرتكبون مثل هذه الأمور يصابون بمثل ما أصيب به اليهود، ويستحقون ما استحقوه من العذاب الأليم والمصير الأسود.

مصير اليهود المظلم:

إن التاريخ اليهودي الزاخر بالأحداث والوقائع يؤيد ما ذكرته الآيات السابقة تأييداً كاملاً، كما أن وضعهم الحاضر هو الآخر خير دليل على هذه الحقيقة، أي أن الذلة اللازمة لليهود والصَغار الملتصق بهم أينما حلوا ونزلوا، ليس حكماً تشريعياً كما قال بعض المفسرين، بل هو قضاء تكويني، وهو حكم التاريخ الصارم الذي يقضي بأن تلازم الذلة ويصاب بالصَغار كل قوم يتمادون في الطغيان، ويغرقون في الآثام، ويتجاوزون على حقوق الآخرين وحدودهم، ويسعون في إبادة القادة المصلحين والهداة المنقذين، إلا أن يعيد هؤلاء القوم النظر في سلوكهم، ويغيروا منهجهم وطريقتهم، ويرجعوا ويعودوا إلى الله، أو يربطوا مصيرهم بالآخرين ليعيشوا بعض الأيام في ظل هذا أو ذاك كما هي حال الصهيونية اليوم.

فإن الصهيونية التي تعادي المسلمين اليوم وتحارب الإسلام، نجدها لا تستطيع الوقوف أمام الأخطار التي تهددها إلا بالاعتماد على الآخرين وحمايتهم رغم كل ما تملك من الثروات والقدرات الذاتية. وكل هذا يؤكد ويؤيد ما ذكرته هذه الآيات وما يُستفاد منها من الحقائق، ولا شك أن هذا الوضع سيستمر بالنسبة إلى اليهود إلا إذا تخلوا عن سلوكهم العدواني، وأعادوا الحقوق إلى أهلها، وعاشوا إلى جانب الآخرين على أساس من الوفاق لا الغصب والعدوان والاحتلال.

المصدر: تفسير الأمثل
2026/03/25

هل قاتلت الملائكة مع المسلمين؟!

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ

لقد جرى البحث في هذه المسألة كثيراً بين المفسرين، فبعضهم يرى أن الملائكة دخلت ساحة القتال وهاجمت الأعداء بأسلحتها الخاصة، وقتلت بعضهم. ونُقلت بعض الروايات في تأييد ذلك.

إلا أن القرائن تؤيد الرأي الذي يقول: إن الملائكة نزلت لتطمئن قلوب المؤمنين، ويزداد عزمهم، وهذا الرأي أقرب إلى الواقع لعدة أدلة:

أولاً: لقد قرأنا في الآية قوله تعالى: (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ)، فإذا ما علم المسلمون بهذا المدد فإنهم يقاتلون بصورة أفضل، لا أن الملائكة شاركت في الحرب.

ثانياً: إذا كانت الملائكة هي التي قتلت جنود الأعداء، فأية فضيلة للمجاهدين في معركة بدر وما ورد عن مقامهم ومنزلتهم من روايات كثيرة؟

[اشترك]

ثالثاً: كان عدد المقتولين في بدر هو (70 نفراً) وقد كان الكثير منهم قد سقط بسيف علي (عليه السلام)، والقسم الآخر بيد المقاتلين الآخرين، وهؤلاء معروفون بأسمائهم في التاريخ، فبناءً على ذلك -من الذي- بقي لتقتله الملائكة؟! ثم تذكر الآية النعمة الثانية التي اكتنفت المؤمنين فتقول: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ‌).

و(يغشى) من مادة (الغشيان) بمعنى تغطية الشيء وإحاطته. فكأن النوم كالغطاء الذي وضع عليهم فغطاهم.

و(النعاس) يطلق على بداية النوم، أو النوم القليل أو الخفيف الناعم ولعلها إشارة إلى أنه بالرغم من هدوئكم النفس لم يأتكم نوم عميق يمكن الأعداء من استغلاله والهجوم عليكم. وهكذا استفاد المسلمون من هذه النعمة العظيمة من تلك الليلة.

والرحمة الثالثة التي وصلتكم هي: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ‌).

وهذا الرجز قد يكون وساوس الشيطان، أو رجزاً بدنياً كجنابة بعضهم، أو الأمرين معاً. وعلى أية حال، فإن الماء ملأ الوديان من أطراف بدر بعد أن استولى الأعداء على آبار بدر وكان المسلمون بحاجة ماسة للغسل ورفع العطش، فإذا هذا الماء قد ذهب بكل تلك الأرجاس.

ثم إن الله تعالى أراد بذلك تقوية معنويات المسلمين وكذلك تثبيت الرمال المتحركة تحت أقدامهم بواسطة المطر: (وَلِيَرْبِطَ عَلى‌ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ‌)... ويمكن أن يكون المراد من تثبيت الأقدام هو رفع المعنويات وزيادة الثبات والاستقامة ببركة تلك النعمة، أو إشارة إلى هذين الأمرين.

والنعمة الأخرى التي أنعمها الله على المجاهدين في بدر، هي الرعب الذي أصاب به الله قلوب أعدائهم، فزلزل معنوياتهم بشدة، فيقول تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا * سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ‌ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ‌).

وإنه لمن العجب والغرابة أن ينهار جيش قريش القوي أمام جيش المسلمين القليل، وأن تذهب معنوياتهم -كما ينقل التاريخ- بصورة يخاف معها الكثير منهم من منازلة المسلمين، وحتى أنهم كانوا يفكرون بأن المسلمين ليسوا أشخاصاً مألوفين، وكانوا يقولون بأن المسلمين قد جاؤوكم من قرب يثرب (المدينة) بهدايا يحملونها على إبلهم هي الموت.

ولا شك أن هذا الرعب الذي أصاب قلوب المشركين، والذي كان من عوامل النصر، لم يكن جزافاً، فلقد أثبت المسلمون شجاعتهم وأقاموا صلاة الجماعة، وكانت شعاراتهم قوية. فإظهار المؤمنين الصادقين وفاءهم وخطبة بعضهم مثل سعد بن معاذ نيابة عن الأنصار أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: "بأبي أنت وأمي، يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إننا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منه ما شئت والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت منه، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك... إننا لنرجو أن يقر الله (عز وجل) عينيك بنا...".

مثل هذا الحديث سرعان ما انتشر بين الأعداء والأصدقاء، أضف إلى ذلك ما رآه المشركون من ثبات راسخ عند المسلمين يوم كانوا في مكة رجالاً ونساءً.

اجتمعت كل هذه الأمور لترسم صورة الخوف عند المشركين.

ثم الريح العاتية التي كانت تهب على المشركين والمطر الشديد عليهم والخواطر المخفية لرؤيا (عاتكة) في مكة، وغيرها من العوامل التي كانت تبعث فيهم الخوف والهلع الشديد.

ثم إن القرآن يذكر المسلمين بالأمر الذي أصدره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين بأن عليهم اجتناب الضرب غير المؤثر في المشركين، حال القتال لئلا تضيع قوتهم فيه، بل عليهم توجيه ضربات مؤثرة وقاطعة: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ‌).

و(البنان) جمع (البنانة) بمعنى رؤوس أصابع الأيدي أو الأرجل، أو الأصابع نفسها، وفي هذه الآية يمكن أن تكون كناية عن الأيدي والأرجل أو بالمعنى الأصلي نفسه، فإن قطع الأصابع من الأيدي يمنع من حمل السلاح، وقطعها من الأرجل يمنع الحركة، ويحتمل أن يكون المعنى هو إذا كان العدو مترجلاً، فيجب أن تكون الأهداف رؤوسهم، وإذا كان راكباً فالأهداف أيديهم وأرجلهم.

كما أن بعضاً يرى أن هذه الجملة هي خطاب للملائكة، إلا أن القرائن تدل على أن المخاطبين هم المسلمون، وإذا كان الملائكة هم المخاطبين فيها فيمكن أن يكون الهدف من الضرب على الرؤوس والأيدي والأرجل، هو إيجاد الرعب فيهم لترتبك أيديهم وأرجلهم فتسقط وتنحني رؤوسهم. (وبالطبع فإن هذا التفسير يخالف الظاهر من العبارة، ويجب إثباته بالقرائن تحدثنا عنها سابقاً من مسألة عدم قتال الملائكة).

وبعد كل تلك الأحاديث، ولكيلا يقول شخص بأن هذه الأوامر الصادقة تخالف الرحمة والشفقة وأخلاق الرجولة، فإن الآية تقول: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ‌).

و(شاقوا) من مادة (الشقاق) وهي في الأصل بمعنى الانفطار والانفصال، وبما أن المخالف أو العدو ويبتعد عن الآخرين فقد سمي عمله شقاقاً: (وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‌).

ثم يؤكد هذا الموضوع ويقول: ذوقوا العذاب الدنيوي من القتل في ميدان الحرب والأسر والهزيمة السافرة، ومع ذلك انتظروا عذاب الآخرة أيضاً: (ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ).

المصدر: تفسير الأمثل

2026/03/22

لماذا أخفيت ليلة القدر؟!

لا شك أن ليلة القدر من ليالي شهر رمضان، لأن الجمع بين آيات القرآن يقتضي ذلك.

[اشترك]

ولكن، أية ليلة من شهر رمضان؟ قيل في ذلك كثير، وذُكرت تفاسير عديدة، من ذلك: أنها أول ليلة من شهر رمضان المبارك، والليلة السابعة عشرة، والليلة التاسعة عشرة، والليلة الحادية والعشرون، والليلة الثالثة والعشرون، والليلة السابعة والعشرون، والليلة التاسعة والعشرون.

والمشهور في الروايات أنها في العشر الأخيرة من شهر رمضان، وفي الليلتين الحادية والعشرين أو الثالثة والعشرين. لذلك ورد في الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحيي كل ليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك بالعبادة.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنها الليلة الحادية والعشرون أو الثالثة والعشرون. وعندما أصر عليه أحدهم في تعيين واحدة من الليلتين لم يزد الإمام على أن يقول: "ما أيسر ليلتين فيما تطلب!" [نور الثقلين، ج5، ص625، الحديث 58].

وثمة روايات متعددة عن أهل البيت عليهم السلام تركز على الليلة الثالثة والعشرين، بينما روايات أهل السنة تركز على الليلة السابعة والعشرين.

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: "التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين" [المصدر السابق، الحديث 626].

وليلة القدر إذن محاطة بهالة من الإبهام سنذكر سببه فيما يلي.

لماذا خفيت ليلة القدر؟

الاعتقاد السائد أن اختفاء ليلة القدر بين ليالي السنة، أو بين ليالي شهر رمضان المبارك، يعود إلى توجيه الناس إلى الاهتمام بجميع هذه الليالي؛ مثلما أخفى رضاه بين أنواع الطاعات كي يتجه الناس إلى جميع الطاعات، وأخفى غضبه بين المعاصي كي يتجنب العباد جميعها، وأخفى أحباءه بين الناس كي يُحترم كل الناس، وأخفى الإجابة بين الأدعية لتُقرأ كل الأدعية، وأخفى الاسم الأعظم بين أسمائه كي تُعظَّم كل أسمائه، وأخفى وقت الموت كي يكون الناس دائماً على استعداد.

ويبدو أن هذا دليل مقبول.

هل كانت ليلة القدر معروفة بين الأمم السابقة؟

من ظاهر آيات هذه السورة نفهم أن ليلة القدر ليست خاصة بزمان نزول القرآن وعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل تتكرر كل سنة حين يرث الله الأرض ومن عليها.

والتعبير بالفعل المضارع "تنزل" الدال على الاستمرار، وكذلك التعبير بالجملة الاسمية "سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" الدالة أيضاً على الدوام، يؤيد ذلك. مضافاً إلى ذلك الروايات التي ربما بلغت حد التواتر في تأييد هذه المسألة.

ولكن هل كانت هذه الليلة في الأمم السابقة؟ روايات متعددة تصرّح بأن هذه الليلة من المواهب الإلهية على هذه الأمة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم."

وفي تفسير الآيات التي نحن بصددها روايات تؤيد ذلك أيضاً.

المصدر: تفسير الأمثل

2026/03/12

ما هي الأمور التي تُقدَّر في ليلة القدر؟

في سبب تسمية هذه الليلة بليلة القدر قيل الكثير، من ذلك:

1- لأنها الليلة التي تعيّنت فيها مقدّرات العباد لسنة كاملة، يشهد على ذلك قوله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" [الدخان: 3-4]. وهذه الآية الكريمة تنسجم مع ما جاء في الروايات من أن مقدّرات الناس لسنة كاملة تُعيَّن في هذه الليلة، وكذلك أرزاقهم ونهاية آجالهم وأمور أخرى تُفرَق وتتبيّن فيها.

[اشترك]

وهذه المسألة لا تتنافى مع حرية إرادة الإنسان والاختيار، لأن التقدير الإلهي عن طريق الملائكة إنما يتم وفق لياقة الأفراد وميزان إيمانهم وتقواهم وطهر نياتهم وأعمالهم. أي يُقدَّر لكل فرد ما يليق به؛ وبعبارة أخرى، أرضية التقدير يوفرها الإنسان نفسه، وهذا لا يتنافى مع الاختيار بل يؤكده.

2- وقال بعضهم إنها سُمّيت بالقدر لما لها من قدر عظيم وشرف كبير، وفي القرآن قوله سبحانه: "مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" [الحج: 74].

3- وقيل لأن القرآن بكل قدره ومنزلته نزل على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الملك العظيم في هذه الليلة.

4- إنها الليلة التي قُدِّر فيها نزول القرآن.

5- إنها الليلة التي من أحياها نال قدراً ومنزلة.

6- وقيل أيضاً لأنها الليلة التي تنزل فيها الملائكة حتى تضيق بهم الأرض لكثرتهم، لأن القدر جاء بمعنى الضيق أيضاً، كقوله تعالى: "وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ" [الطلاق: 7].

وكل هذه التفاسير يستوعبها المفهوم الواسع لليلة القدر، وإن كان التفسير الأول أنسب وأشهر.

2026/03/12

بنو إسرائيل فشلوا في اختبار «السمك».. ماذا تعرف عن قصّة السبت؟!

إنّ جماعة من بني إسرائيل كانوا يعيشون عند ساحل أحد البحار (والظاهر أنه ساحل البحر الأحمر المجاور لفلسطين) في ميناء يسمى (أيله) (والذي يسمى الآن بميناء ايلات) وقد أمرهم الله سبحانه وتعالى على سبيل الاختبار والامتحان أنّ يعطلوا صيد الأسماك في يوم السبت، ولكنهم خالفوا هذا التعليم، فأصيبوا بعقوبة موجعة ومؤلمه نقرأ شرحها في القرآن الكريم.

في البداية يقول سبحانه: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾(1) أي اسأل يهود عصرك عن قضية القرية التي كانت تعيش على ساحل البحر.

[اشترك]

ثمّ يقول: وذّكرهم كيف أنّهم تجاوزوا -في يوم السبت- القانون الآلهي ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ لأن يوم السبت كان يوم عطلتهم، وكان عليهم أن يكفوا فيه عن الكسب، وعن صيد السمك ويشتغلون بالعبادة ولكنهم تجاهلوا الأمر.

ثم يشرح القرآن العدوان المذكور بالعبادة بالعبارة التالية: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ فالأسماك كنت تظهر على سطح الماء في يوم السبت، بينما كانت تختفي في غيره من الأيام. ومن البديهي أنّ صيد الأسماك يشكل لدى سكنه ساحل البحر مورد لكسبهم وتغذيتهم، وكأن الأسماك بسبب تعطيل عمليه الصيد في يوم السبت صارت تحس بنوع من الآمن من ناحية الصيادين، فكانت تظهر على سطح الماء أفواجا أفوجاً، بينما كانت تتوغل بعيداً في البحر في الأيام الأخرى التي كان الصيادون فيها يخرجون للصيد.

إن هذا الموضوع سواء كان له جانب طبيعي عادي أم كان له جانب استثنائي والهي، كان وسيله لامتحان واختبار هذه الجماعة، لهذا يقول القرآن الكريم، وهكذا اختبرناهم بشيء يخالفونه ويعصون الأمر فيه ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

عندما واجهت هذه الجماعة من بني إسرائيل هذا الامتحان الكبير الذي كان متداخلاً مع حياتهم تداخلاً كاملاً، انقسموا إلى ثلاث فرق:

الفريق الأول: وكانوا يشكلون الأكثرية وهو الذين خالفوا هذا الأمر الإلهي.

الفريق الثاني: وكانوا على القاعدة يشكلون الأقلية وهو الذين قاموا تجاه الفريق الأول بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفريق الثالث: وهم الساكتون المحايدون والذين لم يوافقوا العصاة، ولا قاموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي النهاية يشرح القرآن الحوار الذي دار بين العصاة، وبين الذين نهوهم عن ارتكاب هذه المخالفة فيقول: ﴿إِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فأجابهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: بأننا ننهى عن المنكر لأننا نؤدي واجبنا تجاه الله تعالى وحتى لا نكون مسؤوليين تجاهه، هذا مضافاً إلى أننا نأمل أن يؤثر كلامنا في قلوبهم، ويكفوا عن طغيانهم وتعنتهم ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

وفي المآل غلبت عباده الدنيا عليهم وتناسوا الأمر الإلهي، وفي هذا الوقت نجينا الذين كانوا ينهون عن المنكر، وعاقبنا الظالمين بعقاب اليم منهم بسبب فسقهم وعصيانهم ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾.

ثم يشرح العقوبات هكذا: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.

كيف ارتكبوا هذه المعصية؟

وأمّا كيف بدأت هذه الجماعة عمليه التجاوز على هذا القانون الآلهي فقد وقع فيه كلام ويستفاد من بعض الروايات أنّهم عمدوا في البداية إلى ما يسمى بالحيلة الشرعية، فقد أحدثوا أحواضاً إلى جانب البحر، وفتحوا لها أبواباً إلى البحر، فكانوا يفتحون هذه الأبواب في يوم السبت فتقع فيها أسماك كثيرة مع ورود الماء إليها، وعند الغروب حينما كانت الأسماك تريد العودة إلى البحر يوصدون تلك فتحبس الأسماك في تلك الأحواض، ثم يعمدون يوم الأحد إلى صيدها، وأخذها من الأحواض، وكانوا يقولون: أن الله أمرنا أن لا نصيد السمك ونحن لم نصد السمك إنما حاصرناها فقط.

ويقول البعض: إنهم كانوا يرسلون كلاليبهم وصنارتهم وشباكهم في البحر يوم السبت، ثم يسحبونها يوم الأحد وقد علقت بها الأسماك، وهكذا كانوا يصيدون السمك حتى في يوم السبت ولكن بصورة ماكرة.

ويظهر من بعض الروايات الأخرى أنّهم كانوا يصيدون السمك يوم السبت دون مبالاة بالنهي الإلهي، وليس بواسطة أيه حيله.

ولكم من الممكن أن تكون هذه الروايات صحيحة أجمعها وذلك أنّهم في البداية استخدموا ما يسمى بالحيلة الشرعية، وذلك بواسطة حفر أخواض إلى جانب البحر، أو إلقاء الكلاليب والصنارات ثم لما صُغرت هذه المصيبة في نظرهم، جرأهم ذلك على كسر احترام يوم السبت وحرمته، فأخذوا يصيدون السمك في يوم السبت تدريجاً وعلناً واكتسبوا من هذا الطريق ثروة كبيره جداً.

المصدر: قصص القرآن: لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

2025/09/24

من نطفة إلى إنسان.. كيف وصف القرآن مراحل الجنين؟

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)

‏مراحل تكامل الجنين في الرحم:

‏إنّ ذكر الآيات السابقة أوصاف المؤمنين الحقيقيين، و ما يمنحهم اللّه من جزاء عظيم يبعث في القلوب الشوق للالتحاق بصفوفهم، لكن بأي طريق؟

‏تبيّن الآيات موضع البحث- و قسم من الآيات التالية لها- السبيل لكسب الإيمان و المعرفة، حيث يمسك القرآن بيد الإنسان ليأخذه إلی «عالم النفس» و ليكشف له أسرار باطنه و هو «السير الأنفسي»، و تثير الآيات التالية لها انتباه الإنسان إلی عالم الظاهر و المخلوقات المدهشة في عالم الوجود و سبر عالم الآفاق، و هو «السير الآفاقي». تقول الآيات أوّلا: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‌ [« السلالة» علی وزن« عصارة» تعني الشي‌ء الذي يستخلص من شي‌ء آخر، و هي في الحقيقة خلاصة و نتيجة منه( مجمع البيان حول الآية موضع البحث).]١.

‏أجل، إنّ هذه الخطوة الأولی التي خلق اللّه فيها الإنسان بكلّ عظمته و استعداده و جدارته و الذي يعتبر أفضل مخلوقاته من تراب مهين لا قدر و لا قيمة له، و هكذا تجلّت قدرته سبحانه و تعالی في هذا الخلق البديع.

‏و تضيف الآية التالية ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‌.

‏و في الواقع فانّ الآية الأولی تشير إلی بداية وجود جمع البشر من آدم و أبنائه و أنّهم خلقوا جميعا من التراب، إلّا أنّ الآية التالية تشير إلی تداوم و استمرارية نسل الإنسان بواسطة تركيب نطفة الذكر ببويضة الأنثی في الرحم.

‏و هذا البحث يشبه ما جاء في الآيتين السابعة و الثامنة من سورة السجدة وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‌.

‏و التعبير عن الرحم ب «قرار مكين»، أي القرار الآمن، إشارة إلی أهميّة الرحم في الجسم، حيث يقع في مكان أمين محفوظ من جميع الجهات، يحفظه العمود الفقري من جهة، و عظم الحوض القوي من جهة أخری، و أغشية البطن العديدة من جهة ثالثة، و دفاع اليدين يشكّل حرزا رابعا له. و كلّ ذلك شواهد علی موضع الرحم الآمن.

‏ثمّ تشير الآية الثّالثة إلی المراحل المدهشة و المثيرة لتدرّج النطفة في مراحلها المختلفة، و اتّخاذها شكلا معيّنا في كلّ منها في ذلك القرار المكين، حيث تقول: إنّنا جعلنا من تلك النطفة علی شكل قطعة دم متخثّر (علقة) ثمّ بدّلناها علی شكل قطعة لحم ممضوغ (مضغة)، ثمّ جعلنا من هذه المضغة عظاما، و أخيرا ألبسنا هذه العظام لحما: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً. هذه المراحل الأربعة المختلفة مضافا إلی مرحلة النطفة تشكّل خمس مراحل، كلّ منها عالم عجيب بذاته ملي بالعجائب بحثت بدقّة في علی الجنين، و ألّفت بصددها كتب و بحوث عميقة في عصرنا، إلّا أنّ القرآن تكلّم عن هذه المراحل المختلفة لجنين الإنسان، و بيّن عجائبه يوم لم يولد هذا العلم و لا يكن له أثر.

‏و في الختام أشارت الآية إلی آخر مرحلة و التي تعتبر- في الحقيقة- أهمّ مرحلة في خلق البشر، بعبارة عميقة و ذات معنی كبير ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏مرحبا بهذه القدرة الفريدة، التي خلقت في ظلمات الرحم هذه الصورة البديعة، و صاغت من قطرة ماء كلّ هذه الأمور المدهشة.

‏طوبی لهذا العلم و الحكمة و التدبير، الذي خلق في هذا الموجود البسيط كلّ هذه القابليات و الجدارة. تعالی اللّه فقد تجلّت قدرته فيما خلق.

‏و جدير بالذكر أنّ كلمة «الخالق» مشتقّة من «الخلق» و تعني بالأصل التقدير [مختار الصحاح.]٢، حيث تطلق هذه الكلمة عند ما يراد تقطيع قطعة من الجلد فينبغي علی الشخص أن يقيس أبعاد القطعة المطلوبة ثمّ يقطعها، فيستخدم لفظ «الخلق» بمعنی التقدير، لأهميّة تقدير أبعاد الشي‌ء، قبل قطعه.

‏أمّا عبارة أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌ فتثير هذا التساؤل: هل يوجد خالق غير اللّه؟! وضع بعض المفسّرين تبريرات لهذه الآية في وقت لا حاجة فيه لهذه التبريرات، لأنّ كلمة «الخلق» بمعنی التقدير و الصنع، و يصحّ ذلك بالنسبة لغير اللّه، إلّا أنّ هناك اختلافا جوهريا بين الخلقين ...

‏يخلق اللّه المواد و صورها، بينما يصنع الإنسان أشياءه ممّا خلق اللّه، فهو يغيّر صورها. كمن يبني دارا حيث يستخدم موادا أوّلية كالجصّ و الآجر، أو يصنع من الحديد سيارة أو ماكنة.

‏و من جهة أخری لا حدود لخلق اللّه‌ اللَّـهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ سورة الرعد الآية (١٦) في وقت نجد ما صنعه الإنسان محدودا جدّا، و في كثير من الأحيان يجد الإنسان فيما خلقه هو نقصا يجب سدّه فيما بعد، إلّا أنّ اللّه يبدع الخلق دون أي نقص أو عيب.

‏ثمّ إنّ قدرة الإنسان علی صنع الأشياء جاءت بإذن من اللّه، حيث كلّ شي‌ء في العالم يتحرّك بإذن اللّه، حتّی الورق علی الشجر، كما نقرأ في سورة المائدة الآية (١١٠) عن المسيح عليه السّلام‌ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي‌.

‏و تنتقل الآية التالية من تناول مسألة التوحيد و معرفة المبدأ- بشكل دقيق و جميل- إلی مسألة المعاد حيث تقول: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ‌.

‏و من أجل أن لا يعتقد المرء بأنّ الموت نهاية كلّ شي‌ء، تقول الآية: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‌ أي إنّ خلقكم بهذه الصورة المدهشة لم يكن عبثا أو لتعيشوا أيّاما معدودات، فتضيف الآية أنّكم ستبعثون يوم القيامة في مستوی أعلی و في عالم أوسع.

١- اتّباع المبدأ و المعاد بدليل واحد

‏استخدمت الآيات المذكورة أعلاه لإثبات وجود اللّه و قدرته و عظمته نفس الدليل الذي استخدمته سورة الحجّ لإثبات المعاد، و هو مسألة المراحل المختلفة لخلق الإنسان في علام الجنين. كما انتقلت آخر هذه الآيات إلی بحث مسألة المعاد [تناولنا في بداية سورة الحجّ خلال البحث الآيتين الخامسة و السابعة أدلّة المعاد و منها استعراض مراحل الجنين في الرحم.]٣.

‏أجل، يمكن أن تعرف عظمة اللّه في خلق الإنسان في ظلمات الرحم، و اتّخاذه في كلّ مرحلة صورة جديدة مدهشة، و كأنّ عشرات الأشخاص من رسّامين و صنّاع مبدعين التفّوا حول هذه القطرة من الماء، و عملوا ليل نهار ليخرجوها بهذه الصورة البديعة، و لتمرّ من صورة إلی أخری أبدع، حتّی تمرّ في مختلف مراحل الحياة.

‏و إذا تمكّنا من تصوير مراحل نمو الجنين بشكل كامل في فيلم سينمائي، و عرضناها لفهمنا مدی العجائب التي تكمن في هذا العمل. و بتقدّم علم الجنين في عصرنا و دراسات العلماء و تجاربهم المختبرية علی هذا الأمر، اتّضحت الكثير من الغوامض التي عند ما يطّلع عليها المرء يصرخ دون إرادته‌ فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌ هذا من جهة.

‏و من جهة ثانية نلاحظ الخلق المتعاقب و اتّخاذه صورة جديدة في كلّ مرحلة، و بالتالي ظهور إنسان للوجود كامل الخلق من تلك القطرة الصغيرة من الماء ... كلّ ذلك يدلّ علی قدرة اللّه علی بعث الإنسان ثانية إلی الحياة. و بهذا يمكن البرهنة بدليل واحد علی مسألتين‌ [شرحنا مراحل الجنين و عظمة الخلق فيها في تفسير الآية السادسة من سورة آل عمران هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ( فِي الْأَرْحامِ) كَيْفَ يَشاءُ.]٤.

‏٢- آخر مرحلة في تكامل جنين الإنسان في الرحم‌

‏ممّا يلفت النظر استخدام الآيات السابقة لمراحل الجنين الخمسة تعبير «الخلق»، في حين استخدمت كلمة «الإنشاء» لآخر مرحلة، و كما ذكر اللغويون فإنّ كلمة «الإنشاء» تعني (خلق الشي‌ء مع تربيته) و هذا التعبير يدلّ علی اختلاف‌ هذه المرحلة عن المراحل السابقة (مرحلة النطفة و العلقة و المضغة و اللحم و العظم) اختلافا بيّنا. مرحلة ذكرها القرآن في عبارة مؤجزة ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و يعقّب ذلك مباشرة بالقول: فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏ما هذه المرحلة التي تمتاز بهذه الأهميّة؟

‏إنّها مرحلة يدخل فيها الجنين مرحلة الحياة الإنسانيّة، يكون له إحساس و حركة، و بتعبير الأحاديث الإسلامية «نفخ الروح».

‏هنا يترك الإنسان حياته النباتية بقفزة واحدة ليدخل عالم الحيوان، و منه إلی عالم الإنسانية، و تتباعد الشقّة مع المرحلة السابقة بدرجة استخدمت الآية لها عبارة (ثمّ أنشأنا) لأنّ عبارة (ثمّ خلقنا) لم تعدّ كافية. حيث يتّخذ الإنسان في هذه المرحلة شكلا خاصا يرفعه عن المخلوقات الأخری، ليكون جديرا بخلافة اللّه في الأرض، و ليحمل الأمانة التي تخلّت عنها الجبال و السموات، لعدم استطاعتها حملها.

‏و هنا انطوی «العالم الكبير» في «الجرم الصغير» بكلّ عجائبه، فيكون جديرا حقّا بعبارة فَتَبارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‌.

‏٣- كساء اللحم فوق العظام‌

‏ذكر مفسّر (في ضلال القرآن) عند تفسير هذه الآية جملة مدهشة هي أنّ الجنين بعد قطعه مرحلة «العلقة» و «المضغة» تتبدّل خلاياه إلی خلايا عظميّة، ثمّ تكتسي بالتدريج بالعضلات و اللحم. لهذا فإنّ عبارة فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً معجزة علمية تكشف سرّا لم يكن يعلم به أي شخص حتّی ذلك الزمن. لأنّ القرآن لم يقل: أبدلنا المضغة عظما و لحما، بل قال: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً أي تبدّلت المضغة إلی عظام أوّلا، ثمّ اكتست باللحم.

‏٤- اللباس صيانة للعظام!

‏إنّ استخدام اللباس للتعبير عن العضلات و اللحم يكشف لنا حقيقة قباحة شكل الإنسان إن فقد هذا اللباس الذي يكسوا العظام (فيصبح هيكلا عظميا مرعبا كما شاهدناه جميعا أو شاهدنا صورته) إضافة إلی ذلك فإنّ اللباس يحمي الجسم، و هكذا اللحم و العضلات تحمي العظام، و بفقدانها تتلقّی العظام ضربات تؤدّي إلی كسرها، و يؤدّي اللحم وظيفة اللباس بالنسبة للعظام في المحافظة عليها من الحرّ و البرد. و هذا كلّه يبيّن لنا قوّة التعبير القرآني و دقّته.

‏١ « السلالة» علی وزن« عصارة» تعني الشي‌ء الذي يستخلص من شي‌ء آخر، و هي في الحقيقة خلاصة و نتيجة منه( مجمع البيان حول الآية موضع البحث).

‏٢ مختار الصحاح.

‏٣ تناولنا في بداية سورة الحجّ خلال البحث الآيتين الخامسة و السابعة أدلّة المعاد و منها استعراض مراحل الجنين في الرحم.

‏٤ شرحنا مراحل الجنين و عظمة الخلق فيها في تفسير الآية السادسة من سورة آل عمران هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ( فِي الْأَرْحامِ) كَيْفَ يَشاءُ.

 

2025/09/03

تضمن الفلاح.. هل تقرأ سورة المؤمنين أم تعيشها؟

روي عن الإمام الصادق عليه السّلام‌ «من قرأ سورة المؤمنين ختم اللّه له بالسعادة إذا كان يدمن قراءتها في كلّ جمعة، و كان منزله في الفردوس الأعلی مع النبيّين و المرسلين» [روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.]٢.

‏و نؤكّد أنّ فضيلة السورة، ليست فقط في تلاوتها، و إنّما يجب أن يرافق ذلك التمعّن في معانيها و العمل بما أوجبته، لأنّ هذا الكتاب يبني الذات الإنسانية و يربّيها، فهو برنامج عملي لتكامل الإنسان، و لو طابق المرء برنامجه العملي مع محتوی هذه السورة- حتّی إن طابق مع آياتها الأولی التي تبيّن صفات المؤمنين- لنال النصيب الأوفر من لدن العلي القدير.

‏[اشترك]

‏في رواية عن الرّسول صلی اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال حين نزلت الآيات الأولی من هذه السورة: «لقد أنزل إليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة» [روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.]٣.

‏عبارة «أقام» التي ذكرت مكان «قرء» تعبّر عن الحقيقة التي ذكرناها أعلاه، فالهدف تطبيق ما تضمنّته هذه الآيات و ليس تلاوتها فقط.

‏مضمون سورة المؤمنين:

‏القسم المهمّ من هذه السورة- كما يبدو من اسمها- تحدّث عن صفات المؤمنين البارزة، ثمّ تناولت السورة العقيدة و العمل بها، و هي تتمّة لتلك الصفات.

‏و يمكن إجمالا تقسيم مواضيع هذه السورة إلی الأقسام التالية:

‏القسم الأوّل: يبدأ بالآية قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‌ و ينتهي بعدد من الآيات التي تذكر صفات هي مدعاة لفلاح المؤمنين، و هذه الصفات دقيقة و شاملة تغطّي جوانب الحياة المختلفة للفرد و المجتمع.

‏و بما أنّ أساسها الإيمان و التوحيد، فقد أشار القسم الثّاني من هذه المواضيع إلی علائم أخری للمؤمنين، التوحيد و آيات عظمة اللّه و جلاله في عالم الوجود، فعدّدت نماذج لذلك العالم العجيب في خلق السّماء و الأرض و الإنسان و الحيوان و النبات.

‏و لإتمام الجوانب العمليّة، شرح القسم الثّالث ما حدث لعدد من كبار الأنبياء، كنوح و هود و موسی و عيسی عليهم السّلام، و بيّن شرائح من تأريخ حياتهم للعبرة و الموعظة.

‏و في القسم الرّابع وجّه الخطاب سبحانه و تعالی إلی المستكبرين يحذّرهم ببراهين منطقيّة تارة، و أخری بتعابير دافعة عنيفة، ليعيد القلوب إلی طريق الصواب بالعودة إليه عزّ و جلّ.

‏و بيّن القسم الخامس- في بحث مركّز- المعاد.

‏و تناول القسم السادس سيادة اللّه علی عالم الوجود، و إطاعة العالم و لأوامره. و أخيرا تناول القسم السابع حساب يوم القيامة، و جزاء الخير للمحسنين، و عقاب المذنبين. و ينهي السورة ببيان الغاية من خلق الإنسان.

‏فالسورة مجموعة من دروس العقيدة و العمل، و قضايا التوعية و شرح لنهج المؤمنين من البداية حتّی النهاية.

‏إنّ هذه السورة- كما سبق أن ذكرنا- نزلت في مكّة، إلّا أنّ بعض المفسّرين ذكروا أنّ عددا من آياتها نزل في المدينة، و كان الدافع لذلك وجود آية الزكاة فيها، لأنّ الزكاة شرّعت لأوّل مرّة في المدينة اثر نزول الآية خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً التوبة (١٠٣)، حيث أمر الرّسول صلی اللّه عليه و آله و سلّم بجمع الزكاة من المسلمين.

‏إلّا أنّه يجب الانتباه إلی أنّ للزكاة مفهوما واسعا يشمل الواجب و المستحبّ، و لا يتحدّد معناه بالزكاة الواجبة فقط، لهذا نقرأ في الأحاديث أنّ الصلاة و الزكاة مترادفتان‌ [جاء في حديث عن الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السّلام:« فرض اللّه الزكاة مع الصلاة».]٤.

‏و إضافة إلی ذلك فإنّ بعض المفسّرين يرون أنّ الزكاة كانت واجبة في مكّة أيضا، غير أنّها كانت بصورة مجملة أوجبت علی كلّ مسلم مساعدة المحتاجين بمقدار من ماله، ثمّ أصبحت وفق برنامج محدّد و دقيق بعد تشكيل الحكم الإسلامي في المدينة، حيث حدّد نصابها، و عيّن العاملين عليها، و بعثهم الرّسول صلی اللّه عليه و آله و سلّم إلی المناطق الإسلامية لجمع الزكاة [تفسير روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.]٥.

‏الآيات [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الی ١١]

‏صفات المؤمنين البارزة:

‏إختيار اسم المؤمنين لهذه السورة- كما تقدّم- لأنّه جاء في بدايتها آيات شرحت بعبارات وجيزة معبّرة صفات المؤمنين، و ممّا يلفت النظر أنّها أشارت إلی مستقبل المؤمنين السعيد قبل بيان صفاتهم، استنارة للشوق في قلوب المسلمين‌ للوصول إلی هذا الفخر العظيم باكتساب صفة المؤمنين. تقول الآية قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‌.

‏كلمة «أفلح» مشتقّة من الفلح و الفلاح، و تعني في الأصل الحرث و الشقّ، ثمّ أطلقت علی أي نوع من النصر و الوصول إلی الهدف و السعادة بشكل عام، و الحقيقة أنّ المنتصرين يزيلون من طريقهم كلّ الموانع و الحواجز لينالوا الفلاح و السعادة، و يشقّون طريقهم لتحقيق أهدافهم في الحياة. و لكلمة الفلاح معنی واسعا بضمّ الفلاح المادّي و المعنوي، و يكون الاثنان للمؤمنين.

‏فالفلاح الدنيوي أن يحيا الإنسان حرّا مرفوع الرّسول عزيز النفس غير محتاج، و لا يمكن تحقيق كلّ ذلك إلّا في ظلال الإيمان و التمسّك باللّه و برحمته.

‏أمّا فلاح الآخرة فهو الحياة في نعيم خالد إلی جانب أصدقاء جديرين طاهرين، حياة العزّ و الرفعة.

‏و يلخّص الراغب الاصفهاني خلال شرحه هذه المفردة بأنّ الفلاح الدنيوي في ثلاثة أشياء: البقاء و الغنی و العزّ، و أمّا الفلاح الاخروي ففي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، و غناء بلا فقر، و عزّ بلا ذلّ، و علم بلا جهل.

‏ثمّ تشرح الآية هذه الصفات فتؤكّد قبل كلّ شي‌ء علی الصلاة فتقول: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‌.

‏«خاشعون» مشتقّة من خشوع، بمعنی التواضع و حالة التأدّب يتخذها الإنسان جسما و روحا بين يدي شخصيّة كبيرة، أو حقيقة مهمّة تظهر في الإنسان و تبدو علاماتها علی ظاهر جسمه.

‏و القرآن اعتبر الخشوع صفة المؤمنين، و ليس إقامة الصلاة، إشارة منه إلی أنّ الصلاة ليست مجرّد ألفاظ و حركات لا روح فيها و لا معنی، و إنّما تظهر في المؤمن حين إقامة الصلاة حالة توجّه إلی اللّه تفصله عن الغير و تلحقه بالخالق، و يغوص في ارتباط مع اللّه، و يدعوه بتضرّع في حالة تسود جسمه كلّه، فيری نفسه ذرّة إزاء الوجود المطلق لذات اللّه، و قطرة في محيط لا نهاية له.

‏لحظات هذه الصلاة درسا للمؤمن في بناء ذاته و تربيتها، و وسيلة لتهذيب نفسه و سمو روحه.

‏وقد جاء في حديث عن الرّسول الأكرم صلی اللّه عليه و آله و سلّم‌ حين شاهد رجلا يلهو بلحيته و هو يصلّي قوله: «أمّا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» [تفسير الصافي، و تفسير مجمع البيان، في تفسير الآية موضع البحث.]٦.

‏إشارة منه صلی اللّه عليه و آله و سلّم إلی أنّ الخشوع الباطني يؤثّر في ظاهر الإنسان. و كان كبار قادة المسلمين يؤدّون صلاتهم بخشوع حتّی تحسبهم في عالم آخر، يذوبون في اللّه، حيث نقرأ عنهم‌

‏في حديث عن رسول اللّه صلی اللّه عليه و آله و سلّم‌ «إنّه كان يرفع بصره إلی السّماء في صلاته، فلمّا نزلت الآية طأطأ رأسه و رمی ببصره إلی الأرض» [تفسير مجمع البيان، و تفسير الفخر الرازي، للآية موضع البحث.]٧.

‏و ثاني صفة للمؤمنين بعد الخشوع ممّا تذكره الآية وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ‌ حقّا نری جميع حركات و سكنات المؤمنين تتجّه لهدف واحد مفيد و بنّاء، لأنّ «اللغو» يعني الأعمال التافهة غير المفيدة، و كما قال بعض المفسّرين فإنّ اللغو كلّ قول أو عمل لا فائدة فيه، و إذا فسّر البعض اللغو بالباطل.

‏و بعض فسّره بالمعاصي كلّها.

‏و آخر بمعنی الكذب.

‏و آخر: السباب أو السباب المتقابل.

‏و البعض الآخر قال: إنّه يعني الغناء و اللهو و اللعب.

‏و آخر: إنّه الشرك. فإنّ هذه المعاني مصاديق ذلك المفهوم العام.

‏و طبيعي أنّ اللغو لا يشمل الأفعال و الكلام التافه فقط، و إنّما يعني الآراء التافهة التي لا أساس لها، التي تنسي العبد ربّه و تشغله بها دون الأمور المفيدة، إذن فاللغو يتضمّن كلّ هذا، و الحقيقة أنّ المؤمنين لم يخلقوا من أجل الانشغال بآراء باطلة أو كلام تافه، بل هم معرضون عنها، كما قال القرآن الكريم.

‏و تشير الآية الثّالثة إلی ثالث صفة من صفات المؤمنين الحقيقيين، و هي ذات جانب اجتماعي و مالي حيث تقول: وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ‌ [الزكاة تعني هنا أنّ لها مصدرا، و لهذا استعملت عبارة« فاعلون» بعدها. و قال مفسّرون آخرون: إنّه يمكن أن تعني الزكاة ذلك المعنی المعروف عنها، أي مقدار من المال، و لهذا تكون( فاعلون) بمعنی مؤدّون.]٨.

‏ربّما تكون السورة مكّية، كما قلنا سابقا، نزلت في وقت لم تشرّع فيه الزكاة بعد بمعناها المعروف، لذلك نجد اختلافا بين المفسّرين في تفسير هذه الآية، و لكن الذي يبدو أصوب هو أنّ الزكاة لا تنحصر بالزكاة الواجبة الأداء، و إنّما هناك أنواع كثيرة منها مستحبّة، فالزكاة الواجبة شرعت في المدينة، إلّا أنّ الزكاة المستحبّة كانت موجودة قبل هذا.

‏و ذهب مفسّرون آخرون إلی احتمال أن تكون الزكاة واجبة كحكم شرعي في مكّة لكن دون تحديد، حيث كان الواجب علی كلّ مسلم مساعدة المحتاجين بما يتمكّن، إلّا أنّه أصبح للزكاة أسلوبها الخاص عقب تشكيل الحكم الإسلامي و تأسيس بيت مال المسلمين، حيث تحدّدت أنصبتها من كلّ محصول و مال.

‏و أصبح لها جباة يجبونها من المسلمين بأمر من الرّسول صلی اللّه عليه و آله و سلّم.

‏أمّا ما يراه بعض المفسّرين أمثال الفخر الرازي و الآلوسي في «روح المعاني» و الراغب الاصفهاني في مفرداته من أنّ الزكاة هنا تعني عمل الخير أو تزكية المال أو تطهير الروح، فبعيد، لأنّ القرآن المجيد كلّما ذكر الصلاة مع الزكاة يقصد بالزكاة الإنفاق المالي، و لو فسّرناه بغير هذا، فذلك يحتاج إلی قرينة واضحة لا توجد في هذه الآيات.

‏و رابع صفة من صفات المؤمنين هي الطهارة و العفّة بشكل تامّ، و اجتناب أي معصية جنسية، حيث تقول الآية: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ‌ يحفظونها ممّا يخالف العفّة إِلَّا عَلی‌ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‌.

‏بما أنّ الغريزة الجنسية أقوی الغرائز عند الإنسان تمرّدا، و لضبط النفس عنها يحتاج المرء إلی التقوی و الإيمان القوي، لهذا أكدّت الآية التالية علی هذه المسألة فَمَنِ ابْتَغی‌ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ‌.

‏إنّ عبارة المحافظة علی «الفروج» قد تكون إشارة إلی أنّ فقدان المراقبة المستمرة في هذا المجال تؤدّي بالفرد إلی خطر التلوث بالانحرافات الكثيرة.

‏أمّا عبارة أَزْواجِهِمْ‌ فهي تشمل الزوجين الذكر و الأنثی، رغم أنّ بعض مفسّري أهل السنّه وقعوا في خطأ في تفسير هذه الآية سنشير إليه لا حقا.

‏و يمكن أن تكون عبارة غَيْرُ مَلُومِينَ‌ إشارة إلی الرأي الخاطئ عند المسيحيين الذي أصبح يشكّل انحرافا في عقيدتهم، و هو أنّ أي اتّصال جنسي يعتبر فعلا غير لائق بالإنسان و تركه فضيلة له، حتّی نری القساوسة الكاثوليك- نساء و رجالا- ممّن طلّق الدنيا يحيون عزّابا و يتصوّرون الزواج بأي شكل كان خلافا لمنزلة الإنسان الروحية و هذه القضيّة شكلية فحسب، حيث يختار هؤلاء لإشباع غرائزهم سبلا خفيّة متعدّدة. ذكرتها كتبهم) [يراجع بهذا المورد قصّة الحضارة لويل ديورانت.]٩.

‏و علی كلّ حال فإنّ اللّه لم يخلق في الإنسان غريزة كجزء من مكوّناته المثلی، ثمّ يعتبرها تناقض منزلة الإنسان عنده.

‏و كون الزوجات حلّا للأزواج في علاقتهنّ الجنسيّة باستثناء أيّام العادة الشهرية و أمثالها، لا تحتاج إلی شرح. و كذلك كون الجواري حلالا عند ما يكنّ علی وفق شروط ذكرتها الكتب الفقهيّة و ليس كما يتصوّر البعض أنّ كلّ واحدة منهنّ و دون شرط حلّ لمالكها، و في الحقيقة لهنّ شروط الزوجة في حالات كثيرة. و أشارت الآية الثامنة- موضع البحث- إلی الصفتين الخامسة و السادسة من صفات المؤمنين البارزة، حيث تقول: وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ‌ إنّ المحافظة علی «الأمانة» بالمعنی الواسع للكلمة، و كذلك الالتزام بالعهد و الميثاق بين يدي الخالق و الخلق من صفات المؤمنين البارزة. و تعني الأمانة بمفهومها الواسع أمانة اللّه و رسوله إضافة إلی أمانات الناس، و كذلك ما أنعم اللّه علی خلقه.

‏و تضمّ أيضا أمانة اللّه الدين الحقّ و الكتب السماوية و تعاليم الأنبياء القدماء، و كذلك الأموال و الأبناء و المناصب جميعها أمانات اللّه سبحانه و تعالی بيد البشر، يسعی المؤمنون في المحافظة عليها و أداء حقّها. و يحرسونها ما داموا أحياء.

‏و يرثها أبناؤهم الذين تربّوا علی أداء الأمانات و الحفاظ عليها.

‏و الدليل علی عموميّة مفهوم الأمانة هنا، إضافة إلی سعة المفهوم اللغوي لهذه الكلمة، هو أحاديث عديدة وردت في تفسير الأمانة بأنّها (أمانة الأئمّة المعصومين) أي: ينقلها كلّ إمام إلی وارثه‌ [تفسير البرهان، المجلّد الأوّل، صفحة ٣٨٠.]١٠.

‏و أحيانا تفسير الأمانة بأنّها الولاية بشكل عامّ.

‏و ممّا يلفت النظر رواية زرارة أحد تلاميذ الإمام الباقر عليه السّلام و الإمام الصادق عليه السّلام عن قوله تعالی‌ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلی‌ أَهْلِها [سورة النساء، ٥٨.]١١ «أدّوا الولاية إلی أهلها ...» [المصدر السابق.]١٢.

‏و هكذا يكشف عن أنّ الحكومة وديعة إلهيّة مهمّة جدّا يجب إيداعها بيد من هو أهلها.

‏و هناك تعابير قرآنية عديدة تدلّ علی عمومية و شمولية العهد، منها: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّـهِ إِذا عاهَدْتُمْ‌. و الجدير بالملاحظة أنّ بعض آيات القرآن عبّرت عن ذلك العهد بأداء الأمانة و عدم خيانتها و المحافظة عليها، و «رعاية الأمانة» التي استعملت في الآية السابقة تضمّ معنی الأداء و المحافظة.

‏فعلی هذا فانّ التفسير في المحافظة علی الأمانة و الذي يؤدّي إلی وقوع ضرر أو تعرّضها للخطر، يوجب علی الأمين إصلاحها (و بهذا تترتّب ثلاثة واجبات علی الأمين: الأداء، و المحافظة، و الإصلاح) فلا بدّ أن يكون الالتزام بما تعهّد به المرء و المحافظة عليه.

‏و أداء الأمانة من أهمّ القواعد في النظام الاجتماعي، و دون ذلك يسود التخبّط في المجتمع. و لهذا السبب نری شعوبا لا تتمسّك عامّتها بالدين، إلّا أنّها- سعيا منها لمنع الاضطراب- تفرض علی نفسها رعاية العهد و الأمانة، و تعتبر نفسها مسئولة أمام هذين المبدأين- في أقلّ تقدير- في القضايا الاجتماعية العامّة (و قد بيّنا بإسهاب أهميّة الأمانة في تفسير الآية (٥٨) من سورة النساء. و في تفسير الآية (٢٧) من سورة الأنفال، و شرحنا الوفاء بالعهد في تفسير الآية الأولی من سورة المائدة و في تفسير الآية (٩١) من سورة النحل).

‏و بيّنت الآية التاسعة من الآيات موضع البحث آخر صفة من صفات المؤمنين حيث تقول: وَ الَّذِينَ هُمْ عَلی‌ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ‌.

‏و ممّا يلفت النظر أنّ أوّل صفة للمؤمنين كانت الخشوع في الصلاة، و آخرها المحافظة عليها، بدأت بالصلاة و انتهت به. لماذا؟ لأنّ الصلاة أهمّ رابطة بين الخالق و المخلوق، و أغنی مدرسة للتربية الإنسانية.

‏الصلاة وسيلة ليقظة الإنسان و خير وقاية من الذنوب.

‏و الخلاصة، إنّ الصلاة إن أقيمت علی وفق آدابها اللازمة، أصبحت أرضية أمينة لأعمال الخير جميعا.

‏و جدير بالذكر إلی أنّ الآيتين الأولی و الأخيرة تضمنّت كلّ واحدة منها موضوعا يختلف عن الآخر، فالآية الأولی تضمّنت الصلاة بصورة مفردة، و الأخيرة بصورة جماعية. الأولی تضمنّت الخشوع و التوجّه الباطني إلی اللّه. هذا الخشوع الذي يعتبر جوهر الصلاة، لأنّ له تأثيرا في جميع أعضاء جسم الإنسان، و الآية الأخيرة أشارت إلی آداب و شروط صحّة الصلاة من حيث الزمان و المكان و العدد، فأوضحت للمؤمنين الحقيقيين ضرورة مراعاة هذه الآداب و الشروط في صلاتهم.

 

‏و قد شرحنا أهميّة الصلاة في المجلّدات المختلفة لهذا التّفسير. فليراجع تفسير الآية (١١٤) من سورة هود و كذلك تفسير الآية (١٠٣) من سورة النساء و في تفسير الآية (١٤) من سورة طه.

‏بعد بيان هذه الصفات الحميدة، بيّنت الآية التالية حصيلة هذه الصفات فقالت:

‏أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ‌.

‏أولئك الذين يرثون الفردوس و منازل عالية و حياة خالدة الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ‌.

‏«الفردوس»- علی قول- هي مفردة رومية. و ذهب آخرون إلی أنّها عربية، و قيل فارسية بمعنی «البستان». أو بستان خاص اجتمعت فيه جميع تسميتها بالجنّة العالية، و أفضل البساتين.

‏و يمكن أن تكون عبارة «يرثون» إشارة إلی نيل المؤمنين لها دون تعب مثلما يحصل الوارث الإرث دون تعب. و صحيح أنّ الإنسان يبذل جهودا واسعة و يضحي بوقته و يسلب راحته في بناء ذاته و التقرّب إلی اللّه، إلّا أنّ هذا الجزاء الجميل أكثر بكثير من قدر هذه الأعمال البسيطة، و كأنّ المؤمن ينال الفردوس دون تعب و مشقّة.

‏كما يجب ملاحظة حديث‌

‏روي عن النّبي الأكرم صلی اللّه عليه و آله و سلّم‌ «ما منكم من أحد إلّا و له منزلان: منزل في الجنّة، و منزل في النّار، فإن مات و دخل النّار ورث أهل‌ الجنّة منزلة».

‏كما يمكن أن تكون عبارة «يرثون» في الآية السابقة إشارة إلی حصيلة عمل المؤمنين، فهي كالميراث يرثونه في الختام، و علی كلّ حال فإنّ هذه المنزلة العالية- حسب ظاهر الآيات المذكورة أعلاه- خاصّة بالمؤمنين الذين لهم هذه الصفات، و نجد أهل الجنّة الآخرين في منازل أقلّ أهميّة من هؤلاء المؤمنين.

‏ملاحظات‌

‏١- إختيار الفعل الماضي «أفلح» لنجاح المؤمنين، تأكيد أقوی‌

‏أي إنّ نجاحهم طبيعي و كأنّه تحقّق من قبل. و جاءت كلمة (قد) أيضا لتأكيد هذا الموضوع ثانية. و جاءت عبارات (خاشعون) و (معرضون) و (راعون) و (يحافظون) بصيغة اسم فاعل أو فعل مضارع دليلا علی أنّ هذه الصفات البارزة ليست مؤقتة في المؤمنين الحقيقيين، بل هي دائمة فيهم.

‏٢- الزوجة الدائمة و المؤقتة

‏يستفاد من الآيات المذكورة أعلاه علی أنّ هناك نوعين من النساء يجوز الدخول بهما: الأولی الزوجات، و الثّانية الجواري (بشروط خاصّة)، لهذا استندت الكتب الفقهيّة علی هذه الآية في مواضيع عديدة خلال بحث النكاح.

‏و لكن بعض المفسّرين و الفقهاء من أهل السنّة حاولوا الاستفادة من هذه الآية في إثبات حرمة الزواج المؤقت.

‏و مع ملاحظة هذه الحقيقة، و هي أنّ من الثابت المسلّم به هو أنّ الزواج المؤقت (المتعة) كان حلالا علی عهد الرّسول صلی اللّه عليه و آله و سلّم و لم ينكره أحد من المسلمين، إلّا أنّ البعض يری أنّه كان في صدر الإسلام و عمل به الكثير من الصحابة، إلّا أنّه‌ نسخ، و قال آخرون: إنّ عمر بن الخطاب منعه.

‏و مفهوم كلام هذه المجموعة من المفسّرين السنّة- بعد ملاحظة هذه الحقائق- هو أنّ النّبي صلی اللّه عليه و آله و سلّم (و العياذ باللّه) أجاز الزنا في أقلّ تقدير لفترة محدّدة، و هذا غير صحيح أبدا.

‏إضافة إلی أنّ «المتعة» خلافا لتصوّر هؤلاء، هي نوع من الزواج المؤقت بعظم شروط الزواج الدائم، و علی هذا فإنّ عبارة: إِلَّا عَلی‌ أَزْواجِهِمْ‌ هي بالتأكيد تتضمنّه. و لهذا السبب تستخدم صيغ الزواج الدائم (أنكحت و زوّجت) مع ذكر مدّة الزواج عند قراءة صيغة الزواج المؤقت، و هذا خير دليل علی كون المتعة زواجا.

‏و قد بيّنا بالتفصيل الأمور المتعلّقة بالزواج المؤقت و أدلّته الشرعيّة في الإسلام، و عدم نسخ هذا الحكم الإلهي، و كذلك فلسفته الاجتماعية، في تفسير الآية (٢٤) من سورة النساء.

‏٣- الخشوع روح الصلاة

‏إذا اعتبر الركوع و السجود و القراءة و التسبيح جسم الصلاة، فالتوجّه الباطني إلی حقيقة الصلاة، و إلی من يناجيه المصلّي، هو روح الصلاة. و الخشوع ما هو إلّا توجّه باطني مع تواضع. و علی هذا يتبيّن أنّ المؤمنين لا ينظرون إلی الصلاة كجسم بلا روح، بل إنّ جميع توجّههم إلی حقيقة الصلاة و باطنها.

‏و هناك عدد كبير من الناس يودّ بشوق بالغ أن يكون خاشعا في صلاته، إلّا أنّه لا يتمكّن من تحقيق ذلك.

‏و لتحقيق الخشوع و التوجّه التامّ إلی اللّه في الصلاة و في سائر العبادات، أوصي بما يلي:

‏١- نيل معرفة تجعل الدنيا في عين المرء صغيرة تافهة، و تجعل اللّه كبيرا عظيما، حتّی لا تشغله الدنيا بما فيها عن الذوبان في اللّه عند مناجاته و عبادته.

‏٢- الاهتمام بالأمور المختلفة يمنع الإنسان من تركيز أفكاره و حواسّه، و كلّما تمكّن الإنسان من التخلّص من مشاغله حصل علی توجّه إلی اللّه في العبادة.

‏٣- إختيار مكان الصلاة و سائر العبادات له أثر كبير في هذه المسألة، لهذا فإنّ الصلاة مع انشغال البال بغيرها تعدّ مكروهة، و كذلك في موضع مرور الناس أو قبال المرآة و الصورة، و لهذا الأسباب تكون المساجد الإسلامية أفضل إن كانت أبسط بناء و أقلّ زخرفة و أبّهة، ليكون التوجّه كلّه للّه فاطر السموات و الأرض.

‏٤- اجتناب المعاصي عامل مؤثّر في التوجّه إلی اللّه، لأنّ المعصية و الذنب تبعد الشقّة بين قلب المسلم و خالقه.

‏٥- معرفة معنی الصلاة و فلسفة حركاتها و الذكر عامل مؤثّر كبير علی ذلك.

‏٦- و يساعد علی ذلك أداء المستحبّات، سواء كانت قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها.

‏٧- و علی كلّ حال فإنّ هذا العمل هو كبقيّة الأعمال الأخری يحتاج إلی تمرين متواصل، و يحدث كثيرا أن يحصل الإنسان علی قدرة التركيز الفكري في لحظة من لحظات الصلاة، و بمواصلة هذا العمل و متابعته يحصل علی قدرة ذاتية يمكنه بها إغلاق أبواب فكره في أثناء الصلاة إلّا علی خالقه (فتأمّلوا جيدا).

‏١ تفسير مجمع البيان، المجلّد السابع، صفحة ٩٨.

‏٢ روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.

‏٣ روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.

‏٤ جاء في حديث عن الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السّلام:« فرض اللّه الزكاة مع الصلاة».

‏٥ تفسير روح المعاني، المجلّد الثامن عشر، صفحة ٢.

‏٦ تفسير الصافي، و تفسير مجمع البيان، في تفسير الآية موضع البحث.

‏٧ تفسير مجمع البيان، و تفسير الفخر الرازي، للآية موضع البحث.

‏٨ الزكاة تعني هنا أنّ لها مصدرا، و لهذا استعملت عبارة« فاعلون» بعدها. و قال مفسّرون آخرون: إنّه يمكن أن تعني الزكاة ذلك المعنی المعروف عنها، أي مقدار من المال، و لهذا تكون( فاعلون) بمعنی مؤدّون.

‏٩ يراجع بهذا المورد قصّة الحضارة لويل ديورانت.

‏١٠ تفسير البرهان، المجلّد الأوّل، صفحة ٣٨٠.

‏١١ سورة النساء، ٥٨.

‏١٢ المصدر السابق.

2025/09/03

ما المقصود بـ «الصراط المستقيم»؟!

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)

إشارات: يطرح القرآن الكريم وجهين من الهداية:

أ) الهداية التكوينية: نظير هداية النحل وغريزته في امتصاص رحيق الأزهار، وفي صنع القرص الشمعي، أو هداية الطيور في هجرتها في رحلتي الصيف والشتاء، ويبيّن القرآن الكريم هذا النوع من الهداية في قوله تعالى: «رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» [سورة طه: الآية ٥٠]¹.

ب) الهداية التشريعية: والمتمثّلة في إرسال الرسل والأنبياء والكتب السماوية لهداية البشر.

[اشترك] 

ذُكرت كلمة «الصِّرَاطَ» [“الصّراط” جسر في يوم القيامة على جهنّم، يعبر جميع الناس عليه]² في القرآن الكريم ما يزيد عن أربعين مرّة. إنّ اختيار النهج الفكري دلالة على شخصية الإنسان ووعيه.

هناك عدّة طرق غير إلهية أمام الإنسان عليه اختيار أحدها:

- طريق طلباته ورغباته.

- طريق توقّعات الناس وأهوائهم.

- طريق وساوس الشيطان.

- طريق الطواغيت.

- طريق الأجداد والماضين.

- طريق الله وأوليائه.

أمّا الإنسان المؤمن فيختار طريق الله وأوليائه، لما يتميّز به على الطرق الأخرى، ومن جملة هذه المزايا:

أ) الطريق الإلهي طريق راسخ وثابت، على العكس من طرق الطواغيت وأهواء الناس والأهواء الشخصية التي تتغيّر في كلّ يوم.

ب) الصّراط المستقيم واحد، وهناك الطرق الأخرى المتعدّدة والمتفرّقة.

ج) السير في هذا الطريق ينتهي بالإنسان إلى هدفه المنشود.

د) لا خسران أو فشل في هذا الطريق. الصّراط المستقيم، هو طريق الله «إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة هود: الآية ٥٦]³.

- الصّراط المستقيم طريق الأنبياء، «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس-٣] عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة يس: الآيتان ٣ ـ ٤]⁴.

- الصّراط المستقيم، طريق العبودية لله، «وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ» [سورة يس: الآية ٦١]⁵.

- الصّراط المستقيم، طريق التوكّل على الله، «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سورة آل عمران: الآية ١٠١]⁶.

- الصّراط المستقيم، طريق التوحيد والاستعانة بالله وحده. [نظراً إلى أنّ الألف واللام في “الصّراط” تشير إلى طريق التوحيد نفسه في الآية السابقة]⁷

- الصّراط المستقيم، هو كتاب الله. [طبقاً لرواية في تفسير مجمع البيان ج ١، ص ٥٨]⁸

- الصّراط المستقيم، طريق الفطرة السليمة. [طبقاً لرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الصافي، ج ١، ص ٨٦]⁹

- ينبغي للإنسان أن يستعين بالله في اختياره الصّراط المستقيم وفي الثبات عليه، مثل المصباح الكهربائي فإنّ إنارته تتطلّب تزويده في كلّ لحظة بطاقة كهربائية من المولّد، «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

- كلّ مسلم يدعو الله في كلّ صلاة أن يهديه إلى الصّراط المستقيم، حتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السلام يدعون الله أن يثبّت خطاهم على الصّراط المستقيم.

- يجب على الإنسان أن يدعو الله ليهديه إلى الصّراط المستقيم في أيّ أمرٍ كان، اختيار العمل، أو الصديق، أو الفرع الدراسي أو الزوجة… إذ، ربّما كانت معتقدات الإنسان سليمة لا غبار عليها، لكنّه عند التطبيق يتعرّض لمزالق أو منحدرات، أو بالعكس، إذن، فطلب الصّراط المستقيم من الله في كلّ لحظة أمرٌ ضروري.

- للصّراط مدارج ومراحل، لذلك حتى أولئك الذين يسيرون في طريق الحقّ، مثل أولياء الله، ينبغي لهم أن يدعوا الله أن يثبّتهم على طريق الحقّ، وأن يزيدهم من نور الهداية، «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى» [القائل هذه العبارة]¹⁰.

- الصّراط المستقيم هو الطريق الوسطى التي أوصى بها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: “اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادّة”. [بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣]¹¹

- الصّراط المستقيم هو الاعتدال والوسطية والاحتراز من أيّ إفراط أو تفريط، إن في العقيدة أو في العمل. فهذا يخرج عن الجادة بتطرّفه عقائدياً، وذاك في العمل والأخلاق، وهذا ينسب جميع الأعمال إلى الله، لدرجة أنّه يسلب الإنسان كلّ دور واختيار في تقرير مصيره، وآخر يرى نفسه الفعّال لما يشاء، دون أيّ رقابة أو حساب من الله، واحد يعتقد بأنّ رسل السماء كالناس العاديّين وأحياناً سحرة أو مجانين، والثاني يرفعهم إلى منزلة الله. هذا يرى أنّ زيارة الأئمّة المعصومين والشهداء بدعة، والآخر يُفرط في تقديس واحترام كلّ حجر وشجر، ويتّخذها قبلة يتوسّل بها، هذا يرى أنّ الاقتصاد هو القاعدة والأساس، والثاني يزهد في شؤون الدنيا ويطوي عنها كشحاً، بعضهم يبدي غيرة مفرطة في حياته، والآخر يطلق العنان لزوجته لتسرح وتمرح في الأسواق والشوارع سافرة دونما رقيب أو حجاب يسترها، هذا يفرط في البخل، والثاني يبسط يده كلّ البسط فيسرف ويبذّر بلا حساب، هذا يعتزل الخلائق، وذاك يفرّط في الحقّ من أجل الخلق… إلخ.

هذه السلوكيات والأعمال انحرافٌ عن صراط الهداية المستقيم. لقد جعل الله دينه القويم هو الصّراط المستقيم، حيث ورد عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام في الروايات: “نحن الصّراط المستقيم”، بمعنى، أنّهم التجسيد العملي والموضوعي للصّراط المستقيم، والأسوة الكاملة للسّير في طريق رُسُل السّماء، لقد أوصى أولئك العظماء شيعتهم بالاعتدال والوسطية في جميع شؤون الحياة، في العمل، والترفيه، والدرس، والمأكل والإنفاق والانتقاد والغضب والصلح وحبّ الأبناء… إلخ. والمثير للعجب أنّ إبليس يكمن لنا في هذا الصّراط المستقيم¹².

لقد وردت في القرآن والروايات أمثلة عديدة تحثّ على توخّي جانب الاعتدال، وتنهى عن الإفراط والتفريط، لنتأمّل هذه الأمثلة:

- «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» [سورة الأعراف: الآية ٣١]¹⁶.

- «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ» [سورة الإسراء: الآية ٢٩]¹⁷.

- «وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» [سورة الفرقان: الآية ٦٧]¹⁸.

- «وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا» [سورة الإسراء: الآية ١١٠]¹⁹.

- كن برّاً بوالديك؛ «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» [سورة البقرة: الآية ٨٣]²⁰، ولكن إذا أرادا حرفك عن سبيل الله، فلا تطعهما، «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا» [سورة لقمان: الآية ١٥]²¹.

- النبيّ يحمل رسالة عامة؛ «وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا» [سورة مريم: الآية ٥١]²², وفي ذات الوقت، يدعو عشيرته الأقربين، «وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ» [سورة مريم: الآية ٥٥]²³.

- لقد أمر الإسلام بالصلاة وهي المرقى الذي يصل العبد بالخالق؛ «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ»، وأوصى أيضاً بأداء الزكاة، وهي جسر بين العبد والناس، «وَآتُوا الزَّكَاةَ» [سورة البقرة: الآية ٤٣]²⁴.

- لا نتأثّر بالمحبّة فنزيغ عن شهادة الحقّ؛ «شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ» [سورة النساء: الآية ١٣٥]²⁵ ولا ننقاد للعداوات فننحرف عن جادة العدل والصواب، «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ» [سورة المائدة: الآية ٨]²⁶.

- للمؤمن وجهان؛ «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» و«رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» [سورة الفتح: الآية ٢٩]²⁷.

- فهو يحتاج للإيمان القلبي؛ «آمَنُوا» ليعضده بالعمل الصالح «عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» [سورة البقرة: الآية ٢٥]²⁸.

- يحتاج إلى الدموع والدعاء وطلب النصرة من الله؛ «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا» [سورة البقرة: الآية ٢٥٠]²⁹، ويحتاج إلى المصابرة والثبات في الشدائد، «عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» [سورة الأنفال: الآية ٦٥]³⁰. كان الإمام الحسين (عليه السلام) يذرف الدموع ويبتهل إلى الله في جوف الليل، وفي الوقت نفسه، كان يحدّ سيفه لمحاربة الأعداء.

- في يوم عرفة غداة عيد الأضحى يبتهل الحاج إلى الله تعالى، وفي صبيحة العيد يشهد ذبح الأضحية.

- يبيح الإسلام الملكيّة الخاصّة، “الناس مسلّطون على أموالهم”، لكنّه يمنع الإضرار بالآخرين، ويحدّ منه. “لا ضَرر ولا ضِرار”. [بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٧٢]³¹ [الكافي، ج ٥، ص ٢٨]³²

ليس الإسلام ديناً أحادياً ليهتمّ بجانب ويترك جوانب أخرى، بل ديدنه الاعتدال في كل أمر، والحثّ على الوسطية والصّراط المستقيم.

التعاليم:

١- كلّ الوجود يتحرّك في طريق مشيئة الله وإرادته. اللهمّ! اهدنا إلى ما تحبّ وترضى، «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

٢- طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم، أهمّ مطلب للموحّدين، «إِيَّاكَ نَعْبُدُ… إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

٣- من أجل السّير في الصّراط المستقيم، يجب أن ندعو بدعوة «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

٤ـ نبدأ بالحمد، ثمّ بالاستعانة فالدعاء، «الْحَمْدُ لِلَّهِ… إهْدِنَا».

٥ ـ أفضل أنواع الاستعانة بالله، طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم، «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ… اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

-----

الهوامش:

¹ سورة طه: الآية ٥٠.

² “الصّراط” جسر في يوم القيامة على جهنّم، يعبر جميع الناس عليه.

³ سورة هود: الآية ٥٦.

⁴ سورة يس: الآيتان ٣ ـ ٤.

⁵ سورة يس: الآية ٦١.

⁶ سورة آل عمران: الآية ١٠١.

⁷ نظراً إلى أنّ الألف واللام في “الصّراط” تشير إلى طريق التوحيد نفسه في الآية السابقة.

⁸ طبقاً لرواية في تفسير مجمع البيان ج ١، ص ٥٨.

⁹ طبقاً لرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الصافي، ج ١، ص ٨٦.

¹⁰ القائل هذه العبارة “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ…” طوى مراحل من الهداية، لذلك، فإنّ طلبه هذا هو لمراحل هداية أرقى.

¹¹ بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣.

¹² “قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” سورة الأنعام، الآية ١٦١. تفسير نور الثقلين، ج ١ ص ٢٠. انظر: كتاب أصول الكافي، باب الاقتصاد في العبادات. لقد أقسم الشيطان لله بقوله: “لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ” سورة الأعراف: الآية ١٦.

¹³-³² [المراجع كما وردت في النص الأصلي]

2025/06/25

وصفة كاملة في «سورة قرآنية»!

لهذه السّورة مكانة متميّزة بين سائر سور القرآن الكريم، وتتميز بالخصائص التالية:

1- سياق السّورة- تختلف سورة الحمد عن سائر سور القرآن في لحنها و سياقها، فسياق السور الاخرى يعبّر عن كلام اللّه، و سياق هذه السّورة يعبّر عن كلام عباد اللّه. و بعبارة اخرى: شاء اللّه في هذه السّورة أن يعلّم عباده طريقة خطابهم له و مناجاتهم إيّاه.

[اشترك]

تبدأ هذه السّورة بحمد اللّه و الثناء عليه، و تستمر في إقرار الإيمان بالمبدأ و المعاد «باللّه و يوم القيامة» و تنتهي بالتضرع و الطلب.

الإنسان الواعي المتيقّظ يحسّ و هو يقرأ هذه السّورة بأنّه يعرج على أجنحة الملائكة، و يسمو في عالم الروح و المعنوية، و يدنو باستمرار من ربّ العالمين.

هذه السّورة تعبّر عن اتجاه الإسلام في رفض الوسطاء بين اللّه و الإنسان ...

هؤلاء الوسطاء الذين افتعلتهم المذاهب الزائفة المنحرفة، و تعلّم البشر أن يرتبطوا باللّه مباشرة دونما واسطة، فهذه السّورة عبارة عن تبلور هذا الارتباط المباشر و الوثيق بين اللّه و الإنسان ... بين الخالق و المخلوق. فالإنسان لا يرى في مضامين آيات السّورة سوى اللّه ... يخاطبه ... يناجيه ... يتضرّع إليه ... دونما واسطة حتى و إن كانت الواسطة نبيّا مرسلا أو ملكا مقرّبا. و من العجيب أن يحتلّ‌ هذا الارتباط المستقيم بين الخالق و المخلوق مكان الصدارة في كتاب اللّه العزيز!.

2- سورة الحمد أساس القرآن

فقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: «ألا أعلّمك أفضل سورة أنزلها اللّه في كتابه؟» قال جابر: بلى بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، علّمنيها. فعلّمه الحمد أمّ الكتاب، و قال: هي شفاء من كلّ داء، إلّا السّام، و السّام الموت»1.

و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أيضا أنّه قال: «و الّذي نفسي بيده ما أنزل اللّه في التّوراة، و لا في الإنجيل و لا في الزّبور و لا في القرآن مثلها، و هي أمّ الكتاب»1.

سبب أهمية هذه السّورة يتضح من محتواها، فهي في الحقيقة عرض لكل محتويات القرآن، جانب منها يختصّ بالتوحيد و صفات اللّه، و جانب آخر بالمعاد و يوم القيامة، و قسم منها يتحدّث عن الهداية و الضلال باعتبارهما علامة التمييز بين المؤمن و الكافر و فيها أيضا إشارات إلى حاكمية اللّه المطلقة، و إلى مقام ربوبيّته، و نعمه اللامتناهية العامة و الخاصة «الرحمانية و الرحيمية»، و إلى مسألة العبادة و العبودية و اختصاصهما بذات اللّه دون سواه.

إنّها تتضمّن في الواقع توحيد الذات، و توحيد الصفات، و توحيد الأفعال، و توحيد العبادة.

و بعبارة اخرى: تتضمّن هذه السّورة مراحل الإيمان الثلاث: الاعتقاد بالقلب، و الإقرار باللسان، و العمل بالأركان. و من المعلوم أنّ لفظ «الأمّ» يعني هنا الأساس و الجذر.

و لعل ابن عباس ينطلق من هذا الفهم إذ يقول:«إن لكل شي‌ء أساسا ... و أساس القرآن الفاتحة».

و من هذا المنطلق أيضا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فيما روي عنه: «أيّما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنّما قرأ ثلثي القرآن، و أعطي من الأجر كأنّما تصدّق على كلّ مؤمن و مؤمنة»2.

تعبير «ثلثي القرآن»، ربّما كان إشارة إلى أنّ القرآن ينطوي على ثلاثة أقسام: الدّعوة إلى اللّه، و الإخبار بيوم الحساب، و الفرائض و الأحكام. و سورة الحمد تتضمن القسمين الأوّلين. و تعبير «أمّ القرآن» إشارة إلى القرآن يتلخّص من وجهة نظر اخرى في (الإيمان و العمل) و قد جمعا في سورة الحمد.

3- سورة الحمد شرف النّبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم- القرآن الكريم يتحدّث عن سورة الحمد باعتبارها هبة إلهية لرسوله الكريم، و يقرنها بكل القرآن إذ يقول:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ 34.

فالقرآن بعظمته يقف هنا إلى جنب سورة الحمد، و لأهمية هذه السّورة أيضا أنّها نزلت مرّتين.

نفس هذا المضمون‌ رواه أمير المؤمنين علي عليه السّلام عن الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «إنّ اللّه تعالى قال لي يا محمّد و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم، فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب و جعلها بإزاء القرآن العظيم، و إنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش ...» ٥

4- التّأكيد على تلاوة هذه السّورة- ممّا تقدم نفهم سبب تأكيد السّنة بمصادرها الشيعية و السنّية على تلاوة هذه السّورة- فتلاوتها تبعث الروح و الإيمان و الصفاء في النفوس، و تقرّب العبد من اللّه، و تقوّي إرادته، و تزيد اندفاعه نحو تقديم المزيد من العطاء في سبيل اللّه، و تبعده عن ارتكاب الذنوب و الانحرافات. و لذلك كانت أمّ الكتاب صاعقة على رأس إبليس كما

ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام: «رنّ إبليس أربع رنّات، أوّلهنّ يوم لعن، و حين أهبط إلى الأرض، و حين بعث محمّد صلّى اللّه عليه و اله على حين فترة من الرّسل، و حين نزلت أمّ الكتاب»67.

*مقتطف من تفسير الأمثل

 الهوامش:

  1. a. b. مجمع البيان، و نور الثقلين، مقدمة سورة الحمد.
  2. مجمع البيان، بداية سورة الحمد.
  3. القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 87، الصفحة: 266.
  4. سيأتي تفسير «سبعا من المثاني» في ذيل الآية المذكورة. انظر: المجلد الثامن من هذا التّفسير، ذيل الآية 87 من سورة «الحجر».
  5. تفسير البرهان، ج 1، ص 26، نقلا عن تفسير البيان.
  6. نور الثقلين، ج 1، ص 4.
  7. المصدر: كتاب الامثل في تفسير كتاب الله المنزل‌، لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي دامت بركاته.
2025/06/24

وبشر الصابرين.. كيف نواجه الأزمات والابتلاءات؟‏

وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)

‏إشارات:

‏- الابتلاء سنّة الله تعالی في الخلق، حيث يخضع الجميع دون استثناء للابتلاء، ولکن لا يتساوی الجميع في التعرّض لنفس البلاء. إنّ العالم مختبر کبير، والبشر بما فيهم الأنبياء هم موضوع الاختبار. لا بدّ لنا أن نعلم نقطة مهمّة وهي أنّ هدف الابتلاء الإلهي ليس الاستيضاح أو رفع الغموض والجهل، بل إنّه للتربية والإصلاح وتنمية المواهب الإنسانية وإعدادها. وتشمل أدوات الابتلاء الحوادث المريرة والسارّة بما في ذلک الخوف والفزع والجوع والخسارة في الأموال والأرواح، ونقص الخيرات. فالخوف من الأعداء، والحصار الاقتصادي، والحرب والجهاد وإرسال فلذات الأکباد إلی جبهات القتال، کلّ هذه أمثلة للابتلاء الإلهي.

[اشترك]

‏- ومن أجل اجتياز امتحان الخوف من الأعداء بنجاح نحتاج إلی ذکر الله تعالی والتوکّل عليه، ولأجل رفع النقائص والاحتياجات، يلزم أن نتحلّی بالصبر والثبات، وهو ما أشارت إليه الآيتان السابقتان، «اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلَوةِ».

‏- کما ذکرنا، ليس من الضروري أن يخضع جميع الناس لنفس الابتلاء، بل ربّما:

‏أ) يخضع کلّ واحد لابتلاء معيّن.

‏ب) قد يخرج المرء من ابتلاء معيّن مرفوع الرأس، بينما يفشل في ابتلاء آخر.

‏ج) أو قد يشترک الأفراد في ابتلاء معيّن.

‏- أحياناً، يکون النقص في المال والخيرات أو التعرّض للخوف والفزع وسائر المشکلات الأخری من باب الابتلاء الإلهي، وأحياناً أخری، يکون ذلک جزاءً علی ما ارتکبه الإنسان من معاصٍ. إذ قد يجنح الإنسان في بعض الأوقات إلی ارتکاب المعاصي، فيبتليه الله ببعض البلايا من باب العقوبة والجزاء. يقول الإمام علي (عليه السلام) في ذلک:

‏"إنّ اللّه‌ يبتلي عباده عند الأعمال السيّئة بنقص الّثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ويتذكّر متذكّر".

[ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.]

١

‏طبعاً حتی هذا العقاب يندرج تحت عنوان الابتلاء، کما تندرج وفور نعم الله علی عبده بسبب إيمانه تحت هذا العنوان أيضاً، بمعنی أنّ الابتلاء يکون بالخير والشرّ؛ «لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجنّ-١٦] لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ»

[ سورة الجنّ، الآية ١٦.]

٢.

‏لقد أنعم الله تعالی علی الصابرين بعدّة نعم نذکر من جملتها:

‏١- المحبة، «واللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ»

[ سورة آل عمران: الآية ١٤٦.]

٣.

‏٢- النصرة، «إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»

[ سورة البقرة: الآية ١٥٣.]

٤.

‏٣- الجنّة، «يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا»

[ سورة الفرقان: الآية ٧٥.]

٥.

‏٤ـ ثواب بغير حساب، «إِنَّمَا يُوَفَّی الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ»

[ سورة الزمر: الآية ١٠.]

٦.

‏٥ ـ البشارة، «بَشِّرِ الصَّابِرِينَ».

‏وبالنسبة لسبل اجتياز الابتلاء الإلهي فهي:

‏أ) الصبر والمقاومة.

‏ب) اليقين بأنّ الحوادث والبلايا زائلة وعابرة.

‏ج) العودة إلی تاريخ الماضين لاستخلاص الدروس منه في کيفية تغلّبهم علی المصاعب واجتيازها.

‏د) أن يعلم المرء أنّ جميع البلايا والشدائد التي نعانيها هي بعين الله، أي إنّ لکلّ شيء حساباً.

‏ومن المناسب أن نذکّر هنا بمصيبة الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) في ولده الرضيع الذي فاضت روحه الطاهرة علی يده بسهام الأعداء، فتجرّع تلک الغصّة وفوّض أمره إلی الله وقال عبارته الرائعة: "هَوِّن علیّ ما نزل بی انّه بعين اللّه".

[ بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ٤٦.]

٧‏

‏التعاليم:

‏١- الابتلاء أو الامتحان سنّة کونية حتمية، «ولَنَبْلُوَنَّكُمْ».

‏٢- المصائب تصقل روح المقاومة والثبات لدی الإنسان. فکثير من الخصال مثل الصبر، الرضا، التسليم، القناعة، الزهد، التقوی والورع، الحلم والإيثارية،... وغيرها تنجلي في مضائق الحياة، «وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ».

‏٣- لم تذکر الآية الکريمة طبيعة البشارة، لذلک، فهي تشمل جميع أنواع البشارات الإلهية، «وبَشِّرِالصَّابِرِينَ».

الهوامش:

‏١ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.

‏٢ سورة الجنّ، الآية ١٦.

‏٣ سورة آل عمران: الآية ١٤٦.

‏٤ سورة البقرة: الآية ١٥٣.

‏٥ سورة الفرقان: الآية ٧٥.

‏٦ سورة الزمر: الآية ١٠.

‏٧ بحار الأنوار، ج ٤٥، ص

2025/06/22

وأعدوا لهم: كيف يستعد المسلمون للحرب؟

وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)

‏المزيد من التعبئة العسكرية و الهدف منها:

‏تشير أوّل آية هنا- لتناسب الكلام في الآيات المتقدمة عن الجهاد- إلی أصل مهم يجب علی المسلمين التمسك به في كل عصر و مصر، و هو لزوم‌ الاستعداد العسكري لمواجهة الأعداء، فتقول: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.

[اشترك]

‏أي لا تنتظروا حتی يهجم العدوّ فتستعدوا عندئذ لمواجهته، بل يجب أن تكون لديكم القدرة و الاستعداد اللازم لمواجهة هجمات الأعداء المحتملة.

‏و تضيف الآية قائلة: وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ‌.

‏«الرّباط» بمعنی شدّ الشي‌ء، و يرد هذا الاستعمال كثيرا بمعنی ربط الحيوان في مكان ما لرعايته و المحافظة عليه، و قد جاء هذا اللفظ هنا بما يناسب ذلك بمعنی الحفظ و المراقبة بصورة عامّة.

‏و «المرابطة» تعني حفظ الحدود، و تأتي كذلك بمعنی الرقابة علی شي‌ء آخر، و يطلق علی مكان شدّ وثاق الحيوان ب «الرباط» و لذلك سمّت العرب أماكن نزول المجاهدين رباطا أيضا.

‏ملاحظات‌

‏١- في الجملة القصيرة- آنفة الذكر- بيان لأصل مهم في الجهاد و حفظ وجود المسلمين و ما لديهم من مجد و عظمة و فخر، و التعبير في الآية واسع إلی درجة أنّه ينطبق علی كل عصر مصر تماما.

‏و كلمة «قوّة» و إن قصرت لفظا، إلّا أنّها ذات معنی وسيع و مغزی عميق، فهي لا تختص بأجهزة الحرب و الأسلحة الحديثة لكل عصر فحسب، بل تتسع لتشمل كلّ أنواع القوی و القدرات التي يكون لها أثرا ما في الإنتصار علی الأعداء، سواء من الناحية المادية أو الناحية المعنوية.

‏فالذين يرون أنّ السبيل الوحيد للانتصار علی الأعداء هو كمية السلاح، هم علی خطأ كبير، لأنّنا شاهدنا في عصرنا الحاضر شعوبا قليلة العدد و أسلحتها غير متطورة انتصرت علی شعوب أقوی و ذات أسلحة حديثة متطورة، كما حصل للشعب الجزائري المسلم في مواجهة الدولة الفرنسية القوية! فبناء علی ذلك، و مضافا إلی ضرورة تحصيل الاسلحة المتطورة في كل زمان بعنوان وظيفة إسلامية حتمية- تجب تقوية عزائم الجنود و معنوياتهم للحصول علی قوّة أكبر و أهمّ.

‏و لا ينبغي الغفلة عن بقية القوی و القدرات الاقتصادية و الثقافية و السياسية، و التي تندرج تحت عنوان «القوّة» و لها تأثير بالغ علی الأعداء.

‏و ممّا يسترعي النظر أنّ الرّوايات الإسلامية ذكرت لنا تفاسير مختلفة في شأن «القوّة» و معناها، و ذلك يكشف عن مفهومها الواسع، ففي بعض الرّوايات نجد أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بيّن أنّ المراد من القوّة هو «النّبل»

[تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٦٤- ١٦٥.]

١.

‏و نقرأ في رواية أخری- وردت في تفسير علي بن إبراهيم- أن المقصود من القوة هو كل أنواع السلاح‌

[المصدر السابق.]

٢.

‏كما نقرأ في تفسير العياشي أن المراد منه السيف و الدرع‌

[المصدر السابق.]

٣.

‏و نجد رواية أخری في كتاب من لا يحضره الفقيه تقول: «منه الخضاب بالسواد»

[المصدر السّابق.]

٤.

‏فتری أنّ الإسلام قد أولی لون شعر المقاتلين من كبار السن اهتماما ليستعملوا الخضاب، فيراهم العدوّ في عمر الشباب فيصاب بالرعب منهم، و يكشف هذا الأمر عن مدی سعة مفهوم القوّة.

‏و بناء علی ذلك، فمن فسّر القوّة بمصداق واحد محدود قد جانب الصواب‌ جدّا.

‏و لكن مع الأسف، فإنّ المسلمين علی الرغم ممّا لديهم من مثل هذا التعليم الصريح، لا نجد فيهم أثرا لتقوية العزائم و المعنويات بين صفوفهم، كأنّهم قد نسوا كل شي‌ء. و لا هم يستغلّون قواهم الاقتصادية و الثقافية و العسكرية و السياسية لمواجهة عدوّهم.

‏و الأعجب من ذلك أنّنا مع إهمالنا هذا الأمر العظيم و تركه وراء ظهورنا نزعم أنّنا ما زلنا مسلمين!! و نلقي تبعة تأخرنا و انحطاطنا علی رقبة الإسلام، و نقول: إذا كان الإسلام داعية ترقّ و تقدم، فلم نحن المسلمون في تأخر و تخلف؟! و نحن نعتقد أنّ هذا الشعار الإسلامي الكبير: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إذا أضحی شعارا شاملا في كل مكان، ينادي، به الصغير و الكبير، و العالم و غير العالم، و المؤلف و الخطيب، و الجندي و الضابط، و الفلاح و التاجر، و التزموا به في حياتهم و طبقوه، كان كافيا لجبران التخلفّ و التأخر.

‏إنّ سيرة النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم العملية و أئمّة الإسلام تدل علی أنّهم لم يدخروا وسعا، و استغلوا كل فرصة لمواجهة العدوّ، كإعداد الجنود و تهيئة السلاح، و شد الأزر و رفع المعنويات، و بناء معسكرات التدريب، و إختيار الزمان المناسب للهجوم، و العمل علی استعمال مختلف الأساليب الحربية، و لم يتركوا أية صغيرة و لا كبيرة في ذلك.

‏و المعروف أنّ النّبي بلغه أن سلاحا جديدا مؤثرا صنع في اليمن أيّام معركة حنين، فأرسل النّبي جماعة إلی اليمن لشرائه فورا.

[اشترك]

‏و نقرأ في أخبار معركة أحد أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم ردّ علی شعار المشركين «أعل هبل، اعل هبل» بشعار أقوی منه و هو «اللّه أعلی و أجل» ورد علی شعارهم: «إنّ لنا العزی و العزی لكم»، بقوله: «اللّه مولانا و لا مولی لكم»، و هذا الأمر يدلّ علی أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين- كذلك- لم يغفلوا عن اختيار أقوی الشعارات في‌ مواجهة الأعداء و الردّ علی عقائدهم و شعاراتهم.

‏و من التعاليم الإسلامية المهمّة في هذا الصدد موضوع سباق الخيل و الرماية، و ما جوّزه الفقه فيهما من الربح و الخسارة، فهو مثل آخر علی تفكير الإسلام العميق إلی جانب الاستعداد لمواجهة الأعداء و حثّ المسلمين علی ذلك.

‏٢- و اللطيفة المهمّة الأخری التي نستنتجها من الآية آنفة الذكر هو عالمية و خلود هذا الدين الالهي. لأنّ مفاهيم هذا الدين و مضامينه ذات أبعاد واسعة لا تخلق علی مرور الزمان و لا تغدو بالية أو منسوخة برغم القدم، فجملة وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ كان لها مفهوم حي قبل أكثر من ألف عام، كما هي الحال اليوم، و سيبقی مفهومها حيا إلی عشرات الآلاف من السنين الأخری لأنّ أي سلاح يظهر في المستقبل فهو كامن في كلمة «القوّة» الجامعة، إذ أن جملة «ما استطعتم» عامّة، و كلمة «قوّة» نكرة تؤيد عمومية تلك الجملة لتشمل كل قوّة.

‏٣- و يرد هنا سؤال و هو: لماذا وردت عبارة «رباط الخيل» بعد كلمة «قوّة» بمالها من المفهوم الواسع.

‏و جواب هذا السؤال هو أنّ الآية بالرغم من أنّها تتضمن قانونا شاملا لكل عصر و زمان، فهي في الوقت ذاته تحمل تعليما مهما خاصا بعصر النّبي، الذي هو عصر نزول القرآن. و في الحقيقة إن هذا المفهوم العام جاء بمثال واضح لذلك العصر، لأنّ الخيل كانت في ذلك الزمن من أهم وسائل الحرب، فهي وسيلة مهمّة عند المقاتلين الشجعان و الأبطال في هجومهم و قتالهم السريع، و أهميتها تشبه أهمية الطائرات و الدبابات في العصر الحاضر.

‏الهدف من تهيئة السلاح و زيادة التعبئة العسكرية:

‏ثمّ ينتقل القرآن بعد ذلك التعليم المهم إلی الهدف المنطقي و الإنساني من وراء هذا الموضوع، فيقول: إنّ الهدف منه ليس تزويد الناس في العالم أو في‌ مجتمعكم بأنواع الأسلحة المدمرة التي تهدم المدن و تحرق الأخضر و اليابس و ليس الهدف منه استغلال أراضي الآخرين و ممتلكاتهم، و ليس الهدف هو توسعة الاستعباد و الاستعمار في العالم، بل الهدف من ذلك هو تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَ عَدُوَّكُمْ‌! لأنّ أكثر الأعداء لا يستمعون لكلمة الحق و لا يستجيبون لنداء المنطق و المبادي الإنسانية، و لا يفهمون غير منطق القوّة! فإذا كان المسلمون ضعافا، فسوف يفرض عليهم الأعداء كل ما يريدون، أمّا إذا اكتسبوا القوّة الكافية، فإنّ أعداء الحق و العدل و الاستقلال و الحرية سيشعرون بالخوف و لا يفكرون بالتجاوز و العدوان.

‏و اليوم- و نحن في تفسير هذه الآية- فإنّ قسما من الأراضي الإسلامية في فلسطين و غيرها من الدول المجاورة تسحقها أحذية الجنود الصهاينة، و قد أغاروا بهجومهم الأخير علی لبنان فشردّوا الآلاف من العوائل، و قتلوا المئات من الأبرياء، و هدموا الكثير من الأحياء و الدور السكنية، و أحالوها إلی انقاض، فأضافوا- بهذه المأساة المروعة جريمة أخری إلی سجلهم الأسود ... في وقت استنكر الرأي العام العالمي هذا العمل الوحشي حتی أصدقاء إسرائيل، و أصدرت الأمم المتحدة بيانا دعت فيه إلی إخلاء هذه الأرض، لكن هذا الشعب الذي لا يتجاوز بضعة ملايين لا يريد الاستماع لأية كلمة حق و أي منطق إنساني، و ذلك لما لديه من قوّة و أسلحة و استعداد كاف للحرب أعدّه منذ سنين طويلة لمثل هذا العدوان.

‏فالمنطق الوحيد الذي يمكن به الردّ علی هؤلاء هو منطق‌ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ فكأنّ هذه الآية نزلت في عصرنا الحاضر و من أجلنا، لتقول لنا: جهزوا أنفسكم و كونوا من القوة بحيث يصاب عدوّكم بالذعر و الخوف كيما يغادر أرضكم و ينسحب إلی مكانه الأوّل. و ممّا يثير النظر و يسترعيه أنّ الآية هنا جمعت التعبير ب «عدوّ اللّه» و «عدوّكم» و ذلك إشارة إلی عدم وجود منافع و أغراض شخصية في الجهاد و الدفاع عن الإسلام، بل الهدف هو حفظ رسالة الإسلام الإنسانية، فالذين يعادونكم إنّما هم أعداء اللّه و أعداء الحق و العدل و الإيمان و التوحيد و الأخلاق الإنسانية، فينبغي الردّ عليهم انطلاقا من هذا المجال.

[اشترك]

‏و في الحقيقة إنّ هذا التعبير شبيه بالتعبير «في سبيل اللّه» أو «الجهاد في سبيل اللّه» الذي يدلّ علی أنّ الجهاد أو الدفاع الإسلامي لا يشبه فتح البلدان في ما مضی من التأريخ، و لا غزو الاستعمار التوسعي اليوم، و لا في صورة إغارات القبائل العربية في زمن الجاهلية، بل كل ذلك من أجل اللّه و في سبيل اللّه، و في مسير إحياء الحق و العدل.

‏ثمّ تضيف الآية بأنّ المزيد من استعداداتكم العسكرية يخيف أعداء آخرين لا تعرفونهم فتقول: وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ‌.

‏ملاحظتان‌

‏١- من هم المقصودون في الآية «الذين لا تعلمونهم»

‏بالرّغم من أنّ المفسّرين احتملوا في هذه الطائفة: الذين لا تعلمونهم احتمالات كثيرة، فقال بعضهم: إنّهم يهود المدينة الذين كانوا يضمرون عداءهم، و قال آخرون: إنّها إشارة إلی الأعداء مستقبلا، كدولة الروم و الفرس اللتين لم يحتمل المسلمون يومئذ أنّهم سيكونون في حرب معهما أو يقع القتال بينهما و بينهم.

‏إلّا أنّ الأصح- كما نراه- هو أن المراد منها هم المنافقون الذين دخلوا في صفوف المسلمين دون أن يعلموهم، فإذا قوی جيش الإسلام فإنّ أولئك سيقعون‌ في حيرة و اضطراب و يرحلون، و الشاهد علی هذه الموضوع هو الآية (١٠١) من سورة التّوبة إذ تقول: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَی النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ‌.

‏و يحتمل أن مفهوم الآية يشمل جميع أعداء الإسلام غير المعروفين أعم من المنافقين و غيرهم.

‏٢- الاستعداد في كل مكان و زمان‌

‏و تتضمن الآية تعليما لمسلمي اليوم أيضا، و هو أنّه لا ينبغي الاكتفاء بالاستعداد لأعداء الإسلام الذين تعرفونهم، بل عليكم أن تنتبهوا للأعداء الاحتماليين أو «بالقوّة» و أن تتهيأوا حتی تكونوا في أعلی حدّ من القوّة و القدرة، و في الحقيقة فإنّ المسلمين لو تنبهوا لهذه القضية المهمّة لما منوا بهجمات الأعداء المفاجئة.

‏و في نهاية الآية إشارة إلی موضوع مهم آخر، و هو أنّ الاستعداد العسكري و جمع الأسلحة و الأجهزة الحربية و وسائل الدفاع المختلفة، كل ذلك يحتاج إلی بالدعم المالي اللازم له، لذلك تأمر المسلمين بالتعاون الجماعي لتهيئة ذلك المال، و أن ما يبذلونه في هذا الأمر فهو عطاء في سبيل اللّه، و لن ينقص منه شي‌ء أبدا وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ‌ فيرجع إليكم جميعه، بل أكثر ممّا أنفقتم‌ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ‌، و ستنالون ثواب ذلك في هذه الدنيا في انتصار الإسلام و قوته و عظمته، لأنّ الشعب الضعيف ستتعرض أمواله للخطر و سيفقد أمنه و حريته و استقلاله أيضا، فبناء علی ذلك فإنّ ما تنفقونه في هذا السبيل سيعود إليكم عن طريق آخر و في مستوی أفضل و أسمی.

‏كما أنّ ثوابا أعظم ينتظركم في العالم الآخر في جوار رحمة اللّه، فمع هذه الحال لا تظلمون، بل ستنالون خيرا كثيرا. و ممّا يسترعي النظر أنّ الجملة آنفة الذكر جاء فيها لفظ «شي‌ء» و هي ذات مفهوم واسع، أي لا يخفی علی اللّه ما تبذلونه من جميع الأشياء، مالا كان أو نفسا أو فكرا أو منطقا أو قوة أو أي مال آخر ينفق في تقوية بنية المسلمين الدفاعية و العسكرية، فإنّ اللّه سيدخره و يعيده إليكم في حينه.

‏و قد احتمل بعض المفسّرين أن جملة «و أنتم لا تظلمون» معطوفة علی جملة «ترهبون» أي أنّكم إذا ما أعددتم القوة اللازمة لمواجهة الأعداء فسيخافون أن يهجموا عليكم، و لن يقدروا علی ظلمكم و إيذائكم، و بناء علی ذلك فلن يصيبكم ظلم أبدا.

‏أهداف الجهاد في الإسلام و أركانه:

‏و اللطيفة الأخری التي تستفاد من هذه الآية، و تكون جوابا علی كثير من أسئلة الجهلاء و إشكالاتهم، هي بيان شكل الجهاد و هدفه و منهجه، فالآية تقول بوضوح: إنّ الهدف منه ليس قتل الناس أو الاعتداء علی حقوق الآخرين، بل الهدف- كما ذكرنا- هو إرهابكم الأعداء لكيلا يعتدوا عليكم و ليخافوكم، فينبغي أن تكون جميع جهودكم و سعيكم منصبّا في سبيل قطع شر أعداء اللّه و الحق و العدل.

‏فهل يملك الجهلة في أذهانهم مثل هذا التصوّر عن الجهاد في القرآن الكريم، و ما صرّح به في هذه الآية- محل البحث- ليسوغ لهم أن يحملوا كل هذه الحملات المسعورة المتتالية علی هذا القانون الإسلامي. فتارة يدّعون بأنّ الإسلام هو دين السيف، و تارة يقولون بأنّ الإسلام يفرض علی الناس أفكاره بالحديد، و يقيسون النّبي الأكرم صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بسائر محتلي البلدان في التاريخ.

‏و في عقيدتنا أنّ جواب كل هؤلاء هو أن يعود إلی القرآن، و يفكروا في الهدف الأصيل لهذا الموضوع، لتتّضح لهم كل تلك الأمور.

‏الاستعداد للصّلح:

‏مع أنّ الآية السابقة أو ضحت هدف الجهاد في الإسلام بقدر كاف، فإنّ الآية التالية التي تتحدّث علی الصلح بين المسلمين توضح هذا الأمر بصورة أجلی فتقول‌ وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.

‏و يحتمل في تفسير هذه الجملة المتقدمة أنّهم إذا بسطوا أجنحتهم للسلم فابسط جناحيك أنت للسلم أيضا، لأنّ «جنحوا» فعل مصدره «الجنوح» و هو الميل، و يطلق علی كل طائر أنّه «جناح» أيضا، لأنّ كل جناح في الطائر يميل إلی جهة، لذلك يمكن الاستناد في تفسير هذه الآية إلی جذر اللغة تارة، و إلی مفهومها الثّانوي تارة أخری.

‏و لمّا كان الناس يترددّون أغلب الأحيان عند ما يراد التوقيع علی معاهدة الصلح، فإنّ الآية تأمر النّبي بعدم التردد في الأمر إذا كانت الشروط عادلة و منسجمة مع المنطق السليم و العقل، فتقول: وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‌.

‏و مع ذلك فهي تحذر النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين من احتمال الاحتيال و الخداع في دعوة الأعداء، إلی الصلح، فقد تكون دعوة للتمويه و الرّغبة في توجيه ضربة مفاجئة، أو يكون هدفهم هو تأخير الحرب ليتمكنوا من إعداد قوات أكثر، إلّا أنّ الآية تطمئن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم أن لا يخشی هذا الأمر أيضا، لأنّ اللّه عزّ و جلّ سيكفيه أمرهم و سينصره في جميع الأحوال، إذ تقول: وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ‌.

‏و سيرتك أيّها النّبي- السابقة- شاهدة علی هذه الحقيقة، لأنّ اللّه‌ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ‌.

‏فكم أرادوا بك كيدا، و كم مهدوا و أعدّوا لك من خطط مدمّرة بحيث لم تكن الغلبة عليها بالوسائل المألوفة ممكنة، لكنّه عزّ و جلّ حفظك و رعاك في مواجهة كل ذلك.

‏أضف إلی ذلك أنّ المؤمنين المخلصين قد أحاطوا بك من كل جانب و لم يدخروا وسعا في الدفاع عنك، فقد كانوا قبل ذلك متشتتين متعادين، و لكنّ اللّه شرح صدورهم بأنوار الهداية وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‌.

‏و قد كانت الحرب لسنوات طويلة قائمة علی قدم و ساق بين طائفتي الأوس و الخزرج و كانت صدورهم تغلي غيظا و حقدا بعضهم علی بعض بشكل لم يكن أي أحد يتصور أنّهم سيعيشون بعضهم مع بعض بالحب و الصفاء في يوم ما، و سيكونون صفا واحدا متراصا، و لكن اللّه القادر المتعادل فعل ذلك ببركة الإسلام و في ظلال القرآن، و لم يكن هذا الإمر مقتصرا علی الأوس و الخزرج الذين هم من الأنصار، بل كان ذلك بين المهاجرين أيضا الذين جاءوا من مكّة، إذ لم يكن بينهم- قبل الإسلام- حب و مودّة، بل كانت صدورهم مليئة بالبغضاء و الشحناء أيضا، لكن اللّه عزّ و جلّ غسل كل تلك الأحقاد و أزالها بحيث تمكن معها ثلاثمائة و ثلاثة عشر من أبطال بدر، منهم حوالي ثمانين نفرا من المهاجرين و الباقي من الأنصار، فكانوا جيشا صغيرا، لكنّه متحدّ قوي استطاع أن يكسر شوكة العدوّ و يحطم قوته.

‏ثمّ تضيف الآية أن اتّحاد تلك القلوب، أو إيجاد تلك الألفة، لم يكن بوسائل مألوفة أو مادية لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَ‌ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ‌.

‏إنّ الذين يعرفون حالة نفوس المتعصبين و الحاقدين، كأولئك الذين كانوا في العصر الجاهلي، يعرفون كذلك أن تلك الأحقاد و الضغائن لم يكن بالإمكان إزالتها، لا بالمال و لا بالجاه و المقام، لأنّها كانت لا تزول عندهم إلّا بالانتقام الذي يتكرر بصورة متسلسلة فيما بينهم، و في كل مرّة يكون في صورة أبشع و أكثر وحشية و إجراما، و الأمر الوحيد الذي أمكن بسببه قلع تلك الجذور الفاسدة من أصولها، هو إحداث ثورة عارمة و تغيير شامل في الأفكار و الأرواح و العقائد، ثورة تصنع تحوّلا في شخصياتهم و تبدل أساليب تفكيرهم، و ترفعهم عن الحضيض الذي كانوا فيه، لتتجلی لهم أعمالهم السابقة في وجهها الكالح القبيح، فيطهروا بذلك أنفسهم، و يدرءوا عنها الأحقاد و الأوساخ و العصبية القبلية العمياء و هذه أمور لا يمكن إيجادها بالثروة و لا بالمال، بل في ظلال الإيمان و التوحيد الخالص فحسب.

‏و تضيف الآية معقبة في الختام‌ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‌.

[اشترك]

‏فعزته تقتضي عجز الآخرين من الوقوف في مواجهته، و حكمته تقتضي أن تكون كل أموره جارية وفق حساب دقيق و نظام صحيح، و لهذا فإنّ الخطة الدقيقة وحدت القلوب المتنافرة المتفرقة و جعلتها تنصاع للنّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لينشروا أنوار الهداية في كل أرجاء العالم.

‏ملاحظتان‌

‏١- قال بعض المفسّرين: إنّ الآية محل البحث تشير إلی الخلافات بين الأوس و الخزرج، الذين هم من الأنصار فحسب، و لكن نظرا إلی أنّ المهاجرين و الأنصار نهضوا جميعا لنصرة النّبيّ فيتّضح اتساع مفهوم الآية.

‏و لعل أولئك كانوا يتصورون أنّ الخلافات كانت قائمة بين الأوس و الخزرج دون غيرهم، مع أنّه كانت اختلافات كثيرة في المستويات الطبقية و الاجتماعية بين الفقراء و الأغنياء، و الكبار و الصغار، بين هذه القبيلة و تلك، تلك الخلافات و «الانشقاقات» أذهبها الإسلام و محا آثارها، كما يقول القرآن الكريم في مكان‌ آخر: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً

[آل عمران، ١٠٣.]

٥.

‏٢- إنّ هذا القانون لا يختص بالمسلمين الأوائل فحسب، فاليوم حيث يبسط الإسلام ظلاله علی ثمانمائة مليون مسلم في أنحاء العالم، و هم من مختلف العناصر و الأقوام المتباعدة و المجتمعات المتنوعة. إذ لا يمكن إيجاد أية حلقة اتصال بين كل هؤلاء سوی حلقة الإيمان و التوحيد، فإنّ الأموال و الثروات و المؤتمرات لا يمكنها أن تفعل شيئا مهما في هذا المجال، بل ما يمكن أن يوحدهم هو إيقاد شعلة الإيمان أكثر في قلوب هؤلاء كما حصل عند المسلمين الأوائل، لأنّ النصر لا يتحقق إلّا عن هذا الطريق، و هو طريق الأخوة الإسلامية بين جميع الناس.

‏و تخاطب الآية الأخيرة من الآيات محل البحث النّبي بالقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‌.

‏و نقل بعض المفسّرين أنّ هذه الآية الكريمة نزلت عند ما قال جماعة من يهود بني قريظة و بني النضير لما قالوا للنّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم: نحن نسلم و نتبعك، يعني إنّنا مستعدون لاتباعك و نصرتك، فنزلت هذه الآية محذرة النّبي لئلا يعتمد علی هؤلاء، بل المعول عليه هو اللّه و المؤمنون‌

[تفسير التبيان، ج ٥، ص ١٥٢.]

٦.

[اشترك]

‏و قد أورد الحافظ أبو نعيم- و هو من أكابر علماء السنة- في كتابه فضائل الصحابة، بسنده، أنّ هذه الآية نزلت في حق علي أمير المؤمنين، فالمقصود بالمؤمنين هو علي عليه السّلام‌. و قد قلنا مرارا: إنّ مثل هذه التفاسير و أسباب النّزول لا تجعل الآيات محدودة و منحصرة، بل المقصود فيها هو أنّ شخصا كعلي بن أبي طالب عليه السّلام الذي كان في أوّل صفوف المؤمنين هو السند الأوّل للنبي بعد اللّه من بين المسلمين، مع أنّ بقية المؤمنين هم أنصار النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و أعوانه.

الهوامش

‏١ تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٦٤- ١٦٥.

‏٢ المصدر السابق.

‏٣ المصدر السابق.

‏٤ المصدر السّابق.

‏٥ آل عمران، ١٠٣.

‏٦ تفسير التبيان، ج ٥، ص ١٥٢.

2025/06/21

ما هي الأمور التي تقدّر في ليلة القدر؟

‏في سبب تسمية هذه الليلة بليلة القدر قيل الكثير من ذلك:

‏١- لأنّها الليلة التي تعيّن فيها مقدرات العباد لسنة كاملة، يشهد علی ذلك قوله تعالی: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‌ [الدخان، الآية ٣- ٤.]

هذه الآية الكريمة تنسجم مع ما جاء من الرّوايات تقول: في هذه الليلة تعيّن مقدرات النّاس لسنة كاملة، و هكذا أرزاقهم، و نهاية أعمارهم، و أمور أخری تفرق و تبيّن في تلك الليلة المباركة.

[اشترك]

‏هذه المسألة طبعا لا تتنافی مع حرية إرادة الإنسان و مسألة الإختيار، لأنّ التقدير الإلهي عن طريق الملائكة إنّما يتمّ حسب لياقة الأفراد و ميزان إيمانهم و تقواهم و طهر نيّتهم و أعمالهم.

‏أي يقدر لكُلِّ فرد ما يليق له؛ و بعبارة اخری، أرضية التقدير يوفرها الإنسان نفسه، و هذا لا يتنافی مع الإختيار بل يؤكّده.

‏٢- و قال بعض إنّها سمّيت بالقدر لما لها من قدر عظيم و شرف كبير (في‌ القرآن جاء قوله سبحانه: ما قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ‌ [الحج، الآية ٧٤.].

‏٣- و قيل لأنّ القرآن بكل قدره و منزلته نزل علی الرسولِ الأكرم صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بواسطة الملك العظيم في هذه الليلة.

‏٤- إنّها الليلة التي قدّر فيها نزول القرآن.

‏٥- إنّها الليلة التي من أحياها نال قدرا و منزلة.

‏٦- و قيل أيضا لأنّها الليلة التي تنزل فيها الملائكة حتی تضيق بهم الأرض لكثرتهم. لأنّ القدر جاء بمعنی الضيق أيضا كقوله تعالی: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ‌

[الطلاق، الآية ٧.].

‏كل هذه التفاسير يستوعبها المفهوم الواسع لليلة القدر مع أنّ التّفسير الأوّل أنسب و أشهر.

نقلاً عن تفسير الأمثل

2025/03/23

كيف يرسخ القرآن الكريم مفهوم اليقين من خلال بناء الجملة؟

ها هُنا لفتةٌ بلاغيَّةٌ أشار لها المُفسّرون أحببتُ إذاعتَها هنا.

قال تعالى "ُهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".

[اشترك]

وحتى نعرف النُكتة البلاغيَّة هنا لا بُدَّ من معرفة الفرق بين الجملتينِ: الاسميَّة والفعليَّة.

الجملة الفعليَّة: ما تفيد الحدوث والتجدّد.

تشرقُ الشَّمسُ، جملةٌ فعليَّة، تفيد إشراق الشمس بعد إذ لم يكن، وأنَّ إشراقها هذا متكرّرٌ متجدّد.

الشَّمس مشرقة، جملةٌ اسميَّةٌ، وهي أقوى في بيان شروق الشمس وثبوته لها، وهي يفيد الدوام والاستمرار.

وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بثلاثة أوصاف

يُقيمون الصلاة، وجاء بالجملة فعليَّةً حتى تُفيد تكرر قيام المؤمنين الصلاة في أوقاتٍ متجدّدة.

يؤتون الزكاة: وجاء بالوصف الثاني جملةً فعليَّةً لتدلَّ على تكرّر إتيانهم الزكاة مرَّةً بعد مرَّة.

ولكنَّه جاء بالوصف الثالث حملةً اسميَّة لتفيد الثبوت والاستمرار "وهم بالآخرة هم يوقنون"

فإن اليقين بالآخرة ينبغي أن يكون ثابتاً، وعلى الدَّوام، ولذا ناسبَ أن يكون بالجملة الاسميَّة، ولو جاء بالجملة الفعليَّة لما كان يقينهم ثابتاً لأن تجدد فعل اليقين معناه أنه كان مسبوقاً بالشكِّ في كلِّ مرَّة وهذا لا يُناسب حال ثبوت اليقين باليوم الآخر.

وقوله تعالى "وهم بالآخرة هم يوقنون" يختلف عن قول القائل "بالآخرة يوقنون" ففيه زيادة توكيد، وكأنَّه قال: هؤلاء فقط من يؤمن بالآخرة، توكيداً لحقيقة إيمانهم فكأنَّ غيرهم لم يؤمن بالآخرة.

2025/01/13

غيب وشهادة: فكرة خطيرة تفرّق بين الإنسان المؤمن والمادّي!

«الغيب و الشهود» نقطتان متقابلتان، عالم الشهود هو عالم المحسوسات، و عالم الغيب هو ما وراء الحس. لأنّ «الغيب» في الأصل يعني ما بطن و خفي.

[اشترك]

‏و قيل عن عالم ما وراء المحسوسات «غيب» لخفائه عن حواسّنا. التقابل بين العالمين مذكور في آيات عديدة كقوله تعالی: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‌ ‏الإيمان بالغيب هو بالضبط النقطة الفاصلة الأولى بين المؤمنين بالأديان السماوية، و بين منكري الخالق و الوحي و القيامة. و من هنا كان الإيمان بالغيب أول سمة ذكرت للمتّقين.

‏المؤمنون خرقوا طوق العالم المادي، و اجتازوا جدرانه، إنّهم بهذه الرؤية الواسعة مرتبطون بعالم كبير لا متناه. بينما يصرّ معارضوهم علی جعل الإنسان مثل سائر الحيوانات، محصورا في موقعه من العالم المادي. و هذه الرؤية المادية تقمّصت في عصرنا صفات العلمية و التقدمية و التطورية! لو قارنّا بين فهم الفريقين و رؤيتهما، لعرفنا أن: «المؤمنين بالغيب» يعتقدون أن عالم الوجود أكبر و أوسع بكثير من هذا العالم المحسوس، و خالق عالم الوجود غير متناه في العلم و القدرة و الإدراك، و أنّه أزليّ و أبديّ. و أنّه صمّم هذا العالم وفق نظام دقيق مدروس. و يعتقدون أنّ الإنسان- بما يحمله من روح إنسانية- يسمو بكثير علی سائر الحيوانات. و أنّ الموت ليس بمعنی العدم و الفناء، بل هو مرحلة تكاملية في الإنسان، و نافذة تطل علی عالم أوسع و أكبر.

‏بينما الإنسان المادي يعتقد أن عالم الوجود محدود بما نلمسه و نراه. و أن العالم وليد مجموعة من القوانين الطبيعية العمياء الخالية من أي هدف أو تخطيط أو عقل أو شعور. و الإنسان جزء من الطبيعة ينتهي وجوده بموته، يتلاشی بدنه، و تندمج أجزاؤه مرّة اخری بالمواد الطبيعية. فلا بقاء للإنسان، و ليس ثمّة فاصلة كبيرة بينه و بين سائر الحيوانات‌ [نقلا عن:« محمّد و القرآن».]

ما أكبر الهوة التي تفصل بين هاتين الرؤيتين للكون و الحياة! وما أعظم الفرق بين ما تفرزه كل رؤية، من حياة اجتماعية و سلوك و نظام! الرؤية الاولی تربّي صاحبها علی أن ينشد الحق و العدل و الخير و مساعدة الآخرين. و الثانية، لا تقدّم لصاحبها أي مبرّر علی ممارسة الأمور اللهم إلّا ما عاد عليه بالفائدة في حياته المادية. من هنا يسود في حياة المؤمنين الحقيقيين التفاهم و الإخاء و الطّهر و التعاون، بينما تهيمن علی حياة الماديين روح الاستعمار و الاستغلال و سفك الدماء و النهب و السلب. و لهذا السبب نری القرآن يتخذ من «الإيمان بالغيب» نقطة البداية في التقوی.

‏يدور البحث في كتب التّفسير عن المقصود بالغيب، أهو إشارة إلی ذات الباري تعالی، أم أنه يشمل- أيضا- الوحي و القيامة و عالم الملائكة و كل ما هو وراء الحس؟ و نحن نعتقد أن الآية أرادت المعنی الشامل لكلمة الغيب، لأن الإيمان بعالم ما وراء الحس- كما ذكرنا- أول نقطة افتراق المؤمنين عن‌ الكافرين، إضافة إلی ذلك، تعبير الآية مطلق ليس فيه قيد يحدده بمعنی خاص.

‏بعض الروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم السّلام تفسّر الغيب في الآية، بالمهدي الموعود المنتظر (سلام اللّه عليه) و الذي نعتقد بحياته و خفائه عن الأنظار، و هذا لا ينافي ما ذكرناه بشأن معنی الغيب، لأن الروايات الواردة في تفسير الآيات تبين غالبا مصاديق خاصة للآيات، دون أن تحدد الآيات بهذه المصاديق الخاصة، و سنری في صفحات هذا التّفسير أمثلة كثيرة لذلك. و الروايات المذكورة بشأن تفسير معنی الغيب، تستهدف في الواقع توسيع نطاق معنی الإيمان بالغيب، ليشمل حتی الإيمان بالمهدي المنتظر عليه السّلام و يمكننا القول أنّ الغيب له معنی واسع قد نجد له بمرور الزمن مصاديق جديدة.

نقلا عن تفسير الأمثل

2024/12/30

قول سديد: احذروا اللسان لأنّه العضو الأخطر!

قولوا الحقّ لتصلح أعمالكم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً.

[اشترك]

‏«القول السديد» من مادّة (سد) أي المحكم المنيع الذي لا يعتريه الخلل، و الموافق للحقّ و الواقع، و يعني القول الذي يقف كالسدّ المنيع أمام أمواج الفساد و الباطل. و إذا ما فسّره بعض المفسّرين بالصواب، و البعض الآخر بكونه خالصا من الكذب و اللغو و خاليا منه، أو تساوي الظاهر و الباطن و وحدتهما، أو الصلاح و الرشاد، و أمثال ذلك، فإنّها في الواقع تفاسير ترجع إلی المعنی الجامع أعلاه.

‏ثمّ تبيّن الآية التالية نتيجة القول السديد، فتقول: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‌.

‏إنّ التقوی في الواقع هي دعامة إصلاح اللسان و أساسه، و منبع قول الحقّ، و القول الحقّ أحد العوامل المؤثّرة في إصلاح الأعمال، و إصلاح الأعمال سبب‌ مغفرة الذنوب، و ذلك ل إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‌. [سورة هود، الآية ١١٤.]٣ يقول علماء الأخلاق: إنّ اللسان أكثر أعضاء البدن بركة، و أكثر الوسائل تأثيرا في الطاعة و الهداية و الصلاح، و هو في الوقت نفسه يعدّ أخطر أعضاء البدن و أكثرها معصية و ذنبا، حتّی أنّ ما يقرب من الثلاثين كبيرة تصدر من هذا العضو الصغير [عد الغزالي في إحياء العلوم عشرين كبيرة أو معصية تصدر عن اللسان، و هي:

١- الكذب

٢- الغيبة

٣- النميمة

٤- النفاق في الكلام، أي كون الإنسان ذا لسانين و وجهين

٥- المدح في غير موضعه ٦- بذاءة الكلام

٧- الغناء و الأشعار غير المرضية

٨- الإفراط في المزاح

٩- السخرية و الاستهزاء

١٠- إفشاء أسرار الآخرين

١١- الوعد الكاذب

١٢- اللعن في غير موضعه

١٣- التخاصم و النزاع

١٤- الجدال و المراء

١٥- البحث في امور الباطل

١٦- الثرثرة

١٧- البحث في الأمور التي لا تعني الإنسان

١٨- وصف مجالس الشراب و القمار و المعصية

١٩- السؤال عن المسائل الخارجة عن إدراك الإنسان و البحث فيها

٢٠- التصنع و التكلف في الكلام.

‏وفي حديث عن النّبي الأكرم صلّی اللّه عليه و آله: «لا يستقيم إيمان عبد حتّی يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتّی يستقيم لسانه» [بحار الأنوار، المجلد ٧١، صفحة ٧٨.]٥.

‏و من الرائع جدّا ما ورد في حديث آخر عن الإمام السجّاد عليه السّلام: «إنّ لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم علی جوارحه فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن تركتنا.

‏و يقولون: اللّه اللّه فينا، و يناشدونه و يقولون: إنّما نثاب بك و نعاقب بك» [بحار الأنوار، المجلد ٧١، صفحة ٢٧٨.]٦.

‏هناك روايات كثيرة في هذا الباب تحكي جميعا عن الأهميّة الفائقة للّسان و دوره في إصلاح الأخلاق و تهذيب النفوس الإنسانية، و لذلك نقرأ

‏في حديث: «ما جلس رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله علی هذا المنبر قطّ إلّا تلا هذه الآية:

‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً [الدرّ المنثور، طبقا لنقل تفسير الميزان، الجزء ١٦، صفحة ٣٧٦.]٧.

‏ثمّ تضيف الآية في النهاية: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً و أي فوز و ظفر أسمی من أن تكون أعمال الإنسان صالحة، و ذنوبه مغفورة، و هو عند اللّه من المبيضة وجوههم الذين رضي اللّه عنهم؟!

نقلاً عن تفسير الأمثل

2024/12/24

‏أشد الناس خسراناً.. لا تكُن منهم!

نلاحظ في حياتنا وحياة الآخرين، أنّ الإنسان عند ما يقوم بعمل خاطئ و يعتقد أنّه صحيح، فإنّ جهله المركب هذا لا يدوم أكثر من لحظة أو موقف أو حتی سنة، أمّا أن يدوم علی امتداد عمره فذلك هو سوء الحظ و هو الخسران المبين.

[اشترك]

‏لهذا وجدنا القرآن الكريم يسمي مثل هؤلاء الأشخاص بالأخسرين، لأنّ الذي يرتكب الذنب و هو يعلم بذلك، فإنّه سيضع حدا لما هو فيه و يعوّض عن الذنب بالتوبة و العمل الصالح، أمّا أولئك الذين يظنون أن ذنوبهم عبادة و أعمالهم السيئة أعمالا صالحة، و انحرافهم استقامة، فإنّ مثل هؤلاء لا يستطيعون التعويض عن ذنوبهم، بل يستمرون فيما هم فيه إلی نقطة النهاية، فيكونون كما عبّر عنهم القرآن: بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا.

‏و في الرّوايات و الأحاديث الإسلامية تفاسير متعدّدة للأخسرين أعمالا، و إنّ كل واحد منها إشارة إلی أحد المصاديق الواضحة لهذا المفهوم الواسع من دون أن تحدّده،

‏ففي حديث «أصبغ بن نباتة» أنّه سأل الإمام علي عليه السّلام عن تفسير الآية، فقال الإمام: «كفرة أهل الكتاب، اليهود و النصاری، و قد كانوا علی الحق فابتدعوا في أديانهم و هم يحسبون أنّهم يحسبون صنعا» [يراجع نور الثقلين، ج ٣، ص ٣١١- ٣١٢.]٢.

‏وفي حديث آخر عن الإمام علي عليه السّلام أيضا، قوله بعد ذكر الجواب الآنف:

‏«و ما أهل النهر منهم ببعيد»

‏يعني عليه السّلام الخوارج‌ [المصدر السّابق.]٣.

‏و في حديث ثالث هنا إشارة خاصّة إلی الرهبان (الرجال و النساء الذين يتركون الدنيا) و المجاميع التي ابتدعت البدع من المسلمين‌ [المصدر السّابق.]٤.

‏و هناك قسم من الرّوايات تفسّر الآية ب (الذين ينكرون ولاية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السّلام) [المصدر السّابق.]٥.

‏أليس الرهبان الذي يعيشون كل عمرهم في زاوية من الزوايا (في الدير مثلا) و يعانون أنواع الحرمان، و يمتنعون عن الزواج و الأكل و الملابس الجيدة، و يفضلون سكنی الدير علی كل شي‌ء و هم يظنون أنّ هذه الحياة تقرّبهم إلی اللّه، أليس هؤلاء مصداقا واضحا للأخسرين أعمالا؟! هل هناك مذهب أو دين إلهي يمكن أن يدعو إلی خلاف قانون العقل و الفطرة، أي يدعو الإنسان الاجتماعي إلی الابتعاد عن الحياة، و يعتبر هذا العمل مصدرا للتقرب إلی اللّه تعالی؟! إنّ الذين أوجدوا البدع في دين اللّه من قبيل التثليث في مقابل توحيد اللّه الواحد الأحد، و اعتبروا المسيح بن مريم ابن اللّه، و أدخلوا خرافات أخری في دين اللّه، ظنا منهم بأنّهم يحسنون صنعا، أليس هؤلاء و أمثالهم هم أخسر الناس؟! ألا يعتبر خوارج «النهروان» من أخسر الناس، و هم المجموعة الجاهلة التي ارتكبت أعظم الذنوب (مثل قتل الإمام علي عليه السّلام) ظنا منهم أنّ هذا الأمر سيقربهم من اللّه، بل و اعتبروا أنّ الجنّة مخصوصة لهم؟! الخلاصة: إنّ الآية لها مفهوم واسع، إذ تشمل أقواما كثيرين في السابق و الحاضر و المستقبل. و الآن نصل إلی هذا السؤال: ما هو مصدر هذا الانحراف الخطير؟

‏إنّ التعصب القوي و الغرور و التكبير و حب الذات، هي من أهم العوامل التي تقود إلی مثل هذه التصورات الخاطئة. و في بعض الأحيان يكون التملق، أو الانطواء علی النفس لفترة معينة سببا لظهور هذه الحالة، حيث يتصوّر الإنسان أنّ كل أعماله الخاطئة المنحرفة هي أعمال جميلة، بحيث يشعر بالفخر و الغرور و المباهاة بدلا من إحساس الخجل و الشعور بالعار بسبب أعماله القبيحة. يقول القرآن في مكان آخر واصفا هذه الحالة: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر، ٨.]٦ و في آيات أخری، نقرأ أنّ الشيطان هو الذي يزيّن للإنسان سيئاته حسنات، و يمنيهم بالغلبة و النصر، كما في قوله تعالی: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ‌ [الأنفال، ٤٨.]٧.

‏و يقول القرآن بعد قصّة برج فرعون المعروف: وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ‌. و الآية تعليق علی عمل فرعون عند ما طلب من هامان أن يبني له برجا ليطّلع بزعمه إلی إله موسی كما في الآيتين (٣٦- ٣٧) من سورة غافر.

2024/12/22

لماذا خلق الله الأرض مهاداً؟!

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦ وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧ وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ٨ وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ٩ وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا ١٠ وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا ١١ وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢ وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا ١٣ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤ لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥ وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ١٦

[اشترك]

الرؤية الطولية

إن الإنسان المؤمن يرى الأشياء من خلال انتسابها إلى مسبب الأسباب ، ولهذا يلتفت إلى الجاعل مباشرة عند النظر إلى ما جعله ، متذكرا قول ربه ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ﴾ عند نظره إلى الأرض ﴿مِهاداً﴾ والجبال ﴿أَوْتاداً﴾ فعين البصير ليست على الفعل ، ولا على ما يتم به الفعل فحسب ، وإنما على الفاعل الذي يُعدّ مبدأ للفيض ، لا على ما يراه من الآثار ، إذ إن «التردد في الآثار يوجب بعد المزار» كما في دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) .

الآيات الكونية

إن ذكر الآيات الكونية بعد ذكر المعاد ، قد يكون إشعارا بأن من أدلة القيامة هو ما نراه من قدرة الخالق المتجلية في النشأة الأولى ، فمن له هذه القدرة في البدء ، كيف لا تكون له القدرة في الختم؟!

ولذلك ، فإن الآيات تستعمل ضمير الفاعل المتكلم متعددا ﴿بَنَيْنا﴾ و﴿جَعَلْنا﴾ و﴿أَنْزَلْنا﴾ و﴿لِنُخْرِجَ﴾ للتذكير المستمر بالقوة الفاعلة وراء كل مظاهر الحركة في هذا الوجود ، والتي يسندها المتكلم إلى نفسه في هذه الآيات ، الجامعة لشقّي النفي والإثبات .

التخلية ثم التجلية

بعد أن نفت الآيات الأولى تلك الأفكار الباطلة ، فانها ذکرت العقائد الحقة وذلك بالاستدلال والبرهان ؛ لتجتمع قوة النفي والإثبات معا ، فكما أن قانون التخلية ثم التجلية سارٍ في عالم التزكية الروحية ، فهو سارٍ أيضا في عالم التزكية الفكرية ، فمن دون تفريغ ذهن المخاطب من الأفكار الباطلة ، فإنه لا يتيسر إقناعه بالأفكار الحقة ، وهذا المعنى متحقق في شهادة التوحيد أيضا .

ظلمة اللجاجة

إذا انتفت اللجاجة والعناد عند المرء ، فإن النظر إلى ما حوله من العوالم المادية الثابتة كالأرض والجبال ، والطوارئ الحاليّة المتغيرة كسباتية النوم ومعاشية النهار ، ستكون من موجبات الارتباط بالمبدأ والمعاد ، إذ إن الحكمة المتجلية في جزئيات هذا الوجود لا تنقدح من داخلها كمادة صماء ، فلزم وجود قدرة حكيمة قاهرة خارجها ، هي المتصرفة في كل هذا الخلق البديع .

تشبيه الأرض بالمهاد

إن التعبير بمهادية الأرض ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ يذكّرنا بمهد الوليد بعد ساعة ولادته ، فهذا المهد موطن مؤقت له لأنه سينتقل بعدها في هذه الحياة ، إلى ما هو أرحب وأرقى كالقصور الفارهة!

وعندئذ نقول : بأن هذه الأرض بكل ما عليها ـ قياسا إلى الآخرة ـ تُعد كالمهد الصغير بالنسبة إلى تلك القصور ، بل إن النسبة أبعد بوناً من هذا المثال ، فالذي يأنس بهذه الأرض ، يكون بمثابة الوليد الذي يأنس بمهده الصغير ، تاركا القصر الكبير .

زوال مظاهر القوة

إن الله تعالى الذي خلق الجبال وجعلها أوتادا ، هو الذي سوف يُحيل هذه الجبال يوما ما إلى : كثيب مهيل، وإلى عهن منفوش ، وإلى هباء متناثر، وإلى قاع صفصف، كما ورد ذكرها في القرآن الكريم ، وهذا بدوره يدل على أن كل مظاهر الجمال والقوة في هذا الوجود ، ستؤول يوما ما إلى الضعف والفناء ، وأن الذي يبقى إنما هو وجه ربك ذو الجلال والإكرام .

السكون بعد المعاش

إن سلامة الجسد مرتبطة بالترتّبيّة والتوالي بين الحركة والسكون بنحو من أنحاء الترابط ، فالله تعالى هو الذي جعل النهار معاشاً بعد سباتية النوم ولباسية الليل .

وعليه ، فإن الذي لا يجعل بعد حركته المعاشية في النهار سكونا متمثّلا بسبات الليل ؛ فإنه بذلك يعاند قانون الخلقة ، وسيصاب بالتالي بآفات هذا العناد .

تذكر البعث باليقظة

إن عملية النوم ثم اليقظة بعدها ، شبيهة إلى حد كبير بحركة الإماتة والنشور ، فيتذكر العبد المراقب لنفسه حقيقة القيامة بعد كل يقظة ، وهذا بدوره يوجب له التذكر لكي يتزود لذلك اليوم العصيب .

ومن هنا يربط الدعاء الوارد بعد الاستيقاظ من النوم بين اليقظة والنشر ، إذ نقول فيه : «الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، والحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده وأعبده» .

هدفية الخلق

إن القدير الحكيم جعل كل شيء في هذا الوجود مسخرا لهدف بعينه وهو ما ذكرته الآيات من هذه السورة :

فالنوم مقدمة للسبات والراحة ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ .

والنشاط في النهار مقدمة لكسب المعاش فيه ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ .

والزوجية مقدمة للتناسل والتكاثر ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ .

والتجاذب الكوني بما فيه من أفلاك ومجرات مقدمة لاستقرار الأرض بما يصلح لسكنى النوع البشري ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدادا﴾ .

وإنزال المطر مقدمة لعمارة الأرض بالزراعة ، والابتهاج بمظاهر زينتها ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتاً﴾ .

ومن المعلوم أنه تعالى يريد من وراء أصل الوجود هدفا آخرا ، كي لا ينتهي هذا الوجود بالموت ، وهو المتمثل بإيصال العباد إلى الكمال الذي خُلقوا من أجله ، وهذا من أدلة المعاد أيضا ؛ لأن ما يجري فيه من الأحداث يُمثّل غاية الخلقة والإيجاد .

القدرة الواحدة

إن هذه السورة بعد ذكر المعاد ، تُكثر من ذكر الآيات الآفاقية ، ومنها إحياء الأرض وإنبات النبات ، وفي جميعها إشعار بقدرة واحدة في النشأتين ، وهي القادرة على الإحياء بكل صوره ، ومن هنا عبّر عن الإحياء بالإخراج ، وهو تعبير مشترك في إخراج النبات والأموات من الأرض .

نسبة الأمر إلى الرب والعبد

إن القرآن الكريم ينسب عملية العصر إلى السُحب الماطرة ﴿مِنَ الْمُعْصِراتِ﴾ فهي تعصر نفسها لتخرج ماء ثجّاجا ، ومن جهة اُخرى ينسب تعالى الأمر إلى نفسه ﴿وَأَنْزَلْنا﴾ فالله تعالى هو المنزل لهذا الماء كعلّة للعلل ، وهكذا الأمر في كل موارد الوساطة في هذا الوجود ، ومنها الإماتة :

حيث ينسبها الله تعالى إلى نفسه تارة ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.

وينسبها إلى ملك الموت تارة اُخرى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ .

التخلق بحكمة الخالق

لا بُد أن نتخلّق بأخلاق الله تعالى ، إذ إن كل فعل من أفعاله ملحوق بحكمة بالغة ، فإنزال الماء يليه إخراج الحب والنبات ، فجاء لام التعليل لإفهام هذا المعنى ؛ كما في قوله تعالى ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ .

وكذلك العبد الحكيم  ـ تأسيّا بهذا الخلق الإلهي ـ يجب أن لا يصدر منه فعل جزافي ؛ لأنه يجعل أصل سعيه في الدنيا مقدمة للسعادة الأبدية ، وشعاره في ذلك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾[٨] .

2024/12/22

ما غرّك بربك الكريم.. توبيخ وردع للغرور!

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨ كـَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ١٢

[اشترك]

التوبيخ للتذكير

إن هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ من الآيات التوبيخية الجامعة بين التخويف والمنّة على العباد ، والتذكير بصفات الرأفة والكرم ، فكأن الآية تريد أن تقول : إن مَن كانت هكذا آياته يوم القيامة ، ومَن كان متصفا بالربوبية والكرم ، ومَن خلق الإنسان في أحسن صورة ، لا ينبغي لأحدٍ أن يكفر به أو بنعمه ، أو يَغترّ بكرمه وإمهاله!  . . والآية لم تذكر منشأ لهذا الغرور بالرب الكريم ، بل أُوكل تقديره إلى العبد نفسه ، فقد يجعله البعض :

كرم رب العالمين الذي أوجب للبعض أن يأمن عذابه .

تسويل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء .

جهله بمقام ربه ، فقد ورد عن النبي ‘ عند تلاوته للآية المباركة أنه قال : «غرّه جهله» .

ولا يخفى ما في تغيير لحن الحديث من الغَيبة إلى الخطاب في ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ من التأكيد على توجّه العتاب للإنسان ، بعد أن كان الحديث حول النفس بنحو الحديث عن الغائب .

ومن الملفت أن الله تعالى وجّه الخطاب للإنسان ، ست مرات في الآيات الثلاث، ممّا يدل على اهتمام المولى في إيصال العتاب إلى الوجدان .

أعجب الخلقة

إن من أقرب أعاجيب الوجود إلى الإنسان هي خلقته الظاهرة له ، والمتمثلة بعجائب بدنه ، فذكّره المولى بأصل خلقته وإخراجه من ظلمة العدم ﴿خَلَقَكَ﴾ ثم بالتسوية بجعل كل عضو في وضعه اللائق ﴿فَسَوَّاكَ﴾ به ، ثم بالتعديل وتحقيق التعادل بين الأعضاء ﴿فَعَدَلَكَ﴾ ثم التركيب النهائي الذي به تتم الصورة النهائية للخلق ﴿رَكَّبَكَ﴾ ويجمع ذلك كله قوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم‏﴾.

ومن المعلوم أن ذِكر مجموع ذلك ـ  بعد عتاب الاغترار بالرب الكريم ـ أكثر إيجابا للخجل والاستحياء منه!

ردع الغرور

قيل في آية ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ إن وصف الرب بالكرم ـ  أثناء العتاب البليغ ـ كأن فيه تلقين للحجة ليقول العبد بعدها : غرني ربي كرمُك!ولكن هذا الوجه غير سائغ ، فإنه منتقم جبار أيضا ، أضف إلى أن هذه الآيات أعقبتها جملة رادعة حيث يقول تعالى ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ فكأنه يقول : بل أنت ومن حاله حالك ، تكذبون بيوم الدين والجزاء ، وعليه فإن ربوبيته القاهرة وكرمه الظاهر ، موجبان للردع عن الاغترار به .

منازل الحفظ

إن الأعمال محفوظة : أولا عند رب العالمين الذي هو محيط من وراء جميع خلقه ، ومن بعد ذلك الملائكة الحافظة وهم من الكرام الكاتبين ، ومن بعدها العبد الذي يرى عمله رأي العين  . . فالعاصي عليه أن يستحي أولا من ربه ، ومن الملائكة المقربين ثانيا ؛ لأنها موجودات لطيفة تتقذّر من القبائح ، وثالثا من نفسه عندما يرى تنزله من عالم الاستخلاف إلى عالم عبودية الهوى .

فقد سئل الكاظم (عليه السلام) عن الملكين : هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله ، أو الحسنة؟!  . . فقال (عليه السلام) : «ريح الكنيف ، وريح الطيب سواء»؟!  . . قال : لا ، فقال (عليه السلام) : «إنّ العبد إذا همّ بالحسنة ؛ خرج نفسه طيّب الريح ، فيقول صاحب اليمين لصاحب الشمال : قم فإنّه قد همّ بالحسنة ، فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده ، فأثبتها له . . وإذا همّ بالسيئة ؛ خرج نفسه منتن الريح ، فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين : قف فإنّه قد همّ بالسيئة ، فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده ، وأثبتها عليه».

الحفظة من الملائكة

إن الظاهر من الحفظ في ﴿لَحافِظِينَ﴾ هو حفظ الأعمال بقرينة ﴿كاتِبِينَ﴾ ولكن يحتمل أيضا الإشارة إلى ذلك اللطف الإلهي الشامل لجميع الخلق ، حيث جعل ملائكة حافظة لبني آدم من المهالك ، وذلك كما في قوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال في تفسير الآية : «هما ملكان يحفظانه بالليل ، وملكان بالنهار» . وروي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك ، حتى ينتهوا به إلى المقادير ، فيخلون بينه وبين المقادير».

التأسي بالملائكة

إنه لمن اللائق بنا ـ  نحن البشر ـ أن نتأسى بالملائكة الكاتبة ، فهي لا تكتب إلا ما علمت من أفعالنا ، لئلا تكون شاهدة على غير اليقين ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ فالعبد المطيع لمولاه لا يتفوّه ولا يشهد إلا ما كان معلوما لديه ، فإن الظن لا يغني عن الحق شيئا .

أفعال القلوب

من الممكن أن يقال أن ظاهر ﴿تَفْعَلُونَ﴾ يفيد أن الملائكة لا تكتب إلا أفعال الجوارح ؛ لأن أفعال القلوب غيب لا يعلمه إلا الله تعالى ، ولكن من الممكن القول : إن المكتوب بيد الملائكة الكرام يشمل أفعال الجوانح أيضا ، بإعلام الله تعالى للملكين الكاتبين .

ومهما يكن من أمرٍ فإن اطلاع الله تعالى على الجوانح ـ  سواء كان مع إطلاع الملائكة أم عدمه ـ كافٍ لأن يراقب الإنسان هواجسه الباطنية أيضا ، مصداقا لقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾.

 

2024/12/12

ما هو الفسق؟ ومن هو الفاسق؟

‏الفسق في اللغة الخروج، ويقال فسقت النواة من التمرة أي خرجت منها. وفي الاصطلاح القرآني هو الخروج عن الصراط المستقيم الذي لا بد من لزومه في كل تفاصيل الحياة الفردية والاجتماعية. وبالتالي الفسق هو المعنی المقابل للعدالة، والفاسق هو الذي يرتكب الكبيرة ولا يتوب منها.

[اشترك]

‏وردت كلمة الفسق ومشتقاتها أربعاً وخمسين مرّة في القرآن الكريم، واستعملت في موضوعات ومصاديق عدّة، منها:

‏١- في وصف انحراف فرعون وقومه: «إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ» [) سورة النمل: الآية ١٢.]٢.

‏٢- في وصف المنافقين وذوي الوجوه المتعددة: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [) سورة التوبة: الآية ٦٧.]٣.

‏٣- في وصف الذين يؤذون الأنبياء، ويتمرّدون علی أوامرهم: «قَالُواْ يَا مُوسَی إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا... الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» [) سورة المائدة: الآية ٢٤- ٢٦.]٤.

‏٤- في وصف الذين لا يحكمون بما أنزل الله: «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [) سورة المائدة: الآية ٤٧.]٥.

‏٥- في حالة أهل الحيلة والمكر: «...بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ» [) سورة الأعراف: الآية ١٦٣.]٦.

‏٦- في وصف الذين يتركون واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ...بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ» [) سورة الأعراف: الآية ١٦٥.]٧.

‏٧- في وصف الذين يرجّحون البقاء في البيوت، والتجارة، والأسرة والأقارب، والأمور الماديّة علی الجهاد في سبيل الله: «قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُم...أَحَبَّ... بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» [) سورة التوبة: الآية ٢٤.]٨.

‏٨- في حالة التعبير عن الانحرافات الجنسية والسير وراء الشهوات والوقوع في أسرها (فقد أطلق الله لقب الفاسقين علی قوم لوط لارتكابهم الموبقات الجنسية علناً دون أن ينكر أحد منهم علی الآخر فعلته): «رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» [) سورة العنكبوت: الآية ٢٤.]٩.

‏٩- في وصف الأكل من الأطعمة المحرّمة: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ... ذَلِكُمْ فِسْقٌ» [) سورة المائدة: الآية ٣.]١٠.

‏١٠- في وصف الذين يتّهمون النساء الشريفات في شرفّهن ويفترون عليهنّ: «يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ...وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [) سورة النور: الآية ٤.]١١.

مقتطف من تفسير النور – الشيخ محسن قراءتي

2024/11/24

لماذا يهتم الإنسان بـ "التكاثر" و "التفاخر"؟!

‏من آيات السّورة يتبيّن أنّ أحد العوامل الأساسية للتفاخر و التكاثر و المباهات هو الجهل بجزاء الآخرة و عدم الإيمان بالمعاد. كما إنّ جهل الإنسان بضعفه و مسكنته ... ببدايته و نهايته ... من العوامل الاخری الباعثة علی الكبر و الغرور و التفاخر.

[اشترك]

و لهذا فإنّ القرآن الكريم بهدف كسر روح التفاخر و التكاثر في الأفراد، يقصّ علينا في مواضع كثيرة مصير الأقوام السالفة، و كيف إنّها كانت تمتلك كلّ وسائل القوّة و المنعة، لكنّها أبيدت بوسائل بسيطة ... بالريح ... بالصاعقة ... بالزلزال ... بالسيل ... بعبارة اخری بالماء و الهواء و التراب .. و أحيانا بالسجّيل و بطير أبابيل!! فلم- و الحال هذه- كلّ هذا التفاخر و الغرور؟! ثمّ عامل آخر لهذه الظاهرة هو الإحساس بالضعف و عقدة الحقارة الناتجة عن الفشل. و الأفراد الفاشلون من أجل أن يغطوا علی فشلهم يلجأون إلی الفخر و المباهات و لذلك‌

‏ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام قال: «ما من رجل تكبر أو تجبّر إلّا لذلة وجدها في نفسه»

[اصول الكافي، ج ٢، ص ٢٣٦: باب الكبر، الحديث ١٧.].

‏وعن الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السّلام قال: «ثلاثة من عمل الجاهلية: الفخر بالأنساب، و الطعن بالأحساب و الاستسقاء بالأنواء (طلب الماء بواسطة النجوم)»

[بحار الأنوار، ج ٧٣، ص ٢٩١.]

‏وعن أمير المؤمنين علي عليه السّلام قال:«أهلك النّاس اثنان: خوف الفقر، و طلب الفخر»

[بحار الأنوار، ج ٧٣، ص ٢٩٠، الحديث ١٢.]

‏و الحق أنّ أهم عوامل الحرص و البخل و الخلود إلی الدنيا و المنافسات المخربة، و كثير من المفاسد الاجتماعية هو هذا الخوف الوهمي من الفقر و التفاخر و التعالي بين الأفراد و الأمم و القبائل.

‏و لذا ورد عن رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ما أخشی عليكم الفقر و لكن أخشی‌ عليكم التكاثر» [الدر المنثور، ج ٦، ص ٣٨٧.]

‏«التكاثر» كما أشرنا يعني في الأصل التفاخر، و لكنّه يعني أحيانا حبّ الاستزادة من المال و جمعه، كما ورد في الحديث عن رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم قال: «التكاثر في الأموال: جمعها من غير حقّها، و منعها من حقها، و شدّها في الأوعية» [نور الثقلين، ج ٥، ص ٦٦٢، الحديث ٨.]

‏هذا البحث الموسّع نختمه‌ بحديث عن رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم‌ في تفسير أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي؛ و ما لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت»[صحيح مسلم، نقلا عن مجمع البيان، ج ١٠، ص ٥٣٤.]

‏نعم، حقّا لا يعود علی الإنسان شي‌ء من ماله الذي جمعه و عدده، و تساهل- أحيانا- في حلاله و حرامه، إلّا ما يأكل و يشرب و يلبس، أو ما ينفقه في سبيل اللّه و ما ينفقه علی الاحتياجات الشخصية قليل، فما أفضل أن يزيد حظه من ماله بالإنفاق!

المصدر: تفسير الأمثل

2024/11/09

اليهود أم كفار قريش.. من هم المقصودون بآية القتال؟!

1- هناك كلام بين المفسّرين في الجماعة الذين عنتهم الآية قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ بِأَيْدِيكُمْ‌ من هم؟! قال بعضهم: إنّ الآية تشير إلی اليهود، و إلی بعض الأقوام الذين نازلوا المسلمين و قاتلوهم بعد حين كالفرس و الرّوم.

[اشترك]

‏و قال بعضهم: هي إشارة إلی كفّار قريش.

‏و قال بعضهم: بل هي إشارة إلی المرتدين بعد إسلامهم.

‏إلّا أنّ ظاهر الآيات يدلّ- بوضوح- علی أن موضوعها هو جماعة المشركين و عبدة الأصنام الذين عاهدوا المسلمين علی عدم القتال و المخاصمة، إلّا أنّهم نقضوا عهدهم.

‏و كان هؤلاء المشركون في أطراف مكّة أو سائر نقاط الحجاز.

‏كما أنّه لا يمكن القبول بأنّ الآية ناظرة إلی قريش، لأنّ قريشا و رئيسها- أبا سفيان- أعلنوا إسلامهم- ظاهرا- في السنة الثامنة بعد فتح مكّة، و السورة محل البحث نزلت في السنة التاسعة للهجرة.

‏كما أنّ الاحتمال بأنّ المراد من الآية هو الفرس أو الروم بعيد جدّا عن مفهوم الآية، لأنّ الآية- أو الآيات محل البحث- تتكلم عن مواجهة فعلية، لا علی مواجهات مستقبلية أضف إلی ذلك فإنّ الفرس أو الروم لم يهمّوا بإخراج الرّسول من وطنه.

‏كما أنّ الاحتمال بأنّ المراد هم المرتدون بعد الإسلام، بعيد غاية البعد، لإن التأريخ لم يتحدث عن مرتدين أقوياء واجهوا الرّسول ذلك الحين ليقاتلهم بمن معه من المسلمين.

[اشترك]

‏ثمّ إنّ كلمة «أيمان» جمع «يمين» و كلمة «عهد» يشيران إلی المعاهدة بين المشركين و الرّسول علی عدم المخاصمة، لا إلی قبول الإسلام. فلاحظوا بدقة.

‏و إذا وجدنا في بعض الرّوايات الإسلامية أنّ هذه الآية طبّقت علی «النّاكثين» في «معركة الجمل» و أمثالها، فلا يعني ذلك أن الآيات نزلت في شأنهم فحسب، بل الهدف من ذلك أنّ روح الآية و حكمها يصدقان في شأن الناكثين و من هم علی شاكلتهم ممن سيأتون في المستقبل.

‏و السؤال الوحيد الذي يفرض نفسه و يطلب الإجابة، هو: إذا كان المراد جماعة المشركين الذين نقضوا عهودهم، و قد جری الكلام عليهم في الآيات المتقدمة، فعلام تعبّر الآية هنا عنهم بالقول: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ‌ مع أنّهم قد نكثوها فعلا.

‏و الجواب: إنّ المراد من هذه الجملة- المذكورة آنفا- أنّهم لو واصلوا نقضهم أو نكثهم للأيمان، و لم يثوبوا إلی رشدهم، فينبغي مقاتلتهم. و نظير ذلك ما جاء في قوله تعالی: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‌ و مفهومها أنّنا نطلب من اللّه أن يوفقنا لأنّ نسير علی الصراط المستقيم و أن تستمرّ هدايته إيانا. و الشاهد علی هذا الكلام أنّ جملة وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ‌ جاءت في مقابل‌ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ أي لا يخلو الأمر من أحد وجهين، فإمّا أن يتوبوا و يعرضوا عن الشرك و يتجهوا نحو اللّه، و إمّا أن يستمرا علی طريقهم و نكث أيمانهم. ففي الصورة الأولی هم إخوانكم في الدين، و في الصورة الثّانية ينبغي مقاتلتهم.

2- ممّا يسترعي الانتباه أنّ الآيات محل البحث لا تقول: قاتلوا الكفار، بل تقول: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ و هي إشارة إلی أن (القاعدة الجماهيرية) و عامّة الناس تبع لزعمائهم و رؤسائهم، فينبغي أن يكون الهدف القضاء علی رؤسائهم و أئمتهم، لأنّهم أساس الضلال و التضليل و الظلم و الفساد، فاستأصلوا شجرة الكفر من جذورها و أحرقوها. فمواجهة الكفار لا تجدي نفعا ما دام أئمتهم في الوجود، أضف إلی ذلك فإنّ هذا التعبير يعدّ ضربا من ضروب النظرة البعيدة المدی و علو الهمة و تشجيع المسلمين، إذ عدّ أئمّة الكفر في مقابل المسلمين، فليواجهوهم فذلك أجدر من مواجهة من دونهم من الكفّار.

[اشترك]

‏و العجيب أنّ بعض المفسّرين يری أنّ هذا التعبير يعني أبا سفيان و أمثاله من زعماء قريش، مع أنّ جماعة منهم قتلوا في معركة بدر، و أسلم الباقي منهم كأبي سفيان بعد فتح مكّة- بحسب الظاهر- و كانوا عند نزول الآية في صفوف المسلمين، فمقاتلتهم لا مفهوم لها.

‏و اليوم ما يزال هذا الدستور القرآني المهم باقيا علی قوته «ساري المفعول» فالكي نزيل الاستعمار و الفساد و الظلم، لا بدّ من مواجهة رؤوساء و الأكابر و أئمّة المنحرفين، و إلّا فلا جدوی من مواجهة من دونهم من الأفراد، فلاحظوا بدقة.

3- إنّ التّعبير ب فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ‌ الوارد في الآيات المتقدمة، من ألطف التعابير التي يمكن أن يعبّر بها في شأن المساواة بين أفراد المجتمع، و بيان أوثق العلائق العاطفية، لأنّ أجلی العلائق العاطفية و أقربها في الناس التي تمثل‌ المساواة الكاملة هي العلاقة ما بين الأخوين.

‏إلّا أنّ من المؤسف أن الانقسامات الطبقية و النداءات القومية سحقت هذه الأخوة الإسلامية التي كان الأعداء يغبطوننا عليها، و وقف الإخوان في مواجهة إخوانهم متراصين بشكل لا يصدق، و قد يقاتل كلّ منهما الآخر قتالا لا يقاتل العدوّ عدوه بمثل هذا القتال، و هذا واحد من أسرار تأخرنا في عصرنا هذا.

‏4- يستفاد- إجمالا- من جملة «أ تخشونهم» أنّه كان بين المسلمين جماعة يخافون من الاستجابة للأمر بالجهاد، إمّا لقوّة العدوّ و قدرته، أو لأنّهم كانوا يعدو نقض العهد ذنبا.

‏فالقرآن يخاطبهم بصراحة أن لا تخافوا من هؤلاء الضعاف، بل ينبغي أن تخافوا من عصيان أمر اللّه. ثمّ إن خشيتكم من نكث الإيمان و نقض العهد ليست في محلها، فهم الذين نكثوا أيمانهم و هم بدأوكم أوّل مرّة! ٥- يبدو أنّ جملة هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ‌ إشارة إلی مسألة عزمهم علی إخراج الرسول صلّی اللّه عليه و آله و سلّم من مكّة (عند هجرته إلی المدينة) بادئ الأمر، إلّا أن نياتهم تغيرت و تبدلت إلی الإقدام علی قتله، إلّا أنّ النّبي غادر مكّة في تلك الليلة بأمر اللّه.

‏و علی كل حال، فإنّ ذكر هذا الموضوع ليس علی سبيل أنّهم نقضوا عهدهم، بل هو بيان ذكری مؤلمة من جنايات عبدة الأصنام، حيث اشتركت قريش و القبائل الأخری في هذا الأمر. أمّا نقض العهد من قبل عبدة الأصنام المشركين فكان واضحا من طرق أخری.

[اشترك]

‏5- ممّا يثير الدهشة و التعجب أنّ بعض أتباع مذهب الجبر يستدل علی مذهبه بالآية قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ بِأَيْدِيكُمْ‌ مع أنّنا لو تجردنا عن التعصب لما وجدنا في الآية أدنی دليل علی مرادهم، و هذا يشبه تماما لو أردنا أن ننجز عملا- مثلا- فنمضي إلی بعض أصدقائنا و نقول له: نأمل أن يصلح اللّه هذا الأمر علی يدك، فإنّ مفهوم كلامنا هذا لا يعني بأنّك مجبور علی أداء هذا الأمر، بل المراد أنّ اللّه منحك قدرة و نية طاهرة، و بالإفادة منهما استطعت أن تؤدي عملك باختيارك و بحرية تامّة.

المصدر: تفسير الأمثل

[اشترك]

2024/10/20

متی تنتهي الحرب بين الإسلام والكفر؟!

‏سؤال أجاب عنه المفسّرون إجابات مختلفة: فالبعض- كابن عباس- قال: حتی لا تبقی و ثنية علی وجه البسيطة، و حتی يقتلع دين الشرك و تجتث جذوره.

‏و قال البعض الآخر: إنّ الحرب بين الإسلام و الكفر قائمة حتی ينتصر المسلمون علی الدجال، و هذا القول يستند إلی‌ حديث روي عن الرّسول الأكرم صلی اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «و الجهاد ماض مذ بعثني اللّه إلی أن يقاتل آخر أمّتي‌ الدجال» [مجمع البيان، المجلد ٩، صفحة ٩٨.٥.

‏البحث حول «الدجّال» بحث واسع، لكن القدر المعلوم أنّ الدجّال رجل خدّاع، أو رجال خدّاعون ينشطون في آخر الزمان من أجل إضلال الناس عن أصل التوحيد و الحق و العدالة، و سيقضي عليهم المهدي (عج) بقدرته العظيمة، و علی هذا فإنّ الحرب قائمة بين الحق و الباطل ما عاش الدجّالون علی وجه الأرض.

‏إنّ للإسلام نوعين من المحاربة مع الكفر: أحدهما الحروب المرحلية كالغزوات التي غزاها النّبي صلی اللّه عليه و آله و سلّم حيث كانت السيوف تغمد بعد انتهاء كل غزوة. و الآخر هو الحرب المستمرة ضد الشرك و الكفر، و الظلم و الفساد، و هذا النوع مستمر حتی زمن اتساع حكومة العدل العالمية، و ظهورها علی الأرض جميعا علی يد المهدي (عج).

‏ثمّ تضيف الآية: ذلِكَ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّـهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ‌ [« ذلك» خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: الأمر كذلك.]٦ بالصواعق السماوية، و الزلازل، و العواصف، و الابتلاءات الأخری، لكن باب الاختبار و ميدانه سيغلق في هذه الصورة: وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‌.

‏هذه المسألة هي فلسفة الحرب، و النكتة الأساسية في صراع الحق و الباطل، ففي هذه الحروب ستتميز صفوف المؤمنين الحقيقيين و العاملين من أجل دينهم عن المتكلمين في المجالس المتخاذلين في ساعة العسرة، و بذلك ستتفتح براعم الاستعدادات، و تحيا قوّة الاستقامة و الرجولة، و يتحقق الهدف الأصلي للحياة الدنيا، و هو الابتلاء و تنمية قوّة الإيمان و القيم الإنسانية الأخری.

‏إذا كان المؤمنون يتوقعون علی ذواتهم و ينشغلون بالحياة اليومية الرتيبة، و في كل مرة تطغی فيها جماعة من المشركين و الظالمين يدحضهم اللّه سبحانه بالقوی الغيبية، و يدمّرهم بالطرق الإعجازية، فإنّ المجتمع سيكون خاملا ضعيفا عاجزا، ليس له من الإسلام و الإيمان إلّا اسمه.

‏و خلاصة القول: إنّ اللّه سبحانه غني عن سعينا و جهادنا من أجل تثبيت دعائم دينه، بل نحن الذين نتربّی في ميدان جهاد الأعداء، و نحن الذين نحتاج إلی هذا الجهاد المقدّس.

‏و قد ذكر هذا المعنی في آيات القرآن الأخری بصيغ أخری، فنقرأ في الآية (١٤٢) من سورة آل عمران: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ‌.

‏و جاء في الآية التي سبقتها: وَ لِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ‌.

‏و تحدّثت آخر جملة من الآية مورد البحث عن الشهداء الذين قدّموا أرواحهم هدية لدينهم في هذه الحروب، و لهم فضل كبير علی المجتمع الإسلامي، فقالت:

‏وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ‌.

‏فلن تذهب جهودهم و آلامهم و تضحياتهم سدی، بل كلها محفوظة عند اللّه سبحانه، فستبقی آثار تضحياتهم في هذه الدنيا، و كلّ نداء (لا إله إلّا اللّه) يطرق سمع البشر يمثل ثمرة جهود أولئك الشهداء، و كلّ سجدة يسجدها مسلم بين يدي اللّه هي من بركات تضحياتهم، فبمساعيهم تحطّمت قيود المذلّة و العبودية، و عزّة المسلمين و رفعتهم رهينة ما بذلوه من الأرواح و التضحيات.

‏هذه هي أحدی مواهب اللّه في شأن الشهداء.

‏و هناك ثلاث مواهب أخری أضيفت في الآيات التالية:

‏تقول الآية أوّلا: سَيَهْدِيهِمْ‌ إلی المقامات السامية، و الفوز العظيم، و رضوان اللّه تعالی.

‏و الأخری: يُصْلِحُ بالَهُمْ‌ فيهبهم هدوء الروح، و اطمئنان الخاطر، و النشاط المعنوي و الروحي، و الانسجام مع صفاء ملائكة اللّه و معنوياتهم، حيث يجعلهم جلساءهم و ندماءهم في مجالس أنسهم و لذّتهم، و يدعوهم إلی ضيافته في جوار رحمته.

‏و الموهبة الأخيرة هي: وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ‌.

‏قال بعض المفسّرين: إنّه تعالی لم يبيّن لهم الصفات الكلية للجنّات العلی و روضة الرضوان و حسب، بل عرف لهم صفات قصورهم في الجنّة و علاماتها، بحيث أنّهم عند ما يردون الجنّة يتوجّهون إلی قصورهم مباشرة [مجمع البيان، المجلد ٩، صفحة ٩٨.٧.

‏و فسر البعض (عرّفها) بأنّها من مادة «عرف»- علی زنة فكر- و هو العطر الطيب الرائحة، أي إنّ اللّه سبحانه سيدخلهم الجنّة التي عطّرها جميعا استقبالا لضيوفه.

‏إلّا أنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأنسب.

‏و قال البعض: إذا ضممنا هذه الآيات إلی آية: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْواتاً [آل عمران، الآية ١٦٩.]٨، سيتّضح أنّ المراد من إصلاح البال إحياؤهم حياة يصلحون بها للحضور عند ربّهم بانكشاف الغطاء [الميزان، المجلد ١٨، صفحة ٢٤٤.٩.

المصدر:  تفسير الأمثل

2024/10/08

في الحروب.. 6 أوامر قرآنية للمسلمين!

‏١- يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أي أن إحدی علائم الإيمان هي ثبات القدم في جميع الأحوال، و خاصّة في مواجهة الأعداء.

‏٢- وَ اذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌.

‏و لا ريب أنّ المراد من ذكر اللّه هنا ليس هو الذكر اللفظي فحسب، بل حضور القلب، و ذكر علمه تعالی و قدرته غير المحدودة و رحمته الواسعة، فهذا التوجه إلی اللّه يقوّي من عزيمة الجنود المجاهدين، و يشعر الجندي بأنّ سندا قويّا لا تستطيع أية قدرة في الوجود أن تتغلب عليه يدعمه في ساحة القتال، و إذا قتل فسينال السعادة الكبری و يبلغ الشهادة العظمی، و جوار رحمة اللّه، فذكر اللّه يبعث علی الاطمئنان و القوّة و القدرة و الثبات في نفسه.

‏بالإضافة إلی ذلك، فذكر اللّه و حبّه يخرجان حبّ الزوجة و المال، و الأولاد من قلبه، فإنّ التوجه إلی اللّه يزيل من القلب كل ما يضعفه و يزلزله، كما

‏يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام في دعائه المعروف- في الصحيفة السجادية- بدعاء أهل الثغور: «و أنسهم عند لقائهم العدوّ ذكر دنياهم الخدّاعة، و امح عن قلوبهم خطرات المال الفتون، و اجعل الجنّة نصب أعينهم».

‏٣- كما أنّ من أهم أسس المبارزة و المواجهة هو الالتفات للقيادة و إطاعة أوامر القائد و الآمر، الآمر الذي لولاه لما تحقق النصر في معركة بدر، لذلك فإنّ الآية بعدها تقول: وَ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ‌.

‏٤- وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا لأنّ النزاع و الفرقة امام الأعداء يؤدي إلی‌ الضعف و خور العزيمة، و نتيجة هذا الضعف و الفتور هي ذهاب هيبة المسلمين و قوتهم و عظمتهم‌ وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ‌.

‏«و الريح» في اللغة، هي الهواء. فالنزاع يولد الضعف و الوهن.

‏و أمّا ذهاب الريح، فهو إشارة لطيفة إلی زوال القوّة و العظمة، و عدم سير الأمور كما يرام، و عدم تحقق المقصود، لأنّ حركة الريح فيما يرام توصل السفن إلی مقاصدها، و لما كانت الريح في ذلك العصر أهم قوّة لتحريك السفن فقد كانت ذات أهمية قصوی يؤمئذ.

‏و حركة الرّيح في الرّوايات و البيارق تدل علی ارتفاع الرّاية التي هي رمز القدرة و الحكومة، و التعبير آنف الذكر كناية لطيفة عن هذا المعنی.

‏٥- ثمّ تأمر الآية بالاستقامة بوجه العدوّ، و في قبال الحوادث الصعبة، فتقول: وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‌.

‏و الفرق بين ثبات القدم في الأمر الأوّل، و الاستقامة و الصبر في الأمر الخامس، هو من جهة أن ثبات القدم يمثل الناحية الظاهرية، «الجسمية» أمّا الاستقامة و الصبر فليسا ظاهريين، بل هما أمران نفسيان و معنويان.

‏٦- و تدعو الآية الأخيرة- من الآيات محل البحث- المسلمين إلی اجتناب الأعمال الساذجة البلهاء، و رفع الأصوات الفارغة، و تشير إلی قضية أبي سفيان و أسلوب تفكيره هو و أصحابه، فتقول: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّـهِ‌.

‏فأهدافهم غير مقدسة، و كذلك أساليبهم في الوصول إليها، و لقد رأينا كيف أبيدوا و تلاشی كلّ ما جاءوا به من قوّة و عدّة، و سقط بعضهم مضرجا بدمائه في التراب، و أسبل الآخرون عليهم الدّموع و العبرات في مأتمهم، بدل أن يشربوا الخمر في حفل ابتهاجهم، و تختتم الآية بالقول: وَ اللَّـهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.

 

المصدر: تفسير الأمثل

2024/10/02

تحذير قرآني.. مخاطر التحالف مع "اليهود" و "النصارى"!

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصاری‌ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَی الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشی‌ أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَی اللَّـهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلی‌ ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣).

‏سبب النّزول‌

‏نقل الكثير من المفسّرين أنّ (عبادة بن صامت الخزرجي) قدم إلی النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بعد غزوة بدر و ذكر له أن له حلفاء من اليهود ذوي عدة و عدد، و أكّد للنبي أنّه يريد البراءة من صداقتهم و من عهده معهم ما داموا يهددون المسلمين بالحرب، و قال بأنّه يريد أن يكون حليفا للّه و لنبيه دون سواهما، أمّا عبد اللّه بن أبي فرفض التنصل من عهده مع اليهود، و اعتذر بأنّه يخشی المشاكل و ادعی أنّه يحتاج إلی اليهود. و أظهر النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم خشيته علی عبادة و عبد اللّه من صداقة اليهود مشيرا إلی أنّ خطر صداقة اليهود علی عبد اللّه أكبر من خطرها علی عبادة بن صامت، فقال عبد اللّه بأنّه ما دام الأمر كذلك فإنّه سيتخلی عن صداقته و عهده مع اليهود، فنزلت الآيات الأخيرة و هي تحذر المسلمين من التحالف مع اليهود و النصاری.

التّفسير

‏لقد حذرت الآيات الثلاث الأخيرة المسلمين- بشدّة- من الدخول في أحلاف مع اليهود و النصاری، فالآية الاولی منها تمنع المسلمين من التحالف مع اليهود و النصاری أو الاعتماد عليهم (أي أنّ الإيمان باللّه يوجب عدم التحالف مع هؤلاء إن كان ذلك لأغراض و مصالح مادية) حيث تقول الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصاری‌ أَوْلِياءَ ....

‏و كلمة «أولياء» صيغة جمع من «ولي» و هي مشتقة من مصدر «الولاية» و هي بمعنی التقارب الوثيق بين شيئين، و قد وردت بمعنی «الصداقة» و «التحالف» و «الإشراف».

‏لكن بالنظر إلی سبب النّزول و القرائن الأخری الموجودة، فإنّ المراد ليس منع المسلمين من اقامة أي علاقات تجارية و اجتماعية مع اليهود و النصاری، بل المقصود هو منع المسلمين من التحالف مع هؤلاء أو الاعتماد عليهم في مواجهة الأعداء.

‏و كانت قضية التحالف رائجة في ذلك العصر بين العرب، و كان يطلق علی ذلك «الولاء».

‏و الملفت للنظر في هذه الآية أنّها لم تعتمد تسمية «أهل الكتاب» لدی تحدثها عن اتباع الديانتين السماويتين المعروفتين، بل استخدمت كلمتي «اليهود و النّصاری» و ربّما يكون هذا إشارة إلی أنّ اليهود و النصاری لو كانوا يعملون‌ بكتابيهم السماويين، لكان اتباع هذين الدينين خير حليفين للمسلمين، لكنّهم اتّحدوا معا- لا بأمر من كتابيهم- بل لأغراض سياسية و تكتلات عنصرية و أمثال ذلك.

‏بعد ذلك تبيّن الآية سبب هذا النهي في جملة قصيرة، و تقول بأن هاتين الطائفتين إنّما هما أصدقاء و حلفاء أشباههما من اليهود و النصاری حيث تقول:

‏بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ‌ أي أنّهما يهتمان بمصالحهما و مصالح أصدقائهما فقط، و لا يعيران اهتماما لمصالح المسلمين، و لذلك فإن أي مسلم يقيم صداقة أو حلفا مع هؤلاء فإنّه سيصبح من حيث التقسيم الاجتماعي و الديني جزءا منهم، حيث تؤكّد الآية في هذا المجال بقولها: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‌.

‏و بديهي أنّ اللّه لا يهدي الأفراد الظالمين الذين يرتكبون الخيانة بحق أنفسهم و إخوانهم و أخواتهم المسلمين و المسلمات، و يعتمدون علی أعداء الإسلام تقول الآية: إِنَّ اللَّـهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‌.

‏و تشير الآية التّالية إلی الأعذار التي كان يتشبث بها أفراد ذوي نفوس مريضة لتبرير علاقاتهم اللاشرعية مع الغرباء، و اعتمادهم عليهم و تحالفهم معهم، مبررين ذلك بخوفهم من الوقوع في مشاكل إن أصبحت القدرة يوما في يد حلفائهم الغرباء، فتقول الآية: فَتَرَی الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشی‌ أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ[إنّ كلمة( دائرة) مشتقة من المصدر( دور) أي الشي‌ء الذي يكون في حالة دوران، و بما أن القدرات المادية و الحكومات هي في حالة دوران دائم علی طول التّأريخ، لذلك يقال لها( دائرة) كما تطلق هذه الكلمة- أيضا- علی أحداث الحياة المختلفة التي تدور حول الأشخاص.]١.

‏و يذكر القرآن الكريم هؤلاء الضعفاء ذوي النفوس المريضة ردا علی تعللهم في التخلي عن حلفهم مع الغرباء، فيبيّن لهم أنّهم حين يحتملون أن يمسك اليهود و النصاری يوما بزمام القدرة و السلطة يجب أن يحتملوا- أيضا- أن ينصر اللّه‌ المسلمين فتقع القدرة بأيديهم، حيث يندم هؤلاء علی ما أضمروه في أنفسهم، كما تقول الآية: فَعَسَی اللَّـهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلی‌ ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ‌.

‏و يشتمل هذا الجواب القرآني- في الحقيقة علی جانبين:

‏أوّلهما: أنّ أفكارا كهذه إنما تخرج من قلوب مريضة لأفراد تزلزل ايمانهم و أصبحوا يسيئون الظن باللّه، و لو لم يكونوا كذلك لما سمحوا لهذه الأفكار بأن تداخل نفوسهم.

‏أمّا الجانب الثّاني في هذا الجواب فهو مواجهتهم بنفس الحجة التي أوردوها لتعللهم ذلك، إذ أنّ احتمالهم لوقوع السلطة بيد اليهود و النصاری يقابله- بالضرورة- احتمال آخر و هو انتصار المسلمين و استلامهم لمقاليد الأمور، و بهذا لا يكون هناك أي مجال لتشبث هؤلاء بحلفهم مع أولئك أو الاعتماد عليهم.

‏و علی أساس هذا التّفسير فإنّ كلمة (عسی) التي لها مفهوم الاحتمال و الأمل، تبقی في هذه الآية محتفظة بمعناها الأصلي لكن بعض المفسّرين قالوا بأنّها تعني هنا الوعد الجازم من قبل اللّه للمسلمين، و هذا ما لا يتلائم و ظاهر كلمة (عسی) البتة.

‏أمّا المراد من جملة أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ‌ التي جاءت بعد كلمة (الفتح) في هذه الآية فيحتمل أنّها تعني أنّ المسلمين- في المستقبل- إمّا أن يتغلبوا و ينتصروا علی أعدائهم عن طريق الحرب أو بدونها كأن تتوسع قدرتهم إلی درجة يضطر بعدها الأعداء إلی الخضوع و الاستسلام للمسلمين دون الحاجة إلی الدخول في حرب.

‏و بتعبير آخر: كلمة (الفتح) تشير إلی الإنتصار العسكري للمسلمين، و أنّ جملة أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ‌ إشارة إلی الانتصارات الاجتماعية و الاقتصادية و ما شابه ذلك. إنّ بيان هذا الاحتمال من قبل اللّه سبحانه و تعالی، مع كونه- عزّ و جلّ- عالما بجميع ما سيحصل في المستقبل، يدل علی أنّ الآية تشير إلی الانتصارات العسكرية و الاجتماعية و الاقتصادية التي سيحرمها المسلمون في المستقبل.

‏و تشير الآية في الختام إلی مصير عمل المنافقين، و تبيّن أنّه حين يتحقق الفتح للمسلمين المؤمنين و تنكشف حقيقة عمل المنافقين يقول المؤمنون- بدهشة-: هل أنّ هؤلاء المنافقين هم أولئك الذين كانوا يتشدقون بتلك الدعاوی و يجلفون بالايمان المغلظة بأنّهم معنا، فكيف وصل الأمر بهم إلی هذا الحدّ؟ حيث تقول الآية: وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ..[في هذه الآية تكون كلمة« هؤلاء» مبتدأ و خبرها جملة« الذين أقسموا باللّه» أمّا جملة« جهد إيمانهم» فهي مفعول مطلق.]٢.

‏إنّ هؤلاء لنفاقهم هذا ذهبت أعمالهم أدراج الرياح، لأنّها لم تكن نابعة من نيّة خالصة صادقة، و لهذا فقد أصبحوا من الخاسرين- سواء في هذه الدنيا أو الآخرة معا- حيث تؤكّد الآية هذا الأمر بقولها: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ‌.

‏و الجملة الأخيرة تشبه- في الحقيقة- جوابا لسؤال مقدر، و كأن شخصا يسأل: ماذا سيكون مصير هؤلاء؟

‏فيجاب بأنّ أعمالهم أدراج الرياح، و ستطوقهم الخسارة من كل جانب، أي أنّ هؤلاء- حتی لو كانت لهم أعمال صدرت عنهم بإخلاص و نية صادقة- فهم لا يحصلون علی أي نتيجة حسنة من تلك الأعمال الصالحة لانحرافهم صوب النفاق و الشّرك بعد ذلك: و قد شرحنا هذا الأمر في الجزء الثّاني من تفسيرنا هذا عند تفسير الآية (٢١٧) من سورة البقرة.

الاعتماد علی الغرباء:

‏علی الرّغم من أنّ الواقعة- التي ذكرت سببا لنزول الآيات الأخيرة- تحدثت عن شخصين هما «عبادة بن الصامت» و «عبد اللّه بن أبي» إلّا أنّ ممّا لا شك فيه أنّ هذين الشخصين لا يشار إليهما باعتبارهما شخصيتين تاريختين- فحسب- بل لأنّهما يمثلان مذهبين فكريين و اجتماعيين. يدعو أحدهما إلی التخلي عن التعاون و التحالف مع الغرباء، و عدم تسليم زمام المسلمين بأيديهم، و عدم الثقة بتعاونهم.

‏و المذهب الآخر يری أنّ كل انسان أو شعب في هذه الدنيا المليئة بالمشاكل و الأهوال يحتاج إلی من يتكئ و يعتمد عليه، و أن الحاجة تدعو أحيانا إلی انتخاب الدّعم و السند من بين الغرباء بحجة أن الصداقة معهم لا تخلو من قيمة و فائدة، و لا بدّ أن تظهر ثمارها في يوم من الأيّام.

‏و قد دحض القرآن الكريم رأي المذهب الثّاني بشدّة، و حذر المسلمين بصراحة من مغبة الوقوع و التورط في نتائج مثل هذا النوع من التفكير، لكن البعض من المسلمين- و مع الأسف- قد نسوا و تجاهلوا هذا الأمر القرآني العظيم، فانتخبوا من بين الغرباء و الأجانب من يعتمدون عليهم، و قد أثبت التّأريخ أن كثيرا من النكبات التي أصابت المسلمين تنبع من هذا الاتجاه الخاطئ! و بلاد الأندلس تعتبر دليلا حيّا و بارزا علی هذا الأمر، و تظهر كيف أن المسلمين بالاعتماد علی قواهم الذاتية- استطاعوا أن يبنوا أكثر الحضارات ازدهارا في الأندلس- أسبانيا اليوم- لكنّهم نتيجة لاعتمادهم علی قوی غريبة أجنبية فقدوا تلك المكتسبات العظيمة بكل سهولة.

‏و الإمبراطورية العثمانية التي سرعان ما ذابت كذوبان الجليد في الصيف، تعتبر دليلا آخر علی هذه الدعوی.

‏كما أنّ التّأريخ المعاصر يشهد علی ما أصاب المسلمين من خسائر و مصائب‌ كبيرة بسبب انحرافهم عن رسالتهم و اعتمادهم في كثير من الأمور علی الأجانب الغرباء، و العجب كل العجب من أن هذا السبات ما زال يلف العالم الإسلامي، و لم توقظه بعد الكوارث و النكبات التي أصابته بسبب اعتماده علی القوی الأجنبية.

‏علی أي حال فإن الأجنبي أجنبي، و مهما اشترك معنا في المصالح و تعاون معنا في مجالات محدودة فهو في النهاية يعتزل عنّا في اللحظات الحساسة، و كثيرا ما تنالنا منه- أيضا- ضربات مؤثرة.

‏و ما علی المسلمين اليوم إلّا أن ينتبهوا أكثر من أي وقت مضی إلی هذا النداء القرآني و لا يعتمدوا علی أحد سوی اللّه و قواهم الذاتية التي وهبها اللّه لهم.

‏لقد اهتمّ نبيّ الإسلام صلّی اللّه عليه و آله و سلّم كثيرا بهذا الأمر، حتی أنّه رفض مساعدة اليهود في واقعة «أحد» حين أعلن ثلاثمائة منهم استعدادهم للوقوف بجانب المسلمين ضد المشركين، فأعادهم النّبي إلی حيث كانوا و لما يصلوا إلی منتصف الطريق، و امتنع عن قبول عرضهم في حين أن مثل هذا العدد من الناس كان يمكن له أن يلعب دورا مؤثرا في واقعة أحد، فلما ذا رفضهم النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم؟

‏لقد رفضهم لأنّه لم يستبعد منهم أن يخذلوه و يخذلوا المسلمين في أحرج اللحظات و أكثرها خطورة أثناء الحرب، و يتحولوا إلی التعاون مع العدوّ و يقضوا علی ما تبقی من جيش المسلمين في ذلك الوقت.

الهوامش:

‏١ إنّ كلمة( دائرة) مشتقة من المصدر( دور) أي الشي‌ء الذي يكون في حالة دوران، و بما أن القدرات المادية و الحكومات هي في حالة دوران دائم علی طول التّأريخ، لذلك يقال لها( دائرة) كما تطلق هذه الكلمة- أيضا- علی أحداث الحياة المختلفة التي تدور حول الأشخاص.

‏٢ في هذه الآية تكون كلمة« هؤلاء» مبتدأ و خبرها جملة« الذين أقسموا باللّه» أمّا جملة« جهد إيمانهم» فهي مفعول مطلق.

2024/10/02

متى يأتي نصر الله؟!

‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّی يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ (٢١٤)

‏سبب النّزول‌

‏قال بعض المفسّرين: إنّ الآية نزلت عند ما حوصر المسلمون و اشتدّ الخوف و الفزع بهم في غزوة الأحزاب، فجاءت الآية لتثبّت علی قلوبهم و تعدهم بالنصر.

‏و قيل: إنّ عبد اللّه بن أبي قال للمسلمين عند فشلهم في غزوة أحد: إلی متی تتعرّضون للقتل و لو كان محمّد نبيّا لما واجهتم الأسر و التقتيل، فنزلت الآية

[مجمع البيان، ج ١، ص ٣٠٨.]

١.

‏التّفسير

‏الصعاب و المشاقّ سنّة إلهية:

‏يبدو من الآية الكريمة أنّ جماعة من المسلمين كانت تری أنّ إظهار الإيمان باللّه وحده كاف لدخولهم الجنّة، و لذلك لم يوطنوا أنفسهم علی تحمّل الصعاب‌ و المشاقّ ظانّين أنه سبحانه هو الكفيل بإصلاح أمورهم و دفع شرّ الأعداء عنهم.

‏الآية تردّ علی هذا الفهم الخاطئ و تشير إلی سنّة إلهية دائمة في الحياة، هي أنّ المؤمنين ينبغي أن يعدّوا أنفسهم لمواجهة المشاقّ و التحدّيات علی طريق الإيمان ليكون ذلك اختبارا لصدق إيمانهم، و مثل هذا الاختبار قانون عامّ سری علی كلّ الأمم السابقة.

‏و يتحدّث القرآن الكريم عن بني إسرائيل- مثلا- و ما واجهوه من مصاعب بعد خروجهم من مصر و نجاتهم من التسلّط الفرعوني، خاصّة حين حوصروا بين البحر و جيش فرعون، فقد مرّوا بلحظات عصيبة فقد فيها بعضهم نفسه، لكن لطف اللّه شملهم في تلك اللحظات و نصرهم علی أعدائهم.

‏و هذا الذي عرضه القرآن عن بني إسرائيل عامّ لكلّ‌ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ و هو سنّة إلهيّة تستهدف تكامل الجماعة المؤمنة و تربيتها. فكلّ الأمم ينبغي أن تمرّ في أفران الأحداث القاسية لتخلص من الشوائب كما يخلص الحديد في الفرن ليتحوّل إلی فولاذ أكثر مقاومة و أصلب عودا. ثمّ ليتبيّن من خلال هذا الاختبار من هو اللائق، و ليسقط غير اللائق و يخرج من الساحة الاجتماعية.

‏المسألة الأخری التي ينبغي التأكيد عليها في تفسير هذه الآية: أنّ الجماعة المؤمنة و علی رأسها النبيّ صلی اللّه عليه و آله و سلّم ترفع صوتها حين تهجم عليها الشدائد بالقول‌ مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ‌؟!، و واضح أنّ هذا التعبير ليس اعتراضا علی المشيئة الإلهية، بل هو نوع من الطلب و الدعاء.

‏فتقول الآية أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ ....

‏و بما أنّهم كانوا في غاية الاستقامة و الصبر مقابل تلك الحوادث و المصائب، و كانوا في غاية التوكّل و تفويض الأمر إلی اللّطف الإلهي، فلذلك تعقّب الآية أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ‌.

‏(بأساء) من مادّة (بأس) و كما يقول صاحب معجم مقاييس اللّغة أنّها في‌ الأصل تعني الشّدة و أمثالها، و تطلق علی كلّ نوع من العذاب و المشّقة، و يطلق علی الأشخاص الشّجعان الّذين يخوضون الحرب بضراوه و شدّة (بأيس) أو (ذو البأس).

‏و كلمة (ضرّاء) كما يقول الرّاغب في مفرداته هي النقطة المقابلة للسرّاء، و هي ما يسرّ الإنسان و يجلب له النفع، فعلی هذا الأساس تعني كلمة ضرّاء كلّ ضرر يصيب الإنسان، سواء في المال أو العرض أو النفس و أمثال ذلك.

‏جملة مَتی‌ نَصْرُ اللَّـهِ‌ قيلت من قبل النبي و المؤمنين حينما كانوا في منتهی الشّدة و المحنة، و واضح أنّ هذا التعبير ليس اعتراضا علی المشيئة الإلهيّة، بل هو نوع من الطلّب و الدعاء، و لذلك تبعته البشارة بالإمداد الإلهي.

‏و ما ذكره بعض المفسرين من احتمال أن تكون جملة (متی نصر اللّه) قيلت من طرف جماعة من المؤمنين، و جملة (ألا إنّ نصر اللّه قريب) قيلت من قبل النبي صلی اللّه عليه و آله و سلّم بعيد جدّا.

‏و علی ايّة حال، فإنّ الآية أعلاه تحكي أحد السنن الالهيّة في الأقوام البشريّة جميعا، و تنذر المؤمنين في جميع الأزمنة و الأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النّصر و التوفيق و المواهب الاخرويّة أن يتقبّلوا الصّعوبات و المشاكل و يبذلوا التضحيات في هذا السبيل، و في الحقيقة إنّ هذه المشاكل و الصّعوبات ما هي إلّا إمتحان و تربية للمؤمنين و لتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان.

‏و عبارة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ تقول للمسلمين: أنّكم لستم الوحيدين في هذا الطريق الّذين ابتليتم بالمصائب من قبل الأعداء، بل أنّ الأقوام السّالفة ابتلوا أيضا بهذه الشدائد و المصائب إلی درجة أنّهم مسّتهم البأساء و الضرّاء حتّی استغاثوا منها.

‏و أساسا فإنّ رمز التكامل للبشريّة أن يحاط الأفراد و المجتمعات في دائرة البلاء و الشّدائد حتّی يكونوا كالفولاد الخالص و تتفتّح قابليّاتهم الداخليّة و ملكاتهم النفسانيّة و يشتد إيمانهم باللّه تعالی، و يتميّز كذلك المؤمنون و الصّابرون‌ عن الأشخاص الانتهازيّين، و نختتم هذا الكلام بالحديث النبوي الشريف:

‏يقول (الخبّاب ابن الأرت) الّذي كان من المجاهدين في صدر الإسلام: قال قلنا يا رسول اللّه ألا تستنصر لنا ألا تدعو اللّه لنا.

‏فقال صلی اللّه عليه و آله و سلّم: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار علی مفرق رأسه فيخلص إلی قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه و يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه و عظمه لا يصرفه ذلك عن دينه؛ ثمّ قال: و اللّه ليتمن هذا الأمر حتّی يسير الراكب من صنعاء إلی حضرموت لا يخاف إلّا اللّه و الذئب علی غنمه و كلّكم يستعجلون».

••••••••••••••••

الهوامش:

[الدر المنثور: ج ١ ص ٢٤٣، تفسير الكبير: ج ٦ ص ٢٠.]

٢.

‏١ مجمع البيان، ج ١، ص ٣٠٨.

‏٢ الدر المنثور: ج ١ ص ٢٤٣، تفسير الكبير: ج ٦ ص ٢٠.

2024/10/01

هل يعاقب البريء بجريرة المذنب؟

شاع بين الناس المثل القائل: "الشر يعم والخير يخص" بل خرج من حدود النظرية الى التطبيق الفعلي فقد ترى المسؤول يعاقب من تحت مسؤوليته عقاباً جماعياً بسبب تصرفات آحادهم، ظناً منه أن في ذلك مصلحة، ويبرر تصرفه بهذه المقولة: "الشر يعم والخير يخص".

[اشترك]

لكن إذا عرضنا المثل على ميزان الشريعة، نجدها صريحة في مناقضته، أما اختصاص الشر بفاعله وعدم تعديته لغيره، فالنصوص فيه كثيرة، كقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، فصلت: 46. وقوله تعالى ايضاً: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، الأنعام: 164. فلا يجازى على السيئة من لا علاقة له بها، فيختص الشر بفاعله.

وأما تعميم الخير، وأن أثره لا يختص بفاعله فأيضاً كثيرة، كالنصوص عند الفريقين في أن عمل البعض يسقط العقوبة الدنيوية عن الباقين، ففي الكافي الشريف باب «إن الله يدفع بالعامل عن غير العامل»: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج من شيعتنا ولو أجمعوا على ترك الحج لهلكوا وهو قول الله عز وجل: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) فوالله ما نزلت إلا فيكم ولا عنى بها غيركم».

ويعلق الشيخ محمد صالح المازندراني على الحديث شارحاً:

قوله: (قال: إن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا - إلى آخره) المراد بالهلاك الهلاك الدنيوي وهو الاستيصال فيدل على أن وجود الصلحاء سبب لبقاء الأشقياء ولعل الدفع والهلاك غير مختصين بفعل الواجبات المذكورة وتركها مع احتماله ولعل المراد بقوله (عليه السلام): «فو الله ما نزلت إلا فيكم» أن تنزيلها فيكم وأنكم مقصودون أولا وبالذات فلا ينافي شمول تأويلها للغير. شرح أصول الكافي ج10، ص200.

فوفق هذا الحديث يكون الخير الصادر من البعض شافعاً لسقوط العقوبة الدنيوية ـ لا الأخروية ـ عن البعض الآخر، فيعم الخير.

فإن قلت: كذلك يوجد من النصوص ما يؤيد المثل المذكور، كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، الأنفال: 25.

أجبناك: بأن في الآية الكريمة قرائتين، الأولى بجعل اللام في (لتصيبن) للقسم، وهي قراءة الإمامين السجاد والباقر عليهما السلام، وكذا قراءة زيد بن ثابت والربيع بن انس وأبو العالية على ما في تفسير مجمع البيان، فيكون المعنى واتقوا فتنة أقسم أنها لا تصيب إلا الذين ظلموا منكم. فتكون العقوبة خاصة لا عامة.

وعلى القراءة الثانية تكون الـ(لا) ناهية، بمعنى أن الفتنة والعقاب لا يختص بالظالمين، وهنا قد يُتوهم الإشكال، إلا أننا إذا عرفنا بأنها نزلت فيمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار الجميع عاصين، وبالتالي استحق الجميع العقاب إنحل الإشكال.

وبعبارة أخرى: إن جماعة ارتكبت المعاصي، ولم يقم الاخرون ممن لم يرتكبوا بنهيهم عن المنكر صار المجموع عاصين، الطائفة الأولى لارتكابهم المعصية، والطائفة الثانية لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فشمول العقوبة لهم من باب أنهم تركوا واجباً وعصوا أمراً، لا من باب تعدية عقوبة فعل من فرد لآخر.

والخلاصة أن مقتضى العدل تخصيص العقاب بالمستحق، وعدم تحميل الآخر وزره، ومقتضى الرحمة تعميم الخير وشمول حتى غير المستحقين، على خلاف المثل السائر، فرب مشهور لا أصل له، بل لعله يخالف الأصول الدينية التي بُنيت عليها الشريعة السمحة.

2024/09/30

هل كان النّبي أميّا؟
‏هناك احتمالات ثلاثة معروفة حول مفهوم «الأمّي» كما قلنا سابقا: ‏أوّلها: أن معناه: الذي لم يدرس. الثّاني: أنّ معناه: المولود في أرض مكّة، و الناهض منها.

[اشترك]

‏الثّالث: أنّ معناه الذي قام من بين صفوف الجماهير.

‏و لكن الرأي الأشهر هو التّفسير الأوّل، و هو أكثر انسجاما مع موارد استعمال هذه اللفظة، و يمكن أن تكون المعاني الثلاثة مرادة برمتها أيضا، كما قلنا.

‏ثمّ إنّه لا نقاش بين المؤرخين بأنّ الرّسول الأكرم صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لم يدرس، و لم يكتب شيئا، و قد قال القرآن الكريم- أيضا- في الآية (٤٨) من سورة العنكبوت حول وضع النّبي قبل البعثة: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‌.

‏و أساسا كان عدد العارفين بالكتابة و القراءة في المحيط الحجازي قليلا جدّا، حيث كان الجهل هو الحالة السائدة علی الناس بحيث أن هؤلاء العارفين بالكتابة و القراءة كانوا معروفين بأعيانهم و أشخاصهم، فقد كان عددهم في مكّة من الرجال لا يتجاوز (١٧) شخصا، و من النساء امرأة واحدة

[فتوح البلدان، للبلاذري، ط مصر، الصفحة ٤٥٩.]

٢.

‏من المسلّم أن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لو كان قد تعلّم القراءة و الكتابة- في مثل هذه البيئة- لدی أستاذ لشاع ذلك و صار أمرا معروفا للجميع، و علی فرض أنّنا لم نقبل بنبوته، و لكن كيف يمكنه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم أن ينفي- في كتابه- بصراحة هذا الموضوع؟ ألا يعترض عليه الناس و يقولون: إن دراستك و تعلّمك للقراءة و الكتابة أمر مسلّم معروف لنا، فكيف تنفي ذلك؟

‏إنّ هذه قرينة واضحة علی أميّة النّبي.

‏و علی كل حال، فإنّ وجود هذه الصفة في النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم كان تأكيدا علی نبوته حتی ينتفي أي احتمال في ارتباطه إلّا باللّه و بعالم ما وراء الطبيعة في صعيد دعوته. هذا بالنسبة إلی فترة ما قبل النّبوة، و أمّا بعد البعثة فلم ينقل أحد المورّخين أنّه تلقی القراءة أو الكتابة من أحد، و علی هذا بقي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم علی أميّته حتی نهاية عمره.

‏و لكن من الخطأ الكبير أن تتصوّر أنّ عدم التعلّم عند أحد يعني عدم المعرفة بالكتابة و القراءة، و الذين فسّروا «الأمّية» بعدم المعرفة بالكتابة و القراءة كأنّهم لم يلتفتوا إلی هذا التفاوت.

‏و لا مانع أبدا من أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم كان عارفا بالقراءة و الكتابة بتعليم اللّه، و من دون أن يتتلمذ علی يد أحد من البشر، لأنّ مثل هذه المعرفة هي بلا شك من الكمالات الإنسانية، و مكملة لمقام النّبوة.

‏و يشهد بذلك ما ورد في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السّلام‌

[تفسير البرهان المجلد الخامس، الصفحة ٣٧٣ ذيل آيات سورة الجمعة.]

٣ أن نص الرواية و لكنّه لأجل أن لا يبقی أي مجال لأدنی تشكيك في دعوته لم يكن صلّی اللّه عليه و آله و سلّم يستفيد من هذه المقدرة.

‏و قول البعض: إنّ القدرة علی الكتابة و القراءة لا تعدّ كمالا، فهما وسيلة للوصول إلی الكمالات العلميّة، و ليسا بحدّ ذاتها علما حقيقيا و لا كمالا واقعيا فإن جوابه كامن في نفسه، لأنّ العلم بطريق الكمال كمال أيضا.

‏قد يقال: إنّه نفي في روايتين عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بصراحة تفسير «الأمّي» بعدم القراءة و الكتابة، بل بالمنسوب إلی «أم القری» (مكّة).

‏و نقول في الردّ: إنّ إحدی هاتين الروايتين «مرفوعة» حسب اصطلاح علم الحديث فلا قيمة لها من حيث السند، و الرواية الأخری منقولة عن «جعفر بن محمّد الصوفي» و هو مجهول. و أمّا ما تصوّره البعض من أن الآية الثّانية من سورة الجمعة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ و آيات أخری دليل علی أن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم كان يتلو القرآن علی الناس من شي‌ء مكتوب، فهو خطأ بالغ، لأنّ التلاوة تطلق علی التلاوة من مكتوب علی شي‌ء، كما تطلق علی القراءة حفظا و من ظهر القلب، و استعمال لفظة التلاوة في حق الذين يقرءون الأشعار أو الأدعية حفظا و من علی ظهر القلب كثير.

‏من مجموع ما قلناه نستنتج:

‏١- أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لم يتلق القراءة و الكتابة من أحد حتما، و بهذا تكون إحدی صفاته أنّه لم يدرس عند أستاذ.

‏٢- أنّنا لا نملك أي دليل معتبر علی أن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم قرأ أو كتب شيئا قبل النبوة، أو بعدها.

‏٣- إنّ هذا الموضوع لا يتنافی مع تعليم اللّه تعالی القراءة أو الكتابة لنبيّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم.

المصدر: تفسير الأمثل
2024/09/01

تبرّج الجاهلية.. القرآن الكريم يخاطب النساء!
‏فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌ بل تكلّمن عند تحدثكنّ بجدّ و بأسلوب عاديّ، لا كالنساء المتميّعات اللائي يسعين من خلال حديثهنّ الملي‌ء بالعبارات المحرّكة للشهوة، و التي قد تقترن بترخيم الصوت و أداء بعض الحركات المهيّجة، أن يدفعن ذوي الشهوات إلی الفساد و ارتكاب المعاصي.

‏يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولی‌ وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلی‌ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّـهِ وَ الْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّـهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) - سورة الأحزاب.

[اشترك]

‏التّفسير

‏هكذا يجب أن تكون نساء النّبي!

‏كان الكلام في الآيات السابقة عن موقع نساء النّبي و مسئولياتهنّ الخطيرة، و يستمرّ هذا الحديث في هذه الآيات، و تأمر الآيات نساء النّبي صلّی اللّه عليه و آله بسبعة أوامر مهمّة.

‏فيقول سبحانه في مقدّمة قصيرة: يا- نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ‌ اتَّقَيْتُنَ‌ فإنّ انتسابكنّ إلی النّبي من جانب، و وجودكنّ في منزل الوحي و سماع آيات القرآن و تعليمات الإسلام من جانب آخر، قد منحكن موقعا خاصّا بحيث تقدرن علی أن تكن نموذجا و قدوة لكلّ النساء، سواء كان ذلك في مسير التقوی أم مسير المعصية، و بناء علی هذا ينبغي أن تدركن موقعكنّ، و لا تنسين مسئولياتكنّ الملقاة علی عاتقكنّ، و اعلمن أنّكنّ إن اتقيتنّ فلكنّ عند اللّه المقام المحمود.

‏و بعد هذه المقدّمة التي هيّأتهنّ لتقبّل المسؤوليات و تحمّلها، فإنّه تعالی أصدر أوّل أمر في مجال العفّة، و يؤكّد علی مسألة دقيقة لتتّضح المسائل الاخری في هذا المجال تلقائيا، فيقول:

‏فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌ بل تكلّمن عند تحدثكنّ بجدّ و بأسلوب عاديّ، لا كالنساء المتميّعات اللائي يسعين من خلال حديثهنّ الملي‌ء بالعبارات المحرّكة للشهوة، و التي قد تقترن بترخيم الصوت و أداء بعض الحركات المهيّجة، أن يدفعن ذوي الشهوات إلی الفساد و ارتكاب المعاصي.

‏إنّ التعبير ب الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌ تعبير بليغ جدّا، و مؤدّ لحقيقة أنّ الغريزة الجنسية عند ما تكون في حدود الاعتدال و المشروعية فهي عين السلامة، أمّا عند ما تتعدّی هذا الحدّ فإنّها ستكون مرضا قد يصل إلی حدّ الجنون، و الذي يعبّرون عنه بالجنون الجنسي، و قد فصّل العلماء اليوم أنواعا و أقساما من هذا المرض النفسي الذي يتولّد من طغيان هذه الغريزة، و الخضوع للمفاسد الجنسية و البيئات المنحطّة الملوّثة.

‏و يبيّن الأمر الثّاني في نهاية الآية فيقول عزّ و جلّ: يجب عليكنّ التحدّث مع الآخرين بشكل لائق و مرضي للّه و رسوله، و مقترنا مع الحقّ و العدل: وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً.

‏إنّ جملة فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‌ إشارة إلی طريقة التحدّث، و جملة: وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً إشارة إلی محتوی الحديث.

‏«القول المعروف» له معنی واسع يتضمّن كلّ ما قيل، إضافة إلی أنّه ينفي كلّ قول باطل لا فائدة فيه و لا هدف من ورائه، و كذلك ينفي المعصية و كلّ ما خالف الحقّ.

‏ثمّ إنّ الجملة الأخيرة قد تكون توضيحا للجملة الأولی لئلّا يتصوّر أحد أنّ تعامل نساء النّبي مع الأجانب يجب أن يكون مؤذيا و بعيدا عن الأدب الإسلامي، بل يجب أن يتعاملن بأدب يليق بهنّ، و في الوقت نفسه يكون خاليا من كلّ صفة مهيّجة.

‏ثمّ يصدر الأمر الثالث في باب رعاية العفّة، فيقول: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولی‌.

‏«قرن» من مادّة الوقار، أي الثقل، و هو كناية عن التزام البيوت. و احتمل البعض أن تكون من مادّة (القرار)، و هي لا تختلف عن المعنی الأوّل كثيرا[طبعا يكون فعل الأمر( أقررن) في صورة كونها من مادّة القرار، و حذفت الراء الاولی للتخفيف، و انتقلت فتحة الراء إلی القاف، و مع وجودها لا نحتاج إلی الهمزة، و تصبح( قرن)- تأمّلوا جيّدا-]١.

‏و «التبرّج» يعني الظهور أمام الناس، و هو مأخوذ من مادّة (برج)، حيث يبدو و يظهر لأنظار الجميع.

‏لكن ما هو المراد من «الجاهلية»؟

‏الظاهر أنّها الجاهلية التي كانت في زمان النّبي صلّی اللّه عليه و آله، و لم تكن النساء محجّبات حينها كما ورد في التواريخ، و كنّ يلقين أطراف خمرهن علی ظهورهنّ مع إظهار نحورهنّ و جزء من صدورهنّ و أقراطهنّ و قد منع القرآن الكريم أزواج النّبي من مثل هذه الأعمال.

‏و لا شكّ أنّ هذا الحكم عامّ، و التركيز علی نساء النّبي من باب التأكيد الأشدّ، تماما كما نقول لعالم: أنت عالم فلا تكذب، فلا يعني هذا أنّ الكذب مجاز و مباح‌ للآخرين، بل المراد أنّ العالم ينبغي أن يتّقي هذا العمل بصورة آكد.

‏إنّ هذا التعبير يبيّن أنّ جاهلية اخری ستأتي كالجاهلية الاولی التي ذكرها القرآن، و نحن نری اليوم آثار هذا التنبّؤ القرآني في عالم التمدّن المادّي، إلّا أنّ المفسّرين القدامی لم يتنبّؤوا و يعلموا بمثل هذا الأمر، لذلك فقد جهدوا في تفسير هذه الكلمة، و لذلك اعتبر البعض منهم الجاهلية الاولی هي الفاصلة بين «آدم» و «نوح»، أو الفاصلة بين عصر «داود» و «سليمان» حيث كانت النساء تخرج بثياب يتّضح منها البدن، و فسّروا الجاهلية العربية قبل الإسلام بالجاهلية الثّانية! و لكن لا حاجة إلی هذه الكلمات كما قلنا، بل الظاهر أنّ الجاهلية الاولی هي الجاهلية قبل الإسلام، و التي أشير إليها في موضع آخر من القرآن الكريم- في الآية (١٤٣) من سورة آل عمران، و الآية (٥٠) من سورة المائدة، و الآية (٢٦) من سورة الفتح- و الجاهلية الثّانية هي الجاهلية التي ستكون فيما بعد، كجاهلية عصرنا. و سنبسط الكلام حول هذا الموضوع في بحث الملاحظات.

‏و أخير يصدر الأمر الرابع و الخامس و السادس، فيقول سبحانه: وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ‌.

‏إذا كانت الآية قد أكّدت علی الصلاة و الزكاة من بين العبادات، فإنّما ذلك لكون الصلاة أهمّ وسائل الاتّصال و الارتباط بالخالق عزّ و جلّ، و تعتبر الزكاة علاقة متينة بخلق اللّه، و هي في الوقت نفسه عبادة عظيمة. و أمّا جملة: أَطِعْنَ اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ‌ فإنّه حكم كلّي يشمل كلّ البرامج الإلهية.

‏إنّ هذه الأوامر الثلاثة تشير إلی أنّ الأحكام المذكورة ليست مختّصة بنساء النّبي، بل هي للجميع، و إن أكّدت عليهنّ.

‏و يضيف اللّه سبحانه في نهاية الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

‏إنّ التعبير ب (إنّما) و الذي يدلّ علی الحصر عادة- دليل علی أنّ هذه المنقبة خاصّة بأهل بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله. و جملة (يريد) إشارة إلی إرادة اللّه التكوينية، و إلّا فإنّ الإرادة التشريعية- و بتعبير آخر لزوم تطهير أنفسهم- لا تنحصر بأهل بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله، فإنّ كلّ الناس مكلّفون بأن يتطهّروا من كلّ ذنب و معصية.

‏من الممكن أن يقال: إنّ الإرادة التكوينية توجب أن يكون ذلك جبرا، إلّا أنّ جواب ذلك يتّضح من ملاحظة البحوث التي أوردناها في مسألة كون الأنبياء و الأئمّة معصومين، و يمكن تلخيص ذلك هنا بأنّ للمعصومين أهلية اكتسابية عن طريق أعمالهم، و لهم لياقة ذاتية موهوبة لهم من قبل اللّه سبحانه، ليستطيعوا أن يكونوا أسوة للناس.

‏و بتعبير آخر فإنّ المعصومين نتيجة للرعاية الإلهية و أعمالهم الطاهرة، لا يقدمون علی المعصية مع امتلاكهم القدرة و الإختيار في إتيانها، تماما كما لا نری عاقلا يرفع جمرة من النار و يضعها في فمّه، مع أنّه غير مجبر و لا مكره علی الامتناع عن هذا العمل، فهذه الحالة تنبعث من أعماق وجود الإنسان نتيجة المعلومات و الاطلاع، و المبادئ الفطرية و الطبيعية، من دون أن يكون في الأمر جبر و إكراه.

‏و لفظة «الرجس» تعني الشي‌ء القذر، سواء كان نجسا و قذرا من ناحية طبع الإنسان، أو بحكم العقل أو الشرع، أو جميعها[ذكر الراغب في مفرداته، في مادّة( رجس) المعنی المذكور أعلاه، و أربعة أنواع كمصاديق له.]٢. و ما ورد في بعض الأحيان من تفسير «الرجس» بالذنب أو الشرك أو البخل و الحسد، أو الإعتقاد بالباطل، و أمثال ذلك، فإنّه في الحقيقة بيان لمصاديقه، و إلّا فإنّ مفهوم هذه الكلمة عامّ و شامل لكلّ أنواع الحماقات بحكم (الألف و اللام) التي وردت هنا، و التي تسمّی بألف و لام الجنس.

‏و «التطهير» الذي يعني إزالة النجس، هو تأكيد علی مسألة إذهاب الرجس‌ و نفي السيّئات، و يعتبر ذكره هنا بصيغة المفعول المطلق تأكيدا آخر علی هذا المعنی.

‏و أمّا تعبير أَهْلَ الْبَيْتِ‌ فإنّه إشارة إلی أهل بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله باتّفاق علماء الإسلام و المفسّرين، و هو الشي‌ء الذي يفهم من ظاهر الآية، لأنّ البيت و إن ذكر هنا بصيغة مطلقة، إلّا أنّ المراد منه بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله بقرينة الآيات السابقة و اللاحقة[ما ذكره البعض من أنّ« البيت» هنا إشارة الی بيت اللّه الحرام، و أهله هم« المتّقون» لا يتناسب مطلقا مع سياق الآيات.]٣.

‏إلّا أنّ هناك اختلافا في المقصود بأهل بيت النّبي هنا؟

‏اعتقد البعض أنّ هذا التعبير مختصّ بنساء النّبي، لأنّ الآيات السابقة و اللاحقة تتحدّث حول أزواج رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، فاعتبروا ذلك قرينة علی مدّعاهم.

‏غير أنّ الانتباه إلی مسألة في الآية ينفي هذا الادّعاء، و هي: أنّ الضمائر التي وردت في الآيات السابقة و اللاحقة، جاءت بصيغة ضمير النسوة، في حين أنّ ضمائر هذه القطعة من الآية قد وردت بصيغة جمع المذكر، و هذا يوحي بأنّ هناك معنی آخر هو المراد، و لذلك خطا جمع آخر من المفسّرين خطوة أوسع و اعتبر الآية شاملة لكلّ أفراد بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله رجالا و نساء.

‏و من جهة اخری فإنّ الرّوايات الكثيرة جدّا الواردة في كتب الفريقين تنفي شمول الآية لكلّ أهل بيت النّبي صلّی اللّه عليه و آله، و تقول: إنّ المخاطبين في الآية هم خمسة أفراد فقط، و هم: محمّد صلّی اللّه عليه و آله و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام و مع وجود النصوص الكثيرة التي تعتبر قرينة علی تفسير الآية، فإنّ التّفسير الذي يمكن قبوله هو التّفسير الثالث فقط، أي اختصاص الآية بالخمسة الطيّبة.

‏و السؤال الوحيد الذي يبقی هنا هو: كيف يمكن أن يطرح مطلب في طيّات البحث في واجبات نساء النّبي و لا يشملهنّ هذا المطلب؟ و قد أجاب المفسّر الكبير العلّامة «الطبرسي» في مجمع البيان عن هذا السؤال فقال: ليست هذه المرّة الاولی التي نری فيها في آيات القرآن أن تتّصل مع بعضها و تتحدّث عن مواضيع مختلفة، فإنّ القرآن ملي‌ء بمثل هذه البحوث، و كذلك توجد شواهد كثيرة علی هذا الموضوع في كلام فصحاء العرب و أشعارهم.

‏و أضاف المفسّر الكبير صاحب الميزان جوابا آخر ملخّصه: لا دليل لدينا علی أنّ جملة: إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... قد نزلت مع هذه الآيات، بل يستفاد جيّدا من الرّوايات أنّ هذه القطعة قد نزلت منفصلة، و قد وضعها الإمام مع هذه الآيات لدی جمعه آيات القرآن في عصر النّبي صلّی اللّه عليه و آله أو بعده.

‏و الجواب الثالث الذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال هو: أنّ القرآن يريد أن يقول لزوجات النّبي: إنكنّ بين عائلة بعضها معصومون، و الذي يعيش في ظلّ العصمة و منزل المعصومين فإنّه ينبغي له أن يراقب نفسه أكثر من الآخرين، و لا تنسين أنّ انتسابكنّ إلی بيت فيه خمسة معصومين يلقي علی عاتقكنّ مسئوليات ثقيلة، و ينتظر منه اللّه و عباده انتظارات كثيرة.

‏و سنبحث في الملاحظات القادمة- إن شاء اللّه تعالی- روايات السنّة و الشيعة الواردة في تفسير هذه الآية.

‏و بيّنت الآية الأخيرة- من الآيات مورد البحث- سابع وظيفة و آخرها من وظائف نساء النّبي، و نبّهتهن علی ضرورة استغلال أفضل الفرص التي تتاح لهنّ في سبيل الإحاطة بحقائق الإسلام و العلم بها و بأبعادها، فتقول: وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلی‌ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّـهِ وَ الْحِكْمَةِ.

‏فإنكنّ في مهبط الوحي، و في مركز نور القرآن، فحتّی إذا جلستن في البيوت فأنتنّ قادرات علی أن تستفدن جيّدا من الآيات التي تدوّي في فضاء بيتكنّ، و من تعليمات الإسلام و حديث النّبي صلّی اللّه عليه و آله الذي كان يتحدّث به، فإنّ كل نفس من أنفاسه درس، و كلّ لفظ من كلامه برنامج حياة! و فيما هو الفرق بين «آيات اللّه» و «الحكمة»؟ قال بعض المفسّرين: إنّ كليهما إشارة إلی القرآن، غاية ما في الأمر أنّ التعبير ب (الآيات) يبيّن الجانب الإعجازي للقرآن، و التعبير ب (الحكمة) يتحدّث عن المحتوی العميق و العلم المخفي فيه.

‏و قال البعض الآخر: إنّ «آيات اللّه» إشارة إلی آيات القرآن، و «الحكمة» إشارة إلی سنّة النّبي صلّی اللّه عليه و آله مواعظه و إرشاداته الحكيمة.

‏و مع أنّ كلا التّفسيرين يناسب مقام و ألفاظ الآية، إلّا أنّ التّفسير الأوّل يبدو أقرب، لأنّ التعبير بالتلاوة يناسب آيات اللّه أكثر، إضافة إلی أنّ تعبير النّزول قد ورد في آيات متعدّدة من القرآن في مورد الآيات و الحكمة، كالآية (٢٣١) من سورة البقرة: وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ و يشبهه ما جاء في الآية (١١٣) من سورة النساء.

‏و أخيرا تقول الآية: إِنَّ اللَّـهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً و هي إشارة إلی أنّه سبحانه مطّلع علی أدقّ الأعمال و أخفاها، و يعلم نيّاتكم تماما، و هو خبير بأسراركم الدفينة في صدوركم.

‏هذا إذا فسّرنا «اللطيف» بالمطّلع علی الدقائق و الخفيات، و أمّا إذا فسّر بصاحب اللطف، فهو إشارة إلی أنّ اللّه سبحانه لطيف و رحيم بكنّ يا نساء النّبي، و هو خبير بأعمالكنّ أيضا.

‏و يحتمل أيضا أن يكون التأكيد علی «اللطيف» من جانب إعجاز القرآن، و علی «الخبير» باعتبار محتواه الحكمي. و في الوقت نفسه لا منافاة بين هذه المعاني و يمكن جمعها.

‏بحوث‌

‏١- آية التطهير برهان واضح علی العصمة:

‏اعتبر بعض المفسّرين «الرجس» في الآية المذكورة إشارة إلی الشرك أو الكبائر- كالزنا- فقط، في حين لا يوجد دليل علی هذا التحديد، بل إنّ إطلاق‌ الرجس- و خاصّة بملاحظة ألفه و لامه، و هي ألف لام الجنس- يشمل كلّ أنواع الذنوب و المعاصي، لأنّ كلّ المعاصي رجس، و لذلك فإنّ هذه الكلمة أطلقت في القرآن علی الشرك و الخمور و القمار و النفاق و اللحوم المحرّمة و النجسة و أمثال ذلك.

‏انظر الآيات: الحجّ- ٣٠، المائدة- ٩٠، التوبة- ١٢٥، الأنعام- ١٤٥.

‏و بملاحظة أنّ الإرادة الإلهيّة حتمية التنفيذ و الوقوع، و أنّ جملة: إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‌ دليل علی إرادته الحتمية، و خاصّة بوجود كلمة (إنّما) الدالّة علی الحصر و التأكيد، سيتّضح أنّ إرادة اللّه سبحانه قد قطعت بأن يكون أهل البيت منزّهين عن كلّ رجس و خطأ، و هذا هو مقام العصمة.

‏و ثمّة مسألة تستحقّ الانتباه، و هي أنّه ليس المراد من الإرادة الإلهيّة في هذه الآية الأوامر و الأحكام الإلهيّة في مسائل الحلال و الحرام، لأنّ هذه الأحكام تشمل الجميع، و لا تختّص بأهل البيت، و بناء علی هذا فإنّها لا تتناسب مع مفهوم (إنّما).

‏إذن، فهذه الإرادة المستمرّة نوع من الإمداد الإلهي الذي يعيّن أهل أهل البيت علی العصمة و الاستمرار فيها، و هي في الوقت نفسه لا تنافي حرية الإرادة و الإختيار، كما فصّلنا ذلك سابقا.

‏إنّ مفهوم هذه الآية في الحقيقة هو عين ما

‏جاء في الزيارة الجامعة: «عصمكم اللّه من الزلل، و آمنكم من الفتن، و طهّركم من الدنس و أذهب عنكم الرجس و طهّركم تطهيرا».

‏و ينبغي أن لا نشكّ بعد هذا الإيضاح في دلالة الآية المذكورة علی عصمة أهل البيت عليهم السّلام.

‏٢- فيمن نزلت آية التطهير؟

‏قلنا: إنّ هذه الآية بالرغم من أنّها وردت ضمن الآيات المتعلّقة بنساء النّبي، إلّا أنّ تغيير سياقها- حيث تبدّل ضمير الجمع المؤنث إلی ضمير الجمع المذكّر- دليل علی أنّ لهذه الآية معنی و محتوی مستقلا عن تلك الآيات، و لهذا فحتّی أولئك الذين لم يعتبروا الآية مختّصة بمحمّد صلّی اللّه عليه و آله و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، فإنّهم اعتقدوا أنّ لها معنی واسعا يشمل هؤلاء العظام و نساء النّبي صلّی اللّه عليه و آله.

‏إلّا أنّ الرّوايات الكثيرة التي بين أيدينا تبيّن أنّ هذه الآية خاصّة بهؤلاء الأجلّاء، و لا تدخل الزوجات ضمن الآية، بالرغم من أنهنّ يتمتّعن باحترام خاصّ، و نضع بين أيديكم بعضا من هذه الروايات:

‏أ: الرّوايات التي رويت عن أزواج النّبي صلّی اللّه عليه و آله أنفسهنّ، و التي حدثن فيها: إنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله عند ما كل يتحدّث عن هذه الآية الشريفة سألناه: أ نحن من أصحاب هذه الآية؟ فكان يجيب: بأنكنّ إلی خير، و لكن لستنّ من أصحابها.

‏و من جملتها الرواية التي‌

‏رواها «الثعلبي» عن «امّ سلمة» في تفسيره، و ذلك‌ أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله كان في بيتها إذ أتته فاطمة عليها السّلام بقطعة حرير، فقال النّبي صلّی اللّه عليه و آله: «ادعي لي زوجك و ابنيك- الحسن و الحسين-» فأتت به فطعموا، ثمّ ألقی عليهم النّبي صلّی اللّه عليه و آله كساء له خيبريا و قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي و عترتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فنزلت آية التطهير، فقلت: يا رسول اللّه و أنا معهم؟ قال: «إنّك إلی خير» و لكنّك لست منهم‌[روی الطبرسي في مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث، هذا الحديث بهذا المضمون بطرق متعدّدة عن أمّ سلمة. راجع شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني، المجلّد ٢، صفحة ٥٦ و ما بعدها.]٤.

‏و يروي «الثعلبي» أيضا عن «عائشة» أنّها عند ما سئلت عن حرب الجمل و تدخّلها في تلك الحرب المدمّرة الطاحنة، قالت بأسف: كان ذلك قضاء اللّه.

‏و

‏عند ما سئلت عن علي عليه السّلام قالت: تسأليني عن أحبّ الناس كان إلی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله، و زوج أحبّ الناس كان إلی رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله؟ لقد رأيت عليا و فاطمة و حسنا و حسينا عليهم السّلام، و جمع رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله بثوب عليهم ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهل‌ بيتي و حامتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» قالت: فقلت: يا رسول اللّه، أنا من أهلك! قال: «تنحّي فإنّك إلی خير»[مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث.]٥- إلّا أنّك لست جزءا منهم-.

‏إنّ هذه الرّوايات تصرّح أنّ زوجات النّبي صلّی اللّه عليه و آله لسن جزءا من أهل البيت في هذه الآية.

‏ب: لقد

‏وردت روايات كثيرة جدّا بصورة مجملة في شأن حديث الكساء، يستفاد منها جميعا أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله دعا عليا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام- أو أنّهم أتوا إليه- فألقی عليهم عباءة و قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»، فنزلت الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ....

‏و قد روی العالم المعروف «الحاكم الحسكاني النيسابوري» هذه الروايات في (شواهد التنزيل) بطرق مختلفة عن رواة مختلفين‌[شواهد التنزيل، المجلّد ٢، صفحة ٣١ و ما بعدها.]٦.

‏و هنا سؤال يلفت النظر، و هو: ماذا كان الهدف من جمعهم تحت الكساء؟

‏كأنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله كان يريد أن يحدّد هؤلاء و يعرّفهم تماما، و يقول: إنّ الآية أعلاه في حقّ هؤلاء خاصّة، لئلّا يری أحد أو يظنّ ظانّ أنّ المخاطب في هذه الآية كلّ من تربطه بالنّبي صلّی اللّه عليه و آله قرابة، و كلّ من يعدّ جزءا من أهله، حتّی جاء في بعض الرّوايات أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله قد كرّر هذه الجملة ثلاث مرّات:

‏«اللهمّ هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»[الدرّ المنثور ذيل الآية مورد البحث.]٧.

‏ج: نقرأ في روايات عديدة اخری أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله بقي ستّة أشهر بعد نزول هذه الآية ينادي عند مروره من جنب بيت فاطمة سلام اللّه عليها و هو ذاهب إلی صلاة الصبح:

‏«الصلاة يا أهل البيت! إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا». و قد روی الحاكم الحسكاني هذا الحديث عن أنس بن‌ مالك‌[شواهد التنزيل، المجلّد ٢، صفحة ١١.]٨.

‏و روی ابن عبّاس أيضا هذا الحديث عن النّبي صلّی اللّه عليه و آله‌[الدرّ المنثور، ذيل الآية مورد البحث.]٩.

‏و هنا مسألة تستحقّ الانتباه، و هي أنّ تكرار هذه الأمر ستّة أشهر أو ثمانية أو تسعة أشهر بصورة مستمرّة جنب بيت فاطمة إنّما هو لبيان هذه المسألة تماما لئلّا يبقی مجال للشكّ لدی أيّ شخص بأنّ هذه الآية قد نزلت في شأن هؤلاء النفر فقط، خاصّة و أنّ الدار الوحيدة التي بقي بابها مفتوحا إلی داخل المسجد بعد أن أمر اللّه نبيّه بأن تغلق جميع أبواب بيوت الآخرين، هي دار فاطمة عليها السّلام، و لا شكّ أنّ جماعة من الناس كانوا يسمعون ذلك القول من النّبي صلّی اللّه عليه و آله حين الصلاة هناك- تأمّلوا ذلك-.

‏و مع ذلك، فإنّ ممّا يثير العجب أنّ بعض المفسّرين يصرّون علی أنّ للآية معنی عامّا تدخل فيه أزواج النّبي، بالرغم من أنّ أكثر علماء الإسلام، السنّة منهم و الشيعة، قد حدّدوها بهؤلاء الخمسة.

‏و ممّا يستحقّ الالتفات أنّ عائشة- زوجة النّبي لم تكن تدع شيئا في ذكر فضائلها، و دقائق علاقتها بالنّبي صلّی اللّه عليه و آله بشهادة الروايات الإسلامية، فإذا كانت هذه الآية تشملها فلا بدّ أنّها كانت ستتحدّث بها في المناسبات المختلفة، في حين لم يرو شي‌ء من ذلك عنها مطلقا.

‏د: رويت روايات عديدة عن الصحابي المعروف «أبي سعيد الخدري» تشهد بصراحة بأنّ هذه الآية قد نزلت في شأن هؤلاء الخمسة الأطهار: «نزلت في خمسة: في رسول اللّه، و علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين». و هذه الرّوايات كثيرة بحيث عدّها بعض المحقّقين متواترة. و ممّا قلناه نستنتج أنّ المصادر و رواة الأحاديث التي تدلّ علی اختصاص الآية بالخمسة المطهّرة و حصرها بهم كثيرة بحيث لا تدع لأحد المجال للشكّ في هذه الدلالة، حتّی أنّه ذكر في شرح (إحقاق الحقّ) أكثر من سبعين مصدرا من مصادر العامّة المعروفة، و أمّا مصادر الشيعة في هذا الباب فتربو علی الألف‌[يراجع الجزء الثّاني، من إحقاق الحقّ و هوامشه.]١٠. و قد روی صاحب كتاب (شواهد التنزيل)- و هو من علماء الإخوة السنّة المشهورين- أكثر من (١٣٠) حديثا في هذا الموضوع‌[يراجع المجلّد الثّاني، من شواهد التنزيل، صفحة ١٠- ٩٢.]١١.

‏و بغضّ النظر عن كلّ ذلك، فإنّ بعض أزواج النّبي قد قمن بأعمال طوال حياتهنّ تخالف مقام العصمة، و لا تناسب كونهنّ معصومات، كحادثة «حرب الجمل» التي كانت ثورة و خروجا علی إمام الزمان، و التي تسبّبت في إراقة دماء كثيرة، فقد بلغ عدد القتلی في هذه الحرب- عند بعض المؤرخّين- سبعة عشر ألف قتيل.

‏و لا شكّ أنّ هذه المعركة لا يمكن توجيهها، بل إنّنا نری أنّ عائشة نفسها قد أظهرت الندم بعدها، و قد مرّ نموذج من هذا الندم في البحوث السابقة.

‏إنّ انتقاص عائشة من خديجة- و التي هي من أعظم نساء المسلمين، و أكثر هنّ تضحية و إيثارا، و أجلّهنّ فضيلة و قدرا- مشهور في تاريخ الإسلام، و قد آلم هذا الكلام رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله حتّی ظهرت علی وجهه الشريف آثار الغضب و

‏قال: «لا و اللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، و صدّقتني إذ كذّبني الناس، و واستني في مالها إذ حرمني الناس»[الإستيعاب، و صحيح البخاري، و صحيح مسلم. طبقا لنقل المراجعات صفحة ٢٢٩ الرسالة ٧٢.]١٢.

‏٣- هل أن الإرادة الإلهية هنا تكوينية أم تشريعية؟

‏مرّت الإشارة في طيّات تفسير هذه الآية إلی هذا الموضوع، و قلنا: إنّ الإرادة في جملة: إِنَّما يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‌ إرادة تكوينية لا تشريعية.

‏و لمزيد التوضيح ينبغي أن نذكّر بأنّ المراد من «الإرادة التشريعية» هي أوامر اللّه و نواهيه، فنعلم مثلا أنّ اللّه سبحانه يريد منّا أداء الصلاة و الصوم و الحجّ و الجهاد، و هذه إرادة تشريعية. و من المعلوم أنّ الإرادة التشريعية تتعلّق بأفعالنا لا بأفعال اللّه عزّ و جلّ. في حين أنّ الآية أعلاه تتعلّق بأفعال اللّه سبحانه، فهي تقول:

‏إنّ اللّه أراد أن يذهب عنكم الرجس، و بناء علی هذا فإنّ مثل هذه الإرادة يجب أن تكون تكوينية، و مرتبطة بإرادة اللّه سبحانه في عالم التكوين.

‏إضافة إلی ذلك، فإنّ مسألة الإرادة التشريعية فيما يتعلّق بالتقوی و العفّة لا تنحصر بأهل البيت عليهم السّلام، لأنّ اللّه قد أمر الجميع بالتقوی و التطهّر من الذنوب، و بذلك لا تكون لهم مزيّة و خاصيّة، لأنّ كلّ المكلّفين مشمولون بهذا الأمر.

‏و علی أيّة حال، فإنّ هذا الموضوع- أي الإرادة التشريعيّة- مضافا إلی أنّه لا يناسب ظاهر الآية، فانّه لا يتناسب مع الأحاديث السابقة بأيّ وجه من الوجوه، لأنّ كلّ تلك الأحاديث تتحدّث عن فضيلة سامية و هبة مهمّة خاصّة بأهل البيت عليهم السّلام.

‏و من المسلّم أيضا أنّ «الرجس» هنا لا يعني الرجس الظاهري، بل هو إشارة إلی الأرجاس الباطنية، و إطلاق هذه الكلمة ينفي انحصارها و كونها محدودة بالشرك و الكفر و الأعمال المنافية للعفّة و أمثال ذلك، فإنّها تشمل كلّ الذنوب و المعاصي و المفاسد العقائدية و الأخلاقية و العملية.

‏و المسألة الاخری التي ينبغي الالتفات إليها بدقّة هي أنّ الإرادة التكوينية التي تعني الخلقة و الإيجاد، تعني هنا «المقتضي» لا العلّة التامّة لتكون موجبة للجبر و سلب الإختيار.

‏و توضيح ذلك، إنّ مقام العصمة يعني حالة تقوی اللّه التي توجد عند الأنبياء و الأئمّة بمعونة اللّه سبحانه، لكن وجود هذه الحالة لا يعني أنّهم غير قادرين علی‌ ارتكاب المعصية، بل إنّهم قادرون علی إتيانها، غير أنّهم يعفّون أنفسهم و يجلّونها عن التلوّث بها باختيارهم، و يغضّون الطرف عنها طوعا، تماما كالطبيب الحاذق الذي لا يتناول مطلقا مادّة سمّية جدّا و هو يعلم الأخطار التي تنجم عن تناولها، و مع أنّه قادر علی تناولها، إلّا أنّ علومه و اطلاعه و مبادئه الفكرية و الروحية تدفعه إلی الامتناع إراديا و اختيارا عن هذا العمل.

‏و يجب التذكير بهذه المسألة، و هي أنّ هذه التقوی موهبة خاصّة منحت للأنبياء لا للآخرين، لكن اللّه سبحانه قد منحهم إيّاها للمسؤوليات الثقيلة الخطيرة الملقاة علی عاتقهم في قيادة الناس و إرشادهم، و بناء علی هذا فإنّه امتياز يعود نفعه علی الجميع، و هذه عين العدالة، تماما كالامتياز الخاصّ الذي منحه اللّه لطبقات العين و أغشيتها الرقيقة و الحسّاسة جدّا، و التي يستفيد منها جميع البدن.

‏إضافة إلی أنّ الأنبياء تعظم مسئولياتهم و واجباتهم بنفس المقدار الذي يتمتّعون بهذا المواهب الإلهية و الامتيازات، فإنّ ترك الاولی من قبلهم يعادل ذنبا كبيرا يصدر من الناس العاديين، و هذا معيار و تشخيص لخطّ العدالة.

‏و النتيجة أنّ هذه الإرادة إرادة تكوينية في حدود المقتضی- و ليست علّة تامّة- و هي في الوقت نفسه لا توجب الجبر و لا تسلب الإختيار و الإرادة الإنسانية.

‏٤- جاهلية القرن العشرين!

‏مرّت الإشارة إلی أنّ جمعا من المفسّرين تورّطوا في تفسير (الجاهلية الاولی) و كأنّهم لم يقدروا أن يصدّقوا ظهور جاهلية اخری في العالم بعد ظهور الإسلام، و أنّ جاهلية العرب قبل الإسلام ضئيلة تجاه الجاهلية الجديدة، إلّا أنّ هذا الأمر قد تجلّی للجميع اليوم، حيث نری مظاهر جاهلية القرن العشرين المرعبة، و يجب أن تعدّ تلك إحدی تنبؤات القرآن الإعجازية.

‏إذا كان العرب في زمان الجاهلية يغيرون و يحاربون، و إذا كان سوق عكاظ- مثلا- ساحة لسفك الدماء لأسباب تافهة عدّة مرّات، و قتل علی أثرها أفراد معدودون، فقد وقعت في جاهلية عصرنا حروب ذهب ضحيّتها عشرون مليون إنسان، و جرح و تعوّق أكثر من هذا العدد! و إذا كانت النساء «تتبرّج» في زمن الجاهلية و يلقين خمرهنّ عن رؤوسهن بحيث كان يظهر جزء من صدورهنّ و نحورهنّ، و قلائدهنّ و أقراطهنّ، ففي عصرنا تشكّل نواد تسمّی بنوادي العراة- و نموذجها مشهور في بريطانيا- حيث يتعرّی أفرادها كما ولدتهم امّهاتهم، و فضائح البلاجات علی سواحل البحار و المسابح، بل و حتّی في الأماكن العامّة و علی قارعة الطريق يخجل القلم من ذكرها.

‏و إذا كانت في الجاهلية «زانيات من ذوات الأعلام»، حيث كنّ يرفعن أعلاما فوق بيوتهنّ ليدعين الناس إلی أنفسهنّ، في جاهلية قرننا أناس يطرحون أمورا و مطالب في هذا المجال عبر صحف خاصّة، يندی لها الجبين، و لجاهلية العرب مائة مرتبة من الشرف علی هذه الجاهلية.

‏و الخلاصة: ماذا نقول عن وضع المفاسد التي توجد في عصرنا الحاضر .. عصر التمدّن المادّي الآلي الخالي من الإيمان، فعدم الحديث عنها أولی، و لا ينبغي أن نلوّث هذا التّفسير بذكرها.

‏إنّ ما قلناه كان جانبا من العب‌ء الملقی علی عاتقنا لبيان حياة الذين يبتعدون عن اللّه تعالی، فإنّهم و إن امتلكوا آلاف الجامعات و المراكز العلمية و العلماء المعروفين، فهم غارقون في و حل الفساد و مستنقع الرذيلة، بل إنّهم قد يضعون هذه المراكز العلمية و علماءها في خدمة هذه الفجائع و المفاسد أحيانا.

*مقتطف من تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل

---------------- الهوامش: ‏١ طبعا يكون فعل الأمر( أقررن) في صورة كونها من مادّة القرار، و حذفت الراء الاولی للتخفيف، و انتقلت فتحة الراء إلی القاف، و مع وجودها لا نحتاج إلی الهمزة، و تصبح( قرن)- تأمّلوا جيّدا- ‏٢ ذكر الراغب في مفرداته، في مادّة( رجس) المعنی المذكور أعلاه، و أربعة أنواع كمصاديق له. ‏٣ ما ذكره البعض من أنّ« البيت» هنا إشارة الی بيت اللّه الحرام، و أهله هم« المتّقون» لا يتناسب مطلقا مع سياق الآيات. ‏لأنّ الكلام في هذه الآيات عن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و أزواجه، لا عن بيت اللّه الحرام، و لا يوجد أيّ دليل علی قولهم. ‏٤ روی الطبرسي في مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث، هذا الحديث بهذا المضمون بطرق متعدّدة عن أمّ سلمة. راجع شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني، المجلّد ٢، صفحة ٥٦ و ما بعدها. ‏٥ مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث. ‏٦ شواهد التنزيل، المجلّد ٢، صفحة ٣١ و ما بعدها. ‏٧ الدرّ المنثور ذيل الآية مورد البحث. ‏٨ شواهد التنزيل، المجلّد ٢، صفحة ١١. ‏٩ الدرّ المنثور، ذيل الآية مورد البحث. ‏١٠ يراجع الجزء الثّاني، من إحقاق الحقّ و هوامشه. ‏١١ يراجع المجلّد الثّاني، من شواهد التنزيل، صفحة ١٠- ٩٢. ‏١٢ الإستيعاب، و صحيح البخاري، و صحيح مسلم. طبقا لنقل المراجعات صفحة ٢٢٩ الرسالة ٧٢.

2024/08/13

ما معنى: «كل يوم هو في شأن»؟
ما معنى قوله تعالى من سورة الرحمن: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؟

الجواب: المراد من اليوم هو الوقت والآن، فهو تعالى له تدبيرٌ في الوجود والكون -بمختلف تفاصيله وأجزائه- في كلِّ آنٍ ووقت، فكلُّ مَن في السماوات والأرض يسألُه، أي شأنُه الفقر والحاجة إلى تدبير الله تعالى وقيوميَّته فلا يَستغني مِن شيءٍ عن تدبيره ولا يمتنعُ مِن شيءٍ عما يُريدُه له أو عليه.

وفي الآية إشارةٌ إلى حضِّ العباد ودعوتِهم إلى استشعار الفقر الدائم لله تعالى وملازمةِ الرجاءِ والخوف منه تعالى، فهو كلُّ يومٍ في شأنٍ يستحدث أشياءَ ويُجدِّد أحوالًا، فيَهبُ المُلك لمَن يشأء وينزعُه عمَّن يشاء، ويُذلُّ مَن يشاء وقد كان عزيزًا، ويُعزُّ مَن يشاء وقد كان ذليلًا، ويُصيب ببلائه مَن يشاء بما يشاء وقد كان في عافية، ويُعافي مَن يشاء وقد كان مكروبًا، ويَهبُ الغنى لبعض عباده وقد يسلبُه منه، ويُعطي القوَّة ثم يستبدلُها بضعفٍ، ويمنحُ العقل ثم يُصيِّر مِن واجده معتوهًا، ويُرادِفُ بين العُسر واليُسر والشدَّة والرخاء، ويستدرجُ ويُملي ويَعفو وقد يُعاجِل بالعقوبة، فليس للعبد العاقل أنْ يطمئنَّ لحال أو يقنط من حال، فاللهُ تعالى كلُّ يومٍ هو في شأن. لا ندرى في أيِّ وجهةٍ تعلَّقتْ إرادتُه وعلى أيِّ نحوٍ اقتضتْ مشيئتُه.

وقد رُوي أنَّ أبا الدرداء رحمه الله سأل النبيَّ (ص) عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقال (ص): "من شأنه أنْ يغفر ذنبًا، ويُفرِّج كربًا، ويرفعَ قومًا، ويضعَ آخرين"(1).

وفي تفسير القمِّي قال: قال عليُّ بنُ الحسين (عليه السلام): في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾(2) قال: "يُحيي ويُميت ويرزق ويزيد ويُنقِص"(3).

وبتعبيرٍ آخر: إنَّ لله تعالى مع كلِّ عبدٍ في كلِّ آنٍ فعلٌ وتدبيرٌ قد يتشابه ولكنَّه لا يتكرر، فإحياؤه له في الآنِ الأول ليس كالإحياء له في الآن الثاني، وتمكينه في الآنِ الأول ليس كتمكينه في الآن الثاني وإن تشابه كلٌّ من التمكينين، فله تعالى مع كلِّ عبد شأنٌ في كلِّ آن، لذلك فهو لا يستغني عن تدبير الله تعالى، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(4) فالفقر لله تعالى دائمٌ ومتجدِّد لا يخلو منه آن، ولله مع كلِّ آنٍ شأنٌ وتدبير قد يتشابه، وقد يتفاوت، وقد يتباين.

فليس معنى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أنَّه تعالى معرضٌ للحوادث والأحوال، فلا يطرأ عليه تعالى تغييرٌ وهو لكماله المطلق غيرُ قابلٍ للزيادة والتحوُّل، فالتحوُّل إنَّما هو بلحاظ ما يفعله تعالى بخلقه، فهو جلَّ وعلا يستحدثُ الخلائق ثم لا يمتنعُ عليه تحويلُها من حالٍ إلى حال، ولا يترتَّب عن استحداثِها استغناؤها واستقلالُها عن تدبيره، فلها في كلِّ آنٍ تدبيرٌ منه وتحويل، ولعلَّ ذلك هو ما يُشير إليه قولُه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(5).

=======

الهوامش: 1- مجمع البيان للطبرسي ج9 ص 338. 2- سورة الرحمن / 29. 3- تفسير القمي: ج2 ص 345. 4- سورة فاطر / 15. 5- سورة  ق / 15.
2024/06/29

أجزاء وأحزاب.. من رتّب القرآن الكريم؟
من المعلوم أن ترتيب السور والآيات في القرآن الكريم ليس بحسب النزول، فسورة البقرة مثلاً هي سورةٌ مدنيةٌ، تجدها في أول القرآن، بينما سورة الكوثر هي سورةٌ مكيةٌ تجدها في آخر القرآن، وهذا الترتيب يذهب الأكثر إليه - سنةً وشيعةً - على أنه توقيفيٌّ، أي من ترتيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقابله رأيٌّ آخرُ عند الفريقين أيضاٌ يقول أنه ليس بتوقيفيٍّ، وأنه من ترتيب الصحابة، ومازال الجدل قائماً من هذه الناحية.

ومن هنا قد تجد في بعض الأحيان معاني الآيات متّصلةً مع بعضها وتعطي دلالةً واضحةً بفعل هذا الاتصال يطلق عليها دلالة السياق، وفي البعض الآخر تجدها ليست كذلك.

ولكن الأمر المتفق عليه بين السواد الأعظم من المسلمين أن هذا الموجود بين الدفتين هو الكتاب المنزل من عند الله تعالى. [ انظر : بحوث في تأريخ القرآن وعلومه ، محمد مير زرندي ] 

أمّا الأحزاب والتجزئة في القرآن فهي أمرٌ اصطلاحيٌّ اجتهاديٌّ بالاتفاق ، أي ليست من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإنما هي من وضع الناس لغرض تسهيل القراءة لا أكثر .

والمراد بالأجزاء: هو تقسيم كل القرآن على ثلاثين قسمًا، فالجزء الواحد هو حاصل قسمة كل القرآن الكريم على ثلاثين.

والمراد بالحزب: هو نصف الجزء، وهو تقسيم كل القرآن الكريم على 60، وعليه فالقرآن كما أنه يتكون من ثلاثين جزءاً، فهو يتكون أيضا من ستين حزباً. ثمّ يتم تقسيم الحزب الواحد على نصفين فيطلق على كل نصف منهما «نصف حزب». وتستمر عملية التقسيم في ربع الحزب وثُمنه. 

قال الزرقاني في "مناهل العرفان في علوم القرآن" ، تحت عنوان " تجزئة القرآن " :

( كانت المصاحفُ العثمانيةُ مجردةً من التجزئة التي نذكرها ، كما كانت مجردة من النقط والشكل . ولما امتد الزمان بالناس جعلوا يتفننون في المصاحف وتجزئتها عدة تجزئات مختلفة الاعتبارات :

فمنهم من قسَّم القرآن ثلاثين قسما ، وأطلقوا على كل قسمٍ منها اسم الجزء ، بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره ، حتى إذا قال قائلٌ : قرأت جزءاً من القرآن ، تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءاً من الثلاثين جزءاً التي قسموا المصحف إليها .

ومن الناس من قسموا الجزء إلى حزبين ، ومن قسموا الحزب إلى أربعة أجزاء ، سموا كل واحد منها ربعا .

ومن الناس من وضعوا كلمة " خمس " عند نهاية كل خمس آياتٍ من السورة ، وكلمة " عشر " عند نهاية كل عشر آياتٍ منها ، فإذا انقضت خمسٌ أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس ، فإذا صارت هذه الخمس عشراً أعادوا كلمة عشر ، وهكذا دواليك إلى آخر السورة .

وبعضهم يكتب في موضع الأخماس رأس الخاء بدلا من كلمة خمس ، ويكتب في موضع الأعشار رأس العين بدلاً من كلمة عشر . 

وبعض الناس يرمز إلى رؤوس الآي برقم عددها من السورة ، أو من غير رقم .

وبعضهم يكتب فواتح للسور كعنوان ينوّه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية والمدنية ، إلى غير ذلك .

وللعلماء في ذلك كلام طويل بين الجواز بكراهة ، والجواز بلا كراهة ، ولكن الخطب سهلٌ على كل حال ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل ، وما دام الأمر بعيداً عن اللبس والتزيد والدخيل ، وعلى الله قصد السبيل ). انتهى[ مناهل العرفان 1: 283]

2024/06/19

3 معطيات تربوية قرآنية.. من آية الله السيد محمد باقر السيستاني
 معطياتٌ تربويةٌ قرآنيّةٌ قيّمةٌ:

1 - إنَّ القرآن الكريم يرشدنا إلى ضرورة استذكار الموتِ والمصير الذي سيواجهنا حتماً ، ويدعو المؤمنين إلى الصبر على ابتلاءات الحياة الدنيا ، والثبات على المبادئ والقيم والوظائف الشرعية .

2 - يؤكّد القرآن الكريم على أنّ وظيفة علماء الدين بيان الحقّ في مواضعه ، وعدم كتمانه رعايةً للمنافع الشخصيّة .

3 - يُنبّه القرآنُ الكريمُ النّاسَ على أنّه مِن المحاذير الأخلاقيّة - أن يحبّوا أن يُحمَدوا على ما لم ينجزوه بآكثر ممّا هو عليه مِن خصالٍ ومعانٍ وأفعال. 

سماحة السيّد الأستاذ محمّد باقر السيستاني (دامت بركاته) .

الأربعاء - 27 ذي القعدة - 1445هجزية. 

مرتضى علي الحلّي - النجف الأشرف 
2024/06/06