نخاف من المجهول: كيف نتغلب على القلق من المستقبل؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:690
مشاركة
A+ A A-

استيقظ أحمد فجراً، وعيناه متعبتان من قلة النوم. للمرة الثالثة هذا الأسبوع، قضى ليلته يتقلب في فراشه، تتزاحم في ذهنه صور قاتمة للمستقبل.

الأخبار المتلاحقة عن الأزمات الاقتصادية، والحروب المتصاعدة، والكوارث البيئية، كلها تشكلت في ذهنه كسحابة سوداء تظلل أيامه القادمة. نظر إلى هاتفه ليجد إشعارات جديدة من تطبيقات الأخبار: "توترات متصاعدة"، "انهيار غير مسبوق"، "تحذيرات من كارثة وشيكة"...

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

أغلق أحمد هاتفه بإحباط، وتساءل: "هل أنا وحدي من يشعر بهذا الخوف المستمر من المستقبل؟"

الحقيقة أن أحمد ليس وحيداً. فظاهرة "القلق من المستقبل" أصبحت سمة عصرية تتزايد يوماً بعد يوم، تاركة ملايين البشر أسرى لمخاوف قد تتحقق وقد لا تتحقق أبداً.

وباء العصر: لماذا أصبحنا قلقين من الغد؟

تتزايد ظاهرة "القلق من المستقبل" لدى شريحة واسعة من الناس، خاصة في ظل الأحداث المتلاحقة التي يشهدها العالم، والتوترات السياسية والعسكرية المتزايدة في كل مكان. هذا الوضع يجعل كثيراً من الناس يغرقون أكثر فأكثر في حالة من الترقب المستمر والخوف مما تخبئه الأيام المقبلة.

وفقاً لتقرير نشره موقع "بي سايكولوجي توداي" الأميركي، فإن "العديد من الناس لا ينظرون إلى المستقبل على أنه يحمل قدراً كبيراً من الاستقرار، ناهيك عن الراحة أو القرب من الأصدقاء. بل يتعاملون مع الأيام القادمة بشيء من الترقب المشوب بالخوف، وهو شعور لا يُحبه أحد".

عندما نفضل الألم الفوري على الانتظار

ما يثير الاهتمام في دراسات علم النفس أن غالبية البشر يُفضلون أن يتعرضوا لمستوى أعلى من الألم على الفور بدلاً من الانتظار لتجربة ألم أخف في وقت لاحق. هذا ما أكده الباحث جيلز ستوري في دراساته حول سيكولوجية الانتظار.

ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة في حياتنا اليومية: فالشخص قد يُفكر باستمرار في حدث غير سار يعرف أنه سيحدث، مما يجعله يعيش ألماً نفسياً قد يكون أشد من الحدث نفسه. وفي أحيان أخرى، قد يشعر الإنسان برعب مماثل عندما ينظر إلى المستقبل مقارنة بما يحدث في الحاضر، حتى لو كان الحاضر صعباً بالفعل.

القلق مقابل الخوف: ما الفرق بينهما؟

يُفرق العلماء بين مفهومين متقاربين: القلق والخوف. "القلق يتعلق بالأشياء التي قد تحدث، في حين أن الخوف يتعلق بالأشياء التي لديك سبب للاعتقاد بأنها ستحدث". هذا التمييز مهم لفهم طبيعة مشاعرنا وكيفية التعامل معها.

فعندما تقلق بشأن فقدان وظيفتك دون دليل حقيقي على أن ذلك سيحدث، فأنت تعاني من القلق. أما إذا تلقيت إشعاراً بالفصل وأصبحت تخشى عواقب ذلك، فما تشعر به هو الخوف.

القلق الإنتاجي مقابل القلق المُعطِّل

ليست كل المخاوف بشأن المستقبل سيئة بالضرورة. يشير الخبراء إلى وجود فرق كبير بين نوعين من القلق:

1. القلق الإنتاجي: وهو القلق الذي يهيئك للتعامل بفعالية مع تحدٍ مقبل، ويدفعك لاتخاذ خطوات إيجابية.

2. القلق غير الإنتاجي: وهو القلق الذي يشل قدرتك على التفكير والعمل، ويقف عائقاً في طريق تقدمك.

ولتوضيح هذا الفرق، يقدم التقرير مثالاً بسيطاً: تخيل أن لديك ورقة بحثية أو مهمة عمل مستحقة بعد يومين، ولم تنتهِ منها بعد. قد يساعدك القلق المزعج الذي تشعر به في أعماق معدتك على اتخاذ قرارات أفضل، مثل تأجيل الخروج مع الأصدقاء والتركيز على إنجاز المهمة بدلاً من ذلك.

لكن إذا تحول هذا القلق إلى حالة من الذعر تجعلك غير قادر على التفكير بوضوح، وتدفعك لتجنب العمل على المهمة تماماً، فقد أصبح قلقك غير منتج وضاراً.

كيف للتغلب على قلق المستقبل؟

يقدم الطبيب النفسي الأميركي لورين سويرو مجموعة من النصائح العملية للتغلب على القلق المفرط بشأن المستقبل:

1. تحديد مصادر القلق

إذا كنت تشعر بالخوف الشديد ولا تعرف كيفية التعامل معه، فاسأل نفسك: من أين يأتي هذا الخوف؟ هل تنجذب إلى مصادر المعلومات التي تزيد من قلقك؟ على سبيل المثال، هل أصبح تصفح الأخبار المزعجة جزءاً من روتينك اليومي؟

2. مراقبة استهلاك المعلومات

يشير سويرو إلى أن العديد من الأشخاص يتصفحون الأخبار تلقائياً على وسائل التواصل الاجتماعي في أوقات فراغهم، مما يغذي قلقهم باستمرار. إذا كنت من هؤلاء، فكر في تقليص استهلاكك للمعلومات، أو إجراء تغيير متعمد على مصادر معلوماتك.

3. المشاركة والتواصل

من أجل التقليل من القلق بشأن المستقبل، يوصي سويرو بمشاركة المشاعر مع الأصدقاء والعائلة، والتواصل مع أشخاص متشابهين في التفكير عبر الإنترنت.

4. العمل الإيجابي بدل الخوف السلبي

يضيف سويرو: "يمكنك حتى التطوع في المنظمات التي تعمل على القضايا التي تهمك. قم بتثقيف نفسك حول إمكانية إحداث تغيير إيجابي، بدلاً من مجرد استيعاب المعلومات التي تجعلك تخشى المستقبل. إن اتخاذ هذا النوع من الإجراءات يُشعرك بالرضا ويمكن أن يُحيّد جزئياً مخاوفك".

5. التسامح مع النفس

وينتهي سويرو بنصيحة مهمة: "لا تعاقب نفسك على الشعور بالقلق؛ وحاول ألا تشعر بالسوء حيال شعورك بالسوء". فالتعاطف مع الذات هو خطوة أساسية في رحلة التغلب على القلق.

قد يبدو القلق من المستقبل أمراً طبيعياً. لكن الفرق بين من يستسلم لهذا القلق ومن يتجاوزه يكمن في القدرة على تحويل الطاقة السلبية إلى محفز للعمل الإيجابي.

فبدلاً من الغرق في دوامة الأفكار السوداوية عن المستقبل، يمكننا استثمار هذه الطاقة في بناء غد أفضل، خطوة بخطوة. وتذكر دائماً أنك لست وحدك في هذه الرحلة، وأن المستقبل ليس قدراً محتوماً، بل هو صفحة بيضاء ننقش عليها بأقلامنا وأفعالنا.

مواضيع مختارة