دراسة حديثة تكشف علاقة «ساعات النوم» بمواقع التواصل الاجتماعي

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:222
مشاركة
A+ A A-

تحول الإبحار اليومي في فضاء منصات التواصل الاجتماعي من مجرد خيار ترفيهي إلى روتين لا ينفك عن تفاصيل حياة الملايين عبر العالم. ومع هذا التغلغل المتزايد، يسعى البحث العلمي إلى استكشاف أثر هذا النشاط الرقمي في شتى مناحي الحياة اليومية، وفي مقدمتها جودة النوم.

نسلط الضوء في هذا السرد على الآثار النفسية والجسدية المرتبطة بهذا السلوك، مبرزين العلاقة التي تربطه بسلامة نومنا استناداً إلى أحدث المعطيات البحثية.

الإفراط في الشاشات وتراجع جودة النوم

تؤكد دراسة حديثة نُشرت في "المجلة الدولية للصحة العقلية والإدمان" (International Journal of Mental Health and Addiction) وجود رابط جلي بين الاستخدام الإشكالي للمنصات الرقمية وتدهور جودة النوم، وهي معضلة تبدو وطأتها أكثر وضوحاً لدى الأجيال الشابة.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد 

اتبعت الدراسة منهجية "التحليل من المستوى الثاني" (Meta-analysis)، وهو أحد أكثر الأساليب العلمية صرامة ودقة في مراجعة وتقييم الأدلة البحثية؛ حيث أخضعت للفحص نتائج 40 دراسة سابقة شملت ما يزيد على 34 ألف مشارك ينتمون إلى خلفيات جغرافية وبيئات متنوعة. كان هذا الحجم الضخم من البيانات يهدف إلى صياغة منظور متكامل وشامل يوضح طبيعة العلاقة بين التفاعل الرقمي وساعات الراحة.

لقد دار التساؤل الجوهري للدراسة حول ما إذا كان الإفراط في ارتياد هذه المنصات، أو الاستخدام الإشكالي لها، يفضي إلى رداءة النوم. كما حاولت البحث في تأثير متغيرات أخرى في هذه المعادلة؛ مثل السن، والجنس، والهوية الثقافية، ونوع المنصة المستخدمة.

خلصت النتائج إلى أن الأفراد الذين يجدون صعوبة بالغة في كبح جماح رغبتهم بمتابعة هذه المواقع، أو يفتقرون للقدرة على التحكم في أوقات تصفحهم، يقعون فريسة لاضطرابات النوم بمعدلات تفوق أقرانهم بكثير. ويتناغم هذا الاستنتاج مع أدبيات علمية سابقة نبهت إلى أن الهواتف الذكية ومواقع التواصل باتت ترافق المستخدمين حتى داخل غرف النوم، مما أدى إلى استبدال السكينة بالتفاعل الرقمي الذي لا يهدأ.

كيف يتسلل العالم الافتراضي ليفسد نومنا؟

تقدم الدراسة تفسيرات مزدوجة لهذه الظاهرة؛ فمن الناحية العضوية (البيولوجية)، ينبعث من شاشات الأجهزة الإلكترونية ضوء يعوق إفراز هرمون "الميلاتونين"، وهو المركب الحيوي المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، ما يؤدي تلقائياً إلى تأخير وقت النوم واختلال الساعة البيولوجية للجسم.

أما على الصعيد النفسي والذهني، فإن تصفح المحتوى الرقمي وما يرافقه من مقارنات اجتماعية مستمرة ومتابعة لحياة الآخرين يرفع من منسوب القلق والتوتر، ويضع العقل في حالة من الاستثارة الدائمة؛ وهو ما يحول دون الاستغراق في نوم عميق ومريح. علاوة على ذلك، فإن سيل الإشعارات والتحديثات المتلاحق يغري المستخدمين بإطالة السهر، أو يجبرهم على الاستيقاظ المتكرر لملاحقة ما يستجد في العالم الافتراضي.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد 

الشباب والمراهقون: الضحايا الأكثر تأثراً

تبرز الفئة العمرية كعامل حاسم في تحديد حجم الضرر؛ إذ كشفت الدراسة أن المراهقين والشباب يمثلون الشريحة الأكثر تأثراً بتبعات هذا الاستخدام الإشكالي وما يلحقه من تداعيات بنومهم.

ويعزو الباحثون هذه الحساسية العالية لعدة اعتبارات؛ منها الارتفاع الملحوظ في معدلات استخدام الشباب لهذه التطبيقات، ومحدودية القدرة على ضبط النفس والسيطرة على الذات لديهم مقارنة بالفئات الأكبر سناً، فضلاً عن رغبتهم الشديدة في نيل القبول الاجتماعي والميل لعقد المقارنات الشخصية عبر شبكة الإنترنت. وتلفت الدراسة أيضاً إلى أن فئة الشباب تلجأ غالباً إلى مواقع التواصل كمنفذ للهروب من الضغوط الحياتية والمشاعر السلبية، مما يطيل فترات استخدامهم للشاشات، لا سيما في الفترات الليلية المتأخرة.

معضلة عابرة للنوع الاجتماعي والحدود الجغرافية

وفيما يتعلق بالفوارق الفردية، لم ترصد الدراسة فروقاً جوهرية تذكر بين الذكور والإناث في تأثر نومهم بالاستخدام الإشكالي لهذه المنصات؛ إذ لا ترتبط المشكلة بالنوع الاجتماعي بقدر ارتباطها بنمط التفاعل نفسه وطبيعته. وبالمثل، تتبدى هذه الأزمة كظاهرة عالمية عابرة للثقافات والجغرافيا، حيث لم تلعب التباينات الثقافية أي دور في تغيير أو إضعاف العلاقة القائمة بين فرط الاستخدام وتدهور النوم.

أي المنصات تسرق هدوء ليلنا أكثر؟

أما الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة، فتمثل في التباين الملحوظ بين المنصات؛ حيث أثبتت النتائج أن أثر الشبكات الاجتماعية على جودة النوم ليس متطابقاً. فقد حل موقع "فيسبوك" في صدارة المنصات الأكثر ارتباطاً بتدهور جودة النوم، وتلته منصة "X" (تويتر سابقاً)، ثم "سناب شات" و"إنستغرام". وفي المقابل، سجلت تطبيقات المراسلة مثل "واتساب" و"وي تشات" تأثيراً أقل وطأة نسبياً.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد 

ويفسر الباحثون هذا التفاوت بأن المنصات التي تتمحور حول التفاعل الاجتماعي وعقد المقارنات المستمرة بين المستخدمين تسهم بصورة أكبر في استنزاف الانتباه وتوليد الضغط النفسي، مما ينعكس سلباً على النوم في نهاية المطاف.

نحو توازن رقمي

أمام هذه الحقائق، تنتهي الدراسة إلى إطلاق دعوة لتبني سلوكيات رقمية أكثر وعياً واتزاناً، خاصة في أوساط الشباب. وتنصح بضرورة الابتعاد عن هذه المنصات والحد من تصفحها خلال الساعات التي تسبق موعد النوم، مع رفع مستوى الوعي بمخاطر الإفراط في الاستخدام، وتشجيع ممارسة الأنشطة الاجتماعية والرياضية التي تقلل من الاعتماد المزمن على الشاشات الإلكترونية.

مواضيع مختارة