لماذا يتملك الانفعال الغاضب نفوس الكثيرين؟ تكمن الإجابة في تشوه المفاهيم؛ إذ ربطت العقلية السائدة بين الحدة والكرامة والرجولة، بينما نُعت الهدوء بالضعف والخور. والحقيقة أن العمليات النفسية، تماماً كالشعائر العبادية، تسير وفق منظومة محكمة من القواعد الثابتة. فلصلاة المغرب—على سبيل المثال—مقياس ثابت هو ثلاث ركعات، لا يزيدها قوة الإيمان إلى أربع، ولا ينقصها ضعفه إلى اثنتين؛ إنها قاعدة مستدعاة لا خيار فيها. وبالمثل، فإن إدارة الذات مهارة تكتسب بالبرمجة المسبقة لتغدو تلقائية تماماً، مثلما ينطق المرء اسمه "علي أو حسين أو زيد" دون تفكير، أو مثل عملية التنفس المستمرة التي تتم دون وعي بعدد مراتها منذ الاستيقاظ. إن الغاية تكمن في برمجة هذه المهارات النفسية لتصبح جزءاً من الكيان الحيوي للإنسان.
الغضب والانفعال
يقودنا المنهج العلمي إلى التمييز بين الغضب والانفعال؛ فالغاضب—بحسب دراسات بحثية—يمر بست مراحل، بينما يقطع الشخص المنفعل خمس محطات رئيسية تحدد طبيعة سلوكه النهائي:
- جمع المعلومات: وهي المرحلة التأسيسية، وكلما أطال الإنسان أمدها وبذل جهداً في استقراء الموقف، انخفض منسوب توتره وانفعاله.
- التقدير (التقييم): وهنا يوجه العقل المعلومات المجموعة إما نحو "التقدير الإيجابي" (الذي يبحث عن كيفية توظيف الموقف لكسب النقاط والفرص)، أو نحو "التقدير السلبي" (الذي يفضي إلى خسارة النقاط). والعقل المنطقي يميل دوماً للتقدير الإيجابي لكسب الرهان.
- التوتر الداخلي: التفاعل النفسي والفسيولوجي الصامت داخل الذات.
- التوتر الخارجي: تبلور المؤثرات الداخلية على الملامح والجسد.
- السلوك النهائي: النتيجة الظاهرة للعيان.
إن أي سلوك سلبي يظهر في المرحلة الخامسة هو نتاج خلل في عدم إتقان المرحلة الرابعة، والخلل في الرابعة مبعثه اضطراب الثالثة، والتي نشأت بالأساس من اختيار "التقدير السلبي" في المرحلة الثانية نتيجة الاستعجال وعدم جمع معلومات كافية في المرحلة الأولى.
تطبيق عملي: سيناريو الاستفزاز المفتعل
لتوضيح هذا التدفق السلوكي، لنفترض جدلاً أن محاور إعلامي لامع ومميز أراد استفزازي بتوجيه شتيمة مباشرة. في تلك اللحظة الخاطفة، يبدأ عقلي بجمع المعلومات: "هذا شاب متميز، وله برامج ناجحة كذا وكذا". تالياً، أنتقل للتقدير الإيجابي: كيف أوظف هذه الإساءة لكسب نقاط لصالحي؟ قد يعلم الناس أنني الطبيب النفسي الذي يدير عيادته، لكنهم قد يجهلون قدرتي الحوارية أو يظنونني سريع الانفعال. هذه الشتيمة هي فرصتي المثالية لأثبت لهذا الإعلامي الكبير وللجمهور أنني رجل حوار هادئ وغير انفعالي. هكذا توجهت المعلومات نحو التقدير الإيجابي، فكان توتري الداخلي والخارجي ساكناً، ليأتي سلوكي الأخير منضبطاً وراقياً. هنا، أكون أنا السيد الحقيقي لسلوكي، لا الشتائم الموجهة إلي.
ترويض الانفعال
إن الهدف الأسمى هو أن تصبح هذه القواعد بمثابة "الأنفاس" التي نتردد بها، لا مجرد نظريات نتذكرها بجهد عسير. وفي تربيتي للمقربين مني، من الأبناء وأبناء الأخوات، نجعل هذه القواعد بمثابة أنفاس متكررة، ونذكر بعضنا بها فور الخروج عن جادة السكينة. لكن لماذا تحترم النفس هذه الضوابط؟ لأننا ربطناها بـ"القيمة".
ولعل تمثيل القيمة يتضح في هذا المثال الملموس: عندما يوجه أحدهم إليّ إساءة، فإن ترويض نفسي يبدأ من ربط الانفعال بقيمة قبيحة؛ كأن أتصور نفسي في حال الغضب كبهيمة تنهق—أعزكم الله—بينما يمثل لي الهدوء والسكينة محاكاة للنفحة المحمدية المقتبسة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وحين تقترن السكينة بقيمة عليا والاضطراب بقيمة منفرة، تختار النفس الهدوء تلقائياً.
إن قيمة الإنسان تنبع من داخله، من مبادئه وتفسيره الشخصي للمواقف، لا من تقييمات الآخرين أو الفهم المغلوط الذي يرى في الغضب والسطوة رمزاً للقوة والكرامة. لقد سمى البعض الانفعال "كرامة" بدافع الجهل، بينما نربطه نحن بالمنهج المحمدي الراقي. وهذا الطرح ليس وعظاً دينياً مجرداً بل هو مسار منهجي صارم اتبعه مصلحون عالميون مثل غاندي ونيلسون مانديلا؛ فحتى لو اختلفت المشارب، يظل الهدوء غاية إنسانية ومقياساً للنضج.
القيادة الذكية: تحويل العيوب إلى مزايا
يمتد تطبيق هذه القواعد إلى بيئات العمل؛ فالمدير الناجح يفرح باختبارات الانفعال ولا يخشاها. فإذا دخل عليه موظف يصرخ أو يذم زملائه، يتعامل مع الأمر بذكاء تحويلي. علمتني الحياة أن أحول العيوب إلى مزايا؛ حيث أذكر موظفاً جاءني يوماً قائلاً بنرجسية: "كل موظفيك لا يصلحون لشيء، أنا الأفضل بين الجميع". ورغم علمنا بأنه لا يوجد ما يسمى "الموظف الأفضل مطلقاً"، إلا أنني لم أواجهه بالزجر أو اتهمه بالغيبة، بل قلت له: "بيض الله وجهك، ورأيك محل تقدير. فلان لديه نقص في كذا وكذا.. لذا أريدك أن تستلم زمام الأمور كلها، ويكون هؤلاء مساعدين لك".
لقد تحولت الطاقة السلبية الغاضبة إلى مشروع عملي منتج. إن افتقار الموظف لمهارات إدارة الانفعال لا يعني أبداً غياب مهنيته؛ فقد يكون متفوقاً في عمله، لكن انفعاله يماثل طعاماً شهياً ينقصه ضبط الملح فقط.
استثمار الصمت وتجاوز السلبية
تتطلب مواجهة الانفعالات الحفاظ على قوانين وضوابط ثابتة بدلاً من الانجرار خلف تخرصات عائمة تجعل النفس كـ"الجلي السايح" بلا قوام. وفي إحدى الرحلات الجوية جلس بجواري مسافر عابس الوجه ومكشر الملامح. في مثل هذه المواقف، قد يسقط الكثيرون في اختبار الهدوء ويدخلون في دوامة من التوجس والضيق. غير أنني—وبحكم البرمجة التلقائية التي تجاوزت مرحلة التفكير الجهدية—نظرت للموقف كفرصة سانحة؛ فهذا "الجدار الصامت" بجواري كفيل بأن يحميني من الأحاديث الجانبية ويمنحني فرصة لإنهاء مهام عمل متراكمة. فرحت بعبوسه، وركزت بكل هدوء حتى أنجزت شغلي كاملاً.
وعند الهبوط، أهديت نسخاً من كتب صغيرة لطاقم الضيافة تعبيراً عن الامتنان ومحاكاة للنهج المحمدي، فشكرني المضيفون بحرارة. هنا، أدرك ذلك الراكب العابس—الذي ربما افترض كبر المشاهير حتى يثبت العكس—أنه خسر فرصة الاستفادة والتحاور طوال الرحلة بسبب سلبيته، بينما كسبت أنا الوقت والهدوء بفضل استدعائي لمهارات الإيجابية. لقد كان هذا الراكب يملك قلباً طيباً كالملائكة، لكنه عانى من نقص في مهارة الصيد واستثمار الفرص، فبقي يسألني بلهفة وتودد من لحظة نزولنا حتى تسلم الحقائب ومكتب الجوازات. لم أحرمه من وقتي، بل هو من حرم نفسه منه بنظراته الأولى.
ماذا لو كان الراكب ودوداً والوقت ضيقاً؟
قد يتبادر إلى الذهن سؤال: "ماذا لو كان ذلك الراكب لطيفاً منذ البداية، وأراد استغلال وجودك لطرح الأسئلة، بينما ترزح أنت تحت وطأة عمل مستعجل؟"
الجواب بسيط: نطبق القاعدة ذاتها!
- جمع المعلومات: إنسان طيب وودود ويريد التعلم.
- التقدير الإيجابي: كيف أوفق بين واجبي في إنجاز عملي ولطفي معه؟
- السلوك الناتج: أخاطبه بابتسامة: "يسعدني جداً الحديث معك وتبدو إنساناً طيباً وراقياً، لكن لدي عمل عاجل يجب إنجازه الآن. ما رأيك أن أطرح عليك سؤالاً تفكر فيه وتختار له ثلاث إجابات بينما أنهي عملي، وعندما آخذ قسطاً من الراحة نتناقش معاً؟"
إن القاعدة صالحة لكل زمان ومكان، ومع كل أصناف البشر؛ هادئهم وغاضبهم، طيبهم وعصيبهم.
نعود مجدداً لقاعدة صلاة المغرب؛ فالعلوم النفسية والمهارات السلوكية قوانين صارمة لا تقبل المواربة. وإن الطبيب أو المعالج النفسي لا يمكنه التأثير في مرضاه ما لم يلمسوا في سلوكه تجسيداً حياً لما يدعو إليه. فإذا شوهد المعالج غاضباً يصرخ في وجه الممرضين أو يثور لأتفه الأسباب، فلن يؤمن أحد برسالته. إن المريض يملك حدساً حاداً؛ يختبر طبيبه منذ اللحظة الأولى لدخوله العيادة، يتأمل ملامحه وحركاته ليقرر في قرارة نفسه: "هل يستحق هذا الرجل أن أودعه أسراري، وهل يحيا حقاً السكينة التي يبشر بها؟"