مع حلول منتصف الليل، وحين يسدل الستار على نهار حافل بأعباء الوظيفة والالتزامات الأسرية، تنزوي هاجر أمام توهج هاتفها الذكي، متنقلةً بشغف بين مقاطع الفيديو وتحديثات مواقع التواصل الاجتماعي.
رغم إدراكها التام بأن عقارب الساعة تدفعها نحو موعد استيقاظها الصباحي الذي يقترب سريعاً، إلا أنها تأبى الاستسلام للنوم وتؤجله المرة تلو الأخرى، معلقةً بابتسامة: «هذا الوقت هو الوحيد الذي أشعر أنه لي وحدي».
هذا النمط السلوكي الذي تستمر عليه هاجر وغيرها، بات يُعرف عالمياً بمصطلح «السهر الانتقامي»، أو «الانتقام من ضغوط النهار عبر تأخير النوم». وهي معضلة آخذة في الاتساع في أوساط الموظفين، والطلاب، وربات البيوت على حد سواء؛ إذ يتملّك هؤلاء شعور بأن التزامات العمل والدراسة والمسؤوليات اليومية تلتهم ساعات نهارهم بالكامل، فيلجؤون إلى اقتطاع جزء من وقت نومهم لاستعادة مساحتهم الشخصية وحريتهم المسلوبة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الحيز المنزلي، ففي أحد مقاهي العاصمة العراقية بغداد، يتجمع عدد من الشبان حتى ساعات متأخرة من الليل، متجاهلين ارتباطاتهم المهنية المبكرة في الصباح التالي. ومن بين هؤلاء، يوضح حسين العسكري، وهو موظف في شركة خاصة، أن جدول يومه يبدأ في ساعة مبكرة ولا ينتهي إلا متأخراً، مما يجعله يرفض فكرة النوم بمجرد وطء قدمه عتبة المنزل، مردفاً بالقول: «أشعر أنني إذا نمت مباشرة فسيمر اليوم دون أن أمارس أي شيء أحبه».
وفي سياق متصل، تؤكد هديل الأنصاري، وهي أم لثلاثة أطفال، أن السهر لا يقتصر على فئة الشباب فحسب؛ إذ تترقب هديل نوم أفراد عائلتها لتظفر بهنيهة من الوقت تخصصها لمشاهدة برنامجها المفضل أو قراءة كتاب. وتلفت إلى أن هذا الوقت المستقطع من الليل يتمدد غالباً إلى ما بعد منتصف الليل، على الرغم من وطأة الإرهاق التي تلاحقها في صباح اليوم التالي.
من جهتها، تحلل الدكتورة دنيا حسن، المختصة بالصحة النفسية، هذه الظاهرة مبينةً أن "السهر الانتقامي" لا يرتبط بالأرق التقليدي المعتاد؛ فالشخص هنا يملك القدرة الجسدية على النوم، لكنه يختار بوعيه البقاء مستيقظاً كآلية لتعويض شعوره بفقدان السيطرة على وقته خلال ساعات النهار. وتشير الدكتورة حسن إلى أن هذه الحالة تضاعفت مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي توفر محتويات متدفقة لا تتوقف على مدار الساعة.
وتحذر الأخصائية النفسية من أن الاعتياد على هذا السلوك يمهد الطريق للإصابة باضطرابات النوم وتراجع مستويات التركيز والإنتاجية، إلى جانب ما يتركه من آثار سلبية على الصحة الجسدية والنفسية. وخلصت الدكتورة حسن إلى أن تلك الساعات التي يسلبها المرء من نومه تمنحه إحساساً مؤقتاً بالمتعة، إلا أنها قد تستحيل مع الوقت إلى عبء يومي ثقيل يصعب التحرر منه.