خاص لموقع الأئمة الاثني عشر - قال تعالى: قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين - سورة الأعراف: 12
يُعرَّف اضطراب الشخصية النرجسية بأنه حالة مرضية تؤثر عميقاً على الصحة العقلية؛ حيث ينتاب المريض شعور متضخم بأهميته الذاتية مع حاجة ملحة ومستمرة للإطراء والاهتمام المفرط، مقترناً بعجز واعتلال في فهم مشاعر الآخرين أو الاهتمام بها.
وخلف قناع الثقة المفرطة والتبجح بالكمال، تختبئ ذات هشة تعاني من تذبذب التقدير الذاتي وتتأثر بعنف بأبسط انتقاد. ويتسبب هذا الاضطراب—الذي يستهدف الذكور بمعدلات تفوق الإناث، ويتبدى غالباً في مرحلتي المراهقة والشباب (مع التنبيه أن السمات النرجسية العارضة لدى الأطفال تعد سلوكاً طبيعياً متوافقاً مع أعمارهم ولا تعني حتمية إصابتهم مستقبلاً)—في إلحاق أضرار بالغة بمختلف مجالات الحياة كالعمل، والدراسة، والعلاقات، والشؤون المالية؛ إذ تسيطر التعاسة والخيبة على المرضى عند غياب الامتيازات التفضيلية أو التكريم الذي يعتقدون جدارتهم به، مما يورثهم علاقات مضطربة تفتقر للرضا وينفر منها المحيطون بهم.
أعراض مزدوجة: الادعاء والهشاشة
تتنوع أعراض الاضطراب وشدتها من شخص لآخر، وتتجلى سريرياً في السلوكيات التالية: إحساس مفرط وغير عقلاني بالأهمية، تضخيم الإنجازات والمواهب، ترقب التكريم بدون إنجازات فعلية، والانشغال بأوهام التفوق والقوة والتألق والجمال أو الرفيق المثالي.
يعتقد النرجسي أنه فريد لا يفهمه أو يرافقه إلا النخبة، ويتعامل بعجرفة وتعالٍ مع من يراهم أقل شأناً. كما يستغل الآخرين لقضاء مآربه متوقعاً تلبية رغباته تلقائياً دون طلب، مع العجز عن تحسس احتياجاتهم، بجانب سيطرة الحسد المتبادل (يحسد الآخرين ويظنهم يحسدونه)، والتباهي والغرور، والإصرار على اقتناء الأفضل دوماً (كأفضل سيارة أو مكتب).
بالمقابل، ينكشف الوجه الهش للنرجسي عند مواجهة النقد؛ إذ تظهر عليه علامات نفاد الصبر والغضب عند غياب التقدير الخاص، وصعوبة التكيف مع الضغوط والتغيرات، مع الميل لاقتراف الغضب والازدراء والتقليل من شأن الآخرين لإثبات تفوقه. كما يعاني من صعوبة التحكم في انفعالاته وسلوكه، وتجنب المواقف التي تنذر بالفشل، وتقلب المزاج والاكتئاب لعجزه عن بلوغ الصورة المثالية المتخيلة، مخفياً في أعماقه مشاعر الخزي، والمهانة، والخوف من الإخفاق، والضعف الأمني.
المسببات وعوامل الخطر
تظل مسببات الاضطراب مجهولة ومعقدة، ويعزوها العلماء إلى ثلاثة أبعاد متداخلة:
البيئة: طبيعة العلاقة الرابطة بين الآباء والأبناء، والتي تتراوح بين الإفراط في الحماية والتدليل أو المبالغة في النقد والإهمال بما لا يتماشى مع تجارب الطفل الفعلية وإنجازاته.
الوراثة: الخصائص الجينية والسمات الشخصية الموروثة.
البيولوجيا العصبية: الاختلال في الرابط الوظيفي بين الدماغ والسلوك وطريقة التفكير.
وتشكل الوراثة مع ممارسات التربية المتطرفة (التدليل المفرط أو الإهمال الزائد) عوامل خطر رئيسية للأطفال المهيئين بيولوجياً للمرض.
المضاعفات الصحية الحياتية
يقود إهمال المرض إلى مضاعفات جسيمة تشمل: صعوبة نسج العلاقات الشخصية، وتراجع الأداء المهني والأكاديمي، والإصابة بالاكتئاب والقلق والاضطرابات الشخصية الأخرى، والمعاناة من اضطراب فقدان الشهية (Anorexia)، والمشاكل الصحية الجسدية، وصولاً إلى إدمان الكحوليات والمخدرات، وتنامي الأفكار والسلوكيات الانتحارية.
البروتوكول العلاجي والاستشارة الطبية
يتمركز الخط العلاجي الأساسي حول العلاج النفسي بالحوار (العلاج النفسي). ونظراً لرفض النرجسيين الاعتراف بوجود مشكلة لديهم، فإنهم نادراً ما يبحثون عن العلاج، وإذا فعلوا—بطلب تحديد موعد لدى المختصين—يكون ذلك مدفوعاً بأعراض الاكتئاب، أو الإدمان، أو غيرها من مشكلات الصحة العقلية، مع بقاء حساسيتهم المفرطة تجاه "إهانات تقدير الذات" عائقاً أمام الالتزام بالبروتوكول العلاجي.
وتؤكد الأبحاث أنه إذا ما استشعر الشخص وجود هذه الخصائص المشابهة لديه أو عانى من وطأة الحزن والضغط، فعليه اللجوء العاجل لطبيب أو مختص صحة عقلية مؤهل لمساعدته على تحسين جودة حياته.
الوقاية والدعم
على الرغم من غياب سبل وقائية قطعية مبرهنة لجهل المسبب الرئيسي، إلا أنه يوصى باتباع تدابير داعمة تتلخص في:
الحصول على التدخل العلاجي المبكر لمشاكل الصحة العقلية بمرحلة الطفولة.
الانخراط في جلسات العلاج الأسري لتبني قنوات تواصل صحية وتطوير آليات التكيف مع الصراعات.
حضور دورات في مجال تربية الأبناء والاستعانة بالمستشارين والأخصائيين الاجتماعيين عند الحاجة.