هل يسمعنا الموتى؟!

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:594
مشاركة
A+ A A-

كثيراً ما يثار الجدل حول مسألة التوسل بالأولياء والأنبياء وسماع الموتى في العقيدة الإسلامية. هنا في هذا المقال نسلط الضوء على هذه المسائل من منظور إسلامي استناداً إلى النصوص القرآنية والروايات المعتبرة.

يعتقد المسلمون جميعاً أن سؤال الله تعالى هو الأساس في استغاثاتهم وحاجاتهم، وذلك لأن الله وحده يملك مفاتيح كل شيء، وله السلطان المطلق على كل ما يقع في الكون من خير أو شر.

يتجلى هذا في قوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"، مما يؤكد أن الله تعالى هو المبدع والمدبر لكل شيء.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: "كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنَّ الضار النافع هو الله عزّ وجلّ".

الله تعالى هو المانح للمنفعة والضرر، حيث إن كل نفع وضرر هو بتقديره تعالى حتى وإن كان بواسطة غيره. النفع والضرر الحقيقيان منه مباشرة، أما الضرر اليسير الواقع بواسطة الغير والذي يعقبه جزاء وفير في الآخرة فلا يعد ضرراً حقيقياً بل نسبياً.

كذلك، المنافع الدنيوية الفانية إذا كانت مصحوبة بعقوبات أخروية فهي في جوهرها ضرر. وبصورة عامة، كل نفع وضرر يُعتد بهما يكونان من عند الله تعالى، وكل ما يحدث بواسطة غيره يكون إما بتوفيقه أو بخذلانه.

الأسباب والعلل التي نراها في الظواهر الطبيعية ما هي إلا وسائل تُستخدم لتحقيق مشيئة الله، فهي تعمل كأدوات لتنفيذ إرادته، وليس لها قدرة مستقلة بذاتها. هذا يوضح أن لكل ظاهرة طبيعية أساساً إلهياً يكمن وراءها تحت إشراف الله تعالى.

العلم بالنظام الكوني وقوانينه لا يتعارض مع الاعتقاد بالسلطان الإلهي المطلق، بل يظهر أن الله تعالى يدبر شؤون خلقه باستخدام هذه الأسباب التي تبدو كقوى مستقلة لكنها في الحقيقة مجرد أدوات لتحقيق مشيئته.

من الأسباب التي يعتمدها المسلمون في دعائهم طلبهم من الله تعالى أن يستجيب لمطالبهم بحق أوليائه وأنبيائه، مشيرين إلى مكانتهم وكرامتهم عنده. لذا يكون دعاؤهم: "أسألك بحق نبيِّك وأوليائك أنْ تقضي حاجتي".

يستند هذا النهج إلى حديث أنس بن مالك عند وفاة فاطمة بنت أسد أم علي، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مُدخَلَها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين".

في المقابل، شدد ابن تيمية على رفع اليدين مباشرة بالدعاء إلى الله تعالى دون استخدام وسائط. وحسب رأيه، فإن الوساطة بين العبد وخالقه تعتبر شركاً أو بدعة في الدين.

سماع الموتى: فهم الآية الكريمة

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

الآية الكريمة: "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ" تحتاج إلى تفسير دقيق.

هذه الآية تتحدث عن المفاضلة بين المؤمن والكافر، حيث تشير كلمة "الأحياء" إلى المؤمنين الذين يملكون حياة معنوية وروحية، بينما تشير كلمة "الأموات" إلى الكافرين الذين ماتت قلوبهم روحانياً.

التعبير "وما أنت بمسمعٍ من في القبور" كناية عن عدم تأثير دعوة النبي صلى الله عليه وآله في قلوب الكافرين الميتة بسبب كفرهم وعنادهم، وليس عن عدم قدرة الموتى الحقيقية على السماع.

يقول العلامة الطباطبائي: "وما يستوي الأحياء ولا الأموات تمثيلات للمؤمن والكافر... إن الله يسمع من يشاء وهو المؤمن كان ميتاً فأحياه الله فأسمعه لما في نفسه من الاستعداد... وما أنت بمسمع من في القبور أي الأموات، والمراد بهم الكفار المطبوع على قلوبهم".

أدلة سماع الموتى

سماع الموتى يعني قدرة الأموات في عالم البرزخ على سماع أصوات الأحياء في عالم الدنيا. قبول هذه المسألة يتوقف على الإيمان بالحياة البرزخية وأن حقيقة الموت ليست انعدام الشيء بل الانتقال من عالم إلى آخر.

هناك آيات قرآنية تفيد أن الموتى يسمعون في بعض الحالات:

  1. 1. "وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ" [السجدة: 12]. هذه الآية تدل على أن الموتى يُعاد إليهم السمع والبصر في ظروف خاصة.
  2. 2. "فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: 22]. يوم القيامة يُعاد للإنسان إدراكه الكامل بعد الموت.
  3. 3. "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ" [البقرة: 243]. هذا يدل على أن الله يستطيع أن يعيد السمع والبصر للأموات وقتما يشاء.

أما من السنة النبوية، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله خاطب قتلى المشركين في بدر قائلاً: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟" وعندما سأله عمر: "يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟" أجاب: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

وفقاً للمذهب الشيعي، الموتى يعيشون في حياة البرزخ، وهي حياة تختلف عن حياتنا الدنيوية. للموتى إدراك خاص بها، وعدم سماعنا لهم لا يعني أنهم لا يسمعوننا.

قال الصدوق: "اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لا بد منها، ومن أجاب الصواب، فاز بروح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة".

الروايات الصريحة تؤكد أن زيارة القبور والدعاء عندها يسمعها الموتى وينتفعون بها. فقد سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق عليه السلام: "الموتى نزورهم؟" فقال: "نعم". قلت: "فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟" فقال: "إي والله إنهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم، ويستأنسون إليكم".

وصفوة القول: الميت لا يضر ولا ينفع بذاته، بل كل شيء بيد الله تعالى. ما يُنسب للموتى من تأثير - كشفاعة الصالحين أو دعاء المظلوم - هو بإذن الله تعالى وليس بقدرتهم الذاتية.

الآية المذكورة لا تدل على نفي سماع الموتى مطلقاً، بل تتحدث عن الكافرين الذين ماتت قلوبهم عن الحق. وهناك آيات وأحاديث كثيرة تؤكد سماع الموتى في سياقات معينة، مما ينسجم مع الاعتقاد الصحيح بأن الموتى في عالم البرزخ لهم إدراك وروحانية خاصة.

زيارة القبور وطلب الشفاعة عند الأولياء أمر مشروع ومسنون في الفكر الإسلامي، ولا يتعارض مع النصوص القرآنية.

مواضيع مختارة