بين الموت والقيامة.. ما لا تعرفه عن عالم «البرزخ»!

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:1418
مشاركة
A+ A A-

تخيل أنك تقف أمام بحرين عظيمين، أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج. يلتقيان دون أن يختلطا، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين، لكن أثره واضح في فصل المياه. هكذا بالضبط تصور لنا الآيات القرآنية مفهوم "البرزخ" - ذلك العالم الذي يفصل بين حياة الإنسان في الدنيا وحياته في الآخرة.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

لكن ما حقيقة هذا العالم الذي نسمع عنه في المساجد والمجالس، ويثير في نفوسنا مزيجاً من الرهبة والفضول؟ وكيف وصفته النصوص الإسلامية؟ وما الذي ينتظرنا فيه؟

المعنى اللغوي والقرآني للبرزخ

لفهم المعنى الاصطلاحي للبرزخ في الدين، علينا أولاً معرفة أصله اللغوي. عند الرجوع إلى المعاجم، نجد أن "البرزخ" هو الحاجز بين شيئين، والمانع من اختلاطهما وامتزاجهما¹. وهو تعبير دقيق يصف طبيعة هذا العالم الفاصل بين النشأتين.

البرزخ في القرآن الكريم

ورد ذكر البرزخ في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، كلها تؤكد المعنى السابق:

  1. قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾².
  2. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾³.
  3. وقال عزّ من قائل: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾⁴.

في الآيتين الأوليين، استُخدمت الكلمة بمعناها المباشر كحاجز بين بحرين. أما في الآية الثالثة، فقد استعملها القرآن للإشارة إلى عالم آخر يفصل بين الدنيا والآخرة يمر به الإنسان بعد موته.

البرزخ في الأحاديث الشريفة

تؤكد الأحاديث النبوية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام أن "البرزخ" هو الفترة الزمنية الفاصلة بين حياة الإنسان في الدنيا وبعثه يوم القيامة. من هذه الأحاديث:

  1. عن عمرو بن يزيد قال: سألت الإمام الصادق (عليه السلام): "وما البرزخ؟" فأجاب: "القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة"⁵.
  2. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: "البرزخ: القبر، وهو الثواب بين الدنيا والآخرة"⁶.

استمرارية الحياة بعد الموت

تقدم الرؤية الإسلامية تصوراً مختلفاً عن الموت، فهو ليس نهاية للحياة، بل مجرد انتقال من نشأة إلى أخرى. الإنسان ينتقل بواسطة الموت من حياة دنيوية إلى حياة برزخية تتوسط بين عالمي الدنيا والآخرة.

غموض التفاصيل

رغم وضوح وجود عالم البرزخ، إلا أن تفاصيل هذا العالم تبقى غامضة نسبياً. ما نعرفه عنه محدود بما ورد في النصوص الدينية من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

مراحل الحياة البرزخية

بداية الحياة البرزخية ونهايتها

تبدأ الحياة البرزخية من لحظة قبض روح الإنسان وإيداع جسده في القبر، وتستمر حتى قيام الساعة ويوم البعث. فهي مرحلة انتقالية بين الحياتين.

سؤال القبر

ما أن يودع الميت في قبره حتى يأتيه الملكان منكر ونكير ويسألانه. فإذا كان صالحاً، أُكرم وأُنعم، وإن كان طالحاً، عُذّب وأُهين.

حال الكافرين والمجرمين في البرزخ

يصف القرآن الكريم حال آل فرعون في البرزخ بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾⁷. فهم يُعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل يوم القيامة، وبعدها يُقحمون فيها.

حال الشهداء في البرزخ

أما الشهداء، فحالهم مختلف تماماً، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾⁸. ويصف حالهم بأنهم ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁹.

العلاقة بين عمل الإنسان وحاله في البرزخ

تتناسب حالة الإنسان في البرزخ مع عمله في الدنيا. فإن كان صالحاً، كانت حياته البرزخية طيبة، وإن كان فاسداً، كانت قاسية. وإلى ذلك أشار الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ لِلْقَبْرِ كَلَاماً فِي كُلِّ يَوْمٍ، يَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، أَنَا الْقَبْرُ، أَنَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ"¹⁰.

النعيم والعذاب البرزخي مقارنة بالآخرة

رغم أهمية النعيم الذي يعيشه المؤمنون في البرزخ، وكونه من جنس نعم الجنة، إلا أنه لا يصل إلى مستوى نعيم الآخرة. وبالمثل، فإن عذاب العصاة والكافرين في البرزخ، رغم شدته، يبقى أقل بكثير مما سيواجهونه في نار جهنم يوم القيامة.

السفر نحو المجهول

البرزخ محطة انتقالية في رحلة الإنسان الأبدية، ليست نهاية المطاف، بل مرحلة مؤقتة نحو المصير النهائي. وكما أن المسافر يُعد عدته للرحلة، فعلينا الاستعداد لهذه المرحلة بالعمل الصالح والتقوى، لتكون روضة من رياض الجنة، لا حفرة من حفر النار.

---

الهوامش:

  1. يراجع: المقاييس: 1/333، ولسان العرب: 3/8، لجمال الدين أبو الفضل، المشتهر بابن منظور المصري، المولود سنة: 630 هجرية بمصر، والمتوفى بها سنة: 717 هجرية، الطبعة الثالثة، سنة: 1414 هجرية، دار صادر، بيروت/لبنان.
  2. القرآن الكريم: سورة الرحمن (55)، الآية: 19 و20، الصفحة: 532.
  3. القرآن الكريم: سورة الفرقان (25)، الآية: 53، الصفحة: 364.
  4. القرآن الكريم: سورة المؤمنون (23)، الآية: 100، الصفحة: 348.
  5. الكافي: 3/242، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الملقب بثقة الإسلام، المتوفى سنة: 329 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية/شمسية، طهران/إيران، وبحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/267، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بأصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  6. بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/218، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بإصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  7. القرآن الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 46، الصفحة: 472.
  8. القرآن الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 154، الصفحة: 24.
  9. القرآن الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 170، الصفحة: 72.
  10. الكافي: 3/242.
مواضيع مختارة