وقف أحمد مطرقاً أمام قبر والده الذي فارق الحياة بالأمس. كانت دموعه تسيل بصمت والأفكار تتزاحم في رأسه. "لماذا يموت الإنسان؟" سؤال ظل يتردد في ذهنه كالصدى. بينما هو غارق في أفكاره، اقترب منه شيخ كبير، ربت على كتفه وقال: "يا بني، أتعلم أن الموت ليس نهاية بل بداية؟" استغرب أحمد هذا الكلام، فكيف يكون الفناء بداية؟ ابتسم الشيخ وجلس بجانبه ليحكي له حكمة لم يسمعها من قبل:
الموت: انتقال لا فناء
إن الموت في نظر الناس فناء وعدم وصيرورة إلى التراب، ولكن القرآن يقدم لنا منظوراً مختلفاً تماماً. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، ذاكراً الموت قبل الحياة رغم أن الحياة واضح أنها مخلوقة. وفي هذا إشارة إلى أن الموت أشرف من الحياة، فهو ليس نهاية المطاف بل انتقال للثمرة والجزاء.
لنتأمل معاً: أيهما أحب للطالب الذي بذل جهده في الدراسة؟ ساعة الامتحان وقاعة الاختبار الصعبة، أم لحظة استلام الشهادة وأخذ الجائزة من الأستاذ والمربي؟ الجواب واضح بالطبع.
وهكذا، فإن الموت بالنسبة للمؤمن هو الانتقال إلى قاعة الاحتفالات الكبرى، لأخذ الجائزة من الله تعالى. لذا يكون شوقه للموت أكثر من شوقه للحياة! وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في قوله الشهير: "والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه". ولأنه يدرك أن الناس قد تستغرب هذه الحقيقة، قدّمها بالقسم تأكيداً.
أحسن العمل لا أكثره
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. لاحظ أنه لم يقل: "أيكم أكثر عملاً". فالميزان الإلهي يقيس الإحسان في العمل وليس كثرته.
تخيل معي سيداً له عبيد وجوارٍ، أمرهم أن يأتوه بالزهور من الحديقة. فجاءه عبد بكمية هائلة من الزهور الذابلة مختلطة بالحشائش والأشواك. هل سيُسر بها؟ بالطبع لا، بل سيكون مصيرها سلة المهملات! بينما جاءه عبد آخر بوردة واحدة فواحة، فتح قلب السيد برائحتها العطرة فأعتقه من العبودية.
وهذا ما فعله الإمام الحسن (ع) عندما أتته جارية بطاقة ريحان، فأعتقها لجمال ما قدمته. نعم، قد يأتي الإنسان يوم القيامة وليس له من الأعمال الكثير، ولكن عنده موقف جميل واحد، فينجو به.
قصص في القبول الإلهي
إن بنات شعيب (ع) قدمن لله عز وجل عملاً جميلاً، وربما كن عابدات قائمات. لكن الله تعالى ركز على صفة واحدة خلّدها في القرآن: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. هذا الحياء أصبح وساماً خالداً في كتاب الله.
وعليه، لا ينبغي للمؤمن أن يصيبه اليأس إن لم يستطع فعل الكثير من الخيرات أو لم يتمكن من الإنفاق الكبير. المهم هو أن يقدم أحسن الأعمال، وإن كانت بسيطة، فإن هذا العمل المتقن المخلص يتقبله الله تعالى.
في سورة الإنسان (الدهر) نشهد إتقاناً للعمل، لا إكثاراً له. فملوك الجور من بني أمية والعباس قد فتحوا البلاد والأمصار، ولكن هل يتقبل الله العمل الذي لا يُقصد به وجهه؟ بينما علي وفاطمة والحسن والحسين وخادمتهم فضة قدموا خبزاً واحداً في سبيل الله، فكتب الله لهم الخلود.
وهناك في التاريخ كثيرون قدموا القرابين لله. فأم مريم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. إبراهيم (ع) قدم إسماعيل للذبح، ولكن أم مريم نذرت خادماً للمسجد، لا أكثر ولا أقل، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
الانسجام مع نظام الكون
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ﴾. أي أن الله عز وجل خلق الكون بنظام محكم، وكل شيء منسجم، وخاضع لأمره، وليس هناك أي خلل في عالم الخلق.
ولكن أنت يا ابن آدم! لماذا هذا الخلل في عملك وسلوكك؟ إن الله تعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان، ووجوده كله خلل. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾... ما هذا التعبير القرآني اللاذع! إنه يدعو بالقتل للإنسان الذي ينحرف عن الفطرة!
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. لن تجد خللاً في الخلق مهما دققت النظر.
إذن، الدرس العملي من هذه الآية هو أن ننسجم مع الوجود. لماذا نختلف نحن البشر مع المجرات التي تسبح بحمد ربها؟ هذه المجرات العملاقة ممتثلة لأمر الله عز وجل، فعلى الإنسان أن ينسجم معها ليصل إلى كماله المنشود.
كما قال الشاعر: "أتزعم أنك جرم صغير... وفيك انطوى العالم الأكبر".
المقال مقتطف (بتصرّف) من محاضرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي حفظه الله