لم تكن المعرفة، في زمن مضى، مجرد معلومة عابرة؛ لقد كانت طقساً مقدساً يقوم على قراءة متعمقة للكتب والأبحاث والصحف، ومتابعة وثائقية هادئة، يتبعه تراكم مدروس للمعلومات وتدقيقها. كان "طبق المعرفة" يُطبخ على نار الوقت الهادئة، ليسمح لمكوناته بالاندماج والتشكل، قبل أن يخضع لميزان الوعي، والمنطق، والمقارنات العقلانية. ورغم كل هذا الجهد، كان الساعي إلى العلم يتسم بالتواضع، ويخجل من ادعاء المعرفة مهما اتسع بنيانه العلمي.
أما الترفيه، فكان بمثابة نسيج اجتماعي غني، قوامه السهرات المشتركة، والأفلام، والمسلسلات، إضافة إلى نشاطات متنوعة، اجتماعية أو ثقافية أو مجرد مسلية، تملأ الوقت الفارغ بنشاطات مشتركة بين أفراد العائلة، والجيران، والأقارب، والأصحاب.
لكن المشهد اليوم قد تغير جذرياً. فكل فرد بات يجلس داخل "فقاعته الخاصة"، وهي مجتمع متفرد متجسد في شاشة يطل من خلالها على عالم افتراضي يعيش، وأحياناً يعتاش، على الشبكة العنكبوتية.
أصبح التواصل يتم بطريقة مختلفة تماماً؛ إذ يتشارك الناس ويتواصلون عبر القارات والبلدان دون الحاجة لتأشيرات سفر مُلزمة، يدردشون، يجتمعون، يلعبون، ويجرون الصفقات الصغيرة والكبيرة في مجالات المجتمع والعمل، وقد يتم كل ذلك أحياناً تحت أسماء وهمية تخفي الهوية الحقيقية.
انهيار معرفي و"فوبيا" بالجملة
في خضم هذا العالم الشاسع والمتفرد، تنهال علينا تقنيات وأدوات تسابق الزمن بآلاف الفيديوهات القصيرة المعروفة بـ "الريلز" (Reels) أو "الشورتيز" (Shorties)، والتي لا يتعدى طول الواحد منها الدقيقة. ونحن ننهال عليها بـ "التمرير" (Scroll) و"التخطي" (Skip) القهري. هنا يكمن التناقض الفريد من نوعه؛ إذ يشعر بعض المستخدمين أنهم يعرفون كل شيء عن كل شيء، بينما يصابون في الوقت نفسه بأنواع متعددة من الرهاب (الفوبيا).
من هذه الأنواع:
- قلق الخوف من فوات الفرص (FOMO - Fear of Missing Out): وهو القلق من أن الآخرين يمرون بتجارب مجزية وممتعة من دون أن يحظى الشخص بنصيب منها. سببه الرئيس رؤية منشورات حول أحداث أو أنشطة أو إنجازات لم يشارك فيها، مما يؤدي إلى الاستخدام القهري لوسائل التواصل الاجتماعي وعدم الرضا عن الحياة الشخصية.
- رهاب المشاركة (FOJI - Fear of Joining in): وهو القلق أو الخوف من الانضمام إلى المناقشات أو المجتمعات عبر الإنترنت. ينبع هذا الخوف من الهاجس المستمر من التعرض للنقد أو ردود الفعل السلبية بسبب "كتابة كلمة خاطئة أو مشاركة فكرة"، مما يؤدي في النهاية إلى الانسحاب الاجتماعي والتردد في أي مشاركة على المنصات.
- اضطراب القلق من وسائل التواصل ورهاب عدم الكمال (Atelophobia): وهو الشعور بالتوتر أو عدم الارتياح المرتبط باستخدام هذه الوسائل، وينجم عن الخوف من عدم كون الشخص "جيداً بما يكفي" أو عدم تلبية المعايير المثالية المتصورة. هذا يولد ضغطاً للحصول على الإعجابات والتعليقات، والضغط للحفاظ على صورة مثالية، مما يدفع البعض إلى تجنب المنصات، أو الإفراط القهري في استخدامها، وقد يؤدي إلى انخفاض احترام الذات ومشكلات تتعلق بصورة الجسم أو الكمال الوسواسي.
- رهاب عدم استخدام الهاتف (Nomophobia): وهو القلق الشبيه بـ "الوباء الجماعي" حيال فقدان الوصول إلى الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الرهاب يزيد من التوتر ويغذي سلوكيات التحقق القهري من الهاتف من دون أي طارئ، ليتحول إلى عادة تستملك العقل والتفكير. وقد شهدنا هذه الظاهرة بوضوح لدى الأطفال والمراهقين والراشدين على حد سواء، فهم يعودون إلى هواتفهم بشغف مَن فقد عزيزاً بمجرد الابتعاد الاضطراري عنها.
يضاف إلى ذلك رهاب المراقبة أو الحكم، حيث يخشى الشخص النشر والمشاركة خوفاً على خصوصيته أو من التقييم السلبي.
تعفن الدماغ (Brain Rot).. العواقب الكبرى
في كفة أخرى، تقف ظاهرة "تعفن الدماغ"، وهي عبارة أُطلقت لتصف التدهور العقلي الناتج عن التعرض المفرط للمحتوى التافه أو منخفض الجودة. أعلنت جامعة أوكسفورد أن "تعفن الدماغ" هو عبارة عام 2024، بعدما شهد استخدامها زيادة واضحة بلغت 230% عن العام السابق.
على الرغم من أن "Brain Rot" ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به، إلا أنه مصطلح ثقافي يعكس القلق المتزايد بشأن الآثار المعرفية لوسائل الإعلام الحديثة، ويصف الركود العقلي والتدهور الفكري. وتُلاحظ هذه الظاهرة بصورة أكبر بين "جيل Z" (مواليد ما بين 1997 و2013) و"جيل ألفا" (مواليد ما بين 2013 و2025) نتيجة الإفراط في استخدام محتوى منصات مثل "تيك توك" و"يوتيوب" ومشاهدة "الريلز".
هذا المصطلح نشأ من الثقافة الشعبية، ويجمع بين مفهوم "التعفن" (أي التحلل أو التدهور) و"الدماغ". كما أُطلق في أواخر القرن العشرين مصطلح مشابه لانتقاد التلفزيون وهو "صندوق الأغبياء"، لاعتماده على التلقي وتقليله للتفكير النقدي.
دراسات مقلقة وتكاليف الدوبامين الرقمي
ربطت دراسات عديدة الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بانخفاض حاد في فترات الانتباه. دراسة نُشرت في "Journal of Behavioral Addictions" عام 2021 أشارت إلى أن التعرض المستمر للمحتوى القصير يضعف التركيز طويل المدى والتفكير العميق.
وتتضح التكاليف العصبية في الآتي:
تفعيل أنظمة المكافأة: دراسة في "Nature Communications" عام 2019 كشفت أن أنظمة المكافأة في الدماغ تُنشَّط بصورة مفرطة بواسطة الوسائط الرقمية، مما قد يعيد تشكيل المسارات العصبية ويؤثر في عمليات اتخاذ القرار.
انخفاض تكوين الخلايا العصبية: السلوكيات الخاملة المرتبطة بالجلوس الطويل أمام الشاشات تؤدي إلى تقليل توليد الخلايا العصبية الجديدة في "الحصين"، وهو جزء الدماغ المهم للذاكرة والتعلم.
إعاقة التفكير الإبداعي: يؤدي استهلاك المحتوى المتكرر ومنخفض الجهد إلى إعاقة التفكير الإبداعي وحل المشكلات، ويقلل من المشاركة في التفكير المتقدم.
كما نبه عالم النفسي الإيطالي فديريكو فيراريس إلى "الجانب المظلم من الدوبامين الرقمي"، مشيراً إلى أن السعي المستمر للتحفيز الرقمي، الذي يوفره الـ "دوبامين" الموقت، يأتي بكلفة كبيرة على الصحة العقلية، حيث يؤدي إلى تجزئة الانتباه، وخلل التنظيم العاطفي، واضطراب النوم، وزيادة معدلات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى انخفاض الإبداع وضعف تكوين الذاكرة.
كما حذرت المعالجة النفسية كارول سعادة، في تصريحها لـ "اندبندنت عربية"، من أن السرعة الفائقة لـ "الريلز" تسبب تشتت الانتباه، وتولد رغبة قوية في أن تكون الأمور في الحياة اليومية سريعة ومُرضية على الفور. هذا الوصول السريع إلى اللذة يخلق إدماناً يؤثر في القدرة على الصبر والتركيز، ويجعل الأفراد غير متحملين للانتظار، مما يؤثر في طريقة تعامل الأطفال والمراهقين مع الكبت والرفض، ويزيد من شعورهم بعدم الاكتفاء. وشددت على خطورة مرور الرسائل والأفكار عبر "الريلز" إلى اللاوعي بطريقة غير مباشرة، ما قد يؤثر سلباً في الصورة الذاتية والثقة بالنفس، ويولّد الإحباط والاكتئاب بسبب مقارنة الذات بالصور المثالية غير الواقعية.
مكافحة التدهور العقلي: خطوات نحو التوازن
"تعفن الدماغ" ليس مصيراً محتوماً. وللحد من هذه الآثار، يشدد الباحثون والمربون على أهمية تبني عادات رقمية متوازنة وتحفيز العقل. ولهذا، يجب اتخاذ خطوات واعية:
- تنظيم الاستهلاك: تخصيص وقت محدد لمشاهدة الفيديوهات القصيرة لمنع الإفراط.
- تعزيز التركيز: تخصيص وقت يومي لأنشطة تتطلب تركيزاً مستمراً (كالقراءة العميقة أو حل المشكلات) لتعزيز القدرة على التركيز.
- فهم آليات المنصات: فهم الطبيعة المنظمة لوسائل التواصل الاجتماعي وطريقة عملها يساعد على التخفيف من المقارنات غير الصحية مع الصور المثالية.
- الوعي والنشاط البدني: تحفيز العقل بالأنشطة الإبداعية وممارسة النشاط البدني والحذر من الاسترسال في المنصات. ويعد توقيف إنذارات الإشعار خطوة أولى ممتازة لكسر حلقة الإدمان.
إن الوعي بأن وراء كل صورة أو فيديو مثالي حياة أخرى قد تكون أقل جودة بكثير من حياة المستخدم نفسه هو خط الدفاع الأول ضد "الدوبامين الرقمي" ومخاطره النفسية والمعرفية.
المصدر: مواقع إلكترونية + موقع الأئمة الاثني عشر