ونحن نعيش في آخر أيام شهر شعبان، وفي أيام استقبال شهر الله، يأتي حديثنا اليوم كتذكرة، وهو عبارة عن رواية نقرأها في كل عام، تحمل في طياتها نصائح ثمينة مروية عن إمامنا الرضا (عليه السلام).
الرواية عن عبد السلام بن صالح الهروي (أبي الصلت) أنه قال: "دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شعبان". وهنا نلاحظ أن الإمام هو من بادر بالكلام رحمةً منه، ليرشدنا إلى كيفية استثمار شهر الضيافة، فقال: "يا أبا الصلت، إن شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه".
يريد الإمام (عليه السلام) أن يبين أن العبرة ليست بكثرة الوقت المتبقي، بل بجديته؛ فلو كانت المسألة تعتمد على طول المدة لقال له "فات زمان التدارك"، ولكن الأيام القليلة المتبقية كافية لمن جدّ واجتهد. فالتوبة مع الله ليست مجرد تصفير للذنوب، بل قد تتبدل السيئات إلى حسنات بفضل الله.
الإقبال على ما يعني وترك اللغو
ثم بين الإمام طريقة التدارك قائلاً: "وعليك بالإقبال على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك". وهنا لم يتحدث الإمام عن الحرام فقط، بل عن ترك ما لا يهم الإنسان، لأن الانخراط في غير المهم قد يكون مقدمة للوقوع في الحرام. وكما ورد في صفات المؤمنين المفلحين: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فلا فلاح دون إعراض عن اللغو.
إن القلب هو مركز القرارات، واللغو -سواء بالكلام أو السمع أو النظر- يملأ القلب هراءً ويورث الغفلة التي تجعل للشيطان سبيلاً على الإنسان. ونحن اليوم نعاني من مشكلة "الإدمان الرقمي"، حيث تضيع الأعمار في متابعة ما لا ينفع عبر وسائل التواصل، مما يخلق أنساً بما يشغل عن الله، وتطبيعاً مع المعاصي، وانحرافاً للفطرة والقيم.
الإكثار من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن
وأوصى الإمام قائلاً: "وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن". فالدعاء ليس مجرد طلب، بل هو ممارسة للخضوع وإظهار الفقر لله، وتلاوة القرآن تجلي القلوب من الرين. أما الاستغفار، فله شأن عظيم في إحباط كيد الشيطان. فقد ورد أن إبليس جمع عفاريته حين نزلت آية التوبة والاستغفار {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}، متسائلاً عمن يبطل مفعولها، فتصدى لها "الوسواس الخناس" بخطة "التسويف والإنساء"، أي أن يمني العبد بالمعصية ثم ينسيه الاستغفار بعدها. لذا فإن عدم الاستغفار يراكم السواد في القلب ويهيئ الإنسان لذنوب أكبر.
ضرورة التوبة قبل دخول الشهر
ثم قال (عليه السلام): "وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله إليك وأنت مخلص لله عز وجل". إننا بحاجة ماسة للتوبة قبل رمضان لعدة أسباب:
- أدب الضيافة: شهر رمضان هو شهر ضيافة الله، ولا يليق بالضيف أن يدخل على أكرم الأكرمين بوعاء (قلب) ملوث بالذنوب، بل يجب تنظيف الوعاء ليتلقى النفحات والرحمات.
- التوفيق للطاعات: الذنوب تقيد الإنسان وتحرمه من العبادة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للرجل الذي حُرم صلاة الليل: "أنت رجل قد قيدتك ذنوبك". فمن أراد التوفيق للأعمال المضاعفة في رمضان عليه برفع الموانع.
- قبول الأعمال: الأعمال بلا قبول لا تثمر، والذنوب تمنع القبول، كما أنها تحرم العبد من لذة المناجاة والخشوع في الصلاة.
- استجابة الدعاء: شهر رمضان هو شهر الدعاء {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}، والذنوب قد تحجب الدعاء وتمنع صعوده، فنحتاج للتوبة لرفع هذا الحجب.
- توفر العناصر المساعدة: شهر رمضان بيئة مثالية للتوبة؛ فالشياطين مغلولة، والشهوات تضعف بقلة الطعام، والعبادات تنهى عن الفحشاء، مما يساعد على استمرارية التوبة.
أداء الأمانات ورد الحقوق
وتابع الإمام وصاياه: "ولا تدعنّ أمانة في عنقك إلا أديتها". التوبة لا تقتصر على الاستغفار اللفظي، بل تشمل قضاء الفوائت ورد حقوق الناس المالية وغيرها. ولا ينبغي للحياء أن يمنع الإنسان من إبراء ذمته، فبإمكانه إيصال الحقوق لأصحابها حتى بطرق غير مباشرة أو بستر، المهم أن لا يبقى حق في ذمته، لأن هذه الحقوق لا تسقط حتى بموت صاحب الحق، بل تنتقل لورثته.
تطهير القلب من الحقد
وقال (عليه السلام): "ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلا نزعته". الحقد يلوث القلب ويجر الإنسان إلى معاصٍ أخرى كالحسد والشماتة، ويفسد الروح. حتى لو كان المؤمن الآخر مخطئاً في حقك، فإن التسامح ونزع الغل مطلوب لسلامة قلبك أنت ولتهيئته لاستقبال فيوضات الله. المؤمن لا يحمل الحقد دهره كما يفعل المنافق، بل يتغافل ويسامح.
الإقلاع عن الذنوب والتقوى والتوكل
وأضاف الإمام: "ولا ذنباً أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه". الإقلاع يعني العزم على عدم العود، أما من يترك الذنب مؤقتاً بنية العودة إليه فهذا "إصرار" على المعصية. ثم أوصى بتقوى الله، وهي أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك، فخير التقوى في الدنيا والآخرة. وأردف ذلك بالتوكل على الله في السر والعلن، والرضا بما يقدره مع الأخذ بالأسباب.
دعاء خواتيم شعبان
وختم الإمام الرضا (عليه السلام) بتعليمنا دعاءً نكثر منه في ما بقي من هذا الشهر: "اللهم إن لم تكن قد غفرت لنا فيما مضى من شعبان، فاغفر لنا فيما بقي منه". فإن الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان.
من محاضرة لسماحة الشيخ هاني البنّاء، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر، حسين الخشيمي